Полный текст (1 549 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
رِحلاته في العلم وشيوخه:
بعد أن تولى الحافظ عبد الغني رعاية البهاء وتلقينه أصول العلم ومآخذه بحفظ القرآن، وتعليمه الكتابة، سمع بدمشق قبل أن يرحل منها من عبد الله بن عبد الواحد الكناني في سنة سبع وستين (توفي ما بين ٥٧١ - ٥٨٠ هـ)، ومن القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري (ت ٥٧٢ هـ)، ومن محمد بن بركة الصلحي (ت ٥٦٥ هـ) ومن أبي الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبي العجائز (ت ٥٧٦ هـ)، قال الذهبي في تاريخ الإسلام: «وجماعة».
ويلاحظ أن هؤلاء الذين أخذ عنهم البهاء في هذه المرحلة كانوا من أكابر الشيوخ في دمشق سنًّا آنذاك؛ إلا أنهم لم يكونوا بذاك الشهرة المقصودة بالإسناد كما سيأتي عمن أخذ عنهم في رحلاته العلمية.
رحلته الأولى إلى حَران: بعد أن اشتَدَّ البهاء في العلم، قام الحافظ عبد الغني بتزويده ما يتبلغ به في الرحلة إلى حلْقة الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦١٤ هـ)، وكانت هذه أول رحلة له إلى حرّان.
وفي حرّان قعد في دار الفقيه شمس الدين أبي الفتح ابن عبدوس (ت قبل ٦٠٠ هـ)، فأكرمه وأحسن إليه، وكان عمره آنذاك قد تجاوز الخامسة عشرة، وجلس في مبتدأ إقامته يقرأ القرآن على جماعة في نحو ستة أشهر، وكان يصلي بهم التراويح.
رحلته الثانية إلى الموصل وبغداد: ثم رحل إلى بغداد مع العماد المقدسي وابن أخته عبد الله بن عمر بن أبي بكر (ت ٥٨٦ هـ)، الذي قال عنه البهاء: «كان أبو القاسم عبد الله بن عمر فيه من الذكاء والفطنة ما يدهش أهل بغداد، كان يحفظ درس الشيخ إذا ألقي عليه مرة أو مرتين، وكنت أتعب حتى أحفظه» (١).
_________
(١) تاريخ الإسلام ١٢/ ٨١٦.
стр. 72
وفي أثناء الطريق إلى بغداد نزل بالموصل وسمع على خطيبها جزءًا، ثم رحل إلى بغداد قاصدًا الشيخ علي البطائحي (ت ٥٧٢ هـ) ليختم عليه القرآن، ولكن الشيخ عليًّا وافته المنية قبل أن يدركه البهاء فحزن عليه حزنًا كثيرًا، فقد كان الشيخ علي مقرئًا شهيرًا عالمًا بالقرآن وبالقراءات العشر بارعًا فيها وباللغة العربية (١).
وأدرك في بغداد المعمَّرة الشيخة شُهدة بنت أحمد الإبري الكاتبة (ت ٥٧٤ هـ) مسندة العراق، فكان أول جزء كتبه وقرأه عليها جزء حديث مالك، قال البهاء: «ولم أدرك أعلى سندًا منها»، وسمع عليها: معاني القرآن للزجاج، ومصارع العشاق للسراج، والموطأ للقعنبي كما مر في النقل عنه (٢)، وكتاب التوكل لابن أبي الدنيا (٣).
وسمع ببغداد أيضًا من عبد الحق بن عبد الخالق اليوسفي كثيرًا (ت ٥٧٥ هـ)، وكان من المحدثين المشهورين ببغداد، قال البهاء: «وكان من بيت الحديث، فإنه روى لنا عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه» (٤)، وسمع عليه: الإبانة للسجزي بقراءة الحافظ عبد الغني المقدسي، وقال البهاء: «ومرضت ففاتني مجلس، وكان - الشيخ عبد الحق - يمشي معي من بيته إلى مكي الغراد فيعيد فوتي» (٥)، وقال أيضًا: «ورزقت منه حظًّا؛ لأنه كان يراني منكسرًا مواظبًا، وكان يعيرني الأجزاء أكتبها»، وروى عنه البهاء في حديثه كثيرًا.
وسمع ببغداد أيضًا على أبي هاشم عيسى بن أحمد الدوشابي (ت ٥٧٥ هـ)، وفيه قال: «وسمعت على أبي هاشم الدوشابي، وكان هراسًا يربي الحمام، فقلت لرفيقي عبد الله بن عمر: أريد أفاتحه في
_________
(١) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥١٢.
(٢) المصدر السابق.
(٣) ينظر: ص ٦٣.
(٤) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٥٤.
(٥) تاريخ الإسلام ١٣/ ٧٦٨.
стр. 73
الطيور عسى يلتفت علينا، فنقرأ عليه هذين الجزأين فقال: لا تفعل، فقلت: لا بد من ذلك، فقلت: يا سيدي، إن كان عندك من الطيور الجياد تعطينا وتفيدنا، فالتفت إلي وقال: يا بني، عندي الطيرة الفلانية بنت الطيرة الفلانية، ولي قنص من فلان، وانبسط، فسمعنا عليه الجزأين ولم نعد إليه».
واشتغل ببغداد أيضًا على أبي الفتح بن المنّي نصر بن فتيان (ت ٥٨٣ هـ)، وكان بارعًا في المذهب يقصده الطلاب من البلدان، وتخرّج عليه أئمة الفقه في المذهب، قال البهاء: «ثم أخذنا في سماع الدرس عليه، وكنت قليل الفهم لضيق صدري، وكنت أحب كتابة الحديث فلو كتبت النهار كله لم أضجر، وربما سهرت من أول الليل فما أشعر إلا بالصباح»، وكان الشيخ أبو الفتح يحسن إلى البهاء ويكرمه.
كما سمع ببغداد على أبي بكر عتيق بن عبد العزيز الحربي الخباز (ت ٥٧٣ هـ) (١)، وأبي شاكر يحيى بن يوسف السقلاطوني (ت ٥٧٣ هـ) وهو شيخ مسند معمَّر (٢)، وتَجَنِّي أم عتب الوهبانية (ت ٥٧٥ هـ) (٣)، وهي شيخة مسندة معمَّرة، وعلى أسعد ابن يلدرك وهو من شيوخ العراق المسندين المعمّرين (ت ٥٧٤ هـ)، وعلى أبي الفضل منوجهر بن محمد الكاتب (ت ٥٧٥ هـ)، وعلى أبي الفتح عبيد الله بن شاتيل (ت ٥٨١ هـ) وهو شيخ محدث مشهور روى عنه البهاء حديثًا في أثناء النص المحقق.
وسمع أيضًا ببغداد من أحمد بن مسعود الهاشمي (ت ٥٧٥ هـ)، وأبي المظفر أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن حمدي (ت ٥٧٦ هـ)، وأبي بكر أحمد بن علي بن الحسين بن الناعم (ت ٥٧٤ هـ)، وأحمد بن الحسين بن سلامه المنبجي الحنفي (ت ٥٧٢ هـ)، والحسن بن علي بن
_________
(١) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٢٥.
(٢) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٣٢.
(٣) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٥٠، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٥٥٠.
стр. 74
الحسن بن شيرويه (ت ٥٧٨ هـ)، وأبي صالح سعد الله بن نجا بن الوادي (ت ٥٧٤ هـ)، وأبي الفضل عبد المحسن بن تريك الأزجي (ت ٥٧٥ هـ)، وأبي العز عبد المغيث بن زهير الحربي (ت ٥٨٣ هـ)، ومحمد بن نسيم العيشوني (ت ٥٧٤ هـ)، وأبي السعادات نصرالله القزاز (ت ٥٨٣ هـ)، وأبي العز محمد بن محمد بن مواهب (ت ٥٧٦ هـ)، وأبي الثناء محمد بن محمد بن هبة الله الزيتوني (ت ٥٧٣ هـ)، وأبي الفضل مسعود بن علي بن النادر (ت ٥٧٦ هـ)، وأبي بكر المبارك بن المبارك بن الحكيم الخياط (ت ٥٧٦ هـ)، قال الذهبي: «وغيرهم كثير».
وأراد الرحلة إلى أصبهان مع الحافظ عبد الغني الذي أشار عليه بذلك، فاتفق سفر الحافظ عبد الغني مع مرض البهاء ولم يتيسر له الرحلة إليها، وجلس يكمل السماع من ابن المنّي إلى أن وقع مرضٌ في بغداد، قال البهاء: «ثم اشتغلت في مسائل الخلاف على الشيخ أبي الفتح اشتغالًا جيدًا، وكنت إذ ذاك فقيرًا ليس لي بلغة إلا من الشيخ أبي الفتح - يعني ابن المني - واتفق غلاء كثير فأحسن إلي، ثم وقع المرض، فخاف علي فجهزني وأعطاني، واتفقت أنا وعلي ابن الطالباني، ويحيى ابن الطباخ، فترافقنا إلى الموصل».
رحلته الثالثة إلى مراغة: حيث قال: «ثم ذهبنا إلى مَراغة في طلب علم الخلاف، فاكتريت إلى حران، وصبر علي الجمال بالأجرة إلى حران، وكنت أقترض من التجار ما أتبلغ به».
رحلته الرابعة إلى حران: رجع البهاء إلى حرّان مرة أخرى، وأخذ في قراءة كتاب الهداية لأبي الخطاب على شمس الدين بن عبدوس، وأتمّه في حدود سنة.
رحلته الخامسة إلى دمشق: وبعد حران رحل إلى دمشق، وتزوج فيها، وتفقّه على الموفق ابن قدامة، ولازمه وعلّق عنه الفقه واللّغة وقرأ
стр. 75
العربية، وقد اتفق الموفق والبهاء في أخذ العلم عن عدة من شيوخ، ومن ذلك: سماع الموفق مع البهاء في مجلس علم لأمالي ابن بُشران على الشيخ أبي الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن يوسف بقراءة الموفق عليه وسماع البهاء في شهر رمضان سنة ٥٧٤ هـ ببغداد (١)، كما سمع البهاء على الموفق بجامع دمشق في حلقة الحنابلة سنة ٥٧٧ هـ (٢).
رحلته السادسة إلى بغداد: ثم رحل البهاء مرة أخرى إلى بغداد في أثناء حمل زوجته بابنه محمد، وكان معه أخوه أبو بكر وابن عمه أحمد الشمس البخاري أخو الحافظ الضياء - وكانا دون سن البلوغ - واشتغل في هذه الأثناء بعلم الخلاف أي علم الفقه اشتغالًا كلِّيًّا على الشيخ أبي الفتح، قال البهاء: «ولم تكن لي همةٌ إلا علم الخلاف، فشرعت بالاشتغال على الشيخ أبي الفتح» (٣).
رحلته السابعة ورجوعه إلى نابلس: وفي سنة ٥٨٣ هـ رجع إلى نابلس بعد فتح بيت المقدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي، وصار أكثر مقامه فيها، وأمّ بالجامع الغربي منها، وصار يحدث بما سمع، وانتفع به خلق كثير.
ومن هذه النقولات تظهر لنا معالم حياة البهاء المقدسي العلمية في الأمور التالية:
أولًا: تأصل البهاء بالعلم في حياته على يد شيخه الحافظ عبد الغني المقدسي، فأخذ عنه القرآن ومبادئ العلم كما سبق، كما أخذ عن بعض المسندين في دمشق إلا أنهم لم يكونوا بتلك الشهرة، ورحل عدة رحلات إلى بغداد والموصل وحرّان، وسمع من أعالي المحدثين هناك، وكانت همته في مقتبل عمره منصرفة إلى علم الحديث، ثم اتجه إلى علم
_________
(١) من كتاب البيوتات الحنابلة ٢/ ٨٥٧.
(٢) البيوتات الحنابلة ٢/ ٨٥٨.
(٣) المصدر السابق.
стр. 76
الخلاف والفقه.
ثانيًا: أثر الرحلة في طلب العلم عليه واختيار الأصحاب فيها، مع ما حصل له بسبب فقره من الانكسار والتذلل والفطنة في أخذ العلم والحذق فيه، وصار ذلك سببًا في عناية عدد من الشيوخ به، وصدق القائل سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠].
ثالثًا: أن البهاء نشأ بين أسرة دين وعلم وتقًى، وجُبل على حسن الخلق وسماحة النفس كما كان عليه والده بل قرابته من الأئمة المقادسة جميعًا، وأثَّر عليه العلم في أخلاقه فزاده تقًى وهدًى حتى بان ذلك في هيئته وزهده، وتعاقبت هذه الصفات في ذريته من أبنائه وأحفاده حتى صارت ذرّية بعضها من بعض، فرحم الله الجميع وأسكنهم فسيح جنّاته، وجمعنا معهم في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
تتمة: المباحثات الفقهية بين البهاء المقدسي والموفق ابن قدامة:
كانت بين البهاء وبين الموفق مباحثات في مسائل فقهية:
منها: قال ابن رجب: «ومن مباحثه الحسنة: نقلت من خط بهاء الدين عبد الرحمن المقدسي: سئل شيخنا موفق الدين عن قول الخرقي: وإن أقر المحجور عليه بما يوجب حدًّا أو قصاصًا، أو طلق زوجته لزمه ذلك، وإن أقر بدينٍ لم يلزمه في حال حجره، ما الفرق بينهما؟
فقال: الفرق بينهما: أن الإقرار بالدين إقرار بالمال، والمال محجور عليه فيه، فلو قبلنا إقراره في المال أدى ذلك إلى فوات مصلحة الحجر، وهو أنه يقر لهذا بدين ولهذا، فيفوت عليه ماله، فلا يلزمه الإقرار فيه، وأما الإقرار بالحد والقصاص أو طلاق الزوجة: فإنه إقرار بشيءٍ لم يحجر عليه فيه، فلزمه، كما لولده أن يحجر عليه، وأيضًا فإنه إذا لزمه الإقرار في الحد والقصاص أدى إلى فوات حقه، وإذا لزمه الإقرار في
стр. 77
المال أدى إلى فوات حقوق الغرماء، فلزمه الإقرار على نفسه، ولم يلزمه فيما يعود إلى غيره.
فقيل له على هذا: إن الإقرار بالحد أيضًا يؤدي إلى فوات حقوق الغرماء فيما كان الحاكم قد أخذه ليقضي دينه، على الرواية التي تقول: إنه إذا كان ذا صنعة، فإن الحاكم يؤجره ليقضي بقية دينه، ومع هذا فقد ألزمناه بالإقرار.
فقال: إنما يفوت ضمنًا وتبعًا، ويصير كما نقول في الزوجة: إنها إذا أقرت بالحد أو القصاص لزمها، وإن فات حق الزوج.
فقيل له: فما تقول في الحامل إذا أقرت بما يوجب حدًّا أو قصاصًا، أليس إنه ينتظر بها حتى تلد؟ فقال: ههنا يمكن الجمع بين الحقين، بخلاف ما نحن فيه» (١).
ومنها: أيضًا قول ابن رجب: «قرأت بخط الشيخ بهاء الدين، قال الخرقي: وإذا قال له: يا لوطي، وقال: أردت أنه من قوم لوط، فلا شيء عليه. وقال: إذا قَذف من كان مشركًا وقال: أردت أنه زَنَى وهو مشرك، لم يلتفت إلى قوله: وحُدَّ، سألت موفق الدين عن الفرق بينهما؟ فقال: قد قيل في الأدلة: إنها على خلاف الظاهر، وأنه لا يلتفت إلى قوله كالثانية، لأن قوم لوط قد انقرضوا، وهذا بعيد، وإن فرق بينهما، فلأنه إذا قال: أردت أنه زنى وهو مشرك، فقد ألحق به العار في الحال بقوله: يا زاني، والزنى عار في حالة الشرك، وقد وصفه به وهو مسلم، فلا يلتفت إلى تفسيره ويحد. وأما إذا قال: يا لوطي، وقال: أردت أنك من قوم لوط فقد نفى عنه العار، لأن كونه من قوم لوط: لا عار فيه، وقد فسر اللفظ بما يحتمله. والله أعلم» (٢).
_________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٣٠٦.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٣٦١.
стр. 78
عنايته بالحديث وطلابه وثناء العلماء عليه:
نشأت عن البهاء المقدسي ﵀ علاقة بين سماع الحديث وإسماعه، فبإزاء حرصه على سماع الحديث والرحلة فيه وتنوع الشيوخ لديه كان حرصه على تبليغ العلم وإسماعه.
وفي ذلك ما قال تلميذه الحافظ الضياء المقدسي: «كان راغبًا في التحديث، وكان يدخل الجبل - أي جبل قاسيون - قاصدًا لمن يسمع عليه، وربما أتى بغدائه فيطعمه لمن يقرأ عليه، وتفرّد بعدة كتب وأجزاء، وانقطع بموته حديث كثير يعني بدمشق» (١).
واشتهر عن البهاء حبه للتحديث، ولذلك قال الذهبي: «وكان ينفق حديثه، فحدث بقطعة كبيرة منه ببعلبك، وبنابلس، وبجامع دمشق، وكان إمامًا في الفقه، لا بأس به في الحديث».
وقال الحافظ الضياء أيضًا: «كان إمامًا فقيهًا مناظرًا، اشتغل على ابن المنّي، وسمع الكثير، وكتب الكثير بخطه، وأقام بنابلس سنين كثيرة بعد الفتوح يؤم بالجامع الغربي منها، وانتفع به خلق كثير من أهل نابلس وأهل القرايا» (٢).
ومع ذلك لم تغفل حياة البهاء من العناية بإصلاح قلبه والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، حتى عده ابن طولون في أثناء ذكره لمشايخ الصالحية أنه أحد زهادها، لما برز به وغلب عليه جانب الصلاح في ذلك (٣).
ولذلك كثر تلاميذ البهاء وكثر الآخذون عنه، فممن أخذ عنه:
الحافظ الإمام ضياء الدين محمد بن عبد الواحد السعدي المقدسي.
_________
(١) تاريخ الإسلام ١٣/ ٧٦٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية ص ٤٧٥.
стр. 79
والحافظ زكي الدين محمد بن يوسف البِرزالي (ت ٦٣٤ هـ).
والشيخ سيف الدين أحمد بن المجد عيسى بن عبد الله بن قدامة.
وأبو المظفر شمس الدين يوسف ابن قزغلي المعروف بسبط ابن الجوزي الحنفي (ت ٦٥٤ هـ).
وأبو حامد جمال الدين محمد ابن علي بن الصابوني (ت ٦٨٠ هـ) شيخ دار الحديث النورية.
والإمام شمس الدين محمد بن عبد الرحيم بن الكمال المقدسي (ت ٦٨٨ هـ).
والإمام الحافظ أبو المظفر شرف الدين يوسف بن الحسن (ت ٦٧١ هـ)، ولي مشيخة دار الحديث النورية.
وحدث عن البهاء ببعلبك:
أبو محمد تاج الدين عبد الخالق بن عبد السلام الشافعي (ت ٦٩٦ هـ)، وهو من أجلة شيوخ الذهبي (١).
وعبد الكريم بن زيد.
والشيخ فخر الدين محمد بلغزى (ت ٦٩٦ هـ)، وهو رجل دين مكثر عن البهاء، سمع منه جماعة من الكبار ببعلبك (٢).
والإمام العالم المحدث أبو الحسين شرف الدين علي بن محمد اليونيني البعلبَكِّي الحنبلي، (ت ٧٠١ هـ).
وداود بن محفوظ.
وطي بن مصبح (ت ٦٨٤ هـ).
وعثمان بن أبي محمد بن طولون (ت ٦٨٤ هـ).
_________
(١) تاريخ الإسلام ١٥/ ٨٤٠
(٢) تاريخ الإسلام ١٥/ ٨٤٥
стр. 80
ونويعر بن عمر (ت ٦٨٤ هـ).
وعثمان بن أبي محمد بن خولان (ت ٦٨٥ هـ).
وغريب بن حاتم (ت ٦٨٥ هـ).
وعبد الولي بن أبي محمد بن طولون (ت ٦٩٠ هـ).
والشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أحمد (ت ٦٩١ هـ).
ومحمد بن علي بن داود الدقاق (ت ٦٩٢ هـ).
وإسحاق بن إبراهيم بن سلطان البعلبكِّي (ت ٦٩٣ هـ).
والشيخة الصالحة المعمرة ست الأهل بنت الناصح علوان بن سعيد ابن علوان بن كامل الحنبلية البعلبكية أم أحمد، وتعرف بأم القاضي الحريري، تكاثر عليها المحدثون، تفردت عن البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي بكتاب الزهد للإمام أحمد في أربع مجلدات، وسمعت منه غير ذلك. (١)
وحدث عنه بدمشق:
الشيخ عز الدين أحمد بن العماد المقدسي (ت ٧٠٠ هـ).
والشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي (ت ٦٩٩ هـ).
والشيخ عز الدين إسماعيل بن عبد الرحمن (ت ٧٠٠ هـ).
والتقي أحمد بن المؤمن.
وشمس الدين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن الموازيني (ت ٧٠٨ هـ) وبه ختم حديثه.
وحدث عنه بنابلس:
الشيخ أبو محمد عماد الدين عبد الحافظ بن بدران المقدسي
_________
(١) ينظر: ذيل التقييد لأبي الطيب الفاسي ٢/ ٣٧٣، والوافي بالوفيات ١٥/ ٧٣.
стр. 81
(ت ٦٩٨ هـ).
كما أجاز البهاء المقدسي لعدد من المقادسة وغيرهم في استدعاء شهر شعبان سنة ستمئة للهجرة، منهم: المطهر بن سديد (ت ٦١٦ هـ)، والمحدث عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني (ت ٦١٨ هـ)، وعلي بن القاسم ابن الحافظ ابن عساكر (ت ٦١٦ هـ)، والحافظ شمس الدين يوسف بن خليل الأدمي الدمشقي (٦٤٨ هـ)، والحافظ محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي (ت ٦١٤ هـ)، ومجد الدين عيسى بن الموفق ابن قدامة المقدسي (ت ٦١٥ هـ)، وشمس الدين أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بالبخاري (ت ٦٢٣ هـ)، وشقيقه كمال الدين عبد الرحيم (ت ٦١٢ هـ)، وشقيق الحافظ محمد ضياء المقدسي: أحمد (ت ٦٣٨ هـ) وإبراهيم وموسى (ت ٦٣٤ هـ) أولاد محمد بن خلف، وعبد الله بن أبي عمر المقدسي، والملك المحسن أحمد بن الملك ناصر الدين صلاح الدين الأيوبي (ت ٦٣٤ هـ) وغيرهم (١).
ومما نُقل سماعه عن البهاء المقدسي ما نقله الحافظ الضياء المقدسي في تلقيه عنه عددًا من السماعات:
فسُمِع عليه كتاب الاعتقاد للإسماعيلي.
وسمع عليه الجزء الثاني من أمالي القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي من رواية شُهدة الإبري بسماع البهاء منها.
وسُمِعَ عليه كتاب التوكل لابن أبي الدنيا بسماع البهاء من شيخته شُهدة.
وسُمِعَ الجزء الأول من حديث أبي بكر محمد بن جعفر الأنباري البندار بقراءة الضياء عليه.
_________
(١) المشيخة البلدانية ١/ ٢٨٨.
стр. 82
وسُمِعَ عليه جزءًا فيه حديث أبي عبد الله الحسين بن يحيى القطان من سماعه على شيخته شُهدة الكاتبة.
وسُمِعَ عليه الجزء الثاني من الأول من الفوائد المنتخبة عن أبي شعيب الحراني وأبي يعقوب القاضي، وأبي حفص القاضي وأبي محمد الحسن بن علويه القطان عن شيوخهم بسماع البهاء من ابن شاتيل الدّباس.
وسُمِعَ عليه أيضًا جزء فيه عشرة مجالس من أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله الحرفي السمّار.
وسُمِعَ عليه جزء في مجلس من أمالي أبي القاسم عبد الملك بن محمد بن بُشران.
وسُمِعَ عليه كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام من سماعه على شيخته شهدة الكاتبة.
وسمع عليه كتاب المصافحة للبرقاني من سماعه على شيخته شهدة الكاتبة. (١)
ملحق في بيان المخطوطات بخطه وسماعاته:
قال الدكتور محمد مطيع الحافظ: «ملحق: في المكتبة الظاهرية مخطوطات بخط عبد الرحمن المقدسي، وفيها سماعاته على شيوخه، وهذه الكتب يرويها الضياء عن شيخه عبد الرحمن المقدسي إجازة إن لم يكن سماعًا» (٢)، ثم شرع يعددها وأنا أذكرها تبعًا له وفقه الله:
أحاديث وحكايات فيه حديث عيسى بن مريم ﵇، وحديث الضب مع النبي ﷺ ، وحديث الطير مع أبي بكر الصديق ﵁، وحكايات
_________
(١) ينظر: ذيل التقييد لأبي الطيب الفاسي ٢/ ٨١.
(٢) ينظر: كتابه الفتح المبين ١/ ٣٠٠.
стр. 83
منقولة من كتاب السمرقندي.
كتاب أحكام العيدين لأبي بكر الفريابي، كتبه بخطه، وسُمِعَ عليه سنه ٥٧٢ هجري ضمن مجموع ٧٥.
وأمالي الصنعاني الجزء الثاني، لمؤلفه: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، كتبه سنة ٥٧٣.
- ومحنة الإمام أحمد الجزء الثاني، لمؤلفه: حنبل بن إسحاق، برواية ابن السماك، وعليها عدد من السماعات سنة ٦٠٢ هـ، ٦١٧ هـ، ويقع في المجموع ٤٨ (ق ٩٠ - ١٠٨).
حديث ابن السماك الجزء الأول من الرابع، سُمع عليه سنة ٦٢٣ هـ، ويقع في المجموع ٦٣ (ق ٩١ - ١١٧).
أحاديث منتقاة وحكايات منتخبة، لمؤلفه: أبي النصر عبد الرحيم ابن عبد الخالق البغدادي الخياط، كتبها البهاء لنفسه سنة ٥٧٣ هـ، وسمعها في السنة المذكورة، وعليها سماع بخط الحافظ عبد الغني المقدسي، وتقع في المجموع ٧٠ (ق ٩٩ - ١١٢).
حديث ابن بخيت الدقاق الجزء الثاني وهو آخر الكتاب، لمؤلفه: محمد بن عبد الله العكبري، رواية ابن الجندي، رواية شُهدة، ويقع في المجموع ٧٥ (ق ٣٩ - ٤٤).
المحبة لله سبحانه، لمؤلفه إبراهيم بن عبد الله الخُتَّلي، كتبه البهاء سنة ٥٧٢ هـ، وسمعه سنة ٥٧٣ هـ، وسُمع عليه سنة ٥٩٢، وعليه عدة سماعات، ويقع في المجموع ٧٥ (ق ٦٩ - ٩٥).
أمالي ابن البَخْتَري ثلاثة مجالس منها، لمؤلفه محمد بن عمرو بن البختري، وسمع عليه سنة ٦١٨، ٦١٩، ٦٢٤ هـ، ويقع في المجموع ٧٥ (ق ١١٥ - ١٢٤).
أمالي ابن بُشران سبعة مجالس، لمؤلفه عبد الملك بن محمد بن
стр. 84
عبد الله بن بُشران، كتبها البهاء لنفسه سنة ٥٧٤ هـ، وهي في المجموع ٧٥ (ق ١٢٥ - ١٣٤).
كتاب الأفراد أو حديث العطاردي وغيره، لمؤلفه الحسن بن أحمد ابن إبراهيم بن شاذان البزاز، كتبه في سنة ٥٧٤ هـ، ويقع في المجموع ٧٥ (ق ١٣٥ - ١٤٧).
الرحلة في طلب الحديث، لمؤلفه أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، كتبها البهاء سنة ٥٧٤ هـ، وسُمعت عليه سنة ٦٢٤ هـ ببعلبك، وتقع في المجموع ٧٥ (ق ١٦٨ - ١٧٨).
المنتقى من حديث أبي الهيثم الأنباري، لمؤلفه: أبي بكر الأنباري، انتقاه البهاء وسمعه على شيخه عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف سنة ٥٧٤ هـ، وسُمعت عليه سنة ٦٢٤ هـ بدمشق بالعقيبة بمنزل الأمير شجاع الدين، ويقع في المجموع ٧٥ (ق ١٧٩ - ١٩٠).
كتاب فضائل القرآن، وما نزل من القرآن بمكة، وما نزل بالمدينة الجزء الأول والثالث، لمؤلفه: محمد بن أيوب ابن الضريس، كتبه البهاء سنة ٥٧٣ هـ، وعليه سماعات، ويقع ضمن المجموع ٧٨ (ق ٦١ - ١٢٤).
حديث هشام بن عمار السلمي، لمؤلفه هشام بن عمار، وسُمع عليه، يقع في المجموع ٨٥ (٦٣ - ٩٢).
ومن هذه النقول والأخبار عن البهاء يتبين عنايته بالحديث سماعًا وإسماعًا، كما يتبين منها حرصه على طلابه، وبذل نفسه في سبيل التعليم، وأخذ عن جماعة من كبار المحدثين والمسندين من بعده، وما زال به الإقبال على الحديث إلى آخر حياته، إذ حكى المنذري عنه فقال: «وأقبل في آخر عمره على الحديث إقبالًا كليًّا، وكتب منه الكثير» (١).
_________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٣٦١.
стр. 85
وقد وقفت على جملة من الأحاديث التي حدث بها ورواها بسنده، ولكني لم أوردها في هذا المقام خشية الإطالة.
أعماله العلمية:
من الأعمال العلمية التي ذكرت عن البهاء غير ما ذكرته من نسخه بعض الكتب هو الآتي:
١ - كتاب العدة شرح العمدة للموفق ابن قدامة، والكتاب مطبوع مشهور متداول بعدة طبعات، أشهرها طبعة المكتبة السلفية، وطبعة بتحقيق عبد الرزاق المهدي صادرة عن دار الكتاب العربي، وطبعة بتحقيق الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي صادرة عن مؤسسة الرسالة.
قال عنه أحمد بن نصر الله البغدادي: «شرح العمدة للشيخ موفق الدين [في] مجلد، وهو شرح مختصر» (١).
٢ - شرح المقنع، وهو موضوع الكتاب.
٣ - المنتقى من حديث أبي بكر بن الهيثم الأنباري، ذكره الشيخ الألباني ضمن كتابه فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية المنتخب من مخطوطات الحديث ص ٣٢٣ وقال: «في المخطوط ٨٩٥ في المجموع ٧٥ (ق ١٥٧ - ١٦٧)».
٤ - مشيخة البهاء المقدسي، نقل عنه الذهبي في تاريخ الإسلام ١٤/ ٤٨٥ و ١٥/ ٣٥٤، وكان من ضمن ما جاء فيها قول الذهبي: «وقرأت بخط البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم في مشيخته: أنشدني الزاهد العارف أبو عيسى موسى بن محمد بن خلف المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) لنفسه:
_________
(١) مخطوط مختصر ذيل طبقات الحنابلة اللوحة ٦٣/ أ.
стр. 86
يا غافلًا عن رشده متعامي … متورطًا في ورطة الآثام
أَحسِبتَ أن الفقر لُبْسُ عباءة … أو كشفُ رأس أو حفى أقدام
الفقر تركك حظَّ نفسك والهوى … متقيّدًا بشريعة الإسلام
٥ - وله تصانيف أخرى قال عنها الحافظ ابن رجب: «وصنف في الفقه والحديث والرقائق» (١)، ولكنه لم يذكر سوى العمدة وشرح المقنع، وقد سبق النقل عن المنذري بأن البهاء ﵀ أقبل في آخر عمره على الحديث إقبالًا كليًّا، وكتب منه الكثير»، فالله أعلم ما للبهاء غير ما سبق من التصانيف.
وفاته:
توفي البهاء ﵀ في اليوم السابع من ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمئة من الهجرة (٦٢٤ هـ)، عن تسع وستين سنة، ودفن من ليلته في سفح قاسيون، فرحمه الله وغفر له وأعلى قدره في منازل الصالحين.
هذا ما تيسر لي جمعه وتحريره من ترجمة وأخبار هذا العلم الهمام بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، فإن وفقت فهو بتوفيق الله ومنته، وإن أخطأت أو تجاوزت فهو من نفسي المقصرة والشيطان، والله أسأل العفو والغفران.
* * * *
_________
(١) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة ٣/ ٣٦٠.
стр. 87
المطلب الثاني
التعريف بشرح المقنع
وفيه ست مسائل:
المسألة الأولى: اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه:
لم أجد في المخطوط ما يشير إلى اسم الكتاب، ووجدت مكتوبًا في أوله (شرط الانتفاع به لواقفه: عبد الله بن خلف)، وبخط مختلف آخر (أحد شروح المقنع، وهو وقف لله تعالى)، وقد نُسب الكتاب (شرح المقنع) بهذا الاسم إلى مؤلفه البهاء المقدسي كما سيأتي.
وأما عن نسبته إلى مؤلفه فبعد دراسة المخطوط والبحث والنظر فيه، وسؤال أهل الخبرة والاختصاص، تبين لي أنه لبهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي الحنبلي ﵀، وفقًا للأدلة التالية:
أولًا: ما ذكره أكثر من ترجم للبهاء أن له شرحًا على المقنع، وعددهم يربو على العشرة، منهم:
١ - ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، نقل عنه الذهبي قوله: «وشرح كتاب المقنع وكتاب العمدة لشيخنا موفق الدين». وقيل: إن قوله ذلك في مصنفٍ للضياء تكلم فيه عن مشيخته، والضياء محمد أخذ على البهاء.
٢ - شمس الدين الذهبي: «وشرح كتاب المقنع». (١)
_________
(١) لتوثيق الدليلين الأول والثاني: تاريخ الإسلام ١٣/ ٧٦٨، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٧١.
стр. 88
٣ - زين الدين عبد الرحمن ابن رجب في ترجمته، وقال: «ويقال: إنه شرح المقنع أيضًا». (١)
قلت: ولعل حكايته للكتاب بصيغة التمريض والتضعيف بسبب عدم شيوع الكتاب وانتشاره كما سيأتي في تقويم الكتاب، وذكر من نقل عنه والله أعلم.
٤ - القاضي أحمد بن نصرالله البغدادي ثم المصري في ترجمة البهاء، وقال: «قال شيخنا - الحافظ ابن رجب: ويقال إنه شرح المقنع، انتهى. وشرحه للمقنع محقق، وهو عندي في ثلاث مجاليد كبار». (٢)
٥ - صلاح الدين الصفدي في ترجمته. (٣)
٦ - العلامة عبد الله بن علي بن حميد المكي الحنبلي. (٤)
٧ - مجد الدين العليمي، وحكايته في ذكر الكتاب نحو حكاية ابن رجب له. (٥)
٨ - إسماعيل بن محمد البغدادي. (٦)
٩ - عبد الحي بن أحمد ابن العماد الحنبلي، وجاءت حكايته للكتاب
_________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٦٣.
(٢) مخطوط مختصر الذيل على طبقات الحنابلة في اللوحة ٦٣/ أ، وسبق في ١/ ١٦ أني استفدت النقل أولًا من مقدمة الشيخ عبد العزيز بن محمد المانع ﵀ على كتاب المبدع ١٠/ ١ طبعة المكتب الإسلامي، ثم أمدني الشيخ الفاضل: أبو جنة الحنبلي مصطفى بن محمد القباني بصور عن مخطوط الكتاب فيما يتعلق بترجمة البهاء، فجزاه الله خيرًا.
(٣) الوافي بالوفيات ١٨/ ٥٧.
(٤) الدر المنضد في أسماء كتب مذهب مذهب الإمام أحمد في الترجمة رقم ٣٨.
(٥) المنهج الأحمد ٤/ ١٨٦.
(٦) هدية العارفين ١/ ٥٢٣.
стр. 89
على طريقة حكاية ابن رجب له. (١)
١٠ - عمر كحالة في معجم المؤلفين. (٢)
١١ - الشيخ بكر أبو زيد، ونقل عن الذهبي في السير أنه قال: «إنه أول شرح للمقنع»، ورجعت لموضع الإحالة وهي ترجمة البهاء ولم أجد هذا النقل والله أعلم. (٣)
١٢ - الشيخ أ. د. عبد الله التركي في المذهب الحنبلي. (٤)
١٣ - أ. د. عبد الله الطريقي في معجم مصنفات الحنابلة. (٥)
ثانيًا: وجدت في المخطوط ما يدل على صحة نسبة الشرح للبهاء المقدسي، ومن ذلك:
(١) النقل عن شيخه الموفق ابن قدامة، فقد نقل في المخطوطة عنه أكثر من نَقْلٍ موافقٍ لكلامه، ومنها سبعة مواضع اختياراتٌ فقهيةٌ صدرها ب (قال شيخنا)، وهي مطابقة لتقريرات ابن قدامة ﵀ في الكافي والمغني، إما نصًّا أو معنًى، مما يدل على أن الشرح إنما هو لأحد تلاميذ الموفق ابن قدامة ﵀، وسأوردها حسب تسلسلها في الشرح، فمن ذلك:
أ - قوله في المسألة [١٣٧/ ٢٣]: «فإن تيمم وعليه ما يجوز له المسح عليه، ثم خلعه، فقال أصحابنا: يبطل تيممه؛ لأنه من مبطلات الوضوء، وقال شيخنا: لا يبطل تيممه». وهي موافقة لتقرير الموفق في المغني ١/ ١٩٦، والكافي ١/ ١٥٢.
ب - قوله في المسألة [١٨٩/ ٢٢] فيما لو تغيرت عادة المرأة في الحيض بزيادةٍ، أو تقدمٍ، أو تأخرٍ، أو انتقالٍ: «قال شيخنا: ويقوى
_________
(١) شذرات الذهب ٧/ ٢٠٠.
(٢) / ١١٢.
(٣) المدخل المفصل ٢/ ٧٢٢، ٩٨١.
(٤) / ٢٣٨.
(٥) / ١٠٩.
стр. 90
عندي أنها تجلس متى رأت دمًا يمكن أن يكون حيضًا وافق العادة أو خالفها»، وهو مطابق بالنص لكلام ابن قدامة في الكافي ١/ ١٧٠ - ١٧١.
ت - قوله في المسألة [٤٠٨/ ٧] فيما إذا نفخ في الصلاة: «قال شيخنا ﵀: ودليل جوازه ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال … »، وهو تقرير ابن قدامة في المغني ١/ ٣٩٤.
ث - قوله في المسألة [٤١٠/ ٩] فيمن نسي التشهد واستتم قائمًا هل يجوز له الرجوع: «قال شيخنا ﵀: ويقوى عندي أنه لا يجوز له الرجوع للخبر»، وهو تقرير الموفق في المغني ١/ ٣٩٧.
ج قوله في المسألة [٥٥٨/ ٨] في شرط الاستيطان لصلاة العيد: «يشترط لوجوبها ما يشترط للجمعة بالقياس على الجمعة، ولا يشترط لصحتها الاستيطان، ولا العدد؛ لحديث أنس ﵁» وهو مطابق لتقرير الموفق في الكافي ١/ ٥١٣.
ح قوله في المسألة [٧٢٠/ ١] في أصناف المال الذي تجب فيه الزكاة في مسألة المتولد من الوحشي والأهلي: «والصحيح عندي أنه لا زكاة فيه»، وهو ظاهر كلام الموفق في المغني ٢/ ٢٤١.
خ قوله في المسألة [١١٦٨/ ٣٩] في تحديد كفارة من ترك بعض ليالي مِنًى في الحج: «قال شيخنا: والأولى أن لا توقيت في ذلك»، وبنحوه في المغني ٣/ ٢٣٢.
د - قوله في المسألة [١٤١٦/ ١٢] في بيع الأدهان النجسة للكافر: «قال شيخنا ﵀: ويجوز أن تُدفع للكافر في فِكاك مُسلم، ويُعْلِمُ الكافر بنجاسته؛ لأنه ليس ببيعٍ في الحقيقة، إنما يستنقذ المسلم به»، قلت: قول ابن قدامة لم أجده في كتبه، ونقل عنه العبارة ذاتها ابن أبي عمر في الشرح الكبير ١١/ ٥١، وصدرها بقوله: قال شيخنا، ولعل المصنف والشارح تلقوها منه شفاهة أو هي من فتاواه، والله أعلم.
стр. 91
ولكن قد جاء في المبدع ٤/ ١٥ قوله: «وفي المغني يجوز أن تدفع إلى كافر في فكاك مسلم … »، ولعلها في نسخة أخرى للمغني والله أعلم.
ذ قوله في المسألة [١٤٩٥/ ٣٧] «وإن كان أحد المبيعين معيبًا فله رده بقسطه»، وهو تقرير الموفق في المغني ٤/ ١١٨.
وقال أيضًا في المسألة ذاتها: «قال شيخنا: والذي يقتضيه النَّظر أنه إن كان المبيع مما ينقصه التفريق كمصراعي بابٍ فإنه يمنع الرَّد؛ لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة أو الشَّرِكَة، وإن كان مما لا ينقص بالتَّفريقِ فباع أحدهما ثم وجد بالآخر عيبًا، فهل له رَدُّ الباقي في ملكه؟ يُخرَّج على روايتين بناءً على تفريق الصفقة»، وهو ذات تقرير الموفق في الكافي ٣/ ١٢٧.
ر قوله في المسألة [١٥٠٧/ ٤٩] فيما إن مات المتبايعان فورثتهما بمنزلتهما وتفاسخا جميعًا، وهل ينفسخ البيع؟: «قال شيخنا: والذي يقوى عندي: أنه إن فَسَخَ المظلوم منهما انفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الفسخ مباحٌ باطنًا وظاهرًا فيثبت حكمهم في الظاهر والباطن كالفسخ بالعيب، وإن فسخه الظالم لم ينفسخ باطنًا؛ لأنه لا يحِلُّ له الفسخ، فلم يثبت حكمه باطنًا كما لو ادعى العيب من غير عيبٍ، وفُسخ بذلك»، وهو تقرير الموفق في المغني ٤/ ١٣٧.
ز قوله في المسألة [١٥٩٧/ ٣٢] فيما إذا انفسخ عقد السلم بإقالةٍ أو غيرها لم يجز أن يأخذ عن الثَّمنِ عوضًا من غير جنسه: «قال شيخنا: «فإن قلنا بهذا فحكمه حكم ما لو كان في قرضٍ أو ثمنًا في بيوع الأعيان، لا يجوز أن يجعل سَلَمًا في شيء آخر .. »، وهو نص كلام الموفق في المغني ٤/ ٢٠٢.
وقد اقتصرت على ذكر بعض النقول لمطابقة الاختيار، وإلا فهي كثيرة جدًا، فتبين مما سبق أن هذا الشرح إنما هو لأحد تلاميذ ابن قدامة
стр. 92
﵀ الذين أخذوا الفقه عنه، وبسبر من أخذوا العلم عن الموفق ابن قدامة وألفوا حول المقنع شرحًا تأتي النقطة التالية.
(٢) الموازنة بين شراح المقنع، فمن من جهة السبر والتقسيم حصرت كل من ذكر عنه أنه شرح كتاب المقنع لابن قدامة ﵀ في المطلب السابق، ومنهم قريب العهد بعصر الموفق وهم:
١ - بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي (ت ٦٢٤ هـ).
٢ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، ابن أخ الموفق صاحب الشرح الكبير (ت ٦٨٢ هـ).
٣ - أحمد بن حمدان الحراني (ت ٦٩٥ هـ).
٤ - زين الدين أبو البركات المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي الدمشقي (ت ٦٩٥ هـ).
٥ - محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد الله المقدسي (ت ٦٩٩ هـ) بلغ في شرحه إلى كتاب الزكاة.
٦ - مسعود بن أحمد الحارثي (ت ٧١١ هـ) شرح قطعة منه في نهاية كتاب المقنع.
٧ - إبراهيم بن عبيدان (ت ٧٣٤)، شرح قطعة منه إلى باب ستر العورة.
وبعد الرجوع إلى تراجم هؤلاء، ومعرفة تاريخ وفياتهم، استثنينا كلًّا من: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، لأن الشرح في المخطوطة يختلف عن المطبوع من الشرح الكبير كمًّا وكيفًا.
كما استبعدنا زين الدين أبا البركات المنجا بن عثمان ومن بعده؛ لأن شرح ابن المنجا والحارثي مطبوعان، ولأنهما لم يدركا الموفق ابن قدامة ﵀ ولم يتفقَّها عليه، فلا يناسبهما قول صاحب المخطوط: «قال شيخنا».
стр. 93
كما نستبعد أيضًا شرحي أحمد بن حمدان الحراني ومحمد بن عبد القوي المقدسي، لأنهما لم يتَفقَّها على ابن قدامة أيضًا، ولأن محمد بن عبد القوي المقدسي بلغ شرحه إلى كتاب الزكاة فقط، والشرح في المخطوط بلغ أثناء كتاب البيوع.
فلم يتبق من شراح المقنع إلا شرح بهاء الدين المقدسي ﵀، فيكون الأولى بنسبة الكتاب إليه، فتبين أن الشرح له.
(٣) التطابق بين شروح المصنف، فقد وجدت عبارات كثيرة في المخطوطة مطابقة تمامًا لعباراته في العدة شرح العمدة، وبعضها نص ترجيحه بالعدة، سأورد نماذج منها على سبيل المثال لا الحصر:
أ قال في المسألة [٩/ ٣]: «إلا أن تكون الضَّبَّةُ يسيرةً من الفضَّة، كتَشعيب القَدَح فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال؛ لما روي: أن قدَح رسول الله ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشَّعبِ سلسلةً من فضة رواه البخاري، واشترط أبو الخطاب: أن تكون لحاجة؛ لأن الرخصة وردت في شَعْبِ القَدَح وهو لحاجةٍ، وقال القاضي: يباح من غير حاجةٍ؛ لأنه يسيرٌ»، وهي نص عبارة البهاء في العدة شرح العمدة ص ٢٨.
ب قال في المسألة [١٠/ ٤]: «فأما ثياب الكفار، فما لم يلبَسوه أو علا من ثيابهم كالعِمامة والطَّيلسان فهو طاهرٌ؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يلبَسون ثيابًا من نَسْجِ الكفار، وما لاقى عوراتهم فقال أحمد: أحبُّ إلي أن يعيد إذا صلى فيها، فيحتمل وجوب الإعادة، وهو قول القاضي؛ لأنهم يتعبدون بالنجاسة، ويحتمل ألّا يجب، وهو قول أبي الخطاب؛ لأن الأصل الطهارة، فلا تزول عنها بالشك»، وهي ذات العبارة نصًّا في العدة ص ٢٩.
ج - قال في الرابع من شروط البيع في حكم من باع ما لم يملك: «لم يصح؛ لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: لا تبع ما ليس عندك
стр. 94
رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، يعني: ما لا تَملِك؛ لأنه ذكره جوابًا له حين سأله أن يبيع الشَّيء، ثم يمضي ويشتريه ويسلِّمه، ولاتفاقنا على صحة بيع مالِه الغائب عنه، ولأنه عقدٌ على ما لا يَقدِرُ على تسليمه فأشبه الطير في الهواء، وعنه: يصح ويقف على إجازة المالك؛ لما روى عروة بن الجعد البارقي ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري به شاةً فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينارٍ في الطريق، قال: فأتيت النبي ﷺ بالدِّينار والشَّاة وأخبرته، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك، رواه الأثرم وابن ماجه، ولأنه عقدٌ له مُجيزٌ حالَ وقوعه فيجب أن يَقِفَ على إجازته كالوصية بما زاد على الثُّلث للأجنبي، والصحيح الأول، وأما حديث عروة فمحمولٌ على أن وكالته كانت مطلقةً، بدليل أنه سَلَّم وتسلَّم، وليس ذلك لغير المالك باتفاقنا، وأما الوصية فيتأخر فيها القبول عن الإيجاب، ولا يعتبر أن يكون لها مُجيزٌ حال وقوع العقد، ويجوز فيها من الغَرَرِ ما لا يجوز في البيع فافترقتا»، وهو نص كلامه وترجيحه في العدة ص ٣٠١.
ومثل هذا التشابه الحرفي كثير جدًّا، ولم أذكرها وأتتبعها جميعًا خشية الإطالة، وسيأتي في أثناء التعليق على النص المحقق مزيد تصويبات وتصحيحات وتسديد نقص من النص المحقق من كتاب العدة للمصنف.
(٤) الاقتران في أسلوب الشرح مع كتاب العدة له، قارنت بين أسلوب المخطوط وبين أسلوب البهاء في شرح العدة، فإذا هو الأسلوب نفسه، والطريقة ذاتها، ويتبين هذا بالنقاط التالية:
أ وجدت البهاء ﵀ يشرح عبارات المتن بقوله: «مسألة»، ثم ينتقل إلى المسألة التي بعدها كذلك، وهكذا يسير في كل الشرح.
ب يذكر المسألة ويستدل لها بالكتاب والسنة والإجماع ويورد آثار
стр. 95
السلف فيها إن تيسرت.
ج - يذكر في أثناء شرحه اختيارات ابن قدامة ﵀ في كثير من المواضع، ويصدرها بقوله: «قال شيخنا».
د - يشرح عبارات الماتن ويستدل لها، ثم يشير إلى الرواية الأخرى في المذهب بقول: «وعنه»، ويستدل لها كذلك، ثم يرجح إحداهما، ويجيب عن وجه الاستدلال في الرواية الأخرى.
(٥) النقل عمن سبقه، استخرجت من المخطوط كل من نقل عنهم ثم رجعت إلى تراجمهم وتاريخ وفياتهم، فوجدتهم جميعًا من المتقدمين عن بهاء الدين المقدسي، وتحاشيت ذكرهم في هذا الموضع لكثرتهم، ويمكن الرجوع إلى فهرس الأعلام للإحاطة بهم.
(٦) الإتيان بصيغة التحمل والأداء في الحديث، مما جاء في ترجمة البهاء أنه كان كثير السماع للحديث حريصًا على التحديث به، وجاء في آخر اللوحة ٩٠/ أ استدلال بحديث صدر بقول المصنف: «لما أخبرنا به عبيد الله بن شاتيل، قال أخبرنا أبو غالب الباقلاني، أخبرنا أبو القاسم ابن بُشران»، وبالرجوع إلى ترجمة عبيد الله بن شاتيل تبين أنه المكنى بأبي الفتح عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن نجا بن شاتيل البغدادي الدباس (٤٩١ - ٥٨١ هـ)، شيخٌ محدثٌ مشهورٌ معاصر للمصنف البهاء وشيخه الموفق، سمع أباه، والحسين بن علي بن البسري، وأبا غالب الباقلاني - وهو من يليه بالإسناد وغيرهم.
ذكر الذهبي عنه: أنه عمِّر دهرًا، وتفرد، ورحلوا إليه، انتهى إليه علو الإسناد، حدث عنه: - جماعة عددهم - منهم الموفق ابن قدامة، والمصنف: البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم (١)، كما قرر البهاء المقدسي
_________
(١) سير أعلام النبلاء ٢١/ ١١٧، وستأتي ترجمة عبيد الله بن شاتيل في أثناء النص المحقق.
стр. 96
أيضًا أنه سمع من ابن شاتيل (١).
ولم أجد هذا السند في كتب الموفق أو في غيرها من كتب الحنابلة، مما يترجح لي أن الحديث المسموع من أبي الفتح هو من الإمام بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم نفسه. (٢)
(٧) الإشارة لشرحه في الحاشية، ففي اللوحة ٣/ ب وعنها في الكتاب (١/ ١٥٨) حاشية على هامش الكتاب ذهبت بعض أطرافها من أثر الترميم إلا أن غالبها مقروء، وما جرى على الترميم تمكن قراءته من سياق الكلام وسباقه، وقد حاولت جاهدًا تقدير الكلمات الغامضة فيها والساقطة، وأثبتها في موضعها من النص المحقق، ويظهر أن الحاشية كانت استدراكًا على كلام المصنف البهاء، وكان مما جاء فيها: «فشرح [البهاء] المقدسي للرواية الثانية في استعماله في اليابسات بتفصيل ما كان طاهرًا في حال الحياة ليس بجيد لمن أنصف والله أعلم»، وقد وضعت كلمة البهاء بين حاصرتين لأنها ليست بذاك الوضوح في موضعها، ولذلك أخرت هذا الدليل عن باقي الأدلة، والله أعلم.
(٨) النقل عن الكتاب، وجدت نقلين عن الكتاب للقاضي أحمد بن نصر الله البغدادي (ت ٧٣٦ هـ) - وهو ممن أثنى على الشرح - في حاشيته على كتاب الفروع (٣)، وبيانهما بالآتي:
_________
(١) تاريخ الإسلام ٤٥/ ١٩٥.
(٢) ومن لطيف تقدير الله سبحانه أن الاستدلال بهذا الحديث وقف عند النقل السابق من كلام المصنف، وما بعده جاء سقط بنحو ثمان لوحات تقريبًا، فالحمد لله على ما أعطى ومنع.
(٣) الكتاب قدم كأطروحة ماجستير في جامعة أم القرى، وطبع مؤخرًا عن دار أسفار. ينظر: ١/ ٢٣.
قلت: وقد يرد على ذلك أن المقصود هو ابن أبي عمر وليس البهاء، فالجواب عنه: إن الشيخ ابن أبي عمر لقبه في النقل عنه في كتب المذهب أنه الشارح، فضلًا عن أني لم أجد هذا التعليل في الشرح الكبير والله أعلم.
стр. 97
١ - في كتاب الزكاة في المسألة [٨١٨/ ١٩] قال المصنف البهاء: «وأفضل المُخرَج التَّمر؛ لما روى مجاهدٌ قال: «قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا وأنا أحب أن أسلكه».
قال أحمد بن نصرالله البغدادي: «وقع في الكافي أن القائل لابن عمر مجاهد، وتابعه ابن المنجا والمقدسي في شرحيهما، والظاهر أنه وهم» ويظهر لي أن المقصود بالمقدسي هنا البهاء، والله أعلم.
٢ - ونقل عنه أيضًا: «من أبرأت زوجها من مهرها أو وهبته ثم سقط أو تنصف رجع بفائته، كعوده إليه ببيع أو هبتها العين لأجنبي ثم وهبها له، وعنه: لا؛ لأن عقد الهبة لا يقتضي ضمانًا»، وهي من مسائل الجزء المفقود - يسر الله وجوده -، ثم قال ابن نصر الله محشيًا على كلام ابن مفلح في الفروع: «وقد علل المقدسي بهذا التعليل أيضًا في شرح المقنع» (١).
وهذان النقلان يؤكدان إثبات نسبة شرح المقنع للبهاء المقدسي ﵀، إذ الناقل عنه إمام من أئمة الحنابلة وقد أثنى على الكتاب كما سبق، كما أن هذين النقلين يؤكدان أن المصنف قد أتم شرح كتابه يسر الله وجوده بحوله وقوته.
ومن خلال الدراسة والنتائج السابقة، نخلص إلى أن هذا الشرح والمخطوط إنما هو لبهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي الحنبلي ﵀، وهذا موافق لما توصل له الباحثون في إدارة المخطوطات التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت حيث عزوها للبهاء المقدسي ﵀ إلا أنهم لم يذكروا سندًا على هذه النسبة أبدًا، بل ولا
_________
(١) حاشية ابن نصر الله على الفروع ٢/ ١٢١ - ١٢٢.
стр. 98
يعرفون من الذي كتب هذه النسبة أصلًا والله أعلم (١).
المسألة الثانية: أصول الكتاب ومصادره:
ليست بين أيدينا مقدمة الكتاب أو نص من شرح المقنع للبهاء يوضح أصول الكتاب ومصادره، وعليه فلا يمكننا التعرف على أصول مادة الكتاب ومصادره إلا من خلال دراسته في القدر الذي بين أيدينا وما كتب حوله.
وبعد دراستي للمخطوط تبين لي الآتي:
أولًا: أن البهاء ﵀ استقى شرحه على المقنع للموفق ابن قدامة من كتابيه المغني والكافي جميعًا، وجعل شرح متن المقنع ممزوجًا بين الكتابين.
ثانيًا: كتب البهاء الشرح بعد وفاة الموفق ابن قدامة؛ وذلك لما أكثر من الترحم عليه في أثناء الشرح.
لذا تميز شرح البهاء في القطعة الموجودة منه بجمعه بين أهم كتابي الموفق ابن قدامة في الفقه بعد رسوخ في العلم وملازمة لشيخه إلى وفاته إلى أن استقر علم الشيخ بين قلبه وكتبه.
ثالثًا: كثيرٌ من النقول التي في شرح البهاء عن غير الموفق كالإمام أحمد أو تلاميذه أو شراح المذهب وشيوخه كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وغيرهم هو نص ما نقله الموفق في كتابيه المغني والكافي، لذا رأيت أنه من غير المناسب تعداد مصادر تلك النقول على أنها مما رجع له البهاء.
غير أني وقفت على نقل واحد عن ابن عقيل اشترك في إيراده المصنف والشارح (٢) ولم أجده في كتب الموفق، وأنقله في هذا الموضع
_________
(١) فهرس المخطوطات الأصلية الصادرة عن إدارة المخطوطات والمكتبات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت ص ٣٤٠.
(٢) الشرح الكبير ١١/ ٣٥٧.
стр. 99
للفائدة، في الفصل الملحق بالمسألة [١٤٧٥/ ١٩] قال ابن عقيل: «إذا علم بالتَّصريةِ قبل الحلب فله الرَّدُّ، ولا شيء معها».
كما أني وقفت على اختيار للموفق ﵀ اشترك في إيراده المصنف والشارح (١) ولم أجده في كتب الموفق، وذلك في كتاب البيع في المسألة [١٤١٤/ ١٢] بقوله: «قال شيخنا: ويجوز أن تُدفع للكافر في فِكاك مُسْلمٍ، ويُعْلَم الكافر بنجاسته؛ لأنه ليس ببيعٍ في الحقيقة، إنما يستنقذ المسلم به».
رابعًا: ومن خلال دراستي وتتبعي لنصوص الكتاب وجدت أن البهاء يقدم تقرير ابن قدامة في الكافي على ما في المغني في كثير من الأحيان، ولا أبالغ إن قلت كل الأحيان، وإن أعوزه الشرح لمتن المقنع من الكافي استقى ما لم يجده من المغني، كل ذلك بأسلوب متقن متفنن سلس من غير تكلف.
وسبب ذلك أن المصنف تلقى العلم عن الموفق شفاهة وكتابة، وقارب سن البهاء لسن الموفق في العمر، واتحد مأخذهما من بعض شيوخهما أحيانًا في العلم، فكان لذلك تأثيرًا ظاهرًا في رسوخ البهاء وضبطه لألفاظ الفقه ومعانيه، وخصوصًا التأليف بين كلام شيخه من كتابين مختلفين.
خامسًا: أن من المهم الإحاطة به هو أن شروح المقنع في تلاميذ الموفق ابن قدامة شرحان، شرح البهاء المقدسي (ت ٦٢٤ هـ) والشرح الكبير لابن أبي عمر (ت ٦٨٢ هـ)، وقد لاحظت أن شرح البهاء للمقنع يختلف في تقرير بعض المسائل في نظري القاصر مع اختصاره عن شرح الشارح العلامة عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي ابن أخي الموفق، ولا
_________
(١) الشرح الكبير ١١/ ٥١.
стр. 100
يعني هذا بحال أن أحدهما أفضل في الشرح والتحقيق من الآخر، فكلاهما إمام جليل، ولكن لكلٍّ منهما صنعته وتحريره وفق ما استند عليه وانتهج.
ويظهر هذا الاختلاف في الآتي:
أولًا: عدم متابعة البهاء المقدسي ما أصلحه الشارح من مواضع في المقنع، إذ كما سبق أن الشارح ابن أبي عمر قد أذن له الموفق في إصلاح ما يراه كما تقدم ذلك في الكلام على المقنع، إلا أنه بتتبع هذه الإصلاحات من كلام ابن المنجا والمرداوي وجدت أن في بعضها مؤاخذات عليها، ولم يجر البهاء على شيء منها.
ثانيًا: من خلال تتبع تقريرات البهاء وابن أبي عمر لبعض المسائل من المقنع التي شرحاها ومقارنة تقريراتهما، وما وجدته من تقويم الشُّراح من بعدهما لاختيارات ابن أبي عمر خاصة لأنه الشرح المتداول بينهم، ومقارنتها مع تقرير البهاء وما انتهى إليه، خلصت إلى حصر عدد من المسائل اختلف فيها نظر البهاء عن نظر الشارح.
وحيث إني لم أقم بتتبع كل المسائل ولم أقارن بينها فإني أكتفي بإيراد ما وقفت عليه مما نوه عليه المرداوي في الإنصاف، لأنه من أكثر شراح المقنع جمعًا لكتب المذهب، ومن أقدرهم فهمًا وإدراكًا لها.
وعليه سأورد جملة من تلك المسائل التي وقفت عليها مما اختلف فيه نظر البهاء والشارح ابن أبي عمر مع بيان وجه الخلاف باختصار، والثمرة منه في آخر المسألة والله المعين.
أولًا: في مسألة وجوب غسل الكافر إذا أسلم في باب الغسل من كتاب الطهارة قرر البهاء في الرواية الأولى من وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم هو المذهب، وذكر الرواية الثانية: لا غسل عليه، اختارها أبو بكر.
стр. 101
وذكر المحققون من فقهاء المذهب من جملتهم الشارح تبعًا للموفق في المغني أن الرواية الثانية التي ذكرها البهاء هي من قول أبي بكر عبد العزيز وليست رواية عن الإمام أحمد.
وقد تابع البهاء ﵀ حكاية الوجه رواية ما جرى عليه شيخه في الكافي، وبذلك يكون حكاية الشارح لقول أبي بكر أدق من حكاية المصنف، والله أعلم.
ثانيًا: في باب استقبال القبلة، قرر البهاء المقدسي حالات العجز عن استقبال القبلة، ومنها المسألة [٢٩٣/ ١] فإن كان طالبًا للعدو ويخاف فوته؛ ففيه روايتان، إحداهما: له صلاة الخوف كالمطلوب، وصلى عبد الله بن أنيس ﵁ بالإيماء لما بعثه النبي ﷺ ليقتل خالد بن سفيان الهذلي، ففي نسخة المخطوط: (سفيان بن خالد)، والصواب ما أثبت، وقد تبع البهاء في ذلك ما في الكافي، وهو بخلاف ما وقع من الصواب في المغني والشرح الكبير، والله أعلم. (١)
ثالثًا: مسألة [٦٥٣/ ٥٠] في نزع ثياب الشهيد وتكفينه بغيرها، قال المرداوي: «وشذ القاضي في المجرد فجعل ذلك مستحبًّا، وتبعه على ذلك أبو محمد، قلت: جزم به في المغني والشرح ونصراه» (٢)، قلت: وهو تقرير البهاء أيضًا.
رابعًا: جاء في المقنع في الواجب من الأفعال من الصلاة على الميت قوله: «والواجب من ذلك القيام، والتكبيرات، والفاتحة، والصلاة على النبي ﷺ ، وأدنى دعاء للميت، والسلام»، وذكر البهاء عبارة المقنع في شرحه وعلق عليها ولم يذكر القيام، قال المرداوي في الإنصاف: «تبع فى ذلك - أي الموفق في المقنع - أكثر الأصحاب، ومراده إذا
_________
(١) الكافي ١/ ٢٦٤، والمغني ١/ ٢٥٩، والشرح الكبير ٥/ ١٥٢.
(٢) الإنصاف ٦/ ٩٤.
стр. 102
كانت الصلاة فرضًا».
قلت: ثم شرع المرداوي يعدد من فسر كلام المؤلف بذلك، ثم قال: «وقد ذكروا - أي بعض الأصحاب - الأركان، ولم يذكروا القيام، فظاهره أنه غير ركن، ولم أر من صرح بذلك مطلقًا»، قلت: ولعل لهذا السبب لم يضمن المصنف البهاء القيام ضمن الواجبات والله أعلم.
أما ابن أبي عمر في الشرح فقد تبع ابن قدامة في عبارته ولم يعلق عليه، ولعله أراد ما ذكره المرداوي من تفسير كلام الموفق، والله أعلم. (١)
خامسًا: في مسألة إخراج الزكاة في الفطرة، قال المصنف البهاء في المسألة [٨١٨/ ١٩]: «وأفضل المُخرَج التَّمر؛ لما روى مجاهدٌ قال: «قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، وأنا أحب أن أسلكه».
قال أحمد بن نصر الله البغدادي في حاشيته على الفروع ١/ ٤٠٧: «وقع في الكافي أن القائل لابن عمر مجاهد، وتابعه ابن المنجا والمقدسي في شرحيهما، والظاهر أنه وهم».
قلت: وهو كذلك والله أعلم، كما خرجته في موضعه من النص المحقق، وفي المغني والشرح الكبير أنه من طريق أبي مجلز. (٢)
سادسًا: في مسألة هل يكون الحاج بعد التحلل الأول مُحرمًا؟ وهل للوطء تأثير على حجه؟ قال الزركشي: «إذا وطئ بعد الطواف وقبل الرمي فظاهر كلام جماعة أنه كالأول، لإناطتهم الحكم بالوطء بعد التحلل الأول، ولأبي محمد في موضع في لزوم الدم والحال هذه احتمالان، وله في موضع في لزوم الدم متابعة للأصحاب».
_________
(١) المقنع الصفحة ٧٩، والشرح الكبير ٦/ ١٦١، والإنصاف ٦/ ١٦٠.
(٢) المغني ٢/ ٦٦٦، والشرح الكبير ٧/ ١٣٣.
стр. 103
وقال في الإنصاف: «وذكر المصنف في المغني هنا - أي في موضع الشرح من المقنع -، وتبعه في الشرح أنه مُحرِمٌ، وقالا في مسألة ما يباح بالتحلل الأول: نمنع أنه محرم، وإنما بقي بعض أحكام الإحرام».
قلت: أما المصنف البهاء فقرر في المسألة [١٠٦٦/ ٣٨] أن من وطئ بعد التحلل الأول لا يفسد حجه، ثم قال: «لكنه يمضي إلى الحل فيُحرم، ليطوف للزيارة بإحرامٍ صحيحٍ»، ولم يأت بعبارة المقنع التي تعقبها الزركشي والمرداوي بأنه محرم: «ويمضي إلى التنعيم فيحرم ليطوف وهو محرم» كما صنع الشارح في اتباعه للموفق والله أعلم. (١)
سابعًا: مسألة المحرم إذا ارتكب محظورين من محظورات الإحرام من جنس واحد، فكفر للأول منهما، لزمته للثاني كفارةٌ، كما قرره المصنف البهاء في المسألة [١٠٨١/ ٩]، قال في الإنصاف: «هذا المذهب وعليه الأصحاب ولا أجد فيه خلافًا، إلا أن المصنف - أي صاحب المقنع - والشارح وصاحب الفروع ذكروا الخلاف المتقدم - يعني الخلاف فيمن كرر محظورًا من جنس ولم يكفر - بعد ذكر هذه المسألة، وذكر في الرعاية الرواية الأولى في المسألة الأولى وأعادها في الثانية، وليس بشيء»، والبهاء في هذه المسألة لم يذكر الخلاف على نحو ما ذكر في المغني والشرح. (٢)
ثامنًا: مسألة حكم السعي بين الصفا والمروة، فاختار الموفق ابن قدامة في المغني والشارح أنه واجب، في حين قرر المصنف البهاء الركنية عند ذكر أركان الحج بالاستدلال عليها كما في الكافي ولم يختر الوجوب. (٣)
_________
(١) شرح الزركشي على الخرقي ١/ ٥٦٦، والمقنع ص ١١٧، والإنصاف ٨/ ٣٤٧.
(٢) الإنصاف ٨/ ٤٢٣.
(٣) الكافي ٢/ ٤٢٢، والشرح الكبير ٩/ ٢٩٢.
стр. 104
تاسعًا: مسألة وقت ذبح الأضحيَّة في العيد في حق أهل المصر، فإن المصنف البهاء في المسألة [١٢٠٧/ ١٦] تبع الموفق في الكافي أن الذبح يكون بعد صلاة العيد والخطبة أو قدرهما، في حين أن الصحيح من المذهب أن وقت الذبح بعد صلاة العيد فقط، قال في الإنصاف: «وهو المذهب، وعليه عامة الأصحاب»، وهو ما قرره الشارح واختاره وصوبه، وتبع فيه الموفق في المغني، وعليه يكون ما تقرر في اختيار الشارح ابن أبي عمر أصوب والله أعلم. (١)
عاشرًا: في المسألة [١٢١٠/ ١٩] فيمن عين الهدي بالنية فإنه يتعين بذلك، وهو تقرير ابن قدامة في المغني والمقنع واختياره على ما ذكر المرداوي في الإنصاف، وقرر الموفق في الكافي وتبعه المصنف البهاء المقدسي أنه يتعين الهدي بالنية وبالفعل المجرد عن النية بقوله: «وإن قلَّد الهدي أو أشعره تعين بذلك أيضًا»، وتعقب الزركشي هذا القول في شرحه وقال: «خالف أبو محمد عامة الأصحاب»، وبذلك يكون تقرير الشارح الذي تابع عليه ابن قدامة في المغني هو الأصوب. (٢)
الحادي عشر: في المسألة [١٤٦٩/ ١١] ذكر المصنف البهاء «ليس لواحدٍ منهما - أي البائعين - التَّصرف في المبيع في مدَّة الخيار؛ لأنه ليس بمِلكٍ للبائع فيتصرف فيه، ولا انقطعت عنه عُلَقُه فيتصرف فيه المشتري، فإن تصرفا ببيعٍ أو هبةٍ أو نحوهما لم ينفذ تصرفهما لذلك، ويكون تصرف البائع فسخًا للبيع، وتصرف المشتري إسقاطًا لخياره في أحد الوجهين»، قال في الإنصاف: «وهما روايتان في المغني والشرح والفروع وغيرهم، ووجهان عند كثير من الأصحاب»، وعليه تكون حكاية
_________
(١) المغني ٩/ ٣٥٨، والكافي ٢/ ٥٠٢، والشرح الكبير ٩/ ٣٦٣ والإنصاف ٩/ ٣٦٣.
(٢) المغني ٩/ ٣٧٢، الكافي ٢/ ٤٧٣، وشرح الزركشي على الخرقي ٣/ ٢٨٠، والإنصاف ٩/ ٣٧٣.
стр. 105
المصنف للوجهين فيها دقة أكثر والله أعلم. (١)
الثاني عشر: في المسألة [١٤٧٠/ ١٢] إن استخدم المشتري المبيع أثناء مدة الخيار لا يبطل خياره، وهذا إذا كان الاستخدام للتجربة، ولم يحك فيها خلافًا، أما إذا كان الاستخدام في غير التجربة ففي بطلان الخيار روايتان.
قال في الإنصاف: «وذكر جماعة قولًا إن استخدمه للتجربة بَطَل، وإلا فلا، منهم صاحب الرعاية والفروع والفائق وغيرهم، وذكروه قولًا ثالثًا، وهو احتمال في المغني والشرح، فظاهر كلامهم أن الخلاف يشمل الاستخدام للتجربة، وهو بعيد».
إلا أن ابن قندس في حاشية الفروع قال: «لم أجد أحدًا صرح بأن التجربة فيه روايتان، بل كلامهم دالٌّ على أنه لا خلاف فيه، بعضه صريحًا وبعضه ظاهرًا»، قلت: فقد يكون فهم الاحتمال من المرداوي في المسألة بعيدًا والله أعلم. (٢)
الثالث عشر: في المسألة [١٥٥٠/ ٥] ذكر البهاء في باب الأصول والثمار أنواع الشجر الذي به ثمر ستة أنواع كما في الكافي، في حين ذكر الشارح خمسة أنواع تبعًا للموفق في المغني.
ويلاحظ في هذه المسألة أن نسخة المخطوط ورد فيها النص على هذا النحو: «والشَّجَر على خمسة أضرب»، إلا أن البهاء ذكر ستَّةً، فلعل هذا من سبق قلمه وملاحظته ما في المغني والكافي معًا والله أعلم.
ويمكن أن نخلص من هذه المقارنة والنقولات إلى ما امتاز به المصنف البهاء في شرحه من عدم تقيده بتقريرات الموفق ابن قدامة في
_________
(١) الإنصاف ١١/ ٣١٧.
(٢) الإنصاف ١١/ ٣٢١، وحاشية ابن قندس على الفروع ٦/ ٢٢٢
стр. 106
أي من كتابيه، كما يظهر تحقيق المصنف في بعض المسائل على ما تابع عليه الشارح الموفق في المغني. (١)
المسألة الثالثة: قيمة الكتاب العلمية وتقييمه:
تتجلى قيمة الكتاب العلمية في الأمور التالية:
أولًا: فيما سبق ذكره في المقدمة من أهمية الكتاب المشروح وأسباب اختياره بما يغني عن تكراره هنا.
ثانيًا: أن شرح البهاء المقدسي لكتاب المقنع يعد أول شرح لكتاب المقنع للموفق ابن قدامة كما ذكر ذلك الشيخ بكر أبو زيد (٢).
ويرد على ذلك إشكال فيما ذكره ابن عبد الهادي وابن بدران: من أن أول شرح لكتاب المقنع هو شرح ابن أبي عمر المسمى بالشرح الكبير (٣)، فالجواب عنه من عدة أوجه:
١ أن ذلك مستبعد من ملاحظة قرب ولادة ووفاة البهاء المقدسي من شيخه الموفق ابن قدامة؛ إذ ليس بين وفاة البهاء والموفق سوى أربع سنوات، في حين أن بين وفاة الموفق وابن أخيه الشارح أكثر من ستين سنة.
٢ أن عمر الشارح ابن أبي عمر حين وفاة عمه الموفق نحوًا من ثلاث وعشرين سنة، وحين وفاة البهاء المقدسي نحوًا من ثمانية وعشرين سنة، ومن خلال قراءة سيرة الشارح في مصادر الترجمة لم تكن هناك إشارة إلى أنه ألف شرحه في أثناء حياة عمه، وغايته أنه استأذنه في
_________
(١) وفي هذه المسألة يطرأ سؤال مهم، وهو ما المقدم في تقرير الموفق في الفقه أهو المغني أم الكافي؟! وقد تكلمت عن هذه الجزئية باختصار في المبحث السابق بما يغني عن إعادة وجهة نظري فيها والله أعلم.
(٢) المدخل المفصل ٢/ ٧٢٢، ٩٨١، وعزاه للذهبي في السير ولم أجده فيه.
(٣) ينظر: معجم الكتب ص ١٠٢، المدخل ص ٤٠٤.
стр. 107
وضعه شرحه من كتاب المغني.
٣ - أن الإصلاحات التي وقعت على كتاب المقنع من قبل الشارح لم تَرِدْ في نص المقنع عند البهاء في شرحه، ووردت بعد ذلك في نسخ المقنع المشروحة، مما يدل على أن شرح البهاء على المقنع قد تقدم على ما تم إصلاحه في كتاب المقنع والله أعلم.
أما ميزات الكتاب:
أولًا: ما سبق ذكره في بيان أصول الكتاب ومصادره، إذ اعتمد المصنف البهاء ﵀ في شرحه أصالة على أنفس كتب شيخه الموفق: المقنع والكافي والمغني وغيرها من كتب المذهب، وتميز شرحه بالتحقيق وجودة العبارة وسبكها بما يغني عن ذكر الشواهد عليه.
ثانيًا: ثناء القاضي أحمد بن نصر الله البغدادي ووصف الشرح بأنه شرح محقق يفوق شرح العمدة كمَّا وكيفًا، ونقل عنه في حاشيته على الفروع.
ثالثًا: الإكثار من الاستدلال بالكتاب والسنة وآثار السلف، فلا تكاد تخلو مسألة يمكن الاستدلال لها بذلك إلا قدم أصح الدلالات من الشواهد عليها، عاضدًا استدلاله بذكر وجه الاستدلال، وذكر روايات الإمام أحمد على المسائل، وتوجيه كبار أصحاب على الأدلة ما أمكن، بل أحيانًا يعضد المسألة بذكر من وافق فيها من المذاهب الفقهية المعتبرة، أو بذكر من خالفها منهم، مع الاستدلال أحيانًا، كل ذلك تقوية لمأخذ المسألة في المذهب وإضعاف ما يخالفها، وينتهي أحيانًا إلى الترجيح في الخلاف، وإلى تصحيح المذهب أحيانًا.
رابعًا: أضاف المصنف البهاء على ما في كتب الموفق، ومن ذلك إضافته فصلًا ضمن باب صلاة التطوع في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء، يظهر أنه مأخوذ من كتاب شيخه الحافظ عبد الغني المقدسي من كتاب أخبار الصلاة.
стр. 108
خامسًا: امتاز شرح المصنف بعنايته بالألفاظ الغريبة في الجملة وبيان معانيها.
سادسًا: تصوير المسائل وتقسيمها ولو أدى ذلك إلى عدم التزامه بتمييز نص متن المقنع ودمجه مع الشرح للمسألة أو تقسيمها.
سابعًا: يهتم المصنف بروايات الإمام أحمد، وربما يسعى لتتميم عبارته التي توجد في المغني أو الكافي، وقد يدل ذلك على أنه اطلع على أكثر مما وقف عليه شيخه، مثاله ما جاء في المسألة [٣٢٠/ ١٦] قال الإمام أحمد: «كنت أذهب إلى جواز الاستخلاف، وجبنت عنه، ليس هو في صلاةٍ كيف يستخلف!».
قلت: لم أجد نص الرواية التي أشار لها المصنف في مظانها من كتب المسائل عن الإمام، وهي في المغني ٢/ ٤٢١ دون قوله: «ليس هو في صلاة كيف يستخلف».
ثامنًا: لم يجارِ البهاءُ الموفقَ ابن قدامة في جميع تقريراته، بل خرج عنها في كثير من الأحيان في نسبة الأحاديث وعزوها، وفي تتمة أوجه الاستدلال في المسائل وشرحها، والترجيحات - وقد عقدت فهرسًا لترجيحاته التي زادت على المئة -.
تاسعًا: اقتصار البهاء المقدسي في شرحه على شرح لفظ المقنع الموافق للدليل النصي من الكتاب أو السنة، فقد يهمل أحيانًا ذكر بعض الألفاظ الواردة في متن المقنع إذا لم ترد بالسنة، مثاله: المسألة [٦٧٢/ ٦٧] لم يورد نص المقنع في الدعاء للجنازة: «إنك تعلم منقلنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير»؛ ويظهر لي أن ذلك لكونه ليس في شيء من كتب السنة.
عاشرًا: امتاز شرح البهاء بشرح متن المقنع الذي لم يجرِ عليه قلم التصحيح فيمن أذن لهم الموفق ابن قدامة في تصحيح ما يرونه كما مرَّ سابقًا، وعليه فيمكن من خلال قراءة الكتاب تتبع نصوص المقنع للموفق
стр. 109
ابن قدامة السالمة من التعديل والله أعلم.
الحادي عشر: التعريف ببداية حمل فقرات المسائل في الكتاب، فإنه - وعلى عادته في كتابه العدة - يصدر بداية المسألة بقوله: مسألة، أو فرع، أو فصل، وفي ذلك تمييز للمسألة عما قد يشتبه بها، وفيها فوائد أخرى لا تخفى.
الملاحظات على الشرح:
ما سبق هو أمكنني من خلاله تقويم الكتاب، ويبقى أن الإمام بهاء الدين بشر يعتريه ما يعتري ذرية آدم من النقص، ولذلك أجد لزامًا في دراسة الكتاب وفق الأطر المهنية والأمانة العلمية أن أذكر ما لاحظته من خلل في الشرح، وقد يعتري ما سأذكره مقاصد حسنة لم أقف عليها، ولكني أذكرها تتميمًا لهذا المطلب.
أولًا: يكثر المصنف من إطلاق الخلاف في شرحه، ولا يورد ترجيح أو تصحيح المسائل في كل منه، ولم أتمكن من العثور على سبب ذلك.
ثانيًا: في كثير من الأحيان يهتم بذكر الحديث بلفظه الصحيح عند أهله، ويذكره بألفاظ أخرى عند من خرجه، لكنه أحيانًا يروي الحديث بالمعنى.
ثالثًا: ربما يكون الحديث في الصحيحين أو أحدهما ويعزوه إلى غيرهما، مثاله: قوله في مسألة كراهية الالتفات في الصلاة: حيث أورد حديث عائشة … قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل، رواه سعيد بن منصور»، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، إلا أنه لا يقع منه كثيرًا. (١)
رابعًا: يقدم في أكثر الأحيان نص المقنع، ثم يتبعه بالشرح والبيان،
_________
(١) ينظر: صحيح البخاري (٧١٨) ١/ ٢٦١.
стр. 110
إلا أن القليل من المسائل لم يلتزم فيها بذلك، ولم يظهر لي منهجه في عدم الالتزام بذلك.
خامسًا: يدمج في كثير من الأحيان عبارات المقنع مع الشرح، مما قد يعسر معه تمييز متن المقنع، كما لم يظهر لي تطابق عباراته مع ما هو مطبوع، ولعل سبب ذلك أن البهاء كانت عنده نسخة فيها شيء من الاختلاف، إلا أن هذا الاختلاف غير مؤثر في الغالب. (١)
سادسًا: يختصر المصنف عبارة الشرح أحيانًا - وليس كثيرًا - وقد يصل إلى الإخلال بالمعنى، ومن ذلك قوله في المسألة [٦٩٦/ ٩١] في كراهة إدخال القبر شيئًا مما مسته النار قال: «وكره ما مسته النار؛ للتفائل بالنار»، وقال في المغني ٢/ ١٩٠: «تفاؤلًا بأن لا تمسه النار».
سابعًا: وأخيرًا أغفل ذكر بعض الروايات عن الإمام في بعض المسائل ولم يستوعبها، ولعل سبب ذلك أن شرحه متوسط لم يقصد فيه الاستيعاب، والله أعلم.
وبعد ذلك يبقى أن أشير إلى أن هذه الملحوظات لا تنال - في نظري - من الاستفادة من الكتاب والعناية به، ولولا مقام الدراسة العلمية لما حسن لمثلي ذكرها، ولا أرى أن مثل هذه الملحوظات تقلل من قيمة الكتاب، مع ما لمصنفه من العناية بالوحيين وآثار السلف والحظوة والمكانة العلمية بين علماء الحنابلة، والله أعلم.
المسألة الرابعة: منهج المصنف في شرحه، والمحشي على الكتاب:
ورد على هامش نسخة المخطوط حاشية متعلقة بالنص، فيها بعض المواضع المهمة في معرفة الألفاظ، وهي غير شاملة لمسائل الكتاب
_________
(١) وقد أشرت إلى بعض الفروق مما قد يكون له أثرٌ كما بينت ذلك في منهجي في التحقيق.
следующие страницы →