بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا , ونعم الوكيل.
١٦٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, قَالَ: أَتَيْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ, وَكَانَ لِي أَخًا صَدِيقًا, فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو, حَدِّثْنِي مَا حَدَّثَتْكَ بِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ, عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: قَالَتْ::: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ, وَيُحْيِى آخِرَهُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وسيأتي مطوّلاً في ٣٠/ ١٦٨٠ ويأتي شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى.
و"محمد بن عبد اللَّه بن المبارك". هو المُخَرِّميّ البغداديّ، الثقة الحافظ. و"يحيى": هو ابن آدم بن سليمان الكوفي، الثقة الحافظ. و"زهير": هو ابن معاوية بن حُديج الكوفي الثقة المثبت، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفي الثقة العابد.
وغرض المصنّف بإيراده هنا بيان الاختلاف بينه وبين قولها في الحديث الماضي: "أحيا الليل"، وقد تقدّم قريبًا أن الأصحّ أنه لا معارضة بينهما إذ يُحمَلُ قولها: "أحيا الليل" على إحياء مُعْظَمِهِ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموضع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤١ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, عَنْ عَائِشَةَ ﵂, قَالَتْ:: لَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ, وَلَا قَامَ لَيْلَةً, حَتَّى الصَّبَاحِ, وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلاً, قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم في ٢/ ١٦٠١ - مطوّلاً، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وإنما أعاده هنا لبيان الاختلاف بينه وبين حديث عائشة المذكور أول الباب، وقد تقدم الجواب عنه قريبًا.
وسعيد: هو ابن أبي عروبة البصريّ الثقة المثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٢ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , دَخَلَ عَلَيْهَا, وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ, فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» , قَالَتْ: فُلَانَةُ, لَا تَنَامُ. فَذَكَرَتْ مِنْ صَلَاتِهَا, فَقَالَ: "مَهْ, عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ, فَوَاللَّهِ, لَا يَمَلُّ اللَّهُ , حَتَّى تَمَلُّوا", وَكَانَ (١) أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ, مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
стр. 10082
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٩.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة المشهور [٩] ٢/ ٢.
٣ - (هشام) بن عروة المدني، الثقة الفقيه [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدني الثقة الفقيه الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، دَخَلَ عَلَيْهَا) أي دخل البيت الذي فيه عائشة ﵂ (وَعنْدَهَا امْرَأَةٌ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قَالَتْ: فُلَانَةُ) هذه اللفظة كناية عن كلّ عَلَم مؤنث، فلا تنصرف، زاد عبد الرزّاق، عن معمر، عن هشام في هذا الحديث: "حسنةُ الهيئة" (لَا تَنَامُ) أي كلّ الليل، ففي رواية لأحمد "لا تنام، تصلي"، وللبخاري تعليقًا "لا تنام بالليل".
وهذه المرأة وقع في رواية مالك أنها من بني أسد، ولمسلم من رواية الزهريّ، عن عروة في هذا الحديث أنها الحَوْلاء بنتُ تُوَيْت -بمثناتين مصغّرًا- ابن حبيب -بفتح المهملة- ابن أسد بن عبد العزى، من رهط خديجة أم المؤمنين ﵂. وفي روايته أيضًا "وزعموا أنها لا تنام في الليل"، وفي روايته أيضًا "وزعموا أنها لا تنام الليل".
فإن قلت: وقع في حديث الباب، من رواية هشام، عن عروة "دخل عليها النبي ﷺ ، وعندها امرأة"، وفي رواية الزهري، عنه "أن الحولاء مرّت بها"، فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المارّة امرأة غيرها، من بني أسد أيضًا، أو أن قصّتها تعددت.
والجواب أن القصّة واحدة، ويبيّن ذلك رواية محمد بن إسحاق، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: "مرت برسول اللَّه ﷺ الحولاء بنت تُوَيت". أخرجه محمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" له، فيُحمل على أنها كانت أوّلاً عند عائشة، فلمّا دخل ﷺ على
стр. 10083
عائشة قامت المرأة، كما في رواية حماد بن سلمة (١)، فلما قامت لتخرج مرّت به في خلال ذهابها، فسأل عنها، وبهذا تجتمع الروايات. قاله في "الفتح" (٢).
(فَذَكَرَتْ مِنْ صَلَاتِهَا) هذا تفسير لقولها: "لا تنام"، ولفظ "الكبرى"، وهي للبخاري أيضًا "تذكر من صلاتها". قال في "الفتح": بفتح الفوقانية، والفاعل عائشة، وروي بضم الياء التحتانية على البناء لما لم يُسمّ فاعله، أي يذكرون أن صلاتها كثيرة انتهى.
(فَقَالَ) ﷺ (مَهْ) قال الجوهري: هي كلمة مبنيّة على السكون، وهي اسم، سُمّي به الفعل، والمعنى اكفُفْ، يقال: مَهْمَتُهُ: إذا زجرتَهُ، فإن وصلتَ نَوَّنْتَ، فقلت: مَهٍ. وقال الداوديّ: أصل هذه الكلمة "ما هذا؟ "، كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة، فقالوا: مَة، فصيّروا الكلمتين كلمة. وهذا الزجر يحتمل أن يكونْ لعائشة، والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذَكَرتْ، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة، فقالوا: يكره صلاة جميع الليل. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله جماعة هو الأرجح عندي، وهو ظاهر ما ذهب إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورد الحديث في جملة أحاديث عائشة ﵂ المختلفة في إحياء الليل، فإنه يدلّ على كراهة إحياء كلّ الليل بالصلاة مثل هذه المرأة، وهو يخالف حديثها المتقدّم "إذا دخلت العشر أحيا الليل"، وقد تقدم الجمع بين أحاديثها قريبًا، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
(عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ) أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما لا يطاق.
وقال القاضي عياض ﵀: يحتمل أن يكون هذا خاصّا بصلاة الليل، ويحتمل أن يكون عامًا في الأعمال الشرعية انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: سبب ورده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو المعتبر.
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: حمله على العموم هو الصحيح، لأنه ثبت في رواية للبخاري بلفظ: "عليكم ما تطيقون من الأعمال"، فهو ظاهر في إرادة العموم. وإنما
стр. 10084
عبّر بقوله: "عليكم" مع أن المخاطب النساء، طلبًا لتعميم الحكم, فغلّب الذكور على الإناث. واللَّه تعالى أعلم.
(فَوَاللَّهِ) فيه جواز الحذف من غير استحلاف، وقد يُستحبّ إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين، أو حثّ عليه، أو تنفير من محذور. (لَا يَملُّ اللَّهُ ، حَتَّى تَمَلُّوا) هو بفتح الميم في الموضعين، والملال: استثقال الشيء، ونفور النفس عنه بعد محبّته.
وقد تقدم اختلاف العلماء في المعنى المراد بالملل هنا، وتحقيق القول الراجح في ذلك مستوفًى في شرح حديث عائشة ﵂ "كان لرسول اللَّه ﷺ حَصِيرة يبسطها بالنهار … " في-١٣/ ٧٦٢ - باب "المصلى يكون بينه وبين الإمام سُترة"، فراجعه، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وكان أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ) أي إلى اللَّه تعالى، أو إلى رسوله ﷺ ، وفي نسخة: "ولكنّ أحبّ الدين إليه". قال في "الفتح": في رواية المستملي وحده "إلى اللَّه"، وكذا في رواية عبدة، عن هشام، عند إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وكذا عند البخاريّ ومسلم من طريق أبي سلمة، ولمسلم عن القاسم، كلاهما عن عائشة، وقال باقي الرواة عن هشام: "وكان أحبّ الدين إليه"، أي إلى رسول اللَّه ﷺ ، وصرح به البخاريّ في "الرقاق" في رواية مالك، عن هشام، وليس بين الروايتين تخالف, لأن ما كان أحبّ إلى اللَّه, كان أحبّ إلى رسوله ﷺ . (مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) أي الذي استمرّ عليه، ولم ينقطع عنه، وإن كان قليلاً، ففي الرواية [١٦٥٥] من طريق أبي سلمة، عن عائشة ﵂: "وكان أحبّ العمل إليه ما داوم عليه، وإن قلّ".
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: بدوام القليل تستمرّ الطاعة بالذكر، والمراقبة، والإخلاص، والإقبال على اللَّه، بخلاف الكثير الشاقّ حتى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة.
وقال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما أَحَبّ الدائم لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرّض للذمّ، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعيّن عليه.
ثانيهما: أن مُداوِم الخير ملازمٌ للخدمة، وليس مَنْ لازَمَ الباب في كلّ يوم وقتًا ما، كمن لازم يوما كاملاً، ثم انقطع انتهى (١).
стр. 10085
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مَثَلُ العمل الكثير الشاقّ المنقطع مثل المطر الغزير الذي ينزل بكثرة كأفواه القِرَب في يوم واحد، بحيث يهدم البيوت، ويُفسد الزروع، ويَقطع السُّبُل، ويموت كثير من الناس، والبهائم بسيوله، ثم ينقطع في اليوم الثاني، فإنه مضرّة، لا تنتفع منه البلاد، ولا يستفيد منه العباد.
ومثل العمل القليل الدائم، كمثل المطر القليل الذي ينزل كل وقت بحسب الحاجة، فيُنبت الزرع، ويُدرّ الضرع، ويملأ الأودية بمياهه، فينتفع به الناس، والبهائم، فإنه نفع محض؛ لنفعه البلاد، وإغاثته العباد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧/ ١٦٤٢ وفي "الإيمان" ٢٩/ ٥٠٣٧ - وفي "الكبرى" ٩/ ١٣٠٧ - بالإسناد المذكور، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١/ ١٧ (م) ٢/ ١٨٩ و ٢/ ١٩٠ (ت) في "الشمائل" ٣١١ (ق) ٤٢٣٨ (أحمد) ٦/ ٤٦ و ٦/ ٥١ و ٦/ ١٩٩ و ٦/ ٢١٢ و ٦/ ٢٣١ و ٦/ ٢٤٧ و٦/ ٢٦٨ (عبد بن حُميد) ١٤٨٥ (ابن خزيمة) ١٢٨٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: كراهة إحياء الليل كله بالعبادة، خشية الفتور، والملل على فاعله، فينقطع عن عبادة التزمها، فيكون رجوعًا عما بذل لربّه من نفسه. ومنها: جواز مدح الإنسان بما فيه من أعمال الخير. ومنها: استحباب الاقتصاد في العبادة، وكراهة التنطّع، والتعمّق فيها. ومنها: أن اللَّه تعالى يعامل عبده بما يعامله به هو، فإن أدام الإقبال عليه، أقبل عليه دائما، وإن أعرض عنه أعرض عنه، جزاء وفاقًا. ومنها: أن أحب الدين إلى اللَّه تعالى، وإلى رسوله ﷺ ما داوم عليه صاحبه، وإن كان قليلاً. ومنها: ما قاله النووي ﵀: في هذا دليل لمذهبنا، ومذهب جماعة، أو الأكثرين، أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك، إذا لم يَنَم عن الصبح انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لصريح حديث الباب، فقد أنكر النبي ﷺ ذلك علي هذه المرأة، ففي "موطأ مالك" ﵀ في هذا الحديث
стр. 10086
زيادة "وكَرِهَ ذلك، حتى عُرِفت الكراهة في وجهه" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٣ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , دَخَلَ الْمَسْجِدَ, فَرَأَى حَبْلاً مَمْدُودًا, بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ, فَقَالَ: «مَا هَذَا الْحَبْلُ؟». فَقَالُوا: لِزَيْنَبَ, تُصَلِّى, فَإِذَا فَتَرَتْ, تَعَلَّقَتْ بِهِ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حُلُّوهُ, لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ, فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عمران بن موسى) القَزّاز الليثي، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦.
٢ - (عبد الوارث بن سعيد) العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٣ - (عبد العزيز) بن صُهيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٨/ ١٩.
٤ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠١) من رباعيّات الكتاب. (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة، سوى أبي داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى - عنه من المكثرين السبعة، روت (٢٢٨٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى حَبلاً مَمْدُودًا، بَيْنَ سَارِيتَيْن) أي اللتين في جانب المسجد، ولفظ البخاري "بين الساريتين" بالتعريف، وكأنهما كانتا معهودتين للمخاطب (فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟) أي ما فائدة مدّه بين السارتين؟ (فَقَالُوا) وفي نسخة "قالوا" (لِزَيْنَبَ) ﵂.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: جزم كثير من الشرّاح، تبعًا للخطيب في "مبهماته" بأنها بنت جحش، أم المؤمنين ﵂، ولم أر ذلك في شيء من الطرق صريحًا. ووقع في شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقّن أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، لكنّي لم أر في "مسنده"، و"مصنّفه" زيادة على قوله: "قالوا: لزينب". أخرجه عن إسماعيل ابن عُليّة، عن عبد العزيز، وكذا أخرجه مسلم عنه، وأبو نُعيم في "المستخرج" من طريقه،
стр. 10087
وكذلك رواه أحمد في "مسنده" عن إسماعيل، وأخرجه أبو داود عن شيخين له، عن إسماعيل، فقال عن أحدهما "زينب"، ولم يَنسُبها, وقال عن آخر "حَمْنَة بنت جحش"، فهذا قرينة في كون زينب هي بنت جحش.
وروى أحمد من طريق حماد، عن حُميد، عن أنس أنها حمنة بنت جحش أيضًا، فلعلّ نسبة الحبل إليهما باعتبار أنه ملك لإحداهما، والأخرى المتعلّقة به. وقد تقدّم في "كتاب الحيض" أن بنات جحش كانت كل واحدة منهنّ تُدعى زينب، فيما قيل، فعلى هذا فالحبل لحمنة، وأطلق عليها زينب باعتبار اسمها الآخر.
ووقع في "صحيح" ابن خزيمة من طريق شعبة عن عبد العزيز: "قالوا: ليمونة بنت الحارث"، وهي رواية شاذّة، وقيل: يحتمل تعدد القصة، ووهِمَ من فسّرها بجويرية بنت الحارث، فإن لتلك قصة أخرى انتهى (١).
(تُصَلِّي) أي صلاة الليل قائمة (فَإِذَا فَتَرَتْ) بفتح المثنّاة، أي كَسِلت عن القيام في الصلاة، ووقع في مسلم بالشكّ، "فإذا فَتَرت، أو كَسِلَت" -بكسر السين- (تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حُلُّوهُ) بضم الحاء، أمر من حَلَّ العُقْدَةَ يحُلُّها، من باب قتل: نَقَضَها. وزاد البخاريّ لفظة "لا" قبله، ولفظه: "لا، حُلُّوه"، قال في "الفتح": يحتمل النفي، أي لا يكون هذا الحبل، أو لا يُحمد، ويحتمل النهي، أي لا تفعلوه انتهى (لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَه) بفتح النون، أي مدّة نشاطه (فَإِذَا فَتَرَ) أي كسِلَ (فَليَقْعُدْ") يحتمل أن يكون أمرًا بالقعود عن القيام، فيُستدلّ به على جواز افتتاح الصلاة قائمًا، والقعود في أثنائها، وسيأتي نقل الخلاف فيه، في "باب صلاة القاعد" إن شاء اللَّه تعالى. ويحتمل أن يكون أمرًا بالقعود عن الصلاة، أي بترك ما كان عَزَم عليه من التنفّل، ويمكن أن يستدلّ به على قطع النافلة بعد الدخول فيها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧/ ١٦٤٣ - وفي "الكبرى" في-٩/ ١٣٠٦ - بالإسناد المذكور، وفي "الكبرى" أيضًا -٩/ ١٣٠٦ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن إسماعيل ابن عُليّة، عن
стр. 10088
عبد العزيز به. واللَّه أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) رقم ١١٥٠ (م) ٧٨٤ (د) ١٣١٢ (ق) ١٣٧١ (أحمد) ١١٥٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: الحث على الاقتصاد في العبادة. ومنها: النهي عن التعمّق فيها. ومنها: الإقبال على العبادة بنشاط، وأنه إذا فَتَر فليقعد حتى يذهب عنه الفتور. ومنها: إزالة المنكر باليد واللسان لمن تمكن من ذلك. ومنها: جواز التنفّل للنساء في المسجد من غير كراهة، فإنها كانت تصلي النافلة فيه، فلم ينكر عليها ذلك، وإنما أنكر عليها التكلف لذلك، وجوازه للرجال يكون من باب أولى. ومنها: كراهة التعلّق بالحبل فى الصلاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ, قَامَ النَّبِيُّ ﷺ , حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ, فَقِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ, مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ, وَمَا تَأَخَّرَ, قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (محمد بن منصور) الجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٣ - (سفيان) بن عيينة، تقدم أول الباب.
٤ - (زياد بن عِلَاقة) الثعلبيّ، أبو مالك الكوفيّ، ثقة، رُمي بالنصب [٣] ٤٣/ ٩٥٠.
٥ - (المغيرة بن شُعبة) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفي الصحابي المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٦/ ١٧ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٢) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الثاني، فإنه من أفراده. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ) بكسر العين المهملة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) - رضي
стр. 10089
اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي في صلاة الليل، وفي رواية البخاريّ، من طريق مِسعَر، عن زياد: "إن كان النبي ﷺ لَيقوم، أو ليصلي" (حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ،) أي انتفخت من طول القيام، وفي رواية البخاري المذكورة: "حتى تَرِمَ قدماه"، أو "ساقاه".
(فَقِيلَ لَهُ) لم يُسمّ القائل في حديث شعبة، وفي حديث عائشة ﵂: فقالت له عائشة. لِمَ تصنع هذا يا رسول اللَّه … " (قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ) وفي حديث أبي هريرة ﵁، عند البزّاز: "فقيل له: تفعل هذا، وقد جاءك من اللَّه أن قد غفر لك؟ ". (قَالَ) ﷺ ("أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا") الفاء للسببية، عن محذوف، تقديره، أأترك تهجّدي، فلا أكون عبدًا شكورًا. والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجّد شكرًا، فكيف أتركه.
قال ابن بطال ﵀: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدّة في العبادة، وإن أضرّ ذلك ببدنه؛ لأنه ﷺ إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك، فضلاً عمن لم يأمن أنه استحقّ النار انتهى.
قال الحافظ ﵀: ومحلّ ذلك ما إذا لم يُفض إلى الملال, لأن حال النبي ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يملّ من عبادة ربّه، وإن أضرّ ذلك ببدنه، بل صحّ أنه قال: "وجُعِلَت قرّة عيني في الصلاة"، كما أخرجه النسائيّ من حديث أنس ﵁ (١).
فأما غيره ﷺ ، فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يُكرِه نفسه، وعليه يُحمل قوله ﷺ في الحديث السابق: "خذوا من الأعمال ما تطيقون" الحديث.
وقال القرطبيّ ﵀: ظن من سأله عن سبب تحمّله المشقّة في العبادة أنه إنما يعبد اللَّه خوفًا من الذنوب، وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غُفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقًا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، وإيصال النعمة لمن لا يستحقّ عليه فيها شيئًا، فيتعيّن كثرة الشكر على ذلك، والشكر الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سُمّي شَكُورًا، ومن ثَمّ قال : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. انتهى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث المغيرة بن شعبة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
стр. 10090
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ١٧/ ١٦٤٤ - وفي "الكبرى" ٢١/ ١٣٢٥ - بالإسناد المذكور, وفي "الكبرى" (١) عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن ابن عيينة به. وعن قتيبة، عن أبي عوانة، عن زياد بن عِلاقة به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٣ و ٦/ ١٦٩ و ٨/ ١٢٤ (م١) ٨/ ١٤١ (ت) ٤١٢ وفي "الشمائل" ٢٦١ (ق) ١٤١٩ (الحميدي) ٧٥٩ (أحمد) ٤/ ٢٥١ و ٤/ ٢٥٥ (ابن خزيمة) ١١٨٢ و١١٨٣ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما كان عليه النبي ﷺ من كثرة العبادة، والاجتهاد فيها، والخشية من ربّه ، مع أنه غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر؛ ليكون عبداً شكورًا.
قال العلماء ﵏: إنما ألزم الأنبياءُ - عليهم الصلاة والسلام - أنفسَهم بشدّة الخوف، لعلمهم بعظيم نعمة اللَّه تعالى عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته، ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق اللَّه تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد. واللَّه تعالى أعلم (٢).
ومنها: أن الشكر يكون بالعمل، كما يكون باللسان، كما قال اللَّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِهْرَانَ -وَكَانَ ثِقَةً- قَالَ: حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي, حَتَّى تَزْلَعَ -يَعْنِي تَشَقَّقُ- قَدَمَاهُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلَاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (صالح بن مِهران) الشيباني مولاهم، أبو سفيان الأصبهانيّ، ثقة زاهد, كان يقال له: الحكيم [١١] (٣).
стр. 10091
روى عن النعمان بن عبد السلام، وشيبان بن زكريا المعالج، ومحمد بن يوسف الزاهد، وغيرهم. وعنه عمرو بن علي الفلاس، وأسيد بن عاصم، ومحمد بن عاصم، وغيرهم.
قال عمرو بن علي: كان ثقة. وقال أسيد بن عاصم: كان يفتي، وكان أفقه من الحسين بن حفص. وقال النسائيّ: ثقة. وقال أبو نُعيم: كان من الوَرَع بمحلّ. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "وكان ثقة": الظاهر أنه من كلام عمرو بن عليّ الراوي عنه. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (النعمان بن عبد السلام) بن حَبيب بن حُطيط بن عُقبة بن خُثيم بن وائل بن مهانة ابن تيم اللَّه بن ثعلبة التيمي، أبو المنذر الأصفهانيّ، أصله من نيسابور، ثم صار إلى البصرة، فتفقه، ثقة عابد فقيه [٩].
روى عن سَلَمَة بن وَرْدان، وخالد بن دينار، وابن جريج، ومالك، وغيرهم. وعنه ابن مهديّ، من أقرانه، وسليمان الشاذَكُونيّ، وإبراهيم بن سُويد، وغيرهم.
كان عبد الرحمن بن مهديّ يقول: حدثنا النعمان أبو المنذر الرجل الصالح. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه. محله الصدق، قال: فقلت له: النعمان، وحسين بن حفص، وعصام، أيّهم أحبّ إليك في الثوريّ؟ فقال: النعمان أحبّ إليّ. وقال أبو الشيخ: هو أرفع مَن رَوَى عن الثوريّ من الأصبهانيين، قال: وكان ممن يَنتحل السنّة، وينتحل مذهب الثوريّ في الفقه، وكان أبوه يتبع السلطان، وخلّف له ضَيعَةً، فتركها النعمان، ولم يأخذها. وذكروا أنه ابن عمّ يزيد بن زُريع. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو نُعيم الأصبهانيّ: كان أحد العبّاد الزّهّاد الفقهاء. وقال الحاكم في "المستدرك": ثقة مأمون. توفي سنة (١٨٣) وقيل: (١٧٣). انفرد بالرواية له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الحديث فقط، وله ذِكْرٌ في "اللقطة" من "سنن أبي داود".
٤ - (سفيان) بن سعيد الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (عاصم بن كليب) الجَرْميّ الكوفي، صدوق رُمي بالإرجاء [٥] ١١/ ٨٨٩.
٦ - (كُليب) بن شهاب، الجرمي الكوفي، صدوق [٢] ١١/ ٨٨٩.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ١٧/ ١٦٤٥ - وفي "الكبرى" ٢١/ ١٣٢٦ واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "تَزْلَعَ" بفتح الزاي، من باب تَعِبَ، قال المجد اللغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: الزَّلَعُ محرّكة: شُقَاقٌ في ظاهر القدم، وباطِنِهِ، وفي ظاهر الكفّ، أو تَفَطّرُ الجلد،
стр. 10092
وبهاءٍ: جِرَاحة فاسدة، وزَلِعَت جِراحتُهُ، كفَرِحَ: فسدت انتهى.
وقوله: "يعني تَشَقّق" جملة معترضة بين الفعل والفاعل الذي هـ و"قدماه"، وهو تفسير للزَّلَعِ من أحد الرواة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨ - كيفَ يَفْعَلُ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا؟ وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف في حديثها ﵂، أن الحديث الأول، والثاني يدلان على أن صلاة النبي ﷺ في الليل لا يختلف بالقيام والقعود، بل إذا افتتح قائما، ركع قائما، وإذا فتتح قاعدًا ركع قاعدًا، والأحاديث الثلاثة بعدهما يدلان على أن صلاته يختلف قيامًا وقعودًا، فكان يفتتح قاعدًا، فيقرأ طويلاً، ثم إذا بقي من قراءته قدر ثلاثين، أو أربعين آية قام، فقرأها، ثم ركع، وهكذا في الركعة الثانية، وأما الحديث الأخير ففيه أنه كان يصلي تسع ركعات، أو سبع ركعات بالقيام، ويصلي ركعتين جالسا.
قلت: لكن هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة أحاديثها, لأنه يُجمع بحمل ذلك على اختلاف الأوقات، فكان يفعل تارة هكذا، وتارة هكذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ بُدَيْلٍ, وَأَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُصَلِّي لَيْلاً طَوِيلاً, فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا, رَكَعَ قَائِمًا, وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا, رَكَعَ قَاعِدًا.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبله.
٢ - (حمّاد) بن زيد بن درهم الجَهْضَميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٣/ ٣.
٣ - (بُديل) بن مَيسرة الْعُقَيليّ البصريّ، ثقة [٥] ٥٥/ ٨٥٩.
٤ - (أيوب) بن أبي تَمِيمَة كيسان السَّختياني البصريّ، ثقة حجة فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
стр. 10093
[تنبيه]: قوله: "وأيوب" معطوف على "بديل"، مجرور بالفتحة لكونه غير منصرف، فما وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" من ضبطه بالرفع بضبط القلم غلطٌ، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (عبد اللَّه بن شَقيق) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقة فيه نصبٌ [٣] ١٧/ ١٥٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها) أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فبغلانيّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها). أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُصَلِّي لَيلاً طَوِيلاً) ولمسلم من طريق شعبة، عن بُديل، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: كنت شاكيًا بفارس، فكنت أصلي قاعدًا، فسألت عن ذلك عائشة؟، فقالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي ليلاً طويلاً قائمًا … " فذكر الحديث. وله من طريق خالد الحذّاء، عن عبد اللَّه ابن شقيق، قال: سألت عائشة، عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ؟، عن تطوعه، فقالت: كان يصلي في بيتي، قبل الظهر أربعا، ثم يخرج، فيصلي بالناس، ثم يدخل، فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل، فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي، فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات، فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما, وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ، وهو قائم، ركع وسجد، وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا، ركع وسجد، وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر، صلى ركعتين.
(فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا) أي إذا افتتح الصلاة قائمًا (رَكَعَ قَائِمًا) أي أتم صلاته على هيئته (وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا، رَكَعَ قَاعِدًا) أي إذا ابتدأ الصلاة قاعدًا أتمها كذلك. وفي الرواية التالية، من طريق ابن سيرين، عن عبد اللَّه بن شقيق: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي قائمًا وقاعدًا، فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا، ركع قاعدًا". ولفظ مسلم: "يُكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا … " فذكره.
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وهو
стр. 10094
إجماع العلماء انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٨/ ١٦٤٦ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ١٣٥٥ - بالإسناد المذكور، وفي ١٦٤٧ - عن عبدة بن عبد الرحيم، عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن عبد اللَّه بن شَقِيق، عنها. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٦٢ (د) ٩٥٥ و ١٢٥١ (ت) ٣٧٥ وفي "الشمائل" ٢٨٠ و ٤٣٦ و ٢٨٦ (ق) ١١٦٤ و ١٢٢٨ (أحمد) ٦/ ٣٠ و ٩٨ و١٠٠ و ١١٢ و ١١٣ و ١٦٦ و ٢٠٤ و ٢١٦ و ٢٢٧ و ٢٢٨ و ٢٣٦ و ٢٤١ و ٢٦١ و ٢٦٢ و ٢٦٥ (ابن خزيمة) ١١٦٧و ١١٩٩ و ١٢٤٥ و ١٢٤٦ و ١٢٤٧ و ١٢٤٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ ابْنِ سِيرِينَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُصَلِّي قَائِمًا وَقَاعِدًا, فَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا, رَكَعَ قَائِمًا, وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا, رَكَعَ قَاعِدًا.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبدة بن عبد الرحيم) المروزي، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٧.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الحافظ الحجة الثبت [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (يزيد بن إبراهيم) التُّسْتَريّ -بضم المثناة، وسكون المهملة، وفتح المثناة، ثم راء- أبو سعيد التميميّ مولاهم، نزيل البصرة، ثقة ثبت، من كبار [٧].
روى عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وغيرهم. وعنه وكيع، وبَهْز بن أسد، وابن مهديّ، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: يزيد بن
стр. 10095
إبراهيم أثبت من جرير بن حازم. وقال ابن أبي خيثمة: سُئل ابن معين عن يزيد بن إبراهيم، والسَّريّ بن يحيى, أيّهما أثبت؟ فقال: يزيد لا شكّ فيه، والسريّ ثقة. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: هشام بن حسّان أحبّ إليك في ابن سيرين، أو يزيد ابن إبراهيم؟ فقال: ثقتان، قلت: فيزيد، أو جعفر بن حيّان؟، قال: يزيد. قال عثمان: وسمعت أبا الوليد يقول: يزيد أثبت عندنا من هشام، وقال يزيد بن زُريع: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحسن أثبت من يزيد بن إبراهيم. وقال عبد الرحمن بن الحَكَم: ليس في أصحاب الحسن أثبت منه. وقال محمود بن غَيلان: ذُكر يزيد بن إبراهيم عند وكيع، فقال: ثقة ثقة. وقال ابن المدينيّ: ثَبْتٌ في الحسن، وابن سيرين. وقال يحيى ابن معين: يزيد بن إبراهيم، عن قتادة ليس بذاك. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة من أوسط أصحاب الحسن وابن سيرين. وقال زياد بن أيوب، عن سعيد بن عامر. حدثنا يزيد بن إبراهيم الصدوق المسلم. وقال ابن سعد: كان ثقة ثَبْتًا، وكان عفّان يرفع أمره. ووثقه أحمد بن صالح، وعمرو بن عليّ، وابن نمير. وقال عليّ ابن إشكاب: حدثنا أبو قَطَن، حدثنا يزيد بن إبراهيم التُّستَريّ الذهب المُصَفّى. وقال عثمان الدارميّ، عن أبي الوليد: ما رأيت أكيس منه، كان يُحدّث عن الحسن، فيُغرب، ويحدثنا عن ابن سيرين، فيَلحَن، يعني أنه كان يحدّث كما سمع. وقال ابن عديّ: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كلِّ من يَروي عنه، وإنما أُنكرت أحاديثُ رواها عن قتادة، عن أنس، وهو ممن يُكتب حديثه، ولا بأس به، وأرجو أن يكون صدوقًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وفرّق أبو محمد بن حرم في كتاب الحجّ من "المحلّى" بين يزيد بن إبراهيم التستريّ، وبين يزيد بن إبراهيم الراوي عن قتادة، فقال: إن التستريّ ثقة ثبت، والراوي عن قتادة ضعيف. قال الحافظ: ولا أدري مَن هو سلفه في جعله اثنين. وقال أبو الوليد الطيالسيّ: مات سنة (١٦١) وقال عمرو بن علي: مات سنة اثنتين. وقال ابن ابنه محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم: مات سنة (١٦٣). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و ٢٨٤٨ حديث: "احتجم، وهو محرم، من وَثْءٍ كان به".
٤ - (ابن سيرين) محمد الإمام الحجة الثبت [٣] ٤٦/ ٥٧.
والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث أخرجه مسلم، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ, وَأَبُو النَّضْرِ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ جَالِسٌ, فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ, قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ, أَوْ أَرْبَعِينَ
стр. 10096
آيَةً, قَامَ فَقَرَأَ, وَهُوَ قَائِمٌ, ثُمَّ رَكَعَ, ثُمَّ سَجَدَ, ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المريّ، ثقة ثبت [١٠] ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٤ - (عبد اللَّه بن يزيد) المخزوميّ المدني الأعور المقرئ، ثقة [٦] ٥١/ ٩٦١.
٥ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية المدني، ثقة ثبت يرسل [٥] ٩٨/ ١٢١.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو النضر، عن أبي سلمة، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَيَقْرَأُ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) فيه إشارة إلى أن الذي كان يقرؤه قبل أن يقوم أكثر, لأن البقيّة تطلق في الغالب على الأقلّ (قَدْرَ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةَ) "قدر" بالرفع فاعل "بقي" (قَامَ فَقَرَأَ، وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ) فيه أنه لا يشترط لمن افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائما، قاله في "الفتح" (١).
وقال في موضع آخر: فيه رد على من اشترط على من افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكيّ عن أشهب، وبعض الحنفية، والحجة فيه ما رواه مسلم وغيره من طريق عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبي ﷺ ، وفيه "كان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا" (٢)، وهذا
стр. 10097
صحيح، ولكن لا يلزم منه منع ما رواه عروة عنها، فيُجمع بينهما بأنه كان يفعل كلاً من ذلك بحسب النشاط وعدمه. واللَّه أعلم.
وقد أنكر هشام بن عروة على عبد اللَّه بن شقيق هذه الرواية, واحتجّ بما رواه عن أبيه، أخرج ذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، ثم قال: ولا مخالفة عندي بين الخبرين، لأن رواية عبد اللَّه بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعدًا، أو قائما، ورواية هشام بن عروة محمولة على ما إذا قرأ بعضها جالسًا، وبعضها قائمًا انتهى (١).
وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز الركعة الواحدة، بعضها من قيام، وبعضها من قعود، وهو مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وعامّة العلماء, وسواء قام، ثم قعد، أو قعد، ثم قام، ومنعه بعض السلف, وهو غلط، وحكى القاضي عن أبي يوسف، ومحمد صاحبي أبي حنيفة في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ولو نوى القيام، ثم أراد أن يجلس جاز عندنا، وعند الجمهور، وجوّزه من المالكية ابن القاسم، ومنعه أشهب انتهى (٢). (ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي من القراءة جالسًا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين، أو أربعين قام، فقرأ، وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٨/ ١٦٤٨ - بالإسناد المذكور، وفي ١٨/ ١٦٤٩ - و "الكبرى" - ٢٨/ ١٣٥٦ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. وفي ١٨/ ١٦٥٠ - عن زياد بن أيوب، عن ابن عُليّة، عن الوليد أبي هشام، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عنها. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٠ و ٢/ ٦٧ (م) ٢/ ١٦٣ و ٢/ ١٦٤ (د) ٩٥٣ (ق) ١٢٢٦ و ١٢٢٧ (مالك في الموطإ) ١٠٥ (الحميديّ) ١٩٢ (أحمد) ٦/ ٤٦ و ٥٢ و ١٢٧و ١٧٨ و ١٨٣ و ٢٠٤ و ٢٣١ (عبد بن حميد) ١٤٩٤ (ابن خزيمة) ١٢٤٠ و١٢٤٤ واللَّه تعالى أعلم
стр. 10098
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا , ونعم الوكيل.
١٦٤٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ::: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى جَالِسًا, حَتَّى دَخَلَ فِي السِّنِّ, فَكَانَ يُصَلِّي, وَهُوَ جَالِسٌ, يَقْرَأُ فَإِذَا غَبَرَ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ, أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً, قَامَ فَقَرَأَ بِهَا, ثُمَّ رَكَعَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله، ورجاله أيضًا تقدموا قريبًا، وإسحاق بن إبراهيم، هو الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، وعيسى بن يونس: هو السبيعيّ.
وقوله: "حتى دخل" في السن, أي كبر سنه. وقوله: "غير" بالغين المعجمة، والباء الموحّدة، غبُورًا، من باب قَعَد: بقي، وقد يستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبَيديّ: غَبَر غُبُورًا: مَكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. قاله في "المصباح".
والمراد هنا المعنى الأول، أي بقي من قراءته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٥٠ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ, عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ:: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَقْرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ, فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ, قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ إِنْسَانٌ أَرْبَعِينَ آيَةً.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ورجاله رجال الصحيح، و"زياد بن أيوب": هو الملقّب دَلُّويَه البغداديّ، أبو هاشم طوسيّ الأصل، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و"ابن عُلية": هو إسماعيل بن إبراهيم البصريّ الحافظ الثبت [٨] ١٨/ ١٩. و"الوليد بن أبي هشام": هو المدني، صدوق [٦] ١/ ١٥٩٧ واسم أبي هشام زياد.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ "الوليد بن هشام" بحذف لفظة "أبي"، وهو خطأ فاحش، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
و"أبو بكر بن محمد": هو ابن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدني، ثقة عابد [٥] ١١٨/ ١٦٣. و"عمرة": هي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣. وقد تقدّم قريبًا شرح الحديث، وبيان مسائله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٥١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنِ الْحَسَنِ,
стр. 10099
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ, فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂, قَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ , قُلْتُ: أَنَا سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ, قُلْتُ أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ وَكَانَ, قُلْتُ: أَجَلْ. قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ, ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ فَيَنَامُ, فَإِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ, قَامَ إِلَى حَاجَتِهِ, وَإِلَى طَهُورِهِ, فَتَوَضَّأَ, ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ, فَيُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ, يُخَيَّلُ إِلَيَّ, أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ, فِي الْقِرَاءَةِ, وَالرُّكُوعِ, وَالسُّجُودِ, وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ, ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ, وَهُوَ جَالِسٌ, ثُمَّ يَضَعُ جَنْبَهُ, فَرُبَّمَا جَاءَ بِلَالٌ, فَآذَنَهُ (١) بِالصَّلَاةِ, قَبْلَ أَنْ يُغْفِيَ وَرُبَّمَا يُغْفِي, وَرُبَّمَا شَكَكْتُ أَغْفَى, أَوْ لَمْ يُغْفِ؟ حَتَّى يُؤْذِنَهُ بِالصَّلَاةِ, فَكَانَتْ تِلْكَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى أَسَنَّ, وَلَحُمَ, فَذَكَرَتْ مِنْ لَحْمِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ, قَالَتْ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ , يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ, ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ, فَإِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ, قَامَ إِلَى طَهُورِهِ, وَإِلَى حَاجَتِهِ, فَتَوَضَّأَ, ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ, فَيُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ, يُخَيَّلُ إِلَيَّ, أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقِرَاءَةِ, وَالرُّكُوعِ, وَالسُّجُودِ, ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ, ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ, وَهُوَ جَالِسٌ, ثُمَّ يَضَعُ جَنْبَهُ, وَرُبَّمَا جَاءَ بِلَالٌ, فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ, قَبْلَ أَنْ يُغْفِيَ, وَرُبَّمَا أَغْفَى, وَرُبَّمَا شَكَكْتُ أَغْفَى, أَمْ لَا؟ , حَتَّى يُؤْذِنَهُ بِالصَّلَاةِ, قَالَتْ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وقد
تقدّموا، و"عمرو بن علي": هو الفلاّس البصريّ، و"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى
السامي البصريّ. و"هشام": هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ، والإسناد كله مسلسل
بالبصريّين.
وقولها: "كان وكان": أي كان كذا، وكان كذا، فقولها: "إن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي الخ" تفصيل وبيان لقولها: "كان وكان". وقولها: "ثم يأوي إلى فراشه" أي يرجع ويجيء. وقولها: "إلى حاجته" المراد حاجة البول ونحوه. وقولها: "وإلى طَهوره" بفتح الطاء، أي الماء الذي يتطهّر به.
وقولها: "ثم دخل المسجد": أي المحلّ الذي يصلي فيه، لا المسجد الجامع، بدليل قولها في الرواية الأخرى: "ثم يقوم إلى مصلّاه"، وبدليل قولها: "ويسلّم تسليمة واحدة شديدة، يكاد يوقظ أهل البيت"، فإيقاظ أهل البيت إنما يكون إذا صلى في البيت.
стр. 10100
وقولها: "يُخيّل إليّ" بتشديد الياء، مبنيا للمفعول: أي يقع في ظنّي. وقولها: "آذنه" أي أعلمه. وقولها: "قبل أن يُغفي" بضم الياء، من الإغفاء، وهو النوم الخفيف. وقولها: "فكانت تلك صلاة رسول اللَّه ﷺ " اسم الإشارة اسم "كان" مرفوع المحلّ، و"صلاة" بالنصب خبرها.
وقولها. "لَحُم" ككرُم، وعَلِمَ: أي كثر لحمه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في ٢/ ١٦٠١ - فراجعه تستفد.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت, وإليه أنيب".
…
١٩ - بَاب صَلَاةِ الْقَاعِدِ فِي النَّافِلةِ، وَذِكْرِ الاختِلَافِ عَلَى أَبي إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على أبي إسحاق، كما سيتضح في كلام المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن عُمر بن أبي زائدة رواه عنه، عن الأسود، عن عائشة ﵂، فخالفه يونس بن أبي إسحاق، فرواه من أبيه، عن الأسود، عن أم سلمة ﵂، فجعله من مسند أم سلمة، بدلاً من كونه من مسند عائشة ﵂، ثم خالف يونس شعبةُ، وسفيانُ الثوريّ، فروياه عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، فجعلا الواسطة بين أبي إسحاق، وأم سلمة أبا سلمة، بدلاً من الأسود.
هذا الاختلاف كله على حديث أبي إسحاق السبيعيّ الذي أشار إليه في الترجمة.
ثم بين المصنف -رحمه اللَّه تعالى- اختلافا آخر، وهو أنه قد خالف أبا إسحاق عثمانُ ابن أبي سليمان، فرواه عن أبي سلمة، عن عائشة، بدلاً من أم سلمة, ورواية عثمان أخرجها مسلم في "صحيحه". هذا خلاصة الاختلاف في هذا الحديث.
[فإن قلت]: كيف يُجمع بين هذه الاختلافات؟.
[قلت]: يُجمع بينها بأن أبا إسحاق رواه من حديث كل من عائشة، وأم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أما روايته لحديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فلا شك في
стр. 10101
صحتها لأن شعبة رواها عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، وقد وقع التصريح بذلك في رواية المصنّف هنا. وأما روايته لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وإن كان فيها عنعنته، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية -وهي صحيحة كما ذكرناه آنفًا- تشهد لها.
والحاصل أن الحديث صحيح مرويّ عن كلّ من عائشة، وأم سلمة - رضي اللَّه تعالى - عنهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٥٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي, وَهُوَ صَائِمٌ, وَمَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا, ثُمَّ ذَكَرَتْ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ, وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ, مَا دَامَ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. خَالَفَهُ يُونُسُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفَلاّس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (أبو عاصم) الضحّاك بن مَخلَد النَّبِيل الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤.
[تنبيه]: قوله: "عن حديث أبي عاصم" أي أخبرنا عمرو بن عليّ عما حدّثه به أبو عاصم النبيل. ووقع في نسخة "الكبرى" "عن حريث أبي عاصم" بالراء بدل "حديث أبي عاصم"، وهو غلطٌ فاحش، وأما ما كتبه محقق "السنن الكبرى" في الهامش فلا فائدة فيه، بل هو كلام ساقط. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (عُمر بن أبي زائدة) الهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريّا، أكبر منه، صدوق [٦].
روى عن أبي إسحاق، وقيس بن أبي حازم، والشعبيّ، وغيرهم. وعنه ابن أخيه يحيى بن زكريا، وبهز بن أسد، وزيد بن الْحُباب، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال ابن مهديّ: كان كَيّس الحفظ. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: عُمر يرى القدر. وقال في موضع آخر: زكريّا أعلى من أخيه عمر بكثير. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال العُقيليّ: كان يرى القدر، وهو في الحديث مستقيم. وقال يعقوب بن سُفيان: عمر لا بأس به، وزكريّا ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". مات بعد (١٥٠). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
стр. 10102
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفيّ، ثقة مخضرم مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحين وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي) أي من تقبيل وجهي (وَهُوَ صَائِمٌ) تعنى أنه ﷺ كان لا يمتنع من التقبيل لأجل الصوم؛ لأنه غير مانع من ذلك.
وفيه جواز القبلة للصائم، وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب الصيام" إن شاء اللَّه تعالى.
(وَمَا مَاتَ حتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاِتهِ قَاعِدًا) أي لأجل ضعفه عن القيام الطويل (ثُمَّ ذَكرَتْ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ) أي ذكرت عائشة ﵂ في حديثها كلمة، لم يحفظ الأسود لفظها، بل معناها، وهو "إلا المكتوبة"، والمعنى أنه ﷺ كان أكثر صلاته النافلة، في أواخر حياته بعد ما ضعف قاعدا، وأما المكتوبة فإنه لا يصليها إلا قائما.
وفيه دليل على جواز النافلة قاعدًا، وأما المكتوبة فلا تجوز إلا بالقيام للقادر عليه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَل إِلَيْهِ) أي إلى النبي ﷺ (مَا دَامَ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ) أي واظب، وثبت عليه، ولم ينقطع عنه إلا بعذر (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا) أي وإن كان ذلك العمل الدائم قليلا، وقد تقدّم وجه كونه أحب من العمل الكثير المنقطع قبل باب، فراجعه، تستفد، واللَّه تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا في إسناده عنعنة أبي إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية تشهد له، فهو صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا-١٩/ ١٦٥٢ - وفي "الكبرى" ٢٩/
стр. 10103
١٣٥٧ - بالإسناد المذكور .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا , ونعم الوكيل.
ثم بيّن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الاختلاف الذي أشار إليه في الترجمة بقوله: (خَالَفَهُ يُونُس الخ) أي خالف يونسُ بنُ أبي إسحاق السبيعي عُمرَ بنَ أبي زائدة في هذا الإسناد، فرَوَاهُ عَن أَبِي إِسْحَاقَ السبيعيّ، عَنِ الْأَسْوَد بن يزيد، عَنْ أُمِّ سلَمَةَ، بدلاً من عائشة ﵂، كما بيّنه بقوله:
١٦٥٣ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا, إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ.
خَالَفَهُ شُعْبَةُ, وَسُفْيَانُ, وَقَالَا: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سليمان بن سَلْم البَلْخيّ) الْهَدَاديّ، أبو داود المصاحفيّ، ثقة [١١] ١١٨/ ١٠٧٥.
٢ - (النضر) بن شُميل، أبوْ الحسن البصريّ، نزيل مَرْوَ، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٤١/ ٤٥.
٣ - (يونس) بن أبي إسحاق الهمدانيّ الكوفيّ، صدوق يَهِم قليلا [٦] ١٦/ ٦٥٢.
٤ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية، أم المؤمنين ﵂ ١٢٣/ ١٨٣.
والباقيان تقدّما في الذي قبله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا فيه عنعنة أبي إسحاق أيضًا، إلا أن رواية شعبة التالية تشهد له، فهو صحيح، وهو هذا السياق من أفراد المصنف أيضًا من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا-١٩/ ١٦٥٣ وفي "الكبرى" ٢٩/ ١٣٥٨ - بالإسناد المذكور، وأخرجه (أحمد) ٦/ ٢٩٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- اختلافًا آخر في هذا الحديث، بقوله: (خَالَفَهُ) أي عيسى بنَ يونس (شُعْبَةُ) بن الحجّاج (وَسُفْيَانُ) الثوريّ (وَقَالَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂، فجعلاه عن أبي سلمة بدلاً من الأسود، ثم ذكر رواية شعبة بقوله:
١٦٥٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا, إِلاَّ الْفَرِيضَةَ, وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ أَدْوَمَهُ, وَإِنْ قَلَّ.
стр. 10104
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح، أخرجه المصنف -رحمه اللَّه تعالى-: هنا -١٩/ ١٦٥٤ - وفي "الكبرى"-٢٩/ ١٣٥٩ بالإسناد المذكور، و ١٩/ ١٦٥٥ بالإسناد الآتي، وأخرجه (ابن ماجه) ١٢٢٥ و٤٢٣٧ و (أحمد) ٦/ ٣٠٤ و ٣١٩ و ٣٢٠ و٣٢١ و ٣٢٢.
و (إسماعيل بن مسعود): هو الجَحدري البصريّ. و (خالد) هو: ابن الحارث الْهُجَيميّ .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر رواية سفيان الثوريّ، بقوله:
١٦٥٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ, مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا, إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ, وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ, مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ, وَإِنْ قَلَّ.
خَالَفَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، ولا تضرّه عنعنة أبي إسحاق؛ لأنه صرح بالسماع في رواية شعبة السابقة، فانتفت تهمة التدليس. واللَّه تعالى أعلم.
و (عبد اللَّه بن عبد الصمد) هو ابن أبي خِدَاش -بكسر المعجمة، وآخره معجمة- واسمه عليّ، الأسديّ الْمَوْصليّ، صدوق [١١]. ووى عن أبيه، وعمه محمد، والوليد ابن مسلم. وعنه النسائي، وابن أخيه أحمد بن صالح بن عبد الصمد، ومحمد بن عَبْدُوس الدُّورِيّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال موسى بن محمد الغَسّانيّ: سمعته بِسُرَّ مَن رَأَى يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، فحدّثت به عليّ بن حرب، فقال: سَرَرْتَني. قال موسى: قال عليّ: كان قال لي: تعالَ حتى نَقِف في القرآن، فقلتُ له: اذهب أنت، فقف وحدك. أرّخ أبو زكريّا الأزديّ وفاته سنة (٢٥٥).
انفرد به المصنف، روى عنه في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم ١٦٥٥ و ٣٤٢٠ و ٤٩٧١.
و (يزيد) لم يتبيّن لي من هو، فقد ذكر في "تهذيب الكمال" ممن يروي عن سفيان الثوريّ، ممن اسمه يزيد ثلاثة: يزيد بن أبي حَكِيم العَدَنيّ، ويزيد زُريع، ويزيد بن هارون، فإن كان أحد هؤلاء الثلاثة، فالإسناد صحيح؛ لأن الأول صدوق، وأما الأخيران فإنهما إمامان مشهوران، وإلا فلا أدري من هو؟. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10105
و (سفيان) هو الثوريّ .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "خالفه عثمان بن أبي سليمان" أي خالف أبا إسحاق السبيعي، عثمان أبي سليمان، فرواه عن أبي سلمة، عن عائشة، فجعله من مسند عائشة بدلاً من أم سلمة ﵂، ورواية عثمان هذه أخرجها مسلم في "صحيحه"، وقد تقدّم أن الحديث ثابت مرويّ عنهما معا، فلا داعي لتغليط بعض الحفاظ، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل.
ثم ذكر رواية عثمان بن أبي سليمان، فقال:
١٦٥٦ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ حَجَّاجٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ, وَهُوَ جَالِسٌ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث رجاله كلهم رجال الصحيح، وقد
تقدّموا.
و"الحسن بن محمد". هو الزعفراني، أبو عليّ البغداديّ صاحب الشافعيّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٤٢٧. و"حجاج": هو بن محمد الأعور المصِّيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/ ٣٢.
و"ابن جُريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. و"عثمان أبي سُليمان". هو ابن جُبير بن مُطعم القرشيّ النوفليّ، قاضي مكة، ثقة [٦] ١٣/ ١٢٠٥.
والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم ٧٣٢ وأخرجه المصنّف هنا ١٩/ ١٦٥٦ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ١٣٦٠ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٦٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ, قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي, وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ, بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو الأشعث) العجليّ، أحمد بن المِقْدَام البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩.
٢ - (يزيد بن زُيع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (الجُرَيريّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط بآخره [٥] ٣٢/ ٦٧٢.
٤ - (عبد اللَّه بن شَقِيق) العُقَيليّ البصريّ، ثقة فيه نَصْبّ [٣] ١٧/ ١٥٤٤.
стр. 10106
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابية، فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقِ) العُقَيليّ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ قَاعِدٌ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ: نَعَمْ) أي كان يصلي قاعدًا (بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ) الحَطْم. الكسر، تعني بعد ما ضعف بما حمّله الناس من أثقالهم، يقال: حَطَمَ فلانًا أهله، من باب ضرب: إذا كَبِر فيهم، كأنهم بما حمّلوه من أثقالهم صيّروه شيخًا كبيرًا محطومًا. أفاده في "اللسان". واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم -٧٣٢ - ، وأخرجه المصنف هنا -١٩/ ١٦٥٧ - .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٥٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ, عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ, قَاعِدًا قَطُّ, حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ, فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا, يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ, فَيُرَتِّلُهَا, حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا قريبًا، سوى:
١ - (السائب بن يزيد) الكنديّ صحابي صغير ﵁، تقدم ١٥/ ١٣٩٢.
٢ - (المطّلب بن أبي وَداعة) الحارث بن صَبِرَة بن سُعيد السَّهْميّ المدني، من مسلمة الفتح ﵁ ٤٩/ ٩٥٨.
٣ - (حفصة) بن عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣٩/ ٥٨٣ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 10107
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبلانيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض: السائب، عن المطّلب، عن حفصة ﵂ واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَفْصَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، صلَّى في سبْحَتِهِ) أي في صلاته النافلة (قَاعِدًا قَطّ، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ، فَيُرَتِّلُهَا) أي يقرأها بتمهّل، يقال. رتلت القرآن ترتيلاً: تمهّلت في القراءة، ولم أعجل. قاله في "المصباح" (حَتَّى تَكُونَ) أي السورة بواسطة الترتيل (أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا) أي إلى أن تصير تلك السورة أطول من سورة أطول منها بسبب ترتيله قراءتها, وليس المراد أن نفس السورة تكون أطول.
وفيه استحباب الترتيل في تلاوة القرآن، إذ المطلوب من تلاوته التدبر في آياته، وتذكّر ما فيها من المعاني الباهرة، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، ولا يمكن ذلك للقارئ، والمستمع إلا بالترتيل .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى. في درجته: حديث حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٩/ ١٦٥٧ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٧/ ١٣٧٦ - بالإسناد المذكور. واللَّه أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٦٤ (ت) ٣٧٣ وفي "الشمائل" ٢٨١ (مالك في الموطإ) ص ١٠٤ (أحمد) ٦/ ٢٨٥ (الدارمي) ١٣٩٢ و ١٣٩٣ (ابن خزيمة) ١٢٤٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 10108
٢٠ - بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ
١٦٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ, عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ, عَنْ أَبِي يَحْيَى, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , يُصَلِّي جَالِسًا, فَقُلْتُ: حُدِّثْتُ أَنَّكَ قُلْتَ, إِنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ, عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ, وَأَنْتَ تُصَلِّى قَاعِدًا, قَالَ: «أَجَلْ, وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبيد اللَّه بن سعيد) السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (منصور) بن المعتمر الكوفي، ثقة ثبت حجة [٥] ٢/ ٢.
٥ - (هلال بن يساف) -بفتح الياء وكسرها-، ويقال: إساف -بكسر الهمزة- الكوفيّ، ثقة [٣] ٣٩/ ٤٣.
٦ - (أبو يحيى) الأعرج، مِصْدَع المُعَرْقب، مقبول [٣] ٨٩/ ١١١.
٧ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: هلال، عن أبي يحيى، وهو من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يُصَلِّي جَالِسًا، فَقُلْتُ) وفي رواية أبي داود من طريق جرير، عن منصور، قال: حُدّثتُ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (صلاة الرجل قاعدًا، نصف الصلاة"، فأتيته، فوجدته يُصلي، جالسًا، فوضعت يدي على رأسي، فقال: (مالك، يا عبد اللَّه بن عمرو؟ "، قلتُ: حُدِّثتُ أنك يا رسول اللَّه قلت: "صلاة الرجل … " الحديث (حُدِّثْتُ) بالبناء
стр. 10109
للمفعول (أَنَّكَ) بفتح همزة "أنّ" لوقوعها موقع المفرد، وهو النائب عن الفاعل (قُلْتَ: إنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها مقول القول، (صَلَاةَ الْقَاعِدِ, عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ) قال النووي ﵀: معناه أن صلاة القاعد، فيها نصف ثواب القائم، فيتضمّن صحتها، ونُقصان أجرها، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلّى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينقص ثوابه، بل يكون كثوابه قائمًا.
وأما الفرض، فإن صلى قاعدًا، مع قدرته على القيام لم تصحّ، فلا يكون فيه ثواب، بل يأثم به. قال أصحابنا. وإن استحلّه كفر، وجرت عليه أحكام المرتدّين، كما لو استحلّ الزنا، والربا، أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم، وإن صلى القرض قاعدًا لعجزه عن القيام، أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود، فثوابه كثوابه قائمًا، لم ينقص باتفاق أصحابنا، فيتعيّن حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع قدرته على القيام. هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكاه القاضي عياض ﵀ عن جماعة، منهم الثوريّ، وابن الماجشون وحُكي عن الباجيّ، من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر، أو نافلةً لعذر، أو لغير عذر، قال: وحمله بعضهم على من له عذر، يرخّص في القعود في القرض والنفل، ويمكنه القيام بمشقّة انتهى كلام النووي ﵀ (١).
(وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: أَجَلْ) كـ"نعم" وزنًا ومعنى، وهي أحسن في مثل هذا من "نعم"، كما تقدّم. (وَلَكِنِّي لَسْتُ كأَحَدٍ مِنْكُمْ) أي لست مثلكم في كون ثواب صلاتي قاعدًا على النصف من صلاتي قائمًا، بل هو كصلاتي قائما، لا ينقص منه شيء.
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هو عند أصحابنا من خصائصه ﷺ ، فجُعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا، تشريفًا له، كما خُصّ بأشياء معروفة في كتب أصحابنا، وقد استقصيتها في أول "كتاب تهذيب الأسماء واللغات" (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: معناه أن النبي ﷺ لَحِقَه مشقّة من القيام لحطم الناس، وللسنّ، فكان أجره تامًّا، بخلاف غيره، ممن له عذر.
وردّ عليه النوويّ، فقال: هذا ضعيف، أو باطل, لأن غيره ﷺ إن كان معذورًا، فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام، فليس هو كالمعذور، فلا يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير "لست كأحد منكم"، وإطلاق هذا
стр. 10110
القول (١)، فالصواب ما قاله أصحابنا أن نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائمًا، وهو من الخصائص. واللَّه أعلم انتهى كلام النووي ﵀.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -، هذا الذي ردّ به النوويّ كلام عياض هو الصواب عندي. والحاصل أن من صلى قاعدا لعذر، فله الأجر كاملا، سواء النبي ﷺ ، أو غيره، فلا خصوصية له في ذلك، إنما الخصوصية له فيما إذا صلى قاعدًا من غير عذر، فإن له الأجر كاملاً.
ودليل ثبوت الأجر كاملاً للمعذور مطلقًا ما أخرجه البخاري ﵀ في "كتاب الجهاد" من طريق إبراهيم السَّكْسَكيّ، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبى كبشة، في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت، أبا موسى مرارا، يقول: قال رسول اللَّه- ﷺ : "إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا"، انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته، حديث عبد اللَّه بن عَمْرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٢٠/ ١٦٥٩ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ١٣٦١ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٦٥ (د) ٩٥٠ (أحمد) ٢/ ١٦٢ و١٩٢ و ٢٠١ و ٢٠٣ (الدارمي) ١٣٩١ (ابن خزيمة) ١٢٣٧. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل صلاة القائم على صلاة القاعد، حيث إنه يفضل عليه بنصف الأجر. ومنها: جواز النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام. ومنها: بيان شرف النبي ﷺ ، وعظيم منزلته عند اللَّه تعالى، حيث خصّه بعدم نقص أجر صلاته قاعدًا، بخلاف غيره، فينقص منهم نصف أجورهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 10111
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١ - فَضْلُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ عَلَى صَلَاةِ النَّائِمِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعترض ابن بطال على هذه الترجمة، وادعى أن النسائيّ صحف الحديث (١)، قال: وغلطه فيه ظاهر؛ لأنه ثبت الأمر للمصلى إذا وقع عليه النوم أن يقطع الصلاة، وعقل ذلك بأنه لعله يستغفر، فيسبّ نفسه، قال: فكيف يأمره بقطع الصلاة، ثم يُثبت أن له نصف أجر القاعد. انتهى.
ورَدّ عليه الحافظ العراقي في "شرح الترمذي" -كما نقله في "الفتح"- فقال: ما حاصله: لعله هو الذي صحّف، وإنما ألجأه إلى ذلك حَمْلُ قوله: "نائمًا" على النوم الحقيقي الذي أُمر المصلي إذا وجده بقطع الصلاة، وليس ذلك المراد هنا، إنما المراد الاضطجاع. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الردّ، وأفاد.
فترجمة النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- صحيحة موافقة للحديث الذي أورده في الباب، ومن ادعى عليه التصحيف فهو المصحّف, لأنه لم يفهم المراد، من الحديث، فلسوء فهمه حمله على أن النوم هو النوم الحقيقي الذي ورد الأمر بقطع الصلاة من أجله، وليس كذلك، وإنما المراد بالنوم هو الاضطجاع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٦٠ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ, عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ , عَنِ الَّذِي يُصَلِّي قَاعِدًا؟ , قَالَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا, فَهُوَ أَفْضَلُ, وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا, فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ, وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا, فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ».
стр. 10112
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُميد بن مَسعَدة) الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (سُفيان بن حَبيب) البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢.
٣ - (حُسين المعلّم) بن ذكوان الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٦] ١٢٢/ ١٧٤.
٤ - (عبد اللَّه بن بُريدة) بن الحُصيب الأسلميّ، أبو سَهْل المروزيّ، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٥ - (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف الخُزاعيّ، أبو نُجَيد الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٠١/ ٣٢١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير عبد اللَّه بن بُريدة، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وصرح عبد اللَّه بن بريدة بالتحديث عند البخاريّ، فقال: "حدثني عمران بن حُصين، وكان مبسورًا (١) … " (قَالَ: سَألْتُ النبِي ﷺ ، عَنِ الذِي يُصَلِّي قَاعِدًا؟) قال الخطّابي -رحمه اللَّه تعالى-. كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوّع -يعني للقادر- لكن قوله: "من صلّى نائمًا" يُفسده, لأن المضطجع لا يصلي التطوّع كما يفعل القاعد, لأني لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخّص في ذلك، قال: فإن صحّت هذه اللفظة، ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد، كما يتطوّع المسافر على راحلته، فالتطوّع للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث، قال: وفي القياس المتقدّم نظر, لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، بخلاف الاضطجاع، قال: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل، فيقوم مع مشقّة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم، ترغيبًا له في القيام، مع جواز قعوده. انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو حمل متّجه. قال: فمن صلى فرضًا قاعدًا، وكان
стр. 10113
يشقّ عليه القيام أجزأه، وكان هو، ومن صلى قائمًا سواءً، قال: فلو تحامل هذا المعذور، وتكلف القيام، ولو شق عليه كان أفضل لمزيد أجر تكلّف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة، فيصحّ أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم، ومن صلّى النفل قاعدًا مع القدرة على القيام أجزأه، وكان أجره على النصف من أجر القائم بغير إشكال.
وأما قول الباجيّ: إن الحديث في المفترض والمتنفّل معًا، فإن أراد بالمفترض ما قرّرناه فذاك، وإلا فقد أبى ذلك أكثر العلماء.
وحكى ابن التين وغيره عن أبي عُبيد، وابن الماجشون، وإسماعيل القاضي، وابن شعبان، والإسماعيليّ، والداوديّ، وغيرهم أنهم حملوا حديث عمران على المتنفّل، وكذا نقله الترمذيّ عن الثوريّ، قال: وأما المعذور إذا صلى جالسًا، فله مثل أجر القائم. ثم قال: وفي هذا الحديث ما يشهد له، يشير إلى ما أخرجه البخاري في "الجهاد"، من حديث أبي موسى ﵁، وقد تقدم لفظه. قال. ويؤيد ذلك قاعدة تغليب فضل اللَّه تعالى، وقبول عذر من له عذر. واللَّه أعلم.
ولا يلزم من اقتصار العلماء المذكورين في حمل الحديث المذكور على صلاة النافلة أن لا تَرِدَ الصورة التي ذكرها الخطابي، وقد ورد في الحديث ما يشهد لها، فعند أحمد من طريق ابن جُريج، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهي مَحَمَّةٌ (١)، فحُمَّ الناسُ، فدخل النبي ﷺ المسجد، والناس يُصلّوْن من قُعود، فقال: "صلاة القاعد نصف صلاة القائم"، ورجاله ثقات, زاد في رواية: "فتجشّم الناس الصلاةَ قيامًا"، وله متابع عند النسائيّ (٢)، من وجه آخر، وهو وارد في المعذور، فيحمل على من تكلّف القيام مع مشقّته عليه، كما بحثه الخطّابيّ.
وأما نفي الخطّابيّ جواز التنفّل مضطجعًا، فقد تبعه ابن بطال على ذلك، وزاد: لكن الخلاف ثابت، فقد نقله الترمذيّ بإسناده إلى الحسن البصريّ، قال: إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائما، وجالسًا، ومضطجعًا، وقال به جماعة من أهل العلم، وأحد الوجهين للشافعية، وصححه المتأخّرون، وحكاه عياض وجهًا عند المالكيّة أيضًا، وهو اختيار الأبهريّ منهم، واحتجّ بهذا الحديث.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى-، ومن تبعه
стр. 10114
أرجح عندي؛ لصحة حديث الباب، وما تقدم للخطابي من احتمال الإدراج فغير صحيح؛ لعدم استناده إلى حجة. وأما ما قاله السنديّ، من أن العلماء عَدُّوه بدعةً، وحدثا في الإسلام، فكلام لم يعتمد على تأمّل الحديث، وأقوال أهل العلم فيه، فكيف يكون بدعة، وقد صحّ الحديث فيه، وقال به جماعة من أهل العلم الذين تقدّم ذكرهم، إن هذا من العَجَب العُجَاب!. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: سؤال عمران - رضي اللَّه تعالى عنه - عن الرجل خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواء (١).
(قَالَ: "من صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ) ثوابًا ممن صلى قاعدًا (وَمنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ) وهذا يُستثنَى من عمومه النبي ﷺ ، فإن صلاته قاعدًا, لا ينقص أجرها عن صلاته قائما، لحديث عبد اللَّه بن عمرو المتقدّم في الباب السابق (وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا) أي مضطجعًا، كما فسره به البخاري في "صحيحه" فإنه قال عقب حديث الباب: ما نصه: قال أبو عبد اللَّه: "نائما" عندي مضطجعًا ههنا. انتهى. (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ") هذا نصّ صريح في صحة صلاة النافلة مضطجعًا، وقد قال به جماعة من أهل العلم، وهو الحقّ، كما أسلفناه قريبا .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٢١/ ١٦٦٠ وفي "الكبرى" ٣١/ ١٣٦٢ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٥٩ (د) ٩٥١ (ت) ٣٧١ (ق) ١٢٣١ (أحمد) ٤/ ٤٣٣ و ٤٣٥ و ٤٤٢ و ٤٤٣ (ابن خزيمة) ١٢٣٦ و ١٢٤٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10115
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السابع عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائي -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثامن عشر مفتتحًا بالباب ٢٢ "نوع آخر" الحديث رقم ١٦٦١.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 10116
شرح سنن النسائي
المسمى
شرح سُنن النّسَائي
المُسَمَّى
ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى
لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر
محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي
المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة
عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ
الجزْء السَّابع عَشر
стр. 10117
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 10118
شرح سنن النسائي
стр. 10119
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع
المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 10120
٢٢ - بَابٌ كَيْفَ صَلَاةُ الْقَاعِدِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بيان كيفية القعود لمن يصلي قاعدًا، وهي أن يجلس متربّعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٦١ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ, عَنْ حَفْصٍ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا, قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا, رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ, غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ, وَهُوَ ثِقَةٌ, وَلَا أَحْسِبُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلاَّ خَطَأً, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (أبو داود الحَفَريّ) عُمر بن سَعْد بن عُبيد الكوفيّ، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣.
٣ - (حفص) بن غِياث بن طَلْق النخعيّ الكوفيّ، ثقة فقيه تغير قليلاً بآخره [٨] ٨٦/ ١٠٥.
٤ - (حميد) الطويل البصريّ، ثقة مدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
[تنبيه]: كون حميد هذا هو الطويل هو الذي صرح به المصنف في "الكبرى"، وابن حبّان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، لكن قال الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" ج ١١ ص ٤٤٢ و"تهذيب الكمال" ج ٧ ص ٣٧٤: إنه حميد بن طَرْخان، ونَفَى أن يكون حميدًا الطويل. وردّ عليه الحافظ مغلطاي بأن النسائيّ في "السنن الكبرى" رواية ابن الأحمر فسره بأنه الطويل. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" ج ٣ ص ٤٣: فرق ابن حبّان بين حُميد بن طرخان، وبين حُميد الطويل، في"الثقات"، وقد تقدم أن والد حميد الطويل، يقال له طرخان، وأن الطويل يروي عن عبد اللَّه بن شقيق، فالظاهر أنه هذا؛ إذ ليس في الرواية ما يدلّ على أنه غيره، لا سيما وفي "السنن الكبرى" رواية الأحمر، عن النسائيّ، عن هارون، عن أبي داود، عن حفص، عن حميد، وهو الطويل، فقوله: "وهو الطويل" يحتمل أن يكون من قول النسائي، أو من قول مَنْ فوقه، أو دونه، وهو الأشبه (١)، ثم وجدت الحديث في "سنن البيهقيّ" من طريق