فصل: ليلة القدر شريفة معظمة
ليلة القدر شريفة معظمة، زاد في «المستوعب» وغيره: والدعاء فيها مستجاب، قيل: سورتها مكية، قال الماوردي: هو قول الأكثرين، وقيل: مدنية، قال الثعلبي: هو قول الأكثرين، قال مجاهد والمفسرون في قوله: ﴿خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] أي: قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» وسميت ليلة القدر: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، روي عن ابن عباس، قال صاحب «المحرر» : وهو قول أكثر المفسرين؛ لقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣-٤] ؛ فإن المراد بذلك ليلة القدر عند ابن عباس، قال ابن الجوزي: وعليه المفسرون؛ لقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] ، وما روي عن عكرمة وغيره: أنها ليلة النصف من شعبان ضعيف (١) ،
стр. 247
وقيل: سميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها عند الله، وقيل: القدر بمعنى الضيق؛ لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، فروى أحمد عن أبي هريرة مرفوعا: «إن الملائكة تلك الليلة أكثر من عدد الحصى» ، ولم ترفع (و) (١) للأخبار بطلبها وقيامها، وعن بعض العلماء: رفعت، وحكي روايةً عن أبي حنيفة (٢) ، وهي في رمضان (و) لا في كل السنة خلافا لابن مسعود، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد كقوله، وجزم به ابن هبيرة عن أبي حنيفة، وذكر صاحب «المحرر» : أن الأول أشهر عنه وعن أصحابه، وهي مختصة بالعشر الأخير منه عند أحمد، وأكثر العلماء من الصحابة وغيرهم (وم ش) ، وليالي وتره آكد وأرجاها ليلة سبع وعشرين.
стр. 248
نص عليه، لا ليلةُ إحدى وعشرين (ش) ، واختار صاحب «المحرر» : كلُ العشر سواء (١)
стр. 249
(وم) ، ومذهب (م) أرجاها في تسع بقين أو سبع أو خمس، وقال أبو يوسف ومحمد: هي في النصف الثاني من رمضان، وعن العلماء فيها أقوال كثيرة، وقال ابن الجوزي في «تفسيره» : قال الجمهور: تختص برمضان، وقال الجمهور منهم: تختص بالعشر الأخير منه، وأكثر الأحاديث الصحاح تدل عليه، وقال الجمهور منهم: تختص بليالي الوتر منه، والأحاديث الصحاح تدل عليه. كذا قال (١) ، والمذهب: لا تختص، بل المذهب أنها آكد، وأبلغ من ليالي الشفع، وعلى اختيار صاحب «المحرر» كلها سواء (٢) ، وقال في «المغني» و «الكافي» : تطلب في جميع رمضان، قال في «الكافي» : وأرجاه الوتر من ليالي العشر الأخير. كذا قال (٣) ، قال: وتنتقل فيها، وقال غيره: تنتقل ليلة القدر في العشر الأخير، قاله أبو قلابة التابعي، وحكاه ابن عبد البر وغيره عن مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقاله أبو حنيفة، وظاهر رواية حنبل: أنها ليلة متعينة، ذكره صاحب «المحرر» وقاله أبو يوسف ومحمد والشافعية (٤) ،
стр. 250
فعلى هذا لو قال: أنت طالق ليلة القدر قبل مضي ليلة العشر، وقع في الليلة الأخيرة، ومع مضي ليلة منه يقع في السنة الثانية ليلة قوله فيها، وعلى أصل أبي يوسف ومحمد: النصف الثاني من رمضان كالعشر عندنا، وحكى صاحب «الوسيط» الشافعي عن الشافعي: إن قال في نصف رمضان: أنت طالق ليلة القدر لم تطلق ما لم تنقضِ سنة؛ لاحتمال كونها في جميع الشهر، فلا تقع بالشك، وهذا معنى قول أبي حنيفة: إلا في كونها تنتقل، وعلى قولنا الأول: إنها في العشر، وتتنقل إن كان قبل مضي ليلة منه، وقع في الليلة الأخيرة، ومع مضي ليلة منه يقع في الليلة الأخيرة من العام المقبل، واختاره صاحب «المحرر» ، وهو أظهر للأخبار أنها في العشر، وأنها في ليال معينة منه، قال صاحب «المحرر» : ويتخرج حكم العتق واليمين على مسألة الطلاق (١) ، ومن نذر قيام ليلة القدر قام العشر، ونذره في أثناء العشر كطلاق على ما سبق، ذكره القاضي في «تعليقه» في النذور، وقال شيخنا: الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة القدر ليلة إحدى وليلة ثلاث إلى آخره، ويكون باعتبار الباقي؛ لقوله ﷺ : «لتاسعة تبقى» الحديث، فإذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك لياليَ الأشفاع، فليلة الثانية تاسعة تبقى، وليلة أربع سابعة تبقى، كما فسره أبو سعيد الخدري، وإن كان تسعا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي (٢) ،
стр. 251
ويستحب أن يدعو فيها؛ لقول عائشة: يا رسول الله، إن وافقتها ما أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وعنها: يا رسول الله، إن علمت ليلة القدر ما أقوله؟ قال: «قولي ... » وذكره، قال أبي بن كعب عن النبي ﷺ : «وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها» رواه مسلم وغيره، وصححه الترمذي، ولأحمد من رواية ابن عقيل عن عمر بن عبد الرحمن - والظاهر: أنه لم يروِ عنه غيره، وحديثه في أهل الحجاز - عن عبادة مرفوعا: «من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ، وله أيضا من رواية خالد بن معدان عن عبادة ولم يدركه، وقال فيه: «واحتسابا، ثم وقعت له» ، وذكره، وفيه: وقال رسول الله ﷺ : «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس فيها شعاع، مثلَ القمر ليلة البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ (١) » .
стр. 252
قال بعضهم: ويسن أن ينام متربعا، مستندا إلى شيء. نص عليه أحمد، ويأتي في المعتكف (١) .
стр. 253
فصل: وليلة القدر أفضل الليالي
وليلة القدر أفضل الليالي، وهي أفضل من ليلة الجمعة للآية، وذكره الخطابي إجماعا، وذكر ابن عقيل روايتين: إحداهما هذا، والثانية: ليلة الجمعة أفضل، وعلله: بأنها تابعة لما هو أفضل الأيام، وهو يوم الجمعة، قال صاحب «المحرر» : وهي اختيار ابن بطة وأبي الحسن الخرزي وأبي حفص البرمكي، واحتجوا بأن الليلة تابعة ليومها، وفيه ما لم يذكر في فضل يوم ليلة القدر، ولبقاء فضلها في الجنة؛ لأن في قدر يومها تقع الزيارة إلى الحق سبحانه، كما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وإسناده حسن، وقال أبو الحسن التميمي: ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن أفضل من ليلة الجمعة، فأما أمثالها من ليالي القدر فليلة الجمعة أفضل، وذكر أبو بكر بن العربي المالكي في «العارضة» ، وذكره غيره: أن يوم الجمعة أفضل الأيام، وقال شيخنا: هو أفضل أيام الأسبوع إجماعا، وقال يوم النحر: أفضل أيام العام، وكذا ذكره جده صاحب «المحرر» في صلاة العيد من شرحه «منتهى الغاية» أن يوم النحر أفضل، وظاهر ما ذكره أبو حكيم: أن يوم عرفة أفضل، وهذا أظهر، وقاله أكثر الشافعية وبعضهم: يوم الجمعة (١) ، وظهر مما سبق أن هذه الأيام أفضل من غيرها، ويتوجه على اختيار شيخنا بعد يوم النحر يوم القر الذي يليه؛ لأنه احتج بقوله ﷺ : «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» ، قال في «الغنية» : إن الله اختار من الأيام أربعة: الفطر، والأضحى، وعرفة، ويوم عاشوراء، واختار منها يوم عرفة، وقال أيضا: إن الله اختار للحسين الشهادة في أشرف الأيام وأعظمها وأجلها وأرفعها عنده منزلة، والله أعلم (٢) .
стр. 254
وعشر ذي الحجة أفضل على ظاهر ما في «العمدة» وغيرها، وسبق كلام شيخنا في صلاة التطوع، وقال أيضا: قد يقال ذلك، وقد يقال: ليالي عشر رمضان الأخير، وأيام ذلك أفضل، قال: والأول أظهر؛ لوجوه وذكرها، ورمضان أفضل، ذكره جماعة، وذكره ابن شهاب فيمن زال عذره، وذكروا أن الصدقة فيه أفضل، وعللوا ذلك. قال شيخنا: ويكفر من فضل رجباً عليه (١) ، وقال في «الغنية» : إن الله اختار من الشهور أربعة: رجباً، وشعبان، ورمضان، والمحرم، واختار منها شعبان، وجعله شهر النبي ﷺ ، فكما أنه أفضل الأنبياء، فشهره أفضل الشهور. كذا قال (٢) ،
стр. 255
وقال ابن الجوزي: قال القاضي أبو يعلى في قوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦] ، إنما سماها حرما؛ لتحريم القتال فيها، ولتعظيم انتهاك المحارم فيها أشدَ من تعظيمه في غيرها، وكذلك تعظيم الطاعات، ثم ذكر ابن الجوزي أحد القولين في قوله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة: ٣٦] أي: في الأربعة، وأن أحد الأقوال أن الظلم المعاصي، قال: فتكون فائدة تخصيص بها أن شأن تعظيم المعاصي فيها أشد من تعظيمه في غيرها، وذلك لفضلها على ما سواها، كتخصيص جبريل وميكائيل وقوله: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] ، وكما أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى، وقال: وهذا قول الأكثرين، والله أعلم.
باب الاعتكاف
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، ومنه: ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف: ١٣٧] ، يقال: عكف -بفتح الكاف- يعكف -بضمها وكسرها قراءتان-، وشرعا: لزوم المسجد بصفة مخصوصة (١) ، قال ابن هبيرة: وهذا الاعتكاف لايحل أن يسمى خلوة، ولم يزد على هذا، ولعل الكراهة أولى، ويسمى جوارا؛ لقول عائشة ﵂ عنه ﵇: وهو مجاور في المسجد. متفق عليه، وفيهما من حديث أبي سعيد قال: «كنت أجاور هذه العشر يعني: الأوسط، ثم قد بدا لي أجاور هذا العشر الآخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه» .
стр. 256
وهو سنة (ع) ، ويجب بنذره (ع) ، وإن علقه أو غيره بشرط فله شرطه، نحو: لله علي أن أعتكف شهر رمضان إن كنت مقيما أو معافى، فكان فيه مريضا أو مسافرا، لم يلزمه شيء، وهل يلزم بالشروع أو بالنية؟ سبق آخر الباب قبله، ولا يختص بزمان إلا ما نهي عن صيامه؛ للاختلاف في جوازه بغير صوم، وآكده رمضان (١) (ع) ، وآكده العشر الأخير (ع) ، ولم يفرق الأصحاب بين الثغر وغيره، وهو واضح، ونقل أبو طالب: لا يعتكف بالثغر؛ لئلا يشغله نفير، ولا يصح إلا بالنية (و) ، ويجب تعيين المنذور بالنية؛ ليتميز، وإن نوى الخروج منه فقيل: يبطل؛ لأنه يخرج منه بالفساد كالصلاة، وقيل: لا؛ لتعلقه بمكان كالحج، وللشافعية وجهان، وإن خرج لما لا يبطل، ولم يكن نوى مدة مقدرة ابتدأ النية، وإلا فلا. ذكره في «الترغيب» وغيره، وظاهر كلام جماعة: لا يبتدئها.
ولا يصح من كافر ومجنون وطفل كصلاة وصوم، قال صاحب «المحرر» : لا أعلم فيه خلافا، وكذا ذكر غيره لخروجه بالجنون عن كونه من أهل المسجد على ما سبق في باب الغسل، لكن يتوجه: هل يبني أو يبتدئ الخلاف في بطلان الصوم؟
ولا يبطل بإغماء جزم به في «الرعاية» وغيرها، ويأتي في النذر نذر الكافر، والله أعلم.
стр. 257
فصل: ولا يجوز أن يعتكف العبد بلا إذن سيده، ولا المرأة بلا إذن زوجها
ولا يجوز أن يعتكف العبد بلا إذن سيده، ولا المرأة بلا إذن زوجها (و) ؛ لتفويت منافعهما المملوكة لهما، فإن شرعا في نذر أو نفل بلا إذن فلهما تحليلهما (و) ؛ لحديث أبي هريرة: «لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه» ، إسناده جيد رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، وضرر الاعتكاف أعظم، والحج آكد، وخرج في «منتهى الغاية» : لا يمنعان من اعتكاف منذور كرواية في المرأة في صوم وحج منذورين، ذكرها في «المجرد» و «التعليق» ، ونصرها في غير موضع، والعبد يصوم النذر، ويأتي هذا الوجه في «الواضح» في النفقات، قال: ويتخرج وجه ثالث: منعهما وتحليلهما من نذر مطلق فقط؛ لأنه على التراخي كوجه لأصحابنا في صوم وحج منذورين، قال: ويتخرج وجه رابع: منعهما وتحليلهما إلا من منذور معين قبل النكاح والملك، كوجه لأصحابنا في سقوط نفقتها، ويتوجه: إن لزم بالشروع فيه فكالمنذور، وقاله الأوزاعي، فعلى الأول: إن لم يحللاهما صح وأجزأ (و) ، وقال في «منتهى الغاية» : قال جماعة من أصحابنا - منهم ابن البنا -: يقع باطلا؛ لتحريمه كصلاة في مغصوب، وجزم به في «المستوعب» ، وكذا في «الرعاية» ، وذكره نصَّ أحمدَ في العبد، وإن أذنا لهما، ثم أراد تحليلهما فلهما ذلك إن كان تطوعا، وإلا فلا (وش) ؛ لأنه ﷺ أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف، ثم منعهن منه بعد أن دخلن، ولأن حقهما واجب، والتطوع لا يلزم بالشروع على ما سبق، فهي هبة منافع تتجدد، ولا يلزم منها ما لم يقبض على ما يأتي في العارية، ومذهب (م) منع تحليلهما مطلقا؛ للزومه بالشروع عنده، ومذهب (هـ) له تحليل العبد فيهما؛ لأنه لا يملك بالتمليك، ويكره لإخلافه الوعد، ولا يملك تحليل الزوجة فيهما؛ لملكها بالتمليك، ولو رجعا بعد الإذن قبل الشروع جاز (ع) ، بخلاف حق الشفعة والقصاص، فإنه إسقاط لأمر مضى لا يتجدد، واختار صاحب «المحرر» في النذر المطلق الذي يجوز تفريقه كنذر عشرة أيام
стр. 258
متفرقة أو متتابعة إذا اختار فِعله متتابعا، وأذن لهما في ذلك يجوز له تحليلهما منه عند منتهى كل يوم؛ لجواز الخروج له منه إذن كالتطوع. قال: وتعليل أصحابنا يدل عليه، وهذا متوجه، وظاهر كلامهم المنع كغيره، وفي «الرعاية» لهما تحليلهما في غير نذر، وقيل: في وقت معين، وللشافعية وجهان، والإذن في عقد النذر إذن في فعله إن نذرا زمنا معينا بالإذن وإلا فلا (وش) ؛ لأن زمن الشروع لم يقتضه الإذن السابق، وقدم الشيخ منع تحليلهما أيضا كالإذن في الشروع، وللمكاتب أن يعتكف بلا إذن نص عليه؛ لملكه منافعه كحر مدين بخلاف أم الولد والمدبر، قال جماعة: ما لم يحل نجم، وله أن يحج بلا إذن نص عليه كالاعتكاف، وأولى؛ لإمكان التكسب معه، ولا يمنع من إنفاقه للمال فيه كالاعتكاف، وكتركه التكسب مدة، وينفق فيها عليه مما قد جمعه، واختار الشيخ: يجوز إن لم يحتج أن ينفق فيه مما قد جمعه ما لم يحل نجم، ونقل الميموني: له الحج من المال الذي جمعه ما لم يأت نجمه، وحمله القاضي وابن عقيل والشيخ على إذنه له، ويجوز بإذنه أطلقه جماعة، وقالوا: نص عليه، ولعل المراد ما لم يحل نجم، وصرح به بعضهم، وعنه: المنع مطلقا (وق) ، ومن بعضه حر إن كان بينه وبين السيد مهايأة (١) فله أن يعتكف، ويحج في نوبته بلا إذنه؛ لأن منافعه له فيها، وإلا فلسيده منعه، والله أعلم.
стр. 259
فصل: ولا يصح من رجل تلزمه الصلاة جماعة في مدة اعتكافه إلا في مسجد تقام فيه الجماعة
ولا يصح من رجل تلزمه الصلاة جماعة في مدة اعتكافه إلا في مسجد تقام فيه الجماعة (وهـ) ، ولو من رجلين معتكفين، وإلا صح منه في مسجد غيره، وفي «الانتصار» : لا يصح من الرجل مطلقا إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، قال صاحب «المحرر» : وهو ظاهر رواية ابن منصور، وظاهر قول الخرقي، ووجه المذهب ما رواه سعيد: حدثنا سفيان عن جامع بن أبي راشد عن شقيق بن سلمة عن حذيفة أنه قال لابن مسعود: لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: «لااعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» ، أو قال: «في مسجد جماعة» حديث صحيح، وعن عائشة ﵂ قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. رواه أبو داود، وقال: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: «قالت: السنة» . يعني: أنه موقوف، وعبد الرحمن مختلف فيه، وروى له مسلم، ورواه الدارقطني بإسناد جيد من حديث الزهري عن عروة وابن المسيب عن عائشة في حديث عنها، وفيه: وأن السنة وذكره، وفي آخره: ويأمر من اعتكف أن يصوم، وقال: يقال: أن السنة ... إلى آخره من قول الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم، ورواه أبو بكر النجاد وغيره، عن علي وغيره، ولأن الجماعة واجبة فيحرم تركها (١) ،
стр. 260
ويفسد الاعتكاف بتكرار الخروج، وظهر من هذا إن قلنا: لا تجب الجماعة صح في كل مسجد (وم ش) لظاهر الآية، ولا يصح إلا في مسجد (ع) ، حكاه ابن عبد البر، وجوزه بعض المالكية وبعض الشافعية في مسجد بيته، ويصح في المساجد الثلاثة (ع) حكاه ابن المنذر، وعن حذيفة وابن المسيب: لا اعتكاف إلا فيها، والله أعلم (١) ، ورحبة المسجد ليست منه في رواية وهي ظاهر كلام الخرقي، وعنه: بلى جزم به بعضهم (و) ، وجزم به القاضي في موضع، وجمع بين الروايتين في موضع، فقال: إن كانت محوطة فهي منه، وإلا فلا، قال صاحب «المحرر» : ونقل محمد بن الحكم ما يدل على صحته، فقال: إذا سمع أذان العصر في رحبة مسجد الجامع انصرف ولم يصل، ليس هو بمنزلة المسجد، حد المسجد: هو الذي عليه حائط وباب، وقدم هذا في «المستوعب» وصححه أيضا، وقال: ومن أصحابنا من جعل المسألة على روايتين، وفي كلام الشافعية: الرحبة المتصلة به منه، والله أعلم (٢) .
стр. 261
وظهر المسجد منه (وهـ ش) ، ومذهب (م) لا يعتكف فيه، ولا في بيت قناديله (١) ، وقال (م) أيضا: يكره، والله أعلم، والمنارة التي للمسجد إن كانت فيه أو بابُها فيه فهي منه بدليل منع جنب، والأشهر عن مالك: يكره، وقاله الليث: وإن كان بابها خارجا منه بحيث لا يستطرق إليها إلا خارج المسجد أو كانت خارج المسجد، والمراد والله أعلم، وهي قريبة منه كما جزم به بعضهم، فخرج للأذان بطل اعتكافه؛ لأنه مشى حيث يمشي جنب؛ لأمر منه بد كخروجه إليها لغير الأذان، وقيل: لا يبطل، واختاره ابن البنا وصاحب «المحرر» ، وقال القاضي: لأنها بنيت له فكأنها منه، وقال أبو الخطاب: لأنها كالمتصلة به، وقال صاحب «المحرر» : لأنها بنيت للمسجد؛ لمصلحة الأذان فكأنها منه فيما بنيت له، ولا يلزم ثبوت بقية أحكام المسجد؛ لأنها لم تبن له، وللشافعية وجهان، وثالث: إن ألف الناس صوت المؤذن جاز للحاجة وإلا فلا، وإن كانت في الرحبة فهي منها وإلا فلا، والله أعلم (٢) ،
стр. 262
والأفضل اعتكاف الرجل في الجامع إذا كان اعتكافه تتخلله جمعة، ولا يلزم وفاقا لأكثر العلماء منهم أبو حنيفة، وظاهر مذهب الشافعي، وحكاه في «شرح مسلم» عن مالك لما سبق، ولأنه خرج لما لا بد منه، وكأنه استثنى الجمعة، ولا تتكرر بخلاف الجماعة، وفي «الانتصار» وجه: يلزم فإن اعتكف في غيره بطل بخروجه إليها (وم) ؛ لأنه أمكنه أن يحترز منه كالخارج من صوم الشهرين المتتابعين إلى صوم رمضان، ونحن نمنعه على ما يأتي، فأما إن عين بنذره المسجد الجامع تعين موضع الجمعة، وإن عين غير موضعها لم يتعين موضعها، ولا يصح إن وجبت الجماعة بالاعتكاف فيما تقام فيه الجمعة وحدها، ويصح عند مالك والشافعي، ولمن لا تلزمه الجمعة أن يعتكف في غير الجامع، ويبطل بخروجه إليها إلا أن يشترطه كعيادة المريض، ويصح من المرأة في كل مسجد للآية، والجماعة لا تلزمها، وفي «الانتصار» : في مسجد تقام فيه الجماعة، وهو ظاهر رواية ابن منصور، وظاهر رواية الخرقي؛ لما رواه حرب وغيره بإسناد جيد، عن ابن عباس أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها في بيتها، فقال: بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع، فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، ولا يصح في مسجد بيتها، وهو ما اتخذته لصلاتها لما سبق، وهذا ليس بمسجد حقيقة ولا حكما، ويصح عند أبي حنيفة، وأنه أفضل، وفي كتبهم كـ «المختار» : المرأة تعتكف في بيتها، قال الأصحاب: فلم ينبه أزواجه على ذلك إنما خاف عليهن التنافس في الكون معه، وترك المستحاضة فيه، والطست تحتها، قال صاحب «المحرر» : إنما نكرهه لها إذا لم تتحفظ بخباء ونحوه، واستحبه غيره، وأن لا يكون بموضع الرجال، نقل أبو داود وغيره: يعتكفن في المساجد، ويضربن لهن فيها الخيم، قال الشيخ وغيره: ولا بأس أن يستتر الرجل أيضا؛ لفعله ﷺ ، ولأنه أخفى لعمله، ونقل ابن إبراهيم وغيره: لا إلا لبرد شديد، ونقل صالح وابن منصور: لبرد (١) .
стр. 263
فصل: ويصح بغير صوم
ويصح بغير صوم هذا المذهب (وش) ؛ لأن عمر سأله ﷺ : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، وفي لفظ لمسلم: يوما في المسجد الحرام، قال: «أوف بنذرك» زاد البخاري: فاعتكف ليلة، ولحديث ابن عباس: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» رواه الدارقطني، وقال: رفعه السوسي أبو بكر وغيره لا يرفعه. قال صاحب «المحرر» : هو ثقة فيقبل رفعه وزيادته، قال الخطيب: دخل بغداد، وحدث أحاديث مستقيمة. ولأنه لا دليل، وتفرد عبد الله بن بديل - وله مناكير - بقوله ﷺ لعمر: «اعتكف وصم» . رواه أبو داود وضعفه وزيادته أبو بكر النيسابوري والدارقطني وغيرهما، ثم أمرُه استحبابا أو نذره مع الاعتكاف، بدليل قوله: إنه نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، قال الدارقطني: إسناد حسن تفرد به سعيد بن بشير.
стр. 264
وأقوال الصحابة مختلفة، فعلى هذا: أقله تطوعا أو نذر اعتكافا وأطلق ما يسمى به معتكفا لابثا، فظاهره: ولو لحظة وفاقا للأصح للشافعية، وأقله عندهم مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة، وفي كلام جماعة: أقله ساعة لا لحظة، ولا يكفي عبوره خلافا لبعض الشافعية، ويصح الاعتكاف في أيام النهي التي لا يصح صومها، ولو صام ثم أفطر عمدا لم يبطل اعتكافه، وعنه: لا يصح الاعتكاف بغير صوم (وهـ م) ، فعلى هذا: لا يصح ليلة مفردة، وفي أقله وجهان - قاله في «منتهى الغاية» -: أحدهما: يوم، اختاره أبو الخطاب (وهـ ر) ؛ لأنه أقل ما يتأتى فيه الصوم، والثاني: أقله ما يقع عليه الاسم إذا وجد في الصوم؛ لوجود اللبث بشرطه، وجزم بهذا غير واحد، وهو أصح عن أبي حنيفة، وجزم في «المستوعب» و «الرعاية» وغيرهما: إن نذر اعتكافا وأطلق يلزمه يوم، ومرادهم: إذا لم يكن صائما، كما ذكره في «المستوعب» فيما إذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان أجزأه بقية النهار إن كان صائما، وجزموا في النذر على الأول بأن يوما وليلة أولى لا يوما (ش) ؛ ليخرج من الخلاف، ومذهب (م) : يوم وليلة، وعنه أيضا: ثلاثة، ولا يصح في أيام النهي التي لا يصح صومها (١)
стр. 265
(وهـ م) واعتكافها نذرا ونفلا كصومها نذرا ونفلا، فإن أتى عليه يوم العيد في أثناء اعتكاف متتابع، فإن قلنا: يجوز الاعتكاف فيه، فالأولى: أن يثبت مكانه، ويجوز خروجه؛ لصلاة العيد ولا يفسد اعتكافه، خلافا للشافعي وعبد الملك المالكي، وإن قلنا: لا يجوز خرج إلى المصلى إن شاء، وإلى أهله وعليه حرمة العكوف، ثم يعود قبل غروب الشمس من يومه لتمام أيامه، هذا قول مالك، قاله صاحب «المحرر» ، ولا يشترط أن يصوم للاعتكاف ما لم ينذر له الصوم لظاهر الآية والخبر، وكما يصح أن يعتكف في رمضان تطوعا أو بنذر عينه به (و) ، وشرطه الحنفية للاعتكاف الواجب في الذمة، فلو نذر اعتكاف رجبٍ فتركه واعتكف رمضان، أو نذر اعتكاف رمضان فتركه واعتكف رمضان المقبل لم يجزئه، وكذا عندهم الاعتكاف المطلق إذا فعله في رمضان؛ لوجوب صوم في ذمته، فلا يتأدى برمضان كنذر الصوم المفرد، وأجيب بالمنع، وأن الواجب أن يعتكف في أي صوم كان، كمن نذر صلاة وهو محدث، ثم تطهر لمس المصحف له أن يصليها به، ولأنه لو نذر أن يعتكف رمضان فأفطره لعذر فقضاه، واعتكف مع القضاء أجزأه (و) ، وإن نذر أن يعتكف رمضان ففاته لزمه شهر غيره (و) ، خلافا لأبي يوسف وزفر؛ لأن كل قربة معلقة بزمن لا تسقط بفواته، كنذر صلاة في يوم معين أو الصدقة، وكنذر اعتكاف مدة معينة غير رمضان، وخالف فيه بعض الشافعية؛ لفوات الملتزم، ويبطل هذا بالصوم المعين (ع) ، والله أعلم.
ثم إذا لزم شهر غيره فقدم بعضهم لا يلزمه صوم؛ لأنه لم يلتزمه، وقيل: يلزمه، قال في «الرعاية» : وهو أولى، ثم قال: وقيل: إن شرطناه فيه لزمه، وإلا فلا. وهذا هو الذي في «المستوعب» و «منتهى الغاية» تحقيقا لشرط الصحة.
стр. 266
ويجزي مع شرط الصوم رمضان آخر، وذكر القاضي وجها: لا يجزئه، وهو كقول الحنفية السابق، وأطلق بعضهم وجهين، ولم يذكر القاضي خلافا في نذر الاعتكاف المطلق أنه يجزئه صوم رمضان وغيره، وهذا خلاف نص أحمد ومتناقض؛ لأن المطلق أقرب إلى التزام الصوم، فهو أولى، ذكره صاحب «المحرر» ، ولم يرد القاضي هذا وإن دل عليه كلامه، والقول به في المطلق متعين، وعلل في «المستوعب» الإجزاء بأنه لم يلزمه بالنذر صيام، وإنما وجب ذلك عن شهر رمضان، وعلل عدمه بأنه لما فاته؛ لزمه اعتكاف شهر بصوم، فلم يقع صيامه عنه، والله أعلم.
وإن نذر اعتكاف عشره الأخير فنقص أجزأه وفاقا بخلاف نذر عشرة أيام من آخر الشهر فنقص يقضي يوما (و) ، وإن فاته العشر فقضاه خارج رمضان جاز، ذكره القاضي وفاقا لقضائه ﷺ في العشر الأول من شوال متفق عليه، وكقضاء نذره صوم عرفة أو عاشوراء في غيره، وقال ابن أبي موسى: يلزمه مثله من قابل، وهو ظاهر رواية حنبل وابن منصور في المعتكف يقع على امرأته عليه الاعتكاف من قابل؛ لاشتماله على ليلة القدر، وسبق أن من نذر قيامها لزمه، فكذا اعتكافها ذكره صاحب «المحرر» ، وقال في «الرعاية» : يلزمه مثله في رمضان الآتي في الأشهر، قال مِن عِنده: ويحتمل أن يجزئه مثله من شهر غيره، ويتوجه من تعيين العشر تعيين رمضان في التي قبلها، ولهذا لما ذكر في «المستوعب» المسألة الأولى قال: وقد ذكر ابن أبي موسى، فذكر قوله ولم يزد، ولعل الثانيَ أظهر؛ لأن فعله ﷺ تطوع، والصوم يجزيء المفضول فيه عن الفاضل بدليل أيام الأسبوع والأشهر، والله أعلم.
стр. 267
فصل: من قال لله علي أن اعتكف صائم
من قال: لله علي أن اعتكف صائما أو بصوم لزماه معا، فلو فرقهما أو اعتكف وصام فرض رمضان ونحوه، لم يجزئه؛ لظاهر قوله ﷺ : «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» ، ولأن الصوم صفة مقصودة فيه كالتتابع وكالقيام في صلاة التطوع، وذكر صاحب «المحرر» عن بعض أصحابنا: يلزمه الجميع لا الجمع، فله فعل كل منهما منفردا، وقاله بعض الشافعية: كما لو نذر أن يصلي صائما أو بالعكس، قال صاحب «المحرر» : لا نسلمه، ونقول: يلزمه الجمع كما قال، ثم سلمه، وهذا هو المعروف؛ لكون كل منهما ليس بمقصود في الآخر، ولا سنته، وإن نذر أن يصوم معتكفا فالوجهان لنا وللشافعية في التي قبلها.
стр. 268
قاله صاحب «المحرر» ، وفرق في «التلخيص» بينهما: بأن الصوم ليس من شعاره الاعتكاف، واختاره بعض الشافعية، وإن نذر أن يعتكف مصليا فالوجهان في المذهبين، وفيهما وجه ثالث: لا يلزمه الجمع هنا؛ لتباعد ما بين العبادتين، وكل واحد من الصوم والاعتكاف كف معتبر بالزمان، فلزم الجمع بينهما بالنذر كالحج والعمرة، ولا يلزمه أن يصلي جميع الزمان، ذكر ذلك صاحب «المحرر» ، والمراد: ركعة أو ركعتان، ولم يذكر هذه الصورة في «التلخيص» و «الرعاية» ، وذكر أن يصلي معتكفا، وأنه لا يلزم ولا فرق بينهما، وإن نذر أن يصلي صلاة ويقرأ فيها سورة بعينها لزمه الجمع، فلو قرأها خارج الصلاة لم يجزئه، ذكره في «الانتصار» ، وللشافعي قولان: أحدهما: يجوز التفريق، قال صاحب «المحرر» : ويتخرج لنا مثله، وقالت الحنفية: لا يلزم حال الناذر في جميع هذه المسائل إذا كانت عبادة مفردة، فإذا نذر أن يصلي معتكفا أو بالعكس، أو نذر أن يصوم مصليا أو بالعكس، أو نذر أن يحج معتكفا أو بالعكس ونحوه، لزمه الأول لا الثاني، لا منفردا ولا مع الأول؛ لأنه لم يلتزمه منفردا، وليس بصفة مقصودة ليلزم بالنذر، وإن نذر أن يعتكف صائما لزمه الصوم؛ لكونه شرطا فيه على أصلهم، وإن نذر أن يصوم معتكفا، فلهم وجهان: أحدهما: لا يلزمه سوى الأول كما سبق، والثاني: يلزمه الاعتكاف؛ لأنه ليس عبادة مستقلة، فجاز جعله شرطا في العبادة التي جعلت شرطا له، ونصر صاحب «المحرر» وجوب الجمع في ذلك كله؛ لأنه التزمه كذلك، فيدخل في عموم قوله ﷺ : «من نذر نذرا أطاقه فليف به» ، ولأنه طاعة لاستباقه إلى الخيرات؛ لكونه أشق، قال: وما علل به المخالف يبطل بالتتابع في الصوم يلزم بالنذر، وكل يوم عبادة مستقلة، والله أعلم.
стр. 269
مسائل مختارة من كتاب الصيام من الفروع
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وبعد، فهذه مسائل اخترناها من الفروع، وزدنا عليها ما شاء الله، وذلك أثناء قراءتنا كتاب الصيام في شعبان سنة ١٣٩١هـ نسأل الله التوفيق في الدنيا والآخرة.
المسألة الأولى:
إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ففي صيام يوم الإغماء أقوال:
القول الأول: وجوب صومه، اختاره الأصحاب وجعلوه المذهب عندهم، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، قال المؤلف: كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب، ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه، ثم رد جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب.
القول الثاني: أن صومه مباح، وأنه لا يجب صيام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وقال: هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه.
القول الثالث: يستحب صومه.
القول الرابع: يكره صومه، ذكره ابن عقيل رواية.
القول الخامس: يحرم صومه، ونقله حنبل عن أحمد، وهو مذهب مالك والشافعي.
القول السادس: الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإلا فلا، وهو رواية عن الإمام أحمد.
القول السابع: العمل بالعادة الغالبة: كمضي شهرين كاملين فيكون الثالث ناقصاً، عمل بذلك ابن عقيل في موضع من الفنون، وجعله معنى التقدير في قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له» .
وأصح الأقوال أن صومه محرم، لقول عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » . ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وهذا اختيار صاحب تصحيح الفروع، حيث قال: ظاهر النهي التحريم، إلا أن يصرفه عن ذلك دليل أهـ.
стр. 270
المسألة الثانية:
إذا ثبت الهلال ببلد فهل يشمل الحكم جميع الناس في ذلك أقوال:
القول الأول: يشمل الحكم جميع الناس، فيلزمهم الصيام في هلال رمضان، والفطر في هلال شوال، وهو المشهور من المذهب، وكأن صاحب الفروع يميل إلى تضعيفه، حيث تعقب في معرض سياق أدلته جميع ما احتجوا به، وقال: دليل المسألة من العموم يقتضي التسوية. يعني بين اختلاف الأحكام بالغروب والطلوع والزوال، حيث كان لكل بلد حكمه وبين اختلافها في مطالع القمر.
القول الثاني: يشمل الحكم ما اتفقت مطالعه من البلاد دون ما اختلفت، وهو الأصح للشافعية، وذكره صاحب الفروع والاختيارات اختيار الشيخ تقي الدين، لكن نقل ابن القاسم في مجموع الفتاوى عن الشيخ (ص ١٠٥ ج ٢٥) : أنه متى شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد لزم الصوم. وفي (ص ١٠٧ من المجلد المذكور) : والضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله: «صوموا لرؤيته» ، فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً، وفي (ص ١٠٩ منه) : ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم، بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه. وفي (ص ١١١ منه) : فتلخص أن من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم، أو الفطر، أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك. والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك، فهذا لا تأثير له، وأما إذا بلغه في أثناء المدة فهل يؤثر في وجوب القضاء، وفي بناء الفطر عليه، وبقية الأحكام والقضاء؟ يظهر لي أنه لا يجب، وفي بناء الفطر عليه نظر. أهـ كلام الشيخ ﵀.
وهذا القول أعني القول بأن الحكم يختلف باختلاف المطالع هو الراجح أثراً ونظراً.
القول الثالث: يشمل الحكم من دون المسافة، فإن كان بين البلدين مسافة قصر لم يثبت لأحدهما حكم الآخر. اختاره في الرعاية، وذكره في شرح مسلم أنه الأصح للشافعية.
стр. 271
القول الرابع: إن كان الإقليم واحداً شمل الحكم الجميع وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية.
القول الخامس: يشمل الحكم بلد الرؤية وما كان تابعاً له في العمل دون غيره، إلا أن يحمل الإمام الناس على ذلك.
القول السادس: يختص الحكم ببلد الرؤية فقط، حكاه النووي في المجموع نقلاً عن ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق بن راهويه.
القول السابع: انه إذا كان البلدان يشتركان في جزء من الليل اشتركا في حكم الهلال وإلا فلا. قاله محمد إسماعيل إبراهيم، ويتفرع على ذلك: ما لو سافر من بلد إلى بلد خالفه في ثبوت الشهر، فالمشهور من مذهب أحمد أنه يبنى على أسبق البلدين، لأنه متى ثبت بمكان شمل الحكم جميع الناس، فإذا سافر من بلد ثبت فيه الشهر ليلة الجمعة إلى بلد ثبت فيه ليلة السبت وتم شهر ولم ير الهلال لزمه الفطر. وإن سافر من بلد ثبت فيه ليلة السبت إلى بلد ثبت فيه ليلة الجمعة فأفطروا أفطر معهم وقضى يوماً.
وأما الشافعية فعندهم في ذلك وجهان:
أحدهما: اعتبار البلد المنتقل إليه فيفطر معهم وإن لم يكمل، ويقضي يوماً، وكذلك إن أكمل الثلاثين ولم يفطروا فيصوم معهم.
والثاني: اعتبار البلد المنتقل منه، فيلزمه الصوم في المسألة الأولى وإن كانوا مفطرين، والفطر في الثانية وإن كانوا صائمين.
المسألة الثالثة:
إذا ثبتت الرؤية في أثناء النهار فماذا يلزم؟ في هذا خلاف على أقوال:
القول الأول: يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
القول الثاني: يلزمه القضاء دون الإمساك، قاله عطاء، وحكاه أبو الخطاب رواية.
القول الثالث: يلزمه الإمساك دون القضاء، قاله الشيخ تقي الدين.
стр. 272
وهذا القول أرجح الأقوال، لأنه لا تكليف إلا بعد العلم، وقد أفطر الناس في عهد النبي ﷺ ظانين غروب الشمس، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء فإذا لم يؤمروا بالقضاء في هذه الحال التي الأصل فيها بقاء اليوم وعدم الغروب، فكذلك إذا أكلوا في يوم الأصل فيه بقاء شعبان بل هذا أولى.
المسألة الرابعة:
إذا طرأ شرط التكليف بالصوم في أثناء اليوم كإسلام كافر وبلوغ صبي، وإفاقة مجنون، ففي حكم ذلك اليوم أقوال:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء وهو المشهور من مذهب أحمد.
القول الثاني: وجوب الإمساك دون القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة. قال الزركشي: وحكاه أبو العباس رواية فيما أظن، واختارها أهـ وهذا هو القول الوسط وأقرب إلى الصحة.
القول الثالث: لا يجب الإمساك ولا القضاء، وهو مذهب الشافعي، ومالك، ورواية عن أحمد.
المسألة الخامسة:
إذا زال مانع الوجوب في أثناء اليوم وهو مفطر: كقدوم المسافر وطهارة الحائض وبرء المريض، ففي حكم ذلك قولان:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء، وهو المشهور من المذهب ومذهب أبي حنيفة.
القول الثاني: وجوب القضاء دون الإمساك، وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي، وهذا القول أصح، لأن الإمساك لا يستفيدون به شيئاً. ووقت الوجوب كانوا فيه غير أهل له، وعلى هذا فلو قدم المسافر مفطراً ووجد امرأته طاهراً من الحيض يوم قدومه فله وطؤها.
أما إذا زال مانع الوجوب وهو صائم كقدوم المسافر صائماً، وبرء المريض فيلزمهم الإتمام قولاً واحداً.
стр. 273
المسألة السادسة:
إذا طرأ مانع الوجوب أو الصحة في أثناء اليوم، وفي ذلك عدة مسائل:
١ ـ إذا ارتد في أثناء اليوم بطل صومه ولزمه القضاء، وقال أبو حنيفة: لا يقضي، وقال صاحب المحرر: ينبني على الروايتين فيما إذا وجد الموجب في بعض اليوم، فإن قلنا: يجب وجب هنا، وإلا فلا أهـ. والأصح وجوب القضاء عليه، لأنه من أهل الوجوب حين تعين الإمساك.
٢ ـ إذا حاضت المرأة في أثناء اليوم فقال الإمام أحمد: تمسك، قال في الفروع: وظاهر كلامهم لا إمساك مع المانع، وهو أظهر. قلت: وهذا هو المذهب وهو المقطوع به، ويلزمها القضاء.
٣ ـ إذا جنّ في أثناء النهار فهل يلزمه القضاء؟ ينبني على الروايتين في إفاقته في أثناء النهار بجامع أنه أدرك جزءاً من الوقت، وسبق في المسألة الرابعة، والذي يظهر هنا أنه يقضي، لأنه كان حين تعين الإمساك من أهل الوجوب. هذا إذا قلنا بأن الجنون مبطل للصوم قليلة وكثيرة، كما هو اختيار المجد وابن البناء، ولكن قال في الفروع: الجنون كالإغماء، فعلى هذا القول لا يبطل الصوم بالجنون، وهو المذهب.
٤ ـ إذا سافر في أثناء النهار جاز له الفطر، والأفضل عدمه، وهذا هو المذهب، لكن لا يفطر قبل خروجه من البلد، خلافاً للحسن وإسحاق وعطاء، وعن أحمد رواية ثانية: لا يجوز له الفطر إذا سافر في أثناء النهار، فالأقوال ثلاثة.
٥ ـ إذا مرض في أثناء النهار، أو خاف المرض بعطش ونحوه فله الفطر بالإجماع، قاله في الفروع ص ٢١ ج ٢.
المسألة السابعة في النية:
النية إما أن تكون في صوم واجب، أو في صوم تطوع.
فإن كانت في صوم واجب، ففيها أقوال:
الأول: أنها تجب من الليل، وفاقاً لمالك والشافعي.
الثاني: إن كان الصوم في رمضان، أو نذر معين أجزأت قبل الزوال لا بعده. ومذهب أبي حنفية.
الثالث: أن النية تجزيء في كل صوم من الليل وفي النهار قبل الزوال أو بعده، قاله الأوزاعي، وحكي عن ابن المسيب.
стр. 274
ولا تصح نية صوم يوم قبل ليلته، فلا تصح في نهار يوم لصوم الغد وفاقاً للأئمة الثلاثة، وعن أحمد تصح. وعن أحمد أيضاً تصح في أول رمضان نية واحدة لجميعه، فإن أفطر منه يوماً لعذر أو غيره لم يصح صيام الباقي إلا بنية مجددة، وقيل: يصح.
وأما إن كانت النية في صوم تطوع فإنها تصح قبل الزوال وبعده، وعنه لا تصح بعده، ومذهب مالك وداود هو كالفرض تسوية بينهما.
واختلف القائلون بصحة النية في النهار هل يثاب على الصوم من النية، أو من أول النهار، على ثلاثة أقوال:
أحدها: من النية، اختاره الموفق وغيره، وهو أظهر.
الثاني: من أول النهار، اختاره صاحب المحرر.
الثالث: إن نوى قبل الزوال فالثواب من أول النهار، وإلا فمن النية.
المسألة الثامنة:
هل يشترط في النية التعيين، أو يكفي نية الصوم، في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: اشتراط التعيين، وفاقاً لمالك والشافعي، وهو المشهور من المذهب.
الثاني: لا يشترط التعيين في رمضان خاصة وفاقاً لأبي حنيفة، وعلى هذا يصح بنية مطلقة ونية نفل ونحوه، وبنية فرض تردد فيها بأن نوى ليلة الشك إن كان من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل، فيجزئ إن تبين منه، وهذه رواية عن أحمد، وعنه رواية ثالثة تصح نية فرض تردد فيها مع الغيم لا مع الصحو.
الثالث: لا يشترط التعيين إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً فهو شرط، اختاره الشيخ تقي الدين.
المسألة التاسعة: المفطرات:
المفطرات هي:
١ ـ الأكل والشرب بالإجماع، أي ما وصل إلى الجوف من طريق الفم، سواء كان يغذي أو لا. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر فيما ليس بطعام ولا شراب مثل أن يستف تراباً. وقال بعض المالكية: لا يفطر فيما لا يغذي ولا يماع في الجوف كالحصاة ونحوها.
стр. 275
٢ ـ الاستعاط بدهن أو غيره إن وصل إلى حلقه أو دماغه، وقال مالك: لا يفطر فيما وصل إلى الدماغ، وقال في الكافي: يفطر بما وصل من ذلك إلى خياشيمه. وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر بواصل من غير الفم؛ لأن النص إنما حرم الأكل والشرب والجماع. وقال الشيخ تقي الدين في رسالته «حقيقة الصيام» : ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطراً هو ما كان واصلاً إلى دماغ، أو بدن، أو ما كان داخلاً من منفذ، أو واصلاً إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله وعند رسوله أهـ.
٣ ـ الاكتحال بكحل يعلم وصوله إلى حلقه، ومذهب مالك والشافعي: لا يفطر بذلك، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دماً. قيل: هذا كما يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دماً. وكالدهن الذي يشربه الجسم، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دماً ويتوزع على البدن.
٤ ـ التقطير في الأذن إن دخل دماغه، وقال مالك: إن دخل حلقه أفطر وإلا فلا، وقال الأوزاعي، والليث، والحسن بن صالح وداود: لا يفطر إن وصل إلى دماغه.
٥ ـ الحقنة، وقاله الشافعي، وعن مالك خلاف، واختار الشيخ تقي الدين: أنه لا فطر بالحقنة، وقال به الحسن بن صالح وداود. قال الشيخ محمد رشيد رضا عن قول الشيخ تقي الدين: إن قوله حق، ولكن يوجد في هذا الزمان حقن أخر، وهو إيصال بعض المواد المغذية إلى الأمعاء، يقصد بها تغذية بعض المرضى، والأمعاء من الجهاز الهضمي كالمعدة، وقد تغني عنها، فهذا النوع من الحقن يفطر الصائم فهو لا يباح له إلا في المرض المبيح للفطر. أهـ
٦ ـ وصول الدواء إلى جوفه، أو دماغه من دواء جرح، أو جائفة، أو مأمومة. ومذهب مالك: لا فطر بذلك، وهو قول أبي يوسف ومحمد، واختاره الشيخ تقي الدين.
стр. 276
ومثل ذلك لو طعنه أحد بأمره، أو طعن نفسه بما يعلم وصوله إلى جوفه أو دماغه، إلا أن مالكاً لم يذكر عنه أنه خالف في ذلك.
٧ ـ الجماع بذكر أصلي في فرج أصلي.
٨ ـ الحجامة إن ظهر دم فيفطر الحاجم والمحجوم، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا فطر بذلك، وقال الشيخ تقي الدين: لا يفطر الحاجم إلا أن يمص القارورة. وقال ابن عقيل: يحصل الفطر بالحجامة وإن لم يخرج دم، وجزم به في المستوعب والرعاية.
ولا فطر بخروج الدم في غير الحجامة، سواء خرج بنفسه، أو بمحاولة، وقال الشيخ تقي الدين: يفطر من أخرج دمه برعاف أو غيره، وقاله الأوزاعي في الرعاف، وذكر في التلخيص وجهين في الفطر بالفصد، وأن أصحهما عدم الفطر، وقال في الرعاية: يحتمل التشريط وجهين. وقال: الأولى إفطار المفصود والمشروط، دون الفاصد والشارط. أهـ.
٩ ـ القيء إذا استقاء فقاء أي شيء كان. وقال به مالك والشافعي وعن أحمد: يفطر بملء الفم، وقال به أبو حنيفة، واختاره ابن عقيل، وقال القاضي: إن فحش أفطر. قال في الفروع: ويتوجه احتمال لا يفطر بالقيء، وذكره البخاري عن أبي هريرة، ويروى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وقاله بعض المالكية. وقال ابن عقيل في مفرداته: إنه إذا قاء بنظره إلى ما يغثيه يفطر كالنظر والفكر.
١٠ ـ الإمناء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقال به أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقد نقض في الفروع ما احتج به على الفطر، ثم قال: ويتوجه احتمال لا يفطر بذلك. وقاله داود، وإن صح إجماع قبله كما قد ادعى تعين القول به. أهـ
١١ ـ الإمذاء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقاله مالك، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا فطر به اختاره الآجري، وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين. قال في الفروع: وهو أظهر.
стр. 277
١٢ ـ الإمناء بتكرار النظر خلافاً لأبي حنيفة والشافعي والآجري وإن أمذى بذلك لم يفطر خلافاً لمالك. وإن لم يكرر النظر لم يفطر وفاقاً لمالك والشافعي. وقيل: يفطر وفاقاً لمالك، ونص أحمد يفطر بالمني دون المذي.
١٣ ـ الإمناء بالتفكير وظاهر كلامه: لا يفطر، خلافاً لمالك، وابن عقيل، وأبي حفص البرمكي، وهو أشهر، لأنه دون المباشرة وتكرار النظر.
١٤ ـ الموت فيطعم من تركته في نذر وكفارة، كذا في الفروع ولم يذكر خلافاً، والصواب: أنه لا يجب الإطعام، لأن هذا قام بالواجب ما استطاع.
١٥ ـ المباشرة بتقبيل، أو نحوه لمن تحرك شهوته، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، وحكاه الخطابي عنه وعن المسيب، وجمهور العلماء: لا يفطر، وحكاه ابن عبد البر إجماعاً.
شروط الفطر بما ذكر:
يشترط للفطر بهذه المفطرات شروط:
الأول: أن يكون ذاكراً، فلا يفطر الناسي، خلافاً لمالك، إلا في الجماع فيفطر، وعنه لا، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، اختاره الآجرى وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين، وذكره في شرح مسلم قول جمهور العلماء، وقيل: يفطر الناسي بالوطء دون الفرج، والاستمناء ومقدمات الجماع، والحجامة.
الثاني: أن يكون مختاراً، فإن كان مكرهاً فلا فطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وسواء أكره على الفعل حتى فعل، أو فعل به بأن صب في حلقه الماء مكرهاً، وإن أوجر المغمى عليه معالجة لم يفطر، وقيل: يفطر لرضاه به ظاهراً، فكأنه قصده. وإن أكره الصائم على الوطء أفطر، فاعلاً كان أو مفعولاً به في ظاهر المذهب. وعن أحمد ما يدل على أنه لا فطر، حيث قال: كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة، وقيل: يفطر من فعل، لا من فعل به.
стр. 278
ولا يشترط أن يكون عالماً فيفطر الجاهل بالتحريم وفاقاً للأئمة الثلاثة. وقيل: لا يفطر، لأنه لم يتعمد المفسد كالناسي، فلو أكل ناسياً فظن أنه أفطر بذلك فأكل عمداً، فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم فيها الخلاف، قاله في الفروع. وهذا هو الصواب.
ويفطر الجاهل بالوقت فلو أكل يظن بقاء الليل، أو غروب الشمس، فتبين أنه في النهار لزمه القضاء وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل: لا يلزمه القضاء، قاله الحسن، وإسحاق، والظاهرية، واختاره الشيخ تقي الدين.
وقيل: يلزمه في الثانية، وهي إذا ظن الغروب دون الأولى، وهي إذا ظن بقاء الليل، قاله مجاهد، وعطاء، واختاره صاحب الرعاية، وبعض الشافعية.
الموجب للكفارة من هذه المفطرات:
الموجب للكفارة من هذه المفطرات هو الجماع إذا كان في نهار رمضان وأفطر به بدون عذر، والمرأة المطاوعة كالرجل، وعنه لا كفارة عليها وفاقاً للشافعي، وعنه يلزمه كفارة واحدة عنهما، وأما المكرهة فلا كفارة عليها، وذكر القاضي رواية: تكفر، وعنه ترجع بها على الزوج، وكذا المعذورة بجهل أو نسيان، وعنه يكفر الواطىء عن المعذورة بإكراه، أو جهل، أو نسيان، أو نحوها.
وجماع البهيمة كالآدمية، وقيل: لا فطر ولا كفارة، وفاقاً لأبي حنيفة، ولا كفارة بغير الجماع المذكور وفاقاً للشافعي، وعن أحمد: يكفر للفطر بالحقنة، وبالاحتجام إن بلغه الخبر، وقيل عنه: يكفر للفطر بأكل، وشرب، واستمناء. ومذهب مالك: يكفر من أكل وشرب، ومذهب أبي حنيفة يكفر منهما إن كان مما يتغذى به، أو يتداوى به.
ذكر أشياء في الفطر بها خلاف:
١ ـ إذا أصبح في فيه طعام يمكنه لفظه بأن يتميز عن ريقه، وهو أقل من الحمصة أفطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
стр. 279
٢ ـ إذا زاد على الثلاث في مضمضة، أو استنشاق، أو بالغ فدخل الماء حلقه بلا قصد لم يفطر، وقيل: يفطر، واختار صاحب المحرر يفطر بالمبالغة للنهي الخاص وعدم ندرة الوصول فيها، بخلاف المجاوزة، وأنه ظاهر كلام أحمد في المجاوزة، يعني أنه يعيد.
٣ ـ إذا جمع ريقه فابتلعه لم يفطر، وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل: يفطر.
٤ ـ إذا مضغ علكاً لا يتحلل منه أجزاء كره، وفاقاً للأئمة الثلاثة ويتوجه احتمال لا، لأنه روي عن عائشة، وعطاء، وعلى الأول لو وجد طعمه في حلقه فهل يفطر أم لا؟ على وجهين، وعلة عدم الفطر أن مجرد الطعم لا يفطر، كمن لطخ باطن قدمه بحنظل إجماعاً، بخلاف الكحل فإنه تصل أجزاؤه إلى الحلق.
٥ ـ الغيبة لا يفطر بها، قال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، قال في الفروع: وذكر شيخنا وجهاً في الفطر بغيبة ونميمة ونحوها، فيتوجه منه احتمال يفطر بكل محرم، ويتوجه احتمال تخريج من بطلان الأذان بكل محرم، واختار ابن حزم يفطر بكل معصية.
стр. 280
الخلاف في المفطرات (من الفروع)
المسألة الأولى: الأكل والشرب مفطران إجماعاً، إلا عند الحسن بن صالح فيما ليس بطعام ولا شراب، مثل: أن يستف تراباً، وبعض المالكية فيما لا يماع ولا يغذي، كالحصاة.
المسألة الثانية: ما وصل إلى الجوف من غير أكل وشرب، وعند الحسن بن صالح وداود: لا يفطر بواصل من غير الفم، وعند الشيخ تقي الدين لا يفطر بمداواة جائفة ومأمومة ونحو ذلك، ولا بحقنة وهو إحدى الروايتين عن مالك في الاحتقان بشيء، وأما في الجائفة والمأمومة فرواية واحدة لا يفطر.
المسألة الثالثة: الجماع مفطر.
المسألة الرابعة: الإنزال بالاستمناء وبالمباشرة كالتقبيل ونحوه، وقاله الأئمة الثلاثة يفطر، قال في «الفروع» : ويتوجه احتمال لا يفطر بذلك، وقاله داود، وإن صح إجماع قبله كما قد ادعي تعين القول به.
стр. 281
المسألة الخامسة: الإنزال بتكرار النظر، وقال الآجري: لا يفطر وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي.
المسألة السادسة: الإنزال بالتفكير لا يفطر، خلافاً لمالك.
المسألة السابعة: الإمذاء بالمباشرة والاستمناء مفطر، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا، قال في «الفروع» : اختاره الآجري وأبو محمد الجوزي، وأظن: وشيخنا، وهو أظهر.
المسألة الثامنة: الإمذاء بتكرار النظر لا يفطّر، خلافاً لمالك، قال في «الفروع» : والقول بالفطر أقيس على المذهب؛ لأن الضعيف إذا تكرر قوي.
المسألة التاسعة: الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم إن ظهر الدم، وقال الأئمة الثلاثة: لا تفطر، وقيل: إن علما النهي أفطرا وإلا فلا، وقال الشيخ تقي الدين: إن مص الحاجم القارورة أفطر وإلا فلا، وذكر ابن عقيل: يفطر وإن لم يظهر دم.
المسألة العاشرة: الفصد لا يفطر، وفيه وجه يفطر، وذكر شيخنا أنه أصح في مذهب أحمد، واختار أنه يفطر من أخرج دمه برعاف أو غيره.
المسألة الحادية عشر: القيء إذا استقاء فقاء، لخبر أبي هريرة، قال في «الفروع» : وهو ضعيف عند أحمد والبخاري والترمذي والدارقطني وغيرهم، ويتوجه احتمال: لا يفطر، وذكره البخاري عن أبي هريرة، ويروى عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة، وقاله بعض المالكية ا. هـ.
وعلى القول بالفطر هل يفطر بالقليل والكثير أو بملء الفم أو نصفه أو بالفاحش؟ على أقوال.
стр. 282
المسألة الثانية عشر: فعل المفطرات لا يفطر إلا إذا كان عامداً، ذاكراً لصومه، مختاراً، فلو كان ناسياً لم يفطر، خلافاً لمالك، وعنه في الحجامة يفطر لندرة النسيان فيها، وقيل: ومقدمات الجماع، ولو فعله مكرها لم يفطر، سواء فعل به، أو أكره عليه ففعله، ومذهب الحنفية: يفطر؛ لندرة الإكراه، وكذا مالك ومذهب الشافعي: إن فعل به لم يفطر، وإن فعله بنفسه فقولان، وإن أوجر المغمى عليه معالجة لم يفطر لعدم إرادته، وقيل: يفطر لرضاه به ظاهراً، وللشافعية وجهان، ولو فعل المفطرات جاهلاً بالتحريم أفطر، وفي «الهداية» و «التبصرة» : لا يفطر؛ لأنه لم يتعمد المفسد كالناسي، وجمع بينهما في «الكافي» بعدم التأثيم، وإن فعلها جاهلاً بالوقت، كمن أفطر يظن أو يعتقد أنه ليل فبان نهاراً في أوله أو آخره فسد صومه ويقضي، قال في «الفروع» : وتأتي رواية لا قضاء على من جامع جاهلاً بالوقت، واختاره شيخنا، وقال: هو قياس أصول أحمد وغيره، واختار صاحب «الرعاية» إن أكل يظن بقاء الليل فأخطأ لم يقض لجهله، وإن ظن دخوله فأخطأ قضى، وصح عن عمر في الصورة الثانية روايتان: إحداهما القضاء، والأمر به، والثانية: لا نقضي ما تجانفنا لإثم، وقال: قد كنا جاهلين، فعلى هذا لا قضاء في الصورة الأولى، وقاله فيهما الحسن وإسحق والظاهرية، وقاله في الأولى مجاهد وعطاء وبعض الشافعية، والله أعلم.
كتبه الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين
في ٢٨/٨/١٣٨٧هـ