← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

الصلاة، والصيام أشرف العبادات البدنيّة، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال، وخُصّت الصلاة بشيئين لأنها تقع ليلًا ونهارًا، بخلاف الصيام. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٢٨/ ١٦٧٧ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ١٣٩٦ - بالإسناد المذكور، وفي ١٦٧٨ - و"الكبرى" ١٣٩٧ - عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عباس الْجُرَيريّ، عن أبي عثمان به. وفي "الكبرى" أيضًا (١) عن بشر بن هلال الصّوّاف البصريّ، عن عبد الوارث، عن أبي التّيّاح، عن أبي عثمان به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٧٣ و ٣/ ٥٣ (م) ٢/ ١٥٨ (أحمد) ٢/ ٤٥٩ (الدارمي) ١٤٦٢ و ١٧٥٣ (ابن خزيمة) ٢١٢٣ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على صلاة الوتر قبل النوم، وهذا في حقّ من يغلبه النوم آخر الليل، وإلا فالآخر أفضل. ومنها: ما قاله ابن أبي جمرة ﵀: في إفراده بهذه الوصية إشارةً إلى أن القدر الموصى به هو اللائق بحاله. ومنها: أن في قوله: "خليلي" إشارة إلى موافقته في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا؛ لأن أبا هريرة صبر على الجوع في ملازمته للنبي ﷺ ، كما ثبت في "صحيح البخاري" عنه، أنه قال: "أمّا إخواني من المهاجرين، فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول اللَّه ﷺ بملء بطني … الحديث، فشابه حالَ النبي ﷺ في إيثاره الفقر على الغنى، والعبوديّة على الملك. ومنها: أنه يؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدّث بالنعمة، والشكر للَّه تعالى، لا على وجه المباهاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم هل الوتر أول الليل أفضل، أم آخره؟: أخرج مسلم ﵀ في "صحيحه" عن جابر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خاف أن لا يقوم، من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر

стр. 10152

الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل"، وقال أبو معاوية: "محضورة". وأخرج ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: "متى توتر؟ " قال: أُوتِر، ثم أَنَام، قال: "بالحزم أخذت"، وسأل عمر، فقال: "متى توتر؟ "، قال: أنام، ثم أقوم من الليل، فأُوتر، قال. "فِعْلِي فَعَلْتَ"، وفي رواية: "بفعل القويّ فعلتَ". قال الإمام ابن المنذر ﵀ بعد أن أخرج الحديثين: ما نصّه: فدلّ قوله: "وذلك أفضل" على أن الوتر في آخر الليل أفضل. وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان أبو بكر الصدّيق ﵁ يوتر أول الليل، وكان عثمان بن عفّان ﵁ ينام قبل أن يوتر، ورُوي معنى ذلك عن رافع بن خَدِيج ﵁، وفعل ذلك عائذ بن عمرو ﵁ لمّا أسنّ، وروينا عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: الأكياس الذين إذا علموا أنهم لا يقومون أوتروا من قبل أن يناموا، وأن الأقوياء الذين يوترون آخر الليل، وهو أفضل. قال: وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه لما نظر إلى تباشير الفجر، قال: نعم ساعة الوتر هذه، وكان عائذ بن عمرو يوتر آخر الليل، فلما أسنّ أوتر، ثم نام، وكان عبد اللَّه ابن مسعود يوتر آخر الليل، وممن استحبّ الوتر آخر الليل النخعيّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. قال: ويشبه أن يكون من حجة من رأى أن الوتر أول الليل أفضل حديث أبي هريرة ﵁: "ثلاث أوصاني بهنّ، أن أنام على وتر"، فلما قال النبي ﷺ "من طَمِعَ في أن يستيقظ من آخر الليل، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل"، دلّ على أن قول أبي هريرة ﵁: "ثلاث أوصاني بهنّ: الوتر قبل النوم"، إنما هنّ على معنى الحَذَرِ، والوثيقة، تخوّفًا أن لا يستيقظ، فيوترَ آخر الليل. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن الأفضل لمن يشق بالانتباه آخر الليل فالأفضل أن يؤخّر الوتر إلى آخر الليل، ومن خاف أن لا يقوم فيه، فالأفضل له أن يوتر قبل النوم. والحاصل أن الأحاديث المطلقة، في الوصية بالوتر قبل النوم، كحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب مقيدة بمخافة ذوات الوتر باستغراقه في النوم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 10153

١٦٧٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ , بِثَلَاثٍ: الْوِتْرِ أَوَّلَ اللَّيْلِ, وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. و"محمد" شيخ ابن بشار، هو محمد بن جعفر المعروف بـ "غُندر". و (عباس الجُرَيري) -بضم الجيم-: هو عباس بن فَرُّوخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره معجمة- أبو محمد البصريّ، ثقة [٦]. روى عن أبي عثمان النَّهْديّ، والحسن البصريّ، وعمرو بن شُعيب، إن كان محفوظًا. وعنه شعبة، وهمام، والحمادان، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة. وكذا قال النسائي. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، مات كَهْلاً بعد (١٢٠). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وقوله: (وركعتي الفجر) هكذا وقع في النسختين المطبوعتين من "المجتبى" هنا، وفي "الهندية" هنا، وفي الرواية السابقة بلفظ "وركعتي الفجر"، ووقع في "الكبري" في الموضعين بلفظ: "وركعتي الضحى"، والذي يظهر لي أن نسخ "المجتبى" كلَّها وقع فيها تصحيف، والصواب "وركعتي الضحى"، كما في "الكبرى"، فقد أخرج الحديث البخاري ﵀ رقم ١١٧٨ - عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بسند المصنّف، وفيه: "وصلاة الضحى"، وأخرجه مسلم ﵀ من طريق أبي التَّيَّاح، عن أبي عثمان، وفيه: "وركعتي الضحى"، ثم أخرجه من طريق شعبة، عن عباس الْجُريري، وأبي شِمْر الضُّبَعي، كلاهما عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله. وكذا هو عند ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، وأحمد في "مسنده"، والبيهقي في "سننه"، وغيرهم، فليس عند أحد منهم لفظ: "وركعتي الضحى"، وهو كذلك أيضًا في وصية أبي الدرداء، وأبي ذرّ ﵁، كما تقدّم. والحاصل أن الصواب "وركعتي الفجر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10154

٢٩ - بَابُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عنِ الْوِترَيْنِ فِي لَيلَةِ ١٦٧٩ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ, عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ, قَالَ: زَارَنَا أَبِي, طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ, فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ, فَأَمْسَى بِنَا, وَقَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ, وَأَوْتَرَ بِنَا, ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِدٍ, فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ, حَتَّى بَقِيَ الْوِتْرُ, ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلاً, فَقَالَ لَهُ: أَوْتِرْ بِهِمْ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هنّاد بن السّريّ) تقدم قبل باب. ٢ - (مُلازم بن عمرو) بن عبد اللَّه بن بدر، أبو عمرو اليماميّ، صدوق [٨] ١١٩/ ١٦٥. ٣ - (عبد اللَّه بدر) بن عَميرة الحنفيّ السُّحَيميّ اليماميّ، ثقة [٤] ١١٩/ ١٦٥. ٤ - (قيس بن طلق) بن علي الحنفيّ اليماميّ، صدوق [٣] ١١٩/ ١٦٥. ٥ - (طلق بن علي) بن المنذر الحنفيّ السُحَيميّ، أبو عليّ اليماميّ، صحابي، له وفادة - رضي اللَّه تعالى عنه - ١١٩/ ١٦٥ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل باليماميين، غير شيخه، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ) الحنفي -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: زَارَنَا أَبِي، طَلْقُ بْنُ عَليِّ) بالرفع بدل من "أبي" (فِي يَوْم مِنْ رَمَضَانَ، فَأمْسَى بِنَا) أي تأخر معنا حتى دخل وقت المساء (وَقَامَ بنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ) أيَ صلى بنا إمامًا صلاة الليل (وَأَوْتَرَ بِنَا) أي صلى بنا صلاة الوتر إمامًا (ثُمَّ انْحَدَرَ) أي نزل (إِلَى مَسْجِدٍ) من مساجد قومه، ولفظ أبي داود: "إلى مسجده" بالإضافة إلى ضميره (فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ) قال السندي ﵀: الظاهر أنه صلى بهم الفرض والنفل جميعًا، فيكون اقتداء القوم به في الفرض من اقتداء المفترض بالمتنفّل

стр. 10155

(حَتَّى بَقِيَ الْوِتْرُ) أي صلى بهم صلاة الليل إلى أن انتهت كلها، وبقيت صلاة الوتر (ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلاً) أي جعله إماما لهم (فَقَالَ لَهُ: أَوْتِرْ بِهمْ) أي صلّ بهم صلاة الوتر (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) تعليل لتأخره عن الإمامة، وتقديم ذلك الرجل، أي لأني سمعت رسول اللَّه ﷺ (يَقُولُ: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةِ) أي لا يجتمع وتران، أو لا يجوز وتران في ليلة واحدة، فـ "وتران" فاعل لفعل محذوف، كما قدّرنا, ويحتمل أن تكون "لا" عاملة عمل "ليس"، فـ"وتران" بالرفع اسمها، أو عاملة عمل "إنّ" على لغة من يُلزم المثنّى الألف في الأحوال الثلاثة، وهي لغة بلحارث، كما قاله الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى-. وقال السنديّ: وليست "لا" نافية للجنس، وإلا لكان "لا وترين" بالياء؛ لأن الاسم بعد "لا" النافية للجنس يُبنى على ما يُنصب به، ونصب التثنية بالياء، إلا أن يكون ههنا حكاية، فيكون الرفع للحكاية. وقال السيوطي: على لغة من ينصب المثنى بالألف انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالحكاية، غير صحيح؛ لأن المقام ليس مقام حكاية، فالصواب ما قدّمناه من توجيهات الرفع. واللَّه تعالى أعلم. ثم إن النفي هنا بمعنى النهي، فكأنه قال: لا توتروا مرّتين في ليلة واحدة، وفيه دليل على أنه لا يجوز إعادة الوتر بعد صلاته، وبه قال أكثر أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث طلق بن علي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٢٩/ ١٦٧٩ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ١٣٨٨ بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ١٤٣٩ (ت) ٤٧٠ (أحمد) ٤/ ٢٣ (ابن خزيمة) ١١٠١ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في نقض الوتر: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في الرجل يوتر، ثم ينام، ثم يقوم للصلاة (١)، فقالت طائفة: يصلي إلى الركعة التي أوتر بها قبل أن ينام

стр. 10156

ركعة أخرى، ثم يصلي ما بداله، ثم يوتر في آخر صلاته، واحتج بعضهم بأن رسول اللَّه ﷺ أمر أن يجعل آخر الصلاة بالليل وترًا، هكذا قال إسحاق وغيره. فممن رُوي عنه أنه كان يشفع وتره عثمانُ بن عفّان، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب. وممن رُوي عنه أنه فعل ذلك علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس ﵃. وبه قال عمرو بن ميمون، وابن سيرين. ومذهب سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن مسعود، وابن سيرين، وإسحاق: إذا نقض وتره أوتر في آخر صلاته، ولعلّ هذا مذهبُ الآخرين، وإن لم يُذكر ذلك عنهم. قال: وأنكر بعضهم هذا، وقال: إذا نام الرجل، وأحدث أحداثًا، ثم قام، فتوضّأ، وتكلّم بين ذلك، ثم صلى ركعة، وهذه الركعة غير الركعة التي ركعها قبل أن ينام، إذ بينهما من الفضل بالنوم والأحداث ما بينهما، ثم إذا صلى، وأوتر بعد ذلك في آخر صلاته، فقد صار مُوتِرًا مرّتين (١) في ليلة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وتران في ليلة"، وإنما قول النبي ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" في الرجل يريد الصلاة من الليل، فإذا أراد ذلك، فالسنّة أن يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر آخر صلاته، وليس ذلك لمن قد أوتر مرّة، إذ ليس من السنّة أن يوتر في ليلة مرتين، والدليل على أن معنى قول ابن عمر المعنى الذي قلناه أن ابن عمر، وهو الراوي لقول النبي ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، وقد سئل عن نقض الوتر، فقال: إنما هو شيء أفعله برأي، لا أرويه عن أحد. ثم أخرج بسنده عن مسروق، أنه قال: سألت ابن عمر عن نقضه الوتر؟ فقال: إنما هو شيء أفعله برأي، لا أرويه عن أحد. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: ولا أعلم اختلافًا في أن رجلاً بعد أن أدى صلاة فرض كما فُرضت عليه، ثم أراد بعد أن فرغ منها نَقْضَها أن لا سبيل له إليه، فحُكْمُ المختَلَفِ فيه من الوتر حُكْمُ ما لا نعلمهم اختلفوا فيه، مما ذكرناه، وكذلك الحجّ، والصوم، والعمرة، والاعتكاف، لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يُكْمِلها. رَوَينا عن أبي بكر الصدّيق ﵁ أنه قال: إنما أنا فإني أنام على وتر، فإن استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، وروي هذا القول عن ابن عبّاس، خلاف القول الأول، ورَوَينا ذلك عن عائذ بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعائشة ﵃، ومَن رُوي عنه من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في هذه المسألة قولان، فلعلّه قد فعل الفعلين جميعًا.

стр. 10157

وكان علقمة لا يرى نقض الوتر، وهكذا مذهب النخعيّ، وطاوس، وأبي مِجْلَز، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الراجح عندي مذهب أكثر أهل العلم، وهو عدم نقض الوتر، إذ لا دليل عليه، كما قرره ابن المنذر ﵀، وأن من صلى الوتر قبل النوم، ثم استيقظ بعد النوم صلى ركعتين ركعتين، وأما احتجاج القائلين بنقض الوتر بحديث "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، فالجواب عنه أن الأمر فيه ليس للإيجاب، وإنما هو للاستحباب، بدليل أنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا، فإنه يدلّ على أن الأمر المذكور للاستحباب، لا للإيجاب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٠ - بَابُ وَقْتِ الْوِتْرِ ١٦٨٠ - أَخْبَرَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ, عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ , فَقَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ, ثُمَّ يَقُومُ, فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَوْتَرَ, ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ, فَإِذَا (٣) كَانَ لَهُ حَاجَةٌ, أَلَمَّ بِأَهْلِهِ, فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ, وَثَبَ, فَإِنْ كَانَ جُنُبًا, أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ, وَإِلاَّ تَوَضَّأَ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم في -١٧/ ١٦٤٠ - وتقدم شرحه، والكلام على المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

стр. 10158

و (محمد) شيخ ابن المثنّى: هو محمد بن جعفر غُندر. و"أبو إسحاق": هو السبيعيّ. وقولها: (فإن كان له حاجة ألمّ بأهله): أي إن كان حاجة إلى زوجته، نزل بها، وهو كناية عن الجماع. وقولها: (وثب): أي قام سريعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي حَصِينٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِهِ, وَآخِرِهِ, وَأَوْسَطِهِ, وَانْتَهَى وَتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن منصور) الكَوْسَج المروزيّ ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي الحافظ الحجة البصريّ [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو حَصين) بالفتح- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفي، ثقة ثبت سنّيّ ربما دلّس [٤] ١٠٢/ ١٥٢. ٥ - (يحيى بن وَثّاب) الأسديّ مولاهم الكوفيّ المقرئ، ثقة عابد [٤] ٧٥/ ١٠٠٦. ٦ - (مسروق) بن الأجدع الكوفي، ثقة فقيه مخضرم [٢] ٩٠/ ١١٢. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرحمن، فبصريّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أبو حصين، عن يحيى بن وثّاب، عن مسروق. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنْ أَوَّلِهِ) هكذا نسخ "المجتبى" دون ذكر مرجع الضمير، وهو "الليل"، أي في أول الليل، وفي نسخة من "الكبرى": "أوتر رسول اللَّه ﷺ من كلّ الليل، من أوله … "، ولفظ مسلم: "من كل الليل أوتر رسول اللَّه ﷺ … "، ولفظ البخاريّ: "كل الليل أوتر رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 10159

وانتهى وتره إلى السحر". والمراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، للإجماع على أن ابتداء وقت الوتر مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، هكذا نقل الإجماع ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-. لكن أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلّى العشاء، وبان أنه بغير طهارة، ثم صلى الوتر متطهّرًا، أو ظنّ أنه صلى العشاء، فصلى الوتر، فإنه يجزئ على هذا القول دون الأول. قاله في "الفتح" (١). (وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَانتَهَى وِترُهُ إِلَى السَّحَرِ) زاد أبو داود، والترمذيّ: "حين مات". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به آخر الليل، كما قالت في الروايات الأخرى، ففيه استحباب الإيتار آخر الليل، وقد تضافرت الأحاديث الصحيحة عليه، قال: وفيه جواز الإيتار في جميع أوقات الليل بعد دخول وقته. انتهى. وقال في "الفتح": يحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر في أوّله لعله كان وجعًا، وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره، فكأنه غالب أحواله، لما عُرف من مواظبته على الصلاة في أكثر الليل. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الذي ذكره غير ظاهر. واللَّه تعالى أعلم. و"السحر" قُبيل الصبح، وحكى الماروديّ أنه السدس الأخير، وقيل: أوله الفجر الأول، وفي رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس ﵄ عند ابن خزيمة: "فلما انفجر الفجر قام، فأوتر بركعة"، قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأول. ورَوَى أحمد من حديث معاذ، مرفوعًا: "زادني ربي صلاةً، وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر"، وفي إسناده ضعف وأخرج "أصحاب السنن" عن خارجة بن حُذافة ﵁، قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إن اللَّه تعالى قد أمدّكم بصلاة، وهي خير لكم من حُمْر النَّعَم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر"، وهو ضعيف، وهو الذي احتجّ به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحا في الوجوب. واللَّه تعالى أعلم. وأما حديث بُريدة، رفعه: "الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منّا، وأعاد ذلك ثلاثًا"،

стр. 10160

ففي سنده أبو الْمُنِيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله، فيحتاج من احتجّ به إلى أن يُثبت أن لفظ "حقّ" بمعنى واجب في عرف الشرع، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد. (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا- ٣٠/ ١٦٨٢ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ١٣٩٠ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٣١ (م) ٢/ ١٦٨ (د) ١٤٣٥ (ت) ٤٥٦ (ق) ١١٨٥ (الحميديّ) ١٨٨ (أحمد) ٦/ ٤٦ و١٠٠ و ١٠٧ و ١٢٩ و ٢٠٤ (الدارميّ) ١٥٩٥ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر: قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا، والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول يمتدّ إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى. وقال الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعي أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حكى صاحب "المفهم" الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى (٢). وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى

стр. 10161

تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان. قال الحافظ: وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبي عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٨٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ ابْنَ عُمَرَ, قَالَ: "مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ, فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وَتْرًا, فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدَّم في -١٦٦٦ - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ودلالته على الترجمة واضحة، إذ يدلّ على أن وقت الوتر هو الليل. وقوله: "كان يأمر بذلك، أي أمرَ ندب، كما تقدم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣١ - بَابُ الأَمْرِ بِالْوِتْرِ قَبْلَ الصُّبْحِ ١٦٨٣ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ, وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ, - قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ, وَهُوَ ابْنُ سَلاَّمِ بْنِ أَبِي سَلاَّمٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ الْعَوَقِيُّ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوَتْرِ؟ , فَقَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم) أبو قُدَيدٍ النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٨.

стр. 10162

٢ - (محمد بن المبارك) الصوريّ نزيل دمشق، ثقة، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤١. ٣ - (معاوية بن سلاّم بن أبي سلاّم) الدمشقيّ الحمصيّ، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٥ - (أبو نضرة العَوَقيّ) -بفتحتين- المنذر بن مالك بن قُطَعَة البصريّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨. ٦ - (أبو سعيد الخُدْريّ) سعد بن مالك بن سنان - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها). أن فيه أبا سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠). واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَحْيىَ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) أنه (قَالَ: أَخبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك (الْعَوَقِيُّ) - بعين مهملة، وواو مفتوحتين، وقاف- منسوب إلى العَوَقَة بطن من عبد القيس، وحكى صاحب "المطالع" فتح الواو وإسكانها، والصواب المشهور المعروف الفتح، لا غير. قاله النووي ﵀ (١) (أَنهُ سَمِعَ أَبا سَعِيدِ الْخُدرِيَّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سُئِلَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِتْرِ؟) الظاهر أن السؤال عن وقته، ويحتمل أن يكون عن جوازه بعد الصبح، (فَقَالَ: "أَوْتِرُوا - قَبْلَ الصُّبْحِ") أي صلّوا الوتر قبل دخول وقت صلاة الصبح، وفي الرواية التالية: "أوتروا قبل الفجر"، أي قبل طلوع الفجر، والمراد الفجر الصادق، وهو الثاني. وفي حديث ابن عمر ﵁ عند مسلم: "بادروا الصبح بالوتر". قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: "بادروا" أي سارعوا، كأن الصبح مسافر، يَقْدَم إليك، طالبا منك الوتر، وأنت تستقبله، مسرعًا بمطلوبه، وإيصاله إلى بُغيته. انتهى. وهو دليل على أن وقت الوتر قبل الصبح، وأنه إذا طلع الفجر خرج وقت الوتر. واستَدَلّ به الحنفية على وجوب الوتر، قال القاري: والأمر للوجوب عندنا. انتهى. وأجيب بأنه إنما يدلّ على وجوب الإيتار قبل طلوع الصبح، لا على وجوب نفس

стр. 10163

الإيتار، فإن الصلاة النافلة لها شروط، كالطهارة، واستقبال القبلة، وسترة العورة، ووجوب قراءة الفاتحة، وغير ذلك، وإيجاب هذه الأشياء لا يستلزم وجوب تلك الصلاة، فكذلك إيجاب كون وقوع الوتر قبل الصبح لا يستلزم وجوب نفس الوتر، كما لا يخفى على منصف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٣١/ ١٦٨٣ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ١٣٩٣ - بالسند المذكور، وفي [٣١/ ١٦٨٤] و"الكبرى" ٤٥/ ١٣٩٢ - بالإسناد الآتي. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٢/ ١٧٤ - (ت) ٤٦٨ (ق) ١١٨٩ (أحمد) ٣/ ٤ و ١٣ و ٣٥ و ٣٧ (الدارمي) ١٥٩٦ (ابن خزيمة) ١٠٨٩ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٨٤ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْقَنَّادُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي نَضْرَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ الْفَجْرِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث أبي سعيد ﵁، تقدم الكلام عليه في الذي قبله. و (يحيى بن دُرُسْتَ) البصريّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٤. و (أبو إسماعيل القَنَّاد) إبراهيم بن عبد الملك البصريّ، صدوق في حفظه شيء [٧] ٢٣/ ٢٤ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10164

٣٢ - الْوِتْرُ بَعْدَ الأَذَانِ ١٦٨٥ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ, فَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَهُ, فَجَاءَ, فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُوتِرُ, قَالَ: وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ, هَلْ بَعْدَ الأَذَانِ وَتْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ, وَبَعْدَ الإِقَامَةِ, وَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في [٥١/ ٦١٢]، وأذكر هنا الكلام على ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو قضاء الوتر: اعلم: أن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- يرى مذهب القائلين بمشروعية قضاء الوتر بعد طلوع الفجر، ولذا ترجم عليه، واستدلّ بحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ على ذلك، ووجه الاستدلال به كونه ﷺ قضى الصلاة التي فاتته نائمًا، والنفل في ذلك كالفرض، وأيضًا ثبت أنه ﷺ قضى سنة الصبح حينما فاتته صلاة الصبح مع سنتها، بالنوم، وقد اختلف العلماء في ذلك: قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر. واختلفوا فيمن لم يوتر حتى طلع الفجر على أقوال: الأول: أنه إذا طلع الفجر، فقد فات الوتر، كذلك قال عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جُبير، وقال مكحول: من أصبح، ولم يوتر فلا وتر عليه. وقال سفيان الثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. الثاني: إن الوتر ما بين صلاة العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح، روينا عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: الوتر ما بين الصلاتين، ورُوي عن أبي موسى الأشعريّ، أنه قال: لا وتر بعد الأذان، فأتوا عليّا، فقال: لقد أغرق في النزع، وأفرط في الفتيا، الوتر ما بيننا وبين صلاة الغداة، ورُوي عن ابن عباس أنه أوتر بعد طلوع الفجر، وروي ذلك عن ابن عمر ﵁. وممن رُوي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن مسعود، وعائشة، وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة ﵃.

стр. 10165

قال: وكان مالك، والشافعيّ، وأحمد، يقولون: يوتر ما لم يصلّ الصبح، وحُكي عن سفيان الثوريّ، أنه قال: إن أوترت بعد طلوع الفجر فلا بأس، وهكذا قال الأوزاعيّ، وقال النخعيّ، والحسن، والشعبيّ: إذا صلى الغداة فلا يوتر، وقال أيوب السختياني، وحميد الطويل: إنّ أكثر وترنا بعد طلوع الفجر. الثالث: يصلي الوتر، وإن صلى الصبح، كذلك قال طاوس، وقيل لأحمد بن حنبل: قال سفيان: اقض الوتر، إذا طلعت الشمس. قال أحمد: لا. وقال إسحاق كما قال أحمد. وقال النعمان: إذا صلى الفجر، ولم يوتر، ثم ذكر الوتر، فعليه قضاء الوتر. الرابع: يصلي الوتر، وإن طلعت الشمس، روي هذا القول عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعيّ، وأبو ثور. الخامس: قول سعيد بن جبير فيمن فاته الوتر حتى صلى الصبح، قال: يوتر من القابلة. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف، واختصار (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الراجح عندي قول من قال: إن الوتر إذا فات يُقضَى مطلقًا أبدًا ليلاً أو نهارًا، لحديث أبي داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعًا: "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره". صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضا الحافظ العراقي، وفي لفظ للترمذيّ: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا ذكر، وإذا استيقظ"، ولحديث الباب، ولأنه ﷺ قضى سنة الصبح بعد طلوع الشمس حينما فاتته مع الفرض، ولعموم: "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها"، فإنه يدخل فيه الفرض، والنفل، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٣ - بَابُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ١٦٨٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: "عبيد اللَّه بن سعيد": هو السرخسيّ، و"يحيى بن

стр. 10166

سعيد" هو القطان. و"عبيد اللَّه بن الأخنس" النخعيّ، أبو مالك الخزّاز -بمعجمات- ويقال: مولى الأزد، صدوق [٧]. روى عن ابن أبي مُليكة، ونافع، وأبي الزبير، وغيرهم. وعنه يحيى القطّان، وسعيد ابن أبي عروبة، ورَوْح بن عُبَادة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن الْجُنيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ١٦٨٦ و ٢٤٩٤ و ٣٢٢٨ و ٣٧٨١ و ٣٧٩٢ و ٤٢٩٦ و ٤٧٢٠ و ٤٩٥٧. والحديث متفق عليه، وقد تقدم في ٢٣/ ٤٩٠ - وتقدم أيضًا برقم ٤٩١ و ٤٩٢ و ٧٤٣ و ٧٤٤، ويأتي أيضًا برقم ١٦٨٧ و ١٦٨٨. وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به فيما مضى. لكن بقي البحث فيما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز أداء الوتر على الراحلة، فأذكره هنا: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف أهل العلم في صلاة الوتر على الراحلة: فقالت طائفة بظاهر الحديث، ورخّصت أن يوتر المرء على راحتله، ثبت عن ابن عمر أنه كان يوتر على راحلته، وروي ذلك عن عليّ، وابن عباس، وبه قال عطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور. وروينا عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يوتر نزل عن راحلته، فأوتر بالأرض. وقال النخعيّ: كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض، وقال سفيان الثوريّ: صلّ الفريضة والوتر بالأرض، وإن أوترت على دابّتك فلا بأس، والوتر بالأرض أحبّ إليّ، وحُكي عن النعمان أنه قال: لا يوتر على الدابّة. قال ابن المنذر: أما نزول ابن عمر عن راحلته حتى أوتر بالأرض، فمن المباح، إن شاء الذي يصلي الوتر صلّى على الراحلة، وإن شاء صلّى على الأرض، أيّ ذلك فعل يُجزيه، وقد فعل ابن عمر الفعلين جميعًا، روينا عن ابن عمر أنه كان ربما أوتر على راحلته، وربّما نزل. والوتر على الراحلة جائز، للثابت عن النبيّ ﷺ أنه أوتر على الراحلة، ويدلّ ذلك على أن الوتر تطوّع، خلاف قول من شذّ عن أهل العلم، وخالف السنّة، فزعم أن الوتر فرض. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا.

стр. 10167

والحاصل أن أداء الوتر على الدّابّة جائز؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيرها، وأن الوتر سنة، وليس بواجب؛ لهذه الأحاديث، ولما تقدم من الأدلة الكثيرة الدّالّة على أن الوتر ليس بواجب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٨٧ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ ابْنَ عُمَرَ, كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ, وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزَجاني الحافظ الدمشقيّ. و"عبد اللَّه بن محمد بن عليّ": هو أبو جعفر الحرّانيّ الحافظ. و"زهير": هو ابن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفي الكوفيّ. و"الحسن بن الحرّ": هو أبو محمد الكوفيّ نزيل دمشق الثقة الفاضل، تقدّم ٢٦/ ١٦٦٧٠. والحديث متّفق عليه، وقد تقدم البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٨٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ, قَالَ: قَالَ: لِي ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: " أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر ابن الخطّاب": القرشيّ العَدَويّ المدنيّ، ثقة، من كبار [٧]. روى عن سالم، وسعيد بن يسار، ونافع، وغيرهم. وعنه مالك، وإبراهيم بن طَهْمَان، وعبيد اللَّه بن عمر، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به، لا يُسمّى. وقال القاسم اللالَكَائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى أبي داود، حديثَ الباب فقط. و (سعيد بن يسار) هو أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقة متقن، تقدم ٤٦/ ٧٤٠. والحديث متّفقٌ عليه، كما تقدّم بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10168

٣٤ - بَابٌ كَمِ الْوِتْرُ ١٦٨٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ, عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (محمد بن يحيى بن عبد اللَّه) هو الذهليّ الحافظ النيسابوريّ، تقدم قبل أبواب. و"أبو التيّاح": هو يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقة ثبت [٥] ٥٣/ ٦٧ و"أبو مِجْلَز" بكسر الميم، وسكون الجيم: هو لاحق بن حميد الضبعيّ البصريّ ثقة من كبار [٣] ١٨٨/ ٢٩٦. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في ٢٦/ ١٦٦٦ وأذكر هنا ما لم يتقدم ذكره هناك، وهو ماترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كميّة الوتر، فأقول: [مسألة]: في اختلاف أهل العلم في عدد صلاة الوتر: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف أهل العلم في الوتر، فروينا عن ابن عمر ﵄ أنه قال: الوتر ركعة، ويقول: كان ذلك وتر رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وممن روي عنه أنه رأى الوتر ركعةً عثمانُ بن عفّان، وسعد بن مالك، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سُفيان، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد اللَّه بن الزبير، وعائشة، وفَعَل ذلك معاذ القاري (١)، ومعه رجال من أصحاب النبي ﷺ ، لا ينكر ذلك عليه منهم أحد. ثم أخرج ابن المنذر هذه الآثار بأسانيدها. ثم قال: وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، غير أن مالكًا، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق رأوا أن يصلي ركعتين، ثم يسلّم، ثم يوتر بركعة. وقالت طائفة: يوتر بثلاث، وممن روي عنه ذلك عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو أمامة، وعمر ابن عبد العزيز. قال: وبه قال أصحاب الرأي، وقال سفيان: أعجب إليّ ثلاث.

стр. 10169

وأباحت طائفة الوتر بثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة. قال أبو أيوب الأنصاريّ: من شاء أن يوتر بسبع، ومن شاء أن يوتر بخمس، ومن شاء أن يوتر بثلاث، ومن شاء أن يوتر بركعة (١). وقال ابن عباس: إنما هي واحدة، أو خمس، أو سبع، أو أكثر من ذلك، يوتر بما شاء. وقال سعد بن أبي وقاص: ثلاث أحبّ إليّ من واحدة، وخمس أحبّ إليّ من ثلاث، وسبع أحبّ إليّ من خمس. وروينا عن عائشة أنهما قالت: الوتر سبع، وخمس، والثلاث بَتْرَاء. وروي عن أبي موسى الأشعريّ أنه قال: ثلاث أحبّ إليّ من واحدة، وخمس أحبّ إليّ من ثلاث، وسبع أحبّ إليّ من خمس. وروينا عن زيد بن ثابت أنه أوتر بخمس ركعات، لا ينصرف فيها. قال: وقال إبراهيم النخعيّ: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وكان سفيان الثوريّ يقول: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة. وكان إسحاق ابن راهويه يقول: إن شئت أوترت بركعة، وإن شئت فبثلاث، وإن شئت فبخمس، وإن شئت فبسبع، وإن شئت فبتسع، لا تُسلّم إلا في إحداهنّ إذا فرقته، وإن أوترت لإحدى عشرة تسلّم في كلّ ركعتين، ثم أفرد الوتر بركعة. قال: ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: والذي نُحبّ أن يصلي الرجل ما قُضي له من الليل ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وإن أوتر بواحدة ليس قبلها شيء جاز ذلك. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (٢) وهو حسنٌ جدّا. وقال الإمام محمد بن نصر -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الوتر": فالأمر عندنا أن الوتر بواحدة، وبثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، كل ذلك جائز، على ما روينا من الأخبار عن النبي ﷺ ، وأصحابه من بعده، والذي نختار ما وصفنا من قبلُ. قال: فإن صلى رجل العشاء الآخرة، ثم أراد أن يوتر بعدها بركعة واحدة لا يصلي قبلها شيئًا، فالذي نختاره له، ونستحبّه أن يقدّم قبلها ركعتين، أو أكثر، ثم يوتر بواحدة، فإن هو لم يفعل، وأوتر بواحدة جاز ذلك، وقد روينا عن غير واحد من عِلْيَة (٣) أصحاب محمد ﷺ أنهم فعلوا ذلك، وقد كره ذلك مالك، وغيره، وأصحابُ النبي ﷺ أولى بالاتباع انتهى كلام محمد بن نصر ﵀ (٤). قال الجامع عفا للَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر، ومحمد بن نصر -رحمهما

стр. 10170

اللَّه تعالى بحثٌ نفيس، وتحقيقٌ أنيس. وحاصله أنه يستحسن أن يوتر بركعة بعد أن يصلي ركعتين، ركعتين، فإن لم يفعل ذلك، بل أوتر بركعة دون أن يُقدّم عليها شفعًا فلا بأس؛ لصحة أحاديث النبي ﷺ ، وآثار الصحابة ﵃ المذكورة بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, وَمُحَمَّدٌ, قَالَا: حَدَّثَنَا, ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». قال الجامع عفا الَله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر ﵄، وقد أخرجه مسلم أيضًا. و (يحيى): هو ابن سعيد القطّان. و"محمد" هو ابن جعفر، المعروف بغُندر. وقوله: (ثم ذكر كلمة) الظاهر أن فاعل "ذكر" هو محمد بن بشّار. وقوله: (معناها) مبتدأ خبره قوله "شعبة، عن قتادة الخ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَفَّانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ, سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ , قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى, وَالْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر ﵄، وقد أخرجه مسلم أيضًا. و (الحسن بن محمد) هو الزعفرانيّ أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعيّ. و"عفان": هو ابن مسلم الضفّار البصريّ. و"همّام": هو ابن يحيى العَوْذيّ البصريّ. و"عبد اللَّه بن شقيق": هو العُقيليّ البصريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٥ - بَابٌ كَيْفَ الْوِتْرُ بِوَاحِدَةٍ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد أن المراد بقوله في الأحاديث الماضية: "الوتر ركعة من آخر الليل" هو أن يصلي صلاة الليل شفعًا

стр. 10171

شفعًا، فإذا أراد أن يختم صلاته ختمها بركعة واحدة، وقد تقدم أن هذا على سبيل الاستحباب، لا على الوجوب، على الراجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٦٩٢ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى, فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ, فَارْكَعْ بِوَاحِدَةٍ, تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا أيضًا طريق آخر لحديث ابن عمر ﵄، والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فيما مضى. و (الربيع بن سليمان) هو المراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذّن صاحب الشافعي [١١] ١٩٥/ ٣١١. و (حجاج بن إبراهيم) هو الأزرق، أبو محمد، أو أبو إبراهيم البغداديّ، نزيل طَرَسُوس، ومصر، ثقة فاضل [١٠]. روى عن ابن وهب، وحُديج بن معاوية، ومبارك بن سعيد الثوريّ، وغيرهم. وعنه الربيع بن سليمان، وموسى بن سهل الرمليّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال العجليّ: ثقة صاحب سنّة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: قدم مصر، وحدّث بها، وكان رجلاً صالحًا ثقة، وتوفي بمصر. وذكر أبو يزيد القَرَاطيسيّ أنه خرج عن مصر إلى الثَّغْر، فمات هناك، وكان خروجه سنة (٢١٣) وذكر الخطيب أنه مات بعد ذلك بزمان طويل. أخرج له أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و (عمرو بن الحارث) هو المصري الحافظ الثبت [٧] ٦٣/ ٧٩. وقوله: (توتر) يحتمل الجزم على أنه جواب الأمر، والرفعَ على الاستئناف، قال السنديّ: أي تجعل أنت بذلك تمام ما صلّيت وترًا، فإن تلك الواحدة، كما أنها بذاتها وتر كذلك يصير بها جميع صلاة الليل وترًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا على نسخة "توتر بذلك ما قد صلّيت"، وأما على نسخة "توتر لك ما صليت" ففاعل "توتر" ضمير يعود إلى، "واحدةٍ"، أي تجعل تلك الركعةُ الواحدة ما قد صليت من صلاة الليل وترًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ زِيَادٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى, وَالْوَتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ».

стр. 10172

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر ﵄ من رواية القاسم بن محمد عنه، وهو حديث صحيح، والإسناد من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق بيانه غير مرة، وهو (١٠٥) من رباعيات الكتاب. و (خالد بن زياد) هو الأزديّ، أبو عبد الرحمن الترمذيّ، قاضيها، صاحب السابَريّ، صدوق [٨]. روى عن مقاتل بن حيّان، وقتادة، ونافع، وغيرهم. وعنه ابنه عبد العزيز، وقتيبة، وصالح بن عبد اللَّه الترمذيّ، وغيرهم. قال سعيد بن سُويد: حدثنا خالد بن زياد، وكان ثقة. وقال ابن حبّان في "الثقات": يروي عن نافع صحيفةً مستقيمة، وعن قتادة الحرف بعد الحرف، مات وهو ابن مائة سنة وسنة، وكان على القضاء بترمذ، وكان ابنه بعده. روى له الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى, فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ, صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً, تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث ابن عمر ﵄ من رواية نافع، وعبد اللَّه بن دينار، كلاهما عنه، وهو متّفقٌ عليه. و (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثبت، صاحب الإمام مالك -رحمهما اللَّه تعالى-. وقوله: (وعبد اللَّه بن دينار) بالجرّ عطفًا على "نافع"، فمالك يروي عنهما جميعًا. وقوله: (توتر له ما قد صلّى) أي تجعل تلك الواحدةُ له تمام ما صلّى وترًا، فالضمير في "توتر" يعود إلى "واحدة". واستُدِلّ به على أن الركعة الأخيرة هي الوتر، وأن كلّ ما تقدّمها شفع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -وَهُوَ ابْنُ سَلاَّمٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَنَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ سَمِعَهُ, يَقُولُ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ, فَإِذَا خِفْتُمُ الصُّبْحَ, فَأَوْتِرُوا بِوَاحِدَةٍ».

стр. 10173

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه - هذا أيضًا طريق آخر لحديث ابن عمر ﵄، من رواية أبي سلمة، ونافع، كلاهما عنه، وهو متفق عليه، وقد تقدّم هذا الإسناد قبل ثلاثة أبواب. وقوله: (ركعتين ركعتين) هكذا نُسَخُ "المجتبى" بالنصب على أنه مفعول لفعل مقدر، أي أن تصلّوا ركعتين ركعتين، والجملة في تأويل المصدر خبرُ "صلاةُ الليل"، يعني أن صفة صلاة الليل أن يُصَلّي المتهجّد ركعتين ركعتين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ, ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه، لكن ذكر الاضطجاع بعد الوتر فيه كلام، فقد اتّفق أصحاب الزهريّ، فرووا هذا الحديث عنه، فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، لا بعد الوتر، وخالفهم مالك، فجعله بعد الوتر، وقال الإمام محمد بن يحيى الذهليّ الحافظ وغيره: الصواب رواية الجمهور، وردّ ذلك الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ بأنه لا يُدفع ما قاله مالك؛ لموضعه من الحفظ والإتقان، فيحمل على أنه ﷺ كان يضطع مرّة كذا، ومرّة كذا. وقد تقدم تمام البحث في ذلك في شرح الحديث رقم ٤١/ ٦٨٥ - مستوفًى، وترجيح ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀ تعالى، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و (إسحاق بن منصور) هو الكَوْسج المروزيّ الحافظ. و (عبد الرحمن): هو ابن مهدي الإمام الحافظ الحجة الثبت. ومطابقته للباب ظاهرة، حيث بيّن كيفية الوتر بواحدة، وهو أن يتنفّل قبلها بالشفع، ثم يصليها آخرًا، وهذا كما تقدّم على سبيل الاستحباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٦ - بَابٌ كَيْفَ الْوِتْرُ بِثَلَاثٍ ١٦٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ

стр. 10174

أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ , قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ, وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً, يُصَلِّي أَرْبَعًا, فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ, وَطُولِهِنَّ, ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا, فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ, وَطُولِهِنَّ, ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا, قَالَتْ: عَائِشَةُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ , قَالَ: «يَا عَائِشَةُ, إِنَّ عَيْنِي تَنَامُ, وَلَا يَنَامُ قَلْبِى». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧. ٥ - (سعيد بن أبي سعيد المقبريّ) أبو سَعْد المدنيّ، ثقة [٣] ٩٥/ ١١٧. ٦ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، سعيد، عن أبي سلمة، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (كَيْفَ كانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) فيه دلالة على أن صلاته ﷺ كانت متساوية في جميع السنة (يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي متصلةً (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَ، وَطُولِهِنَّ) قال النوويّ ﵀: معناه هنّ في نهاية من كمال الحسن، والطول، مستغنيات بظهور حسنهنّ، وطولهنّ عن السؤال عنه، والوصفِ (١).

стр. 10175

وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وغيره، ممن قال: تطويلُ القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود، وهو المذهب الراجح في المسألة. وقالت طائفة: تكثير الركوع والسجود أفضل. وقالت طائفة: تطويل القيام في الليل أفضل، وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل. وقد تقدّم تفاصيل المسألة بدلائلها في ١٦٨/ ١١٣٧ - فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي أربع ركعات موصولة أيضًا (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاَثًا) أي بتسليم واحد، وهذا هو موضع استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على الترجمة، حيث بُيّن فيه كيفيةُ الإيتار بثلاث، وهو أن يصليهن بتسليمة واحدة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اختلفت الرواة على عائشة ﵂ في صلاة النبي ﷺ في الليل، ففي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أنها إحدى عشرة ركعةً، كما هو المذكور في الباب، وفي رواية مسروق، قال: سألتُ عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر. وفي رواية القاسم عنها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة، منها الوتر، وركعتا الفجر. وفي رواية له: كانت صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. وفي رواية الزهريّ، عن عروة عنها: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفيتين. والجواب عن ذلك -كما قال في "الفتح": أن مرادها في رواية مسروق، أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي سبعًا، وتارة تسعًا، وتارة إحدى عشرة. وأما حديث القاسم عنها، فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله، وأما رواية أبي سلمة، فهي بمعنى رواية القاسم، إذ كونها إحدى عشرة إنما هو بغير ركعتي الفجر، فلا مخالفة بين روايتيهما. وأما حديث عروة، فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء، لكونه كان يصليها في بيته، أو ما كان يَفتتح به صلاة الليل، فقد ثبت عند مسلم من طريق سعد ابن هشام عنها أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين. قال الحافظ: وهذا أرجح في نظري, لأن رواية أبي سلمة التي دلّت على الحصر في إحدى عشرة ركعة، جاء في صفتها عند البخاريّ وغيره "يصلي أربعًا، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا"، فدلّ على أنها لم تتعرّض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية الزهريّ، والزيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يُجمع بين الروايات. وينبغي أن يُستحضَرَ هنا ما تقدّم في أبواب الوتر من ذكر الركعتين بعد الوتر،

стр. 10176

والاختلاف، هل هما الركعتان بعد الفجر، أو صلاة مفردة بعد الوتر، ويؤيده ما وقع عند أحمد، وأبي داود من رواية عبد اللَّه بن أبي قيس، عن عائشة، بلفظ: "كان يوتر بأربع وثلاث، وستّ وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة، ولا أنقص من سبع". قال: وهذا أصحّ ما وقفت عليه من ذلك، وبه يُجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك. واللَّه أعلم. وقال القرطبيّ: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نَسَبَ بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتمّ لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أَخبَرَت عن وقت واحد، والصواب أن كلّ شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعدّدة، أو أحوال مختلفة بحسب النشاط، وبيان الجواز، واللَّه أعلم. قال الحافظ: وظهر لي أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أن التهجّد والوتر مختصّ بصلاة الليل، وفرائض النهار الظهر، وهي أربع، والعصر، وهي أربعٌ، والمغرب، وهي ثلاث، وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلاً، وأما مناسبة ثلاث عشرة، فبضمّ صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها. انتهى ما في "الفتح" (١). (قَالَتْ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟) قال في "الفتح": وفيه كراهة النوم قبل الوتر، لاستفهام عائشة عن ذلك، كأنه تقرّر عندها منع ذلك؛ فأجابها بأنه ﷺ ليس في ذلك كغيره انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلاله بما ذُكر على الكراهة غير واضح، فَلْيُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْني تَنَامُ) هكذا بالإفراد عند المصنّف، وهو صحيح، إذ "عين" مفرد مضاف، فيعمّ، وفي رواية الشيخين: "إنّ عينيّ تنامان" بالتثنية، وهي واضحة. (وَلَا يَنَامُ قَلْبِي") يعني أن النوم إنما كان حَدَثًا لما فيه من احتمال الخروج بلا علم النائم به، وذلك لا يُتصوّر في حقه ﷺ لأن نومه ليس يحدث حيث إن قلبه يقظان، بخلاف غيره. وهذا من خصائص الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، ففي رواية البيهقيّ من حديث أنس ﵁: "وكذلك الأنبياء، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم ". ونقل الحافظ السيوطيّ ﵀ عن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام ﵀، أنه قال:

стр. 10177

قد أُورد على هذا الحديث قضية الوادي لَمّا نام ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فلو كانت حواسّه. باقية مُدركة مع النوم لأدرك الشمس، وطلوع النهار. قال: والجواب أن أمر الوادي مستثنى من عادته، وداخل في عادتنا. وقال القاضي عياض ﵀: من أهل العلم مَنْ تأوّل الحديث على أن ذلك غالب أحواله، وقد ينام نادرًا، ومنهم من تأوّله على أنه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث. والأولى عندي أن يقال: ما بين الحديثين تناقض، وأنه يومَ الوادي إنما نامت عيناه، فلم ير طلوع الشمس، وطلوعُها إنما يُدرك بالعين، دون القلب. قال: وقد تكون هذه الغلبة هنا للنوم، والخروج عن عادته فيه، لِمَا أراد اللَّه تعالى من بيان سنةَ النائم عن الصلاة، كما قال: "لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم". انتهى. وقال الشيخ وليّ الدين العراقيّ ﵀: وفي "مسند أحمد": أنّ ابن صيّاد تنام عينه، ولا ينام قلبه، وكان ذلك في المَكْرِ به، وأن يصير (١) مستيقظ القلب في الفجور والمفسدة، ليكون أبلغ في عقوبته، بخلاف استيقاظ قلب المصطفى ﷺ ، فإنه في المعارف الإلهيّة، والمصالح التي لا تُحصَى، فهو رافع لدرجاته، ومُعَظِّمٌ لشأنه. انتهى (٢) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٣٦/ ١٦٩٧ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنها. وفي "الكبرى" ٥٨/ ١٤٢١ عن قتيبة بن سعيد، عن مالك به. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في "الصلاة" عن عبد اللَّه بن يوسف- وفي "الصوم" عن إسماعيل- وفي "صفة النبي ﷺ عن القعبيّ- (م) في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى- (د) في

стр. 10178

"الصلاة" عن القعنبيّ- (ت) في "الصلاة" عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى- خمستهم عن مالك به. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية الإيتار بثلاث ركعات، وهو أن يصلّيها متّصلة، وفي ذلك اختلاف بين العلماء، سيأتي في شرح الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها). ما كان عليه هدي النبيّ ﷺ من تطويل صلاة الليل. (ومنها): بيان خصوصيته ﷺ في كون نومه لا ينقض وضوءه؛ لأن نومه في عينه لا في قلبه، فيشعر بخروج ما يُخشى منه نقض الوضوء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٩٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, أَنَّ عَائِشَةَ, حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ لَا يُسَلِّمُ فِي رَكْعَتَيِ الْوَتْرِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة، و "سعيد": هو ابن أبي عروبة، والحديث تقدّم تخريجه في ٢/ ١٦٠١. وقولها: "كان لا يسلّم في ركعتي الوتر" أي حتى يضمّ إليهما الركعة الثالثة، فيسلّم بعدها. هكذا قال السنديّ في "شرحه". وظاهره أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات متصلة، ولهذا أورده المصنف - رحمه اللَّه تعالى - في هذا الباب لبيان كيفية الوتر بثلاث، لكن المشهور من حديث عائشة ﵂ من رواية سعد بن هشام عنها أن وتره ﷺ كان تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ثم يسلّم بعدها، فلما أسنّ أوتر بسبع، هذا هو المعروف من حديثها من روايته، بل في بعض الطرق التي مرّت من روايته أن تلك ما زالت صلاة رسول اللَّه ﷺ ، وأما كونه أوتر بثلاث ركعات، فليس معروفًا من روايته، ففي صحة هذه الرواية نظر. واللَّه تعالى أعلم. ثم رأيت الحافظ محمد بن نصر ﵀ تكلّم على هذه الرواية في "كتاب الوتر" له، وحاصل ما قاله هناك: فأما الحديث الذي حدّثناه عباس النّرسيّ، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن زُرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يُسلّم في ركعتي الوتر"، وفي رواية: "كان لا يسلّم في الركعتين الأوليين من الوتر". قال: فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الذي ذكرنا , ولم يقل في هذا

стр. 10179

الحديث: إن النبي ﷺ أوتر بثلاث، لم يسلّم في الركعتين، فكان يكون حجةً لمن أوتر بثلاث بلا تسليم في الركعتين، إنما قال: لم يسلّم في ركعتي الوتر، وصدق في ذلك الحديث أنه لم يسلّم في الركعتين، ولا في ثلاث، ولا في أربع، وفي الخمس، ولا في الستّ، ولم يجلس أيضًا في الركعتين، كما لم يسلّم فيهما. انتهى كلام ابن نصر -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن نصر -رحمه اللَّه تعالى- في تأويل الرواية المذكورة حسنٌ جدَّا. وحاصله أن الحديث بهذا اللفظ المختصر غير صحيح، وإنما الصحيح من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هو الطويل المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. [مسألة]: في اختلاف العلماء في حكم الفضل والوصل بين الشفع والوتر لمن يوتر بثلاث ركعات: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في الفصل بين الشفع والوتر، فرأت طائفة أن يفصل بينهما، وممن فعل ذلك ابن عمر،، كان يسلّم بين الركعة والركعتين من الوتر حتى يأمر ببعض حاجته، وكان معاذ بن أبي حليمة القارئ يسلّم من الثنتين في الوتر، وبه قال عبد اللَّه بن عيّاش بن أبي ربيعة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وحكى أبو ثور عن الكوفيّ أنه قال: لا يفصل بين الركعة والركعتين بسلام، ولا يكون الوتر ركعة، وقال أبو ثور: الوتر في اللغة هو الواحد المفرد، والشفع هو الشيء المجتمع. وقال الأوزاعيّ في الفضل بين الركعتين والركعة الآخرة: إن فعل فحسن، وإن تركه فحسن. وكان مالك يقول فيمن نسي أن يسلّم بين الركعتين اللتين قبل الوتر، وبين الوتر حتى استوى قائمًا للثالثة، وهو ممن يَغفُلُ قال: إن ذكر قبل أن يركع جلس، ثم سلّم، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، وإن لم يذكر حتى ركع فليمض، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام. وعنه في الإمام الذي يوتر بالناس في رمضان بثلاث لا يسلّم بينهنّ: أرى أن يصليَ خلفه بصلاته، ولا يخالفه. وعنه قال: لقد كنت أنا أصلي معهم مرّة، فإذا كان الوتر انصرفت، ولم أوتر معهم.

стр. 10180

قال ابن المنذر: أُوتر معهم، ولا أُخالفهم، لا أحبّ أن أنصرف، ولا أُوترَ معهم؛ لحديث أبي ذرّ ﵁، مرفوعًا: "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتبت له بقية ليلته … الحديث (١). قال ابن المنذر: وقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهنّ، وأوتر بسبع، وثبت أنه أوتر بتسع، لا يقعد فيهنّ إلا عند الثامنة، ثم قعد في التاسعة، فأيُّ فعل مما جاء به الحديث من أْفعال رسول اللَّه ﷺ في الوتر فعله رجل، فقد أصاب السنّة، غير أن الأكثر من الأخبار، والأعمّ منها أنه سئل عن صلاة الليل، فقال: "مثنى مثنى"، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة، وإن شاء المصلي صلى ركعتين ركعتين، وإذا أراد أن يوتر بثلاث صلى ركعتين، قرأ في الأولى منها بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم يسلم، ويأتي بالركعة الثالثة، ويقرأ فيها بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوّذتين (٢). انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف، واختصار (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بحث نفيسٌ جدَّا. واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح" عند قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح، صلّى ركعة واحدة": ما نصه: واستُدلّ به على أن فصل الوتر أفضل من وصله. وتُعقب بأنه ليس صريحًا في الفضل، فيحتمل أن يريد بقوله: "صلَّى ركعة واحدة" أي مضافة إلى ركعتين مما مضى. واحتجّ بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيّن الوصل، والاقتصار على ثلاث بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولةِ حسنٌ جائزٌ، واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه. وتعقبه محمد بن نصر المروزي بما رواه من طريق عراك بن مالك، عن أبي هريرة، مرفوعًا وموقوفًا: "لا توتروا بثلاث، تشبّهوا بصلاة المغرب". وصححه الحاكم من طريق عبد اللَّه بن الفضل، عن أبي سلمة، والأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه،

стр. 10181

وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبّان، والحاكم، ومن طريق مِقْسَم، عن ابن عبّاس، وعائشة كراهية الوتر بثلاث، وأخرجه النسائيّ أيضًا. وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر، فقال: لا يُشبهُ التطوّعُ الفريضةَ. فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقله. وأما قول محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ خبرًا ثابتًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن لم يبيّن الراوي، هل هي موصولة، أو مفصولة انتهى. فيَرُدُّ عليه ما رواه الحاكم من حديث عائشة أنه كان ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهنّ. وروى النسائيّ من حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ نحوه، ولفظه: "يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ولا يسلّم إلا في آخرهنّ"، وبين في عدّة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات. ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يثبتا عنده، والجمع بين هذا، وبين ما تقدّم من النهي عن التشبيه بصلاة المغرب أن يُحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهّدين، وقد فعله السلف أيضًا، فرَوَى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر ﵁ كان يَنهَض في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق المِسْوَر بن مخرمة أن عمر أوتر بثلاث لم يُسلّم إلا في آخرههنّ، ومن طريق ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث، لا يقعد بينهنّ، ومن طريق قيس بن سعد، عن عطاء، وحمّاد بن زيد عن أيوب مثله، ورَوَى محمد بن نصر، عن ابن مسعود، وأنس، وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغههم النهي المذكور. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحرّر مما تقدّم من الأدلّة، وأقوال أهل العلم، أن الأرجح استحباب الفضل بين الركعتين، والوتر بسلام، وإن صلى ثلاث ركعات بلا فصل جاز، لكنه لا يجلس في الوسط، بل يجلس في آخرها، وأما الإيتار بثلاث ركعات بتشهّدين كالمغرب، كما يقول الحنفية، فلا يُشرع؛ لصحة النهي عن تشبيه الوتر بالمغرب كما تقدّم آنفًا، وأما ما نقل عن بعض السلف أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، فيُحمل على أنهم لم يبلغهم النهي المذكور، كما سبق آنفًا عن "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10182

٣٧ - ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الْوِتْرِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف في حديث أُبيّ ﵁ هذا أن في رواية سفيان عن زُبيد زيادة "ويقنت قبل الركوع"، قال المصنف ﵀ في "الكبرى" ج ١ ص٤٤٩ - : وقد روى هذا الحديثَ غيرُ واحد عن زُبيد، فلم يذكر أحد منهم فيه أنه يقنت قبل الركوع انتهى. وفي رواية قتادة عن عزرة زيادة" "إلا في آخرهنّ". وقول المصنف: "فلم يذكر أحد منهم الخ" فيه نظر، فقد تابعه غيره، كما سيأتي إيضاحه في "المسألة الرابعة"- إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٦٩٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ زُبَيْدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ,: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ, كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ , وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ , وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ , وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ, فَإِذَا فَرَغَ, قَالَ: عِنْدَ فَرَاغِهِ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عليّ بن ميمون) الرَّقّيّ العطار، ثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥. ٢ - (مخَلْدَ بن يَزيد) الحرّانيّ، صدوق، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام المشهور [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (زُبَيد) بن الحارث اليامي، ثقة ثبت عابد [٦] ٣٧/ ١٤٢٠. ٥ - (سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى) الخزاعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٣] ١٩٥/ ٣١٢. ٦ - (عبد الرحمن بن أبزى) الخزاعيّ مولاهم الصحابي الصغير - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٩٥/ ٣١٢. ٧ - (أُبيّ بن كعب) الأنصاري الخزرجيّ سيد القرّاء - رضي اللَّه تعالى عنه - ٢٣/ ٨٠٨ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وابن ماجه. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن

стр. 10183

أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) أي بتسليمةَ واحدة، لما في الرواية الآتية: "ولا يُسلّم إلا في آخرهنّ". وفيه مشروعية الإيتار بثلاث ركعات وصلاً، وقد تقدّم في الباب الماضى ما قاله أهل العلم في ذلك، وأن الراجح كونها بتشهّد واحد في آخرها (كانَ يَقْرَأُ فِي الْأولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي بعد الفاتحة (وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثالِثَةِ بِـ ﴿قُل هُوَ اَللهُ أَحَدٌ﴾، وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ) قال السنديّ ﵀: ظاهره القنوت في الوتر، نعم لا يدلّ هذا الحديث على كونه واجبًا في الوتر، واللَّه تعالى أعلم (فَإِذَا فَرَغَ، قَالَ: عِنْدَ فَرَاغِهِ) أي بعد التسليم، كما يأتي قريبًا (سُبْحَانَ المَلِكِ الْقُدُّوسِ) أي البالغ أقصى النزاهة عن كلّ وصف ليس فيه غاية الكمال المطلق. وقال الطيبيّ: هو الطاهر المنزّه عن العيوب والنقائص، وفعول من أبنية المبالغة. وزاد الدارقطنيّ، والبيهقيّ في روايتهما: "ربّ الملائكة والروح" (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي يقوله ثلاث مرات، وفيه مشروعية التسبيح بهذه الصيغة بعد الفراغ من الوتر ثلاث مرات (يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ) أي يرفع صوته بهذا التسبيح في المرة الثالثة. والحديث فيه سنية الجهر بهذا الذكر في المرّة الثالثة، وهكذا كلّ ما ثبت عن النبي ﷺ الجهر فيه، نعم الإسرار أفضل حيث لم يُنقل عنه الجهر فيه. قال المظهر ﵀: هذا يدلّ على جواز الذكر برفع الصوت، بل على استحبابه إذا اجتنَبَ الرياء، إظهارًا للدين، وتعليمًا للسامعين، وإيقاظًا لهم من رقدة الغفلة، وايصالاً لبركة الذكر إلى مقدار ما يبلغ الصوت إليه من الحيوان، والشجر، والحجر، والمدر، وطلبًا لاقتداء الغير بالخير، وليشهد له كلّ رطب ويابس سمع صوته انتهى (١) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولة: في درجته: حديث أُبيّ بن كعب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٣٧/ ١٦٩ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ١٤٣٢ - وفي عمل "اليوم والليلة" ٧٣٤

стр. 10184

بالإسناد المذكور وفي ٣٧/ ١٧٠٠ عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عَزْرة، عن سعيد بن عبد الرحمن به. و ٣٧/ ١٧٠١ و"عمل اليوم" ٧٤٠ عن يحيى بن موسى، عن عبدالعزيز بن خالد، عن سعيد بن أبي عروبة به. وفي ٤٧/ ١٧٢٩ و"عمل اليوم والليلة" ٧٢٩ عن محمد بن الحسين بن إبراهيِم، عن محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن زُبيد، وطلحة، كلاهما عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن به. و ٤٧/ ١٧٣٠ عن يحيى بن موسى، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي جعفر الرازيّ، عن عن الأعمش به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ١٤٢٣ (ق) ١١٧١ (عبد بن حميد) ١٧٦ (عبد اللَّه بن أحمد) ٥/ ١٢٣. واللَّه أعلم. المسألة الرابعة: في قوله: "ويقنُتُ قبل الركوع" قد تكلّم بعض الحفّاظ في صحة هذه الزيادة، فقال أبو داود في "سننه": وحديث زُبيد رواه سليمان الأعمش، وشعبة، وعبد الملك بن أبي سليمان، وجرير بن حازم، كلهم عن زُبيد، لم يذكر أحد منهم القنوت، إلا ما رُوي عن حفص بن غياث، عن مسعر، عن زُبيد، فإنه قال في حديثه: إنه قنت قبل الركوع، قال أبو داود: وليس بالمشهور من حديث حفص، نخاف أن يكون عن حفص، عن غير مسعر. انتهى. وقد أجاب العلامة ابن التركماني -رحمه اللَّه تعالى- عما ذكره أبو داود، فقال لَمّا نقل البيهقي -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه الكبرى" كلام أبي داود المذكور في "باب من قال: يقنت في الوتر قبل الركوع": ما نصه: ذكر -يعني البيهقي- فيه حديث عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب، ثم ذكر عن أبي داود أن جماعة رووه عن ابن أبي عروبة، وأن الدستوائيّ، وشعبة روياه عن قتادة، ولم يذكروا القنوت. قال ابن التركماني: عيسى بن يونس قال فيه أبو زرعة ثقة حافظ، وقال ابن المدينيّ: بخ بخ ثقة مأمون، وإذا كان كذلك فهو زيادة ثقة، وقد جاء له شاهد على ما سنذكره، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أخرجه البيهقيّ من حديث عيسى بن يونس، عن فِطْرٍ، عن زُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بسنده، ثم ذكر عن أبي داود أن جماعة رووه عن زُبيد لم يذكر أحد منهم القنوت إلى آخر ما تقدم من كلام أبي داود. قال ابن التركمانيّ: العجب من أبي داود، كيف يقول: لم يذكر أحد منهم القنوت، إلا ما روي عن حفص، عن مسعر، عن زُبيد، وقد رَوَى هو ذكر القنوت قبل الركوع

стр. 10185

من حديث عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة، ثم قال: ورَوَى عيسى بن يونس هذا الحديث أيضًا عن فطر، عن زُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ، عن النبيّ ﷺ مثله، والبيهقيّ خرّج رواية فِطر، عن زُبيد، مصرّحةً بذكر القنوت قبل الركوع، ثم نقل كلام أبي داود، ولم يتعقّب عليه. على أن ذلك رُوي عن زُبيد من وجه ثالث، قال النسائيّ في "سننه": أنا عليّ بن ميمون، ثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان -هو الثوري- إلى آخر ما ذكره المصنف هنا، قال: وابن ميمون وثقه أبو حاتم، وقال النسائيّ: لا بأس به، ومخلد وثقه ابن معين، ويعقوب ابن سفيان، وأخرج له الشيخان. وأخرج ابن ماجه أيضًا هذا الحديث بسند النسائيّ، فظهر بهذا أن ذكر القنوت عن زبيد زيادة ثقة من وجوه، فلا يصير سكوتُ من سكت عنه حجةً على من ذكره. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن رواية زُبيد بزيادة القنوت قبل الركوع صحيحة؛ لاتفاق سفيان الثوريّ -كما هو عند المصنف هنا- ومسعر، وفِطر بن خليفة، كلهم عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن، بزيادتها، وقد تابع زُبيدًا على زيادتها قتادةُ، فقد روى محمد بن نصر، قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، ثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بـ ﴿قُل هُوَ اَللهُ أَحَدٌ﴾، ويقنتُ. ومرة قال إسحاق: ثنا، فذكر السند إلى قوله: عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب ﵁، فذكر الحديث سواءً، ثم قال: ويقنت قبل الركوع. انتهى. فظهر بهذا أن زُبيدًا لم ينفرد أيضًا بزيادة القنوت قبل الركوع (١). والحاصل أن الحديث بزيادة القنوت قبل الركوع صحيح. واللَّه تعالى أعلم. قال ابن التركمانيّ: وقد رُوي القنوت في الوتر قبل الركوع عن الأسود، وسعيد بن جبير, والنخعيّ، وغيرهم، رواه عنهم ابن أبي شيبة في "مصنّفه" بأسانيده، وقال أيضًا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن أشعث، عن الحَكَم، عن إبراهيم، قال: كان عبد اللَّه لا يقنت في السنة كلها في الفجر، ويقنت في الوتر كلّ ليلة قبل الركوع، قال أبو بكر -هو ابن أبي شيبة-: هذا القول عندنا، وقال أيضًا: ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشام الدستوائيّ، عن حماد -هو ابن أبي سليمان- عن إبراهيم، عن علقمة، أن ابن مسعود، وأصحاب

стр. 10186

النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع. وهذا سند صحيح، على شرط مسلم. وفي "الإشراف" لابن المنذر: روينا عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعريّ، وأنس، والبراء بن عازب، وابن عبّاس، وعمر بن عبد العزيز، وعَبيدة، وحُميد الطويل، وابن أبي ليلى، أنهم رأوا القنوت قبل الركوع، وبه قال إسحاق. انتهى (١). وروى محمد بن نصر، عن الأسود، قال: صحبت عمر ﵁ ستة أشهر، فكان يقنت في الوتر، وكان عبد اللَّه يقنت في الوتر السنة كلها. وعن عليّ ﵁ أنه كان يقنت في رمضان كله، وفي غير رمضان في الوتر. وروى عن الأسود، أن عمر بن الخطاب قنت في الوتر قبل الركوع. وعن ابن مسعود أنه قنت في الوتر بعد القراءة قبل الركوع. قال محمد بن نصر ﵀: وعن عبد اللَّه بن شدّاد، صليت خلف عمر، وعلي، وأبي موسى، ﵃، فقنتوا في صلاة الصبح قبل الركوع. وعن حميد، سألت أنسًا ﵁ عن القنوت قبل الركوع، وبعد الركوع؟ فقال: كنّا نفعل قبل، وبعد. وقنت الأسود في الوتر قبل الركعة. وسئل أحمد عن القنوت في الوتر قبل الركوع، أم بعده، وهل تُرفع الأيدي في الدعاء في الوتر؟ فقال: القنوت بعد الركوع، ويرفع يديه، وذلك على قياس فعل النبي ﷺ في القنوت في الغداة، وبذلك قال أبو أيوب (٢)، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة. وقال أبو داود: رأيت أحمد يقنت به إمامه بعد الركوع، وإذا فرغ من القنوت، وأراد أن يسجد رفع يديه، كما يرفعهما عند الركوع. وكان إسحاق يختار القنوت بعد الركوع في الوتر. قال محمد بن نصر ﵀: وهذا الرأي أختاره. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي أن الأمر في هذا واسع، فيجوز القنوت قبل الركوع، لصحة حديث الباب، ويجوز بعد الركوع لكثرة الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ كان يقنت بعد الركوع في الصبح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٧٠٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنَ الْوَتْرِ, بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ,

стр. 10187

وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُل هُوَ اَللَّه أَحَدٌ﴾. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث أبي بن كعب - رضي اللَّه تعالى عنه -، من رواية قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو أيضًا صحيح، وتقدم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. و"إسحاق" شيخ المصنف هو ابن راهويه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٧٠١ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ عَزْرَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ, بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ , وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ , وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ , وَلَا يُسَلِّمُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ, وَيَقُولُ -يَعْنِي بَعْدَ التَّسْلِيمِ-: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طَريق ثالث لحديث أُبيّ بن كعب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أدخل فيه عبد العزيز بن خالد عزرةَ بين قتادة، وسعيد بن عبد الرحمن، وهو أيضًا صحيح، وُيحمل على أن قتادة سمعه من عزرة، ثم لقي سعيدا، فسمعه منه، أو سمعه عنه، فثبّته عزرة. و"يحيى" شيخ المصنّف: هو الكوفي، ثم البلخيّ المعروف بـ "خَتّ". و (عبد العزيز بن خالد) بن زياد الترمذيّ، مقبول [٩]. روى عن أبيه، وأبي سعد البقال، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. وعنه أحمد بن الحجاج الترمذيّ، وزافر بن سليمان، وعاصم بن عبد اللَّه، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمة، ويحيى بن موسى خَتّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ. وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و (عزرة) هو ابن عبد الرحمن بن زُرارة الخزاعيّ الكوفيّ الأعور، ثقة [٦]. روى عن عائشة مرسلاً، وعن أبي الشعثاء، والحسن العربيّ، وسعيد بن عبد الرحمن، وغيرهم. وعنه سليمان التيميّ، وقتادة، وخالد الحذّاء، وعاصم الأحول، وداود بن أبي هند، وغيرهم. وثقه ابن معين، وابن المدينيّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10188

٣٨ - ذِكرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاس ﵄ فِي الْوِترِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. وجه الاختلاف المذكور أن في رواية زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق أن الحديث مرفوع، وفي رواية زهير عنه موقوف على ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٧٠٢ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُوتِرُ بِثَلَاثٍ, يَقْرَأُ فِي الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ , وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ , وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. أَوْقَفَهُ زُهَيْرٌ. رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا غيرة. و (الحسين بن عيسى) هو أبو علي البسطاميّ، القُومَسيّ، نزيل نيسابور، صدوق من [١٠]. و (أبو أسامة) هو حماد بن أسامة. و (أبو إسحاق) هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي. وشرح الحديث تقدّم في الذي في الباب الماضي، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده أبا إسحاق السبيعيّ، وهو معروف بالتدليس، وقد اختلط بآخره، وزكريا ممن روى عنه بعد الاختلاط، مثل زهير الآتي في السند التالي. والحديث أخرجه المصنف هنا -٣٨/ ١٧٠٢ - وفي "الكبرى" ٥٩/ ١٤٢٧ - بالإسناد المذكور، وفي ٣٨/ ١٧٠٣ - و"الكبرى" ٥٩/ ١٤٢٨ - بالإسناد الآتي. وأخرجه (ت) ٤٦٢ (ق) ١١٧٢ (أحمد) ١/ ٢٩٩ و ٣٠٠ و ٣١٦ و ٣٧٢ (الدارمي) ١٥٩٤ و ١٥٩٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (أوقفه زهير) أي روى هذا الحديث زهير بن معاوية، أبو خيثمة الجعفيّ، عن أبي إسحاق، موقوفًا على ابن عباس ﵄، ثم ذكر رواية زُهير بقوله: ١٧٠٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ, بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ , وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ , وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.

стр. 10189

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما ساقه لبيان الاختلاف الذي ذكره في الترجمة، فقد خالف فيه زهير زكريا بن أبي زائدة، فرواه عن أبي إسحاق، موقوفًا على ابن عباس ﵄. والحديث ضعيف للعلتين المذكورتين في الرواية الماضية. و (أحمد بن سليمان) هو أبو الحسين الرّهاوي الثقة الحافظ، من أفراد المصنّف. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين الحافظ الثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٩ - ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ فِي الْوِترِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدم بيان اختلاف الرواة في حديث ابن عباس ﵁ هذا مُستَوْفًى في-٩/ ١٦٢٠ - "باب ما يستفتح به القيام"، فراجعه هناك، وباللَّه تعالى التوفيق. وأما الاختلاف الذي ذكره هنا فحاصله أنّ الرواة قد اختلفوا فيه على حبيب بن أبي ثابت، وذلك أن سفيان الثوريّ، وحصين بن عبد الرحمن روياه عنه، عن محمد بن علي بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن ابن عباس، وخالفهما زيد بن أبي أُنيسة، فرواه عنه، عن محمد بن عليّ، عن ابن عباس، فأسقط عليّ بن عبد اللَّه، وخالفهم أبو بكر النَّهْشَليّ، فرواه عنه، عن يحيى بن الجَزّار، عن ابن عباس ﵄. وفيه أيضا اختلاف آخر، وهو أن عمرو بن مُرّة خالف حَبيبا، فرواه عن يحيى بن الجَزّار، عن أم سلمة ﵂. واختلاف آخر أيضًا، وهو أن عُمَارة بن عُمير خالف حبيبًا، وعُمارة بن عُمير، فرواه عن يحى بن الجزّار، عن عائشة ﵂. واللَّه تعالى أعلم. (ثم اعلم): أن رواية حبيب بن أبي ثابت هذه قد أعلّها العلماء، لمخالفتها روايات

стр. 10190

الحفّاظ الأثبات، وقد أخرجها مسلم في "صحيحه"، فقال: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عباس، أنه رَقَد عند رسول اللَّه ﷺ ، فاستيقظ، فتسوك، وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، فقرأ هؤلاء الآيات، حتى ختم السورة، ثم قام، فصلى ركعتين، فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف، فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات، ست ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: "اللَّهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في سمعي نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا، اللهم أعطني نورا". فقال النوويّ في شرحه: هذه الرواية فيها مخالفة لباقي الروايات في تخليل النوم بين الركعات، وفي عدد الركعات، فإنه لم يُذكر في باقي الروايات تخلّلُ النوم، وذكر الركعات ثلاث عشرة. وقال القاضي عياض: هذه الرواية، وهي رواية حصين, عن حبيب بن أبي ثابت مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، لاضطرابها، واختلاف الرواة، قال الدارقطنيّ: ورُوي عنه على سبعة أوجه، وخالف فيه الجمهور. قال النوويّ: قلت: ولا يقدح هذا في مسلم، فإنه لم يذكر هذه الرواية متأصّلة مستقلّة، إنما ذكرها متابعة، والمتابعات يُحتَمل فيها ما لا يُحتَمَل في الأصول، كما سبق بيانه في مواضع. قال القاضي: ويَحتَمِلُ أنه لم يَعُدّ في هذه الصلاة الركعتين الأوليين الخفيفتين اللتين كان النبي ﷺ يستفتح صلاة الليل بهما، كما صرّحت الأحاديث بهما في مسلم وغيره، ولهذا قال: "صلّى ركعتين، فأطال فيهما"، فدلّ على أنهما بعد الخفيفتين، فتكون الخفيفتان، ثم الطويلتان، ثم الست المذكورات، ثم ثلاث بعدها، كما ذكر، فصارت الجملة ثلاث عشرة، كما في باقي الروايات. واللَّه أعلم. انتهى (١). وقد تقدّم فى شرح حديث رقم ٩/ ١٦٢٠ - عن الحافظ ﵀ نحو هذا، فإنه لَمّا ذكر رواية علي بن عبد اللَّه بن عباس عند مسلم، وذكر مخالفتها، قال: فزاد على الرواة
следующие страницы →