والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجساما، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز [تطيبه وتبخره] (١) وادهانه، وكذلك اكتحاله.
وقد كان المسلمون في عهده ﷺ يجرح أحدهم - إما في الجهاد، وإما في غيره- مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطراً.
الوجه الثالث: إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا، وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع، وإما بإلغاء الفارق، فإما أن يدل دليل على العلة في الأصل فيعدى بها إلى الفرع، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع، وهذا القياس هنا منتف.
وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطراً هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن، أو ما كان داخلا من منفذ أو واصلا إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله، ويقولون: إن الله ورسوله إنما جعل الطعام والشراب مفطراً لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب، ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة والجائفة، وما يصل إلى الجوف من الكحل، ومن الحقنة والتقطير في الإحليل، ونحو ذلك.
стр. 37
وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل، كان قول القائل: إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطراً لهذا قولا بلا علم، وكان قوله: إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا قولا بأن هذا حلال وهذا حرام بلا علم، وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز (١) .
стр. 38
ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم (١) ، فهو بمنزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحا، أو دلالة لفظ على معنى لم يرده الرسول، وهذا اجتهاد يثابون عليه، ولا يلزم أن يكون قولا بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها (٢) .
стр. 39
الوجه الرابع: أن القياس إنما يصح - إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم - إذا سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين، وحيث أثبتنا علة الأصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد - عند من يقول به - فلا بد من السبر، فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول الحكم بهذا دون هذا.
ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض، والنبي ﷺ قد نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائما، وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم، وهو قياس ضعيف، وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته، كما يحصل بشرب الماء (١) .
стр. 40
فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب، فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مفطراً ولا جزءاً من المفطر؛ لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى الفطر، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة؛ فإن الكحل لا يغذي البتة، ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه، لا من أنفه ولا فمه، وكذلك الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئا من المسهلات، أو فزع فزعا أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة، والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه، والله سبحانه قال: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ (١) ،
стр. 41
وقال ﷺ : «الصوم جنة» ، وقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم» ، فالصائم نهي عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوي، فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء، لا عن حقنة، ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة، وهو متولد عما استنشق من الماء (١) ؛ لأن الماء مما يتولد منه الدم، فكان المنع منه من تمام الصوم.
فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع، فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة [في الأصل] تبطل كل نوع من الأقيسة، إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا، (٢) .
стр. 42
الوجه الخامس: أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب والجماع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» ، ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشياطين؛ ولهذا قال: «فضيقوا مجاريه بالجوع» ، وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعا، ولهذا قال النبي ﷺ : «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» ، فإن مجاري الشياطين الذي هو (١) الدم ضاقت، وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي بها تفتح أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات التي بها تفتح أبواب النار، وصفدت الشياطين فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم (٢) ، فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره، ولم يقل: إنهم قتلوا، ولا ماتوا، بل قال: «صفدت» ، والمصفد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملا دفع الشيطان دفعاً لا يدفعه [] الصوم الناقص، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وفقه، وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره، وهذا [المعنى] (٣)
стр. 43
منتف في الحقنة والكحل وغير ذلك.
فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دما.
قيل: هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ، فيستحيل دما، وكالدهن الذي يشربه الجسم، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دما ويتوزع على البدن.
ونجعل هذا وجها سادسا: فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك؛ لجامع ما يشتركان فيه من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن، ويستحيل في
المعدة دما (١) ، وهذا الوصف هو الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور مفطرة، وهذا موجود في محل النزاع، والفرع قد يتجاذبه أصلان، فيلحق كلا منهما بما يشبهه من الصفات [المعتبرة في الشرع، وقد ذكرنا الصفة المعتبرة في الشرع.
فإن قيل: فلو أكل ترابا أو حصى أو غير ذلك مما لا يغذي غذاء نافعا.
قيل] : هذا تطبخه المعدة ويستحيل دما ينمي عنه البدن، لكنه غذاء ناقص، فهو كما لو أكل سما أو نحوه مما يضره، وهو بمنزلة من أكل أكلا كثيراً أورثه تخمة ومرضاً، فكان منعه في الصوم عن هذا أوكد؛ لأنه ممنوع عنه في الإفطار، [ففي] الصوم أوكد، وهذا كمنعه من الزنا (٢) ، فإنه إذا منع من الوطء المباح فالمحظور أولى (٣) .
стр. 44
فإن قيل: فالجماع مفطر، [ودم الحيض مفطر] ، وهذه العلة منتفية فيهما؟
قيل: تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع، فلا يحتاج إثباتها إلى القياس، بل يجوز أن تكون العلل مختلفة، فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة، وتحريم الجماع والفطر به لحكمة، والفطر بالحيض لحكمة، فإن الحيض لا يقال فيه: إنه يحرم، وهذا لأن المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختيارية تحرم على العبد كالأكل والجماع، وإلى أمور لا اختيار له فيها كدم الحيض، كذلك تنقسم عللها.
فنقول: أما الجماع فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام -كما سنبينه إن شاء الله تعالى-، فإنه من نوع الاستفراغ، لا الامتلاء كالأكل والشرب.
ومن جهة أنه إحدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل والشرب، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن الله تعالى: «قال: الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي» (١) ، فترك الإنسان ما يشتهيه لله هو عبادة مقصودة يثاب عليها، كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس والطيب ونحو ذلك من نعيم البدن (٢) .
стр. 45
والجماع من أعظم نعيم البدن وسرور النفس وانبساطها، وهو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل، فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه، فإذا أكل أو شرب انبسطت نفسه إلى الشهوات، وضعفت إرادتها ومحبتها للعبادات، فهذا المعنى في الجماع أبلغ، فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات، ويضعف إرادتها عن العبادات أعظم (١) ؛ بل الجماع هو غاية الشهوات، وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب، ولهذا أوجب على المجامع كفارة الظهار، فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع؛ لأن هذا أغلظ، وداعيه أقوى، والمفسدة به أشد، فهذا أعظم الحكمتين في تحريم الجماع (٢) ،
стр. 46
وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذاك حكمة أخرى، فصار فيهما كالأكل والحيض، وهو في ذلك أبلغ منهما، فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل والحيض.
فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس، فنقول: إن الشرع جاء بالعدل في كل شيء، والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع، وأمر بالاقتصاد في العبادات؛ ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال، وقال: «أفضل الصيام وأعدل الصيام صيام داود ﵇، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى» (١) ، فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشارع؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ الآية، فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل، وقال تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾ ، فلما كانوا ظالمين عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات؛ بخلاف الأمة الوسط العدل فإنه أحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث (٢) .
стр. 47
وإذا كان كذلك فالصائم قد نهي عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى، وإلا فإذا مكن من هذا ضره، وكان متعديا في عبادته لا عادلا.
والخارجات نوعان: نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه، أو على وجه لا يضره، فهذا لا يمنع منه كالأخبثين، فإن خروجهما لا يضره، ولا يمكنه الاحتراز منه أيضا، ولو استدعى خروجهما فإن خروجهما لا يضره، بل ينفعه، وكذلك إذا ذرعه القيء لا يمكنه الاحتراز منه، وكذلك الاحتلام في المنام لا يمكنه الاحتراز منه.
وأما إذا استقاء، فالقيء يُخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة، وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة، فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم، فهو يخرج الدم الذي يتغذى به، ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه يضر الإنسان ويخرج أحمر.
والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم، والحائض يمكنها أن تصوم في غير أوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها، فكان صومها في تلك الحال صوما معتدلا لا يخرج فيه الدم الذي يقوي البدن الذي هو مادته، وصومها في الحيض يوجب أن يخرج فيه دمها الذي هو مادتها، ويوجب نقصان بدنها وضعفها، وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض، بخلاف المستحاضة؛ فإن الاستحاضة تعم أوقات الزمان، وليس لها وقت تؤمر فيه بالصوم، وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه، كذرع القيء وخروج الدم بالجراح والدمامل والاحتلام، ونحو ذلك مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه، فلم يُجعل هذا منافيا للصوم كدم الحيض (١) .
стр. 48
وطرد هذا إخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك، فإن العلماء متنازعون في الحجامة هل تفطر الصائم أم لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ، وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان منهم من لا يحتجم إلا بالليل، وكان أهل البصرة إذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين، والقول بأن الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم، وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع محمد ﷺ (١) .
والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في «الصحيح» : أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم. وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله: (وهو صائم) ، وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم.
قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مِقْسم في الحجامة للصائم. يعني: حديث شعبة عن الحكم عن مِقْسم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم.
стр. 49
قال مهنا: سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم، فقال: ليس بصحيح، وقد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله رد هذا الحديث فضعفه، وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر، فكان بعد يحدث من كتب غلامه، وكان هذا من تلك.
وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث قبيصة عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ... إلخ، فقال: هو خطأ من قبل قبيصة. وسألت يحيى عن قبيصة، فقال: رجل صدق، والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله.
стр. 50
قال مهنا: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم صائم، فقال: ليس فيه «صائم» إنما هو محرم، ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس: احتجم النبي ﷺ على رأسه وهو محرم (١) . وعن طاوس وعطاء مثله عن ابن عباس، وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، وهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صائما.
قلت: وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، ولهذا أعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم، ولم يثبت إلا حجامة المحرم.
وأجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره: أن هذا منسوخ، فإن هذا القول كان في رمضان، واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك؛ لأن الإحرام بعد رمضان.
وهذا أيضا ضعيف، بل هو صلوات الله عليه أحرم سنة ست عام الحديبية بعمرة في ذي القعدة، وأحرم من العام القابل بعمرة القضية في ذي القعدة، وأحرم من العام الثالث سنة الفتح من الجعرانة في ذي القعدة بعمرة، وأحرم سنة عشر بحجة الوداع في ذي القعدة، فاحتجامه ﷺ وهو محرم صائم لم يبين في أي الإحرامات كان؟
[وإنما يمكن دعوى النسخ بشرطين:
أحدهما: أن يكون ذلك في حجته، أو في عمرة الجعرانة؛ فإن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» فيه أنه كان في غزوة الفتح، فلعل احتجامه كان في عمرته قبل هذا، إما عمرة القضية، وإما عمرة الحديبية.
الثاني: أن يعلم أنه لمَّا احتجم لم يفطر، وليس في هذا الحديث ما يدل على هذا، وذلك الصوم لم يكن شهر رمضان، فإنه لم يحرم في شهر رمضان، وإنما كان في السفر، والصوم في السفر لم يكن واجباً؛ بل الذي ثبت عنه في الصحيح: أن الفطر في السفر كان آخر الأمرين منه، وأنه خرج عام الفتح حتى إذا بلغ كديد أفطر، والناس ينظرون إليه، ولم يعرف بعد هذا أنه صام في سفر، ولا علمنا أنه صام في إحرامه بالحج] .
والذي يقوي أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة: قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» فإنه كان عام الفتح بلا ريب، هكذا في أجود الأحاديث، وروى أحمد بإسناده عن ثوبان أن رسول الله ﷺ أتى على رجل يحتجم في رمضان، قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
وقال أحمد: أنبأنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن [أبي] الأشعث عن شداد بن أوس أنه مر مع النبي ﷺ زمن الفتح على رجل محتجم بالبقيع، لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
стр. 53
[وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا إسماعيل قال: ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ أتى على رجلٍ يحتجم في رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
وقال: حدثنا أبو الجواب، عن عمار بن زريق، عن عطاء بن السائب قال: حدثني الحسن، عن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال: مرَّ عليَّ النبي ﷺ وأنا أحتجم في ثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
وذكر الترمذي عن علي بن المديني أنه قال: أصح شيءٍ في هذا الباب حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس] .
وقال الترمذي: سألت البخاري، فقال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد بن أوس، وحديث ثوبان. فقلت: وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن سعيد روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، [و] عن أبي الأشعث عن شداد الحديثين جميعاً.
قلت: وهذا الذي ذكره البخاري من أظهر الأدلة على صحة كلا الحديثين اللذين رواهما أبو قلابة ... [فإن الذي قال: مضطرب، إنما هو لأنه روي عن أبي قلابة بإسنادين، فبين أن يحيى بن سعيد الإمام روى عن أبي قلابة بهذا الإسناد، وهذا الإسناد، ومثل هذا كان يكون عنده الحديث بطرق، والزهري روى الحديث بإسناده عن سعيد عن أبي هريرة، وتارة عن غيره عن أبي هريرة.
فيكون هذا هو الناسخ، ولو لم يعلم التاريخ، فإذا تعارض خبران أحدهما ناقلٌ عن الأصل والآخر مبقٍ على الأصل كان الناقل هو الذي ينبغي أن يجعل ناسخاً، لئلا يلزم تغير الحكم مرتين، فإذا قدر احتجامه قبل نهيه الصائم عن الحجامة لم يغير الحكم الأمر، وإن قدر بعد ذلك لزم تغييره مرتين.
وأيضاً فإذا لم يكن الصوم واجباً فقد يكون أفطر بالحجامة للحاجة، فقد كان يفطر في صوم التطوع لما هو دون ذلك؛ يدخل إلى بيته، فإن قالوا: عندنا طعام، قال: «قربوه؛ فإني أصبحت صائماً» .
стр. 54
وابن عباس وإن لم يعلم ما في نفسه، غايته أنه رآه أو أخبره من رآه أنه أصبح صائماً واحتجم، وهذا لا يقتضي أنهم علموا من نفسه أنه استمر صومه، وكأن من ادعى عليه النسخ تغْلُبُ عليه هذه الحجة من وجهين: أحدهما: أنه لا حجة فيه؛ والثاني: أنه منسوخ. وقد روي ما يدل على أن الفطر هو الناسخ، ومما احتج به على النسخ: ما رواه الدارقطني: حدثنا البغوي قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا خالد بن مخلد، عن عبد الله بن المثنى، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: أولُ ما كرهنا الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمرَّ به النبي ﷺ فقال: «أفطر هذان» . ثم رخَّص النبي ﷺ بالحجامة للصائم. وكان أنس يحتجم وهو صائم.
قال الدارقطني: كلهم ثقات، ولا أعلم له علة. قال أبو الفرج ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: خالد بن مخلد له أحاديث مناكير.
قلت: ومما يدل على أن هذا من مناكيره: أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة، مع أنه في الظاهر على شرط البخاري، والمشهور عن البصريين أن الحجامة تفطر، وأيضاً: فجعفر بن أبي طالب إنما قدم من الحبشة عامَ خيبر في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع، فإن خيبر كانت في هذه المدة في سنة سبع، وقيل: عام مؤتة قبل الفتح، ولم يشهد فتح مكة، فصام مع النبي ﷺ واحداً سنة سبع، وإذا كان هذا الحكم قد شرع في ذلك العام فإنه ينشر ويظهر، والحديث المتقدم كان سنة ثمانٍ بعد هذا، فإن كان هذا محفوظاً فيكون النبي ﷺ قد قال ذلك في عام بعد عام، ولم ينقل عنه أحد لفظاً ثابتاً أنه رخص في الحجامة بعد ذلك، فلعل هذا مدرج عن أنس لم يقله هو، ولعل أنساً بلغه أنه أرخص ولم يسمع ذلك منه، ولعل بعض التابعين حدثه بذلك.
стр. 55
ومما يبين أن هذا ليس بمحفوظٍ عن أنس ولا عن ثابت: ما رواه البخاري في «صحيحه» عن ثابت قال: سئل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف.
وفي رواية: على عهد النبي ﷺ .
فهذا ثابت يذكر عن أنس أمر الحجامة، وليس فيها إلا أنهم كانوا يكرهونها من أجل الضعف، ليس فيها أنه فطر الحاجم، ولا أنه رخص فيها بعد ذلك، وكلاهما يناقض قوله: لم يكونوا يكرهونها إلا من أجل الضعف، فإنه لو كان علم أنه فطر بها لم يقل هذا، ولو علم أنه رخص فيها لم يكره ما أرخص فيه النبي ﷺ فعلم أن أنساً إنما كان عنده علم بما رآه من الصحابة من كراهة الحجامة لأجل الضعف، وهذا معنى صحيح، وهو العلة في إفطار الصائم كما يفطر بالاستقاءة، وتفطر المرأة بدم الحيض] .
ومما يقوي أن الناسخ هو الفطر بالحجامة أن ذلك رواه عنه خواص أصحابه الذين كانوا يباشرونه حضرا وسفرا، ويطلعون على باطن أمره، مثل بلال وعائشة، ومثل أسامة وثوبان مولياه، ورواه عنه الأنصار الذين هم بطانته، مثل: رافع بن خديج وشداد بن أوس.
وفي «مسند أحمد» : [ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد] عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
قال أحمد: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع.
[وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث الحراني، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
وقال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون قال: ثنا أبو العلاء، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» .
وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي قال: ثنا يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
стр. 56
وقال أحمد: حدثنا أبو النضر قال: ثنا أبو معاوية، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» .
والحسن البصري وإن قيل: إنه لم يسمع من أسامة وأبي هريرة، فقد كان عنده من هذا الباب عدة أحاديث عن الصحابة يفتي بها، عن معقل بن سنان وأسامة وأبي هريرة، قال البخاري: وكان الحسن ... وكانت البصرة إذا دخل شهر رمضان يغلقون حوانيت الحجامين، ذكره أحمد وغيره، وأنس بن مالك كان آخر من مات بالبصرة، والبصريون كلهم يأخذون عنه، فلو كان عند أنس سنة من النبي ﷺ أنه رخص فيها بعد النهي، لكان هذا مما يعرفه البصريون منه، وكانوا يأخذون به الحسن وأصحابه، لاسيما وقد ذكر أن ثابتاً سمع هذا من أنس، وثابت من مشايخها المشهورين، من أخص أصحاب الحسن، فكيف يكون أنس عنده هذه السنة وأهل البصرة قد اشتهر بينهم السنة المنسوخة، وهذه الناسخة عند أنس، وهم يأخذون (١) ليلاً ونهاراً، ولا يعرفون هذه السنة، ولا تحفظ عن علمائهم الذين اشتهر عنهم أمر الفطر؟!
ويؤيد ذلك أن أبا قلابة هو أيضاً من أخص أصحاب أنس، وهو الذي يروي قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» من طريقين.
ثم القائلون بأن الحجامة تفطر] اختلفوا [على أربعة] أقوال [في مذهب أحمد وغيره] :
أحدها: يفطر المحجوم دون الحاجم، [فإن الحاجم لم يوجد منه ما يفطر] ، وهذا الذي ذكره الخرقي؛ فإنه ذكر في المفطرات: «إذا احتجم» ، ولم يذكر: إذا حجم, لكن المنصوص عن أحمد وجمهور أصحابه الإفطار بالأمرين، والنص دال على ذلك، فلا سبيل إلى تركه، [ولو لم نعقل علته] .
стр. 57
والثاني: أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم، ولا يفطر بالافتصاد ونحوه؛ لأنه لا يسمى احتجاما، وهذا قول القاضي وأصحابه، فالتشريط في الآذان هل هو داخل في مسمى الحجامة؟ تنازع فيه المتأخرون، فبعضهم يقول: التشريط كالحجامة (١) كما يقوله شيخنا أبو محمد المقدسي، وعليه يدل كلام العلماء قاطبة، فليس منهم من خص التشريط بذكر، ولو كان عندهم لا يدخل في الحجامة لذكروه كما ذكروا الفصاد، فعلم أن التشريط عندهم من نوع الحجامة، وقال شيخنا أبو محمد: هذا هو الصواب.
[ومنهم من قال: التشريط ليس من الحجامة؛ بل هو أضعف من الفصاد، فإذا قيل: الفصاد لا يفطر، احتمل التشريط وجهين، وهذا قول أبي عبد الله بن حمدان.
والأول أصح، فإن التشريط نوع من الحجامة أو مثلها من كل وجه، إذ الحجامة لا تختص بالساق؛ بل تكون في الرأس والعنق والقفا وغير ذلك، ومن فرَّق بينهما قال: الشارط لا يمتص من قارورة الدم كما يمتص الحاجم، فلا يدخل في لفظ «الحاجم» ، وكذلك لا يدخل في لفظ «المحجوم» ، فيقال: بل هو داخل في لفظ «المحجوم» ، وإن لم يدخل في لفظ «الحاجم» ، أو إن لم يدخل في اللفظ فهو مثله من كل وجه، وليس بينهما فرق أصلاً، وقد يقال: الشارط حاجم أيضاً، لكن لا يفطر، لأن لفظ الرسول (يتناول الحاجم المعروف المعتاد، ولم يكونوا يشرطون، وأما لفظ «المحجوم» فإنه يتناول ما كان يعرفه وما لا يعرفه؛ لأن المعنى المدلول عليه بلفظ «المحجوم» يتناول ذلك كله، بخلاف المعنى المقصود بلفظ «الحاجم» ، أو يقال: وإن شمله لفظ «الحاجم» لكن الحاجم الممتص أقوى؛ لأنه ذريعة إلى وصول الدم إلى حلقه، هذا على ما نصرناه.
ومنهم من يقول: بل الشارط يفطر أيضاً، وهو قول من يجعل اللفظ يتناولهما، ويجعل الحكم تعبداً.
وهؤلاء الذين قالوا: يفطر بالحجم دون الفصاد، قالوا: هذا الحكم تعبد لا يعقل معناه، فلا يقاس عليه.
стр. 58
وقال لهذا (١) بعض هؤلاء قولاً تالفا (٢) ، قاله ابن عقيل، وهو: أنه يفطر المحجوم بنفس شرط الجلد، وإن لم يخرج الدم، قال: لأن هذا يسمى حجامة. وهذا أضعف الأقوال] .
والرابع: وهو الصواب واختاره أبو المظفر ابن هبيرة الوزير العالم العادل وغيره، أنه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما، وذلك لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد شرعا وطبعا، وحيث حض النبي ﷺ على الحجامة وأمر بها فهو حض على ما في معناها من الفصاد وغيره؛ لكن الأرض الحارة تجتذب الحرارة فيها دم البدن فيصعد إلى سطح الجلد فيخرج بالحجامة، والأرض الباردة يغور الدم فيها إلى العروق هربا من البرد، فإن شبه الشيء منجذب إليه، كما تسخن الأجواف في الشتاء، وتبرد في الصيف، فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد وقطع العروق، كما للبلاد الحارة الحجامة، لا فرق بينهما في شرع ولا عقل.
وقد بينا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس، وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء، وإذا كان كذلك فبأي وجه أراد إخراج الدم أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر، سواء جذب القيء بإدخال يده، أو بشم ما يقيئه، أو وضع يده تحت بطنه واستخرج القيء، فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه طرق لإخراج الدم، ولهذا كان خروج الدم بهذا وهذا سواء في باب الطهارة، فتبين بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه، وأن ما ورد من النصوص ومعانيها فإن بعضه يصدق بعضا ويوافقه، ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً﴾ .
стр. 59
وأما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بالمظنة، كما أن النائم الذي تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء، فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى بطنه وهو لا يدري، والدم من أعظم المفطرات، فإنه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة، والخروج عن العدل، والصائم أمر بحسم مادته، فالدم يزيد الدم فهو من جنس المحظور، فيفطر الحاجم لهذا، كما ينتقض وضوء النائم، وإن لم يستيقن خروج الريح منه؛ لأنه يخرج ولا يدري، وكذلك الحاجم قد يدخل الدم في حلقه وهو لا يدري.
وأما الشارط فليس بحاجم، وهذا المعنى منتف فيه، فلا يفطر الشارط، وكذلك لو قدر حاجم لا يمص القارورة، بل يمتص غيرها، أو يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر، والنبي ﷺ كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد، وإذا كان اللفظ عاما وإن كان قصده شخصا بعينه فيشترك في الحكم سائر النوع؛ للعادة الشرعية من أن ما ثبت في حق الواحد من الأمة ثبت في حق الجميع، فهذا أبلغ، فلا يثبت بلفظه ما يظهر لفظا ومعنى أنه لم يدخل فيه مع بعده عن الشرع والعقل (١) ،
стр. 60
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
أسئلة وأجوبة والتعليق عليها
سئل شيخ الإسلام ﵀: عن صوم يوم الغيم هل هو واجب أم لا؟ وهل هو يوم شك منهي عنه أم لا؟
فأجاب: وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، فللعلماء فيه عدة أقوال، وهي في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: أن صومه منهي عنه، ثم هل هو نهي تحريم؟ أو تنزيه؟ على قولين، وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، واختار ذلك طائفة من أصحابه، كأبي الخطاب، وابن عقيل، وأبي القاسم بن منده الأصفهاني، وغيرهم.
والقول الثاني: أن صيامه واجب، كاختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد، وهذا يقال: إنه أشهر الروايات عن أحمد، لكن الثابت عن أحمد لمن عرف نصوصه وألفاظه أنه كان يستحب صيام يوم الغيم اتباعا لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس، بل كان يفعله احتياطا، وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطا، ونقل ذلك عن عمر وعلي ومعاوية وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وأسماء وغيرهم، ومنهم من كان لا يصومه، مثل كثير من الصحابة، ومنهم من كان ينهى عنه، كعمار بن ياسر وغيره، فأحمد ﵁ كان يصومه احتياطا، وأما إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد ولا كلام أحد من أصحابه؛ لكن كثيرا من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه، ونصروا ذلك القول.
والقول الثالث: إنه يجوز صومه ويجوز فطره، وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين أو أكثرهم.
стр. 61
وهذا كما أن الإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز، فإن شاء أمسك، وإن شاء أكل حتى يتيقن طلوع الفجر، وكذلك إذا شك هل أحدث؟ أم لا؟ إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ، وكذلك إذا شك هل حال حول الزكاة؟ أو لم يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة؟ أو مائة وعشرون؟ فأدى الزيادة (١) .
стр. 62
وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الاحتياط ليس بواجب ولا محرم (١) ، ثم إذا صامه بنية مطلقة أو بنية معلقة بأن ينوي إن كان من شهر رمضان كان عن رمضان وإلا فلا (٢) ، فإن ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه، وهي التي نقلها المروذي وغيره، وهذا اختيار الخرقي في «شرحه للمختصر» ، واختيار أبي البركات وغيرهما.
والقول الثاني: أنه لا يجزئه إلا بنية أنه من رمضان كإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها القاضي وجماعة من أصحابه (٣) .
* * *
وسئل ﵀: عن المسافر في رمضان، ومن يصوم ينكر عليه، وينسب إلى الجهل، ويقال له: الفطر أفضل.
стр. 63
وما هو مسافة القصر؟ وهل إذا أنشأ السفر من يومه يفطر؟ وهل يفطر السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر؟ وما الفرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية؟
فأجاب: الحمد لله، الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين، سواء كان سفر حج، أو جهاد، أو تجارة، أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله.
وتنازعوا في سفر المعصية، كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك، على قولين مشهورين، كما تنازعوا في قصر الصلاة.
فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة فإنه يجوز فيه الفطر مع القضاء باتفاق الأئمة، ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأئمة، سواء كان قادرا على الصيام أو عاجزا، وسواء شق عليه الصوم أو لم يشق، بحيث لو كان مسافرا في الظل والماء، ومعه من يخدمه، جاز له الفطر والقصر.
ومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل (١) .
وكذلك من أنكر على المفطر فإنه يستتاب من ذلك.
ومن قال: إن المفطر عليه إثم فإنه يستتاب من ذلك فإن هذه الأحوال خلاف كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله ﷺ وخلاف إجماع الأمة.
وهكذا السنة للمسافر أنه يصلي الرباعية ركعتين والقصر أفضل له من التربيع عند الأئمة الأربعة: كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي في أصح قوليه.
стр. 64
ولم تتنازع الأمة في جواز الفطر للمسافر؛ بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وأنه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي، ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهما من السلف، وهو مذهب أهل الظاهر، وفي «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس من البر الصوم في السفر» ، لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر، كما في «الصحيحين» عن أنس أنه قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ في رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ ، وفي «المسند» عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» ، وفي «الصحيح» : أن رجلا قال للنبي ﷺ : إني رجل أكثر الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: «إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس» . وفي حديث آخر: «خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون» .
وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخا، كما بين مكة وعسفان، ومكة وجدة (١) .
стр. 65
وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام، وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين، وهذا قول قوي فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي بعرفة ومزدلفة ومنى يقصر الصلاة وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحدا منهم بإتمام الصلاة.
وإذا سافر في أثناء يوم فهل يجوز له الفطر؟ على قولين مشهورين للعلماء، هما روايتان عن أحمد، أظهرهما: أنه يجوز ذلك، كما ثبت في «السنن» أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة النبي ﷺ ، وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون إليه.
وأما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة.
وأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين العلماء؛ لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك (١) .
стр. 66
ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم، وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين ونحوهم، وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه.
فأما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرا فهذا لا يقصر ولا يفطر.
وأهل البادية - كأعراب العرب والأكراد والترك وغيرهم، الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان - إذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف ومن المصيف إلى المشتى: فإنهم يقصرون، وأما إذا نزلوا بمشتاهم ومصيفهم لم يفطروا ولم يقصروا، وإن كانوا يتتبعون المراعي، والله أعلم (١) .
* * *
وسئل ﵀: عمن يكون مسافرا في رمضان ولم يصبه جوع ولا عطش ولا تعب، فما الأفضل له: الصيام، أم الإفطار؟
стр. 67
فأجاب: أما المسافر: فيفطر باتفاق المسلمين، وإن لم يكن عليه مشقة (١) ، والفطر له أفضل، وإن صام جاز عند أكثر العلماء، ومنهم من يقول: لا يجزئه (٢) .
* * *
وسئل: عن إمام جماعة بمسجد مذهبه حنفي، ذكر لجماعته أن عنده كتابا فيه أن الصيام في شهر رمضان إذا لم ينو بالصيام قبل عشاء الآخرة أو بعدها أو وقت السحور، وإلا فماله في صيامه أجر، فهل هذا صحيح؟ أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، على كل مسلم يعتقد أن الصوم واجب عليه وهو يريد أن يصوم شهر رمضان النية، فإذا كان يعلم أن غدا من رمضان فلا بد أن ينوي الصوم، فإن النية محلها القلب، وكل من علم ما يريد فلا بد أن ينويه، سواء تلفظ بالنية أو لم يتلفظ (٣) .
وإن التكلم بالنية ليس واجبا بإجماع المسلمين، فعامة المسلمين إنما يصومون بالنية، وصومهم صحيح بلا نزاع بين العلماء.
إن تعيين النية لشهر رمضان هل هو واجب؟ وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد:
أحدها: أنه لا يجزئه إلا أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة أو معلقة أو بنية النفل أو النذر لم يجزئه ذلك، كالمشهور من مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات.
стр. 68
والثاني: يجزئه مطلقا، كمذهب أبي حنيفة.
والثالث: أن يجزئه بنية مطلقة لا بنية تعيين غير رمضان، وهذه الرواية الثالثة عن أحمد، وهي اختيار الخرقي وأبي البركات (١) .
وتحقيق هذه المسألة: أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدا من رمضان فلا بد من التعيين في هذه الصورة، فإن نوى نفلا أو صوما مطلقا لم يجزه؛ لأن الله أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه، فإذا لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته.
стр. 69
وأما إذا كان لا يعلم أن غدا من شهر رمضان، فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن أوجب التعيين مع عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين.
فإذا قيل: إنه يجوز صومه، وصام في هذه الصورة بنية مطلقة أو معلقة أجزأه، وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعا، ثم تبين أنه كان من شهر رمضان فالأشبه أنه يجزئه أيضا، كمن كان لرجل عنده وديعة ولم يعلم ذلك، فأعطاه ذلك على طريق التبرع، ثم تبين أنه حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطائه ثانيا، بل يقول: ذلك الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي، والله يعلم حقائق الأمور، والرواية التي تروى عن أحمد: أن الناس فيه تبع للإمام في نيته، على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس، كما في «السنن» عن النبي ﷺ أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون» (١) .
* * *
стр. 70
وسئل شيخ الإسلام: ما يقول سيدنا في صائم رمضان هل يفتقر كل يوم إلى نية؟ أم لا؟
فأجاب: كل من علم أن غدا من رمضان، وهو يريد صومه فقد نوى صومه، سواء تلفظ بالنية أو لم يتلفظ، وهذا فعل عامة المسلمين كلهم ينوي الصيام.
* * *
وسئل: عن غروب الشمس، هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها؟
فأجاب: إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق.
وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» (١) .
* * *
وسئل: عما إذا أكل بعد أذان الصبح في رمضان، ماذا يكون؟
فأجاب: الحمد لله، أما إذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، كما كان بلال يؤذن قبل طلوع الفجر على عهد النبي ﷺ ، وكما يؤذن المؤذنون في دمشق وغيرها قبل طلوع الفجر (٢) ، فلا بأس بالأكل والشرب بعد ذلك بزمن يسير.
стр. 71
وإن شك هل طلع الفجر؟ أو لم يطلع؟ فله أن يأكل ويشرب حتى يتبين الطلوع، ولو علم بعد ذلك أنه أكل بعد طلوع الفجر، ففي وجوب القضاء نزاع، والأظهر: أنه لا قضاء عليه، وهو الثابت عن عمر، وقال به طائفة من السلف والخلف، والقضاء هو المشهور في مذهب الفقهاء الأربعة، والله أعلم (١) .
* * *
وسئل: عن رجل كلما أراد أن يصوم أغمي عليه، ويزبد ويخبط، فيبقى أياما لا يفيق حتى يتهم أنه جنون، ولم يتحقق ذلك منه؟
فأجاب: الحمد لله، إن كان الصوم يوجب له مثل هذا المرض فإنه يفطر ويقضي، فإن كان هذا يصيبه في أي وقت صام، كان عاجزا عن الصيام، فيطعم عن كل يوم مسكينا، والله أعلم.
* * *
وسئل ﵀: عن امرأة حامل رأت شيئا شبه الحيض والدم مواظبها، وذكر القوابل أن المرأة تفطر لأجل منفعة الجنين، ولم يكن بالمرأة ألم، فهل يجوز لها الفطر؟ أم لا؟
فأجاب: إن كانت الحامل تخاف على جنينها فإنها تفطر وتقضي عن كل يوم يوما، وتطعم عن كل يوم مسكينا، رطلا من خبز بأدمه (٢) .
стр. 72
التعليق على كتاب الصيام من الفروع
لفضيلة الشيخ
محمد بن صالح العثيمين
قال العلامة الفقيه المحدث شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي-رحمه الله تعالى- في كتابه «الفروع» :
كتاب الصيام
стр. 73
الصومُ لغةً؛ الإمساك، ومنه: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم: ٢٦] (١) ، ويقال للْفَرس: صائم؛ لإمساكِه عن الصَّهيلِ في موضعه، وكذا عن العلَفِ.
وشرعاً: إمساك ٌ مخصوصٌ.
قيل: سُمِّي رمضان؛ لحرِّ جوف الصائم فيه، ورَمضِه. والرَّمْضاء: شدَّةُ الحرِّ، وقيل: لما نقلوا أسماء الشهورِ عن اللغة القديمةِ، سمَّوها بالأزمنةِ التي وقعت فيها (٢) ، فوافق هذا الشهرُ أيام شدةِ الحرِّ ورَمَضِه، وقيل: لأنه يُحرِق الذنوبَ، وقيل: موضوعٌ لغير معنىً، كسائرِ الشهور. كذا قيل، وقيل في الشهور معانٍ أيضاً، وقيل غيرُ ذلك.
وجمعه: رَمَضانات، وأرْمِضَة، ورَماضين، وأرْمُض، وِرِماض، ورَمَاضى، وأرامِيض.
стр. 74
والمستحبُّ قولُ: شهرُ رمضانَ، كما قال الله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾ [البقرة: ١٨٥] ، ولا يُكرهُ قولُ: رمضان، بإسقاط الشهر (وهـ) (١) وأكثرِ العلماء، وذكر الشيخُ: يُكره، إلا مع قرينة الشهر، وفاقاً لأكثر الشافعيَّة، وذكر شيخُنا وجهاً: يُكرهُ، وفاقاً للمالكية، وقاله مجاهدٌ وعطاءٌ، وقالا: لعله اسمٌ من أسماء الله تعالى. وفي «المنتخب» : لا يجوز.
وروى ابنُ عدي، والبيهقي، وغيرهما من رواية أبي مَعْشَرٍ - وهو ضعيف عندهم - عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لا تقولوا: رمضان؛ فإنه اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان» .
قال ابن الجوزي: موضوع، ولم يذكره أحد من أسمائه تعالى، ولا يجوز أن يُسَمَّى به (ع) .
وقال صاحب «المحرر» : لو صح من أسمائه، لم يُمنَعِ استعماله في غيره، كالأسماء التي وقعت فيها المشاركة (٢) .
стр. 75
وعن أبي هريرة مرفوعاً: «مَنْ قام رمضان إيمانا واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) . متفق عليه، زاد أحمد في رواية عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «وما تأخَّر» ، وحماد له أوهام، ومحمد تُكُلِّم فيه (٢) .
وعن أبي هريرة مرفوعاً: «إذا جاء رمضان، فُتِّحتْ أبواب الجنة، وغُلِّقَتْ أبواب النار، وصفدت الشياطين» . وفي لفظ: «فتحت أبواب الرحمة، وغُلِّقَتْ أبواب جهنم، وسُلْسِلت الشياطين» . متفق عليه. وللبخاري أيضاً: «فتحت أبواب السماء» .