← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

يعني خالدًا. وهذا الكلام من قوله: "ثم انقطع الخ" ليس من متن الحديث، بل معناه أن خالدًا الْهُجَيميّ الرواي عن شعبة، قال: ثم انقطع عليّ شيء من متن الحديث بعد قوله: "ومن قتل نفسه بحديدة"، وهذا الانقطاع، إما بسقوط لفظ، أو بالتردّد فيه أيّ لفظ هو؟. وأشار في النسخة الهنديّة إلى أنه سقط قوله: "ثم انقطع الخ" من بعض النسخ. واللَّه تعالى أعلم. (كَانَتْ حَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ) بهمزة في آخره، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفًا، ومعناه يَطعَنُ. وقال في "المصباح": وجَأته، أوْجَؤُهُ، مهموز، من باب نفع، وربّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَأُ، كما قيل: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَهَبُ، وذلك: إذا ضربته بسكين، ونحوه، في أيّ موضع كان انتهى. (١) (بِهَا) أي بتلك الحديدة (فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ) متعلّق بـ "يجأ" (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدَا") واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٨/ ١٩٦٥ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٢٠٩٢. وأخرجه (خ) ٥٣٣٣ (م) ١٥٨ (د) ٣٣٧٤ (ت) ١٩٦٦ (ق) ٣٤٥١ (أحمد) ٧١٣٦ و ٩٨٠٥٢ و ٩٩٤ (الدارمي) ٢٢٥٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه من كبائر الذنوب التي يستحقّ بها العذاب الأليم. ومنها: أن جزاء من قتل نفسه بشيء أن يعذّب بذلك الشيء. ومنها: أن بعض أهل العلم استنبط منه أن القصاص يكون بما قتل به القاتل، اقتداء بعقاب اللَّه تعالى لقاتل نفسه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]. وحديث رَضّ النبيّ ﷺ رأسَ اليهوديّ الذي رَضَّ رأس الجارية، وغيرِ ذلك من الأدلة. واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه

стр. 10782

أنيب". … ٦٩ - الصَّلَاةُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بيان حكم الصلاة على المنافقين، وهو عدم مشروعيتّها؛ لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ, دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ, فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, تُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ, وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ , أُعَدِّدُ عَلَيْهِ, فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَقَالَ: «أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ» , فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ, قَالَ: «إِنِّي قَدْ خُيِّرْتُ, فَاخْتَرْتُ, فَلَوْ عَلِمْتُ, أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ, غُفِرَ لَهُ, لَزِدْتُ عَلَيْهَا» , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ انْصَرَفَ, فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا, حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي, عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ, وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرِّميّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (حُجَين بن المثَنَّى) اليماميّ، أبو عُمير سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠. ٣ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحجة الفقيه [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (عُقيل) بن خالد الأيليّ، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧. ٥ - (ابن شهاب) المذكور قبل باب. ٦ - (عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عُتبة بن مسعود المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٥/ ٥٦. ٧ - (عبد اللَّه بن عباس) البحر الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١. ٨ - (عمر بن الخطّاب) أمير المؤمنين ﵁ ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:

стр. 10783

(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه بغداديّ، وشيخ شيخه يمامي، ثم بغدادي، ثم خراسانيّ، والليث مصريّ، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابي، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عبيد اللَّه. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. (ومنها): أن فيه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵁. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ)، برفع "ابن" لأنه صفة لعبد اللَّه، لا. لأُبَيَّ، فـ"سلولُ" أم عبد اللَّه، ولهذا يجب تنوين "أبَيِّ"، وإثبات همزة الوصل في "ابن سلول"، وقد تقدم بيان هذه القاعدة، فتنبَّه (دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) دعاه ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَثَبْتُ إِلَيْهِ) يقال: وَثَب وَثْبًا، من باب وَعَدَ، ووُثُوبًا، وَوَثِيبًا: قَفَزَ. قاله في "المصباح" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبيِّ، وَقَدْ قَالَ: يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟، أعَدِّدُ عَلَيْهِ) أي أذكر له ما قاله، مثل قوله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ"، فَلَمَّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: "إِنِّي قَدْ خُيِّرْتُ) أي خيّرني اللَّه تعالى، حيث قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، فخيّرني بين الاستغفار وعدمه (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار (فَلَوْ عَلِمْتُ، أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ، غُفِرَ لَهُ، لَزِدْتُ عَلَيْهَا) روى الطبريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من طريق مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قال النبي ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فأنا أستغفر لهم سبعين، وسبعين، وسبعين (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلّم من الصلاة على عبد اللَّه بن أُبيّ (فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا) أي إلا وقتًا قليلًا (حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ) أي هذه، والتي بعدها (مِنْ بَرَاءةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾) ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ [التوبة: ٨٤ - ٨٥] (فعَجِبْتُ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ لقطعه عن الإضافة ونيّة معناها، أي بعد ما تقدّم مما جرى لي مع النبي ﷺ في شأن ابن أبيّ، ومن سؤال لي له أن لا يصلى عليه وإلحاحي في ذلك، وصلاته عليه، ونزول الآيتين (مِنْ جُرْأَتِيِ) بضمّ الجيم، وسكون الراء المهمِلة، وبضم، ففتح، كالجُرْعَة، والثُّبَةِ، والْجَرَاءة، كالكَرَاهَة، والجَرَائيةُ، كالكَرَاهِية، والْجَرَايَةُ بالياء نادرٌ، ومعناها: الشجاعة، وفعله ككَرُم. أفاده في

стр. 10784

"ق" (عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) ظاهره أنه من تمام قول عمر ﵁ ويحتمل أن يكون من كلام ابن عباس ﵄. وقد تقدّم شرح هذا الحديث من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ في ٤٠/ ١٩٠٠ - مُستوفًى، ولذا اختصرت الكلام عليه هنا، فراجعه هناك تجد فوائد جمّة، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٩/ ١٩٦٦ - وفي "الكبرى" ٦٩/ ٢٠٩٣. وأخرجه (خ) ١٢٧٧ و ٤٣٠٣ (ت) ٣٠٢٢ (أحمد) ٩١. وأما المسألة المتعلقة بفوائده، فقد تقدمت في [٤٠/ ١٩٠٠]، فراجعها تستفد، واللَّهسبحانه وتعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٠ - الصَّلّاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من هذه الترجة أن المصنّف ﵀ يرى جواز الصلاة على الميت في المسجد بلا كراهة، وهو مذهب الجمهور؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، وسنذكر خلاف العلماء في ذلك وأدلتهم في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ, إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ". رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهبم) ابن راهويه المروزيّ الإمام الحافظ الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (علي بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.

стр. 10785

٣ - (عبد العزيز بن محمد) الدّراورديّ المدنيّ، صدوق، كان يُحدّث من كتب غيره، فيخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١. ٤ - (عبد الواحد بن حمزة) بن عبد اللَّه بن الزّبير الأسديّ، أبو حمزة المدنيّ، لا بأس به [٦]. روى عن عمّه عباد بن عبد اللَّه بن الزبير. وعنه موسى بن عُقبة، وعبدالواحد بن زياد، والدّراورديّ. قال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فى "الثقات". روى له مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، له عندهم حديث الباب فقط. ٥ - (عباد بن عبد اللَّه بن الزبير) بن العوّام المدنيّ، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وقال الزبير بن بكّار: كان عظيم القدر عند أبيه، وكان على قضائه بمكّة، وكان يستخلفه إذا حجّ، وكان أصدق الناس لهجة. ووصفه مصعب الزبيريّ بالوقار. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنف حديثان فقط: هذا، و ٢٥٥١ حديث: "ارضَخِي ما استطعت، ولا توكي .. ". ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خالة أبيه. وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنه (قَالَتْ) رواية المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيها اختصار، وقد ساق الحديث مسلم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" بتمامه، من طريق موسى بن عقبة، عن عبد الواحد، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، يحدث عن عائشة، أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص، أرسل أزواج النبي ﷺ ، أن يمروا بجنازته في المسجد، فيصلين عليه، ففعلوا، فوُقِف به على حُجَرهن، يصلين عليه، أُخرج به، من باب الجنائز، الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: "ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا، ما لا علم لهم به، عابوا علينا، أن يُمَرّ بجنازة، في المسجد، وما صلى رسول اللَّه ﷺ ، على سهيل ابن بيضاء، إلا في جوف المسجد".

стр. 10786

ومن رواية أبي سلمة، أن عائشة ﵂، لما توفّي سعد بن أبي وقّاص، قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: "واللَّه لقد صلى رسول اللَّه ﷺ على ابني بيضاء في المسجد، سُهيل وأخيه". قال مسلم: سُهيل ابن دَعْد، وهو ابن البيضاء، أمه بيضاء انتهى. (مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ) القرشيّ، الفهريّ، من المهاجرين، يُكنى أبا موسى، هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وشهد بدرًا، وأحدًا، ومات بعد رجوع رسول اللَّه ﷺ من تبوك سنة تسع ﵁. وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: بنو بيضاء، ثلاثة إخوة: سهل، وسُهيل، وصفوان، وأمهم البيضاء، اسمها دعد بنت الجحدم بن أمية بن ضبّة بن الحارث، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن هلال بن مالك ابن ضَبَّة بن الحارث ابن فهر القرشيّ الفهريّ، وكان سُهيل قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وغيرها، توفي سنة تسع من الهجرة ﵁ انتهى كلام النوويّ بزيادة من "الاستيعاب" (١). وأما أخوه سهل، فقال الحافظ أبو عمر ﵀: كان ممن أظهر إسلامه بمكة، وهو الذي مشى إلى النفر الذين قاموا في شأن الصحيفة التي كتبها مشركو قريش على بني هاشم، حتى اجتمع له نفر، تبرّءوا من الصحيفة، وأنكروها، وهم هشام بن عمرو بن ربيعة، والمطعم بن عديّ بن نوفل، وزمعة بن الأسود بن عبد المطّلب بن أسد، وأبو البَختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد، وزُهير بن أبي أُمية بن المغيرة، وفي ذلك يقول أبو طالب [من الطويل]: جَزَى اللَّهُ رَبُّ الناسِ رَهْطًا تَبَايَعُوا … عَلَى مَلِأ يُهْدَى لِخَيْرٍ وَيُرْشَدُ قُعُودِ لَدَى جَنْبِ الْحَطِيمِ كَأَنَّهُ … مَقَاوَلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزُّ وَأَمْجَدُ هُمُ رَجَعُوا سَهْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا … فَسُرَّ أَبُو بَكْرِ بِهَا وَمُحَمَّدُ أَلَمْ يَأتِكُمْ أَنَّ الصَّحِيفَةَ مُزِّقَتْ … وَأَن كُلَّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللَّهُ مُفْسَدُ أَعَانَ عَلَيْهَا كُلُّ صَقْرٍ كَأَنَّهُ … إِذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدِّرْعِ أَحْرَدُ أسلم سهل ابن بيضاء بمكة، وأخفى إسلامه، فأخرجته قريش معهم إلى بدر، فأُسر يومئذ مع المشركين، فشهد له عبد اللَّه بن مسعود أنه رآه بمكة يصلي، فخُلِّي عنه، ولا أعلم له رواية، ومات بالمدينة انتهى (٢).

стр. 10787

(إِلَّا فِي الْمَسْجدِ") وفي الرواية التالية: "إلا في جوف المسجد". وهذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ على جواز الصلاة على الميت في المسجد، وفيه خلاف بين أهل العلم سنتكلّم عليه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٠/ ١٩٦٧ و ١٩٦٨ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٠٩٤ و ٢٠٩٥. وأخرجه (م) ٢٢٤٩ و ٢٢٥٠ و ٢٢٥١ (د) ٢٧٧٤ و ٢٧٧٥ (ت) ٩٥٤ (ق) ١٥٠٧ (أحمد) ٢٣٣٥٨ و ٢٣٨٦٥ و ٢٤١٨٩ و ٢٥٠٤٤ (الموطأ) ٤٨٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلفوا في الصلاة على الجنائز في المسجد، فروينا أن أبا بكر ﵁ صُلّي عليه في المسجد، وصُلِّي على عمر بن الخطّاب في المسجد. وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال مالك: لا يُصلّى على الجنازة فى المسجد، إلا أن يتضايق المكان، وكره أن توضع الجنازة في المسجد. قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وفي صلاة من حضر، فصلّى على أبي بكر من المهاجرين والأنصار قدوة لمن أراد الاقتداء بهم، وحجّة، وكذلك صلاتهم على عمر في المسجد، وقد روينا عن النبي ﷺ أنه صلّى على سُهيل ابن بيضاء في المسجد انتهى (١). وقال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وصلاة رسول اللَّه ﷺ على سهيل ابن بيضاء من أصحّ ما يُروى عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد العدول. وهو قول الشافعيّ، وجمهور أهل العلم، وهي السنّة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول اللَّه ﷺ ، صلّى عمر على أبي بكر الصّدّيق في المسجد، وصلى صُهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة، وصدر السلف، من غير نكير، وما أعلم من يُنكر ذلك إلا ابن أبي ذئب. ورويت كراهية ذلك عن ابن عبّاس من وجوه لا تصحّ، ولا تثبت، وعن بعض أصحاب مالك، ورواه عن مالك، وقد رُوي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة، وغيرهم. وقد قال في المعتكف: لا يخرج إلى جنازة، فإن اتصلت الصفوف به في المسجد، فلا يصلي عليها مع الناس.

стр. 10788

وعن مالك قال: لا يعجبني أن يُصَلَّى على أحد في المسجد، قال: ولو فَعَل ذلك فاعل ما كان ضيّقا، ولا مكروهًا، فقد صلى رسول اللَّه ﷺ على سهيل ابن بيضاء في المسجد، وصلّى عمر على أبي بكر في المسجد، وصلى صُهيب على عمر في المسجد. وذكر عبدالرزاق، عن معمر، والثوريّ، عن هشام بن عروة، قال: رأى أبي الناس يخرجون من المسجد ليصلّوا على جنازة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ ما صُلِّي على أبي بكر إلا في المسجد. فإن قيل: إن الناس الذين أنكروا على عائشة أن يُمَرَّ عليها بجنازة سعد بن أبي وقّاص في المسجد، هم الصحابة، وكبار التابعين، لا محالة؟. قيل لهم: ما رأت عائشة إنكارهم بكبير، ورأت الحجّةَ في رسول اللَّه ﷺ ، إذ هو الأسوة الحسنة، والقدوة، وأين المذهب، والرغمة عن سنته ﷺ ، ولم يأت عنه ما يخالفها من وجه معروف، ولو لم تكن في هذا الباب سنّة ما وجب أن يُمنَع عن ذلك، لأن الأصل الإباحة حتى يرد المنع والحظر، فكيف، وفي إنكار ذلك جهل السنّة، والعملِ القديم بالمدينة. ألا ترى أن قول عائشة: "ما أسرع الناس" تريد إلى إنكارها ما يعلمون، وترك السؤال عما يجهلون. وقد روي: "ما أسرع ما ينسى الناس"، وليس من نَسِيَ علمًا حجةً على من ذكره، وعَلِمَه. وقد احتجّ بعض من تُعميه نفسه من المنتسبين إلى العلم في كراهية الصلاة على الجنائز في المسجد، لأن رسول اللَّه ﷺ نَعَى للناس النجاشيّ، وخرج بهم إلى المصلى، فصفّهم، وكبّر أربع تكبيرات، قال: ولم يصلّ عليه في المسجد. وفي احتجاجه هذا ضروب من الإغفال: منها: أنه لا يرى الصلاة على الغائب، وصلاة النبي ﷺ على النجاشيّ خصوص له عنده. ومنها: أنه ليس في صلاة رسول اللَّه ﷺ على الجنازة في موضع، ولا صلاة العيد في موضع دليلٌ على أن صلاة العيد، وصلاة الجنائز لا تجوز إلا في ذلك الموضع، والمسلمون في كلّ أفق لهم مصلى في العيد، يخرجون إليه، وُيصلّون فيه، ولا يقول أحد من علمائهم: إن الصلاة لا تجوز إلا فيه. وكذلك صلاتهم في المقابر على جنائزهم، ليس فيه دليل على أنه لا يُصلّى على الجنائز إلا في المقبرة، وما لم يَنْهَ عنه اللَّه ، ورسوله ﷺ ، فمباح فعله، فكيف بما فعله رسول اللَّه ﷺ انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-

стр. 10789

ببعض تصرّف (١). وهو كلام نفيس، وبحث أنيس. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وفي هذا الحديث دليل للشافعيّ، والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد، وممن قال به أحمد، وإسحاق، قال ابن عبد البرّ: ورواه المدنيون في "الموطإ" عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكيّ. وقال ابن أبي ذئب، وأبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه: لا تصحّ الصلاة عليه في المسجد بحديث في "سنن أبي داود": "من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له". ودليل الشافعيّ، والجمهور حديث سهيل ابن بيضاء. وأجابوا عن حديث "سنن أبي داود" بأجوبة: أحدها: أنه ضعيف، لا يصحّ الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف، تفرّد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف. الثاني: أن الذي في النسخ المشهورة المحقّقة المسموعة من "سنن أبي داود": "ومن صلّى على جنازة في المسجد، فلا شيء عليه"، ولا حجّة لهم حينئذ فيه. الثالث: أنه لو ثبت الحديث، وثبت أنه قال: "فلا شيء له"، لوجب تأويله على فلا شيء عليه، ليُجمَع بين الروايتين، وبين هذا الحديث، وحديث سهيل ابن بيضاء، وقد جاء "له" بمعنى "عليه"، كقوله : ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. الرابع: أنه محمول على نقص الأجر في حقّ من صلّى في المسجد، ورجع، ولم يشيّعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة، وحضور دفنه (٢). واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال أهل العلم، وأدلتهم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد أن المذهب الصحيح، هو ما عليه الجمهور، من أنه جائز، بلا كراهة، لأن أدلة المانعين غير صالحة لمعارضة ما صحّ عن النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الراشدين، كما سبق تفصيله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٦٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ, أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ, إِلاَّ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ".

стр. 10790

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة ﵂، وتقدم الكلام على الحديث، ومسائله المتعلّقة به في الذي قبله، وممن لم يتقدم هناك من رجاله: ١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧١ - الصَّلّاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ بِاللَّيْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الصلاة على الجنازة في الليل، فالباء بمعنى "في". ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، واضحة، وذلك في قوله: "فصَلَّوا عليها"، حيث إن النبيّ ﷺ لم ينكر الصلاة عليها في الليل، فدلّ ذلك على جوازه، وإن كان الأَولى الصلاة عليها نهارًا، تكثيرًا للمصلين. واللَّه سبحانه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٦٩ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ, أَنَّهُ قَالَ: اشْتَكَتِ امْرَأَةٌ, بِالْعَوَالِي, مِسْكِينَةٌ, فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُهُمْ عَنْهَا, وَقَالَ: «إِنْ مَاتَتْ, فَلَا تَدْفِنُوهَا, حَتَّى أُصَلِّىَ عَلَيْهَا» , فَتُوُفِّيَتْ, فَجَاءُوا بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ, بَعْدَ الْعَتَمَةِ, فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَدْ نَامَ, فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوهُ, فَصَلُّوا عَلَيْهَا, وَدَفَنُوهَا بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ, فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , جَاءُوا, فَسَأَلَهُمْ عَنْهَا, فَقَالُوا: قَدْ دُفِنَتْ, يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَقَدْ جِئْنَاكَ, فَوَجَدْنَاكَ نَائِمًا, فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ, قَالَ: «فَانْطَلِقُوا». فَانْطَلَقَ يَمْشِي, وَمَشَوْا مَعَهُ, حَتَّى أَرَوْهُ قَبْرَهَا, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَصَفُّوا وَرَاءَهُ, فَصَلَّى عَلَيْهَا, وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم برقم ٤٣/ ١٩٠٧ - رواه المصنف هناك عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب بسنده هنا، وتقدم أن قلت: إنه حديث صحيح لشواهده، فلا يضرّه الإرسال، فإن أبا أمامة ليست له رواية عن النبيّ ﷺ ، وإن كانت له رؤية، وقد استوفيت شرحه، والكلام على مسائله، هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 10791

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٢ - الصُّفُوفُ عَلَى الْجَنَازَةِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الرّدّ على من ذهب إلى أنه لا يشرع تسوية الصفوف في الصلاة على الجنازة، وهو منقول عن عطاء، فقد روى عبدالرزّاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أحقٌّ على الناس أن يسوّوا صفوفهم على الجنائز، كما يسوونها في الصلاة؟ قال: لا، إنما يكبّرون، ويستغفرون. وأشار بصيغة الجمع إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف، وهو ما رواه أبو داود وغيره، من حديث مالك بن هُبيرة، مرفوعًا: "من صلّى عليه ثلاثة صفوف، فقد أوجب". حسنه الترمذيّ، وصححه الحاكم، لكن فيه عنعنة ابن إسحاق، وفي رواية: "إلا غُفر له". قال الطبريّ ﵀: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشَوا عليه التغير أن يتنظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث انتهى. والمراد بـ "الجنازة" في الترجمة الميت، سواء كان حاضرًا، أو غير حاضر، فأحاديث الباب، وإن كانت فيها الاصطفاف على الغائب، إلا أنه يُعلم منه حكم الحاضر، لأن الاصطفاف إذا شرع، والجنازة غائبة، ففي الحاضرة أولى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال في "الفتح"، وفيه أن محلّ الاستدلال قوله: "فصف بنا"، وعندي أنه قوله: "كما يصف على الجنازة"، فليس الاستدلال بالقياس على الغائب المشبه، بل هو بصريح المشبه به. والحاصل أن من هدي النبي ﷺ إذا صلى على الجنازة صف الناس، ثم صلى، ففعل ذلك أيضًا حينما صلى على النجاشي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، ١٩٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ, قَدْ مَاتَ, فَقُومُوا, فَصَلُّوا عَلَيْهِ» , فَقَامَ فَصَفَّ بِنَا, كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْجَنَازَةِ, وَصَلَّى عَلَيْهِ. رجال الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عُبيد) بن محمد بن واقد المحاربيّ، أبو جعفر، أو أبو يعلى النّحّاس الكوفيّ، صدوق [١٠] ١٤٤/ ٢٢٦.

стр. 10792

٢ - (حفص بن غياث) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه تغيّر في الآخر قليلاً [٨] ٨٦/ ١٠٥. ٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج نُسب لجدّه، الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام ﵄ ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو موثّق. (ومنها): أن شيخه، وشيخ شيخه كوفيان، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ) ﵁ وللبخاريّ: "أنه سمع جابر بن عبد اللَّه ﵄، فصرّح عطاء بالسماع (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ أَخَاكُمُ") وفي رواية البخاريّ، من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج: "قد توفي اليوم رجل من الحَبَش … "، ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن جريج: "مات اليوم عبدٌ للَّه، صالح، أصحمة". قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: بفتح الهمزة، وإسكان الصاد، وفتح الحاء المهملتين، وهذا هو الذي وقع في رواية مسلم، وهو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو في كتب الحديث والمغازي، وغيرها، ووقع في مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث تسميته "صَحْمَة" بفتح الصاد، وإسكان الحاء، وقال هكذا قال لنا يزيد -يعني ابن هارون- وإنما هو "صَمْحة" يعني بتقديم الميم على الحاء، وهذان شاذّان، والصواب "أصحمة" بالألف. قال قتيبة وغيره: ومعناه بالعربية عطية انتهى (١) (النَّجَاشِيَّ) بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبعد الألف شين معجمة، ثم ياء ثقيلة، كياء النسب، وقيل: بالتخفيف، ورجّحه الصغانيّ، وهو لقب من ملك الحبشة، وحكى المطرّزيّ تشديد الجيم عن بعضهم، وخطّأه (٢). وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: والنجاشيّ لقب لكلّ من ملك الحبشة، وأما

стр. 10793

أصحمة، فهو اسم علم لهذا الملك الصالح الذي كان في زمن النبيّ ﷺ . قال المطرّزيّ، وابن خالويه، وآخرون، من الأئمة كلامًا متداخلًا، حاصله: أن كلّ من ملك المسلمين يقال له: أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك الترك خاقان، ومن ملك القبط فرعون، ومن ملك مصر العزيز، ومن ملك اليمن تُبَّع، ومن ملك حِمْيَر القَيل بفتح القاف، وقيل: القيل أقلّ درجة من الملك انتهى (١). فائدة: قال في "الفتح": أرض الحبشة بالجانب الغربيّ من بلاد اليمن، ومسافتها طويلة جدًّا، وهم أجناس، وجميع فِرَق السودان يُعطُون الطاعةَ لملك الحبشة، وكان في القديم يلقّب بالنجاشيّ، وأما اليوم، فيقال له: الحَطِي -بفتح المهملة، وكسر الطاء المهملة الخفيفة، بعدها تحتانيّة خفيفة- ويقال: إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام. قال ابن دُريد: جمع الحَبَش أُحبوش بضم أوله، وأما قولهم: الحَبَشَة فعلى غير القياس، وقد قالوا أيضًا: حُبْشان، وقالوا: أَحْبُش، وأصل التحبيش التجميع. واللَّه أعلم انتهى (٢). (قَدْ مَاتَ فَقُومُوا) فيه إيجاب القيام في صلاة الجنازة، وسيأتي البحث عنه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (فَصَلُّوا عَلَيْهِ) فيه إيجاب الصلاة على الميت، وهو كما تقدّم على الكفاية، وفيه أيضًا جواز الصلاة على الغائب، وقد تقدّم اختلاف أهل العلم فيه في -٥٧/ ١٩٤٦ - (فَقَامَ، فَصَفَّ بِنَا) يؤخذ منه مطابقة الحديث للترجمة (٣)، لأن الغالب أن الملازمين له ﷺ كانوا كثيرين، ولا سيّما مع أمره لهم بالخروج إلى المصلّى. أفاده الكرماني. وفي رواية أبي الزبير الآتية: "فصففنا عليه صفّين"، وفي رواية له، عن جابر ﵁ قال: كنت في الصفّ الثاني … وفي رواية للبخاريّ "فصففنا، فصلى النبي ﷺ ، ونحن صفوف" (كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْجَنَازَةِ) ببناء الفعل للمفعول، أي صفًا مشابهًا لصفّ الصلاة على الجنازة الحاضرة، والمراد به أن تلك الصلاة صلاة حقيقة، وليست مجرّد دعاء (وَصَلَّى عَلَيْهِ) أي صلى النبي ﷺ على النجاشيّ ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته:

стр. 10794

حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٢/ ١٩٧٠ - و ١٩٧٣ و ١٩٧٤ وفي "الكبرى" ٧٢/ ٢٥٩٧ و ٢١٠٠ و ٢١٠١. وأخرجه (خ) ١٣١٧ و ١٣٢٠ و ١٣٣٤ و ٣٨٧٧ و ٣٨٧٨ و ٣٩٧٩ (م) ٩٩٥٢ (أحمد) ١٤٥٤٥ و ١٤٨٦٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الصفوف للصلاة على الجنازة، قال في "الفتح": وفي الحديث دلالة على أن للصفوف على الجنازة تأثيرًا، ولو كان الجمع كثيرًا، لأن الظاهر أن الذين خرجوا معه ﷺ كانوا عددًا كثيرًا، وكان المصلى فضاء واسعا، ولا يضيق بهم لو صفّوا فيه صفّا واحدًا، ومع ذلك فقد صفّهم، وهذا هو الذي فهمه مالك ابن هبيرة الصحابي المتقدّم ذكره، فكان يصُفّ من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف، سواء قلّوا، أو كثروا، ويبقى النظر فيما إذا تعددت الصفوف، والعدد قليل، أو كان الصفّ واحدًا، والعدد كثير، أيهما أفضل؟. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكره ولم يبتّ الحكم، والذي يظهر لي أن تعدد الصفوف، وإن قلّ العدد هو الأولى، واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن الصلاة على الميت صلاة لا تجزىء إلا بطهارة، خلاف قول من قال: يجزىء أن يصلي على الجنازة بغير طهارة، ويؤيد ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية [٨٤]، فسماها اللَّه تعالى صلاةً، وكذا رسوله ﷺ ، حيث قال: "فصلّوا عليه"، وقال: "صلوا على صاحبكم"، وقد صحّ عنه ﷺ قوله: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول". ومنها: أن في قصة النجاشيّ علَمًا من أعلام النبوّة، لأنه ﷺ أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه، مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة. ومنها: أنه استَدَلَّ به من منع الصلاة على الجنازة في المسجد، وهو قول الحنفية، والمالكية، لكن قال أبو يوسف: إن أُعدّ مسجد للصلاة على الموتى لم يكن في الصلاة فيه عليهم بأس. قال النوويّ: ولا حجة فيه، لأن الممتنع عند الحنفيّة إدخال الميت المسجد، لا مجرّد الصلاة عليه، حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه لمن هو داخله. وقال ابن بزيزة وغيره: استَدلّ به بعض المالكيّة، وهو باطل، لأنه ليس فيه صيغة نهي، ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر غير المعنى المذكور، وقد ثبت أنه ﷺ صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد، فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ بل الظاهر أنه إنما

стр. 10795

خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدر كونه أسلم، فقد روى ابن أبي حاتم في "التفسير" من طريق ثابت، والدارقطنيُّ في الأفراد"، والبزّار من طريق حميد، كلاهما عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ لما صلّى على النجاشيّ قال بعض أصحابه: صلى على عِلْج من الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، وله شاهد في "معجم الطبرانيّ الكبير" من حديث وحشيّ بن حرب، وآخر عنده في "الأوسط" من حديث أبي سعيد، وزاد فيه أن الذي طعن بذلك فيه كان منافقًا. ومنها: أنه استُدلّ به على مشروعيّة الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعيّ، وأحمد، وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. وقدم تقدّم تمام البحث فيه، وأن الراجح جوازه في ٥٧/ ١٩٤٦، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. فائدة: قال في "الفتح": أجمع كلّ من أجاز الصلاة على الغائب أن ذلك يُسقط فرضَ الكفاية، إلا ما حُكي عن ابن القطّان، أحد أصحاب الوجوه من الشافعيّة أنه قال: يجوز، ولا يُسقط الفرض انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٧١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ, الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ, ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى, فَصَفَّ بِهِمْ, فَصَلَّى عَلَيْهِ, وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (سويد بن نصر) المروزي الملقب "شاه"، رواية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت رأس [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن بن وهب القرشيّ الإمام الحجة الثبت من كبار [٣]. ٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "نعى للناس" أي أخبرهم بموته. وقوله: "اليومَ الذي مات فيه"، "اليوم" منصوب على الظرفيّة. وقوله: "إلى المصلّى" بصيغة اسم المفعول، أي إلى المكان الذي كان يُصلَّى فيه على الجنازة. وفي رواية ابن ماجه: "فخرج وأصحابه إلى البقيع،

стр. 10796

فصفّنا خلفه". قال في "الفتح": والمراد بالبقيع بقيع بُطحان، أو يكون المراد بـ "المصلّى" موضعًا مُعدّا للجنائز ببقيع الغرقد، غير مصلى العيدين، والأول أظهر. وقد تقدّم في العيدين أن المصلّى كان ببطحان. انتهى (١). وتمام شرح الحديث يُعلم مما قبله، وهو حديث متفق عليه، أخرجه المصنّف هنا -٧٢/ ١٩٧١ - و ١٩٧٢ و ٢٧/ ١٨٧٩ و ١٩٨٠ و٢٠٤١ و ٢٠٤٢ وأخرجه (خ) ١٢١٨ و ١٣٣٣ (م) ٩٥١ (د) ٣٢٠٤ (ت) ١٥٢٢ (ق) ١٥٣٤ (أحمد) ٧٧١٩ و ٩٣٦٣ و ٩٣٧١ (الموطأ) ٥٣٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (٢) مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ, وَأَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: "نَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , النَّجَاشِيَّ لأَصْحَابِهِ, بِالْمَدِينَةِ, فَصَفُّوا خَلْفَهُ, فَصَلَّى عَلَيْهِ, وَكَبَّرَ أَرْبَعًا". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنِّي لَمْ أَفْهَمْهُ (٣) كَمَا أَرَدْتَ. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن رافع) النسابوري الثقة العابد [١١] ٩٢/ ١١٤. ٢ - (عبد الرّزّاق) بن همّام الصنعانيّ الثقة ذو التصانيف الشهيرة [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد الصنعاني الثقة الثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (أبو سلمة) بن عبدالرحمن بن عوف المدنيّ الثقة الفقيه [٣] ١/ ١. والباقون ذكروا في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، وذكر مسائله. وقوله: "قال أبو عبدالرحمن: ابن المسيّب إني لم أفهمه، كما أردت". يعني -واللَّه أعلم- أن المصنّف لم يَفهم ذكر سعيد بن المسيّب مع أبي سلمة في هذا السند، ولعل ذلك أن شيخه محمد بن رافع لم يرفع صوته بذكره، أو حصل له الالتباس بسبب كثرة الناس، فلم يستطع أن يسمع تمام السماع. وهذا الكلام ليس في "الكبرى". [تنبيه]: ذكر في "الفتح" عند قوله: "عن الزهريّ، عن سعيد": ما نصّه: هو ابن المسيّب، كذا رواه أصحاب معمر البصريون عنه، وكذا هو في مصنّف عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه النسائيّ، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، فقال فيه: "عن سعيد، وأبي سلمة"، وكذا أخرجه ابن حبّان من طريق يونس، عن الزهريّ، عنهما، وكذا ذكره الدارقطنيّ في "غرائب مالك"، من طريق خالد بن مخلد، وغيره، عن مالك، والمحفوظ عن مالك ليس فيه ذكر أبي سلمة، كذا هو في "الموطإ"، وكذا أخرجه البخاريّ، في أوائل

стр. 10797

"الجنائز"، والمحفوظ عن الزهريّ أن نعي النجاشيّ، والأمر بالاستغفار له عنده عن سعيد، وأبي سلمة جميعًا، وأما قصّة الصلاة عليه، والتكبير، فعنده عن سعيد وحده، كذا فصّله عُقيل عنه، وذكر الدارقطنيّ في "العلل" الاختلاف فيه، وقال: إن الصواب ما ذكرناه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٧٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (٢) إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: إِنَّ أَخَاكُمْ (٣) , قَدْ مَاتَ, فَقُومُوا, فَصَلُّوا عَلَيْهِ, فَصَفَفْنَا عَلَيْهِ صَفَّيْنِ (٤). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجر) السعديّ المذكور قبل باب. ٢ - (إسماعيل) ابن عُليّة البصريّ الثبت الحافظ [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ الثبت الحجة الفقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدرس المكيّ، صدوق [٤] ٣١/ ٣٥. والصحابي ﵁ تقدّم أول الباب. والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في أول الباب رقم- ١٩٧٠ - فراجعها تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٧٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, سَمِعْتُ شُعْبَةَ, يَقُولُ: السَّاعَةَ يَخْرُجُ, السَّاعَةَ يَخْرُجُ, حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي, يَوْمَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى النَّجَاشِيِّ. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١١/ ٣٤٣. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦. والباقيان تقدما في الذي قبله.

стр. 10798

وقوله: "سمعت شعبة يقول: الساعة يخرج الخ" بنصب "الساعةَ" على الظرفية. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الظاهر أنه بيان كيفية تحمّلهم الحديث، لكن في الكلام اختصار، وكان أصله كنّا عند باب أبي الزبير، منتظرين لخروجه، ونقول: الساعةَ يخرج أبو الزبير من البيت. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه السنديّ، أن أبا داود سمع شعبة يحدّث عن أبي الزبير قائلًا: كنا عند باب أبي الزبير ننتظر خروجه، ونقول: الساعة يخرج إلينا من بيته، فيحدّثنا، فخرج، فحدثنا، عن جابر الخ. هذا حاصل معنى كلامه، وبالجملة فالمحلّ محلّ نظر وتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "الكبرى" بعد ذكر هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: أبو الزبير اسمه محمد بن مسلم بن تَدْرُس مكيّ، كان شعبة سيّىء الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفاظ، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأيوب، ومالك بن أنس، فإذا قال: سمعت جابرًا، فهو صحيح، وكان يدلّس، وهو أحبّ إلينا في جابر من أبي سفيان، وأبو سفيان هذا اسمه طلحة بن نافع، وباللَّه التوفيق انتهى (٢). والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ, قَدْ مَاتَ, فَقُومُوا, فَصَلُّوا عَلَيْهِ» , قَالَ: فَقُمْنَا, فَصَفَفْنَا عَلَيْهِ, كَمَا يُصَفُّ (٣) عَلَى الْمَيِّتِ, وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ, كَمَا يُصَلَّى (٤) عَلَى الْمَيِّتِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (بشر بن المفَضَّل) البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢. ٣ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (محمد بن سيرين) أبو بكر بن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧.

стр. 10799

٥ - (أبو المهلّب) الجَرْميّ البصريّ، عم أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، وقيل غيره، ثقة [٢] ٢٣/ ١٢٣٦. ٦ - (عمران بن حُصين) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٠١/ ٣٢١. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بثقات البصريين، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه، فمن أفراده، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "كما يُصّفُّ على الميت" بالبناء للمفعول، وكذا قوله: "كما يُصلَّى الميت". وفي نسخة: "كما نَصُفُّ على الميت"، و "كما نُصلي على الميت"، فعلى هذا فالفعل مبني للفاعل. يعني أنه ليس المراد بالصلاة الصلاة اللغويّة، بمعنى الدعاء له، بل هي مثل الصلاة التي تُصلّى على الميت الحاضر، وهي المشتملة على التكبيرات، والقراءة، والدعاء، كما سيأتي في باب "الدعاء" إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان المسائل المتعلّقة به في - ٥٧/ ١٩٤٦ - فراجعها هناك، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٣ - الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ قَائِمًا ١٩٧٦ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ سَمُرَةَ, قَالَ: صَلَّيْتُ (١) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَلَى أُمِّ كَعْبٍ (٢) , مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فِي الصَّلَاةِ فِي وَسَطِهَا. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.

стр. 10800

٣ - (حسين) بن ذكوان المعلّم العَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وَهِم [٦] ١٢٢/ ١٧٤. ٤ - (ابن بريدة) عبد اللَّه الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣. ٥ - (سمرة) بن جُندب الفزاريّ الصحابيّ الشهير ﵁ ٢٥/ ٣٩٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وابن بريدة، وإن كان مروزيّا، إلا أنه بصريّ الأصل، فإن أباه كان ممن نزل البصرة، ثم انتقل منها إلى مرو. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب ﵁، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ) وفي نسخة "صلَّى" (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى أُمِّ كَعْبٍ) الأنصاريّة ﵂، لم أجد لها ترجمة وافية، فلم يذكر في "الإصابة"، ولا في "أسد الغابة" مما يتعلّق بها غير حديث سمرة ﵁ هذا، وفي نسخة: "على أمّ فلان" (مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا) أي في وقت نفاسها، أو في حال نفاسها، وفي رواية للبخاريّ: "في بطن"، أي بسبب بطن، يعني الحمل (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي الصَّلَاةِ) أي في حال الصلاة عليها (فِي وَسَطِهَا) أي محاذيًا لوسطها، قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: بفتح السين في روايتنا، وكذا ضبطه ابن التين، وضبطه غيره بالسكون، وقال العينيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولا يقال بالسكون إلا في متفرّق الأجزاء، كالناس، والدوابّ، وبالفتح فيما كان متصل الأجزاء انتهى. وقال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وحقيقة الوَسَط ما تساوت أطرافه، وقد يراد به ما يُكتَنَف من جوانبه، ولو من غير تساوٍ، كما قيل: إن صلاة الظهر هي الوسطى (١)، ويقال: ضربتُ وَسَطَ رأسه بالفتح لأنه اسم لما يَكتنِفُهُ من جهاته غيره، ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلاً، ومفعولاً، ومبتدأً، فيقال: اتسع وَسَطُه، وضربت وَسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَط الدّار، ووسَطُهُ خيرٌ من طرفه، قالوا: والسكون فيه لغةٌ، وأما وَسْطٌ بالسكون فهو بمعنى "بَيْنَ"، نحوُ جلست وسط القوم: أي بينهم انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: قد تبيّن بما ذكره الفيّوميّ ﵀ أن الوسط إذا كان بمعنى

стр. 10801

"بين" يكون ساكن السين، وما عداه يكون مفتوحها، ويجوز على قلّة سكونها، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سمرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٣/ ١٩٧٦ - و ٢٥/ ٣٩٣ و ٧٥/ ١٩٧٩ وفي "الكبرى" ٧٣/ ٢١٠٣ و ٧٥/ ٢١٠٦. وأخرجه (خ) ٣٣١ و ١٣٣١ و ١٣٣٢ (م) ٩٦٤ (د) ٣١٩٥ (ت) ١٠٣٥ (ق) ١٤٩٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة القيام عند أداء الصلاة على الجنازة. ومنها: إثبات مشروعية الصلاة على النفساء، وإن كانت من جملة الشهداء، لأنها ليست من شهيد المعركة. ومنها: أنّ فيه -كما قال في "الفتح"- مشروعيةَ الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة، فيحتمل أن يكون معتبرًا، فإن القيام عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها، بخلاف الرجل، ويحتمل أن لا يكون معتبرًا، وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذه، فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا ترجم البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بقوله: "باب أين يقوم من المرأة والرجل؟ "، فأورده مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود، والترمذيّ من طريق أبي غالب، عن أنس بن مالك ﵁ أنه صلّى على رجل، فقام عند رأسه، وصلّى على امرأة، فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول اللَّه ﷺ يفعل؟، قال: نعم. وحكى ابن رشيد عن ابن المرابط أنه أبدى لكونها نفساء علّة مناسبة، وهي استقبال جنينها ليناله من بركة الدعاء. وتعُقّب بأن الجنين كعضو منها، ثم هو لا يُصلَّى عليه إذا انفرد، وكان سِقْطًا، فأحرى إذا كان باقيًا في بطنها أن لا يُقصد انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله في "الفتح"، من تضعيف حديث أنس ﵁ ليس كما ينبغي، فإنه صحيح، فقد أخرجه أبو داود -٣١٩٤ - والترمذيّ- ١٠٣٤ - بسند صحيح، ولفظ أبي داود:

стр. 10802

٣١٩٤ - حدثنا داود بن معاذ، حدثنا عبد الوارث، عن نافع أبي غالب، قال: كنت في سِكَّة المِرْبَد، فمرت جنازة، معها ناس كثير، قالوا: جنازة عبد اللَّه بن عمير، فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق، على بُرَيذِينته، وعلى رأسه خرقة، تقيه من الشمس، فقلت: مَن هذا الدهقان؟ قالوا: هذا أنس بن مالك، فلما وُضِعت الجنازة، قام أنس، فصلى عليها، وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، فكبر أربع تكبيرات، لم يُطِل ولم يسرع، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فقربوها، وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها، نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان يفعل رسول اللَّه ﷺ ، يصلي على الجنازة، كصلاتك، يكبر عليها أربعا، ويقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة؟، قال: نعم، قال: يا أبا حمزة، غزوتَ مع رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، غزوتُ معه حنينا، فخرج المشركون، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل، يحمل علينا، فيدُقُّنا، وَيحطِمنا، فهزمهم اللَّه، وجعل يُجاء بهم، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ : إنّ علي نذرا إن جاء اللَّه بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا، لأضربن عنقه، فسكت رسول اللَّه ﷺ ، وجيء بالرجل، فلما رأى رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: يا رسول اللَّه تبت إلى اللَّه، فأمسك رسول اللَّه ﷺ ، لا يبايعه، ليفي الآخر بنذره، قال: فجعل الرجل، يتصدى لرسول اللَّه ﷺ ، ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسولَ اللَّه ﷺ ، أن يقتله، فلما رأى رسولُ اللَّه ﷺ ، أنه لا يصنع شيئا بايعه، فقال الرجل: يا رسول اللَّه نذري، فقال: "إني لم أمسك عنه، منذ اليوم، إلا لتوفي بنذرك"، فقال: يا رسول اللَّه، ألا أومضت إلي؟، فقال النبي ﷺ : "إنه ليس لنبي، أن يومض" قال أبو غالب: فسألت عن صنيع أنس، في قيامه على المرأة، عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان، لأنه لم تكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها، يسترها من القوم. قال أبو داود: قول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه"، نسخ من هذا الحديث الوفاء بالنذر، في قتله بقوله: إني قد تبت انتهى. ولفظ الترمذيّ: ١٠٣٤ - حدثنا عبد اللَّه بن منير، عن سعيد بن عامر، عن همام، عن أبي غالب، قال: صليت مع أنس بن مالك، على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاءوا بجنازة امرأة، من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة، صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ ، قام على الجنازة، مقامك منها، ومن الرجل

стр. 10803

مقامك منه؟، قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا. وفي الباب عن سمرة، قال أبو عيسى: حديث أنس هذا حديث حسن. وقد رَوَى غير واحد عن همام مثل هذا، وروى وكيع هذا الحديث عن همام فوهم فيه، فقال: عن غالب، عن أنس، والصحيح عن أبي غالب. وقد رَوَى هذا الحديث عبد الوارث بن شعيد، وغير واحد، عن أبي غالب، مثل رواية همام، واختلفوا في اسم أبي غالب هذا، فقال بعضهم: يقال: اسمه نافع، ويقال: رافع، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول أحمد، وإسحاق انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا الإسناد صحيح، وأبو غالب وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهما، فبان بهذا أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في محلّ وقوف الإمام من الميت في حال الصلاة عليه: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلفوا في موقف الإمام من الرجل والمرأة إذا صلى عليهما، فقالت طائفة: يقوم بحيال الصدر رجلًا كان، أو امراةً، هكذا قال أصحاب الرأي. وقال الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز: إذا كان رجلًا فقم بحذاء وسطه، وإن كانت امرأة فقم بحذاء منكبها. وقال الثوريّ: يقوم مما يلي صدر الرجل. وكان أبو ثور يقول: يقوم وسط الجنازة. وكان الحسن البصريّ لا يبالي أين يقوم من الرجل والمرأة. وقد روينا عن النخعيّ ثلاث روايات: إحداها: أن يقوم من الرجل والمرأة وسطًا. والثانية: أن يقوم عند صدر الرجل، ومنكب المرأة. والثالثة: أن يقوم عند صدر الرجل والمرأة. وقالت طائفة: يقوم من المرأة وسطها، ومن الرجل عند صدره، هذا قول أحمد بن حنبل. قال ابن المنذر: يقوم من المرأة وسطها، وعند رأس الرجل انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجّحه ابن المنذ ﵀ هو الأرجح عندي؟ لصحة حديث أنس ﵁، كما تقدّم قريبًا، وهو مذهب الشافعيّ، وداود، وابن حزم، -رحمهم اللَّه تعالى-. قال العلّامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد حكاية المذاهب: قد عرفت أن الأدلة

стр. 10804

دلّت على ما ذهب إليه الشافعيّ، وأن ما عداه لا مُستند له، من المرفوع، بل مجرّد التعويل على محض الرأي، أو ترجيح ما فعله الصحابيّ على فعله ﷺ ، وإذا جاء نهر اللَّه بطل نهر معقل. نعم لا ينتهض مجرّد الفعل دليلًا للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أولى، ولا أحسن من الكيفيّة التي فعلها المصطفى ﷺ انتهى (١). وقال في "الروضة النديّة" ص -١٦٧ - : أقول: الثابت عنه ﷺ أنه كان يقف مقابلًا لرأس الرجل، ولم يثبت عنه غير ذلك، وأما المرأة، فروي أنه كان يقوم مقابلًا لوسطها، وروي أنه كان يقوم مقابلًا لعجيزتها، ولا منافاة بين الروايتين، فالعجيزة يصدُق عليها أنها وسط، دمايثار ما ثبت عن رسول اللَّه عفَجِ عند أئمة الفنّ الذين هم المرجع لغيرهم واجب، ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة، أو من غيرهم على قول رسول اللَّه ﷺ ، وفِعلِهِ، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. وحاصله أن السنة قيام الإمام بحذاء رأس الرجل، ووسط المرأة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٤ - اجْتِمَاعُ جَنَازَةِ صَبِيٍّ وامْرَأَةٍ ١٩٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, عَنْ عَمَّارٍ, قَالَ: حَضَرَتْ جَنَازَةُ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ, فَقُدِّمَ الصَّبِيُّ مِمَّا يَلِى الْقَوْمَ, وَوُضِعَتِ الْمَرْأَةُ وَرَاءَهُ, فَصَلَّى عَلَيْهِمَا, وَفِي الْقَوْمِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ, وَابْنُ عَبَّاسٍ, وَأَبُو قَتَادَةَ, وَأَبُو هُرَيْرَةَ, فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: السُّنَّةُ. رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١. ٢ - (أبوه) عبد اللَّه بن يزيد المقرىء، أبو عبد الرحمن المكيّ، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦. ٣ - (سعيد) بن أبي أيّوب الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨٠.

стр. 10805

٤ - (يزيد بن أبي حبيب) أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧. ٥ - (عطاء بن أبي رباح) المذكور في الباب الماضي. ٦ - (عمّار) بن أبي عمّار، مولى بني هاشم، ويقال: مولى بني الحارث بن نوفل أبو عَمْرو، ويقال: أبو عُمَر، ويقال: أبو عبد اللَّه المكّيّ، صدوق ربّما أخطأ [٣]. قال أحمد، وأبو داود: ثقة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، لا بأس به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال البخاريّ فى "الأوسط" بعد أن ساق حديثه عن ابن عباس في سنّ النبيّ ﷺ : لا يتابع عليه، قال: وكان شعبة يتكلّم فيه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: روى شعبة عنه حديث الحيض؟ قال: لم يسمع غيره، قلت: تركه عمدًا؟ قال: لا، لم يسمع. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية خالد بن عبد اللَّه القَسْريّ على العراق، قال: وكان يخطىء. روى له الجماعة سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و ٣٦٣٩ حديث جابر ﵁ في قضاء دين أبيه. ٧ - (الصحابة الأربعة) - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير سعيد، ويزيد فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمَّارٍ) بن أبي عمّار -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أنه (قَالَ: حَضَرَتُ) بالإسناد إلى ضمير المتكلّم، وفي نسخة: "شَهِدتُ" (جَنَازَةَ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ) بنصب "جنازةَ" على أنه مفعول لـ "حضرتُ"، ويحتمل أن تكون التاء في "حَضَرَتْ" للتأنيث، و"جنازةُ" مرفوع على الفاعليّة، والوجه الأولى أولى. وقد بيّنت الرواية الثانية أن المرأة هي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، زوج عمر بن الخطّاب ﵁، وأن الصبيّ ولدها المسمّى زيد، وَلَدُ عمر ﵁، مات هو وأمه في وقت واحد، ولم يُدر أيهما مات أوّلاً، فلم يتوارثا (فَقُدِّمَ الصَّبِيُّ مِمَّا يَلِي الْقَوْمَ) أي في الجانب الذي يلي القوم الذين حضروا للصلاة، وفي رواية أبي داود: "فجُعل الغلام مما يلي الإمام" (وَوُضِعَتِ الْمَرْأَةُ وَرَاءهُ) أي بعد الصبيّ إلى جهة القبلة (فَصَلَّى عَلَيْهِمَا) هكذا نسخ "المجتبى" "فصلّى" بصيغة الماضي، وعلى هذا فالفاعل ضمير يعود إلى القوم، وأفرده باعتبار لفظه، ويحتمل أن يكون بصيغة المجهول، والجارّ والمجرور هو النائب

стр. 10806

عن الفاعل، وفي "الكبرى": "يصلي عليهما" بصيغة المضارع، وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "والإمام يومئذ سعيد بن العاص" (وَفِي الْقَوْمِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَأَبُو قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعيّ، على المشهور،: ﵁ (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، وقوله: "وفي القوم" خبر مقدّم، وقوله: "أبو سعيد الخ" مبتدأ مؤخّر، والجملة في محلّ نصب على الحال. وذكر في رواية نافع الآتية في الباب التالي "ابنَ عمر" معهم. وفي رواية البيهقيّ: "وفي القوم الحسن، والحسين، وابن عمر، وأبو هريرة، ونحو من ثمانين نفسًا، من أصحاب النبي ﷺ (فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ ذَلِكَ؟) وفي رواية أبي داود: "فأنكرت ذلك"، أي أنكرت وضع الصبيّ جهة القوم، والمرأة جهة القبلة، وفي الرواية التالية: "فقال رجل: فأنكرتُ ذلك، فنظرت إلى ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟، قالوا: هي السنّة" (فَقَالُوا: السُّنَّةُ) خبر لمحذوف، أي هي السنة، يعنون أن هذه الكيفية هي سنة النبيّ ﷺ ، لأن قول الصحابيّ: هذا من السنة له حكم الرفع، عند جمهور أهل العلم، كما قال الحافظ السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "ألفية الحديث": وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمار بن أبي عمار عن هؤلاء الصحابة ﵃ صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٤/ ١٩٧٧ - و ٧٥/ ١٩٧٨ - من رواية نافع، وفي "الكبرى" ٧٤/ ٢١٠٤ و ٧٥/ ٢١٠٥ - وأخرجه () ٣١٩٣. وموضع استدلال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من الحديث قوله: "فقُدِّم الصبيُّ مما يلي القوم الخ، ففيه بيان حكم ما إذا اجتمع جنازة صبيّ، وامرأة، وذلك أن يوضع الصبيّ مما يلي الإمامِ، وتوضع المرأة بعده، مما يلي القبلة، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في ذلك مُستوفًى في الباب التالي إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 10807

٧٥ - اجْتِمَاعُ جَنَائِزِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ١٩٧٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا, يَزْعُمُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ, صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ, جَمِيعًا, فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَ الإِمَامَ, وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ, فَصَفَّهُنَّ صَفًّا وَاحِدًا, وَوُضِعَتْ جَنَازَةُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ, امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, وَابْنٍ لَهَا, يُقَالُ لَهُ: زَيْدٌ وُضِعَا جَمِيعًا, وَالإِمَامُ يَوْمَئِذٍ, سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ, وَفِي النَّاسِ ابْنُ عُمَرَ, وَأَبُو هُرَيْرَةَ, وَأَبُو سَعِيدٍ, وَأَبُو قَتَادَةَ, فَوُضِعَ (٣) الْغُلَامُ, مِمَّا يَلِى الإِمَامَ, فَقَالَ رَجُلٌ: فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ, فَنَظَرْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, وَأَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ, وَأَبِي قَتَادَةَ, فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هِيَ السُّنَّةُ. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد، [١١] ٩٢/ ١١٤. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني ثقة حافظ، مصنف تغير في آخره، وكان يتشيع [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فاضل فقيه، لكنه يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - الصحابة المذكورن - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه الإخبار، والسماع، وفيه أن نافعًا ينقل فعل ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في الصلاة على الجنائز المجتمعة، فيوافقه على ذلك أربعة من الصحابة، فقالوا: إن هذه الكفية في القيام على الجنائز المجتمعة هي السنة، وقد سبق أن قول الصحابيّ: من السنة كذا له حكم الرفع. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10808

شرح الحديث عن ابن جريج أنه (قال: سَمِعْتُ نَافِعًا، يَزْعُمُ) أي يقول. قال الفيّوميّ ﵀: زَعَم زَغمًا، من باب قتل يقتل، وفي "الزّعم" ثلاث لغات: فتح الزاي، للحجاز، وضمها لأسد، وكسرها لبعض قيس، وُيطلق بمعنى القول، ومنه زَعَمت الحنفيّة، وزعَم سيبويه، أي قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ الآية [الإسراء: ٩٢]، أي كما أخبرت. ويطلق على الظن، وعلى الاعتقاد، والغالب أن يستعمل فيما كان باطلًا أو فيه ارتياب. أفاده في "المصباح" قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: وما هنا من النوع الأول، فلا يراد هنا الظّنّ ولا غيره، بل المراد القول الحقّ. واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ جَمِيعًا) منصوب على الحال، أي حال كونها مجتمعة، يعني أنه صلى عليها مرّة واحدة (فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَ الإِمَامَ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ، فَصَفَّهُنَّ صَفًّا وَاحِدًا) أي وضعهنّ في صفّ واحد بالطول نحول القبلة (وَوُضِعَتْ جَنَازَةُ أُمِّ كُلْثُومِ) الظاهر أن هذه واقعة أخرى غير الواقعة المذكورة التي صلى فيها ابن عمر ﵄ علىَ تسع جنائز، لأن الإمام فيها ابن عمر ﵄، والإمام في هذه سعيد بن العاص، كما يأتي قريبًا (بنْتِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب ﵁، بجرّ "بنت" صفة لـ "أمّ كلثوم" (امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁، بجرّ "امرأة" أيضًا بدلاً من "أمّ كلثوم" (وَابْنٍ لَهَا) بجرّ "ابن" عطفًا على "أم كلثَوم" (يُقَالُ لَهُ: زَيْدٌ) بن عمر (وُضِعَا جمِعًا، وَالإِمَامُ يَوْمَئِذٍ سَعِيدُ ابْنُ الْعَاصِ) بن أميّة الأمويّ، لكونه أمير المدينة في ذلك الوقت، وكان لسعيد هذا عند موت النبي ﷺ تسع سنين، وذُكر في الصحابة، وولي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، ومات سنة (٥٨) وقيل: غير ذلك، وتقدّم [١٧/ ١٥٢٩] (وَفِي الناسِ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبو قَتَادَةَ، فَوُضِعَ الْغُلَامُ) أي زيد المذكور، وفي نسخة: "ووضع" بالواو (مِمَّا يَلي الإِمَامَ، فَقَالَ رَجُلٌ:) الظاهر أنه عمّار بن أبي عمّار المتقدّم في الباب الماضي (فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَنَظَرْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، فَقُفتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هِيَ السُّنَّةُ) أي هذه الكيفيّة هي السنة المنقولة عن النبي ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، تقدّم تخريجه في الباب الماضي. وبقي الكلام على اختلاف العلماء في حكم اجتماع جنائز الرجال والنساء، فاقول -وباللَّه التوفيق-: مسألة: في اختلاف أهل العلم في ترتيب جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت:

стр. 10809

قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلفوا في جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت كيف توضع؟ فقالت طائفة: يكون الرجال يَلُون الإمامَ، والنساءُ أمامَ ذلك، مما يلي القبلة، روينا ذلك عن عثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة ﵃. وبه قال سعيد بن المسيّب، والشعبيّ، والنخعيّ، وعطاء، والزهريّ، ويحيى الأنصاريّ، ومالك، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال طائفة: يجعل النساء مما يلي الإمام، والرجال مما يلي القبلة، هذا قول الحسن، والقاسم، وسالم، وروي هذا القول عن مسلمة بن مُخَلَّد. وفيه قول ثالث: وهو أن يصلّي على المرأة على حِدَةٍ، وعلى الرجل على حِدَةٍ، فَعَلَ ذلك ابنُ مغفّل، وقال: هذا لا شكّ فيه. قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: بالقول الأول أقول، للسنّة التي ذكرها من ذكرنا ذلك عنه من أصحاب رسول اللَّه ﷺ انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق عندي ما رجّحه ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-؛ لأنه الذي ثبت بالسنّة التي ذكرها أبو سعيد الخدريّ، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو قتادة ﵃، وأما الأقوال الأخرى فلا أثارة عليها من حجة، سوى الاجتهاد الصِّرْف، وهو إذا عارض السنة، يُلْغَى، "إذا جاء نهر اللَّه بطل نهر مَعْقِل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٧٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ح وَأَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ حُسَيْنٍ الْمُكْتِبِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى عَلَى أُمِّ فُلَانٍ, مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا, فَقَامَ فِي وَسَطِهَا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم قبل باب، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، ولا يظهر لي مناسبة ذكره في هذا الباب، واللَّه أعلم. و"الفضل بن موسى": هو السِّينَانيّ -بمهملة مكسورة، ونونين- أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠، والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: "المكتب" بصيغة اسم الفاعل، من الإكتاب، أو التكتيب، وهو تعليم

стр. 10810

الكتابة، كما تفيده عبارة "ق"، ولعل حسينًا كان يعلّم الكتابة، وكان يقال له أيضًا: "المعَلِّم". واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "أم فلان" هي أم كعب المتقدّمة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٦ - عَدَدُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ ١٩٩٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سَعِيدٍ (١) , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ, وَخَرَجَ بِهِمْ, فَصَفَّ بِهِمْ, وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم قبل ثلاثة أبواب -٧٢/ ١٩٧١ - رواه هناك عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن مالك به، وما هنا أعلى سندًا، إذ وصل فيه إلى مالك بواسطة، وهناك بواسطتين، وتقدّم الكلام عليه هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ومحلّ استدلال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على الترجمة منه قوله: "وكبّر أربع تكبيرات"، فإنه يدلّ على مشروعيّة التكبير على الجنائز أربع مرّات، وسيأتي تمام البحث فيه في آخر الباب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٨١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ, قَالَ: مَرِضَتِ امْرَأَةٌ, مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي, وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ , أَحْسَنَ شَيْءٍ, عِيَادَةً لِلْمَرِيضِ, فَقَالَ: «إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي» , فَمَاتَتْ لَيْلاً, فَدَفَنُوهَا, وَلَمْ يُعْلِمُوا النَّبِيَّ ﷺ , فَلَمَّا أَصْبَحَ, سَأَلَ عَنْهَا, فَقَالُوا: كَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ, يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَأَتَى قَبْرَهَا, فَصَلَّى عَلَيْهَا, وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم في ٤٣/ ١٩٠٧ باب "الإذن بالجنازة" وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، وتقدّم أيضًا في - ٧١/ ١٩٦٩ - باب "الصلاة على الجنازة بالليل". ومحلّ الاستدلال لهذا الباب واضح، كسابقه.

стр. 10811

وقوله: "أحسن شيء عيادة"، بنصب "عيادةً" على التمييز، أي كان؟ أحسن الناس من حيث عيادةُ المريض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٨٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ, عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى, أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ, صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ, فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْسًا, وَقَالَ: كَبَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الشهير الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥. ٥ - (ابن أبي ليلى) عبد الرحمن الأنصاريّ، المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] ٨٦/ ١٠٤. ٦ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي المشهور ﵁ ١٣/ ١٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول بصريون، والثاني كوفيون. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة السنّة الذين رووا عنهما بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ) عبد الرحمن (ابْنِ أَبِي لَيْلَى، أنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) ﵁ (صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْسًا) أي خمس تكبيرات (وَقَالَ: كَبَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي كبر ﷺ مثل هذه التكبيرات الخمس، ولفظ مسلم من طريق غندر، عن شعبة: "قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبّر على جنازة خمسًا، فسألته؟ فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يكبّرها". وفي هذا الحديث، والذي قبله أن عدد التكبير كان مختلِفًا، فثبت أنه ﷺ كبر أربعا، وثبت أيضًا أنه كبّر خمسًا، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10812

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث زيد بن أرقم ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخر جه هنا -٧٦/ ١٩٨٢ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٢١٠٩. وأخرجه (م) ٩٥٧ (د) ٣١٩٧ (ت) ١٠٢٣ (ق) ١٥٠ (أحمد) ١٨٧٨٦ و ١٨٨١٣ و ١٨٨٢٥ و ١٨٨٣٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في عدد التكبيرات على الجنازة: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختدفوا في عدد التكبيرات على الجنائز على أقوال: الأول: يكبّر ثلاثًا، وهو قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد، وقال محمد بن سيرين: إنما كان التكبير ثلاثًا، فزادوا واحدًا. الثاني: يكبّر أربعًا، هذا قول أكثر أهل العلم، وممن قال به عمر بن الخطاب، وزيد ابن ثابت، وابن أبي أوفى، وابن عمر، والحسن بن عليّ، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعقبة ابن عامر، ومحمد بن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأصحاب الرأي. الثالث: يكبّر خمسًا، هذا قول ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وروي ذلك عن الضحّاك بن مزاحم. الرابع: لا يزاد على سبع، ولا يُنقص عن ثلاث، هذا قول بكر بن عبد اللَّه المزنيّ. الخامس: قول أحمد: لا ينقص من أربع، ولا يزاد على سبع. السادس: يكبرون ما كبر إمامهم، روي ذلك عن ابن مسعود، وكان إسحاق يقول: إذا كبّر الإمام على الجنازة خمسًا، أو أربعًا، أو ما زاد إلى أن يبلغ سبعًا لزم المقتدي به أن ينتهي إلى تكبير الإمام. السابع: يكبّر ستا، روينا ذلك عن علي بن أبي طالب أنه صلى على سهل بن حُنيف، فكبّر ستًا، وروي ذلك عن ابن مسعود، وروي عن علي بن أبي طالب أنه صلّى على أبي قتادة، فكبّر عليه سبعًا، وروي عنه أنه كان يكبّر على أهل بدر ستا، وعلى أصحاب رسول اللَّه ﷺ خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا. قال: وقد اختلف بعض من رأى أن التكبير على الجنائز أربع في الإمام يكبّر خمسا، فقالت طائفة: إذا زاد الإمام على أربع انصرف، هذا قول الثوريّ، وكذلك فعل، انصرف لما ذهب الإمام يكبّر الخامسة، وكان النعمان يقطعه حيث يكبّر الرابعة،

стр. 10813

ويسلّم، ثم ينصرف. وقال مالك في هذا قف حيث وَقَفتِ السنّةُ أن لا تكبّر الخامسة. وقالت طائفة: يكبر خمسا إذا كبّر الإمام خمسًا، هذا قول أحمد بن حنبل، وقال إسحاق: لو كبر ستا، أو سبعًا -يعني يتبعه-. وذكر لأحمد إذا كبّر ستا، أو سبعًا، أو ثمانيا، قال: أما هذا فلا، وأما خمس فقد روي عن النبي ﷺ ، ونحن نختار أربعًا. قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ثبتت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ من وجوه شتّى أنه كبّر على الجنائز أربعًا، وقد تكلّم في حديث زيد بن أرقم، فقالت طائفة من أصحاب الحديث به، وممن كان لا يمتنع منه، ولا ينهى عنه، ويرى الاقتداء بالإمام إذا كبّر خمسًا أحمد بن حنبل، وكان يرى أن يكبّر أربعًا، ودفعت طائفة من أصحابنا حديث زيد ابن أرقم، وقالت: لم يكن زيد يكبّر أربعا إلا لعلمه أن النبي ﷺ كان يكبّر خمسًا، ثم صار آخر الأمر إلى أن كبّر أربعًا، ولولا ذلك ما كان زيد يكبّر أربعًا، فدلّ فعله على ذلك أن ذلك آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ما كان زيد يختاره، والدليل على ذلك حديث عمر ﵁: حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا أبي، قال: ثنا يزيد بن هارون، ووهب بن جرير، قالا: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال عمر: كل ذلك قد كان، خمس، وأربع، فجمع الناس على أربع. وقال وهب في حديثه: فأمر الناس بأربع (١). والأخبار التي روبت عن النبي ﷺ أنه كبر أربعا أسانيدها جياد صحاح، لا علّة لشيء منها. انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار وتصرّف (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن الأولى أن يكبّر أربعًا، لورد الأدلّة بذلك، وثبوتها ثبوتا متواترا، من طرق جماعة من الصحابة: أبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وعقبة بن عامر، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهم ﵃، وإن كبر خمسًا، جاز، لثبوته من حديث بن أرقم ﵁ المذكور في الباب، وأخرجه مسلم في "صحيحه". وأما قول ابن عبد البرّ: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء، وأهل الفتوى بالأمصار على أربع، على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم فشذوذ، لا يلتفت إليه انتهى. فدعوى باطلة، فإن الخلاف في ذلك معروف بين الصحابة ومن بعدهم، وقد

стр. 10814

استوعب اختلاف الصحابة، فمن بعدهم، أبو بكر ابن المنذر ﵀، في كتابه "الأوسط" [ج ٥ ص ٤٢٩/ ٤٣٥]، كما أسلفنا عنه بعض كلامه، وأبو محمد ابن حزم ﵀ في "المحلّى" [ج ٥ ص ١٢٨/ ١٢٤] وقد فنّد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- دعوى الإجماع على أربع تكبيرات، فأجاد، وأفاد. قال: ولم نجد عن أحد من الأئمة تكبيرًا أكثر من سبع، ولا أقلّ من ثلاث، فمن زاد على خمس، وبلغ ستا، أو سبعًا، فقد عمل عملاً، لم يصحّ عن النبي ﷺ قط، فكرهناه لذلك، ولم ينه ﵇ عنه، فلم نقل: بتحريمه؛ لذلك، وكذلك القول فيمن كبّر ثلاثًا، وأما ما دون الثلاث، وفوق السبع، فلم يفعله النبي ﷺ ، ولا علمنا أحدًا قال به، فهو تكلّف، وقد نهينا أن نكون من المتكلّفين. انتهى كلام ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار (١). والحاصل أن الأولى أن يكبّر أربعًا، فلو بلغ خمسًا، فلا بأس، لصحة الحديث بذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في تكبيرات الصلاة على الجنازة: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أجمع عوامّ أهل العلم على أن المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبّرها، واختلفوا في رفع اليدين في سائر التكبيرات: فقالت طائفة: تُرفع الأيدي في كلّ تكبيرة على الجنازة، كذلك كان عمر يفعل. وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، وقيس بن أبي حازم، والزهريّ، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وروينا ذلك عن مكحول، والنخعيّ، وموسى بن نعيم، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واختُلِفَ فيه عن مالك، فحكى ابن وهب عنه أنه قال: يعجبني أن يرفع اليدين في التكبيرات الأربع، وحكى ابن نافع عنه أنه قال: أستحبّ أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى، وحكى ابن القاسم أنه حضره يصلي على الجنازة، فما رفع يديه في أول تكبيرة، ولا غيرها. وقالت طائفة: ترفع اليد في أول تكبيرة من الصلاة على الميت، ثم لا ترفع بعدُ كذلك قال الثوريّ، وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن النخعيّ، خلافَ القول الأول عنه. قال ابن المنذر ﵀: بقول ابن عمر أقول؛ اتباعًا له، ولأن النبيّ ﷺ لما بيّن رفع

стр. 10815

اليدين في كلّ تكبيرة يكبرها المرء وهو قائم، وكانت تكبيرات العيدين، والجنائز في موضع القيام، ثبت رفع اليدين فيها قياسًا على رفع اليدين في التكبير في موضع القيام، ولما أجمعوا على الرفع في أول تكبيرة (١)، واختلفوا فيما سواها، كان حكم ما اختلفوا فيه حكمَ ما أجمعوا عليه انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بتصرّف (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، من استحباب رفع اليدين في جميع التكبيرات هو الأرجح عندي؛ لأنه لم يثبت عن النبيّ ﷺ خلافه، وصحّ عن ابن عمر، موقوفًا عليه، أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين" بسند صحيح، ولم يثبت لدينا مخالفة الصحابة له في ذلك، فدلّ مع شدة اتباع ابن عمر لآثار النبي ﷺ أنه فعله اتباعًا، لا سيّما، وقد رُوي عنه مرفوعًا أيضًا، وإن رجّح الدارقطنيّ وقفه. والحاصل أن الأرجح مشروعية رفع اليدين في جميع تكبيرات الصلاة على الجنازة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٧ - الدُّعَاءُ ١٩٨٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ سُلَيْمٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ, يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ, وَارْحَمْهُ, وَاعْفُ عَنْهُ, وَعَافِهِ, وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ, وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ, وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ, وَثَلْجٍ, وَبَرَدٍ, وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا, كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ, وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ, وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ, وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ, وَقِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ, وَعَذَابَ النَّارِ» , قَالَ عَوْفٌ: فَتَمَنَّيْتُ, أَنْ لَوْ كُنْتُ الْمَيِّتَ, لِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لِذَلِكَ الْمَيِّتِ.

стр. 10816

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ١٣٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه الحافظ الثبت المصريّ [٩] ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب المصريّ الحافظ الثبت الفقيه [٧] ٦٣/ ٧٩. ٤ - (أبو حمزة بن سُليم) عيسى الحمصيّ الرَّسْتَنيّ -بفتح الراء، والمثناة، بينهما مهملة ساكنة، وآخره نون- الْعَنسِيّ، صدوق له أوهام [٧]. قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال أحمد: لا أعرفه (١) روى له مسلم، والمصنف، وله عندهما حديث الباب فقط. ٥ - (عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٤] ٤٥/ ٩٥٢. ٦ - (جُبير بن نُفير) بن مالك بن عامر الحمصيّ، ثقة جليل [٢] ٥٠/ ٦٢. ٧ - (عوف بن مالك) الأشجعيّ، أبو حمّاد، وقيل: غير ذلك، صحابيّ مشهور، من مسدمة الفتح، سكن دمشق، ومات سنة (٧٣) روى له الجماعة، تقدم ٥٠/ ٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريّون، والباقون شاميّون. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ.، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، وفي الرواية التالية: "يصلي على ميت" (يَقُولُ) والجملة أيضا حال، أو مفعول ثان على قول من عدّ "سمع" مما يتعدى إلى المفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر (اللَّهُمَّ اغفِرْ لَهُ) أي استر ذنوب هذا الميت، واصفَح عنه، يقال: غفر اللَّه له غَفْرًا، من باب ضرب، وغُفرانًا بالضمّ: صفح عنه. قاله في "المصباح" (وَارْحَمْهُ) أي ارفُقْ به، يقال: رحمت زيدًا رُحْمًا بضم الراء، ورَحْمة، ومَرحَمةً: إذا رفقت له، وحَنَنتَ. قاله في "المصباح" أيضًا (وَاعْفُ عَنْهُ) أي امح عنه

стр. 10817

ذنوبه، يقال: عفا عنه، وعفا له ذنبه، وعن ذنبه: تركه، ولم يُعاقبه. والعفو: الصفح، وترك عقوبة المستحقّ. قال المرتضى في شرح "ق": الصفح ترك التَّأْنيب، وهو أبلغ من العفو، فقد يعفو، ولا يَصْفَح، وأما العفو، فهو القصد لتناول الشيء، هذا هو المعنى الأصليّ. قال الراغب: فمعنى عفوتُ عنك، كأنه قصد إزالة ذنبه، صارفًا عنه، فالمعفوّ المتروك، "وعنك" متعلّق بمضمر، فالعفو هو التجافي عن الذنب انتهى "ق" وشرحه، باختصار، وتغيير (وَعَافِهِ) وفي الرواية التالية تقديمه على ما قبله، أي ادفع عنه المكروه، قال في "ق": والعافية: دفاع اللَّه عن العبد، ويقال: عافاه اللَّه تعالى عن المكروه، عِفَاءً بالكسر، ومُعافاة، وعافية: إذا وهب له العافية من العلل، والبلاء، كأعفاه انتهى (وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) بضمتين، ويُخفّف بتسكين ثانيه، في الأصل طعام الضيف الذي يُهيّأ له، والمراد هنا ما يُعطيه اللَّه لعبده عند لقائه، مما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر (وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ) وفي الروية السابقة في [٥٠/ ٦٢] "وأوسع". و"المدخل" بفتح الميم، وضمها: محل الدخول، والمراد به هنا القبر (وَاغْسِلْهُ بمَاءٍ، وَثَلْجٍ، وَبَرَدٍ) وفي الرواية التالية بتعريف الثلاث. و"الثلج" هو ماء ينزل من السماءَ، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جموده. و"الْبَرَد" -بفتحتين-: هو حَبّ الغمام، وهو ماء ينزل من السماء جامدًا، كالملح، ثم يذوب على الأرض. قال التوربشتيّ ﵀: ذكر أنواع المطهّرات المنزّلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، بيانًا لأنواع المغفرة التي لا يُتَخَلَّص من الذّنوب إلا بها، أي طهّرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث انتهى. وقال الخطابيّ ﵀: هذه أمثال، ولم يُرَد بها أعيان هذه المسمّيات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا، والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسّهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب انتهى. وقد تقدّم مزيد بسط لذلك في "كتاب الطهارة" [٥٠/ ٦٢] وإنما أعدته هنا تذكيرا حيث طال العهد به. وباللَّه تعالى التوفيق. (وَنَقِّهِ) بتشديد القاف، من التنقية، وهو كناية عن إزالة الذنوب، ومحو أثرها (مِنَ الْخَطَايَا) جمع خطية، كعطيّة، وعطايا، أي من الذنوب والمآثم (كَمَا يُنَقَّى) أي يطهّر، ويُنطّف، وفي الرواية التالية: "كما نقّيت" بصيغة الماضي (الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) بفتحتين، أي الوَسَخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض، لأن ظهور النَّقَاء فيه أشدّ،

стр. 10818

وأكمل؛ لصفائه، بخلاف غيره من الألوان (وَأَبْدِلْهُ) أي عوّضه، يقال: أبدلته بكذا، إبدالاً: نَحَّيتُ الأوّل، وجعلت الثاني مكانه، وبدّلته، تبديلًا، بمعنى غيّرته تغييرًا، وبدّل اللَّه السيّئات حسنات، يتعدّى إلى مفعولين بنفسه، لأنه بمعنى جعل، وصيّر، وقد استُعمل أبدَلَ بالألف مكان بدّل بالتشديد، فعُدّي بنفسه إلى مفعولين، لتقارب معناهما، وفي السبعة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥] من أفعل، وفعّل. والبَدَل -بفتحتين- والْبدْلُ -بالكسر- والْبَدِيل -كأمير-: كلها بمعنى الْخَلَف، والجمع أَبدالٌ. انتهى "المصباح" بتصرّف. وفي نسخة "أبدله" بحذف العاطف، وفي أخرى "وأبدل له" بزيادة لام الجرّ، وزيادة اللام فيه محلّ نظر (دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) هي دار الجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين (وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) قال القرطبيّ ﵀: الأهل هنا عبارة عن الخَدَم والْخَوَل، ولا تدخل الزوجة فيهم؛ لأنه قد خصّها بالذكر بعد ذلك، حيث قال: "وزوجًا خيرًا من زوجه"، ويحتمل أن يكون من باب: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ويفهم منه أن نساء الجنّة أفضل من نساء الآدميات، وإن دخلن الجنّة، وقد اختلف في هذا المعنى انتهى (١) (وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) قال السنديّ ﵀: هذا من عطف الخاصّ على العامّ، على أن المراد بالأهل ما يعمّ الخدم أيضًا. وفيه إطلاق "الزوج" على المرأة، قيل: هو أفصح من "الزوجة" انتهى. وقال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الرجل زوج المرأة، وهي زوجه أيضًا، هذه هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥]، والجمع فيهما أزواج، قاله أبو حاتم، وأهل نجد يقولون في المرأة: زوجة بالهاء، وأهل الحرم يتكلّمون بها، وعَكَس ابن السكِّيت، فقال: وأهل الحجاز يقولون للمرأة: زوج بغير هاء، وسائر العرب: زوجة بالهاء، وجمعها زوجات، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها؛ للإيضاح، وخوف لبس الذكر بالأنثى، إذ لو قيل: تَرِكَةٌ فيها زوج، وابن، لم يُعلَم، أذكرٌ هو، أم أنثى؟ انتهى. وذكر السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "شرحه" أن طائفة من الفقهاء قالوا: هذا خاصّ بالرجل، ولا يقال في الصلاة على المرأة أبدلها خيرًا من زوجها؛ لجواز أن تكون لزوجها في الجنّة، فإن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها، والرجل يقبل ذلك. انتهى. (٢).

стр. 10819

(وَقِهِ عَذَابَ القَبْرِ) أي احفظه من أن يناله عذاب في قبره (وَعَذَابَ النَّارِ) أي احفظه عذاب جهنّم، وفي الرواية التالية بدل قوله: "وقه عذاب القبر الخ": "وأدخله الجنّة، ونجّه من النار"، أو قال: "وأعذه من عذاب القبر" (قَالَ: عَوْفٌ) أي ابن مالك ﵁ الرواي لهذا الحديث (فَتَمَنَّيْتُ، أَنْ) هي مخففة من "أنّ" المشدّدة، واسمها محذوف، أي أنّي لو كنتُ، قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة": وَإنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْتَكَنَّ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ" وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ"قَدْ" أَوْ نَفْي أوْ … تَنْفِيسٍ أوْ "لَو" وَقَلِيلٌ ذِكْرُ "لَو" (لَوْ كُنْتُ الْمَيِّتَ) "ال" فيه للعهد الذكريّ، أي ذلك الميت الذي في قوله: "صلى على جنازة"، ويحتمل أن تكون للعهد الحضوريّ باعتبار وقت التمنّي، أي الميت الحاضر بين يدي النبي ﷺ . فإن قلت: تقدّم حديث النهي عن تمنّي الموت، فكيف تمنّى عوف ﵁ ذلك؟. قلت: هذا ليس من باب تمنّي الموت، لأنه لا يلزم من تمنّيه دعاءَ النبيّ ﷺ أن يتمنّى الموت، إذ المراد تمنّى دعائه إذا جاءه الموت عند انقضاء أجله، لا أنه يتمنّى الموت الآن، فافهم. واللَّه أعلم. (لِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِذَلِكَ المَيِّتِ) الجارّ والمجرور الأول يتعلّق بـ "تمنّيت"، والثاني بـ "دعاء"، يعني أنه إنما تمنّى أن يكون ذلك الميتَ لأجل أن تناله بركة دعاء النبيّ ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عوف بن مالك ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٧/ ١٩٨٣ - و ١٩٨٤ و ٥٠/ ٦٢ - وفي "الكبرى" ٧٧/ ٢١١٠ و ٢١١١. وأخرجه (م) ٢٢٢٩ و ٢٢٣١ (ت) ١٠٢٥ (ق) ١٥٠٠ (أحمد) ٢٣٤٥٥ و ٢٣٤٨٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الدعاء في صلاة الجنازة، وهو معظم مقصودها. ومنها: مشروعية الصلاة على الجنازة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى. ومنها: استحباب هذا الدعاء. ومنها: أن فيه إشارة إلى الجهر

стр. 10820

بالدعاء في صلاة الجنازة، قال النوويّ ﵀: وقد اتفق أصحابنا على أنه إن صلّى عليها بالنهار أسرّ بالقراءة، وإن صلى بالليل ففيه وجهان، الصحيح الذي عليه الجمهور: يسرّه، والثاني: يجهر، وأما الدعاء، فيسرّ به بلا خلاف، وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله: "حفظت من دعائه"، أي علّمنيه بعد الصلاة، فحفظته انتهى. (١) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل فيه نظر؛ إذ لا يؤيّده ظاهر الحديث. قال العلامة الشوكاني ﵀، بعد أن ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث: ما نصّه: جميع ذلك يدلّ على أن النبي ﷺ جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرّح به جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء، وقد قيل: إن جهره ﷺ بالدعاء لقصد تعليمهم. وأخرج أحمد عن جابر ﵁ قال: ما أباح لنا في دعاء الجنازة رسول اللَّه ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر" (٢). وفسّر "ما أباح" بمعنى قَدّر. قال الحافظ: والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر. والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشوكانيّ ﵀ حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: مشروعيّة الطهارة بماء الثلج، والبرد، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في "أبواب الطهارة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٨٤ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكَلَاعِيِّ (٤) , عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ, قَالَ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ, فَسَمِعْتُ فِي دُعَائِهِ, وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ, وَارْحَمْهُ, وَعَافِهِ, وَاعْفُ عَنْهُ, وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ, وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ, وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ, وَالثَّلْجِ, وَالْبَرَدِ, وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا, كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ, وَأَبْدِلْهُ (٥) دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ, وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ, وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ, وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ, وَنَجِّهِ مِنَ النَّارِ", أَوْ قَالَ: "وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ". رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
следующие страницы →