إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخصّ البول لأنه أسهل مدخلاً في التجاويف، وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٥/ ١٦٠٨ - وفي "الكبرى" ٧/ ١٣٠٢ - بالإسناد المذكور، وفي ٥/ ١٦٠٩ - عن عمرو بن عليّ، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٦ و ٤/ ١٤٨ (م) ٢/ ١٨٧ (ق) ١٣٣٠ (أحمد) ١/ ٣٧٥ و ١/ ٤٢٧ (ابن خزيمة). ١١٣٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٠٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فُلَانًا نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ الْبَارِحَةَ, حَتَّى أَصْبَحَ, قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ, بَالَ فِي أُذُنَيْهِ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وهذا طريق آخر لحديث ابن مسعود ﵁ المذكور قبله، تقدم الكلام عليه.
وعمرو بن عليّ: هو الفلاّس البصريّ المثبت الحافظ [١٠]. ٤/ ٤. وعبد العزيز بن عبد الصمد: هو العَمّيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] ١٧/ ١٥٥١.
وقوله: "البارحة": هي أقرب ليلة مضت قاله المجد. وقال الفيّوميّ: العرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلةَ كذا لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحةَ انتهى.
وقوله: "ذاك" مبتدأ، وقوله: "شيطان" مبتدأ ثان، سوغ الابتداء به مع تنكيره كونه فاعلا في المعنى، وجملة "بال في أذنيه" خبر للمبتدإ الثاني، والجملة خبر للأول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 10012
١٦١٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَعْقَاعُ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, فَصَلَّى, ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ, فَصَلَّتْ, فَإِنْ أَبَتْ, نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ, وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً, قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ, فَصَلَّتْ, ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا, فَصَلَّى, فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة المثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق [٥] ٣٦/ ٤٠.
٤ - (القعقاع) بن حكيم الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٣٦/ ٤٠.
٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعيين يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً) هذا إخبار من الصادق المصدوق ﷺ باستحقاق الشخص الفاعل لذلك الرحمة، أو دعاء منه له بها، وثناء بحسن ما فعله (قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، والجملة في محل نصب صفة لـ "رجلا" (فَصَلَّى) أي صلاة الليل، أو أعمّ من ذلك (ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ) أي نبهها من نومها بالحكمة، والموعظة الحسنة (فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ) أي امتنعت من القيام لثقل نومها, لا لعذر شرعيّ من حيض، أو مرض (نَضَحَ) من باب نفع: أي رشّ (فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ) خص الوجه بالنضح, لأن رشّه يُذهب النوم أكثر من غيره (وَرَحِمَ اللَّه امْرَأَةَ، قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ، ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإن أَبَى نَضَحَت فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ") فيه أن هذا لا يدخل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، بل
стр. 10013
هو من باب التعاون على البرّ والتقوى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥/ ١٦١٠ - وفي "الكبرى" ٦/ ١٣٠٠ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١٣٠٨ و ١٤٥٠ (ق) ١٣٣٦ (أحمد) ٢/ ٢٥٠ و ٤٣٦ (ابن خزيمة) ١١٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الترغيب في قيام الليل. ومنها: مشروعية الدعاء بالرحمة للحيّ، كما يُدْعَى بها للميت. ومنها: بيان فضل قيام الليل. ومنها: فضل حث الرجل امرأته على قيام الليل، وكذا المرأة زوجها. ومنها: مشروعية إيقاظ النائم للتنفل. ومنها: حَثّ مَن تكاسل عن الخير على فعله، ولو بطريق الإزعاج من النوم، وهو من باب التعاون على البرّ والتقوى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦١١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ, أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ, حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ, وَفَاطِمَةَ, فَقَالَ: أَلَا تُصَلُّونَ, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ, فَإِذَا شَاءَ, أَنْ يَبْعَثَهَا بَعَثَهَا, فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حِينَ قُلْتُ لَهُ: ذَلِكَ, ثُمَّ سَمِعْتُهُ, وَهُوَ مُدْبِرٌ, يَضْرِبُ فَخِذَهُ, وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد، الإمام المصريّ الفقيه الثقة الحجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (عُقيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب، زين العابدين، ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور [٣] ٧٨/ ٩٥.
стр. 10014
٦ - (الحسين بن علي) بن أبي طالب، أبو عبد اللَّه المدني، سبط رسول اللَّه ﷺ ، وريحانته، حفظ عنه، واستشهد - رضي اللَّه تعالى عنه - بكَرْبَلاء يوم عاشوراء سنة (٦١) تقدم ٧٨/ ٩٥.
٧ - (علي بن أبي طالب) بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمي، ابن عمّ رسول اللَّه ﷺ ، وأحد الخلفاء الراشدين - رضي اللَّه تعالى عنه -، مات سنة (٤٠) ٤٧/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ، وشيخه بغلانيّ، والباقيان مصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن جدّه، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح": أن هذا الإسناد من أصح الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه، عن جدّه. وحكى الدارقطني أن كاتب الليث رواه عن الليث، عن عُقيل، عن الزهريّ، فقال: "عن علي بن الحسين، عن الحسن بن عليّ". وكذا وقع في رواية الحجاج بن أبي مَنِيع، عن جدّه، عن الزهريّ، في تفسير ابن مردويه، وهو وهَمٌ، والصواب: "عن الحسين"، ويؤيّده رواية حَكيم بن حَكيم، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه"، أخرجها النسائي (١) والطبريّ انتهى.
وقال النووي ﵀ في "شرح مسلم" بعد إيراد السند المذكور: ما نصه: هكذا ضبطناه "أن الحسين بن عَليّ" بضم الحاء على التصغير، وكذا في جميع نسخ بلادنا التي رأيتها مع كثرتها، وذكر الدارقطني في "كتاب الاستدراكات"، وقال: إنه وقع في رواية مسلم "أن الحسن" بفتح الحاء على التكبير، قال الدارقطنيّ: كذا رواه مسلم عن قتيبة، "أن الحسن بن علي"، وتابعه على ذلك إبراهيم بن نصر النهاونديّ، والجعفيّ، وخالفهم النسائيّ، والسرّاج، وموسى بن هارون، فرووه عن قُتيبة "أن الحسين" يعني بالتصغير، قال: ورواه أبو صالح، وحمزة بن زياد، والوليد بن صالح، عن ليث، فقالوا فيه: "الحسن"، وقال يونس المؤدب، وأبو النضر، وغيرهما عن ليث: "الحسين" يعني بالتصغير، قال: وكذلك قال أصحاب الزهريّ، منهم صالح بن كيسان، وابن أبي عَتيق، وابن جُريج، وإسحاق بن راشد، وزيد بن أبي أُنيسة، وشعيب، وحكيم بن
стр. 10015
حكيم، ويحيى بن أُبي أنيسة، وعُقيل من رواية ابن لَهِيعة عنه، وعبد الرحمن بن إسحاق، وعُبيد اللَّه بن أبي زياد، وغيرهم. وأما معمر، فأرسله عن الزهري، عن علي ابن الحسين.
وقول من قال، عن ليث: "الحسن بن علي" وَهَمٌ يعني من قاله بالتكبير، فقد غلط. هذا كلام الدارقطنيّ -رحمه اللَّه تعالى-. وحاصله أنه يقول: إن الصواب من رواية الليث "الحسين"، وقد بيّنّا أنه الموجود في روايات بلادنا. واللَّه أعلم انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِب) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ) أي أتاه ليلاً، يقال: طَرَق النجمُ طُرُوقًا، من باب قَعَدَ: طَلَعَ، وكلّ ما أتى ليلاً، فقد طَرَقَ، وهو طارق. قاله في "المصباح". وفي رواية البخاريّ: "طرقه وفاطمة بنت النبي ﷺ ليلةً"، فقوله: "ليلةً" للتأكيد، وحكى ابن فارس أن معنى "طرق" أتى، فعلى هذا يكون قوله: "ليلة" لبيان وقت المجيء، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "ليلة" أي مرّة واحدة. قاله في "الفتح".
(وَفَاطِمَةَ) بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب (فَقَالَ: "أَلَا تُصَلُّونَ) بضمير الجمع، قال النووي ﵀: هكذا هو في الأصول "تصلّون"، وجمع الاثنين صحيح، لكن هل هو حقيقة، أو مجاز فيه الخلاف المشهور، الأكثرون على أنه مجاز، وقال آخرون: حقيقة انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: الأرجح أنه حقيقة، وإليه ذهب مالك ﵀، وشواهد في كتاب اللَّه تعالى وغيره كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]. واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاري: "ألا تصليان" بالتثنية، وهي واضحة.
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ) اقتبس عليّ ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. وفي الرواية التالية من طريق حكيم بن حكيم: "قال علي: فجلست، وأنا أعرُك (٣) عيني، وأنا أقول: واللَّه ما نصلي إلا ما كتب اللَّه لنا، إنما أنفسنا بيد اللَّه". (فَإِذَا شَاءَ، أَنْ يَبْعَثَهَا) أي النفس، وفي رواية
стр. 10016
البخاريّ: "أن يبعثنا بعثنا" (بَعَثَهَا) أي أيقظها، وأصله إثارة الشيء من موضعه.
(فَانْصَرَفَ) أي رجع (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ قُلتُ لَهُ ذَلِكَ) زاد في رواية البخاري: "ولم يَرجع إليّ شيئًا". أي لم يُجبني، وفيه أن السكوت يكون جوابًا، والإعراض عن القول الذي لا يطابق المراد، وإن كان حقّا في نفسه (ثُمّ سَمِعْتُهُ، وَهُوَ مُدْبِرٌ) لفظ البخاريّ: "مُوَلٍّ" (يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) هذا إنكار لجدل علي ﵁, لأنه تمسك بالتقدير، والمشيئة في مقابلة التكليف، وهو مردود، ولا يتأتى إلا عن كثرة جدله، نعم التكليف هنا ندبيّ، لا وجوبي، فلذلك انصرف ﷺ عنهما , ولو كان وجوبيا لما تركهما على حالهما. أفاده السندي ﵀ تعالى.
وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: المختار في معناه أنه تعجب من سُرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا , ولهذا ضرب فخذه، وقيل: قاله تسليما لعذرهما، وأنه لا عتب عليهما انتهى.
وقال في "الفتح": فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف، وقال ابن التين ﵀: كره احتجاجه بالآية المذكورة، وأراد منه أن ينسُب التقصير إلى نفسه. وفيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول من قال: إن اللام في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ﴾ للعموم، لا لخصوص الكفار. وفيه منقبة لعليّ ﵁، حيث لم يكتم (١) ما فيه عليه أدنى غَضَاضة، فقدّم مصلحة نشر العلم، وتبليغه على كتمه.
ونقل ابن بطال عن المهلب، قال: فيه أنه ليس للإمام أن يُشدّد في النوافل، حيث قنع ﷺ بقول عليّ ﵁: "أنفسنا بيد اللَّه"، لأنه كلام صحيح في العذر عن التنقل، ولو كان فرضًا ما عذره. قال: وأما ضربه فخذه، وقراءته الآية، فدالّ على أنه ظنّ أنه أحرجهم، فندم على إنباههم. كذا قال، وأقرّه ابن بطال، قال الحافظ: وليس بواضح، وما تقدم أولى. انتهى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥/ ١٦١١ - وفي "الكبرى" - ١١/ ١٣١١ - بالإسناد المذكور. وفي ٥/
стр. 10017
١٦١٢ - عن عُبيد اللَّه بن سعد إبراهيم, عن يعقوب بن إبراهيم, عن أبيه, عن ابن إسحاق, عن حَكيم بن حَكيم بن عَبَّاد بن حُنيف, عن الزهريّ به, واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٢ و ٩/ ١٣١ أو ٩/ ١٦٨ و ٦/ ١١٠ (م) ٢/ ١٨٧ (أحمد) ١/ ٩١ و١/ ١١٢ (البخاري في الأدب المفرد) ٩٥٥ (ابن خزيمة) ١١٣٩ و ١١٤٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الترغيب في قيام الليل. ومنها: فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك. قال الطبري ﵀: لولا ما عَلم النبي ﷺ من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله اللَّه لخلقه سَكَنًا، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدَّعَة والسكون، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]. انتهى.
ومنها: أن فيه إثبات المشيئة للَّه تعالى، وأن العبد لا يفعل شيئًا إلا بمشيئة اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الإنسان: ٣٠].
ومنها: أن فيه تعاهد الإمام، والكبير رعيّته بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم. ومنها: أنه ينبغي للناصح إذا لم تُقبَل نصيحته، أو اعتُذر إليه بما لا يرتضيه أن ينكفّ، ولا يُعنّف إلا لمصحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦١٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَعَلَى فَاطِمَةَ, مِنَ اللَّيْلِ, فَأَيْقَظَنَا لِلصَّلَاةِ, ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ, فَصَلَّى هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ, فَلَمْ يَسْمَعْ لَنَا حِسًّا, فَرَجَعَ إِلَيْنَا, فَأَيْقَظَنَا, فَقَالَ: «قُومَا, فَصَلِّيَا». قَالَ: فَجَلَسْتُ, وَأَنَا أَعْرُكُ عَيْنِي, وَأَقُولُ إِنَّا وَاللَّهِ, مَا نُصَلِّى, إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا, إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ, فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا, قَالَ: - فَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يَقُولُ, وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ: «مَا نُصَلِّى إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا, ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عُبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم بن سعد) الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠.
стр. 10018
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٨٦/ ٣١٤.
٤ - (ابن إسحاق) هو محمد إمام المغازي، المدني، نزيل العراق، صدوق، يدلس، ورُمي بالتشيع والقدر، من صغار [٥] ٥/ ٤٨٠.
٥ - (حَكيم بن حَكيم بن عَبّاد بن حُنَيف) الأنصاري الأوسيّ، صدوق [٥].
روى عن ابن عمه أبي أمامة بن سهل، ومسعود بن الحكم الزُّرَقيّ، والزهريّ، وغيرهم. وعنه أخوه عثمان، وابن إسحاق، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان قليل الحديث، ولا يحتجّون بحديثه. وقال العجلي: ثقة.
وذكره ابن حبّان في "الثقات". وصحح حديثه الترمذيّ، وابن خزيمة، وغيرهما. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، والباقون تقدموا في السند الماضي.
وقوله: "هَويًا" بفتح الهاء، وتشد الياء التحتانية، قال في "النهاية": الْهَويُّ: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختصّ بالليل. وقال ابن سيده: مَضى هَويٌّ -أي بالفتح- من الليل، وهُويّ -أي بالضمّ- وتَهْوَاءٌ -أي بالفتح-: أي ساعة منه انتهى (١).
وقوله: "وأنا أعرك" من باب نصر: أي أدلُكُ، يقال: عَرَكَه: دَلَكَه، وحَكَّه، حتى عَفَّاه. انتهى "ق". والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل.
وقوله: "حِسّا" الحِسّ بالكسر، والْحَسِيسُ: الصوت الخفي. قاله في "المصباح".
وقال في "ق": الحسّ بالكسر: الحركة، وأن يمرّ بك قريبًا، فتسمعه، ولا تراه انتهى.
وقوله: "ما نصلي إلا ما كتب اللَّه لنا": مقول "يقول"، وجملة قوله: "ويضرب بيده الخ" معترضة، وإنما قال ﷺ : "ما نصلي الخ" للإنكار على عليّ ﵁، حيث اعتذر إليه بما لا ينبغي الاعتذار به، وهو الاستناد إلى القَدَر، كما تقدّم الكلام عليه.
والحديث متَّفق عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10019
٦ - بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ اللَّيْلِ
١٦١٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, هُوَ ابْنُ عَوْفٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ, بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ, شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ, وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ, بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أبو عوانة) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكُريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦.
٣ - (أبو بِشْر) بن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس البصري، ثم الواسطي، ثقة [٥] ١٣/ ٥٢٠.
٤ - (حُميد بن عبد الرحمن) الحِميَريّ البصريّ، ثقة فقيه [٣] ١٤٧/ ٢٣٨.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" هنا زيادة "وهو ابن عوف" وهو غلط؛ لأن حميدًا هذا هو الحميريّ، كما صرح به مسلم في "صحيحه"، لا ولد عبد الرحمن بن عوف، قال الحافظ في "النكت الظراف": وقع في رواية ابن السنّيّ: عن قتيبة، سنده: عن أبي بشر (١)، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف. وقوله: "ابن عوف"، وَهَمٌ من غير النسائيّ، وقد رواه غير ابن السنّيّ، فلم يقل فيه: "ابن عوف"، ونسبه مسلم في رواية "الحميريّ" انتهى (٢).
[تنبيه آخر]: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اعلم أن أبا هريرة ﵁ يروي عنه اثنان، كل منهما حميد بن عبد الرحمن: (أحدهما): هذا الحميريّ. (والثاني): حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ. قال الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين" كلّ ما في "الصحيحين" حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فهو الزهريّ، إلا في هذا الحديث خاصّة، وهذا الحديث لم يذكره البخاريّ في "صحيحه"، ولا ذِكرَ للحميريّ في البخاري أصلاً، ولا في مسلم إلا في هذا الحديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: قوله: "ولا ذكر للحميري في البخاري أصلًا , ولا في مسلم الخ" إن أراد بقيد روايته عن أبي هريرة، فمسلم، وإن أراد مطلقًا ففيه نظر، فقد أخرج له
стр. 10020
البخاري، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه حديثه عن أبي بكرة ﵁ "أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأيّ بلد هذا؟ … " فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها). أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ) أي بعد فضل صيام شهر رمضان (شَهْرُ اللَهِ الْمُحَرَّمُ) قال القرطبيّ ﵀: إنما كان أفضل -واللَّه تعالى أعلم- من أجل أن المحرّم أول السنة المستأنفة التي لم يجىء بعدُ رمضانُها، فكان استفتاحها بالصوم الذي هو من أفضل الأعمال، والذي أخبر عنه ﷺ بأنه ضياء، فإذا استفتح سَنَتَهُ بالضياء مشى فيه بقيتها. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبي -رحمه اللَّه تعالى- بتغيير يسير (١).
وفيه تصريح بأنه أفضل المشهور للصوم بعد رمضان.
[فإن قيل]: هذا يعارض ما صح من حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "لم أره -تعني النبي ﷺ صائمًا من شهر قطّ أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، يصوم شعبان إلا قليلا".
[أجيب]: عنه بجوابين: (أحدهما): لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه. (الثاني): لعله كان يعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه، كسفر، ومرض، وغيرهما. أفاده النووي -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
[تنبيه]: قال الحافظ أبو الفضل العراقى ﵀ في "شرح الترمذيّ": الحكمة في تسمية المحرّم شهر اللَّه، والشهور كلها للَّه يحتمل أن يقال: إنه لما كان من الأشهر الحرم التي حرّم اللَّه تعالى فيها القتال، وكان أول شهور السنة، أُضيف إليه إضافة تخصيص، ولم يصح إضافة شهر من المشهور إلى اللَّه تعالى عن النبي ﷺ إلا شهر اللَّه المحرّم انتهى (٣).
стр. 10021
(وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل لما اتفق العلماء عليه، أن تطوّع الليل أفضل من تطوّع النهار، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزيّ من أصحابنا، ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى، وأوفق للحديث. واللَّه أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قوّاه النووي -رحمه اللَّه تعالى- من أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب، هو الصواب، فإن ما استند إليه الأكثرون تعليل في مقابلة النصّ، وذلك باطل، ولقد أحسن منِ قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمَا … تجُارِي في مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٦/ ١٦١٣ - وفي "الكبرى" ١٢/ ١٣١٢ - بالإسناد المذكور، وفي ٦/ ١٦١٤ - و"الكبرى" ١٢/ ١٣١٣ - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يقول: قال رسول اللَّه ﷺ ، فذكر نحوه مرسلاً. وفي "الكبرى" أيضًا ١١٧/ ٢٩٠٥ عن محمد بن قُدامة، عن جَرير- و ١١٧/ ٢٩٠٦ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن زائدة- كلاهما عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٣/ ١٦٩ (د) ٢٤٢٩ (ت) ٤٣٨ و ٧٤٠ (ق) ١٧٤٢ (أحمد) ٢/ ٣٠٣ و ٢/ ٣٢٩ و ٢/ ٣٤٢ و ٢/ ٥٣٥ (الدارمي) ١٤٨٤ و ١٧٦٤ و١٧٦٥ (عبد بن حُميد) ١٤٢٣ (ابن خزيمة) ١١٣٤ و ٢٠٧٦. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل صلاة الليل. ومنها: أن صلاة الليل أفضل من النوافل مطلقًا، حتى على السنن الرواتب. ومنها: أن صوم شهر اللَّه المحرّم أفضل الصيام مطلقًا بعد رمضان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 10022
١٦١٤ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ, أَنَّهُ سَمِعَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ, بَعْدَ الْفَرِيضَةِ, قِيَامُ اللَّيْلِ, وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ, الْمُحَرَّمُ». أَرْسَلَهُ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وهو طريق آخر للحديث السابق، وسُويد بن نصر: هو المروزيّ، الملقّب بـ "شاه" راوية ابن المبارك. وعبد اللَّه: هو ابن المبارك الإمام المشهور. وشعبة: هو ابن الحجاج الإمام العلم المشهور.
وقوله: "أرسله شعبة بن الحجّاج. يعني أن شعبة خالف الرواة، فجعله عن حميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ ، مرسلاً. لكن مثل هذا الإرسال لا يضرّ في صحة الحديث، فإن الأكثرين على وصله، فيقدّم وصلهم على إرساله، فقد رواه موصولاً أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، كما في الرواية السابقة، ووصله أيضًا جرير بن عبد الحميد، وزائدة بن قُدامة، وأبو عوانة، كلهم عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (١).
ولذا ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: أن الصحيح أنه متصل، حميد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ونصه جـ١ ص٢٥٤: سألت أبي عن حديث رواه عُبيد اللَّه بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان، عن النبي ﷺ :"أفضل الصيام بعد شهر رمضان المحرّمُ". قال أبي: أخطأ فيه عُبيد اللَّه، الصواب ما رواه زائدة، وغيره عن عبد الملك بن عُمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، منهم من يقول: عن أبي هريرة، ومنهم من يُرسله، يقول: حميد، عن النبي ﷺ ، والصحيح متصل، حميد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ انتهى.
وقال أيضًا جـ١ ص ٢٦٠: قال أبو زرعة: هكذا رواه عُبيد اللَّه بن عمرو، ورواه زائدة، وأبو عوانة، وجرير، عن عبد الملك بن عُمير، عن محمد بن المنتشر، عن حُميد بن عبد الرحمن الحميريّ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وهو الصحيح. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحصّل مما ذُكر أن الحديث متصلٌ مرفوعٌ، فلا يضرّه إرسال شعبة؛ لأن الحكم لمن وصله؛ لأن معهم زيادةَ علم، وهم الأكثرون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 10023
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧ - فَضْلُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فِي السّفَرِ
١٦١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا, عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ, رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ : رَجُلٌ أَتَى قَوْمًا, فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ, وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ, بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ, فَمَنَعُوهُ, فَتَخَلَّفَهُمْ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ, فَأَعْطَاهُ سِرًّا, لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ, إِلاَّ اللَّهُ , وَالَّذِى أَعْطَاهُ, وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ, حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ, مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ, نَزَلُوا, فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ, فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي, وَيَتْلُو آيَاتِي, وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ, فَلَقُوا الْعَدُوَّ, فَانْهَزَمُوا, فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ, حَتَّى يُقْتَلَ, أَوْ يُفْتَحَ لَهُ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن المثنّى) أبو موسى العَنَزيّ البصري، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد) بن جعفر غُندَر البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج المذكور في السند الماضي.
٤ - (منصور) بن المعتمر الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٥ - (رِبْعيّ) بن حِرَاش، أبو مريم العَبْسيّ الكوفيّ، ثقة عابد مخضرم [٢] ٨/ ٥٠٨.
٦ - (زيد بن ظَبْيَان) -بفتح المعجمة، وسكون الباء الموحدة- الكوفيّ، مقبول [٢].
روى عن أبي ذَرّ. وعنه رِبْعيّ بن حِرَاش. روى له الترمذيّ، والنسائيّ حديث الباب فقط. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وأخرج هو، وابن خُزيمة حديثه في "الصحيح". تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده في "كتاب الزكاة" برقم ٧٥/ ٢٥٧٠.
٧ - (أبو ذرّ) جُندب بن جُنَادة الغفاري الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
стр. 10024
الصحيح، غير زيد بن ظبيان، فتفرّد به المصنف، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من منصور، والباقون بصريون. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يرون عنهم بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بنِ ظَبْيَانَ، رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ) أي نسب الحديث إلى أبي ذرّ الغفاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاَثة يُحِبُّهُمُ اللَّهُ ) زاد في الرواية الآتية في "الزكاة": "وثلاثة يُبغضهم اللَّه " (رَجُلٌ) بدل تفصيل من ثلاثة، أو خبر لمحذوف، أي أحدهم رجل الخ، قال السنديّ ﵀: ظاهره أن السائل أحد الثلاثة الذين يحبهم اللَّه، وليس كذلك، بل معطيه، فلا بدّ من تقدير مضاف، أي معطي رجل، وكذا قوله: "وقوم" بتقدير مضاف، أي وعابد قوم انتهى.
(أَتى قَومَا، فَسَأَلَهُمْ) حاجته (بِاللَّهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ) يعني أن سؤاله لم يتسبب عن القرابة، وإنما هو سؤال مقرون بذكر اسم اللَّه تعالى، وفيه تعظيم اسم اللَّه تعالى (فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَهُمْ رَجُلٌ بأعْقَابِهمْ) يقال: تخلّف عن القوم: إذا قعد عنهم، ولم يذهب معهم. قاله في "المصباح".
والمعنى أنه خرج رجل من بينهم، بحيث صار خلفهم في ظهورهم، فقوله: "بأعقابهم" بمعنى ظهورهم بمنزلة التأكيد لما يدلّ عليه قوله: "فتخلّفهم". وفي الرواية الآتية في "الزكاة": "فتخلفه" بإفراد الضمير (فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطيَّتهِ، إِلا اللَّه ، وَالَّذِي أَعْطَاهُ) أي الشخص المُعْطَى (وَقَوْمٌ) إعرابه كإعراب "رجل" السابق، وهو أيضًا على حذف مضاف، أي وعابد قوم الخ (سَارُوا لَيْلَتَهُمْ، حَتى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ، مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ) بالبناء للمفعول، أي مما يُجعل عَديلاً له، ومِثْلاً، ومساويًا في العادة (نَزَلُوا، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ) كناية عن نومهم (فَقَامَ يَتَمَلقُنِي) هذا حكايته كلام اللَّه تعالى في شأن ذلك العابد. أي قام يتودّد إليّ بأحسن ما يكون.
والمَلَق بفتحتين: الزيادة في التودّد، والدعاء، والتضرّع فوق ما ينبغي. قاله في "النهاية" (١). وقال الفيومي: ومَلِقْتُهُ مَلَقًا، ومَلِقتُ له أيضًا: تَوَدَّدته، من باب تَعِبَ، وتَمَلَّقْتُ له كذلك انتهى (٢).
стр. 10025
(وَيَتْلُو آيَاتيْ) أي يقرأ القرآن (وَرَجُلٌ) هذا لا يحتاج إلى تقدير مضاف (كَانَ فِي سَرِيَّةِ) فعِيلة بمعنى فاعلة: القطعة من الجيش، سميت بذلك لأنها تَسري في خُفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيّات، مِثل عطيّة، وعَطَايَا، وعَطِيّات. قاله في "المصباح".
(فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَانْهْزَمُوا، فَأقْبَلَ بِصَدْرِهِ) تأكيد للإقبال؛ لأنه لا يكون إلا بالصدر (حَتَّى يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول أي حتى يُسْتَشْهَد في سبيل اللَّه (أَوْ يُفْتَحَ لَهُ) أي بغلبته على العدوّ.
زاد في الرواية المذكورة: "والثلاثة الذين يُبغضهم اللَّه : الشيخُ الزاني، والفقير المختالُ، والغني الظلوم" .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده زيد بن ظبيان، وهو مجهول الحال، لم يرو عنه غير رِبْعيّ بن حِرَاش؟.
[قلت]: زيد وثقه ابن حبان، وصحح حديثه هذا، وصححه أيضًا الترمذيّ [٢٥٦٨] وابن خزيمة [٢٤٥٦]، والحاكم [ج ٢ ص ١١٣]، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالوا، فقد رواه أحمد في "مسنده" [جـ٥ ص ١٧٦] قال:
٢١٠٢ - حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء، عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، قال: بلغني عن أبي ذر حديث، فكنت أحب أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر بلغني عنك حديث، فكنت أحب أن ألقاك، فأسألَك عنه، فقال: قد لقيت فأسأل، قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ثلاثة يحبهم اللَّه ، وثلاثة يبغضهم اللَّه "، قال: نعم، فما أَخَالني أكذب على خليلي محمد ﷺ ، ثلاثا يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم اللَّه ؟، قال: "رجل غزا في سبيل اللَّه، فلقي العدو مجاهدا محتسبا، فقاتل حتى قتل، وأنتم تجدون في كتاب اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه حتى يكفيه اللَّه إياه بموت، أو حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يشق عليهم الكَرَى، أو النعاس، فينزلون في آخر الليل، فيقوم إلى وضوئه وصلاته"، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يبغضهم اللَّه؟، قال: "الفخور المختال، وأنتم تجدون في كتاب اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، والبخيل المنان، والتاجر، والبَيّاع الْحَلاّف"، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا وذود، يعني بالفرق غنما يسيرة، قال:
стр. 10026
قلت: لست عن هذا أسأل، إنما أسألك عن صامت المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر مالك ولإخوتك قريش؟ قال: واللَّه لا أسألهم دنيا , ولا أستفتيهم عن دين اللَّه ﵎، حتى ألقى اللَّه ورسوله، ثلاثا يقولها. وهذا إسناد صحيح، يشهد للأول.
والحاصل أن حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٧/ ١٦١٦ و ٧٥/ ٢٥٧٠ وفي "الكبرى" ١٣/ ١٣١٤ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ت) ٢٥٦٨ (أحمد) ٥/ ١٥٣ (ابن خزيمة) ٢٤٥٦ (ابن حبان) ٣٣٤٩. (الحاكم) ٢/ ١١٣. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، فضل صلاة الليل في السفر. ومنها: استحباب التملّق للَّه تعالى بتلاوة القرآن، والدعاء، والتضرّع. ومنها: إثبات صفة المحبة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، ومثله صفة البغض. ومنها: فضل صدقة السرّ. ومنها: فضل القتال عند إنهزام الجيش، والمصابرة على العدوّ حتى يُستشهد، أو يأتي الفتح من اللَّه تعالى.
ومنها: كون الزنى من الشيخ العاجز أقبح من غيره، وإنما كان كذلك، لضعف دواعيه، حيث كانت شهوته ضعيفة، فيدل على أن الحامل له عليه مجرد عدم المبالاة بالمحرّمات، ومثله الفقير المختال، أي المتكبر، والغني الظلوم، فما حمل هؤلاء على هذه المعاصي إلا مجرّد الاستهانة بأمر اللَّه تعالى ونهيه، حيث كانت الأسباب الداعية لهم إلى الوقوع في المعاصي ضعيفة، فاستحقّوا البغض من اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 10027
٨ - بَابُ وَقْتِ الْقِيَامِ
أي بيان الوقت الذي يُستحبّ فيه القيام لصلاة الليل.
١٦١٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ, عَنْ بِشْرٍ, هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ, قُلْتُ: فَأَيُّ اللَّيْلِ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن إبراهيم) بن صُدْران أبو جعفر المؤذّن البصريّ، صدوق [١٠] ٦٦/ ٨٢.
٢ - (بِشر بن المفضّل) بن لاحق، الرّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج المذكور في الباب الماضي.
٤ - (أشعث بن سُليم) المحاربي الكوفي، ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢.
٥ - (أبوه) سُلَيم بن الأسود أبو الشعثاء المحاربي الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٩٠/ ١١٢.
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] ٩٠/ ١١٢.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيّون، غير عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَسرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟، قَالَتِ: الدَّائِمُ) بالرفع لأنه خبر مبتدإ محذوف، أي هو الدائم، وقيل:
стр. 10028
بالنصب. قال الطيبيّ: أي العمل الذي يدوم عليه صاحبه، ويستقرّ عليه عامله، ومن ثَمّ أدخل حرف التراخي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآية [فصّلت: ٣، والأحقاف: ١٣]. والمراد بالدوام الملازمة العرفية، لا شمول الأزمنة، لأنه متعذّر. انتهى.
وقال القرطبي ﵀: وسبب محبته ﷺ الدائم أن فاعله لا ينقطع عن عمل الخير، ولا ينقطع عنه الثواب والأجر، ويجتمع منه الكثير، وإذ قلّ العمل في الزمان الطويل، ولا تزال صحائفه مكتوبة بالخير، ومَصعَد عمله معمورًا بالبرّ، ويحصل به مشابهة الملائكة في الدوام. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
(قُلْتُ: فَأَيُّ اللَّيْل) يحتمل نصب "أيّ" على الظرفية و"يقوم"، ورفعه على أنه مبتدأ، خبره جملة قوله (كَانَ يَقُومُ؟) والرابط محذوف، أي "فيه". والمعنى في أيّ أوقات الليل كان يقوم، فيصلي، وفي رواية مسلم من طريق أبي الأحوص، عن الأشعث، عن مسروق. "سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ فقلت لها: أي حين كان يصلي؟، قالت: إذا سمع الصارخ، قام، فصلى". (قَالَتْ: إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ) أي يقوم إذا سمع صوت الصارخ، وهو الديك، قال النوويّ: هو المراد هنا باتفاق العلماء. وسمي صارخا، لكثرة صياحه.
وقال في "الفتح": وقع في "مسند الطيالسي" في هذا الحديث: الصارخُ الديكُ.
والصَّرْخَة: الصيحة الشديدة، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا، قاله محمد بن نصر، وقال ابن التين: هو موافق لقول ابن عباس ﵄: "نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل". وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، وكان داود (٢) يتحرّى الوقت الذي ينادي اللَّه فيه "هل من سائل؟ "، كذا قال، والمراد بالدوام قيامه كل ليلة في ذلك الوقت، لا الدوام المطلق.
قال صاحب "المرعاة" لعل صراخ الديك في الليل يختلف باختلاف البلاد، وفي بلادنا يصيح في الثلث الأخير، بل في السدس الأخير، وروى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن زيد بن خالد الجهني، مرفوعًا: "لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة". وإسناده جيّد (٣)، وفي لفظ "فإنه يدعو إلى الصلاة". وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقةً: الصلاة، بل العادة جرت أنه يَصرُخ صرخات متتابعات عند طلوع الفجر، وعند الزوال،
стр. 10029
فطرةً فَطَرَه اللَّه عليها، فيذكّر الناس بصراخه الصلاة. قاله القسطلاني انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٨/ ١٦١٦ وفي "الكبرى" ١٤/ ١٣١٦ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٣ و ٨/ ١٢٢ (م) ٢/ ١٦٧ (د) ١٣١٧ (أحمد) ٦/ ٩٤ و ٦/ ١١٠ و ٦/ ١٤٧ و ٦/ ٢٠٣ و ٦/ ٢٧٩ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الوقت الأفضل لقيام الليل، وهو وقت صُراخ الديك. ومنها: بيان أن قيام النبي ﷺ الغالب كان في النصف الأخير من الليل، أو قبله بقليل، في الوقت الذي يصيح فيه الديك، وإنما اختار ذلك لأنه وقت نزول الرحمة، وهدوء الأصوات. ومنها: أن أحبّ الأعمال إلى رسول اللَّه ﷺ الدائم الذي لا ينقطع، وهذا بمعنى الحديث الآخر "أحبّ الأعمال إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ". ومنها: أنه ﷺ كان يقوم بعض الليل، لا كلّه، لما يترتّب عليه من الملل والسآمة، وإضعاف البدن بالسهر. ومنها: استحباب الاقتصاد في العبادة، وترك التعمّق فيها؛ لأن ذلك أنشط، والقلب به أشدّ انشراحًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩ - بَابُ ذِكْرِ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ الْقِيَامُ
أي باب ذكر الأحاديث الدالّة على الأذكار التي يُستحبّ افتتاح صلاة الليل بها.
١٦١٧ - أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ
стр. 10030
صَالِحٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْهَرُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ, قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ, بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَسْتَفْتِحُ قِيَامَ اللَّيْلِ؟ , قَالَتْ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ, مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُكَبِّرُ عَشْرًا, وَيَحْمَدُ عَشْرًا, وَيُسَبِّحُ عَشْرًا, وَيُهَلِّلُ عَشْرًا, وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا, وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي, وَاهْدِنِي, وَارْزُقْنِي, وَعَافِنِي, أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِصمة بن الفضل) النُّمَيريّ -بضم النون-، أبو الفضل النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقة [١١].
روى عن زيد بن الْحُبَاب، ويحيى بن آدم، وحسين الجعفيّ، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، وأبو حاتم، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن القاسم: لا بأس به. وروى عنه بَقِيّ بن مَخْلَد، ولا يروي إلا عن ثقة. تفرد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (١٦١٧) و (٣١١٧) و (٤٦٧٢).
٢ - (زيد بن الْحُبَاب) العُكليّ، أبو الحسين الكوفي، صدوق [٩] ٣٣/ ٣٧.
٣ - (معاوية بن صالح) الحمصي، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (الأزهر بن سعيد) الْحَرَازيّ (١) -بمهملة، وراء خفيفة، وبعد الألف زاي- الحمصيّ، صدوق [٥].
روى عن أبي أمامة الباهليّ، وعبد الرحمن بن السائب، وعاصم بن حُمَيد السَّكُوني، وغيرهم. وعنه معاوية بن صالح، ومحمد بن الوليد الزُّبَيديّ. قال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات سنة (١٢٩) وقال ابن أبي عاصم: سنة (٢٨). قال الحافظ: أكثرهم على أن أزهر بن عبد اللَّه الحَرَازيّ هو أزهر بن سعيد الحَرَازيّ. قال البخاريّ: أزهر بن
عبد اللَّه، وأزهر بن سعيد، وأزهر بن يزيد واحد، نسبوه مرة مراديًا، ومرّة هَوْزَنيّا، ومرة حَرَازيّا، ووافقه جماعة على ذلك. وثقه العجليّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، لكنه فرق بين أزهر بن سعيد، وبين أزهر بن عبد اللَّه. وقال النسائي في "كتاب الاستعاذة" ٦٣/ ٥٥٣٥ - يقال: له: الحرازيّ شاميّ عزيز الحديث.
وقال ابن الجارود في كتاب "الضعفاء": كان يسبّ عليّا. وقال أبو داود: إني لأُبغض
стр. 10031
أزهر الحرازيّ، ثم ساق بإسناده إلى أزهر، قال: كنت في الخيل الذين سَبَوا أنس بن مالك، فأتينا به الحجّاج وذكر ابن الجوزيّ، عن الأزديّ، قال: يتكلمون فيه. قال الحافظ: لم يتكلّموا إلا في مذهبه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده في "كتاب الاستعاذة" برقم (٥٥٣٥) وحديث رقم (٤٨٧٤).
٥ - (عاصم بن حُمَيد) السكوني الحمصيّ، صدوق مخضرم [٢] ١٠٢/ ١٠٤٩.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين غير شيخه، فنيسابوريّ، ثم بغداديّ، وزيد بن الحباب، فكوفيّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَاصِم بْنِ حُمَيْدٍ) السكونيّ، أنه (قَالَ:، سَأَلْتُ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "ما" استفهامية، ولم تحذف ألفها مع كونها مجرورة على قلّة، وفي نسخة: "بما كان يستفتح قيام الليل؟ -يعني النبي ﷺ (يَسْتَفْتِحُ) السين، والتاء زائدتان للتوكيد. ولفظ أبي داود: بأيّ شيء كان يفتتح رسول اللَّه ﷺ قيام الليل؟ (قِيَامَ اللَّيْلِ؟) أي صلاة الليل، ففيه إطلاق العام الذي هو قيام الليل، وإرادة الخاصّ، وهو الصلاة.
(قَالَتْ: لَقَدْ سأَلْتَني عَنْ شَيْءِ، مَا سأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ) جملة معترضة بين السؤال والجواب، والغرض منه تحسين السؤال، وتنشيط السائل بالثناء عليه (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يكَبِّرُ عَشْرًا) قال السندي ﵀: أي مع تكبيرة التحريم، أو بعده، وأما أنه كان يقول قبل الشروع في الصلاة فبعيد انتهى. (وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيسَبِّحُ عَشْرًا، وَيُهَلِّلُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا) تعني أنه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة ليلاً، وكبّر تكبيرة الإحرام، قال: "اللَّه أكبر" عشرًا، "والحمد للَّه" عشرًا، "وسبحان اللَّه" عشرًا، و"لا إله إلا اللَّه" عشرًا، و"أستغفر اللَّه" عشرًا (وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي) أي من البلاء الحسيّ والمعنويّ في الدنيا والآخرة (أَعُوذُ بِاللَّهِ) أي أتحصّن باللَّه تعالى، وألتجىء إليه (مِنْ ضِيقِ الْمَقَام) من ضاق الشي ضَيقًا، من باب سارَ، والاسم الضِّيق بالكسر:
стр. 10032
خلاف اتسع. و"المقام" بفتح الميم: محلّ القيام (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) دل الحديث على أنه يستحب افتتاح صلاة الليل بهذه الأذكار .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٩/ ١٦١٧ - وفي "الكبرى" ١٥/ ١٣١٧ - بالإسناد المذكور، وفي ٦٣/ ٥٥٣٥ - عن إبراهيم بن يعقوب، عن زيد بن الْحُباب به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٧٦٦ (ق) ١٣٥٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦١٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ مَعْمَرٍ, وَالأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ, قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ عِنْدَ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» , الْهَوِيَّ, ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» , الْهَوِيَّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ الملقّب بشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الحنظليّ المروزي الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة اليمنى، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عَمْرو الدمشقيّ، ثقة إمام [٧] ٤٥/ ٥٦.
٥ - (يحيى بن أبي كثير) اليمامي، ثقة ثبت مُدلّس [٥] ٢٣/ ٢٤.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (ربيعة بن كعب الأسلميّ) أبو الفِرَاس المدني، صحابيّ من أهل الصّفّة - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٦٩/ ١١٣٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
стр. 10033
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية, فليس له إلا هذا الحديث عند مسلم، وأصحاب السنن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَبيعَةَ بنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) وعند أحمد "كنتَ أنام" (عِنْدَ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ) أي عند باب الحُجْرة التي فيها النبي ﷺ , وتقدم في ١٦٩/ ١١٣٨ قال: "كنت آتي رسول اللَّه ﷺ بوَضُوئه، وبحاجته، فقال … ". وفي رواية لأحمد: قال: كنت أخدم رسول اللَّه ﷺ ، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه ﷺ العشاء الآخرة، فأجلس ببابه، إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول اللَّه ﷺ حاجة، فما أزال أسمعه، يقول رسول اللَّه ﷺ : "سبحان اللَّه سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، وبحمده، حتى أَمَلَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني، فأرقد … وقد تقدّم بطوله في ١٦٩/ ١١٣٨.
(فَكُنْتُ أَسْمَعُه) بصيغة المتكلّم، والضمير المنصوب للنبي ﷺ (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، أي قام يصلى في الليل، والظاهر أنه يقول ذلك بعد الدخول في الصلاة (يَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، الهَويَّ) بفتح الهاء، وكسر الواو، وتشدّد الياء، والنصب على الظرفية، قال: في "النهاية": "الْهَويُّ: الحيُن الطويلُ من الزمان، وقيل: مختصّ بالليل. (ثم يَقُولُ. "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبحَمْدِهِ"، الْهَوِيَّ) وفي رواية لأحمد فكنت أسمعه إذا قام من الليل، يصلي، يقول: "الحَمد للَّه رب العالمين" الهَويّ، قال: ثم يقول: "سبحان اللَّه العظيم وبحمده" الهويّ. وفي رواية له. أيضًا: كنت أبيت عند باب رسول اللَّه ﷺ ، أعطيه وَضوءه، فأسمعه بعد هَوِيّ من الليل، يقول: "سمع اللَّه لمن حمده"، وأسمعه بعد هَويّ من الليل يقول: "الحمد للَّه رب العالمين" (١) واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وتقدم في ١٦٩/ ١١٣٨ - وتقدم تخريجه هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦١٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَحْوَلِ, يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, وَمَنْ فِيهِنَّ,
стр. 10034
وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ حَقٌّ, وَوَعْدُكَ حَقٌّ, وَالْجَنَّةُ حَقٌّ, وَالنَّارُ حَقٌّ, وَالسَّاعَةُ حَقٌّ, وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ, وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ, لَكَ أَسْلَمْتُ, وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ». ثُمَّ ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا: «وَبِكَ خَاصَمْتُ, وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ, اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ, وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَعْلَنْتُ, أَنْتَ الْمُقَدِّمُ, وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ, لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ, وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيية بن سعيد) تقدم قبل بابين.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (سُليمان بن أبي مسلم الأحول) المكي، خال ابن أبي نَجيح، قيل: اسم أبيه عبد اللَّه، ثقة [٥].
روى عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم. وعنه ابن جريج، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم.
وثقه ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، والعجليّ، وابن وضّاح، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، وحديث رقم (٢٩٢٠) وأعاده برقم (٢٩٢١) و (٣٨١٠) و (٣٨١١) وحديث رقم (٥٦٥٠).
٤ - (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) في رواية مالك، عن أبي الزبير، عن طاوس: "إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل"، وظاهر السياق أنه كان يقوله أولَ ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة "الدليل على أن النبي ﷺ كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر"، ثم ساقه من طريق قيس بن
стр. 10035
سعد، عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام للتهجّد، قال بعد ما يكبّر: "اللهم لك الحمد" (١).
ولأبي داود من هذا الوجه: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قام للتهجّد قال بعد ما يقول: "اللَّه أكبر … ".
(يَتَهَجَّدُ) أي يَسهَر بصلاة، قال الفيّومي: هَجَدَ هجُودًا، من باب قَعَد: نام بالليل، فهو هاجد، والجمع هُجُود، مثل راقد، ورُقُود، وقاعد، وقعود, وواقف، ووُقُوف، وهُجَّد أيضا مثل رُكَّع، وهَجَد أيضًا: صلى بالليل، فهو من الأضداد، وتهجّد: نام , وصلى، كذلك انتهى.
وقال في "الفتح": وتفسير التهجّد بالسَّهَر معروف في اللغة، وهو من الأضداد، يقال: تهجّد: إذا سَهِرَ، وتهجّد: إذا نام، حكاه الجوهريّ وغيره. ومنهم من فرّق بينهما، فقال: هَجَدتُ: نِمْتُ، وتهجّدتُ: سَهِرتُ، حكاه أبو عبيدة، وصاحب "العين"، فعلى هذا الهُجُود النوم، ومعنى تهجدت: طرحت عنّي النوم. وقال الطبريّ: التهجد السهَرُ بعد نومة، ثم ساقه عن جماعة من السلف. وقال ابن فارس المتهجّد المصلي ليلاً. وقال كراع: التهجّد صلاة الليل خاصّة انتهى (٢).
(قَالَ:) جملة في موضع نصب خبر "كان"، و"إذا" لمجرد الظرفية، أي كان ﵇ عند قيامه من الليل، متهجدًا، يقول. وقال الطيبيّ: الظاهر أن "قال" جواب "إذا"، والجملة الشرطية خبر "كان" انتهى. (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) قَدَّمَ الخبرَ للدلالة على التخصيص (أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) أي منوّرهما، وبك يَهتدي من فيهما. وقيل: المعنى أنت المنزّه عن كلّ عيب، يقال: فلان مُنَوَّر، أي مبرّأ من كلّ عيب، ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نُورُ البلد، أي مزيّنه.
قاله في "الفتح". وقال القرطبيّ: أي منوّرهما في قول الحسن، دليله قراءة عليّ ﵁ "اللَّه نَوّرَ السموات" بفتح النون، والواو مشدّدة, وقال ابن عباس ﵄: هادي أهلهما، وقال مجاهد: مُدبّرهما، وقيل. هو المنزّه في السموات والأرض من كلّ عيب، من قول العرب: امرأة نَوارة، أي مبرّأة من كلّ ريبة. وقيل: اسم مدح، يقال: فلان نُور البلد، وشمس الزمان، كما قال النابغة: [من الطويل]
فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ … إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
وقال الآخر: [من الطويل]
стр. 10036
إَذَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَرْوَ لَيلَةَ … فَقد سَارَ فِيهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا
وقال أبو العالية. مُزَيِّن السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء. انتهى (١).
ولفظ، "الكبرى"، وهي رواية لمسلم: "أنت رب السموات والأرض" بدل "نور السموات الخ": أي مصلحهما، ومصلح مَن فيهما، مْأخوذ من الرّبّة، وهي نبت تصلح عليه المواشي، يقال: ربّ يرُبّ رَبّا، فهو رابّ, وربّ، ورَبَّى يرَبِّي تَرْبية، فهو مربّ، قال النابغة: [من الطويل]
وَرَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أَحَسَنَ صُنْعَهُ
وقال آخر: [من الطويل]
يَرُبُّ الَّذِي يَأتِي مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهُ … إِذَا فَعَلَ الْمَعرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا
والربّ أيضا السيّد، فيكون معناه أنه سيد من في السموات والأرض. والربّ المالك: أي هو مالكهما، ومالك من فيهما. قاله في "المفهم".
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) قَيّام على المبالغة، من قام بالشيء: إذا هيّأ له ما يحتاج إليه، ويقال. قَيُّوم، وقَيّام، وقَيِّم، وقرأ عمر: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وعلقمةُ. القيّم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن: القائم على كلّ نفس بما كسبت، وقال ابن جُبير. الدائم الوجود، وقال ابن عباس: الذي لا يحول، ولا يزول. قاله في "المفهم".
وفي "المرعاة": أي القائم بأمرِ وتدبيرِ السماوات والأرض وغيرها. وفي رواية "قيّم، وفي أخرى "قيّوم"، وهي من أبنية المبالغة، وهي من صفات اللَّه تعالى، ومعناها واحد. وقيل: "القيّم": معناه القائم بأمور الخلق، ومدبّر العالم في جميع أحواله، و"القيّام": القائم بنفسه، بتدبير خلقه المقيم لغيره، و"القيّوم": من أسماء اللَّه تعالى المعدودةِ، وهو القائم بنفسه مطلقًا، لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كلّ موجود حتى لا يتصوّر وجود شيء، ولا دوام وجوده إلا به انتهى.
وهذه الجملة تعليل للحمد، فكأنه يقول: إنما حمدتك, لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، وتراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به يَنتفع إلى غير ذلك، وتكرير الحمد المُخَصَّص للاهتمام بشأنه، ولِيُنَاط به كلَّ مرة معنى آخر.
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) بكسر اللام، أي المتصرّف فيهما
стр. 10037
تصرّفا كليّا، مُلكًا، ومِلكًا، ظاهرا وباطنا، لا نزاع في مُلكه، ولا شريك له في مِلكه.
(وَمَنْ فِيهِنَّ) عبّر بـ "من" تغليبًا للعقلاء، لشرفهم، وإلا فهو ربّ كلّ شيء، ومليكه (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ حَقٌّ) أي المتحقق الوجود الثابت بلا شكّ. وقال القرطبي: أي واجب الوجود، وأصله من حَقَّ الشيء: إذا ثبتَ، ووجبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الآية [الزمر: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ الآية [السجدة: ١٣]، أي ثَبَت، ووجب.
وهذا الوصف للَّه بالحقيقة والخصوصية، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه ممن يقال عليه هذا الاسم، مسبوق بعدم، ويجوز عليه لَحَاق العدم، ووجوده من مُوجده، لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدقَ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد: [من الطويل]
أَلَا كُلُّ شَيْء مَا خلَا اللَّهَ بَاطِلُ
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه. أنت الحقّ بالنسبة إلى من يدّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سمّاك إلها فقد قال الحق انتهى.
(وَوَعْدُكَ حَقٌّ) أي صادق لا يمكن التخلّف فيه، وفي رواية البخاري: "ووعدك الحقّ" بالتعريف، قال في "الفتح": وعرّفه، ونكّر ما بعده، لأن وعده مختصّ بالإنجاز، دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم قاله الطيبيّ. زاد في رواية الشيخين "ولقاءك حقّ" وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وفيه الإقرار بالبعث بعد الموت. وقيل معنى "لقاؤك حقّ": أي الموت، وأبطله النووي. وزاد أيضًا: "وقولك حقّ" أي مدلوله ثابت.
(وَالجَنَّةُ حَقٌّ) هذا وما بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر، وما بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ (وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه إشارة إلى أن الجنة والنار موجودتان الآن (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي يوم القيامة آتية لا ريب فيها، وأصل "الساعة" القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تُقدَّر بها الأزمان، سمّيت بذلك.
وإطلاق اسم الحقّ على هذه الأمور كلها معناه أنها لابدّ من كونها، وأنها مما ينبغي أن يصدق بها، وتكرارُ الحقّ في تلك المواضع على جهة التأكيد، والتفخيم، والتعظيم لها انتهى. (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ) ﷺ (حَقٌّ) خصّه بالذكر تعظيما له، وعطفه على النبيين إيذانًا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصّة به، فإن تغاير الوصف ينزّل منزلة تغاير الذات.
(لَكَ أَسْلَمْتُ) أي انقدت، وخضعت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي فوضت أمري إليك، لا
стр. 10038
إلى الأسباب العاديّة، وإن كنتُ آخذا بها، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وإنما ينافيه الاعتماد عليها (وَبِكَ آمنْتُ") أي صدّقت بك، وبكلّ ما أخبرت، وأمرت، ونهيت. زاد في رواية الشيخين: "وإليك أنبت"، أي أطلعت، ورجعت إلى عبادتك، أي أقبلت عليها، وقيل: معناه رجعت إليك. قاله النووي -رحمه اللَّه تعالى-. قال المصنف ﵀ (ثُمَّ) بعد أن ذكر هذه الأشياء (ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً) الظاهر أن المراد بالكلمة الجمل الآتية (مَعْنَاهَا: "وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي بما أعطيتني من البراهين والقوّة، وبما لقّنتني من الحجج خاصمت من عاند فيك، وكفر بك، وقمعتُهُ بالحجة والسيف (وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي رفعت أمري إليك، والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي. وقال النووي ﵀: أي كلُّ من جحد الحقّ حاكمته إليك، وجعلتك الحَكَم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تتحاكم إليه الجاهلية، وغيرهم، من صنم، وكاهن، ونار, وشيطان، وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد غيره انتهى.
وقال في "الفتح": قدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادةً للحصر، وكذا قوله: "ولك الحمد" انتهى.
(اغْفِرْ لِي) وفي رواية الشيخين: "فاغفر لي"، قال ذلك مع كونه مغفورًا له إما على سبيل التواضع، والهضم لنفسه، وإجلالا، وتعظيمًا لربّه، أو على سبيل التعليم لأمته، لتقتدي به فيه، كذا قيل. والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا ذلك. أفاده في "الفتح" (مَا قَدَّمْتُ) أي قبل هذا الوقت (وَمَا أَخَّرْتُ) عنه (وَمَا أَعْلَنْتُ) هكذا نسخ "المجتبى" ليس فيها "وما أسررت"، والذي في "الكبرى":
"وما أسررت، وما أعلنت"، وهو الذي في "الصحيحين" وغيرهما، والظاهر أنه سقط سهوًا من بعض نُسّاخ "المجتبى". واللَّه تعالى أعلم.
والمعنى: اغفر لي ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما تحرّك به لساني، زاد في رواية عند البخاري: "وما أنت أعلم به مني"، وهو من ذكر العام بعد الخاصّ.
(أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قال المهلّب. أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخَّر في البعث في الدنيا. انتهى. وقال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه المنزِّل للأشياء منازلها، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، وُيذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر، إن كلّ متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ، قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخر من
стр. 10039
شاء بقضائه، لشقاوته انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول مما ذكر عياض ﵀ هو الأظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم.
قال الكرماني ﵀: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ "القيّم" إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و"النور" إشارة إلى أن الأعراض أيضا منه، و"الملك" إشارة إلى أنه حاكم عليها إيجادًا وإعدامًا، يفعل ما يشاء، وكلّ ذلك من نعم اللَّه على عباده، فلهذا قَرَن كلاّ منها بالحمد، وخصّص الحمد به. ثم قوله: "أنت الحقّ" إشارة إلى المبدإ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوّة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب الإيمان, والإسلام، والتوكل، والإنابة، والتضرّع إلى اللَّه، والخضوع له انتهى.
(لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) أي لا معبود بحقّ إلا أنت الواحد الأحد الصمد (وَلَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ") قيل معناه. لا حول عن المعصية، ولا قوّة على الطاعة، إلا بتوفيق اللَّه. قاله الفيومي.
[تنبيه]: ظاهر سياق المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن قوله: "ولا حول , ولا قوّة، إلا باللَّه" من رواية سفيان، عن سليمان الأحول، وليس كذلك، فإن البخاري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قال بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان، عن سليمان، عَقِبَ قوله: "لا إله إلا أنت"، أو "لا إله غيرك": ما نصّه: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: "ولا حول، ولا قوة إلا باللَّه" انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ من زعم أنه معلّق، وقد بيّن ذلك الحميديّ في "مسنده" عن سفيان، قال: "حدثنا سليمان الأحول خال ابن أبي نَجِيح، سمعت طاوسًا"، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال سفيان: وزاد عبد الكريم: "ولا حول، ولا قوّة إلا بك". ولم يقلها سليمان. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق إسماعيل القاضي، عن علي بن عبد اللَّه بن المدينيّ، شيخ البخاري فيه، فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم: آخر حديث سليمان "ولا إله غيرك" قال: "ولا حول، ولا قوّة إلا باللَّه"، قال سفيان. وليس هو في حديث سليمان انتهى.
ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لم يذكر إسناده في هذه الزيادة، لكنه على الاحتمال، ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون سليمان حدّث بها، وقد وَهِمَ
стр. 10040
بعض أصحاب سفيان، فأدرجها في حديث سليمان، أخرجه الإسماعيلي، عن الحسن ابن سفيان، عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. قد تبين بهذا أن هذه الزيادة مدرجة في حديث سفيان، عن سليمان، في رواية المصنف، إما منه، أو من شيخه قتيبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق يهذا الحديث:
المسألة الأولى. في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٩/ ١٦١٩ - وفي "الكبرى" ١٧/ ١٣١٩ - بالإسناد المذكور، وفي "عمل اليوم والليلة" ٨٦٨ - عن قتيبة، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير المكيّ، عن طاوس به. وفي "الكبرى" عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة- وعن محمود بن غيلان، وعبد الأعلي بن واصل، كلاهما عن يحيى بن آدم، عن الثوري، عن ابن جريج- كلاهما عن سليمان الأحول به. وعن محمد بن مَعمَر، عن حماد بن مسعدة، عن عمران بن مسلم، عن قيس بن سعد، عن طاوس به (٢) واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٠ و ٨/ ٨٦ و ٩/ ١٤٤ و ٩/ ١٦٢ و ٩/ ١٧٦ (م) ٢/ ١٨٤ (د) ٧٧١ (ت) ٣٤١٨ (ق) ١٣٥٥ (مالك في الموطإ) ١٥٠ (الحميدي) ٤٩٥ (أحمد) ١/ ٢٩٨ و١/ ٣٠٨ و ١٠/ ٣٥٨ و١٠/ ٣٦٦ (عبد بن حميد) ٦٢١ (الدارمي) ١٤٩٤ (البخاري) في "الأدب المفرد" ٦٩٧ وفي "خلق أفعال العباد" ٧٨ (ابن خزيمة) ١١٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل من الأذكار. ومنها: زيادة معرفة النبي ﷺ بعظمة ربّه، وعظيم قدرته، ومواظبته على الذكر، والدعاء، والثناء على ربه، والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده. ومنها. استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب، اقتداءً بالنبي ﷺ . واللَّه
стр. 10041
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا , ونعم الوكيل.
١٦٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) مَخْرَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ كُرَيْبٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ, أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ, وَهِيَ خَالَتُهُ, فَاضْطَجَعَ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ, وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ, فِي طُولِهَا, فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ, أَوْ قَبْلَهُ قَلِيلاً, أَوْ بَعْدَهُ قَلِيلاً, اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَجَلَسَ, يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ, ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ, مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ, ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ, فَتَوَضَّأَ مِنْهَا, فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ, ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ, فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ, ثُمَّ ذَهَبْتُ, فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ, فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى, عَلَى رَأْسِي, وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى, يَفْتِلُهَا, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ أَوْتَرَ, ثُمَّ اضْطَجَعَ, حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١٠] ١٩/ ٢٠
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن المصري ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٤ - (مخرمة بن سليمان) الأسديّ الوالبيّ المدنيّ، ثقة [٥] ٤١/ ٦٨٦.
٥ - (كريب) بن أبي مسلم، مولى ابن عباس، المدني، أبو رِشْدِين، ثقة [٣] ١٦١/ ٢٥٣.
٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - تقدم في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (منها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ كُرَيْبٍ، أَنِّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَباسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَهُ، أنَهُ بَاتَ عِنْدَ ميْمُونَةَ، أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. زاد شريك بن أبي نمر، عن
стр. 10042
كُريب، عند مسلم: "فَرَقَبتُ رسول اللَّه ﷺ ، كيف يصلي؟ "، زاد أبو عوانة في "صحيحه" من هذا الوجه "بالليل"، ولمسلم من طريق عطاء، عن ابن عبّاس، قال: "بعثني العبّاس إلى النبي ﷺ "، زاد النسائي، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن كُريب "في إبل، أعطاه إياها من الصدقة"، ولأبي عوانة من طريق علي بن عبد اللَّه بن عباس, عن أبيه "أن العباس بعثه إلى النبي ﷺ في حاجة، قال: فوجدته جالسًا في المسجد، فلم أستطع أن أكلّمه، فلما
صلّى المغرب، قام، فركع حتى أُذِّنَ بصلاة العشاء" (١) ولابن خزيمة من طريق طلحة بن نافع، عنه: "كان رسول اللَّه ﷺ وَعَدَ العباسَ ذوْدًا من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء، وكان في بيت ميمونة". وهذا يخالف ما قبله، ويُجمع بأنه لَمّا لم يكلّمه في المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة. ولمحمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" من طريق محمد بن الوليد ابن نُويفع، عن كُريب، من الزيادة: "فقال لي: يابُنيّ بِتِ الليلة عندنا", وفي رواية حبيب المذكورة "فقلت: لا أنام حتى أنظر ما يصنع في صلاة الليل"، وفي رواية مسلم، من طريق الضحّاك بن عثمان، عن مخرمة "فقلت لميمونة: إذا قام رسول اللَّه ﷺ ، فأيقظيني"، وكان عزم على السهَرِ، ليَطّلع على الكيفية التي أرادها، ثم خشي أن يغلبه النوم ,فوصّى ميمونة أن توقظه. قاله في "الفتح" (٢).
(فَاضْطَجَعَ) وفي نسخة "فأضطجعت" (فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ) بفتح أوله على المشهور، وبالضمّ أيضًا، وأنكره الباجيّ من جهة النقل، ومن جهة المعنى، قال: لأن العُرْض بالضمّ هو الجانب، وهو لفظ مشترك. قال الحافظ: لكن لَمّا قال: "في طولها" تعيّن المراد، وقد صحّت به الرواية, فلا وجه للإنكار انتهى (٣).
وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا ضبطناه "عَرْض" بفتح العين، وهكذا نقله القاضي عياض، عن رواية الأكثرين، قال: ورواه الداوديّ بالضمّ، وهو الجانب، والصحيح الفتح.
والمراد بالوسادة الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤوس، ونقل القاضي عن الباجيّ، والأصيليّ، وغيرهما أن الوسادة هنا الفراش، لقوله: "اضطجع في طولها"، وهذا ضعيف، أو باطل. انتهى (٤). وقال في "الفتح": قوله: "في عرض وسادة" في
стр. 10043
رواية محمد بن الوليد المذكورة "وسادة من أدم حشوها ليف"، وفي رواية طلحة بن نافع المذكورة "ثم دخل مع امرأته في فراشها"، وزاد "أنها كانت في ليلتئذ حائضًا"، وفي رواية شريك بن أبي نمر، عن كريب في "التفسير" "فتحدّث رسول اللَّه ﷺ مع أهله ساعة" انتهى.
(وَاضْطَجَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ، فِي طُولِهَا) وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مميّزًا، قال القاضي: وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: قال ابن عباس. بتّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضًا، قال: وهذه الكلمة، وإن لم تصحّ طريقًا (١)، فهي حسنة المعنى جدًا، إذ لم يكن ابن عبّاس يطلب المبيت في ليلة للنبي ﷺ فيها حاجة إلى أهله، ولا يُرسله أبوه إلا إذا علم عدم حاجته إلى أهله؛ لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة، مع أنه كان مراقبًا لأفعال النبي ﷺ مع أنه لم يَنَم، أو نام قليلاً جدًا انتهى (٢).
(فَنَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَو قَبْلَهُ قلِيلاً، أَوْ بَعْدَهُ قَلِيلاً) وفي نسخة "أو قبله بقليل، أو بعده بقليل"، وفي رواية للبخاريّ. "حتى إذا انتصف الليل، أو قريبًا منه". قال في "الفتح": جزم شريك بن أبي نمر في روايته المذكورة "بثلث الليل الأخير"، ويُجمع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرّتين، ففي الأولى نظر إلى السماء، ثم تلا الآيات، ثم عاد لمضجعه، فنام، وفي الثانية أعاد ذلك، ثم توضأ وصلّى، وقد بيّن ذلك محمد بن الوليد في روايته المذكورة، وفي رواية الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، عن كُريب في "الصحيحين": "فقام رسول اللَّه ﷺ من الليل، فأتى حاجته، ثم غسل وجهه، ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القِرْبة … " الحديث. وفي رواية سعيد بن مسروق، عن سلمة، عند مسلم. "ثم قام قومة أخرى"، وعنده من رواية شعبة، عن سلمة: "فبال"، بدل "فأتى حاجته". انتهى.
(اسْتَيْقَظَ) وفي نسخة "فاستيقظ" (رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ، فَجَلَسَ، يَفْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بيَدِهِ) أي يمسح بيده عينيه، من باب إطلاق اسم الحالّ على المحلّ، أو أثرَ النوم، من بَاب إطلاق السبب على المسبب. (ثُمّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ، من سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) التي أولها: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى آخر السورة.
стр. 10044
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز القراءة للمحدث، وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب، والحائض (١)، وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم، وفيه جواز قول "سورة آل عمران"، و"سورة البقرة"، و"سورة النساء"، ونحوها، وكرهه بعض المتقدّمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يُذكر فيها آل عمران، والتي يُذكر فيها البقرة، والصواب الأول، وبه قال عامّة العلماء، من السلف والخلف، وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس في ذلك انتهى.
وقال في "الفتح": قال ابن بطال ومن تبعه: فيه دليل على ردّ من كره قراءة القرآن
على غير طهارة، لأنه ﷺ قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ. وتعقّبه ابن المنيّر وغيره بأن ذلك مفَرّعٌ على أن النوم في حقّه ينقض، وليس كذلك, لأنه قال: "تنام عيناي، ولا ينام قلبي"، وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جدّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك، فتوضأ.
قال الحافظ. وهو تعقيب جيّد بالنسبة إلى قول ابن بطال. بعد قيامه من النوم, لأنه لم يتعيّن كونه أحدث في النوم، لكن لما عَقّب ذلك بالوضوء كان طاهرًا في كونه أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث، وهو نائم، نعم خصوصيته أنه إن وقع شَعَرَ به، بخلاف غيره، وما ادعوه من التجديد، وغيره الأصل عدمه انتهى (٢).
(ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلقَةٍ) زاد محمد بن الوليد: "ثم استفرغ من الشّنّ في إناء، ثم توضأ". والشَّنّ بالفتح. الِجْلد البالي، وجمعه شِنَان، مثل سَهْم وسِهَام. قاله في "المصباح". وقال النوويّ: إنما أنثها على إرادة القِرْبة، وفي رواية لمسلم "إلى شنّ معلّق" على إرادة السِّقَاء والوعاء". قال أهل اللغة. الشَّنُّ: القربة الخَلَق، وجمعه شِنَان انتهى (٣).
(فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأحْسَنَ وُضُوءَهُ) في رواية محمد بن الوليد، وطلحة بن نافع جميعًا: "فأسبغ الوضوء"، وفي رواية عمرو بن دينار، عن كريب: "فتوضأ وضوءًا خفيفًا"، وُيجمع بين هاتين الروايتين برواية الثوري، فإن لفظه: "فتوضأ وضوءًا بين وضوءين، لم يُكثر، وقد أبلغ"، ولمسلم من طريق عياض، عن مخرمة: "فأسبغ الوضوء، ولم يمسّ من الماء إلا قليلاً"، وزاد "فتسوّك"، وكذا لشريك عن كريب "فاستنّ". قاله في "الفتح".
стр. 10045
(ثُم قَامَ يُصَلِّي) في رواية محمد بن الوليد "ثم أخذ بُرْدًا له حضرمياً، فتوشّحه، ثم دخل البيت، فقام يصلي". (قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْت، فَصَنعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) ظاهره يقتضي أنه صنع جميع ما ذكره من القول، والنظر، والوضوء، والسواك، والتوشّح، ويَحتمل أن يُحمَل على الأغلب، وزاد سلمة، عن كريب عند البخاري في "الدعوات" في أوله: "فقمت، فتمطّيتُ، كراهية أن يرى أني كنت أرقُبُه"، وكأنه خشي أن يَترك بعض عمله لما جرى من عادته ﷺ أنه كان يترك بعض العمل خشية أن يُفرض على أمته (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) أي عن شماله، ففي الرواية المتقدمة ٢٢/ ٨٠٦ - من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: "فقمت عن شماله، فقال بي هكذا، فأخذ برأسي، فأقامني عن يمينه" (فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَدَهُ الْيُمْنَى، عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ) وفي نسخة "فأخذ (بِأُذُنِي الْيُمْنَى، يَفْتِلُهَا) وفي نسخة "ففتلها". قال النووي: قيل: إنما فَتَلَها تنبيها له من النُّعاس، وقيل: ليتنبه لهيئة الصلاة، وموقفِ المأموم، وغير ذلك، والأول أظهر، لقوله في الرواية الأخرى: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني" انتهى.
وقال في "الفتح". قوله: "وأخذ بأذني" زاد محمد بن الوليد في روايته "فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنّسني بيده في ظلمة الليل" وفي رواية الضحاك بن عثمان "فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني". وفي هذا ردّ على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين، متمسكًا برواية سلمة بن كهيل، حيث قال: "فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه"، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكره من تأنيسه، وإيقاظه, لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغره انتهى. (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكْعَتيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ) كذا في هذه الرواية, وظاهره أنه فصل بين كلّ ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع، حيث قال: "يسلّم من كلّ ركعتين"، ولمسلم من رواية علي بن عبد اللَّه بن عباس التصريح بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كلّ ركعتين إلى غير ذلك.
ثم إن رواية الباب فيها التصريح بذكر الركعتين ست مرّات، ثم قال: "ثم أوتر"، ومقتضاه أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، وصرّح بذلك في رواية سلمة عند البخاريّ، حيث قال: "فتتامّت"، ولمسلم "فتكاملت صلاته ثلاث عشرة ركعة". وفي رواية عبد ربه بن سعيد عند البخاري أيضًا عن كريب، "فصلى ثلاث عشرة ركعة"، وفي رواية محمد بن الوليد المذكورة مثله، وزاد "وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح"، وهي موافقة لرواية الباب لأنه قال بعد قوله: "ثم أوتر": "فقام، فصلى ركعتين". فاتفق
стр. 10046
هؤلاء على الثلاث عشرة، وصرح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها, لكن رواية شريك بن أبي نمر عند البخاري في "التفسير" عن كريب تخالف ذلك، ولفظه "فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج".
فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عُرف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها، وروايتهم مقدّمة على روايته لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه. وقد حمل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعده، ولا سيّما في رواية مخرمة في حديث الباب، إلا إن حُمل على أنه أخّر سنة العشاء حتى يستيقظ، لكن يعكر عليه رواية المنهال الآتية.
وقد اختلف على سعيد بن جبير أيضًا، ففي رواية شعبة، عن الحكم، عنه "فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلى خمس ركعات"، وقد حمل محمد بن نصر هذه الأربع على أنها سنة العشاء، لكونها وقعت قبل النوم , لكن يعكر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد اللَّه بن عباس، فإن فيه "فصلى العشاء، ثم صلى أربع ركعات بعدها، حتى لم يبق في المسجد غيره (١)، ثم انصرف" فإنه يقتضي أن يكون صلى الأربع في المسجد، لا في البيت، ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظر، وقد رواها أبو داود من وجه آخر عن الحكم، وفيه "فصلى سبعا، أو خمسًا، أوتر بهنّ، لم يسلّم إلا في آخرهنّ".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضح أن رواية الحكم وقع فيها تقصير، فعند النسائيّ من طريق يحيى بن عباد، عن سعيد بن جبير "فصلى ركعتين، ركعتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهنّ".
فبهذا يُجمع بين رواية سعيد ورواية كريب.
وأما ما وقع في رواية عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عند أبي داود "فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر"، فهو نظير ما تقدّم من الاختلاف في رواية كريب.
وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل، ورواية كريب محتملة، فتحمل على رواية سعيد.
وأما قوله في رواية طلحة بن نافع "يُسلّم من كلّ ركعتين"، فيحتمل تخصيصه
стр. 10047
بالثمان، فيوافق رواية سعيد، ويؤيده رواية يحيى بن الجزّار الآتية.
ولم أر في شيء من طرق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك، لأن أكثر الرواة عنه لم يذكروا عددًا، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلا أن في رواية علي بن عبد اللَّه بن عباس عند مسلم (١) ما يُخالفهم، فإن فيه "فصلى ركعتين، أطال فيهما، ثم انصرف، فنام، حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرّات، بستّ ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات -يعني آخر آل عمران- ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة".
فزاد على الرواة تكرار الوضوء، وما معه، ونقص عنهم ركعتين، أو أربعا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا، وأظن ذلك من الراوي عنه، حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالاً، وقد اختُلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافا، تقدّم ذكر بعضه، ويحتمل أن يكون لم يذكر الأربع الأُوَل كما لم يذكر الْحَكَم الثمانَ كما تقدم، وأما سنة الفجر، فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى عن علي بن عبد اللَّه، عند أبي داود.
والحاصل أن مبيت ابن عباس يغلب على الظنّ عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها, ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر، والأحفظ أولى مما خالفهم فيه مَن دونهم، ولا سيما إن زاد، أو نقص.
والمُحَقَّقُ من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ثلاث عشرة، فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء، ويوافق ذلك رواية أبي جمرة، عن ابن عباس بلفظ "كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة" يعني بالليل، ولم يبين هل سنة الفجر منها، أو لا، وبينها يحيى بن الجزّار، عن ابن عباس عند النسائيّ بلفظ "كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح"، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يحمل قوله: "صلى ركعتين، ثم ركعتين" أي قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: "ثم ركعتين الخ" أي بعد أن قام، وسيأتي نحو هذا الجمع في حديث عائشة ﵂.
وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملاً. واللَّه أعلم (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأقرب في وجه الجمع هو الجمع الذي جمع
стр. 10048
به الكرماني -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم.
(ثُم اضْطَجَعَ) سيأتي بيان الاختلاف في هذا الاضطجاع، هل كان قبل ركعتي الفجر، أو بعدهما في [٥٨/ ١٧٦٢] إن شاء اللَّه تعالى (حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) هو بلال ﵁ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنة الصبح، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام على مسائله في "باب الدعاء في السجود" - ١٥٣/ ١١٢١ - فراجعه تستفد، ولنذكر هنا فوائده التي لم يتقدم ذكرها (١):
فمنها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل، ووجه ذلك أنه ﷺ قرأ خواتيم آل عمران قبل الدخول في صلاة الليل، وهذا، وإن كان خارجها غير أنه لقربه يعدّ مما استُفتحت به، فيكون قوله: "باب ذكر ما يُستفتح به القيام" أعمّ من كونه داخل الصلاة، أو خارجها، واللَّه تعالى أعلم.
ومنها: جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوّع، ويحتمل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحلّ له أخذ ذلك. ومنها: جواز تقاضي الوعد، وإن كان مَن وَعد به مقطوعا بوفائه. ومنها: الملاطفة بالصغير, والقريب، والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والردّ على من يؤثر دوام الانقباض.
ومنها: مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها. ومنها: جواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير, وإن كان مميّزًا، بل مراهقًا.
ومنها: صحة صلاة الصبيّ، وجواز فتل أذنه لتأنيسه وإيقاظه، وقد قيل: إن المتعلّم إذا تعوهد بقتل أذنه كان أذكى لفهمه. ومنها: حمل أفعاله ﷺ على الاقتداء به. ومنها: مشروعية التنفل بين المغرب والعشاء. ومنها: جواز التنفل في المسجد، وهذا مما يصرف الأمر في قوله: "أيها الناس صلوا في بيوتكم … " الحديث عن الوجوب إلى الاستحباب، كما هو رأي الجمهور. ومنها: فضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني، ومنها: البداءة بالسواك، واستحبابه عند كل وضوء، وعند كل صلاة. ومنها: استحباب تلاوة آواخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل. ومنها: استحباب غسل الوجه، واليدين لمن أراد النوم، وهو مُحدِث، لقوله: "فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام". ومنها: جواز الاغتراف من الماء القليل, لأن الإناء المذكور كان
стр. 10049
قصعة، أو صحفة. ومنها: استحباب التقليل من الماء في التطهير، مع حصول الإسباغ. ومنها: بيان فضل ابن عباس، وقوّة فهمه، وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأدبه في ذلك. ومنها: اتخاذ مؤذن راتب للمسجد، ومنها: إعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها. ومنها: جواز الاستعانة باليد في الصلاة، وتكرار ذلك. ومنها: مشروعية الجماعة في النافلة.
ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة. ومنها: بيان موقف الإمام والمأموم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه , عليه توكلت، وإليه أنيب"
…
١٠ - بَابُ مَا يَفعَلُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ السِّوَاكِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -، قوله: "يفعل" -بفتح ياء، مبنيّا للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى القائم المفهوم من "قام"، وعائد الموصول محذوف، أي ما يفعله القائم، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والضمير النائب عن الفاعل يعود إلى الموصول، أي الشيء الذي يفعله الشخص إذا قام من الليل، و"مِن" في قوله: "من الليل" بمعني "في"، أو هي للتبعيض، وقوله: "من السواك" بيان لـ "ما يفعل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٢١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مَنْصُورٍ, وَالأَعْمَشِ, وَحُصَيْنٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ حُذَيْفَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد مضى في ٢/ ٢ "باب السواك إذا قام من الليل"، وتقدم الكلام عليه هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"عمرو بن علي" هو الفلاّس. و"عبد الرحمن" هو ابن مهديّ. و"سفيان" هو الثوري. و"حُصين" هو ابن عبد الرحمن الكوفي. و"أبو وائل" هو شقيق بن سلمة.
стр. 10050
والثلاثة الأولون بصريون والباقون كوفيون.
وقوله: "يَشُوص فاه" أي يدلك أسنانه، ويُنَقِّيها، وقيل: هو أن يستاك من سُفل إلى عُلو، وأصل الشوص الغَسْل. وتقدم تمام الكلام فيه في الباب المذكور .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
١٦٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ حُصَيْنٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ, يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث حذيفة ﵁ المذكور قبله، وفيه تصريح حصين بالسماع من أبي وائل.
و"خالد" هو بن الحارث، أبو عثمان الْهُجَيمي البصري المثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه, عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١ - ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي حَصِينٍ، عُثمَانَ بنِ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف فيه أن أبا سِنَان رواه عن أبي حَصين، عن شقيق، وهو أبو وائل، عن حُذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وخالفه إسرائيل، فرواه، عن أبي حَصين، عن شقيق قولَه، ولم يذكر فيه حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -.
والذي يظهر لي أن كلا الطريقين لا يَصِحّان, لأن الحفاظ من أصحاب أبي وائل رووه عن حذيفة ﵁، من فعل النبي ﷺ ، لا من قوله، فقدرواه منصور، والأعمش، وحُصين بن عبد الرحمن، عندهم عن أبي وائل، عن حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك". وقد تقدم تخريج الطرُق كلها في الباب الثاني من "أبواب الطهارة" واللَّه تعالى أعلم بالصواب.