ويستحب صوم عشر ذي الحجة (١) . وآكده التاسع - وهو يوم عرفة - إجماعا، قيل: سمي بذلك للوقوف بعرفة فيه. وقيل: لأن جبريل حج بإبراهيم ﵉، فلما أتى عرفة قال: قد عرفت؟ قال: قد عرفت. وقيل: لتعارف آدم وحواء بها.
стр. 212
ثم الثامن، وهو يوم التروية، قيل: سمي بذلك لأن عرفة لم يكن بها ماء، فكانوا يتروون من الماء إليها، وقيل: لأن إبراهيم ﵇ رأى ليلة التروية الأمر بذبح ولده، فأصبح يتروى؛ هل هو من الله، أو حُلْمٌ؟ فلما رآه الليلة الثانية عرف أنه من الله (١) . ولا وجه لقول بعضهم: آكده الثامن ثم التاسع، ولعله أخذه من قوله في «الهداية» وغيرها: آكده يوم التروية وعرفة.
стр. 213
ولا يستحب للحاج بعرفة صوم يوم عرفة (وم ش) ، وفطره أفضل، وكرهه جماعة؛ لفطره ﷺ بعرفة، وهو يخطب الناس. متفق عليه. ولأحمد وابن ماجه النهي عنه من حديث أبي هريرة، من رواية مهدي الهجري - وفيه جهالة، ووثقه ابن حبان -، وليتقوى على الدعاء. وعن عقبة مرفوعا: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» . رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه. قال صاحب «المحرر» : والمراد به؛ كراهة صومه في حق الحاج، واستحبه أبو حنيفة، وإسحاق، إلا أن يضعفه عن الدعاء، واختاره الآجري، قال صاحب «المحرر» : وحكى الخطابي عن إمامنا نحوه، وجزم في «الرعاية» بما ذكره بعضهم؛ أن الأفضل للحاج الفطر يوم التروية، ويوم عرفة بهما (١) .
ويستحب صوم المحرم، قال ﷺ : «أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» . رواه مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة. ولعله ﵇ لم يكثر الصيام فيه لعذرٍ، أو لم يعلم فضله إلا أخيراً.
стр. 214
قال ابن الأثير: إضافته إلى الله تعظيما وتفخيما، كقولهم: بيت الله، وآل الله، لقريش. قال: والشهر: الهلال، سُمِّيَ به؛ لشهرته وظهوره. وأفضله عاشوراء، وهو العاشر، وفاقا لأكثر العلماء، ثم تاسوعاء، وهو التاسع - ممدودان، وحُكِيَ قصرهما -، وعن ابن عمر: يكره صوم عاشوراء، وعن بعض السلف: فرض، وهما آكده، ثم العشر، روى مسلم عن أبي قتادة مرفوعا، في صيام يوم عرفة: «إني لأحتسب على الله أن يُكَفِّرَ السنة التي قبله والسنة التي بعده» . وقال في صيام عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله» . والمراد به الصغائر، حكاه في «شرح مسلم» عن العلماء، فإن لم تكن صغائر، رُجِيَ التخفيف من الكبائر (١) ، فإن لم تكن رفعت درجات، وعن الحسن، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء، يوم العاشر، من المحرم. إسناده ثقات، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من ابن عباس، وقال: مرسلات الحسن التي رواها عنه الثقات صحاح. وعن معقل بن يسار، وغيره: يوم عاشوراء هو اليوم التاسع؛ لأن الحكم بن عبد الله الأعرج سأل ابن عباس عن صومه: أي يوم؟ قال: إذا رأيت هلال المحرم، فاعدد، فإذا أصبحت من تاسعه، فأصبح منها صائما، قلت: أكذلك كان يصومه محمد ﷺ ؟ قال: نعم. رواه مسلم.
стр. 215
ومعناه: أهكذا كان يأمر بصيامه أو يحث عليه؟ جمعا بينه وبين غيره، ذكره صاحب «المحررِ» ، وعن ابن عباس القولان، واختارت طائفة صوم اليومين، صح عن ابن عباس. وقال: خالفوا اليهود. وعن أبي رافع - صاحب أبي هريرة - وابن سيرين، وقاله الشافعي، وأحمد وإسحاق، وقول ابن عباس: لما صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى - وفي لفظ أبي داود: تصومه اليهود والنصارى - فقال: «فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع» . فلم يأت العام المقبل حتى توفي. رواه مسلم وأبو داود. وهو يدل على أنه لم يكن يصوم التاسع بل العاشر، وأنه عاشوراء، وقصد صوم التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود، وليس يدل على اقتصاره على التاسع. وقد روى الخلال في «العلل» : حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس مرفوعا: «لئن بقيت إلى قابل، لأصومن التاسع والعاشر» . إسناده جيد. واحتج به أحمد في رواية الأثرم، وبقول ابن عباس: صوموا التاسع والعاشر. ولا يكره إفراد العاشر بالصوم، وقد أمر أحمد بصومهما، ووافق شيخنا المذهب أنه لا يكره. وقال: مقتضى كلام أحمد: يكره، وهو قول ابن عباس (وهـ) ، ولم يجب صوم عاشوراء، اختاره الأكثر، منهم القاضي، قال صاحب «المحررِ» : وهو الأصح من قول أصحابنا (وش) .
стр. 216
وعن أحمد: وجب ثم نُسِخَ، اختاره شيخنا، ومال إليه الشيخ (وهـ) ؛ للأمر به، وقد روى أبو داود أنه ﷺ أَمَرَ من أكل بالقضاء، ثم لا يلزم من عدم القضاء عدم وجوبه، بدليل الخلاف فيمن صار أهلا للوجوب في أثناء يوم من رمضان، وحديث معاوية: «لم يكتب عليكم صيامه» ، فمعاوية أسلم عام الفتح، وقيل: في عمرة القضية، وقيل: زمن الحديبية، فإنما سمع النبي ﷺ يقول ذلك بعد هذا، وعاشوراء إنما وجب في العام الثاني للهجرة، فوجب يوما ثم نُسِخَ برمضان ذلك العام، والأخبار في ذلك مشهورة، ومن اختار الأول حمل الأمر قبل رمضان على تأكيده وكراهة تركه، فلما فُرِضَ رمضان بقي أصل الاستحباب، والله أعلم.
стр. 217
سأل ابن منصور أحمد: هل سمعت في الحديث أن: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة» ؟ فقال: نعم، رواه سفيان بن عيينة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر - وكان من أفضل أهل زمانه - أنه بلغه: أن من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته. قال ابن عيينة: قد جربناه منذ خمسين أو ستين فما رأينا إلا خيرا. وذكره ابن الجوزي في «العلل المتناهية» من حديث ابن عمر، قال الدارقطني: منكر، ومن حديث أبي هريرة، والإسناد ضعيف، وعن جابر مرفوعا مثله، وفيه: «على نفسه وأهله» . ذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» : قال جابر: جربناه فوجدناه كذلك. وقال أبو الزبير مثله، وقال شعبة مثله. وعن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ مثله، ولفظه: «من وسع على أهله» . قال يحيى بن سعيد: جربنا ذلك فوجدناه حقا. وكره شيخنا ذلك وغيره سوى صومه، قال: وقول إبراهيم بن محمد بن المنتشر أنه بلغه، لم يذكر عمن بلغه، وبعض الجهال والنواصب ونحوهم، وضع في ذلك قبالة الرافضة. قال: ولم يستحب أحد من الأئمة فيه غسلا ولا كحلا ولا خضابا، ونحو ذلك، والخبر بذلك كذب اتفاقا، وغلط من صحح إسناده، واستحب ذلك صاحب «التلخيص» في كتابه «الخطب» ، والله أعلم (١) .
стр. 218
فصل: يُكْرَهُ صوم الدهر
يُكْرَهُ صوم الدهر إذا أدخل فيه يومي العيدين، وأيام التشريق، ذكره القاضي وأصحابه، والكراهة كراهة تحريم. ذكره صاحب «المغني» ، و «المحررِ» ، وغيرهُما، وهو واضح (١) .، وإن أفطر أيام النهي جاز، خلافاً للظاهرية، وسبق كلام ابن عقيل في إعادة الصلاة، ولم يكره، والمراد ما ذكره صاحب «المحررِ» وغيره، إذا لم يترك به حقا، ولا خاف منه ضررا. نقل حنبل: إذا أفطر أيام النهي فليس ذلك صوم الدهر. ونقل صالح: إذا أفطرها رجوت أن لا بأس به. وهذا اختيار القاضي وأصحابه، وصاحب «المحررِ» والأكثر (وم ش) ، وذكر مالك أنه سمع أهل العلم يقولونه؛ لقول حمزة بن عمرو: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: «إن شئت فصم» . متفق عليه؛ ولأن أبا طلحة، وغيره من الصحابة، وغيرهم فعلوه، ولأن الصوم مطلوب للشارع إلا ما استثناه، وأجابوا عن حديث عبد الله بن عمرو، وقوله ﷺ : «لا صام من صام الدهر» . رواه البخاري؛ بأنه ﵇ خشي عليه ما سبق، ولذلك قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، بعدما كَبِرَ. واختار صاحب «المغني» : يكره، وهو ظاهر رواية الأثرم، وللحنفية قولان. وقال شيخنا: الصواب قول من جعله تركا للأولى، أو كرهه، فعلى الأول: صوم يوم وفطر يوم أفضل منه، خلافا لطائفة من الفقهاء والعباد. ذكره شيخنا، وهو ظاهر حال من سرده، ومنهم أبو بكر النجاد من أصحابنا؛ حملا لخبر عبد الله بن عمرو عليه، وعلى من في معناه؛ لأنه ﵇ لم يرشد حمزة بن عمرو إلى يوم ويوم. قال أحمد: ويعجبني أن يفطر منه أياما.
стр. 219
يعني: أنه أولى؛ للخروج من الخلاف، وجزم به جماعة، وقاله إسحاق، وليس المراد الكراهة، فلا تعارض (١) .
стр. 220
فصل: يكره الوصال
يكره الوصال، وهو أن لا يفطر بين اليومين؛ لأن النهي رفقٌ ورحمةٌ؛ ولهذا واصل ﷺ بهم، وواصلوا بعده، وقيل: يحرم، واختاره ابن البناء، وحكاه ابن عبد البر عن الأئمة الثلاثة وغيرهم، وللشافعية وجهان. قال أحمد: لا يعجبني. وأومأ أحمد أيضا إلى إباحته لمن يطيقه، روي عن عبد الله بن الزبير، وابنه عامر، وغيرهما، فنقل حنبل أنه واصل بالعسكر ثمانية أيام ما رآه طعم فيها، ولا شَرِبَ حتى كلمه في ذلك فشرب سويقا، قال أبو بكر: يحتمل أنه فعله حيث لا يراه، لأنه لا يخالف النبي ﷺ ، كذا قال، قال صاحب «المحررِ» : لا خلاف أن الوصال لا يبطل الصوم؛ لأن النهي ما تناول وقت العبادة؛ ولأنه ﷺ لم يأمر الذين واصلوا بالقضاء، وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها؛ لأن الأكل مظنة القوة، وكذا بمجرد الشرب، على ظاهر ما رواه المروذي عنه أنه كان إذا واصل شرب شربة ماء، خلافاً للشافعية.
стр. 221
ولا يكره الوصال إلى السحر. نص عليه، وقاله إسحاق؛ لقوله ﵇ في حديث أبي سعيد: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» . رواه البخاري. لكن تَرَكَ الأولى؛ لتعجيل الفطر، وذكر القاضي عياض المالكي أن أكثر العلماء كرهه (١) .
стр. 222
فصل: يُكْرَهُ استقبال رمضان بيوم أو يومين
يُكْرَهُ استقبال رمضان بيوم أو يومين، ذكره الترمذي عن أهل العلم، وجزم به الأصحاب، مع ذكرهم في يوم الشك ما يأتي، وقد قال أحمد - رحمه الله تعالى - في رواية أبي داود وغيره: إنه إذا دخل لم يَحُلْ دونه سحاب أو قتر يوم شك، ولا يصام. وكذا نقل الأثرم: ليس ينبغي أن يصوم إذا لم يَحُلْ دون الهلال شيء من سحاب، ولا غيره، فهذا من أحمد للتحريم، على ما سبق في خطبة الكتاب (وش) ، ولم أجد عن أحدٍ خلافه، إلا ما حكاه الترمذي في يوم الشك عن أكثر أهل العلم - منهم أحمد - الكراهة، والأظهر أنه لا تعارض، وأن قوله في رواية أبي داود يوم شك، فيه نظر، إلا أن يكون المراد: لم يَحُلْ دونه شيء، وتقاعدوا عن الرؤية، وفيه نظر، فإن كان أراده، فيوم الشك محرم عنده؛ لقول عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم» . فتَقَدُّمُه باليوم واليومين أولى عنده بالتحريم؛ لصحة النهي فيه، ولا معارض، ووجه تحريم يوم الشك فقط أن قول عمار صريح، والنهي يحتمل الكراهة، ووجه تحريم استقباله فقط النهي، وفيه زيادة على المشروع، وصوم الشك احتياط للعبادة، وقول عمار في إسناده أبو إسحاق، وهو مدلس، وروي من غير طريقه، بإسنادٍ أثبت منه موقوف. والله أعلم (١) ..
ولا يكره التقديم بأكثر من يومين. نص عليه؛ لظاهر حديث أبي هريرة: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه» . وقيل: يكره بعد نصف شعبان، وحرمه الشافعية؛ لحديث أبي هريرة: «إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا» . رواه الخمسة، وضعفه أحمد وغيره من الأئمة، وصححه الشيخ، وحمله على نفي الفضيلة، وحمل غيره على الجواز.
стр. 223
قال في «المستوعب» : آكده يوم النصف. قال شيخنا: وليلة النصف لها فضيلة في المنقول عن أحمد، وقد روى أحمد وجماعة من أصحابنا وغيرهم في فضلها أشياء مشهورة في كتب الحديث (١) .
стр. 224
فصل: يكره إفراد رجب بالصوم
يكره إفراد رجب بالصوم (خ) ، نقل حنبل: أنه يكره، رواه عن عمر وابنه، وأبي بكرة. قال أحمد: يروى فيه عن عمر أنه كان يضرب على صومه، وابن عباس قال: يصومه إلا يوما أو أياماً. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب. رواه ابن ماجه، وأبو بكر من أصحابنا من رواية داود بن عطاء، ضعفه أحمد وغيره؛ ولأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه؛ ولهذا صح عن عمر أنه كان يضرب فيه، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وتزول الكراهة بالفطر، أو بصوم شهر آخر من السنة. قال صاحب «المحررِ» : وإن لم يَلِهِ. قال شيخنا: من نذر صومه كل سنة، أفطر بعضه وقضاه، وفي الكفارة الخلاف. قال: ومن صامه معتقدا أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعُزِّرَ، وحَمَلَ عليه فعل عمر. وقال أيضا: في تحريم إفراده وجهان. ولعله أخذه من كراهة أحمد، وفي «فتاوى ابن الصلاح» الشافعي: لم يؤثمه أحد من العلماء فيما نعلمه (١) .
ولا يكره إفراد شهر غير رجب، قال صاحب «المحرر» : لا نعلم فيه خلافا؛ للأخبار، منها أنه كان ﷺ يصوم شعبان ورمضان. وأن معناه: أحيانا، ولم يداوم كاملا على غير رمضان.
стр. 225
ولم يذكر الأكثر استحباب صوم رجب وشعبان، واستحبه في «الإرشاد» . وقال شيخنا: في مذهب أحمد وغيره نزاع، قيل: يستحب، وقيل: يكره، فيفطر ناذرهما بعض رجب. واستحب الآجري صوم شعبان، ولم يذكر غيره. وسبق كلام صاحب «المحررِ» ، وكذا قال ابن الجوزي في كتاب «أسباب الهداية» : يستحب صومُ الأشهر الحرم وشعبان كله، وهو ظاهر ما ذكره صاحب «المحررِ» في الأشهر الحُرُمِ وشعبان كله، وقد روى أحمد وأبو داود وغيرهما من رواية مجيبة الباهلي - ولا يعرف - عن رجل من باهلة أنه ﵇ أمره بصوم الأشهر الحرم. وفي الخبر اختلاف، وضعفه بعضهم، ولهذا - والله أعلم - لم يذكر استحبابه الأكثر، وصومُ شعبان كلهِ إلا قليلا في «الصحيحين» عن عائشة. وقيل: قولها: كله، قيل: غالبه، وقيل: يصومه كله في وقت، وقيل: يُفرِّقُ صومه كله في سنتين، ولأحمد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، عن عائشة: لا أعلم رسول الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان. قال في «شرح مسلم» : قال العلماء: إنما لم يستكمل غيره؛ لئلا يظن وجوبه. وعنها أيضا: والله إن صام (١) شهرا معلوما سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطره حتى يصيب منه. ولمسلم: منذ قدم المدينة. وعن ابن عباس: ما صام شهرا كاملا قط غير رمضان. ولمسلم: منذ قدم المدينة. متفق عليهما. وصوم شعبان كله في «السنن» عن أم سلمة، ورواهما أحمد. ولعل ظاهر ما ذكره الآجري أنه أفضل من المحرم وغيره؛ ووجهه قول أسامة بن زيد: لم يكن ﷺ يصوم من شهر ما يصوم من شعبان، وقال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه» . رواه أبوبكر البزار، وأبو بكر بن أبي شيبة. وفي لفظة: أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: «ترفع فيه أعمال الناس، فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم» . وروى اللفظين أحمد والنسائي، والإسناد جيد.
стр. 226
وروى سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، قال: أظنه عن محمد بن إبراهيم التيمي، أن أسامة بن زيد كان يصوم شهر المحرم، فأمره رسول الله ﷺ بصيام شوال، فما زال أسامة يصومه حتى لقي الله. إسناده جيد، إلا أنه قال: أظنه. ورواه ابن ماجه، عن محمد بن الصباح عنه، ولم يشك، وفيه أنه كان يصوم الأشهر الحرم، فقال له: «صم شوالا» . فتركه؛ ولم يزل يصومه حتى مات. وللترمذي - وقال: غريب - وأبي يعلى الموصلي، وابن حبان، من رواية صدقة الدقيقي - وهو ضعيف - عن ثابت عن أنس، سئل ﷺ عن أفضل الصيام، قال: «شعبان تعظيما لرمضان» . أي الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان» . وذكرت امرأة لعائشة أنها تصوم رجباً، فقالت: إن كنت صائمة شهرا لا محالة، فعليك بشعبان، فإن فيه الفضل. رواه حميد بن زنجويه الحافظ وأبو زرعة الرازي. وسأل رجل عائشة عن الصيام، فقالت: كان النبي ﷺ يصوم شعبان كله. رواه أحمد في «مسنده» . وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله، فقلت: أرأيت أحب الشهور إليك الصوم في شعبان؟ فقال: «إن الله يكتب في شعبان حين يقسم، من يميته تلك السنة، فأحب أن يأتي أجلي وأنا صائم» . رواه أبو الشيخ الأصبهاني من رواية مسلم بن خالد الزنجي عن طريف، قال العقيلي في طريف: لا يتابع على حديثه. وروى يحيى بن صاعد، وابن البناء من أصحابنا هذا المعنى من حديث عائشة. والله أعلم. وقد قال ابن هبيرة في كون أكثر صومه ﵇ في شعبان قال: ما أرى هذا إلا من طريق الرياضة؛ لأن الإنسان إذا هجم بنفسه على أمر لم يتعوده صعب ذلك عليها، فدرجها بالصوم في شعبان لأجل شهر رمضان. كذا قال.
стр. 227
وذكر في «الغنية» أنه يستحب صوم أول يوم من رجب، وأول خميس منه والسابع والعشرين، وآخر السنة وأولها، وصوم أيام الأسبوع، وصلاة في لياليها، وذكر أشياء، واحتج بأخبار ليست بحجة، واعتمد على ما جمعه أبو الحسن المذكور عن أبيه، وذكر ابن الجوزي ذلك أو بعضه في بعض كتبه - ككتابه «أنس المستأنس في ترتيب المجالس» - وذكر أخبارا وآثاراً واهية، وكثير منها موضوع، والعجب أنه يذكر في كتابه «الموضوعات» ما هو أمثل منها، ويذكرها بصيغة الجزم، فيقول: قال النبي ﷺ كذا، وقال فلان الصحابي كذا!! والموضوع لا يحتج به بالإجماع، ولهذا لم يذكر الأصحاب شيئا من ذلك، وقال في كتابه هذا: إنه يثاب على صوم عاشوراء ثواب صوم سنة ليس فيها صوم عاشوراء، والله أعلم (١) .
стр. 228
فصل: يكره أن يتعمد إفراد يوم الجمعة بصوم
يكره أن يتعمد إفراد يوم الجمعة بصوم. نص عليه؛ لحديث أبي هريرة: «لا تصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يوم، أو بعده يوم» . متفق عليه، ولمسلم: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» . قال الدراووردي المالكي: لم يَبْلُغْ (م) الحديث. قال في «شرح مسلم» : فيه النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة، وهو متفق على كراهته. قال: واحتج به العلماء على كراهة صلاة الرغائب. وعن جابر أن النبي ﷺ نهى أن ينفرد بصوم. ودخل ﵇ على جويرية في يوم جمعة، وهي صائمة، فقال لها: «أصُمْتِ أمسِ؟» قالت: لا، قال: «تصومين غدا» قالت: لا، قال: «فأفطري» . رواهما البخاري، ويحمل ما روي من صومه والترغيبِ فيه، على صومه مع غيره، فلا تعارض (١) .
فصل: وكذا إفراد يوم السبت بالصوم
стр. 229
وكذا إفراد يوم السبت بالصوم، عند أصحابنا (م) ؛ لحديث عبد الله بن بُسر، عن أخته، واسمها الصَّمَّاءُ: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» . رواه أحمد: حدثنا أبو عاصم، حدثنا ثور، عن خالد بن معدان، عن عبد الله. فذكره، إسناده جيد. ورواه أبو داود، وقال: هذا منسوخ. وقال: قال مالك: هذا كَذِبٌ. والترمذي وحسنه، والنسائي، وقال: هذه أحاديث مضطربة، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري. وقال صاحب «شرح مسلم» : صححه الأئمة. ولأنه يوم تعظمه اليهود، ففي إفراده تشبه بهم. قال الأثرم: قال أبو عبد الله: قد جاء فيه حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتَّقِيِه، وأبى أن يحدثني به. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت، أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها: حديث أم سلمة. يعني: أن النبي ﷺ كان يصوم السبت والأحد، ويقول: «هما عيدان للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهما» . رواه أحمد، والنسائي، وصححه جماعة، وإسناده جيد، واختار شيخنا أنه لا يُكْرَهُ، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أريد إفراده، لما دخل الصوم المفروض ليستثنى. فالحديث شاذ أو منسوخ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام أحمد الأخذ بالحديث. ولم يذكر الآجري غير صوم يوم الجمعة، فظاهره: لا يُكْرَهُ غيره. ويأتي كلام القاضي في الوليمة (١) .
стр. 230
فصل: وكذا يكره إفراد يوم النيروز
وكذا يكره إفراد يوم النيروز، والمهرجان، بالصوم عند أصحابنا (خ) ؛ لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمها، واختار صاحب «المحرر» : لا يكره؛ لأنهم لا يعظمونهما بالصوم؛ ولحديث أم سلمة، وكالأحد. قال صاحب «المحرر» : لم نعلم أحدا ذكر صومه بكراهة، وعلى قياس كراهة صومهما، كلُ عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم. ذكره صاحب «المغني» ، و «المحرر» .
فصل: ولا يحرم صوم ما سبق من الأيام
ولا يحرم صوم ما سبق من الأيام، نص عليه الشافعي، وأحمد في الجمعة، قال صاحب «المحررِ» : ولا نعلم قائلا بخلافهما. وذكر ابن حزم في صحته خلافا، وحَرَّمَ الآجري صومه، ونقل حنبل: ما أحب أن يتعمده. وذكر في «الرعاية» ما سبق من الصوم المكروه، ومنه إفراد ما سبق، ثم قال: وقيل في صحة صومها بدون عادة، أو نذر، وجهان.
وقال شيخنا: لا يجوز تخصيص صوم أعيادهم، ولا صوم يوم الجمعة، ولا قيام ليلتها. ويأتي كلامه في الوليمة، وكلام القاضي أيضا، أما مع عادة، أو نذر مطلق، فلا كراهة، والله أعلم.
فصل: قال إسحاق بن إبراهيم
قال إسحاق بن إبراهيم: رأيت أبا عبد الله أعطى ابنه درهماً يوم النيروز، وقال: اذهب به إلى المعلم، ذكره القاضي، ونقله صاحب «المحررِ» من خَطِّهِ.
فصل: يوم الشك إذا لم يكن في السماء علة، ولم يتراءى الناس الهلال
стр. 231
يوم الشك إذا لم يكن في السماء علة، ولم يتراءى الناس الهلال، قال القاضي وغيره: أو شهد به من رد الحاكم شهادته، قال: أو كان في السماء علة وقلنا: لا يجب صومه، فإن صامه بنية الرمضانية احتياطاً، كره على ما سبق، ذكره صاحب «المحررِ» ، وإن صامه تطوعاً، كره إفراده، ويصح، وذكر صاحب «المحررِ» أنه ظاهر كلام أحمد، وذكر رواية الأثرم السابقة في تقدم رمضان، وقال: هذا الكلام لا يعطي أكثر من مجرد الكراهة. كذا قال، وقيل: يحرم ولا يصح، اختاره ابن البناء، وأبو الخطاب في «العبادات» ، وصاحب «المحررِ» وغيرهم، وجزم به ابن الزاغوني وغيره، وفاقاً لأكثر الشافعية، وقال في «الرعاية» : وقيل: يحرم بدون عادة أو نذر مطلق، ويبطل على الأصح بدونهما، وحكى الخطابي عن أحمد: لا يُكرَهُ (وهـ م) ؛ حملا للنهي على صومه من رمضان. ولا يكره مع عادة (و) ، أو صلته بما قبله النصف (و) ، وبعده الخلاف السابق، ولا يكره عن واجب؛ لجواز النفل المعتاد فيه كغيره، والشك مع البناء على الأصل لا يمنع سقوط الفرض، وعنه: يُكْرَهُ صومه قضاء جزم به في «الإيضاح» ، و «الوسيلة» ، و «الإفصاح» ، فيتوجه طرده في كل واجب (وهـ ش) ؛ للشك في براءة الذمة، ولهذا قال بعض الحنفية: لا يجزئه عنه، كما لو بان من رمضان عندهم. وفي «لُقْطَةِ العجلان» : لا يجوز صيام يوم الشك، سواء صامه نفلا، أو عن نذر، أو قضاء، فإن صامه لم يصح، والله أعلم (١) .
стр. 232
فصل: يحرم صوم يومي العيدين
يحرم صوم يومي العيدين إجماعاً؛ للنهي المتفق عليه، من حديثي عمر وأبي هريرة، ولا يصح فرضاً (وم ش) ، ولا نفلاً (وم ش) ، وعنه: يصح فرضا. نقله مهنا في قضاء رمضان؛ لأنه إنما نُهِيَ عنه؛ لأن الناس أضياف الله وقد دعاهم، فالصوم ترك إجابة الداعي. ومثل هذا لا يمنع الصحة، ولم يصح النفل؛ لأن الغرض به الثواب، فنافته المعصية، ولذلك لم يصح النفل في غصب، وإن صح الفرض، كذا ذكر صاحب «المحررِ» ، وقد سبق في الصلاة في ستر العورة، وفي «الواضح» رواية: يصح عن نذره المعين. وسبق مذهب أبي حنيفة، وصاحبيه: لا يصح عن واجب في الذمة، ويصح عن نذره المعين، والتطوع به مع التحريم، ولا يلزم بالشروع، ولا يقضى عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: يلزم ويقضى، وعن محمد كقولهما. ووجه انعقاده أن النهي لا يرجع إلى ذات المنهي عنه؛ ولأنه دليل التصور؛ لأن ما لا يتصور لا ينهى عنه، والتصور الحسي غير منهي عنه إجماعاً، ووجه الأول النهي، ولمسلم من حديث أبي سعيد: «لا يصلح الصيام في يومين» . وللبخاري: «لا صوم في يومين» . والنهي دليل التصور حسا، كما في عقود الربا، وبيع الغرر، ونكاح المحارم، وهو متحقق هنا، فإن من أمسك فيه مع النية عاصٍ إجماعاً، ورد قولهم: لا يتأدى الكامل بالناقص بقضاء المكتوبة في الغصب، وفيه نظر على ما سبق؛ لأن المحرم هناك التصرف في ملك الغير، وترك تنجية الغريق، لا خصوص الصوم، وبقضائها في حال القدرة على تنجية الغريق، فإنه يصح، وبأنه لو نذر صوم يوم عيد بعينه فقضاه في يوم عيد آخر، لم يصح، ولا نسلم أن النهي لم يرجع إلى عين المنهي عنه؛ لأن النص أضافه إلى صوم هذا اليوم كإضافة النهي إلى الصلاة من حائض ومحدث (١) .
стр. 233
فصل: وكذا صوم أيام التشريق نفلا
وكذا صوم أيام التشريق نفلا (و) ؛ لما روى مسلم، عن كعب بن مالك أن النبي ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فناديا: «إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب» . ولمسلم، من حديث نُبَيْشَةَ الهذلي: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكرٍ لله» . ولأحمد النهي عن صومها من حديث أبي هريرة، وسعد، بإسنادين ضعيفين، ورواه أيضا عن يونس بن شداد مرفوعا. قال ابن الجوزي: يونس شبيه بالمجهول. وروى الشافعي وأحمد النهي من حديث علي بإسناد جيد، وهو في «الموطأ» عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار مرسلا، ومن صامها أو رخص فيه، فلم يبلغه النهي، قال صاحب «المحررِ» : أو تأوله على إفرادها، فهذا يسوغ لهم؛ تشبيها بيوم الشك، ولا يصح فرضا في رواية (وهـ ش) ، لكن صحح أبو حنيفة صومها عن نذرها خاصة؛ كقوله في العيد، ويصح في رواية؛ لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ، إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري. وذكر الترمذي عن أحمد: يجوز صومها عن دم المتعة خاصة، وكذا ظاهر كلام ابن عقيل، تخصيص الرواية بصوم المتعة، وهو ظاهر «العمدة» ، واختار صاحب «المحررِ» . وفاقا لمالك، والأوزاعي، وإسحاق، وقول للشافعي (١) .
стр. 234
فصل: وهل يجوز لمن عليه صوم فرض أن يتطوع بالصوم ؟
وهل يجوز لمن عليه صوم فرض أن يتطوع بالصوم؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يجوز، ولا يصح؛ لحديث أبي هريرة: «من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يُتَقَبَّل منه، ومن صام تطوعاً، وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبل منه حتى يصومه» . رواه أحمد من رواية ابن لهيعة. قال صاحب «المحررِ» : ثم يحمل على ما إذا ضاق وقت القضاء عنه. وقال في «المغني» : في سياقه ما هو متروك، يعني: «من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يتقبل منه» . وكالحج.
стр. 235
والثانية: يجوز. (و) ؛ للعموم، وكالتطوع بصلاة في وقت فرض متسع قبل فعله، وكذا يُخَرَّجُ في التطوع بالصلاة ممن عليه القضاء، واختار جماعة منهم صاحب «المغني» ، و «المحررِ» عدم الصحة؛ لوجوبها على الفور، وسبق في قضاء الفوائت، ويبدأ بفرض الصوم قبل نذر لا يخالف فوته، نقل حنبل وأبو الحارث، فيمن نذر صيام أيام، وعليه من صوم رمضان أيام: يبدأ بالنذر، وهو محمول على أنه كان النذر معينا بوقت يخاف فوته، وقضاء رمضان مُوسَّعُ الوقت، كمن نذر ركعتين عقب الزوال، يبدأ بهما قبل الظهر؛ لسعة وقتها، وتعيينِ النذر بذلك الوقت ويبدأ بالقضاء إن كان النذر مطلقا، وقد صرح أحمد في موضع بتقديم قضاء رمضان على النذر والنفل، فيجمع بين الروايتين تلك على ضيق الوقت، وهذه على سعة الوقت، ذكره القاضي وابن عقيل، فإن قلنا بالرواية الأولى إنه لا يجوز التطوع بالصوم قبل فرضه لم يكره قضاء رمضان في عشر ذي الحجة، بل يستحب إذا لم يكن قضاه قبله، وإن قلنا الجواز فعنه يكره، كقول الحسن والزهري، وروي عن علي ولا يصح عنه، لينال فضيلتها، وعنه: لا يكره (و) ، روي عن عمر لظاهر الآية، وكعشر المحرم، والمبادرة إلى إبراء الذمة من أكبر العمل الصالح، وقيل: يكره القضاء على الثانية، ولا يكره على الأولى، بل يستحب، والطريقة الأولى أصح؛ لأنا إذا حرمنا التطوع قبل الفرض كان أبلغ من الكراهة، فلا يصح تفريعها عليه، والله أعلم (١) .
стр. 236
فصل: من دخل في صوم تطوعٍ استحب له إتمامه، ولم يجب، وإن أفسده لم يلزمه قضاء
من دخل في صوم تطوعٍ استحب له إتمامه، ولم يجب، وإن أفسده لم يلزمه قضاء، نص عليه، وهو المذهب (وش) ؛ لقول عائشة: يا رسول الله، أهدي لنا حيس. قال: «أرينيه فلقد أصبحت صائما» . وفي أوله أنه دخل عليها يوما، فقال: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا. قال: «فإني إذا صائم» رواه مسلم والخمسة، وزاد النسائي بإسناد جيد، ثم قال: «إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» وله أيضا بإسناد حسن: «إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله، فجاد منها بما شاء، فأمضاه، وبخل منها بما شاء، فأمسكه» ، وسبق في الجمعة حديث جويرية، وعن أم هانئ أن النبي ﷺ دعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: أما إني كنت صائمة، فقال: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» .
стр. 237
له طرق، فيه كلام يطول، رواه أحمد - وصححه - وأبو داود والنسائي - وضعفه - والترمذي، وقال: في إسناده مقال، وضعفه أيضا البخاري، وكصوم مسافر رمضان له الخروج؛ لكونه كان مخيرا حالة دخوله فيه، وكفعل الوضوء والاعتكاف سلمه أبو حنيفة على الأصح عنه، وكشروعه في أربع بتسليمةٍ له أن يسلم من ركعتين (و) خلافاً لأبي يوسف وغيره، وكدخوله فيه ظاناً أنه عليه، فلم يكن، سلمه أبو حنيفة وصاحباه وأشهب (١) ،
стр. 238
وعن أحمد: يجب إتمام الصوم، ويلزم القضاء، ذكره ابن البناء وفي «الكافي» : (وهـ م) ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد ٣٣] ، ولقوله ﷺ لعائشة وحفصة وقد أفطرتا: «لا عليكما، صوما يوما مكانه» رواه أبو داود وغيره وضعفوه، ثم هو للاستحباب؛ لقوله: «لا عليكما» ، وعن شداد مرفوعا: «أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية» ، وفيه: «والشهوة الخفية: أن يصبح أحدهم صائما، فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه» رواه أحمد من رواية عبد الواحد بن زيد، وهو شيخ الصوفية متروك بالاتفاق، وكالحج والعمرة، وسبق ما يبين الفرق (١) ،
стр. 239
ولأن نفل الحج كفرضه في الكفارة، وتقرير المهر بالخلوة معه بخلاف الصوم، ونقل حنبل: إن أوجبه على نفسه فأفطر بلا عذر أعاد. قال القاضي: أي: نذره وخالفه ابن عقيل، وذكره أبو بكر في النفل، وقال: تفرد به، وجميع أصحابه: لا يقضي، وعند أبي حنيفة: يقضي المعذور، وهو رواية في «الرعاية» وغيرها، وعند مالك: لا يقضي، وعن مالك فيمن أفطر لسفر روايتان، ولو أكل ناسياً لم يلزمه شيء عندهما؛ لصحة صومه عند أبي حنيفة وعذره عند مالك، وذكر ابن عبد البر: لا يقضي معذور إجماعاً، ولعل مراده عذر لا صنع له فيه كالحيض ونحوه، فإن غيره حكاه إجماعا، وعلى المذهب: هل يكره خروجه؟ يتوجه: لا يكره لعذر وإلا كره في الأصح، وفاقاً للشافعية. وهل يفطر لضيفه؟ يتوجه: كصائم دعي، وعند الشافعية: يفطر، وصرح أصحابنا في الاعتكاف: يكره تركه بلا عذر، وصلاة التطوع كصوم التطوع (و) (١) ، وعنه: يلزم بخلاف الصوم. قال في «الكافي» : ومال إليه أبو إسحاق الجوزجاني، وقال: الصلاة ذات إحرام وإحلال كالحج. قال صاحب «المحرر» : والرواية التي حكاها ابن البناء في الصوم تدل على عكس هذا القول؛ لأنه خصه. وعلل رواية لزومه بأنه عبادة تجب بإفسادها الكفارة العظمى كالحج (٢) ، والمذهب التسوية بينهما، ولم يذكر أكثر الأصحاب سوى الصلاة والصوم.
стр. 240
وقيل: الاعتكاف كالصوم على الخلاف، يعني: أنه إذا دخل في الاعتكاف وقد نواه مدة لزمته ويقضيها (وم) ، وذكره ابن عبد البر إجماعا لا بالنية، وإن لم يدخل خلافاً لبعض العلماء، ذكره ابن عبد البر، نقل ابن منصور: المعتكف يجامع يبطل، وعليه الاعتكاف من قابل (١) . ولعله في النذر، والأصح عند أبي حنيفة كقولنا وقول الشافعي: لا يلزمه، وعنه أيضا: يلزمه أقل الاعتكاف عنده يوم، ورد صاحب «المحرر» و «المغني» على كلام ابن عبد البر، وصلى ﷺ الصبح مريدا للاعتكاف في المسجد، وكله موضع له، ثم قطعه لما رأى أخبية نسائه قد ضربت فيه، ولم يقضين، ومجرد قضائه لا يدل على وجوبه، بدليل قطعه، وما في «السنن» : أنه كان إذا ترك الاعتكاف لسفر اعتكف من العام المقبل عشرين، ولو نوى الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة فأخرج بعضه، لم تلزمه الصدقة بباقيه إجماعا، قاله الشيخ وغيره، قال: وهو نظير الاعتكاف (٢) ،
стр. 241
قالوا: وما مضى من اعتكافه لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل، وقال في «الكافي» : وسائر التطوعات من الصلاة والاعتكاف وغيرهما كالصوم إلا الحج والعمرة، ثم ذكر ما سبق في الصلاة، والله أعلم (١) .
стр. 242
ولو شرع في صلاة تطوع قائما لم يلزمه إتمامها قائما بلا خلاف في المذهب (و) ، خلافا لأبي يوسف ومحمد والحسن بن صالح، وذكر القاضي وجماعة: أن الطواف كالصلاة في الأحكام إلا ما خصه الدليل، فظاهره: أنه كالصلاة هنا (وم) ، وهو ظاهر كلام الحنفية، ويتوجه على كل حال أن في طواف شوط أو شوطين أجرا، وليس من شرطه تمام الأسبوع كالصلاة (١) ، ولهذا قال عبد الرزاق: رأيت سفيان يفر من أصحاب الحديث إذا كثروا عليه دخل الطواف، فطاف شوطا أو شوطين ثم يخرج ويدعهم (٢) ، ولا تلزم الصدقة والقراءة والأذكار بالشروع وفاقا، وقال ابن الجوزي في قوله: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ الآية [الحديد: ٢٧] ، قال القاضي أبو يعلى: والابتداع قد يكون بالقول وبما ينذره، ويوجه على نفسه، وقد يكون بالفعل بالدخول فيه، وعموم الآية يقتضي الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها وإتمامها. كذا قال (٣) ،
стр. 243
ويلزم إتمام نفل الحج والعمرة (و) ؛ لانعقاد الإحرام لازما؛ لظاهر آية الإحصار (١) ، فإن أفسدهما أو فسدا لزمه القضاء (و) ، قال صاحب «المحرر» : لا أعلم أحدا قال بخلافهم، وفي «الهداية» و «الانتصار» و «عيون المسائل» لابن شهاب رواية: لا يلزم القضاء، قال صاحب «المحرر» : لا أحسبها إلا سهوا ويأتي في الحج.
فصل: هل يثاب على العبادة على وجه محرم أو مكروه ؟
سبق في الصلاة في المغصوب: هل يثاب على العبادة على وجه محرم أو مكروه؟ وسبق كلام شيخنا في صلاة التطوع، وسبق هناك: هل يعمل بالخبر الضعيف في هذا؟ وذلك مبسوط في آداب القراءة والدعاء من «الآداب الشرعية» نحو نصف الكتاب، والكلام على الأخبار في ذلك كحديث أبي هريرة: «ما جاءكم عني من خير قلته أو لم أقله فأنا أقوله، وما أتاكم من شر، فأنا لا أقول الشر» رواه أحمد والبزار من رواية أبي معشر واسمه نجيح، وفيه لين مع أنه صدوق حافظ، وكحديث جابر: «من بلغه من الله شيء له فيه فضيلة، فأخذه إيمانا به، ورجاء ثوابه، أعطاه الله ذلك، وإن لم يكن كذلك» رواه الحسن بن عرفة في «جزئه» ، ويتوجه: أن إسناده حسن، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» من طرق، ولم يذكره من الطريق التي ذكرها ابن عرفة، والله أعلم (٢) .
стр. 244
أما إذا قطع الصلاة أو الصوم فهل انعقد الجزء المؤدى وحصل به قربة أم لا؟ وعلى الأول: هل بطل حكما لا أنه أبطله كمريض صلى جمعة بعد ظهره أو لا يبطل؟ اختلف كلام أبي الخطاب في «الانتصار» وكلام غيره في ذلك، وفي كلام جماعة بطلانه وعدم صحته، وحمل أبو المعالي وغيره حديث عبادة فيمن ترك من الصلاة شيئا على من ترك واجبا كخشوع وتسبيح، فلم يذكروا ترك ركن وشرط، وذكر الأصحاب: أن ترك ركن وشرط كتركها كلها، قال جماعة: لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها، ومرادهم بالنسبة إلى الصلاة، لا أنه لا يثاب على قراءة وذكر ونحو ذلك (١) ، وقال شيخنا في «رده على الرافضي» : جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه، ولا ثواب فيه، لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم، وهو: ما أبرأ الذمة، فقولهم: بطلت صلاته وصومه وحجه لمن ترك ركنا بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليها بشيء في الآخرة. إلى أن قال: فنفي الشارع الإيمان عمن ترك واجبا منه، أو فعل محرما (٢)
стр. 245
فيه، كنفي غيره، كقوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن» ، وقوله للمسيء: «فإنك لم تصل» ، و: «لا صلاة لفذ» ، وقال شيخنا أيضا في قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] : البطلان هو: بطلان الثواب، ولا نسلم بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلا لعمله، والله أعلم (١) .
فصل: من دخل في واجب موسع
من دخل في واجب موسع كقضاء رمضان كله قبل رمضان، والمكتوبة في أول وقتها، وغير ذلك، كنذر مطلق وكفارة (٢) ، إن قلنا: يجوز تأخيرهما حرم خروجه منه بلا عذر (و) ، قال الشيخ: بغير خلاف، وقال صاحب «المحرر» : لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الخروج من عهدة الواجب متعين، ودخلت التوسعة في وقته رفقا ومظنة الحاجة، فإذا شرع تعينت المصلحة في إتمامه، وجاز للصائم في السفر الفطر؛ لقيام المبيح، وهو السفر كالمرض، وخالف جماعة شافعية في الصوم، ووافقوا على المكتوبة أول وقتها (٣) ، وإذا بطل فلا كفارة، ولا يلزمه غير ما كان عليه قبل شروعه فيه، قال في «الرعاية» : وقيل: يكفر إن أفسد قضاء رمضان (٤) .
стр. 246
فصل: ليلة القدر شريفة معظمة
ليلة القدر شريفة معظمة، زاد في «المستوعب» وغيره: والدعاء فيها مستجاب، قيل: سورتها مكية، قال الماوردي: هو قول الأكثرين، وقيل: مدنية، قال الثعلبي: هو قول الأكثرين، قال مجاهد والمفسرون في قوله: ﴿خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] أي: قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» وسميت ليلة القدر: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، روي عن ابن عباس، قال صاحب «المحرر» : وهو قول أكثر المفسرين؛ لقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٣-٤] ؛ فإن المراد بذلك ليلة القدر عند ابن عباس، قال ابن الجوزي: وعليه المفسرون؛ لقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] ، وما روي عن عكرمة وغيره: أنها ليلة النصف من شعبان ضعيف (١) ،
стр. 247
وقيل: سميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها عند الله، وقيل: القدر بمعنى الضيق؛ لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، فروى أحمد عن أبي هريرة مرفوعا: «إن الملائكة تلك الليلة أكثر من عدد الحصى» ، ولم ترفع (و) (١) للأخبار بطلبها وقيامها، وعن بعض العلماء: رفعت، وحكي روايةً عن أبي حنيفة (٢) ، وهي في رمضان (و) لا في كل السنة خلافا لابن مسعود، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد كقوله، وجزم به ابن هبيرة عن أبي حنيفة، وذكر صاحب «المحرر» : أن الأول أشهر عنه وعن أصحابه، وهي مختصة بالعشر الأخير منه عند أحمد، وأكثر العلماء من الصحابة وغيرهم (وم ش) ، وليالي وتره آكد وأرجاها ليلة سبع وعشرين.
стр. 248
نص عليه، لا ليلةُ إحدى وعشرين (ش) ، واختار صاحب «المحرر» : كلُ العشر سواء (١)
стр. 249
(وم) ، ومذهب (م) أرجاها في تسع بقين أو سبع أو خمس، وقال أبو يوسف ومحمد: هي في النصف الثاني من رمضان، وعن العلماء فيها أقوال كثيرة، وقال ابن الجوزي في «تفسيره» : قال الجمهور: تختص برمضان، وقال الجمهور منهم: تختص بالعشر الأخير منه، وأكثر الأحاديث الصحاح تدل عليه، وقال الجمهور منهم: تختص بليالي الوتر منه، والأحاديث الصحاح تدل عليه. كذا قال (١) ، والمذهب: لا تختص، بل المذهب أنها آكد، وأبلغ من ليالي الشفع، وعلى اختيار صاحب «المحرر» كلها سواء (٢) ، وقال في «المغني» و «الكافي» : تطلب في جميع رمضان، قال في «الكافي» : وأرجاه الوتر من ليالي العشر الأخير. كذا قال (٣) ، قال: وتنتقل فيها، وقال غيره: تنتقل ليلة القدر في العشر الأخير، قاله أبو قلابة التابعي، وحكاه ابن عبد البر وغيره عن مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقاله أبو حنيفة، وظاهر رواية حنبل: أنها ليلة متعينة، ذكره صاحب «المحرر» وقاله أبو يوسف ومحمد والشافعية (٤) ،
стр. 250
فعلى هذا لو قال: أنت طالق ليلة القدر قبل مضي ليلة العشر، وقع في الليلة الأخيرة، ومع مضي ليلة منه يقع في السنة الثانية ليلة قوله فيها، وعلى أصل أبي يوسف ومحمد: النصف الثاني من رمضان كالعشر عندنا، وحكى صاحب «الوسيط» الشافعي عن الشافعي: إن قال في نصف رمضان: أنت طالق ليلة القدر لم تطلق ما لم تنقضِ سنة؛ لاحتمال كونها في جميع الشهر، فلا تقع بالشك، وهذا معنى قول أبي حنيفة: إلا في كونها تنتقل، وعلى قولنا الأول: إنها في العشر، وتتنقل إن كان قبل مضي ليلة منه، وقع في الليلة الأخيرة، ومع مضي ليلة منه يقع في الليلة الأخيرة من العام المقبل، واختاره صاحب «المحرر» ، وهو أظهر للأخبار أنها في العشر، وأنها في ليال معينة منه، قال صاحب «المحرر» : ويتخرج حكم العتق واليمين على مسألة الطلاق (١) ، ومن نذر قيام ليلة القدر قام العشر، ونذره في أثناء العشر كطلاق على ما سبق، ذكره القاضي في «تعليقه» في النذور، وقال شيخنا: الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة القدر ليلة إحدى وليلة ثلاث إلى آخره، ويكون باعتبار الباقي؛ لقوله ﷺ : «لتاسعة تبقى» الحديث، فإذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك لياليَ الأشفاع، فليلة الثانية تاسعة تبقى، وليلة أربع سابعة تبقى، كما فسره أبو سعيد الخدري، وإن كان تسعا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي (٢) ،