← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

هؤلاء على الثلاث عشرة، وصرح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها, لكن رواية شريك بن أبي نمر عند البخاري في "التفسير" عن كريب تخالف ذلك، ولفظه "فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج". فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عُرف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها، وروايتهم مقدّمة على روايته لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه. وقد حمل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعده، ولا سيّما في رواية مخرمة في حديث الباب، إلا إن حُمل على أنه أخّر سنة العشاء حتى يستيقظ، لكن يعكر عليه رواية المنهال الآتية. وقد اختلف على سعيد بن جبير أيضًا، ففي رواية شعبة، عن الحكم، عنه "فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلى خمس ركعات"، وقد حمل محمد بن نصر هذه الأربع على أنها سنة العشاء، لكونها وقعت قبل النوم , لكن يعكر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد اللَّه بن عباس، فإن فيه "فصلى العشاء، ثم صلى أربع ركعات بعدها، حتى لم يبق في المسجد غيره (١)، ثم انصرف" فإنه يقتضي أن يكون صلى الأربع في المسجد، لا في البيت، ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظر، وقد رواها أبو داود من وجه آخر عن الحكم، وفيه "فصلى سبعا، أو خمسًا، أوتر بهنّ، لم يسلّم إلا في آخرهنّ". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضح أن رواية الحكم وقع فيها تقصير، فعند النسائيّ من طريق يحيى بن عباد، عن سعيد بن جبير "فصلى ركعتين، ركعتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهنّ". فبهذا يُجمع بين رواية سعيد ورواية كريب. وأما ما وقع في رواية عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عند أبي داود "فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر"، فهو نظير ما تقدّم من الاختلاف في رواية كريب. وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل، ورواية كريب محتملة، فتحمل على رواية سعيد. وأما قوله في رواية طلحة بن نافع "يُسلّم من كلّ ركعتين"، فيحتمل تخصيصه

стр. 10047

بالثمان، فيوافق رواية سعيد، ويؤيده رواية يحيى بن الجزّار الآتية. ولم أر في شيء من طرق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك، لأن أكثر الرواة عنه لم يذكروا عددًا، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلا أن في رواية علي بن عبد اللَّه بن عباس عند مسلم (١) ما يُخالفهم، فإن فيه "فصلى ركعتين، أطال فيهما، ثم انصرف، فنام، حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرّات، بستّ ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات -يعني آخر آل عمران- ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة". فزاد على الرواة تكرار الوضوء، وما معه، ونقص عنهم ركعتين، أو أربعا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا، وأظن ذلك من الراوي عنه، حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالاً، وقد اختُلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافا، تقدّم ذكر بعضه، ويحتمل أن يكون لم يذكر الأربع الأُوَل كما لم يذكر الْحَكَم الثمانَ كما تقدم، وأما سنة الفجر، فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى عن علي بن عبد اللَّه، عند أبي داود. والحاصل أن مبيت ابن عباس يغلب على الظنّ عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها, ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر، والأحفظ أولى مما خالفهم فيه مَن دونهم، ولا سيما إن زاد، أو نقص. والمُحَقَّقُ من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ثلاث عشرة، فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء، ويوافق ذلك رواية أبي جمرة، عن ابن عباس بلفظ "كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة" يعني بالليل، ولم يبين هل سنة الفجر منها، أو لا، وبينها يحيى بن الجزّار، عن ابن عباس عند النسائيّ بلفظ "كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح"، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يحمل قوله: "صلى ركعتين، ثم ركعتين" أي قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: "ثم ركعتين الخ" أي بعد أن قام، وسيأتي نحو هذا الجمع في حديث عائشة ﵂. وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملاً. واللَّه أعلم (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأقرب في وجه الجمع هو الجمع الذي جمع

стр. 10048

به الكرماني -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم. (ثُم اضْطَجَعَ) سيأتي بيان الاختلاف في هذا الاضطجاع، هل كان قبل ركعتي الفجر، أو بعدهما في [٥٨/ ١٧٦٢] إن شاء اللَّه تعالى (حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) هو بلال ﵁ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنة الصبح، واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام على مسائله في "باب الدعاء في السجود" - ١٥٣/ ١١٢١ - فراجعه تستفد، ولنذكر هنا فوائده التي لم يتقدم ذكرها (١): فمنها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل، ووجه ذلك أنه ﷺ قرأ خواتيم آل عمران قبل الدخول في صلاة الليل، وهذا، وإن كان خارجها غير أنه لقربه يعدّ مما استُفتحت به، فيكون قوله: "باب ذكر ما يُستفتح به القيام" أعمّ من كونه داخل الصلاة، أو خارجها، واللَّه تعالى أعلم. ومنها: جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوّع، ويحتمل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحلّ له أخذ ذلك. ومنها: جواز تقاضي الوعد، وإن كان مَن وَعد به مقطوعا بوفائه. ومنها: الملاطفة بالصغير, والقريب، والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والردّ على من يؤثر دوام الانقباض. ومنها: مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها. ومنها: جواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير, وإن كان مميّزًا، بل مراهقًا. ومنها: صحة صلاة الصبيّ، وجواز فتل أذنه لتأنيسه وإيقاظه، وقد قيل: إن المتعلّم إذا تعوهد بقتل أذنه كان أذكى لفهمه. ومنها: حمل أفعاله ﷺ على الاقتداء به. ومنها: مشروعية التنفل بين المغرب والعشاء. ومنها: جواز التنفل في المسجد، وهذا مما يصرف الأمر في قوله: "أيها الناس صلوا في بيوتكم … " الحديث عن الوجوب إلى الاستحباب، كما هو رأي الجمهور. ومنها: فضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني، ومنها: البداءة بالسواك، واستحبابه عند كل وضوء، وعند كل صلاة. ومنها: استحباب تلاوة آواخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل. ومنها: استحباب غسل الوجه، واليدين لمن أراد النوم، وهو مُحدِث، لقوله: "فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام". ومنها: جواز الاغتراف من الماء القليل, لأن الإناء المذكور كان

стр. 10049

قصعة، أو صحفة. ومنها: استحباب التقليل من الماء في التطهير، مع حصول الإسباغ. ومنها: بيان فضل ابن عباس، وقوّة فهمه، وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأدبه في ذلك. ومنها: اتخاذ مؤذن راتب للمسجد، ومنها: إعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها. ومنها: جواز الاستعانة باليد في الصلاة، وتكرار ذلك. ومنها: مشروعية الجماعة في النافلة. ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة. ومنها: بيان موقف الإمام والمأموم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه , عليه توكلت، وإليه أنيب" … ١٠ - بَابُ مَا يَفعَلُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ السِّوَاكِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -، قوله: "يفعل" -بفتح ياء، مبنيّا للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى القائم المفهوم من "قام"، وعائد الموصول محذوف، أي ما يفعله القائم، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والضمير النائب عن الفاعل يعود إلى الموصول، أي الشيء الذي يفعله الشخص إذا قام من الليل، و"مِن" في قوله: "من الليل" بمعني "في"، أو هي للتبعيض، وقوله: "من السواك" بيان لـ "ما يفعل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٦٢١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مَنْصُورٍ, وَالأَعْمَشِ, وَحُصَيْنٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ حُذَيْفَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد مضى في ٢/ ٢ "باب السواك إذا قام من الليل"، وتقدم الكلام عليه هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و"عمرو بن علي" هو الفلاّس. و"عبد الرحمن" هو ابن مهديّ. و"سفيان" هو الثوري. و"حُصين" هو ابن عبد الرحمن الكوفي. و"أبو وائل" هو شقيق بن سلمة.

стр. 10050

والثلاثة الأولون بصريون والباقون كوفيون. وقوله: "يَشُوص فاه" أي يدلك أسنانه، ويُنَقِّيها، وقيل: هو أن يستاك من سُفل إلى عُلو، وأصل الشوص الغَسْل. وتقدم تمام الكلام فيه في الباب المذكور .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ١٦٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ حُصَيْنٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ, يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث حذيفة ﵁ المذكور قبله، وفيه تصريح حصين بالسماع من أبي وائل. و"خالد" هو بن الحارث، أبو عثمان الْهُجَيمي البصري المثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه, عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي حَصِينٍ، عُثمَانَ بنِ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف فيه أن أبا سِنَان رواه عن أبي حَصين، عن شقيق، وهو أبو وائل، عن حُذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وخالفه إسرائيل، فرواه، عن أبي حَصين، عن شقيق قولَه، ولم يذكر فيه حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -. والذي يظهر لي أن كلا الطريقين لا يَصِحّان, لأن الحفاظ من أصحاب أبي وائل رووه عن حذيفة ﵁، من فعل النبي ﷺ ، لا من قوله، فقدرواه منصور، والأعمش، وحُصين بن عبد الرحمن، عندهم عن أبي وائل، عن حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك". وقد تقدم تخريج الطرُق كلها في الباب الثاني من "أبواب الطهارة" واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 10051

١٦٣٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ, عَنْ أَبِي سِنَانٍ, عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالسِّوَاكِ, إِذَا قُمْنَا مِنَ اللَّيْلِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (إسحاق بن سليمان) الرازيّ، كوفي الأصل، أبو يحيى العبديّ، ثقة فاضل [٩]. روى عن مالك، وابن أبي ذئب، وأفلح بن حُميد، وأبي سِنَان، وغيرهم. وعنه قتيبة، وعمرو الناقد، وعبيد اللَّه بن سعيد، وغيرهم. قال أبو أسامة: كنا نَستسقي به، وأثنى عليه أحمد. وقال أبو مسعود: يقال: كان من الأبدال. وقال محمد بن سعيد الأصبهاني. حدثنا إسحاق بن سليمان، وكان ثقة، وقال أبو الأزهر: كان من خيار المسلمين. وقال العجليّ: ثقة صالح. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس له. وقال النسائي: ثقة. وقال محمد بن سعد. كان ثقة، له فضل في نفسه، ووَرعٌ، مات بالرَّيّ سنة (١٩٩). وقال أبو الحسين بن قانع: مات سنة (٢٠٠)، وقال ابن قانع: صالح. ووثقه ابن نمير، والحاكم، والخليلي في "الإرشاد"، وقال ابن وَضّاح الأندلسيّ: ثقة ثبت في الحديث، متعبّد كبير. وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من "الثقات"، وأرّخه سنة (٢٠٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و (١٧٩٤) حديث: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة … " الحديث، وأعاده بعده (١٧٩٥)، و (٤٠٥٧) حديث: "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث … " الحديث. ٣ - (أبو سنان) الشيبانيّ الأصغر، سعيد بن سِنَان البُرْجمُيّ- بضم الموحّدة، والجيم، بينهما راء ساكنة- الكوفيّ نزيل الرّيّ، صدوق له أوهام [٦]. رَوَى عن طاوس، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرّة، وأبي حَصين، وغيرهم. وعنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيع، وإسحاق بن سليمان، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: كان رجلاً صالحًا، ولم يكن يُقيم الحديث. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس بالقويّ في الحديث. وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ جائز الحديث. وقال ابن سعد: كان من أهل الكوفة، ولكنه سكن الريّ، وكان سيّء الخلُق. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة من رُفَعَاء الناس. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا فاضلاً. ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، وأرجو أنه ممن لا يتعمّد الكذب، ولعله إنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء.

стр. 10052

وقال الدارقطنيّ: سعيد بن سنان اثنان: أبو مهديّ حمصيّ يَضَع الحديث، وأبو سنان كوفيّ سكن الريّ من الثقات. روى له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: أبو سنان هذا هو الشيبانيّ الأصغر، كما مرّ آنفًا, ولهم أبو سنان الشيبانيّ الأكبر، واسمه ضِرَار بن مرّة الكوفيّ، ثقة ثبت، من السادسة، وسيأتي في ١٠٠/ ٢٠٣٢، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٠٣٢ وأعاده برقم ٥٦٥٢ وحديث ٢٢١٣ وحديث ٥٤٤٢. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (أبو حَصين) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ، وربما دلّس [٤] ١٠٢/ ١٥٢. والباقيان تقدما في الباب الماضي، والحديث تقدّم أن الصحيح كونه من فعل النبيّ ﷺ ، لا من قوله، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٢٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ أَبِي حَصِينٍ, عَنْ شَقِيقٍ, قَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ, إِذَا قُمْنَا مِنَ اللَّيْلِ, أَنْ نَشُوصَ أَفْوَاهَنَا بِالسِّوَاكِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاوي، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. ٢ - (عُبيد اللَّه) بن موسى بن باذام العَبْسيّ الكوفي، ثقة، يتشيّع [٩] ٧٢/ ١٣٢٦. ٣ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفي، ثقة [٧] ٧٥/ ١٠٠٦. والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا الكلام على الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10053

١٢ - بَابٌ بِأَيِّ شَيْءٍ تُسْتَفْتَحُ صَلَاةُ اللَّيْلِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه لا حاجة لهذه الترجمة، لأنها تقدّمت قبل بابين، بلفظ: "باب ذكر ما يُستفتح به القيام"، فكان الأولى للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن يذكر حديثي الباب هناك، فإنهما من جملة أحاديثه، اللَّهم إلا إذا أراد أن الباب السابق معقود لما يقال قبل الدخول في الصلاة, وهذا الباب معقود لما يقال بعد الدخول فيها، لكن هذا يَرُدُّه الحديث الثاني، فإنه لما يقال قبل الدخول، بلا شكّ، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٦٢٥ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ, بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ , يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ, افْتَتَحَ صَلَاتَهُ, قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ, وَمِيكَائِيلَ, وَإِسْرَافِيلَ, فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ, أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ, اللَّهُمَّ اهْدِنِي, لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ, مِنَ الْحَقِّ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ, إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (العباس بن عبد العظيم) العَنْبَريّ البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩. ٢ - (عُمر بن يونس) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ الجُرَشيّ، ثقة [٩]. روى عن أبيه، وعكرمة بن عمّار، وأيوب بن عُتبة، وغيرهم. وعنه ابن ابنه أحمد بن محمد بن عمر، وبُندار، والعباس بن عبد العظيم، وغيرهم. قال أحمد: ثقة، ولم أسمع منه. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال إسماعيل القاضي: حدثنا علي، هو ابن المدينيّ، حدثنا عُمر بن يونس اليماميّ، وكان ثقة ثبتًا. ووثقه البزّار. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُتّقى حديثه من رواية ابن ابنه عنه, لأنه كان يقلب الأخبار. يقال: مات سنة (٢٠٦). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٤١٨٣). ٣ - (عكرمة بن عمّار) اليماميّ البصريّ الأصلِ، صدوق يَغلَط [٥] ٥٧/ ١٢٩٩. والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10054

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل باليماميين إلى يحيى، غير شيخه، فبصري، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (بأيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ؟) أي صلاة الليل (قَالَتْ: كَانَ) ﷺ (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ) وفي رواية لأبي داود: "كان إذا قام كبرّ، ويقول"، وفيه أنه كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام. ولا منافاة بين هذا الحديث والأحاديث المتقدّمة, لأنه يحمل على أنه ﷺ كان يفتتح تارة بهذا، وتارة بهذا. (قَالَ:) جملةٌ في محل نصب على الحال، أي قائلاً ("اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) أي مُبدعهما. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قال العلماء: خصّهم بالذكر، وإن كان اللَّه تعالى ربّ كلّ المخلوقات، كما تقرّر (١) في القرآن والسنّة من نظائره، من الإضافة إلى كلّ عظيم المرتبة، وكبير الشأن، دون ما يُستَحقر، ويستصغر، فيقال له : رب السموات والأرض، رب العرش الكريم، ورب الملائكة والروح، رب المشرقين، ورب المغربين، رب الناس، مالك الناس، إله الناس، رب العالمين، ربّ كل شيء، رب النبيين، خالق السموات والأرض، فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً، فكلّ ذلك وشبهه وصف له سبحانه بدلائل العظمة، وعظيم القدرة، والملك، ولم يُستعمل ذلك فيما يُحتقر، ويُستصغر، فلا يقال: ربّ الحشرات، وخالق القِرَدَة، والخنازير، وشبه ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كلّ شيء، وحينئذ تدخل هذه في العموم. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٢). قيل: إنما خصّ الثلاثة المذكورين من الملائكة بالذكر، تشريفا لهم، وتعظيما، إذ

стр. 10055

بهم تنتظم أمور العباد، لأن جبريل كان موكّلا بالوحي، وإنزال الكتب السماوية على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل موكّل بجميع القطر، والنبات، وأرزاق بني آدم وغيرهم. وإسرافيل موكّل باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفخ في الصور (١). (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي ما غاب عن العباد، وما شاهدوه، وظهر لهم (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك، فِيَمَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي في الدنيا من أمر دينهم، فتعذّب العاصي، إن شئت، وتثيب الطائعين (اللَّهُمَّ اهْدِني) معناه ثبّتني عليه، أو زدني هداية، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْحَقِّ) بيان لـ"ما" ﴿إِنكَ تهدِي مَن تشَاءُ, إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"﴾ أي طريق الحقّ، وهو دين الإسلام، وسمي صراطًا لأنه موصل للمقصود، كما أن الطريق الحسيّ كذلك. والجملة تعليل لطلب الهداية منه، أي لأنك تهدي من تشاء الخ .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له. أخرجه هنا- ١٢/ ١٦٢٥ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ١٣٢٢ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٢/ ١٨٥ (د) ٧٦٧ (ت) ٣٤٢٠ (ق) ١٣٥٧. (أحمد) ٦/ ١٥٦ (ابن خزيمة) ١١٥٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تُفتتح به صلاة الليل من الأذكار. ومنها: بيان أنه ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء، ونحوه في صلاة الليل، تواضعًا، وإشفاقًا, وليُقتَدَى به في الدعاء، والخضوع، وحسن التضرّع. ومنها: بيان شرف هؤلاء الملائكة، وأنهم أفضل من سائر الملائكة. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يطلب من اللَّه تعالى الهداية إلى طريق الحقّ, لأنه تعالى هو الهادي إلي ذلك. ومنها: أن الهداية بيد اللَّه تعالى، لا أحد يَقدِر عليها، غيره سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

стр. 10056

وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٢٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, أَنَّ رَجُلاً, مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: قُلْتُ -وَأَنَا فِي سَفَرٍ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهِ, لأَرْقُبَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةٍ, حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ فَلَمَّا صَلَّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ, وَهِيَ الْعَتَمَةُ, اضْطَجَعَ هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ, ثُمَّ اسْتَيْقَظَ, فَنَظَرَ فِي الأُفُقِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. ثُمَّ أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلَى فِرَاشِهِ, فَاسْتَلَّ مِنْهُ سِوَاكًا, ثُمَّ أَفْرَغَ فِي قَدَحٍ, مِنْ إِدَاوَةٍ عِنْدَهُ مَاءً, فَاسْتَنَّ, ثُمَّ قَامَ, فَصَلَّى, حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدْرَ مَا نَامَ, ثُمَّ اضْطَجَعَ, حَتَّى قُلْتُ: قَدْ نَامَ قَدْرَ مَا صَلَّى, ثُمَّ اسْتَيْقَظَ, فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ, وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ, فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، تقدم قبل بابين. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الحافظ الثبت [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس بن يزيد) الأيلي، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام المدني الشهير المثبت الحجة [٤] ١/ ١. ٥ - (حُميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدنيّ، ثقة [٣] ٣٢/ ٧٢٥, والصحابيّ مبهم، ولا يضرّ ذلك. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثّنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ رَجُلاً، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) لم يُعرف اسمه، ولكن لا يضرّ ذلك في صحة الحديث, لأن الصحابَة كلهم عدول بإجماع من يُعتدّ بإجماعه (قَالَ: قُلْتُ -وَأَنا فِي سَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الظرف متعلق بحال محذوف، أي حال كوني كائنًا مع رسول اللَّه- ﷺ (وَاللَّهِ لَأرْقُبَنَّ) من باب قتل، يقال: رَقَبتُه أرقُبُهُ:

стр. 10057

حَفِظته، فأنا رَقيب، ورَقَبتهُ، وترقّبته، وارتقبته، والرِّقْبة بالكسر اسم منه: انتظرته، قاله في "المصباح"، فيحتمل أن يكون المعنى هنا: لأحفظنّ ما يفعله رسول اللَّه ﷺ في صلاته، ويحتمل أن يكون: لأنتظرنّه حتى يفرغ من صلاته، لأحفظ كيفيتها (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بالنصب على المفعولية (لِصَلَاةٍ) متعلّق بـ "أرقُبنّ" واللام بمعنى "في"، أو هي للتعليل، أي لأجل صلاة (حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ) أي ما يفعله في صلاته (فَلَمَا صَلَّى صَلَاةَ العِشَاءِ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ) تقدم أن العتمة اسم للعشاء الأخيرة، فذكره بعد لفظ العشاء، لئلا يُتوهّم أن المراد به المغرب، حيث إنها يطلق عليها العشاء أيضًا، وقد ورد النهي عن التسمية بـ "العتمة"، وورد أيضًا جواز تسميتها به، وقد تقدم الجمع بينهما بأن النهي محمول على الإكثار من التسمية، لا على أصل التسيمية، فراجع ما تقدّم في أبواب الأوقات- ٢٢/ ٥٤٠ و ٢٣/ ٥٤١ أو ٥٤٢ - تستفد (اضْطَجَعَ هَوِيًّا) بفتح الهاء، وكسر الواو، وتشديد الياء: أي حينًا طويلاً (مِنَ اللَّيْلِ) بيان للَّهَوِيّ (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فنظَرَ فِي الْأُفُقِ) بضمتين: الناحيةُ من الأرض، ومن السماء، والجمع آفاق، والنسبة إليه أُفُقيّ ردّا إلى الواحد، كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة": وَالوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبَا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ وربّما قيل: أَفَقِيٌّ بفتحتين، تخفيفًا، على غير قياس، حكاهما ابن السكّيت (١). (فقَالَ) أي قرأ رسول اللَّه ﷺ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ولعله ما ختم الآيات إلى آخر السورة في تلك الليلة، كما تقدّم في حديث ابن عباس ﵄، حيث قرأ الآيات حتى ختم السورة، أو ختمها , لكن الذي سمع منه ذلك الصحابيّ هذا القدر فقط، واللَّه تعالى أعلم. (ثم أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِلَى فِرَاشِهِ) أي مَدّ يده إليه، يقال: أهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه، إذا كان عن قُرْب، فإن كان عن بُعْد قيل: هَوَى إليه بغير ألف. قاله في "المصباح"، وقد تقدم نحو هذا (فَاسْتَلَّ مِنْهُ سِوَاكًا) أي أخرجه منه في رفق، قال المجد اللغوي ﵀: السَّلُّ بالفتح: انتزاعك الشيء، وإخراجه في رفق، كالاستلال انتهى (ثُمَّ أَفْرَغَ فِي قَدَحٍ) بفتحتين: إناء يُرْوِي الرجلين، جمعه أقداح (مِنْ إِدَاوَةٍ) بالكسر: المِطْهرة، جمعها الأدَوَى بفتح الواو (عِنْدَهُ) ظرف متعلق بصفة لـ"إداوة" (مَاء) مفعول "أفرغ"، والمعنى أنه ﷺ صبّ ماء من إداوة

стр. 10058

كائنة عنده في قَدَح (فَاسْتَنَّ) بتشديد النون: أي استعمل السواك في الأسنان، والظاهر أنه لم يتوضأ، لأن نومه لا ينقض وضوءه، بل استاك، فقام إلى الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك الاستنان عند الوضوء، فيكون المراد بقوله: "فاستنّ"، أي توضأ مع الاستنان. واللَّه تعالى أعلم. (ثُم قَامَ، فَصَلَّى، حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدّرَ مَا نَامَ) غاية لطول صلاته ﷺ . والمعنى أنه ﷺ طوّل صلاته إلى أن قدّرت تطويله لها بالوقت الذي نامه، وقد ذكر أنه نام طويلاً، حيث قال: "اضطجع هَوِيّا من الليل"، ومعنى الهَويّ. الحين الطويل (ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى قُلْتُ. قَد نَامَ قَدْرَ مَا صَلَّى) يعني أنه نام طويلاً (ثم اسْتَيْقَظَ، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي من صبّه الماءَ من الإداوة في القدح، والاستنان (وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ) أي من قراءة الآيات المذكورة (فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثَلَاثَ مَرَّاتِ قَبْلَ الْفَجْرِ) أي كلّ ذلك حصل منه قبل طلوع الفجر .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٢/ ١٦٢٦ - وفي "الكبرى" ١٨/ ١٣٢٠ - بالإسناد المذكور، وفي "عمل اليوم والليلة" رقم (٣٠٧) عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحَكَم، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد الْجُمَحيّ، عن ابن أبي هلال، عن الأعرج، عن حميد به، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يخرجه معه غيره. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ما تُفتتح به صلاة الليل، يعني الذكر الذي يتقدمها وهو وإن كان خارجها، إلا أنه وقع قربَ افتتاحها. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃، من الحرص على تتبع أفعال النبي ﷺ في عبادته، حتى يقتدوا به فيها. ومنها: استحباب التأهّب لصلاة الليل بإعداد السواك، والطَّهُور. ومنها: تقسيم أجزاء الليل إلى أقسام، فيجعل بعضه للصلاة، وبعضه للاستراحة، حتى تأخذ النفس حظّها من الراحة، كما جعل الشارع لها ذلك، حيث قال: "فإن لنفسك عليك حقا"، فينبغي إعطاء كل ذي

стр. 10059

حق حقّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣ - بَابُ ذِكْرِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ ١٦٢٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: مَا كُنَّا نَشَاءُ, أَنْ نَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فِي اللَّيْلِ مُصَلِّيًا, إِلاَّ رَأَيْنَاهُ, وَلَا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ نَائِمًا, إِلاَّ رَأَيْنَاهُ. رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي الإمام الثبت الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (يزيد) بن هارون، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٧] ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل البصريّ، ثقة عابد مدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة، وهو (٨٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أنس) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: مَا كُنَّا نَشَاءُ) ولفظ أحمد: "سئل أنس عن صلاة رسول اللَّه ﷺ من الليل، فقال: ما كنّا نشاء أن نراه من الليل مصليا إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه، وكان يصوم من الشهر حتى نقول: لا يفطر منه شيئًا، ويفطر حتى نقول: لا يصوم منه شيئًا".

стр. 10060

وقد ساقه البخاري في "كتاب الصيام"، من "صحيحه" مطوّلاً، من طريق أبي خالد الأحمر، عن حميد، أنه سأل أنسًا ﵁ عن صيام النبي ﷺ ؟، فقال. ما كنتُ أُحبّ أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ومن الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، ولا مَسِستُ خَزّةً، ولا حَريرةً، ألين من كَفّ رسول اللَّه ﷺ , ولا شَمِمْتُ مِسْكةً، ولا عَبِيرةً، أطيب رائحةً من رائحة رسول اللَّه ﷺ ". (أَنْ نَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فِي اللَّيْل) الجار والمجرور تنازعه "نشاء"، و"نرى" (مُصَلِّيًا) منصوب على الحال (إِلاَّ رَأَيْنَاهُ) أَي مصليًا (وَلَا نَشاءُ، أَن نَرَاهُ نائِمًا، إِلاَّ رَأَيْنَاهُ) أي نائمَا. ومعنى الحديث أن صلاة النبي ﷺ ، ونومه ما كانا مخصوصين بوقت دون وقت، بل كانا مختلفين في الأوقات، وكلّ وقت صلّى فيه أحيانًا، نام فيه أحيانًا أخرى. والحاصل أن صلاته ﷺ بالليل، لم يكن لها وقت معين , بحيث يواظب عليه، ولا يتركه، بل كان ينتقل من وقت لآخر بحسب ما يتيسّر له. واللَّه تعالى أعلم. [فإن قلت:]: هذا الحديث يعارض ما تقدّم في حديث عائشة ﵂: "كان يقوم إذا سمع الصارخ"، فكيف التوفيق بينهما؟ [أجيب]: بأنها أخبرت عما اطلعت عليه، وذلك أن صلاة الليل، كانت تقع منه غالبا في البيت، فأخبرت عما شاهدته في غالب أوقاته، وأخبر أنس ﵁ على ما شاهده خارج البيت في بعض الأوقات. ويؤيّد هذا الجمع ما ثبت في "الصحيح" من قول عائشة ﵂: "من كلّ الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ "، وما سيأتي للمصنف ٣٠/ ١٦٨١ - من قولها: "أوتر رسول اللَّه ﷺ من أوله، وآخره، وأوسطه، وانتهى وتره إلى السحر"، فخبرها هذا يوافق خبر أنس ﵄. فدلّ على أن خبرها الأول محمول على ما كان يفعله في بعض الأحيان، فلا تعارض بين الخبرين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا- ١٣/ ١٦٢٧ - وفي "الكبرى" -٢١/ ١٣٢٣ - بالإسناد المذكور. واللَّه أعلم.

стр. 10061

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٦٥ و ٣/ ٥٠ (ت) ٧٦٩ وفي "الشمائل" ٢٩٩ (أحمد) ٣/ ١٠٤ و ٣/ ١١٤ و ٣/ ١٧٩ و ٣/ ١٨٢ و ٣/ ٢٣٦ و ٣/ ٢٥٢ و ٣/ ٢٦٤ (عبد بن حميد) ١٣٩٤ و ١٣٩٥ (ابن خزيمة) ٢١٣٤ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا , ونعم الوكيل. ١٦٢٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, أَنَّ يَعْلَى بْنَ مَمْلَكٍ, أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ, عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي الْعَتَمَةَ, ثُمَّ يُسَبِّحُ, ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا مَا شَاءَ اللَّهُ, مِنَ اللَّيْلِ, ثُمَّ يَنْصَرِفُ, فَيَرْقُدُ مِثْلَ مَا صَلَّى, ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِهِ ذَلِكَ, فَيُصَلِّي مِثْلَ مَا نَامَ, وَصَلَاتُهُ تِلْكَ الآخِرَةُ تَكُونُ إِلَى الصُّبْحِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا تقدم في ٨٣/ ١٠٢٢ - وتقدم الخلاف فيه تصحيحًا وتضعيفًا، وأن الأرجح تصحيحه, فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و"حجاج" هو ابن محمد الأعوره. و"ابن جريج" هو عبد الملك بن عبد العزيز. ووالد ابن جريج هو عبد العزيز بن جُريج مولى قريش، لين الحديث [٤]. قال البخاري: لا يُتابع في حديثه، وكذا قال العُقيلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لم يسمع من عائشة، وكذا قال العجليّ، لكن في "مسند" أحمد وغيره التصريح بسماعه منها، من رواية خُصَيف عنه. لكن قالوا: أخطأ خصيف فيه، فصرّح بسماعه (١)، وقال الدارقطني مجهول، قيل له: هو والد عبد الملك، قال: إن كان هو فلم يسمع من عائشة، يُترك هذا الحديث. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وقولها: "وصلاته تلك الخ" "صلاته" مبتدأ، واسم الإشارة صفة له، أو بدل، أو عطف بيان، وجملة "تكون" خبره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل. ١٦٢٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ, أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَعَنْ صَلَاتِهِ؟ , فَقَالَتْ: مَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟ , كَانَ يُصَلِّي, ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى, ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ

стр. 10062

مَا نَامَ, ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى, حَتَّى يُصْبِحَ, ثُمَّ نَعَتَتْ لَهُ قِرَاءَتَهُ, فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ, قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً, حَرْفًا حَرْفًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث أم سلمة ﵂، وهذا أصحّ من الذي قبله، وقد تقدّم الكلام عليه بالرقم المذكور. و"يعلي بن مملك" -بوزن جعفر- المكيّ مقبول [٣] ١٣/ ١٠٢٢ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤ - ذِكْرُ صَلَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ بِاللَّيلِ ١٦٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ , صِيَامُ دَاوُدَ ﵇, كَانَ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمًا, وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ, صَلَاةُ دَاوُدَ, كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ, وَيَقُومُ ثُلُثَهُ, وَيَنَامُ سُدُسَهُ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيية) بن سعيد، تقدم قريبًا. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الشهير الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو بن دينار) أبو محمد الْجُمَحيّ المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (عمرو بن أوس) بن أبي أوس الثقفي الطائفيّ، تابعيّ كبير [٢] ووَهِمَ من ذكره في الصحابة، وإنما الصحبة لأبيه ١٧/ ٦٥٣. ٥ - (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) السهمي، أحد السابقين، وأحد العبادلة الفقهاء، الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مكيين، وهما سفيان، وعمرو بن دينار، وطائفيّين،

стр. 10063

وهما عمرو بن أوس، والصحابيّ ﵁، وبغلانيّ، وهو شيخه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) الثقفي (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحَبَّ الصِّيَامِ) أي أكثر ما يكون محبوبًا، واستعمال "أحبّ" بمعنى محبوب قليل، لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل (١) (إِلَى اللَّهِ ، صِيَامُ دَاوُدَ ﵇) إنما كان أحب الصيام إلى اللَّه تعالى لأن فاعله يؤدي حقّ نفسه، وحقّ أهله، وحقّ زائره أيام فطره، بخلاف من يسرُدُ الصوم، فإنه يُخلّ ببعض الحقوق (كَانَ) جملة مستأنفة مبينة للجملة السابقة (يَصُومُ يَوْمًا، ويفْطِرُ يَوْمَا) قال ابن المنيّر ﵀: كان داود ﵇ يَقسم ليله ونهاره لحقّ ربه، وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك في كلّ ليلة، وأما النهار فلما تعذّر عليه أن يجزّئه بالصيام, لأنه لا يتبعّض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فيتنزّل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم، قيل: وهو أشدّ الصيام على النفس، فإنه لا يعتاد الصوم، ولا الإفطار، فيَصعُب عليها كلّ منهما. وظاهر قوله: "أحبّ الصيام" يقتضي ثبوت الأحبّيّة مطلقًا. ووقع في بعض الروايات: "أفضل الصيام صيام داود"، ومقتضاه أن تكون الزيادة عليه كصوم يومين، وإفطار يوم، وكصيام الدهر بلا صيام أيام الكراهة مفضولة. وإنما كان ذلك أعدل الصيام، وأحبه إلى اللَّه تعالى, لأن فاعله يُؤَدِّي الحقوق الواجبة عليه، كما تقدّم قريبًا، بخلاف من يصوم الدهر، أي يتابع الصوم، ويسرده، فإنه يفوّت بعض الحقوق، وقد لا يشقّ عليه باعتياده، فلا يحصّل المقصود من قمع النفس، نظير ما قاله الأطبّاء من أن المرض إذا تعوّد عليه البدنُ لم يَحتَج إلى دواء. ولم يلتزم النبي ﷺ الوصف المذكور في صيامه لما قيل: إن فعله كان مختلفًا، يتضمن مصالح راجعة إلى أمته، أقويائِهم وضعفائِهم، وكان يفعل العبادات بحسب ما يظهر له من الحكمة في أوقات الطاعات، دون الحالات المألوفات والعادات. وقد روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂، أنها قالت: إن كان رسول اللَّه ﷺ لَيَدَعُ العملَ بالشيء، وهو يحبّ أن يعمل به، خشيةَ أن يَعمَل به الناس، فَيُفْرَض عليهم"، زاد في رواية: قالت: "وكان يحبّ ما خفّ على الناس".

стр. 10064

(وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ) ﵇ (كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ) أي النصف الأول منه. قال السنديّ ﵀: الظاهر أنه كان ينام من الوقت الذي يعتاد فيه النوم إلى نصف الليل، أو المراد بالليل ما سوى الوقت الذي لا يعتاد فيه النوم من أوله، والقول بأنه ينام من أول غروب الشمس بعيد. واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح": قال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: كان داود ﵇ يُجِمّ نفسه (١) بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي اللَّه تعالى فيه: "هل من سائل، فأعطيه سؤله"، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السحر، وإنما كانت هذه الطريقة أحبّ من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يُخشى منها السآمة، وقد قال النبي ﷺ : "إن اللَّه لا يمَلّ حتى تملّوا"، واللَّه يحبّ أن يُديم فضلَهُ، ويوالي إحسانه. وإنما كان ذلك أرفق؛ لأن النوم بعد القيام يُريح البدن، وُيذهب ضرر السهَر، وذُبُول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح، وأذكار النهار بنشاط وإقبال، وأنه أقرب إلى عدم الرياء، لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون، سليم القُوَى، فهو أقرب إلى أن يُخفي عمله الماضي على من يَراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد. وحَكَى عن قوم أن معنى قوله: "أحب الصلاة" هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك، وهو من يشقّ عليه قيام أكثر الليل، قال: وعمدة هذا القائل اقتضاءُ القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل لكن يعارضه هنا اقتضاءُ العادةِ والجبلّةِ التقصيرَ في حقوق يُعارضُها طولُ القيام، ومقدارُ ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غيرُ معلوم لنا، فالأولى أن يُجرَى الحديث على ظاهره، وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة، بمقدار تأثير كلّ منهما في الحثّ، أو المنع غير محقّق لنا، فالطريق حينئذ أن نفوّض الأمر إلى صاحب الشرع، ونَجرِي على ما دلّ عليه ظاهر اللفظ مع ما ذكرناه من قوّة الظاهر هنا. واللَّه تعالى أعلم [تنبيه]: قال ابن التين: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره، فهو في حقّ الأمة، وأما النبي ﷺ ، فقد أمره اللَّه تعالى بقيام أكثر الليل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١, ٢]. انتهى. وفيه نظر؛ لأن هذا الأمر قد نسخ، كما تقدّم في حديث عائشة ﵂[٢/ ١٦٠١] (٢).

стр. 10065

(وَيَقُومُ ثُلُثَهُ) بضم اللام، وتسكن، ويقال فيه: الثَّلِيث أيضًا: والمراد الثلث الذي بعد النصف، لما في رواية ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عند مسلم: "كان يَرقُد شطر الليل، ثم يقوم ثلث الليل بعد شطره". قال ابن جريج: قلت لعمرو بن دينار: عمرو بن أوس هو الذي يقول "يقوم ثلث الليل؟ " قال: نعم انتهى. وظاهره أن تقدير القيام بالثلث من تفسير الراوي، فيكون في الرواية الأولى إدراج، ويحتمل أن يكون قوله: "عمرو بن أوس ذكره" أي بسنده، فلا يكون مدرجًا. وفي رواية ابن جريج من الفائدة ترتيب ذلك بـ "ثمّ"، ففيه الرد على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السنّة بنوم السدس الأول مثلاً، وقيام الثلث، ونوم النصف الأخير، والسبب في ذلك أن الواو لا ترتّب. (ويَنَامُ سُدُسَهُ) بضم الدال، وتسكن، ويقال فيه: السَّدِيس أيضًا، أي سدسه الأخير من الليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى - عنهما متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-١٤/ ١٦٣٠ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٣٢٧ و ٦٩/ ٢٣٤٤ - بالإسناد المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٦٣ و ٤/ ١٩٥ (م) ٣/ ١٦٥ (د) ٢٤٤٨ (ق) ١٧١٢ (الحميدي ٥٨٩) (أحمد) ٢/ ١٦٠ (الدارمي) ١٧٥٩ (ابن خزيمة) ١١٤٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: مشروعية الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في العبادات، كما أمر اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بذلك، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٠]. ومنها: أنه يدلّ على أن صوم يوم، وفطر يوم أحبّ إلى اللَّه تعالى من غيره، وإن كان أكثرَ منه، وما كان أحبّ إلى اللَّه تعالى فهو أفضل، والاشتغال به أولى، وقد ثبت في رواية مسلم: أن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال للنبي ﷺ : إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي ﷺ : "لا أفضل من ذلك". ومنها: أن الأفضل للشخص أن يقوم ثلث الليل بعد نوم نصفه، ثم يُعقّب ذلك بنوم السدس الأخير،

стр. 10066

ليستعين به على القيام بنشاط لصلاة الصبح، وأذكار النهار. ومنها: استحباب المداومة على صلاة الليل، وعدم قطعها بسبب طول السهر المؤدِّي إلى الملل والسآمة، بل يلتزم ذلك على الوجه الذي لا يشق على نفسه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - ذِكْرُ صَلَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى ﵇، وَذِكْرِ الاخْتِلَاف عَلَى سُلَيمَانَ التَّيْمِيِّ فِيهِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل الاختلاف في هذا الحديث أن معاذ بن خالد رواه عن حمّاد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن ثابت، عن أنس، فأدخل ثابتًا بين سليمان وأنس - رضي اللَّه تعالى عنه -. وخالفه الحفّاظ من أصحاب حماد بن سلمة، وهم يونس بن محمد، وحَبّان بن هلال، عند المصنف، والحسنُ بن موسى، وعفّانُ مسلم عند أحمد، وهُدْبَة بن خالد، وشيبان بن فَرّوخ، عند مسلم، كلهم قالوا: عن حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن أنس، بدون ذكر ثابت، ووافق حمادَ بنَ سلمة في ذلك الثوريُّ، وعيسى بنُ يونس، وجريرُ بن عبد الحميد، ومعتمرُ بن سليمان، فكلهم قالوا: عن سليمان، عن أنس، بل صرّح سليمان بالسماع من أنس في رواية عبدة بن سليمان، عن الثوريّ عند مسلم، وكذا في رواية معتمر، عن أبيه، كما في الرواية الآتية للمصنّف [١٦٣٦]. فلهذا قال المصنف -رحمه اللَّه تعالى- عقب الحديث الثاني: هذا أولى بالصواب عندنا من حديث معاذ بن خالد. انتهى. فخالد بن معاذ له مناكير، كما يأتي ذلك عن الحافظ الذهبي -رحمه اللَّه تعالى-، فهذا من جملة مناكيره حيث خالف الحفاظ الأثبات، واللَّه تعالى أعلم. وفي الإسناد أيضًا اختلاف آخر، وهو أنه اختُلف فيه على سليمان، هل هو عن أنس، عن النبي ﷺ ، أو عن أنس، عن بعض أصحاب النبي ﷺ , عن النبي ﷺ ، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ, لأن الإرسال في الطريق الأول له حكم الاتصال، إذ هو

стр. 10067

مرسل صحابي، وهو متصل صحيح حكمًا عند الجمهور. فلهذا - واللَّه أعلم- لم يتعرّض له المصنف ﵀ هنا (١)، بل أشار إلى الاختلاف الأول فقط. واللَّه تعالى أعلم. ثم إن مناسبة حديث موسى ﵇ لأبواب قيام الليل من حيث كونه ﷺ رآه يصلي في قبره ليلة أسري به، فدلّ على أن موسى ﵇ ممن كان يصلي صلاة الليل، وهو من الأنبياء الذين أمرنا بالاقتداء بهم، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٦٣١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي, عَلَى مُوسَى ﵇, عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ, وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عليّ بن حرب) المروزيّ المعروف بـ "التُّرْك"- بضم المثناة، وسكون الراء- وقد يُنسب إلى جدّه، ثقة [١١] ١٠٩/ ١٤٨. ٢ - (معاذ بن خالد) بن شَقيق بن دينار، العبديّ مولاهم، أبو بكر المروزيّ، صدوق، من كبار [١٠]. روى عن حماد بن سلمة، والثوري، وابن المبارك، وغيرهم. وعنه محمد بن علي بن حرب، وابن راهويه، ووهب بن زَمْعة، وغيرهم. قال الذهبيّ: له مناكير، وقد احتُمل. وقال ابن حبّان في "الثقات": مات قبل المائتين. قال الحافظ: كذا قال، والأشبه أن يكون مات بعدها. انفرد به المصنّف، روى له في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة عابد، تغيّر بآخره، من كبار [٨] ١٨/ ٢٨٨. ٤ - (سليمان) بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧. ٥ - (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٦ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥/ ٥. واللَّه تعالى اعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير معاذ بن خالد، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10068

شرح الحديث (عَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ،قالَ: "أتيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، عَلَى مُوسَى ﵇، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ) "الكثيب" بفتح، فكسر: هو ما ارتفع من الرَّمْل، كالتَّلِّ الصغير، قيل: هذا ليس صريحا في الإعلام بقبره الشريف، ومن ثمّ اختلفوا فيه. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قيل]: كيف رأى موسى ﵇ يصلي في قبره، وصلى النبي ﷺ بالأنبياء ببيت المقدس، ووجدهم على مراتبهم في السموات، وسلّموا عليه، ورحّبوا به؟. [فالجواب]: أنه يحتمل أن تكون رؤيته موسى في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعود النبي ﷺ إلى السماء، وفي طريقه إلى بيت المقدس، ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء. ويحتمل أنه ﷺ رأى الأنبياء صلوات اللَّه، وسلامه عليهم، وصلى بهم على تلك الحال لأوّل ما رآهم، ثم سألوه، ورحّبوا به، أو يكون اجتماعه بهم، وصلاته، ورؤيته موسى بعد إنصرافه , ورجوعه عن سدرة المنتهى. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١). (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ) قال الشيخ بدر الدين الصاحب في مؤلّف له في حياة الأنبياء ﵈: هذا صريح في إثبات الحياة لموسى ﷺ في قبره، فإنه وصفه بالصلاة، وإنه قائم، ومثل ذلك لا يوصف به الروح، وإنما يوصف به الجسد، وفي تخصيصه بالقبر دليل على هذا، فإنه لو كان من أوصاف الروح لم يحتج لتخصيصه. وقال الشيخ تقي الدين السبكيّ: في هذا الحديث أن الصلاة تستدعي جسدًا حيّا، ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون لا بدّ معها كما كانت في الدنيا، من الاحتياج إلى الطعام، والشراب، وغير ذلك من صفات الأجسام التي نشاهدها، بل يكون لها حكم آخر انتهى (٢). وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قيل]: كيف يَحُجُّون، ويُلبّون، وهم أموات، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟. فاعلم أن للمشايخ، وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة:

стр. 10069

أحدها: أنهم كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا، ويصلوا، كما ورد في الحديث الآخر، وأن يتقرّبوا إلى اللَّه تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم، وإن كانوا قد تُوفّوا، فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدّتها، وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء، انقطع العمل. الوجه الثاني: أن عمل الآخرة ذِكْر، ودعاء، قال اللَّه تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية [يونس: ١٠]. الوجه الثالث: أن تكون هذه رؤية منام، في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء، كما قال في رواية ابن عمر ﵁: "بينا أنا نائم، رأيتني أطوف بالكعبة"، وذكر الحديث في قصة عيسى ﷺ . الوجه الرابع. أنه ﷺ أُري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثّلوا له في حال حياتهم، كيف كانوا؟، وكيف حجّهم، وتلبيتهم، كما قال ﷺ : "كأني أنظر إلى موسى، و"كأني أنظر إلى عيسى"، و"كأني أنظر إلى يونس" ﵈. الوجه الخامس: أن يكون أخبر عما أُوحي إليه ﷺ ، من أمرهم, وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين انتهى كلام القاضي -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن القول الأول هو الأرجح؛ لظواهر النصوص، ولا داعي إلى هذه التأويلات البعيدة عن ظواهر الأحاديث، فيكون الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مخصوصين من عموم حديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله … " الحديث؛ لهذه الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان, وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٥/ ١٦٣١ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ١٣٢٨ - بالإسناد المذكور و ١٦٣٣ - و"الكبرى" ١٣٢٩ و ١٦٣٤ و ١٦٣٥ و ١٦٣٦ و١٣٣٠ و ١٦٣٧ و ١٣٣١ - بالأسانيد الآتية، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

стр. 10070

أخرجه (م) ٧/ ١٠٢ (أحمد) ٣/ ١٢٠ و ٣/ ١٤٨ و ٣/ ٢٤٨ (عبد بن حُميد) ١٢٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل. ١٦٣٢ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ, وَثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇, عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ, وَهُوَ قَائِمٌ, يُصَلِّي». قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ, عِنْدَنَا, مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ خَالِدٍ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا أَوْلَى بالصوَاب، عِنْدَنَا، مِنْ حَدِيثِ معَاذِ بْنِ خَالِدٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. هذ إسناد ثان لحديث أنس ﵁ بيّن به المصنف ﵀ الاختلاف الذي أشار إليه في الترجمة، وقد تقدم وجهه هناك. ورجاله تقدّموا في السند الماضي، سوى: ١ - (العباس بن محمد) بن حاتم الدُّوريّ، أبي الفضل البغداديّ، خُوَارزميّ الأصل، ثقة حافظ [١١] ١٠٢/ ١٣٥. ٢ - (يونس بن محمد) بن مسلم البغداديّ، أبي محمد الحافظ المؤدّب، ثقة ثبت، من صغار [٩]. روى عن داود بن أبي الفُرَات، والليث بن سعد، ومعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، وأحمد، وابن المدينيّ، وعباس الدُّوريّ، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في صفر سنة (٢٠٧)، وكذا قال أبو حبان الزياديّ. وقال خليفة، وابن سعد، ومطيّن، وغيرهم: مات سنة (٢٠٨). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. وقوله: "هذا أولى بالصواب الخ" يعني أن كونه عن سليمان، وثابت، كلاهما، عن أنس أصح، من كونه عن سليمان، عن ثابت، عن أنس, لأن يونس بن محمد أحفظ، وأوثق من معاذ بن خالد، وقد تابعه فيه حَبّان بن هلال، كما بينه في الإسناد التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٣٣ - أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ثَابِتٌ, وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى قَبْرِ مُوسَى ﵇, وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث أنس ﵁، تابع فيه حبّانُ

стр. 10071

بن هلال يونسَ بنَ محمد، في كونه عن سليمان، وثابت، كلاهما عن أنس ﵁. و (أحمد بن سعيد): هو الرِّبَاطي المروزيّ: ثقة حافظ [١١] ٩٠/ ١٠٣٠. و (حبّان) -بفتح الحاء المهملة-: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٤/ ٥٩٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٤٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى, عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي, عَلَى مُوسَى ﵇, وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع لحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - أيضًا، ساقه المصنّف لبيان أن عيسى بنَ يونس تابع فيه حمادَ بنَ سلمة, في قوله: عن سليمان، عن أنس بدون واسطة ثابت. و (علي بن خَشْرَم): هو المروزي، ثقة حافظ، من صغار [١٠] ٨/ ٨. و (عيسى): هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ, مَرَّ عَلَى مُوسَى ﵇, وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق خامس لحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، ساقه المصنف لبيان أن المعتمر وافق يونس بن محمد، ومن وافقه في كونه عن سليمان، عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -. و (محمد بن عبد الأعلى): هو الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. و (معتمر): هو ابن سليمان بن طَرْخان البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٣٦ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا, يَقُولُ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ, مَرَّ عَلَى مُوسَى ﵇, وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق سادس لحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، ساقه المصنف لبيان أنه اختُلف على معتمر فيه، فإن محمد بن عبد الأعلى في الرواية السابقة عنه، جعله عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبي ﷺ ، فخالفه يحيى بن عربيّ، وإسماعيل بن مسعود، كلاهما عنه، فجعلاه عن أنس، عن بعض أصحاب النبي ﷺ .

стр. 10072

و (يحيى بن حَبيب): هو ابن عربي البصريّ، ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥. و (إسماعيل بن مسعود): هو الجحدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀ في "النُّكَت الظِّرَاف" جـ١ ص٢٣٢: هذا الحديث جاء من طرُق عن سليمان التيميّ، عن أنس، عن بعض الصحابة، ومنهم من عيّنه، فقال: عن أبي هريرة، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" من رواية خالد الطحان، وابنُ شاهين من طريق بشر بن المفضّل، ومن طريق حُسين بن حفص، عن الثوريّ، ثلاثتهم عن سليمان التيميّ، عن أنس: أخبرني بعض أصحاب النبي ﷺ . وأخرجه ابن شاهين من طريق عمر بن حبيب، عن سليمان، عن أنس، عن أبي هريرة. وقال. تفرّد به عمر بن حبيب انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أنه اتفق خالد الطحّان، وبشر بن المفضل، والثوريّ، كما ذكر الحافظ، ومعتمر بن سليمان، في رواية يحيى بن عربي، وإسماعيل بن مسعود عنه كما هو عند المصنف هنا، وابن أبي عديّ، عند المصنف أيضًا، خمستهم عن سليمان التيمي، عن أنس، عن بعض أصحاب النبي ﷺ … واتفق حماد بن سلمة، وعيسى بن يونس، ومعتمر بن سليمان، في رواية محمد بن عبد الأعلى عنه، ثلاثتهم عن سليمان، عن أنس، أن النبي ﷺ قال … والذي يظهر لي أن الحديث ثابت عن أنس ﵁ بالوجهين، فيُحمَل على أنه سمعه من بعض الصحابة، ثم سمعه من النبي ﷺ ، فكان يحدث بالوجهين تارة عن بعض الصحابة، وتارة عن النبي ﷺ ، ومثل هذا كثير في روايات الثقات الحفّاظ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٣٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ أَنَسٍ, عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى, وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق سابع لحديث أنس ﵁، وتقدم الكلام عليه في الذي قبله. و (ابن أبي عديّ): هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، نسب لجده، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10073

١٦ - بَابُ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرد بهذه الترجمة- واللَّه تعالى أعلم- مشروعية إحياء الليل كله، من غير كراهة لمن لايتضرّر بذلك، ولا يضيّع الحقوق الواجبة عليه، وحديث الباب صريح في ذلك، لكنه محمول على بعض الأحيان بدليل حديث عائشة ﵂ الآتي ١٧/ ١٦٤١ - "ولا قام ليلة حتى الصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٦٣٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, وَبَقِيَّةُ, قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ, عَنْ أَبِيهِ, وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ رَاقَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا, حَتَّى كَانَ مَعَ الْفَجْرِ, فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ, جَاءَهُ خَبَّابٌ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي, لَقَدْ صَلَّيْتَ اللَّيْلَةَ صَلَاةً, مَا رَأَيْتُكَ صَلَّيْتَ نَحْوَهَا, فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , «أَجَلْ, إِنَّهَا صَلَاةُ رَغَبٍ وَرَهَبٍ, سَأَلْتُ رَبِّي , فِيهَا ثَلَاثَ خِصَالٍ, فَأَعْطَانِى اثْنَتَيْنِ, وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً, سَأَلْتُ رَبِّي , أَنْ لَا يُهْلِكَنَا, بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الأُمَمَ قَبْلَنَا, فَأَعْطَانِيهَا, وَسَأَلْتُ رَبِّي , أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْنَا عَدُوًّا, مِنْ غَيْرِنَا, فَأَعْطَانِيهَا, وَسَأَلْتُ رَبِّي, أَنْ لَا يَلْبِسَنَا شِيَعًا فَمَنَعَنِيهَا». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (أبوه) عثمان بن سعيد بن كثير الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. ٣ - (بقيّة) بن الوليد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥٧. ٤ - (ابن أبي حمزة) هو شعيب الحمصي، ثقة ثبت [٧] ٦٩/ ٨٥. ٥ - (الزهري) محمد بن مسلم تقدم قريبًا. ٦ - (عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل) بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقة [٣]. وقال أبو حاتم: يُقال: عُبيد اللَّه، وعبد اللَّه أصحّ. روى عن أبيه، وعبد اللَّه بن خَبّاب، وابن عباس، وعبد اللَّه بن شَدّاد، وغيرهم. وعنه أخوه عون، وعاصم بن عُبيد اللَّه، والزهريّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال العجليّ: مدنيّ

стр. 10074

تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد، وعمرو بن عليّ: قتله السَّمُوم بالأبواء، وهو مع سليمان بن عبد الملك، سنة (٩٩) وقال الزبير بن بكّار نحو ذلك، وكذا أرّخه ابن المدينيّ. روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف. له في البخاريّ، وأبي داود في رجوع عمر لما وقع الوباء بالشام، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (عبد اللَّه بن خبّاب بن الأَرَتّ) المدنيّ، حليف بني زُهرة, يقال: له رؤية، ثقة [٢]. روى عن أبيه، وأُبيّ بن كعب. وعنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث، وعبد الرحمن ابن أبزى، وعند اللَّه بن أبي الهُذَيل، وغيرهم. قال العجليّ: ثقة، من كبار التابعين، قتله الحَرُوريّة، أرسله إليهم عليّ، فقتلوه، فأرسل إليهم عليّ, أَقِيدونا بعبد اللَّه بن خبّاب، فقالوا: كيف نُقيدك به، وكلّنا قتله؟ فقتلهم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو نعيم أدرك النبي ﷺ ، مختلف في صحبته، له رؤية، ولأبيه صحبة. وقال الغلابي: قُتل سنة (٣٧) وكان من سادات المسلمين. ووى له الترمذي، والمصنّف حديثَ الباب فقط. ٨ - (أبوه) خبّاب بن الأرتّ التميميّ، أبو عبد اللَّه، من السابقين إلى الإسلام، وكان يُعذّب في اللَّه، شهد بدرًا، ثم نزل الكوفة، ومات ﵁ بها سنه (٣٧) روى له الجماعة، تقدّم ٢/ ٤٩٧ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، والباقون حمصيون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه مرّتين، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الزهريُّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن خبّاب. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن خَباب بْنِ الأَرَت، عَنْ أَبِيهِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدرا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَي حضر وقعة بدر الكبرى في رمضان من السنة الثانية (أَنَّهُ رَاقَب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي حَفِظَ فعله، أو انتظره حتى ينتهي من فعله ليحفظه (اللَّيْلَةَ كُلَّهَا) الظرف متعلّق بـ "راقب"، كلها، ولفظه في "الكبرى" من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري: "رَمَقْتُ رسول اللَّه ﷺ في ليلة، صلاّها رسول اللَّه ﷺ كلّها، حتى كان

стр. 10075

مع الفجر … " الحديث. وفيه دليل على عدم كراهة إحياء كل الليل في بعض الأحيان، ولا ينافي ما ثبت عن عائشة ﵂، أنه ﷺ ما قام ليلة كلها, لأن ذلك محمول على غالب أحواله ﷺ . (حَتَّى كَانَ مَعَ الْفَجْرِ) اسم "كان" ضمير يعود إلى الانتظار، والظرف خبرها، أي حتى كان الانتظار، منتهيا مع الفجر (فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاتهِ) أي في تلك الليلة (جَاءَهُ خَبَّابٌ) ﵁ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بأبِي أَنْتَ وَأُمى) متعلق بفعل محذوف، والأصل أَفْديك بأبي، وأمّي، فحذف الفعل، وانفصل الضمير، أو "أنت" مبتدأ، والجار والمجرور متعلق بخبر مقدّر، أي أنت مَفْديّ بأبي وأمي (لَقَدْ صَلَّيْتَ اللَّيْلَةَ) بالنصب على الظرفية لما قبله (صَلَاةً، مَا رَأَيْتُكَ صَلَّيْتَ نَحْوَهَا، فَقالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أَجَلْ) قال ابن محظور ﵀: "أجل" بفتحتين بمعنى "نعَمْ"، وقولههم: أجل هو جواب مثل نعم، قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب، قلت. أجلْ، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؟ قل: نعم، وكان أحسن من أجل، وأَجَل تصديق لخبر يُخبرك به صاحبك، فيقول: فعل ذلك، فتصدّقه، بقولك له: أجل، وأما نعم فهو جواب المستفهم بكلام لا جَحْد فيه، تقول له: هل صلّيت؟ فيقول: نعم، فهو جواب المستفهم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما هنا موافق لما قاله الأخفش, فخبّاب ﵁ أخبر النبي ﷺ بما فعله تلك الليل، متعجبًا من تطويله الصلاة، فأجابه بـ "أجل". واللَّه تعالى أعلم. (إِنَّهَا صَلَاةُ رَغَبٍ وَرَهَبٍ) وفي نسخة "رغبة، ورهبة". يقال: رَغبتُ في الشيء، ورَغِبتُهُ، يتعدّى بنفسه أيضًا، من باب تَعِب: إذا أردته, رَغَبًا بفتح الغين, وسكونها, ورَغْبَى بفتح الراء، وضمها، ورَغْباء بالفتح والمدّ. ويقال: رَهِب رَهَبَا، من باب تَعِبَ: خاف، والاسم الرهبة. وأما الرغْبَة، والرهْبَة، فالتاء فيه لتأنيث المصدر، والجمع رَغَبَات، ورَهَبَات، مثل سَجْدة، وسَجَدَات أفاده في "المصباح". يعني أن هذه صلاةٌ، رَغِبتُ بها فيما وعد اللَّه تعالى من استجابة دعاء من دعاه، ورَهِبت فيها أن يُخَيّب أملي في ذلك. واللَّه تعالى أعلم. وقال السنديّ ﵀

стр. 10076

تعالى: معنى "صلاة رغبة، ورهبة" أي صلاة رغبة في استجابة دعائها، ورهبة من ردّه. انتهى. (سَألْتُ رَبِّي ، فِيهَا ثَلَاثَ خِصَالٍ، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْن، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي) وفي نسخة "سألت اللَّه" ( ، أَنْ لَا يُهْلِكَنَا، بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا) أي بعذاب الاستئصال، كما أهلك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وغيرهم من الذين عصوا اللَّه ، وعصوا رُسُلهم - عليهم الصلاة والسلام -، ممن أخبر اللَّه تعالى عنهم في كتابه العزيز. (فَأَعْطَانِيهَا، وَسَألْتُ رَبِّي ، أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْنَا عَدُوًّا، مِنْ غَيْرِنَا) أي لا يجعل علينا سبيلاً لغلبة عدوّ من غير المسلمين، من اليهود والنصارى، والمشركين، وغيرهم (فَأعْطَانِيهَا) والمراد أن لا يغلبوا المسلمين غلبة تستبيح بيضة الإسلام، وتستأصل المسلمين جميعًا، فلا يَرِد ما يحصل في بعض الأحيان من غلبة بعض أعداء الإسلام على بعض المسلين (وَسَأَلْتُ رَبِّي، أَنْ لَا يَلْبِسَنَا) بفتح حرف المضارعة, وكسر الباء الموحدة، يقال: لَبَستُ الأمرَ لَبْسًا، من باب ضَرَب: خَلَطته، وفي التنزيل: ﴿وللبسنا عليهم ما يَلبِسُون﴾، والتشديد مبالغة، قاله في "المصباح". أي لا يخلطنا في معارك الحرب (شِيَعًا) بكسر، ففتح جمع شِيعة بالكسر: أي فِرَقًا مختلفين، يقتل بعضنا بعضًا (فَمَنَعَنِيهَا) أي منعني إجابة هذه الخصلة. وهذا الحديث بمعنى قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الآية [الأنعام: ٦٥]. فقد أخرج البخاري ﵀ في "صحيحه" عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "هذه أهون -أو- أيسر". انتهى. وقد أورد الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في تفسير الآتية المذكورة أحاديث كثيرة بمعنى حديث الباب: فمنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا عبد الرزاق، قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرَّحَبي، عن شَدْاد بن أوس، أن النبي ﷺ ، قال: "إن اللَّه ، زَوَى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ، ما زُوي لي منها، وإني أُعطيت الكنزين: الأبيض، والأحمر، وإني سألت ربي ، أن لا يُهلك أمتي بسنة بعامة، وأن لا

стр. 10077

يسلط عليهم عدوا، فيهلكهم بعامة، وأن لا يَلبسهم شيعا, ولا يذيق بعضهم بأس بعض، وقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يُردّ، وإني قد أعطيتك لأمتك، أن لا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوا، ممن سواهم، فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم، يُهلك بعضا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضا". قال: وقال النبي ﷺ : "إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وُضع السيف في أمتي، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة". قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: ليس -يعني هذا الحديث- في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد (١) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته. حديث خبّاب الأرتّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٦/ ١٦٣٨ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ١٣٣٢ - بالإسناد المذكور، وفي "الكبرى" أيضًا ٢٤/ ١٣٣٣ - عن محمد بن يحيى بن عبد اللَّه النيسابوري، عن يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) ٢١٧٥ (أحمد) ٥/ ١٠٨ و٥/ ١٠٩. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية إحياء كلّ الليل أحيانا، إذا لم يترتّب عليه مفسدة. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الاجتهاد في العبادة. ومنها: ما كان عليه من الشفقة بأمته، ورأفته بهم، فإن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لما عصتهم أممهم دعوا اللَّه تعالى عليهم، فأهلكوا إهلاكا مستأصلا لهم، وأما نبينا ﷺ فدعا لأمته أن لا يهلكها بما أهلك به الأمم السابقة، مع أنه يَعلم أن منهم من يَستحق ما استحقته الأمم المكذبة لرسلهم، وهذا من غاية رأفته، وشدة شفقته على أمته ﷺ ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]

стр. 10078

ومنها: ما أعطاه اللَّه تعالى من المعجزات، حيث أجاب له دعوته لأمته، فلا يتسلّط عليها عدوّ من غيرها، فيستبيح بيضتها، وإنما يُهلك بعضها بعضا، لأمر قضاه اللَّه تعالى عليها، ﴿وَاَللهُ يحكُمُ لَا مُعَقبَ لِحكُمِه﴾ الآية [الرعد: ٤١]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - الاخْتِلَافُ عَلَى عَائِشَةَ فِي إِحْيَاءِ اللَّيْلِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن الحديث الأول يدلّ على أن النبي ﷺ كان يحيى الليل كله, لأن قولها: "أحيا رسول اللَّه ﷺ الليل" ظاهر في إرادة كله، والحديث الثاني يدلّ على أنه كان يقوم بعضه، وكذا الحديث الثالث. والذي يظر لي أنه لا اختلاف بين أحاديثها, لإمكان حمل قولها: "أحيا الليل" أي معظمه، بدليل الحديث الثاني، والثالث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٦٣٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ, عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ, أَحْيَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَ, وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ, وَشَدَّ الْمِئْزَرَ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد) أبو يحيى المكّيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (أبو يعفور) الأصغر (١): عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس بكسر النون بن أبي صفية الثعلبيّ العامريّ البكّائيّ، ويقال: البِكَاليّ، ويقال: السلميّ الكوفي، ثقة [٥]. روى عن السائب بن يزيد، وأبي الضحى، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم. وعنه

стр. 10079

السفيانان، وابن المبارك، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، ويعقوب بن سُفيان: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ١٦٣٩ و ٢١٥٤ و ٣٤٥٥ و ٥٧٢٩. ٤ - (مسلم) بن صُبيح الهمدانيّ العطّار، أبو الضُّحَى الكوفي، ثقة فاضل [٤] ٩٦/ ١٢٣. ٥ - (مسروق) بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٢] ٩٠/ ١١٢. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وسفيان، فمكيان، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: أبو يعفور، عن مسلم، عن مسروق. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مَسْرُوقٍ) -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: قَالَتْ: عَائِشَةُ ﵂: كَانَ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ) أي ليالي العشر الأخير من رمضان، وصرّح بكونه الأخير في حديث علي ﵁، عند ابن أبي شيبة، والبيهقيّ من طريق عاصم بن ضمرة، عنه. قاله في "الفتح" (أَحْيَا رَسُولُ) تنازعاه "كان"، و "أحيا" (اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَ) الظاهر أن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن معناه أحيا كل الليل، فلذا قال في الترجمة: "الاختلاف على عائشة في إحياء الليل"، لكن الذي يظهر، كما قدمته قريبًا أنه يحمل على أن المعنى معظم الليل، فلا اختلاف بين أحاديثها - واللَّه تعالى أعلم. ومعنى أحيا الليل: أي سَهِره، فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه, لأن النوم أخو الموت (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي للصلاة، وروى الترمذيّ، ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة ﵂: "لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله، يُطيق القيام إلا أقامه". (وَشَدَّ الْمِئْزَرَ) أي اعتزل النساء، وبذلك جزم عبد الرزّاق، عن الثوريّ، واستشهد بقول الشاعر: [من البسيط] قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … عَنِ النِّسَاءِ وَلَو بَاتَتْ بِأَطْهَارِ

стр. 10080

وذكر ابن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عيّاش نحوه. وقال الخطابي: يحتمل أن يريد به الجِد في العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مِئْزري، أي تشمّرت له، ويحتمل أن يراد التشمير، والاعتزال معًا، ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز، كمن يقول: طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة، فيكون المراد شدّ مئزره حقيقة، فلم يَحُلّه، واعتزل النساء، وشمّر للعبادة. قال الحافظ: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة المذكورة: "شدّ مئزره، واعتزل النساء"، فعطفه بالواو، فيتقوّى الاحتمال الأول انتهى (١). قال القرطبي ﵀: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر، لقوله فيه. "وأيقظ أهله"، فإنه يُشعر بأنه كان معهم في البيت، فلو كان معتكفًا لكان في المسجد، ولم يكن معه أحد. وفيه نظر، فقد ثبت حديث: "اعتكفت مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه"، وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهنّ، فيحتمل أن يوقظهن من موضعه، وأن يوقظهن عند ما يدخل البيت لحاجته. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٧/ ١٦٣٩ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ١٣٣٤ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه. أخرجه (خ) ٣/ ٦١ (م) ٣/ ١٧٥ (د) ١٣٧٦ (ق) ١٧٦٨ (الحميديّ) ١٨٧ (أحمد) ٦/ ٤٠ (ابن خزيمة). ٢٢١٤ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما كان عليه النبي ﷺ من الاجتهاد في العبادة، مع أن اللَّه غَفَرَ له ما تقدم من ذنبه، وما تأخّر. ومنها. فضل ليالي العشر الأواخر من رمضان على غيرها من الليالي. ومنها: استحباب الاجتهاد في تلك الليالي ما لا يجتهد في غيرها، فقد أخرج مسلم، وغيره عن عائشة ﵂، قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ ، يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره". ومنها: استحباب إيقاظ الأهل فيها لِيُحيُوها بالعبادة. واللَّه تعالى أعلم

стр. 10081

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا , ونعم الوكيل. ١٦٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, قَالَ: أَتَيْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ, وَكَانَ لِي أَخًا صَدِيقًا, فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو, حَدِّثْنِي مَا حَدَّثَتْكَ بِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ, عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: قَالَتْ::: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ, وَيُحْيِى آخِرَهُ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وسيأتي مطوّلاً في ٣٠/ ١٦٨٠ ويأتي شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى. و"محمد بن عبد اللَّه بن المبارك". هو المُخَرِّميّ البغداديّ، الثقة الحافظ. و"يحيى": هو ابن آدم بن سليمان الكوفي، الثقة الحافظ. و"زهير": هو ابن معاوية بن حُديج الكوفي الثقة المثبت، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفي الثقة العابد. وغرض المصنّف بإيراده هنا بيان الاختلاف بينه وبين قولها في الحديث الماضي: "أحيا الليل"، وقد تقدّم قريبًا أن الأصحّ أنه لا معارضة بينهما إذ يُحمَلُ قولها: "أحيا الليل" على إحياء مُعْظَمِهِ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموضع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٤١ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, عَنْ عَائِشَةَ ﵂, قَالَتْ:: لَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ, وَلَا قَامَ لَيْلَةً, حَتَّى الصَّبَاحِ, وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلاً, قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم في ٢/ ١٦٠١ - مطوّلاً، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وإنما أعاده هنا لبيان الاختلاف بينه وبين حديث عائشة المذكور أول الباب، وقد تقدم الجواب عنه قريبًا. وسعيد: هو ابن أبي عروبة البصريّ الثقة المثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٤٢ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , دَخَلَ عَلَيْهَا, وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ, فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» , قَالَتْ: فُلَانَةُ, لَا تَنَامُ. فَذَكَرَتْ مِنْ صَلَاتِهَا, فَقَالَ: "مَهْ, عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ, فَوَاللَّهِ, لَا يَمَلُّ اللَّهُ , حَتَّى تَمَلُّوا", وَكَانَ (١) أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ, مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.

стр. 10082

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٩. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة المشهور [٩] ٢/ ٢. ٣ - (هشام) بن عروة المدني، الثقة الفقيه [٥] ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدني الثقة الفقيه الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، دَخَلَ عَلَيْهَا) أي دخل البيت الذي فيه عائشة ﵂ (وَعنْدَهَا امْرَأَةٌ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قَالَتْ: فُلَانَةُ) هذه اللفظة كناية عن كلّ عَلَم مؤنث، فلا تنصرف، زاد عبد الرزّاق، عن معمر، عن هشام في هذا الحديث: "حسنةُ الهيئة" (لَا تَنَامُ) أي كلّ الليل، ففي رواية لأحمد "لا تنام، تصلي"، وللبخاري تعليقًا "لا تنام بالليل". وهذه المرأة وقع في رواية مالك أنها من بني أسد، ولمسلم من رواية الزهريّ، عن عروة في هذا الحديث أنها الحَوْلاء بنتُ تُوَيْت -بمثناتين مصغّرًا- ابن حبيب -بفتح المهملة- ابن أسد بن عبد العزى، من رهط خديجة أم المؤمنين ﵂. وفي روايته أيضًا "وزعموا أنها لا تنام في الليل"، وفي روايته أيضًا "وزعموا أنها لا تنام الليل". فإن قلت: وقع في حديث الباب، من رواية هشام، عن عروة "دخل عليها النبي ﷺ ، وعندها امرأة"، وفي رواية الزهري، عنه "أن الحولاء مرّت بها"، فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المارّة امرأة غيرها، من بني أسد أيضًا، أو أن قصّتها تعددت. والجواب أن القصّة واحدة، ويبيّن ذلك رواية محمد بن إسحاق، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: "مرت برسول اللَّه ﷺ الحولاء بنت تُوَيت". أخرجه محمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" له، فيُحمل على أنها كانت أوّلاً عند عائشة، فلمّا دخل ﷺ على

стр. 10083

عائشة قامت المرأة، كما في رواية حماد بن سلمة (١)، فلما قامت لتخرج مرّت به في خلال ذهابها، فسأل عنها، وبهذا تجتمع الروايات. قاله في "الفتح" (٢). (فَذَكَرَتْ مِنْ صَلَاتِهَا) هذا تفسير لقولها: "لا تنام"، ولفظ "الكبرى"، وهي للبخاري أيضًا "تذكر من صلاتها". قال في "الفتح": بفتح الفوقانية، والفاعل عائشة، وروي بضم الياء التحتانية على البناء لما لم يُسمّ فاعله، أي يذكرون أن صلاتها كثيرة انتهى. (فَقَالَ) ﷺ (مَهْ) قال الجوهري: هي كلمة مبنيّة على السكون، وهي اسم، سُمّي به الفعل، والمعنى اكفُفْ، يقال: مَهْمَتُهُ: إذا زجرتَهُ، فإن وصلتَ نَوَّنْتَ، فقلت: مَهٍ. وقال الداوديّ: أصل هذه الكلمة "ما هذا؟ "، كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة، فقالوا: مَة، فصيّروا الكلمتين كلمة. وهذا الزجر يحتمل أن يكونْ لعائشة، والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذَكَرتْ، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة، فقالوا: يكره صلاة جميع الليل. قاله في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله جماعة هو الأرجح عندي، وهو ظاهر ما ذهب إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورد الحديث في جملة أحاديث عائشة ﵂ المختلفة في إحياء الليل، فإنه يدلّ على كراهة إحياء كلّ الليل بالصلاة مثل هذه المرأة، وهو يخالف حديثها المتقدّم "إذا دخلت العشر أحيا الليل"، وقد تقدم الجمع بين أحاديثها قريبًا، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم. (عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ) أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما لا يطاق. وقال القاضي عياض ﵀: يحتمل أن يكون هذا خاصّا بصلاة الليل، ويحتمل أن يكون عامًا في الأعمال الشرعية انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: سبب ورده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو المعتبر. قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: حمله على العموم هو الصحيح، لأنه ثبت في رواية للبخاري بلفظ: "عليكم ما تطيقون من الأعمال"، فهو ظاهر في إرادة العموم. وإنما

стр. 10084

عبّر بقوله: "عليكم" مع أن المخاطب النساء، طلبًا لتعميم الحكم, فغلّب الذكور على الإناث. واللَّه تعالى أعلم. (فَوَاللَّهِ) فيه جواز الحذف من غير استحلاف، وقد يُستحبّ إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين، أو حثّ عليه، أو تنفير من محذور. (لَا يَملُّ اللَّهُ ، حَتَّى تَمَلُّوا) هو بفتح الميم في الموضعين، والملال: استثقال الشيء، ونفور النفس عنه بعد محبّته. وقد تقدم اختلاف العلماء في المعنى المراد بالملل هنا، وتحقيق القول الراجح في ذلك مستوفًى في شرح حديث عائشة ﵂ "كان لرسول اللَّه ﷺ حَصِيرة يبسطها بالنهار … " في-١٣/ ٧٦٢ - باب "المصلى يكون بينه وبين الإمام سُترة"، فراجعه، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (وكان أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ) أي إلى اللَّه تعالى، أو إلى رسوله ﷺ ، وفي نسخة: "ولكنّ أحبّ الدين إليه". قال في "الفتح": في رواية المستملي وحده "إلى اللَّه"، وكذا في رواية عبدة، عن هشام، عند إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وكذا عند البخاريّ ومسلم من طريق أبي سلمة، ولمسلم عن القاسم، كلاهما عن عائشة، وقال باقي الرواة عن هشام: "وكان أحبّ الدين إليه"، أي إلى رسول اللَّه ﷺ ، وصرح به البخاريّ في "الرقاق" في رواية مالك، عن هشام، وليس بين الروايتين تخالف, لأن ما كان أحبّ إلى اللَّه, كان أحبّ إلى رسوله ﷺ . (مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) أي الذي استمرّ عليه، ولم ينقطع عنه، وإن كان قليلاً، ففي الرواية [١٦٥٥] من طريق أبي سلمة، عن عائشة ﵂: "وكان أحبّ العمل إليه ما داوم عليه، وإن قلّ". قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: بدوام القليل تستمرّ الطاعة بالذكر، والمراقبة، والإخلاص، والإقبال على اللَّه، بخلاف الكثير الشاقّ حتى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة. وقال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما أَحَبّ الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرّض للذمّ، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعيّن عليه. ثانيهما: أن مُداوِم الخير ملازمٌ للخدمة، وليس مَنْ لازَمَ الباب في كلّ يوم وقتًا ما، كمن لازم يوما كاملاً، ثم انقطع انتهى (١).

стр. 10085

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مَثَلُ العمل الكثير الشاقّ المنقطع مثل المطر الغزير الذي ينزل بكثرة كأفواه القِرَب في يوم واحد، بحيث يهدم البيوت، ويُفسد الزروع، ويَقطع السُّبُل، ويموت كثير من الناس، والبهائم بسيوله، ثم ينقطع في اليوم الثاني، فإنه مضرّة، لا تنتفع منه البلاد، ولا يستفيد منه العباد. ومثل العمل القليل الدائم، كمثل المطر القليل الذي ينزل كل وقت بحسب الحاجة، فيُنبت الزرع، ويُدرّ الضرع، ويملأ الأودية بمياهه، فينتفع به الناس، والبهائم، فإنه نفع محض؛ لنفعه البلاد، وإغاثته العباد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٧/ ١٦٤٢ وفي "الإيمان" ٢٩/ ٥٠٣٧ - وفي "الكبرى" ٩/ ١٣٠٧ - بالإسناد المذكور، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ١٧ (م) ٢/ ١٨٩ و ٢/ ١٩٠ (ت) في "الشمائل" ٣١١ (ق) ٤٢٣٨ (أحمد) ٦/ ٤٦ و ٦/ ٥١ و ٦/ ١٩٩ و ٦/ ٢١٢ و ٦/ ٢٣١ و ٦/ ٢٤٧ و٦/ ٢٦٨ (عبد بن حُميد) ١٤٨٥ (ابن خزيمة) ١٢٨٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: كراهة إحياء الليل كله بالعبادة، خشية الفتور، والملل على فاعله، فينقطع عن عبادة التزمها، فيكون رجوعًا عما بذل لربّه من نفسه. ومنها: جواز مدح الإنسان بما فيه من أعمال الخير. ومنها: استحباب الاقتصاد في العبادة، وكراهة التنطّع، والتعمّق فيها. ومنها: أن اللَّه تعالى يعامل عبده بما يعامله به هو، فإن أدام الإقبال عليه، أقبل عليه دائما، وإن أعرض عنه أعرض عنه، جزاء وفاقًا. ومنها: أن أحب الدين إلى اللَّه تعالى، وإلى رسوله ﷺ ما داوم عليه صاحبه، وإن كان قليلاً. ومنها: ما قاله النووي ﵀: في هذا دليل لمذهبنا، ومذهب جماعة، أو الأكثرين، أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك، إذا لم يَنَم عن الصبح انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لصريح حديث الباب، فقد أنكر النبي ﷺ ذلك علي هذه المرأة، ففي "موطأ مالك" ﵀ في هذا الحديث
следующие страницы →