← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.

стр. 10746

لإقامة الحدّ، لاحتمال أن يفسّره بما لا يوجب حدًّا، أو يرجع، واستفساره عن شروط ذلك ليُرتّب عليه مقتضاه. ومنها: أن إقرار المجنون لاغ. ومنها: استحباب التعريض للمقرّ بأن يرجع، وأنه إذا رجع قُبل. قال ابن العربيّ ﵀: وجاء عن مالك ﵀ رواية أنه لا أثر لرجوعه، وحديث النبي ﷺ أحقّ أن يُتّبع. ومنها: أنه استُدلّ به على اشتراط الإقرار بالزنا أربعًا لظاهر قوله: "فلما شهد على نفسه أربع شهادات"، فإن فيه إشعارًا بأن العدد هو العلّة في تأخير إقامة الحدّ عليه، وإلا لأمر برجمه في أول أمره، ولأن في حديث ابن عبّاس: "قال لماعز: قد شهدت على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به، فارجموه"، ويؤيّده القياس على عدد شهود الزنا دون غيره، وهو قول الكوفيين، والراجح عند الحنابلة، وزاد ابن أبي ليلى، فاشترط أن تتعدّد مجالس الإقرار، وهي رواية عن أبي حنيفة، وتمسّكوا بصورة الواقعة، لكن الروايات فيها اختلفت. قال الحافظ: والذي يظهر أن المجالس تعددت، لكن لا بعدد الإقرار، فأكثرُ ما نقل في ذلك أنه أقرّ مرتين، ثم عاد من الغد، فأقرّ مرّتين، كما تقدّم بيانه. وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصّة ماعز، وهي واقعة حال، فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات. ويؤيّد هذا الجواب ما تقدّم في سياق حديث أبي هريرة، وما وقع عند مسلم في قصّة الغامديّة، حيث قالت لما جاءت: "طهرني، فقال: ويحك ارجعي، فاستغفري، قالت: أراك تريد أن تردّني كما رددت ماعزّا، إنها حبلى من الزنا"، فلم يؤخّر إقامة الحدّ عليها إلا لكونها حبلى، فلما وضعت أمر برجمها، ولم يستفسرها مرّة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها، ولا تعدد المجالس، وكذا وقع في قصّة العَسِيف حيث قال: "واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها، وفيه: "فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها"، ولم يذكر تعدد الاعتراف، ولا المجالس. وأجابوا عن القياس المذكور بأن القتل لا يُقبل فيه إلا شاهدان، بخلاف سائر الأموال، فيقبل فيها شاهد وامرأتان، فكان قياس ذلك أن يُشترط الإقرار بالقتل مرّتين، وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرّة. ومنها: أن الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقرّ، وإن كان ذلك مستحبّا، لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأمورًا بالتثبّت، والاحتياط فيه، كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، وإلى الحضّ على التثبّت في الحكم، ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبيّنة. ومنها: جواز تفويض الإمام إقامة الحدّ لغيره. ومنها: أنه لا يشترط الحفر للمرجوم، لأنه لم يُذكر في حديث الباب، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم،

стр. 10747

فقال: "فما حفرنا له، ولا أوثقناه"، ولكن وقع في حديث بُريدة عنده: "فحُفر له حَفيرة". ويمكن الجمع بأن المنفيّ حفيرة لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت عكسه، أو أنهم في أول الأمر لم يحفروا له، ثمّ لما فرّ فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه. وعند الشافعية لا يحفر للرجل، وفي وجه يتخيّر الإمام، وهو أرجح، لثبوته في قصة ماعز، فالمثبت مقدّم على النافي، وقد جُمِع بينهما بما دلّ على وجود حَفْر في الجملة، وفي المرأة أوجه، ثالثها الأصحّ إن ثبت زناها بالبينة استُحبّ، لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم لا يحفر، وقال أبو يوسف، وأبو ثور: يحفر للرجل والمرأة. ومنها: جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدّ ما يدفع به عنه الحدّ، وأن الحدّ لا يجب إلا بالإقرار الصريح، ومن ثمّ شُرط على من شهد بالزنا أن يقول: رأيته أَوْلَجَ ذكره في فرجها، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفى أن يقول: أشهد أنه زنى. وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقرّ بالحدّ، ومنهم من خصّ التلقين بمن يُظنّ به أنه يجهل حكم الزنا، وهو قول أبي ثور، وعند المالكية يُستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه، وليس ذلك بشرط. ومنها: أن فيه تركَ سَجْن من اعترف بالزنا في مدّة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع، وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سِجْن، وإنما كان يُسلّم كلّ جان لوليه. وقال ابن العربي: إنما لم يأمر بسجنه، ولا التوكيل به، لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة في ذلك، مع جواز الإعراض عنه إذا رجع. ومنها: وجوب رجم الْمُحصَن، وقد أجمع الصحابة، وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدًا عالمًا مختارًا، فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج، وبعض المعتزلة، واعتلّوا بأن الرجم لم يُذكر في القرآن، وحكاه ابن العربيّ عن طائفة من أهل المغرب لقيهم، وهم من بقايا الخوارج، واحتجّ الجمهور بأن النبي ﷺ رجم، وكذلك الأئمة بعده، وقال علي ﵁ بعد أن رجم امرأةً: "قد رجمتها بسنة رسول اللَّه ﷺ "، وثبت في "صحيح مسلم" عن عبادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني، قد جعل اللَّه لهنّ سبيلاً، الثيّب بالثيّب الرجم .... ". وقد خطب عمر ﵁، فقال: "إن اللَّه بعث محمدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه القرآن، فكان مما أنزل اللَّه آية الرجم .... " أخرجه البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أنه يؤخذ من قوله: "هل أحصنت" وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف

стр. 10748

الأحكام باختلافها. ومنها: أنه يؤخذ من قوله: "استنكهوه" أن إقرار السكران لا أثر له، والذين اعتبروه، قالوا: إن عقله زال بمعصية، ولا دلالة في قصّة ماعز، لاحتمال تقدّمها على تحريم الخمر، أو أن سكره وقع عن غير معصية. ومنها: أن المقرّ بالزنا إذا أقرّ يُترك، فإن صرّح بالرجوع فذاك، وإلا اتُّبع ورُجِم. وهو قول الشافعيّ، وأحمد، ودلالته من قصّة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هزّال: "هلا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب اللَّه عليه". أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وللترمذيّ نحوه من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم، وعند أبي داود من حديث بُريدة، قال: "كنا أصحابَ رسول اللَّه ﷺ ، نتحدّث أن ماعزًا، والغامديّة لو رجعا لم يطلبهما". وعند المالكيّة في المشهور لا يُترك إذا هرب. وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور، فإن لم يؤخذ تُرك. وعن ابن عيينة: إن أخذ في الحال كُمِّل عليه الحدُّ، وإن أخذ بعد أيام تُرك. وعن أشهب إن ذَكَر عذرًا يُقبل ترك، وإلا فلا، ونقله القعنبيّ عن مالك، وحكى الكجيّ عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيّده بما بعد إقراره عند الحاكم، واحتجّوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هرب لم يُلزَمُوا بديته، فلو شُرع تَركُه لوجبت عليهم الدية. والجواب أنه لم يصرّح بالرجوع، ولم يقل أحد إن حدّ الرجم يسقط بمجرّد الهروب، وقد عبّر في حديث بُريدة بقوله: "لعله يتوب". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي ما ذهب إليه الشافعيّ، وأحمد، من أنه إذا صرّح بالرجوع يُترك، لموافقته لظاهر قصّة ماعز ﵁ هذه، واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أنه استُدلّ به على الاكتفاء بالرجم في حدّ من أُحصن من غير جلد. هكذا قيل، وفيه نظر؛ لأنه ثبت الجمع بين الرجم والجلد، كما سيأتي في محله، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: أن من وُجد منه ريح الخمر وجب عليه الحدّ، للأمر باستنكاه ماعز بعد أن قال له: أشربت خمرًا؟ قال القرطبيّ: وهو قول مالك، والشافعيّ، كذا قال. وقال المازريّ: استدلّ به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع. وتعقّبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحدّ به أنه لا يقع طلاقه، لوجود تهمته على ما يظهر من عدم العقل، قال: ولم يختلف في غير الطافح (١) أن طلاقه لازم، قال: ومذهبنا إلزامه بجميع أحكام الصحيح، لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعيّ، واستُثني من أكره، ومن شرب ما ظنّ أنه غير مسكر، ووافقه بعض متاخري المالكيّة. وقال النوويّ: الصحيح عندنا

стр. 10749

صحّة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له، وعليه، قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكران لم يُقَم عليه الحدّ، كذا أطلق، فأُلزِم التناقض، وليس كذلك، فإن مراده لم يقم عليه الحدّ لوجود الشبهة، كما تقدّم من كلام عياض. ومن المذاهب الظريفة فيه قول الليث: يُعمل بأفعاله، ولا يُعمل بأقواله، لأنه يلتذّ بفعده، ويَشفِي غيظه، ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على المرجوم، ونحوه ممن قتل في حدّ: قال الإمام ابن المنذر ﵀ تعال: اختلفوا في الصلاة على من قُتل في حدّ، فروينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁، أنه قال لأولياء شُرَاحَة الهمدانيّة المرجومة: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وقال جابر بن عبد اللَّه ﵄: صلِّ على من قال: لا إله إلا اللَّه. وممن رأى أن يُصلَّى على جميع من أصيب في حدّ الأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وقال عطاء في ولد الزنا إذا استهلّ، وأمِّه، والمتلاعنين، والذي يُقاد منه، وعلى المرجوم، والذي يزاحف، فيفرّ، فيقتل، وعلى الذي يموت موتةَ سوءٍ: لا أدع الصلاة على من قال: لا إله إلا اللَّه، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، قال: فمن يعلم أن هؤلاء من أصحاب الجحيم؟. وقال عمرو مثل قول عطاء، وقال النخعيّ: لم يكونوا يَحجبون الصلاة على أحد من أهل القبلة. وقال الأوزاعيّ: يصلّى على المرجوم، وعلى المصلوب إذا أُرسل من خشبة. وقال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي في المرجوم: يُغسل، ويكفّن، ويصلَّى عليه. وقال الشافعيّ: لا تترك الصلاة على أحد ممن صلى القبلة بَرّا كان أو فاجرًا. وفيه قول ثان: كان الزهريّ، يقول: يصلَّى على الذي يقاد منه في حدّ، إلا من أُقِيد منه في رجم، وقال مالك في الرجل يُقتل قَوَدًا: لا يُصلّي عليه الإمام، ويصلي عليه أهله إن شاءوا، أو غيرهم، وقال أيضًا: من قتله الإمام على حدّ من الحدود فلا يصلّي الإمام عليه، وليصلّ عليه أهله. وقال أحمد في ولد الزنا، والذي يقاد منه في حدّ: يصلّى عليه، إلا أن الإمام لا يصلي على قاتل نفس، ولا على غالّ. وقال إسحاق: يصلّى على كلٍّ. وكان الحسن البصريّ، يقول: في امرأة ماتت في نفاسها من الزنا: لا

стр. 10750

يُصلَّى عليها، ولا على ولدها. وقال يعقوب: من قُتل من هؤلاء المحاربين، أو صُلب لم يصلّ عليه، وإن كان يدّعي الإسلام، وكذلك الفئة الباغية لا يصلّى على قتلاها، وكذلك قال النعمان. وقال ابن المنذر أيضًا: واختلفوا في الصلاة على ولد الزنا، فقال أكثر أهل العلم: يصلّى عليه، كذلك قال عطاء، والزهريّ، والنخعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وكان قتادة يقول: لا يصلى عليه. واختُلف فيه عن ابن عمر، فقيل: إنه صلى عليه، ورُوي عنه أنه كان لا يصلي عليه. واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، فكان الحسن، والنخعيّ، وقتادة يرون الصلاة عليه. وقال الأوزاعيّ: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يُصلّ عليه. قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سَنَّ رسول اللَّه ﷺ الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبي ﷺ من الشهداء الذين أكرمهم اللَّه بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ اللَّه ﷺ صلى على من أصيب في حدّ -يعني الغامدية الآتية قريبًا- انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا، إلا أن للإمام خاصّةً أن لا يصلي على من يَحِيف (٢)، وعلى من غَلّ، وعلى من عليه دين، وعلى من قتل نفسه، إن رأى ذلك، لأجل أن ينزجر الناس عن مثل أفعالهم، وسيأتي بيان أدلة كلّ ذلك في الأبواب التي سيذكرها المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيها قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصوب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10751

٦٤ - الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرْجُومِ ١٩٥٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ, أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَتْ: إِنِّي زَنَيْتُ, وَهِيَ حُبْلَى, فَدَفَعَهَا إِلَى وَلِيِّهَا, فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا, فَإِذَا وَضَعَتْ, فَائْتِنِي بِهَا, فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَ بِهَا, فَأَمَرَ بِهَا, فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا, ثُمَّ رَجَمَهَا, ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا, فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّى عَلَيْهَا, وَقَدْ زَنَتْ, فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً, لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ (١) , مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ, لَوَسِعَتْهُمْ, وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً, أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ »). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) اليماميّ البصريّ، ثقة ثبت يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٥ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] ١٠٣/ ٣٢٢. ٦ - (أبو الْمُهَلَّب) عمرو بن معاوية، وقيل: غيره، الْجَرْميّ البصريّ، عمّ أبي قلابة، ثقة [٢] ٢٣/ ١٢٣٦. ٧ - (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف، أبو نُجَيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٠١/ ٣٢١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. وأنه مسلسل بالبصريين، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي، عن عمه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10752

شرح الحديث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ) وفي رواية لمسلم: "جاءت امرأة من غامد، من الأزد"، قال القرطبيّ ﵀: كذا في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى: "من جُهينة"، ولا تباعد بين الروايتين، فإن غامدًا قبيلة من جهينة، قاله عياض، وأظنّ جهينة من الأزد، وبهذا تتفق الروايات انتهى. وكتب في هامش "المفهم": ما نصّه: جاء في حاشية (م ا): اسم الغامديّة سُبيعة، وقيل: أمية بنت فرح انتهى (١). (أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّي زَنَيْتُ) وفي رواية مسلم: فقالت: يا رسول اللَّه طهّرني، فقال: "ويحك ارجعي، فاستغفر اللَّه، وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن تردّني كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاكِ؟ "، قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال: "آنت؟ "، قالت نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك … " (وَهِيَ حُبْلَى) قال القرطبيّ ﵀: قولها هذا اعتراف منها من غير تكرار يُطلب منها، ففيه دليل على عدم اشتراطه على ما مرّ، وكونه ﷺ لم يستفصلها كما استفصل ماعزًا، لأنها لم يظهر عليها ما يوجب ارتيابًا في قولها، ولا شكّا في حالها، بخلاف حال ماعز، فإنه ظهر عليه ما يشبه الجنون، فلذلك استفصله النبي ﷺ ، ليستثبت أمره، كما تقدّم. انتهى. (فَدَفَعَهَا إِلَى وَلِيِّهَا) ولمسلم: "فدعا نبي اللَّه وليّها" (فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا) قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا الإحسان له سببان: أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة، ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها، تحذيرًا لهم من ذلك. والثاني: أمر به رحمة لها، إذ قد تابت، وحرص على الإحسان إليها، لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي، ونحو ذلك، فنهَى عن هذا كلّه. انتهى (٢). (فَإِذَا وَضَعَتْ) أي ولدت حملها (فَأْتِنِي بهِا) وفي لفظ لمسلم: "إما لا، فاذهبي حتى تلدي". قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "إما" بكسر الهمزة التي هي همزة، "إن" الشرطيّة، زيدت عليها "ما" المؤكّدة، بدليل دخول الفاء في جوابها، و"لا" التي بعدها للنفي، فكأنه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن إقرارك، فافعلي، وإن لم تفعلي، فاذهبي حتى تلدي. ثم اختلف العلماء فيها إذا وضعت، فقال مالك: إذا وضعت رُجمت، ولم يُنتظر بها

стр. 10753

إلى أن تفطم ولدها، وقاله أبو حنيفة، والشافعيّ في أحد قوليه، وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامديّة إلى أن فطمت ولدها. وقد روي عن مالك: أنها لا تُرجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرضاع، وهو مشهور قول مالك، والشافعيّ، وقول أحمد، وإسحاق. وقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان؟، هل كان قبل فطام الولد، أو بعد فطامه، والأَوْلَى رواية من روى أنها لم تُرجم حتى فطمت ولدها، ووجدت من يكفله، لأنها مثبتة حكما زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك، ولمراعاة حقّ الولد، وإذا روعي حقّه، وهو جنين، فلا تُرجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى انتهى كلام القرطبيّ ﵀ تعالى. (فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَ بِهَا) أي أتى بها ذلك الوليّ إلى النبيّ ﷺ . وفي رواية لمسلم: "فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ ، فقال: قد وضعت الغامديّة، فقال: إذّا لا نرجمها، وندَعَ ولدها صغيرًا، ليس له من يُرضعه، فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه، يا نبيّ اللَّه، قال: فرَجَمَها". وفي رواية: "فلما ولدت أتته بالصبيّ في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي، فأرضعيه حتى تَفطميه، فلما فَطَمته أتته بالصبيّ، في يده كسرة خبز، فقالت: يا نبيّ اللَّه، قد فَطَمته، وقد أكل العام، فدَفَع الصبيّ إلى رجل من المسلمين … ". قال النووي ﵀: فهاتان الروايتان ظاهرهما الاختلاف، فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه، وأكله الخبز، والأولى ظاهرها أنه رجمها عقب الولادة. ويجب تأويل الأولى، وحملها على وفق الثانية، لأنها قضيّة واحدة، والروايتان صحيحتان، والثانية منهما صريحة، لا يمكن تأويلها، والأولى ليست صريحةً، فيتعيّن تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى: "قام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعُهُ"، إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاعة كفالته، وتربيته، وسماه رضاعًا مجازًا. انتهى (١). (فَأَمَرَ بِهَا) أي أمر النبيّ ﷺ بشكّ ثياب تلك المرأة عليها (فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا) قال النوويّ في شرح مسلم: هكذا هو في معظم النسخ، "فشُكَّت"، وفي بعضها: "فشُدَّت" بالدال بدل الكاف، وهو معنى الأول انتهى. ثم يحتمل أن يكون الفعل بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير المرأة، و"ثيابها" بالنصب على المفعولية، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"ثيابها مرفوع على أنه نائب الفاعل (ثُمَّ رَجَمَهَا) أي أمر برجمها، ففيه إسناد

стр. 10754

الفعل إلى السبب الآمر، ولفظ مسلم: "فأمر بها، فرُجمت"، وفي رواية لمسلم: "ثم أمر بها، فحُفر لها إلى صدرها، وأمر الناس، فرجموها، فيُقبِلُ خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتَنَضَّح الدمُ على وجه خالد، فسبّها، فسمع نبيّ اللَّه ﷺ سبّه إياها، فقال: مَهْلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً، لو تابها صاحب مكس لغُفر له" (ثُمَّ صَلّى، عَلَيهَا) أي صلى النبيّ ﷺ على تلك المرأة المرجومة، وهذا محلّ الترجمة حيث إنه يدلّ على مشروعية الصلاة على المرجوم. قال القاضي عياض ﵀ عند قوله: "ثم أمر بها، فصلّى عليها": هي بفتح الصاد، واللام عند جماهير رواة "صحيح مسلم"، قال: وعند الطبريّ بضم الصاد، قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة، وأبي داود، قال: وفي رواية لأبي داود: "ثم أمرهم أن يصلّوا عليها". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى هذه الرواية: أمرهم أن يصلوا عليها معه، فلا تنافي رواية "ثم صلَّى عليها". واللَّه تعالى أعلم. وقال النووي ﵀: وقد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك، وأحمد للإمام، ولأهل الفضل، دون باقي الناس، ويصلي عليه غير الإمام، وأهل الفضل، وقال الشافعيّ وآخرون: يصلي عليه الإمام، وأهل الفضل وغيرهم، والخلاف بين الشافعيّ، ومالك إنما هو في الإمام، وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي، وبه قال جماهير العلماء، قالوا: فَيُصَلَّى على الفُسّاق، والمقتولين في الحدود، والمحاربة، وغيرهم. وقال الزهريّ: لا يُصلّي أحد على المرجوم، وقاتل نفسه. وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنا. واحتجّ الجمهور بهذا الحديث، وفيه دلالة للشافعيّ أن الإمام، وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين: أحدهما: أنهم ضعفوا رواية الصلاة، لكون أكثر الرواة لم يذكروها. والثاني: تأولوها على أنه ﷺ أمر بالصلاة، أو دعا، فسمي صلاةً على مقتضاها في اللغة. وهذان الجوابان فاسدان: أما الأول: فإن هذه الزيادة ثابتة في "الصحيح"، وزيادة الثقة مقبولة. وأما الثاني: فهذا التأويل مردود، لأن التاويل إنما يُصار إليه إذا اضطرت الأدلّة الشرعية إلى ارتكابه، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره، واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١) وقد تقدّم زيادة تحقيق لبيان اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على المرجوم ونحوه في الباب الماضي مُستوفًى، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

стр. 10755

(فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا، وَقَدْ زَنَتْ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي كيف تصلي عليها، والحال أنها زانية، وهذا ظنّ من عمر ﵁ أن فعل الفاحشة مما يمنع الصلاة على الميت (فَقَالَ: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً) التنوين للتعظيم والتكثير، أي توبة عظيمة كثيرة (لَوْ قُسِمَتْ عَلَى سَبْعِينَ) وفي نسخة: "بين سبيعين" (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَوَسِعَتْهُمْ) أي لكفتهم (وَهَلْ وَجَدْتَ) بتاء الخطاب؛ والخطاب لعمر ﵁ (تَوْبَةَ، أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بنَفْسِهَا لِلَّهِ ) من الْجُود، كأنها تصدّقت بالنفس للَّه، حيث أقرّت للَّه بما أدّى إلىَ الموت، يعني أنها بذلت نفسها في مرضاة اللَّه تعالى. وفي قصّة خالد المتقدّمة: "لقد تابت توبةً، لو تابها صاحب مَكْسٍ لغُفِر له". قال القرطبيّ ﵀: صاحب المكس: هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجَبْر، ولا شكّ في أنه من أعظم الذنوب، وأكبرها، وأفحشها، فإنه غصبٌ، وظلمٌ، وعسفٌ على الناس، وإشاعة للمنكر، وعملٌ به، ودوامٌ عليه، ومع ذلك كلّه إن تاب من ذلك، ورَدَّ المظالم إلى أربابها صحّت توبته، وقُبلت، لكنّه بعيد أن يتخلّص من ذلك، لكثرة الحقوق، وانتشارها في الناس، وعدم تعيين المظلومين، انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٤/ ١٩٥٧ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٢٠٨٤ و١٥/ ٧١٨٨ و ٧١٨٩ في كتاب الرجم. وأخرجه (م) ١٦٩٦ (د) ٤٤٤٠ (ت) ١٤٣٥ (أحمد) ١٩٣٦٠ و ١٩٤٠٢ و ١٩٤٢٤ (الدارمّي) ٢٣٢٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الصلاة على المرجوم. ومنها: أن المرأة ترجم إذا زنت، وهي محصنة، كما يُرجم الرجل، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة، لأن الأحاديث الصحيحة، والإجماع متطابقان على أنه (٢)

стр. 10756

لا يُرجم غير المحصن. ومنها: أن الحبلى لا تُرجم حتى تضع حملها، سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه، لئلا يُقتَل جنينُها، وكذا لو كان حدّها الجلد، وهي حامل لم تُجلد بالإجماع حتى تضع، وكذا من وجب عليها قصاص، وهي حامل لا يُقتصّ منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه أيضًا، ثم لا ترجم الحامل الزانية، ولا يقتصّ منها بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللِّبَأ (١)، ويستغني بلبن غيرها. قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن الجنين، وإن كان مِن زنى له حرمة، وأن الحامل لا تحُدّ حتى تضع حملها، وهذا لا خلاف فيه، إلا شيء روي عن أبي حنيفة على خلاف عنه فيه. قاله في "المفهم". ومنها: أن توبة الزاني لا تُسقط عنه حدِّ الزنا، وكذا حكم السرقة، والشرب، قال النوويّ ﵀: هذا أصحّ القولين في مذهبنا، ومذهب مالك، والثاني أنها تُسقط ذلك، وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه، فتسقط حدّ المحاربة بلا خلاف عندنا، وعند ابن عباس وغيره لا تسقط انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: الرأي الأول هو الحقّ، لظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣٤]. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: استحباب جمع أثواب المرجومة عليها، وشدّها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلّبها، وتكرارِ اضطرابها. قال النوويّ ﵀: واتفق العلماء على أنه لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل فجمهورهم على أنه يُرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقال غيره: يخير الإمام بينهما انتهى. ومنها: أن في رواية "فأمر الناسَ، فرجموها"، وكذا قوله في قصّة ماعز: "أمرنا أن نرجمه" دلالة لمذهب الشافعيّ، ومالك، وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور. وقال أبو حنيفة، وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا، وكذا الشهود، إن ثبت ببيّنة، ويبدأ الإمام بالرجم، إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأوّل هو الراجح، لثبوت أنه ﷺ لم يحضر الرجم، بل أمر الصحابة به. وأما ما وقع في رواية أبي داود: أن رسول اللَّه ﷺ أخذ حصاة مثل الحمّصة، فرماها به، فقال القرطبيّ: هي رواية شاذّة مخالفة للمشهور من حديث الغامديّة انتهى. واللَّه

стр. 10757

تعالى أعلم. ومنها: أن الحدود لا يبطلها طول الزمان، وهو مذهب الجمهور، وقد شذّ بعضهم، فقال: إذا تطاول الزمان على الحدّ بطل. قاله أبو حنيفة فى الشهادة بالزنى، والسرقة القديمين، وهو قول لا أصل له. قاله القرطبيّ. ومنها: أنه لا يُسبّ من أقيم عليه الحدّ، ولا يؤذى بقَذِع الكلام، فإنه ﷺ قال لخالد ابن الوليد لما سبّ الغامديّة ﵂: "مهلاً يا خالد، فوالذي نفسى بيده، لقد تابت توبهّ لو تابها صاحب مَكْس لغُفِر له". وقد أخرج المصنّف ﵀ في "الكبرى" بسند حسن قصّةَ ماعز بن مالك ﵁، وفيه: فأمر رسول اللَّه ﷺ أن يُرجم، فرُجم، فسمع رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر اللَّه عليه، فلم تَدَعه نفسه حتى رُجِم رَجْمَ الكلب، فسكت عنهما رسول اللَّه ﷺ ، ثم سار، فمرّ بجيفة حمار شائل برجله، فقال: "أين فلان، وفلان؟ "، فقالا: نحن ذا يا رسول اللَّه قال لهما: "كُلَا من جيفة هذا الحمار"، فقالا: يا رسول اللَّه غفر اللَّه لك مَن يأكل هذا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما نِلتما من عِرض هذا آنفًا لشرّ من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنّة" (١). وبقية فوائد الحديث تقدمت في الباب الماضي، وكذا بيان المذاهب في حكم الصلاة على المرجوم، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10758

٦٥ - الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ يَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا بيان مشروعية الصلاة على من جار في وصيّته، ووجه استدلاله بحديث الباب، أنه ﷺ همّ بترك الصلاة عليه، ولم يفعل، فدلّ على أن الصلاة عليه مشروعة، لكن يدلّ همه على أن للإمام أن يترك الصلاة عليه، زجرًا لغيره، واللَّه تعالى أعلم. ومعنى "يَحيف": يجور، ويظلم، قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: حافَ، يَحِيفُ، حَيْفًا، من باب باعَ: جارَ، وظلم، وسواء كان حاكمًا، أو غير حاكم، فهو حائفٌ، وجمعه حافَةٌ، وحُيَّفٌ انتهى بإيضاح. ولفظ "الكبرى": "الصلاة على من جَنِفَ في وصيّته" -بجيم، فنون- وهو بمعنى حاف، يقال: جَنِفَ، جَنَفًا، من باب تَعِبَ: ظلم، وأجنف بالألف مثله، وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ الآية [المائدة: ٣] أي غير متمايل متعمّد. قاله في "المصباح". وأشار في هامش النسخة الهندية أنه وقع في بعض النسخ: "حيّف"، والظاهر أنها تصحيف، وفي أخرى: "جنف" وهي صحيحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٥٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, أَنَّ رَجُلاً, أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ, عِنْدَ مَوْتِهِ, وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ , فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ, وَقَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُصَلِّىَ عَلَيْهِ, ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ, فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ, ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ, فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ, وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً". رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (هُشيم) بن بَشير، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (منصور بن زاذان) الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٥/ ٤٧٥. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، يدلّس ويرسل، رأس الطبقة [٣] ٣٢/ ٣٦. والصحابي تقدم في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10759

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه واسطيين: هشيمٌ ومنصور، وبصريين: الحسن وعمران، وشيخه مروزي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلاً) لم أر من سمّاه، وفي رواية لمسلم: "أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته، فأعتق ستة مملوكين … " (أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ) وفي رواية أبي داود: "ستة أعبُد له … " (عِنْدَ مَوْتِهِ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه نجّز عتقهم في مرض موته، وفي الرواية الأخرى: أنه أوصى بعتقهم، وهذا اضطرابٌ لأن القضيّة واحدةٌ، ويرتفع ذلك بأن بعض الرواة تجوّز في لفظ "أوصى" لما نُفِّذ عتقهم بعد موت سيّدهم في ثلثه، لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكم تنجيز العتق، وحكم الوصيّة به؛ إذ كلاهما يُخرَج من الثلث، وإنما كان يظهر الفرق بينهما لو لم يمت، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصيّة بالعتق، دون تنجيز العتق، فإنه إذا صحّ لزمه، إما عتق جميعهم، وإما عتق ثلثهم، إذ ليس له مال غيرهم على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم انتهى (١). (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ) بالرفع صفة لـ "مال" (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ) أي من أجل عتق كل عبيده، لأنه أخرج كلّ ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم منه، ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله، وأن الْمُدَبَّرَ، والوَصَايَا إنما تخرج من الثلث، وأن الوصيّة إذا مَنَعَ من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعيّ استحالت إلى الثلث، كما يقول مالك ﵀، قاله القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (وَقَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدتُ، قال في "المصباح": هَمَمتُ بالشيء، هَمًّا، من باب قتل: إذا اردته، ولم تفعله، وفي الحديث: "لقد هَمَمتُ أن أنَهى عن الْغِيلَة … " أي عن إتيان المرضع انتهى (أَنْ لَا أُصَلَّيَ عَلَيْهِ) وفي رواية لأبي داود: "لو شَهِدته قبل أن يُدفن، لم يُدفن في مقابر المسلمين". وهذا محلّ الترجمة، حيث إن همه ﷺ على ترك الصلاة عليه يدلّ على أن ترك الصلاة على من حاف في الوصيّة مشروعة، زجرًا لأمثاله لئلا يرتكبوا مثل فعله. قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذا محمول على أن النبيّ ﷺ وحده كان يترك

стр. 10760

الصلاة عليه تغليظًا، وزجرًا لغيره على مثل فعله، وأما أصل الصلاة عليه فلا بدّ من وجودها من بعض الصحابة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن قوله في رواية أبي داود المذكورة: "لم يُدفن في مقابر المسلمين" تدلّ على عدم الصلاة عليه أصلاً، اللَّهمّ إلا إذا قلنا: إن عدم دفنه في مقابر المسلمين للزجر لا ينافي أن يُصلّيَ عليه بعض الناس، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ، فَجَزَّأَهُمْ) بتشديد الزاي، وتخفيفها لغتان مشهورتان، ذكرهما ابن السّكّيت، وغيره، ومعناه قسمهم. قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (ثَلَاَثَةَ أَجْزَاءٍ) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ"جزأ"، مبيّن لعدده. قال القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه اعتبر عدد أشخاصهم، دون قيمتهم، وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بدّ من تعديلهم بالقيمة، مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة، ولو اختلفوا في القيمة، أو في العدد لجزّئوا بالقيمة، ولعتق منهم ما يُخرجه السهم، وإن كان أقلّ من ثلث العدد، وكيفيّة العمل في ذلك مفصّلة في كتب أئمتنا انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ ﵀ من أن قيمتهم كانت متساوية محلّ نظر، إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) يقال: أقرعتُ بينهم، إقراعًا: هَيَّأْتهم للقُرْعَة على شيء. قاله في "المصباح". (فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ) أي أقرّ عتق اثنين من الستة، وهما اللذان خرجت قُرْعتاهما. وذكر الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عن الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أن القُرْعة أن تُكتب رِقاعٌ، ثم تكتب أسماء العبيد، ثم يُبندَقَ بَنَادقُ من طين، ثم يُجعل في كلّ بُندُقة رقعة، وبجزأ الرقيق (٣) أثلاثًا، ثم يؤمر رجل منهم، لم يحضر الرقاع، فيخرج رقعة على كلّ جزء. وإن لم يستووا في القيمة عدّلوا، وضُمَّ قليل الثمن إلى كثير الثمن، وجعلوه ثلاثة أجزاء، قلّوا أو كثروا، إلا أن يكونوا عبدين، فإن وقع العتق على جزء فيه عدّة رقيق، أقلّ من الثلث، أعيدت الرقعة بين السهمين الباقيين، فأيهم وقع عليه أعتق منه باقي

стр. 10761

الثلث انتهى (١) (وَأَرَقَّ أَرْبَعَةَ) أي أبقى الأربعة الباقين في رقّهم، وهم الذين لم تُصبهم القُرعة. قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير، والجمهور في إثبات القرعة في العتق، ونحوه، وأنه إذا أعتق عبيدًا في مرض موته، أو أوصى بعتقهم، ولا يخرجون من الثلث أقرع بينهم، فيعتق ثلثهم بالقرعة. وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، لا مدخل لها في ذلك، بل يعتق من كلّ واحد قسطه، ويُستسعى في الباقي، لأنها خطر. وهذا مردود بهذا الحديث الصحيح، وأحاديث كثيرة. وقوله: "فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة"، صريح في الرّدّ على أبي حنيفة، وقد قال بقول أبي حنيفة الشعبيّ، والنخعيّ، وشُريحٌ، والحسن، وحكي أيضًا عن ابن المسيّب انتهى (٢). وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا نصّ في صحّة اعتبار القرعة شرعًا، وهو حجة للجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول: إنه يَعتِق من كلّ واحد منهم ثلثه، ولا يُقرع بينهم، وهذا مخالف لنصّ الحديث، ولا حجّة له بأن يقول: إن هذا الحديث مخالف للقياس، فلا يُعمل به، لأنا قد أوضحنا في الأصول: أن القياس في مقابلة النصّ فاسد الوضع، ولو سلّمنا أنه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدليلين المتعارضين، وحينئذ يكون الأخذ بالحديث أولى، لكثرة الاحتمالات في القياس، وقلّتها في الحديث، كما بيّنّاه في الأصول انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من فساد وضع القياس عند معارضته للحديث الصحيح هو الحقّ الحقيق بالقبول، وما عداه باطل مردود مخذول. وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ردّ الكوفيّون السنّة المأثورة في هذا الباب إما بأن لم يبلغهم، أو بأن لم تصحّ عنهم، ومن أصل أبي حنيفة، وأصحابه عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمع عليها، أو المشهورة المنتشرة، والحجة قائمة على من ذهب مذهبهم بالحديث الصحيح الجامع في هذا الباب، وليس الجهل بالسنّة، ولا الجهل بصحّتها علّة يصحّ لعاقل الاحتجاج بها، وقد أنكرها قبلهم شيخهم

стр. 10762

حمّاد بن أبي سليمان. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هو الحقّ الذي أوجبه اللَّه تعالى على كلّ مكلّف أن يقبله، في آيات كثيرة، وأحاديث صحاح مشهورة. وكم ردّ هؤلاء الناس أحاديث كثيرة صحيحة، مما في "الصحيحين" وغيرهما بدعوى أنها أخبار آحاد، عارضت القياس، فيا عجبا، كيف تُرَدُّ أحاديث رسول اللَّه ﷺ الصحيحة؟ التي أوجب اللَّه تعالى قبولها، والانقياد لها، حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، ونَفَى الإيمان عمن لم يُحَكمها في القليل والكثير، حيث قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وتوعّد من خالفها بالفتنة، والعذاب الأليم، حيث قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] بالقياس المستنبط من عقول غير المعصومين، إن هذا لهو العجب العُجَاب، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، اللَّهم أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٥/ ١٩٥٨ - وفي "الكبرى" ٦٥/ ٢٠٨٥. وأخرجه (م) ١٦٦٨ (د) ٣٩٥٨ (ت) ١٣٦٤ (ق) ٢٣٤٥ (أحمد) ١٩٣٣٢ و ١٩٣٤٤ و ١٩٣٦٥ و ١٩٤٤٩ و ١٩٤٩٩ (مالك في الموطإ) ١٥٠٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده:

стр. 10763

منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان حكم الصلاة على من يَحِيف في وصيّته، وقد تبيّن حكمه من الحديث الذي أورده في الباب، وهو أنه ﷺ همّ بترك الصلاة عليه، فدلّ على جواز ترك الإمام الصلاةَ عليه، زجرًا لغيره أن لا يفعل مثل فعله، وأما أصل الصلاة على من ارتكب ذنبًا، فقد تقدم الكلام عليه، واختلاف مذاهب أهل العلم فيه في "باب ترك الصلاة على المرجوم"، فراجعها تستفد. ومنها: تحريم الحيف في الوصية. ومنها: أن العتق في مرض الموت جائز، وأنه يعتبر من الثلث. قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: وفيه دليل على أن أفعال المريض كلها، من عتق، وهبة، وعطيّة كالوصيّة، لا يجوز فيها أكثر من الثلث، وقد خالف في ذلك قوم، زعموا أن أفعال المريض في رأس ماله، كأفعال الصحيح، ولم يجعلوا ذلك كالوصايا (ومنها): أن القرعة مشروعة في الشرع، خلافا لمن نفى ذلك، وهو قول ضعيف جدًّا. كما تقدّم. ومنها: إبطال السعاية التي زعمها أهل الكوفة، كما تقدّم. ومنها: ما قاله ابن عبد البرّ أيضًا: فيه دليل على أن الوصيّة لغير الوالدين والأقربين جائزة، لأن عتق العبيد في المرض وصيّة لهم، ومعلوم أنهم لم يكونوا والدين للمعتق لهم، ولا بالأقربين له، وقد قال طائفة من التابعين: إن الوصيّة لا تجوز إلا للأقربين غير الوارثين. انتهى كلامه بتصرّف (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٦ - الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ غَلَّ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرضه بهذه الترجمة بيان مشروعيّة الصلاة على الغالّ، ووجه استدلاله بحديث الباب، أنه ﷺ قال: "صلّوا على صاحبكم"، فإنه يدلّ على أن الغال إذا مات ممن تُشرَع الصلاة عليه، وأما تركه ﷺ الصلاة عليه، فمن باب الزجر لغيره. هذا كلّه على تقدير صحّة حديث الباب، وستعلم الكلام عليه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10764

والغلول بالضم: هو الخيانة، يقال: غَلَّ، غُلُولاً، من باب قَعَدَ، وأغلّ بالألف: خان في المغنم، وغيره، وقال ابن السِّكِّيت: لم نسمع في المغنم إلا غَلَّ، ثلاثيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنطَق به. قاله في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنْ أَبِي عَمْرَةَ, عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ, قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِخَيْبَرَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ, إِنَّهُ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» , فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ, فَوَجَدْنَا فِيهِ خَرَزًا, مِنْ خَرَزِ يَهُودَ, مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، نزيل نيسابور ثقة مأمون سنيّ [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (يحيى بن سعيد الأنصاريّ) المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٤ - (محمد بن يحيى بن حَبَّان) بن منقذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤] ٢٢/ ٢٣. ٥ - (أبو عمرة) مولى زيد بن خالد الجُهَنيّ، مقبول [٣]. روى عن مولاه حديث الغلول فقط، وعنه محمد بن يحيى بن حَبّان. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف هذا الحديث فقط. ٦ - (زيد بن خالد) الجهنيّ المدنيّ، الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -، مات بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٠) وله (٨٥) سنة ٨/ ٧٥٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي عمرة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي عمرة) هذا هو الصواب، وقد روى هذا الحديث مالك، فاختلف الرواة عليه، فقال القعنبيّ، وابن القاسم، ومعن بن عيسى، وأبو مصعب، وسعيد بن كثير بن عُفير، وأكثر النسخ عن ابن بكير، كلهم قالوا: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حنان، عن ابن أبي عمرة، بزيادة "ابن"، وقال ابن وهب، ومصعبٌ

стр. 10765

الزبيريّ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، "عن أبي عمرة" (١). وهذا هو الصواب، لأنه رواه هكذا الحفّاظ، يحيى القطّان، وحماد بن زيد، وابن جريج، وابن عيينة، كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن يحيى بن حبّان، "عن أبي عمرة"، كما رواه ابن وهب، ومصعب الزبيريّ، عن مالك. واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيّ ﵁، أنه (قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِخَيْبَرَ) أي في غزوة خيبر المشهورة، ووقع في "الموطإ" روايةِ يحيى بن يحيى الليثيّ "يوم حُنين"، وهو وَهَمٌ، كما نبّه عليه الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية أبي داود: "أن رجلا من أصحاب النبيّ ﷺ ، توفّي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) زاد في رواية أبي داود: "فتغيّرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل اللَّه … ". (إِنهُّ غَلَّ) من باب قَعَد (فِي سَبيلِ اللَّه) أي خان في الغنيمة التي حصلت من جهاد الكفّار لإعلاء كلمة اللَّه قبل القسمة، فلا أصلي عليه؛ لينزجر غيره عن ارتكاب الغلول. قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما قوله ﷺ : "صلَّوا على صاحبكم" بأن ذلك كان كالتشديد لغير الميت، من أجل أن الميت قد غَلّ لينتهي الناس عن الغلول؛ لما رأوا من ترك رسول اللَّه ﷺ الصلاة عليه بنفسه، وكانت صلاته على من صلّى عليه رحمةً، فلهذا لم يُصلّ عليه، واللَّه أعلم. وفي قوله: "صلّوا على صاحبكم" دليل على أن الذنوب لا تخُرج المذنب عن الإيمان؟ لأنه لو كفر بغلوله -كما زعمت الخوارج- لم يكن ليأمر بالصلاة عليه؛ لأن الكافر لا يُصلي عليه المسلمون، لا أهل الفضل، ولا غيرهم. وأما ترك رسول اللَّه ﷺ الصلاة عليه، وأمر غيره بالصلاة عليه؛ لأنه كان لا يُصلي على من ظهرت منه كبيرة؛ ليرتدع الناس عن المعاصي، وارتكاب الكبائر، ألا ترى أنه لم يصلّ على ماعز الأسلميّ (٢)، وأمر غيره بالصلاة عليه، ولم يصلّ على الذي قتل نفسه، ولا على كثير ممن أقام عليه الحدُود؛ ليكون ذلك زاجرًا لمن خلفهم، ونحو ذلك، وهذا أصل في أن لا يُصلي الإمام، وأئمّة الدين على الْمُحْدِثِينَ، ولكنّهم لا يُمنَعُونَ الصلاةَ عليهم، بل يأمر بذلك غيره، كما قال ﷺ : "صلّوا على صاحبكم" انتهى كلام الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٣).

стр. 10766

(فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ) يقال: فَتَشتُ الشيءَ -بالتخفيف- فَتْشًا، من باب ضرب: تصَفّحتُهُ، وفَتَشتُ عنه: سألتُ واستقصيت في الطلب، وفَتَّشتُ الثوب -بالتشديد- هو الفاشي في الاستعمال. أفاده في "المصباح" (فَوَجَدْنَا) وفي نسخة: "فوجدوا" (فِيهِ خَرَزًا) -بفتحتين-: ما يَنتظم من جوهر، ولؤلؤ، وغيرهما (مِنْ خَرَزِ يَهُودَ) وفي نسخة: "اليهود" (مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ) يعني أنه شيء قليل القيمة بحيث لا يبلغ قيمة درهين. وقال السنديّ ﵀: أي قدرًا، يساوي درهمين، أو كلمة "ما" نافية انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالوجه الأول أن "ما" موصولة، وهو غير صحيح، لأنه تردّه رواية أبي داود بلفظ: "لا يساوي درهمين"، بـ "لا" بدل "ما"، فالصواب الوجه الثاني، وهو كون "ما" نافية. فتنبّه. وفيه التشديد في شأن الغلول، وأن قليله، وكثيره سواء في كونه كبيرة، يستحقّ صاحبها العقوبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث زيد بن خالد الجهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لجهالة أبي عمرة، فإنه لم يرو عنه غير محمد بن يحيى بن حَبَّان، ولا يُعرف إلا في هذا الحديث، ولم يوثّقه أحد، وأما تصحيح الحاكم له في "المستدرك" جـ٢ ص ١٢٧، وأنه على شرط الشيخين، فمن تساهله المعروف، وكذا إقرار الذهبيّ له على ذلك. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٦٦/ ١٩٥٩ - وفي "الكبرى" ٦٦/ ٢٠٨٦. وأخرجه (د) ٢٧١٠ (ق) ٢٨٤٨ (أحمد) ٢١١٦٧ "الموطأ" ٩٩٥ (الحاكم) ٢/ ١٢٧ (البيهقي) ٩/ ٢١٠١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٧ - الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ١٩٦٠ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ, سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ, لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ,

стр. 10767

فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا» , قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ: هُوَ عَلَيَّ, قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «بِالْوَفَاءِ؟». قَالَ: بِالْوَفَاءِ, فَصَلَّى عَلَيْهِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غَيلان) أبو أحمد المروزيّ، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (أبو داود) الطيالسيّ، سليمان بن داود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عثمان بن عبد اللَّه بن موهَب) التيميّ مولاهم المدنيّ الأعرج، وقد ينسب إلى جدّه، ثقة [٤] ٥/ ٤٦٨. ٥ - (عبد اللَّه بن أبي قتادة) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٢٣/ ٢٤. ٦ - (أبو قتادة) الحارث بن رِبْعِيّ، وقيل: غيره الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى - عنه ٢٣/ ٢٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه مروزيّ، وأبو داود، وشعبة بصريان، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم، والهاء، أنه قال (سَمِعْتُ عَبدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبيهِ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتيَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) لم أر من سماه (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَاَلَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي بعد أن سأل هل عليه دين، ففي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ الآتي بعد هذا، قال: أُتي النبي ﷺ بجنازة، فقالوا: يا نبيّ اللَّه صلّ عليها، قال: "هل ترك عليه دينًا؟ "، قالوا: نعم، قال: "هل ترك من شيء؟ "، قالوا: لا، قال: صلّوا على صاحبكم". ("صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُم) هذا محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على مشروعية الصلاة على من عليه دين، لأمر النبي ﷺ أصحابَه بالصلاة عليه، فلو كانت الصلاة عليه غير مشروعة، لما أمره بها (فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا) الفاء للتعليل، أي لأن على صاحبكم مانعا من صلاتي عليه، وهو الدين، وهذا يدلّ على أنه ﷺ لا يصلي على من عليه دين، وهذا فيمن لم يترك وفاء، كما تبيّنه الروايات الآتية. قال البيضاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لعل امتناعه ﷺ عن الصلاة على المديون الذي لم

стр. 10768

يترك وفاء، تحذيرًا من الدين، وزجرًا عن المماطلة، أو كراهة أن يوقَفَ دعاؤه عن الإجابة بسبب ما عليه، من مظلمة الخلق انتهى. (قَالَ: أَبو قَتَادَةَ) الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (هُوَ) أي الدين الذي على هذا الميت (عَلَيَّ) أي قضاؤه عليّ (قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : بالوَفَاءِ؟) أي أتتكفّل بأدائه إلى صاحبه؟ (قَالَ) أبو قتادة (بِالْوَفَاءِ) أي أتكفّل بأدائه إليه (فَصَلَّى) النبي ﷺ (عَلَيْهِ) أي على ذلك الميت الذي عليه ذلك الدين. وفي رواية ابن ماجه: "فقال أبو قتادة: وأنا أتكفّل به"، زاد الحاكم في حديث جابر: "فقال: هما عليك، وفي مالِكَ، والميت منهما بريء؟ قال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول اللَّه ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: ما صنَعَت الديناران؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتهما يا رسول اللَّه، قال الآن برّدت عليه جلده". وقد وقعت هذه القصّة مرّة أخرى، فروى الدارقطنيّ من حديث عليّ ﵁، كان رسول اللَّه ﷺ إذا أُتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دينه، فإن قيل: عليه دين كَفَّ، وإن قيل: ليس عليه دين صلّى، فأُتي بجنازة، فلما قام ليكبّر سأل هل عليه دين؟، فقالوا: ديناران، فعدل عنه، فقال عليٌّ: هما عليَّ يا رسول اللَّه، وهو بريء منهما، فصلّى عليه، ثم قال لعليّ: "جزاك اللَّه خيرًا وفَكَّ اللَّه رِهانك" (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٧/ ١٩٦٠ وفي "البيوع" ١٠٢/ ٤٦٩٤ - وفي "الكبرى" ٦٧/ ٢٠٨٧ و"البيوع" ١٠٤/ ٦٢٩١. وأخرجه (ت) ٢٣٩٨ (أحمد) ٢١٥٠٣ و ٢١٥٢٨ و ٢١٦٠٥ و ٢٤٨٠ (الدارمي) ٢٤٨٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف، -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية الصلاة على من عليه دين، وقد تقدّم البحث عنه مُستوفًى في -٦٤/ ١٩٥٧ - باب "الصلاة على المرجوم"، فراجعه تستفد. ومنها: تركه ﷺ الصلاة على من عليه دين، إذا لم يترك وفاءً، لئلا يتهاون الناس بحقوق المسلمين، وكان هذا في أول الإسلام، قبل أن يفتح اللَّه عليه

стр. 10769

الفتوحات، فلما فتح عليه، قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي، وعليه دين، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً، فهو لورثته"، وسيأتي هذا في حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي. ومنها: أنه يدلّ على صعوبة أمر الدين، وأنه لا ينبغي تحمّله إلا عند الضرورة. ومنها: فضل أبي قتادة ﵁، حيث بادر بتخليص ذمة أخيه المسلم، حتى يَنال فضلَ صلاة النبي ﷺ عليه. ومنها: جواز ضمان ما على الميت، من الديون، وإن لم يترك وفاء، وهو قول الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، وقد بالغ الحاويّ في نصرة قول الجمهور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ -يَعْنِي ابْنَ الأَكْوَعِ- قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجَنَازَةٍ, فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا, قَالَ: «هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا؟» , قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: «هَلْ تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ؟». قَالُوا: لَا, قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» , قَالَ رَجُلٌ, مِنَ الأَنْصَارِ, يُقَالُ لَهُ: أَبُو قَتَادَةَ, صَلِّ عَلَيْهِ, وَعَلَيَّ دَيْنُهُ, فَصَلَّى عَلَيْهِ. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (محمد بن المثنى) الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٣ - (يحيى) القطّان المذكور في الباب الماضي. ٤ - (يزيد بن أبي عُبيد) الحجازيّ، أبو خالد الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع، ثقة [٤]. وثّقه ابن معين، وأبو داود. وقال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: توفّي بعد خروج محمد -يعني عبد اللَّه- بسنتين، أو ثلاث، وكان ثقة كثير الحديث. وقال الواقديّ: مات قبل خروج محمد بن عبد اللَّه. وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة (٦) أو (١٤٧). روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتابستة أحاديث برقم ١٩٦١ و ٢٣١٦ و ٢٣٢١ و ٢٥٣٧ و ٤١٦١ و ٤١٨٨. ٥ - (سلمة بن الأكوع) هو: ابن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه، الأسلميُّ، أبو مسلم، أو أبو إياس، شهد بيعة الرضوان، مات ﵁ سنة (٦٤) تقدم ١٥/ ٧٦٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٧) من رباعيات

стр. 10770

الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير يزيد، وسلمة فمدنيان. (ومنها): أن شيخيه هما من مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهما بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن يزيد بن أبي عُبيد، أنه قال (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ -يَعْنِي ابْنَ الأكْوَعِ) ﵁ (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجَنَازَةٍ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم صاحب هذه الجنازة، ولا على الذي بعده، وللحاكم من حديث جابر ﵁: "مات رجل، فغسلناه، وكفّنّاه، ووضعناه حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنّا رسولَ اللَّه ﷺ به". (فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: "هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "هَلْ تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ "، قَالُوا: لَا) رواية المصنّف ﵀ هذه مختصرة، فإن هذه الجنازة هي الجنازة الثالثة في حديث سلمة ﵁، وقد ساقه البخاريْ ﵀ بتمامه، فقال: حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثثا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، ﵁، قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، إذ أُتي بجنازة، فقالوا: صل عليها، فقال: "هل عليه دين؟ "، قالوا: لا، قال: "فهل ترك شيئا؟ "، قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول اللَّه، صل عليها، قال: "هل عليه دين؟ "، قيل: نعم، قال: "فهل ترك شيئا؟ "، قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليها، قال: "هل ترك شيئا؟ "، قالوا: لا، قال: "فهل عليه دين؟ "، قالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلّوا على صاحبكم"، قال أبو قتادة: صل عليه، يا رسول اللَّه، وعليّ دينه، فصلى عليه. قال في "الفتح": ذكر في هذا الحديث أحوالَ ثلاثة، وترك حال رابع: الأول لم يترك مالاً، وليس عليه دين، والثاني: عليه دين، وله وفاء، والثالث: عليه دين، ولا وفاء له، والرابع: من لا دين عليه، وله مال، وهذا حكمه أن يُصلَّى عليه، وكأنه لم يُذكَر لا لكونه لم يقع، بل لكونه كان كثيرًا انتهى (١). (قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ") قال القرطبيّ ﵀: امتناعه من الصلاة على من مات، وعلي دين، ولم يتركَ وفاءً، إشعار بصعوبة أمر الدين، وأنه لا ينبغي أن يتحمّله الإنسان، إلا من ضرورة، وأنه إذا أخذه فلا ينبغي أن يَتراخَى في أدائه إذا تمكّن منه، وذلك لأن الدين شَين، وأنه هَمٌّ بالليل، ومَذلّة بالنهار، وإخافة للنفوس، بل وإرقاق

стр. 10771

لها، وكان هذا من النبي ﷺ ليرتدع من يتساهل في أخذ الدين، حتى لا تتشوّش أوقاتهم عند المطالبة، وكان هذا كلّه في أول الإسلام، وقد حُكي أن الحرّ كان يباع في الدين في ذلك الوقت، كما قد رواه البزّار (١) من حديث رجل، من أصحاب النبيّ ﷺ يقال له: سُرَّق، ثم نُسخ ذلك كلّه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقيل: إن النبي ﷺ إنما كان يمتنع من الصلاة على من ادّان دينًا غير جائز، أو في سعة، والأول أظهر، لقول الراوي في الحديث: "فلما فتح اللَّه عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوفّي، وعليه دين، فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته". فهذا يعمّ الديون كلها، ولو افترق الحال لتعيّن التنويع، أو السؤال انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن قيل: أخرج البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، في "صحيحه " عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أذى اللَّه عنه، ومن أخذ يُريد إتلافها أتلفه اللَّه". وأخرج ابن ماجه، وابن حبّان، والحاكم، من حديث ميمونة ﵄: "ما من مسلم يَدَّان دينًا يعلم اللَّه أنه يريد أداءه، إلا أدّى اللَّه عنه في الدنيا". وأخرج ابن ماجه، والحاكم أيضًا من طريق محمد بن عليّ، عن عبد اللَّه بن جعفر ﵁ أنه كان يستدين، فسُئل؟، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه مع الدائن حتى يَقضي دينه". قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإسناده حسن (٣)، لكن اختلف فيه على محمد بن عليّ، فراوه الحاكم أيضًا من طريق القاسم بن الفضل، عن عائشة بلفظ: "ما من عبد كانت له نيّةٌ في وفاء دينه إلا كان له من اللَّه عون، قالت: فانا ألتمس ذلك العون" (٤)، وساق له شاهدًا من وجه آخر، عن القاسم، عن عائشة ﵂ (٥). فهذه الأحاديث تدلّ على استحسان الاستدانة، فكيف ترك النبي ﷺ الصلاة على جميع من عليه دين، إلا إذا ترك له وفاء؟.

стр. 10772

أجيب بأنه لما كان لا يتبيّن من له نيّة صالحة في الوفاء، ممن لا نيّة له فيها، كان ترك الصلاة على الجميع أولى، تغليظًا لحقوق المسلمين، وحسمًا لمادّة التساهل في الوفاء، لينزجر الجميع، ويبادروا في أداء الديون قبل حلول الموت. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: رَجُلٌ، مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو قَتَادَةَ) ﵁ (صَلِّ عَلَيْهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي صلى النبيّ ﷺ على ذلك الرجل، لَمّا تكفل أبو قتادة ﵁ بدينه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٧/ ١٩٦١ - وفي "الكبرى" ٦٧/ ٢٠٨٨. وأخرجه (خ) ٢١٢٧ و ٣١٣١ (أحمد) ١٥٩١٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٦٢ - أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومِسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ , لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ, عَلَيْهِ دَيْنٌ, فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ, فَسَأَلَ «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» , قَالُوا: نَعَمْ عَلَيْهِ دِينَارَانِ, قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» , قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ, يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَصَلَّى عَلَيْهِ, فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ , قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ, مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ, وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند بعينه تقدم قبل ثلاثة أبواب، وشرح الحديث يُعلم مما قبله. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٦٧/ ١٩٦٢ وفي "الكبرى" ٦٧/ ٢٠٨٩. وأخرجه (د) ٢٥٦٧ و ٢٩٥٢ (ق) ٤٤ (أحمد) ١٣٨١ و ١٣٩٠٩ و ١٤١٠٢ و ١٤٤٥٥ (الدارميّ) ٢٠٨. وقوله: "عن جابر" هكذا انفرد معمر، فرواه، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر، كما أخرجه المصنّف هنا، وأبو داود، والترمذيّ، وقد خالفه يونس، وابن أبي ذئبٍ، وعُقيل، وابن أخي ابن شهاب، فرووه عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وهو الحديث التالي. أفاده في "الفتح" (١). فالظاهر أن رواية معمر شاذّة، لكن المتن صحيح، لا تؤثّر فيه العلّة الموجودة في

стр. 10773

السند، لأنه ثابت من طرق صحيحة، كما أشرت إليه آنفًا، فلذا صححتُ الحديث، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "عليه ديناران"، وكذا وقع عند أبي داود، والحاكم، وكذا أخرجه الطبرانيّ من حديث أسماء بنت يزيد، ووقع عند البخاريّ في حديث سلمة ﵁ المتقدّم: "ثلاثة دنانير". قال في "الفتح": ويُجمع بينهما بأنهما كانا دينارين وشطرًا، فمن قال: "ثلاثة"، جبر الكسر، ومن قال: "ديناران" ألغاه، أو كان أصلهما ثلائة، فوفى قبل موته دينارًا، وبقي عليه ديناران، فمن قال: "ثلاثة" فباعتبار الأصل، ومن قال: "ديناران" فباعتبار ما بقي من الدين، والأول أليق، ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي قتادة ﵁ "ثمانية عشر درهما"، وهما دون دينارين، وفي "مختصر المزنيّ" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ "درهمين"، ويجمع إن ثبت بالتعدّد انتهى (١) واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٦٣ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ إِذَا تُوُفِّيَ الْمُؤْمِنُ (٣) , وَعَلَيْهِ دَيْنٌ, سَأَلَ «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ, مِنْ قَضَاءٍ؟» , فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ, صَلَّى عَلَيْهِ, وَإِنْ قَالُوا: لَا, قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» , فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ , عَلَى رَسُولِهِ ﷺ , قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ, مِنْ أَنْفُسِهِمْ, فَمَنْ تُوُفِّيَ, وَعَلَيْهِ دَيْنٌ, فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ, وَمَنْ تَرَكَ مَالاً, فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ الثبت [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. والباقيان ذكرا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10774

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مصريون، والثاني مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه أبو هريرة ﵁ رئيس المكثرين من رواية الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا تُوُفِّيَ الْمُؤْمِنُ) وفي نسخة: "المسلم"، وفي رواية للبخاريّ: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفَّى، عليه الدين، فيسأل، هل ترك لدينه فضلًا؟ … " (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) جملة اسميّة، في محل نصب على الحال (سَأَلَ) وفي نسخة: "فيسأل" (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ، مِنْ قَضَاءٍ؟) "من" زائدة، و"قضاء" مفعول "ترك"، أي هل ترك مالا يُقضى به دينه؟ وفي رواية للبخاريّ: "هل ترك لدينه فضلاً؟ "، أي قدرًا زائدًا على مؤنة تجهيزه. قال في "الفتح": والأول أولى، بدليل قوله: "فإن حُدّث أنه ترك لدينه وفاء … " (فَإِن قَالُوا: نَعَمْ، صَلَّى عَلَيْهِ، وِإنْ قَالُوا: لَا، قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ ، عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، قَالَ: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤمِنِينَ، مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي أنا أقرب لهم من أنفسهم، أو أنا أحقّ بهم منها، وقد وَجَّهَ ذَلك بقوله: "فمن توفي الخ"، وقد تقدّم تفسير هذه الجملة مُستوفًى في "كتاب العيد -باب كيف الخطبة؟ [٢٢/ ١٥٧٨] فراجعه تستفد (فَمَنْ تُوُفِّيَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ") وفي رواية للبخاريّ: "فليرثه عصبته"، ولمسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: "والذي نفسي بيده إنْ على الأرض من مؤمن، إلا وأنا أولى الناس به، فايكم ما ترك دينا، أو ضَيَاعًا، فانا مولاه، وأيكم ترك مالاً، فإلى العصبة من كان". ومن طريق همام بن منبّه، عن أبي هريرة ﷺ : "أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب اللَّه فأيكم ما ترك دينًا، أو ضَيعةً، فادعوني، فأنا وليّه، وأيكم ما ترك مالاً، فليُؤثَر بماله عصبتُهُ من كان". وفي رواية: "ومن ترك كَلًّا وَلِيتُه". قال النوويّ ﵀: و"الضَّيَاع"، و"الضَّيعة" بفتح الضاد: المراد بهم العيال المحتاجون الضائعون. قال الخطّابيّ: الضياع، والضيعة هنا وصف لورثة الميت بالمصدر، أي ترك أولادًا، أو عيالاً ذَوِي ضَيَاع، أي لا شيء لهم، والضَّيَاع في الأصل مصدر ضاع، ثم جُعل اسمًا لكلّ ما يُعَرَّض للضَّيَاع.

стр. 10775

وأما الْكَلّ، فبفتح الكاف، قال الخطّابيّ، وغيره: المراد به ههنا العيال، وأصله الثِّقَلُ، ومعنى "أنا مولاه": أي وليّه، وناصره. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). وقال في "الفتح": قال العلماء: كان الذي فعله ﷺ من ترك الصلاة على من عليه دينٌ ليحرّض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصّل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي ﷺ وهل كانت صلاته على من عليه دين محرّمة عليه، أو جائزة؟ وجهان، قال النوويّ: والصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن، كما في حديث مسلم. وحكى القرطبيّ أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من استدان دينًا غير جائز، وأما من استدان لأمر هو جائز، فما كان يمتنع. وفيه نظر، لأن في حديث الباب ما يدلّ على التعميم، حيث قال: "من توفّي، وعليه دين"، ولو كان الحال مختلفًا لبيّنه. نعم جاء من حديث ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ لما امتنع من الصلاة على من عليه دين، جاءه جبريل، فقال: إنما الظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف، فأما المتعفّف، ذو العيال، فأنا ضامن له، أؤدّي عنه، فصلّى عليه النبي ﷺ ، وقال بعد ذلك: "من ترك ضَيَاعًا … " الحديث، وهو ضعيف. وقال الحازميّ بعد أن أخرجه: لا بأس به في المتابعات. وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرًّا، وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك، وأنه السبب في قوله ﷺ : "من ترك دينًا فعليّ". وفي صلاته ﷺ على من عليه دين بعد أن فتح اللَّه عليه الفتوح إشعار بأنه كان يقضيه من مال المصالح. وقيل: بل كان يقضيه من خالص نفسه، وهل كان القضاء واجبًا عليه، أم لا؟ وجهان. وقال ابن بطّال ﵀: قوله: "من ترك دينًا فعليّ" ناسخ لترك الصلاة على من مات، وعليه دين. وقوله: "فعليّ قضاؤه" أي مما يُفيء اللَّه تعالى عليه من الغنائم، والصدقات، قال: وهكذا يلزم المتولّيَ لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات، وعليه دين، فإن لم يفعل، فالإثم عليه، إن كان حقّ الميت فى بيت المال يَفي بقدر ما عليه من الدين، وإلا فبقسطه. انتهى ما في "الفتح" (٢) واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 10776

أخرجه هنا -٦٧/ ١٩٦٣ - وفي "الكبرى" ٦٧/ ٢٠٩٠. وأخرجه (خ) ٢١٣٣ و ٢٢٢٣ و ٢٢٢٤ و ٤٤٠٨ و ٦٢٣٤ و ٦٢٦٦. (م) ٣٠٤٠ و ١٣٠٤١ و ٣٠٤٢ و ٣٠٤٤ (د) ٢٥٦٦ (ت) ٩٩٠ (ق) ٢٤٠٦ (أحمد) ٧٥٢٣ و ٧٥٥٨ (الدارمي) ٢٤٨١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٨ - تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يرى عدم مشروعيّة الصلاة على قاتل نفسه أصلاً، حيث أورد الترجمة جازما، فقال: "ترك الصلاة على من قتل نفسه"، وهذا إن لم يَحمِله على من استحلّ ذلك، لارتداده باستحلاله يردّه الحديث الأول: "أما أنا فلا أصلي عليه"، فإن ظاهره أن غيره ﷺ يصلي عليه، كما سيأتي تقريره قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. وأما الحديث الثاني: "فهو في نار جهنّم خالدًا مخلّدا فيها" فللعلماء في تأويله اختلاف كثيرٌ، سنورده هناك، إن شاء اللَّه تعالى. والحاصل أن الظاهر من الحديث أن ترك الصلاة على من قتل نفسه، إنما هو للنبيّ ﷺ ، وأما غيره فيصليّ عليه، وسيأتي مزيد بسط لذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٦٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) أَبُو الْوَلِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ, زُهَيْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ, عَنِ ابْنِ سَمُرَةَ, أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ نَفْسَهُ, بِمَشَاقِصَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا أَنَا, فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكَوّسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢.

стр. 10777

٣ - (أبو خَيْثمة زهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢. ٤ - (سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وتغير بآخره، وربّما تلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥. ٥ - (ابن سَمُرة) هو جابر بن سمرة بن جُنَادة السُّؤائيّ، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٢٨/ ٨١٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه مروزيّ، وأبا الوليد بصريّ، والباقون كوفيون. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ سَمُرَةَ) جابرٍ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أن رَجُلاً قَتَلَ نَفْسَهُ) لم أر من سمّاه (بِمَشَاقِصَ) جمع مِشْقص بكسر الميم، وفتح القاف: هو نَصْلُ السهم، إذا كان طويلا، غيرَ عريض. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا أَنَا، فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ") أي وأما غيري، فليصلّ عليه. ولفظ مسلم: "أُتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصلّ عليه". قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يُصلَّى على قاتل نفسه، لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، وقال الحسن، والنخعيّ، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: يصلَّى عليه، وأجابوا بأن النبيّ ﷺ لم يصلّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبيّ ﷺ في أول الأمر الصلاة على من عليه دين، زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال ﷺ : "صلّوا على صاحبكم". انتهى (١). وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لعلّ هذا القاتل لنفسه كان مستحلّا لقتل نفسه، فمات كافرًا، فلم يصلّ عليه لذلك، وأما المسلم القاتل لنفسه فيُصلَّى عليه عند كافّة العلماء انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يردّ قول القرطبيّ: كان مستحلّا الخ. قولُهُ ﷺ : "أما

стр. 10778

أنا فلا أصلي عليه"، لأن التقدير: وأما أنتم فصلّوا عليه، لأن "أما" للتفصيل، فيكون المراد تفصيل حال المصلين عليه بين من لا يصلّي، وهو النبيّ ﷺ ، وبين من يصلّي، وهم الصحابة، فدلّ على أنه مسلم، وليس بكافر، وأما تركه ﷺ الصلاة عليه مع كونه مسلمًا، زجرًا لغيره لئلّا يتجاسروا بقتل أنفسهم. وقد تقدّم تفصيل المذاهب في حكم الصلاة على أصحاب الذنوب، كالغالّ، وقاتل النفس، ونحوهما، وترجيح مذهب الجمهور في مشروعية الصلاة عليهم، وإنما يَترُك الصلاة الإمام، وذوو الفضل، زجرًا لغيرهم، فراجع "باب الصلاة على المرجوم" تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن سمرة - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٨/ ١٩٦٤ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٢٠٩١. وأخرجه (م) ١٦٢٤ (ت) ٩٨٨ (ق) ١٥١٥ (أحمد) ١٩٨٨٦ و ١٩٩٣٢ و ١٩٩٦٧ و ٢٠١٣٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سُلَيْمَانَ, سَمِعْتُ ذَكْوَانَ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ, فَقَتَلَ نَفْسَهُ, فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ, يَتَرَدَّى خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا, أَبَدًا وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا, أَبَدًا, وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ -ثُمَّ انْقَطَعَ عَلَيَّ شَيْءٌ, خَالِدٌ يَقُولُ - كَانَتْ حَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ, يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ, فِي نَارِ جَهَنَّمَ, خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». قال الجامع عفا اللَّه تعالى: [إن قلت]: ما هو غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بإيراد حديث أبي هريرة ﵁ هذا في هذا الباب؟. [قلت]: غرضه -واللَّه تعالى أعلم- بيان سبب ترك الصلاة على قاتل نفسه، وذلك لعظم ذنبه، حيث إنه يكون في نار جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها، على ما يأتي بيان المراد منه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، فكأنه يقول: إنه لما كان ذنبه عظيما، وجزاؤه جسيمًا استحقّ ترك الصلاة عليه. واللَّه تعالى أعلم. ورجال إسناده: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.

стр. 10779

٢ - (خالد) بن الحارث الهجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٢٤/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٦. ٤ - (سليمان) بن مِهْران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت [٥] ١٧/ ١٨. ٥ - (ذكوان) السمّان الزّيّات، أبو صالح المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبةَ، وسليمانُ كوفيّ، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن الأعمش ممن أكثر الرواية عن ذكوان، يقال سمع منه ألف حديث، كما قاله الخزرجي في "الخلاصة" ص ١١٢. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: مَنْ تَرَدَّى) "من" شرطية، وجوابها: جملة قوله: "فهو في نار جهنم الخ، أي من سقط (مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) متعلّق بمحذوف خبر لـ"هو"، وجملة "يتردّى" حال، أو متعلّق بـ "يتردّى" والجملة هي الخبر. و"جهنّم، اسم لنار الآخرة -عافانا اللَّه منها، ومن كلّ بلاء- قال يونس، وأكثر النحويين: هي عجميّة، لا تنصرف للعجمة والتعريف. وقال آخرون: هي عربيّة، لم تصرف للتأنيث والعلميّة، وسميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جَهنّم، وجِهِنَّام - بكسر الجيم وهاء-: أي بعيدة الْقَعْر. وقيل: مشتقّة من الْجُهُومة، وهي الغلظ، يقال: جهم الوجه: أي غليظه، فسميت جهنّم لغلظ أمرها. واللَّه أعلم (١). (يَتَرَدَّى) أي ينزل من جبال النار إلى أوديتها (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا،؟ أَبَدًا) "خالدًا" منصوب على الحال، و"مخلّدًا" تأكيد، له، وكذلك "أبدًا". وظاهره موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]، لعموم المؤمن نفس القاتل أيضًا، لكن قال الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد جاءت الرواية بلا ذكر "خالدًا مُخلّدا أبدًا"، وهي أصحّ، لما ثبت من خروج أهل التوحيد من النار انتهى.

стр. 10780

وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ظاهره التخليد الذي لا انقطاع له بوجه، وهو محمول على من كان مستحلّا لذلك، ومن كان متعمّدًا لذلك كان كافرًا، وأما من قتل نفسه، وهو غير مستحلّ، فليس بكافر، بل يجوز أن يعفو اللَّه عنه، قال: ويجوز أن يراد بقوله: "خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا" تطويل الآمال، ثم يكون خروجه من النار من آخر من يخرج من أهل التوحيد، ويَجري هذا مَجرى المثل، فتقول العرب: خلّد اللَّه ملكك، وأبّد أيامك، ولا أُكلّمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلّمه بعد أزمان، ويَجري هذا مجرى الإعياء في الكلام انتهى (١). وقال في "الفتح": وقد تمسّك بقوله: "خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا" المعتزلة، وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنّة عن ذلك بأجوبة: منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ فلم يذكر: "خالدًا مخلّدًا"، وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرح، عن أبي هريرة ﵁، قال: وهو أصحّ، لأن الروايات صحّت أن أهل التوحيد يُعذّبون، ثم يُخرجون منها، ولا يُخلّدون. وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحلّه، فإنه يصير باستحلاله كافرًا، والكافر مخلّد بلا ريب. وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة. وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرّم اللَّه على الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم. وقيل: التقدير مخلّدًا فيها إلى أن يشاء اللَّه. وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يُخلّد مدةً معينةً، وهذا أبعدها انتهى (٢). (وَمَنْ تَحَسَّى) آخره ألف، أي شرب بتمهّل، وتجرّعه (سُمًّا) بتثليث السين المهملة، والفتح أفصح، وتشديد الميم. قال في "المصباح": السمّ: ما يَقتل، وبالفتح أكثر، وجمعه سُموم، مثل فَلْس، وفُلُوس، وسِمَام أيضًا، مثل سَهْم، وسِهَام، والضمّ لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم انتهى. وقال السنديّ ﵀: والسمّ دواء قاتل، يُطرح في طعام، أو ماء، فينبغي أن يُحمل "تحسّى" على معنى أدخل في باطنه، ليعمّ الأكل والشرب جميعًا انتهى (٣). (فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةِ -ثُمَّ انْقَطَعَ عَلَيَّ شَيْءٌ، خَالِدٌ يَقُولُ-) ولفظ "الكبرى": "ثم انقطع عليّ شيء

стр. 10781

يعني خالدًا. وهذا الكلام من قوله: "ثم انقطع الخ" ليس من متن الحديث، بل معناه أن خالدًا الْهُجَيميّ الرواي عن شعبة، قال: ثم انقطع عليّ شيء من متن الحديث بعد قوله: "ومن قتل نفسه بحديدة"، وهذا الانقطاع، إما بسقوط لفظ، أو بالتردّد فيه أيّ لفظ هو؟. وأشار في النسخة الهنديّة إلى أنه سقط قوله: "ثم انقطع الخ" من بعض النسخ. واللَّه تعالى أعلم. (كَانَتْ حَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ) بهمزة في آخره، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفًا، ومعناه يَطعَنُ. وقال في "المصباح": وجَأته، أوْجَؤُهُ، مهموز، من باب نفع، وربّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَأُ، كما قيل: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَهَبُ، وذلك: إذا ضربته بسكين، ونحوه، في أيّ موضع كان انتهى. (١) (بِهَا) أي بتلك الحديدة (فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ) متعلّق بـ "يجأ" (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدَا") واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٨/ ١٩٦٥ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٢٠٩٢. وأخرجه (خ) ٥٣٣٣ (م) ١٥٨ (د) ٣٣٧٤ (ت) ١٩٦٦ (ق) ٣٤٥١ (أحمد) ٧١٣٦ و ٩٨٠٥٢ و ٩٩٤ (الدارمي) ٢٢٥٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه من كبائر الذنوب التي يستحقّ بها العذاب الأليم. ومنها: أن جزاء من قتل نفسه بشيء أن يعذّب بذلك الشيء. ومنها: أن بعض أهل العلم استنبط منه أن القصاص يكون بما قتل به القاتل، اقتداء بعقاب اللَّه تعالى لقاتل نفسه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]. وحديث رَضّ النبيّ ﷺ رأسَ اليهوديّ الذي رَضَّ رأس الجارية، وغيرِ ذلك من الأدلة. واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه

стр. 10782

أنيب". … ٦٩ - الصَّلَاةُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بيان حكم الصلاة على المنافقين، وهو عدم مشروعيتّها؛ لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ, دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ, فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, تُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ, وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ , أُعَدِّدُ عَلَيْهِ, فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَقَالَ: «أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ» , فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ, قَالَ: «إِنِّي قَدْ خُيِّرْتُ, فَاخْتَرْتُ, فَلَوْ عَلِمْتُ, أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ, غُفِرَ لَهُ, لَزِدْتُ عَلَيْهَا» , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ انْصَرَفَ, فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا, حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي, عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ, وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرِّميّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (حُجَين بن المثَنَّى) اليماميّ، أبو عُمير سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠. ٣ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحجة الفقيه [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (عُقيل) بن خالد الأيليّ، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧. ٥ - (ابن شهاب) المذكور قبل باب. ٦ - (عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عُتبة بن مسعود المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٥/ ٥٦. ٧ - (عبد اللَّه بن عباس) البحر الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١. ٨ - (عمر بن الخطّاب) أمير المؤمنين ﵁ ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:

стр. 10783

(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه بغداديّ، وشيخ شيخه يمامي، ثم بغدادي، ثم خراسانيّ، والليث مصريّ، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابي، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عبيد اللَّه. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. (ومنها): أن فيه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵁. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ)، برفع "ابن" لأنه صفة لعبد اللَّه، لا. لأُبَيَّ، فـ"سلولُ" أم عبد اللَّه، ولهذا يجب تنوين "أبَيِّ"، وإثبات همزة الوصل في "ابن سلول"، وقد تقدم بيان هذه القاعدة، فتنبَّه (دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) دعاه ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَثَبْتُ إِلَيْهِ) يقال: وَثَب وَثْبًا، من باب وَعَدَ، ووُثُوبًا، وَوَثِيبًا: قَفَزَ. قاله في "المصباح" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبيِّ، وَقَدْ قَالَ: يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟، أعَدِّدُ عَلَيْهِ) أي أذكر له ما قاله، مثل قوله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ"، فَلَمَّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: "إِنِّي قَدْ خُيِّرْتُ) أي خيّرني اللَّه تعالى، حيث قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، فخيّرني بين الاستغفار وعدمه (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار (فَلَوْ عَلِمْتُ، أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ، غُفِرَ لَهُ، لَزِدْتُ عَلَيْهَا) روى الطبريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من طريق مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قال النبي ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فأنا أستغفر لهم سبعين، وسبعين، وسبعين (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلّم من الصلاة على عبد اللَّه بن أُبيّ (فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا) أي إلا وقتًا قليلًا (حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ) أي هذه، والتي بعدها (مِنْ بَرَاءةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾) ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ [التوبة: ٨٤ - ٨٥] (فعَجِبْتُ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ لقطعه عن الإضافة ونيّة معناها، أي بعد ما تقدّم مما جرى لي مع النبي ﷺ في شأن ابن أبيّ، ومن سؤال لي له أن لا يصلى عليه وإلحاحي في ذلك، وصلاته عليه، ونزول الآيتين (مِنْ جُرْأَتِيِ) بضمّ الجيم، وسكون الراء المهمِلة، وبضم، ففتح، كالجُرْعَة، والثُّبَةِ، والْجَرَاءة، كالكَرَاهَة، والجَرَائيةُ، كالكَرَاهِية، والْجَرَايَةُ بالياء نادرٌ، ومعناها: الشجاعة، وفعله ككَرُم. أفاده في

стр. 10784

"ق" (عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) ظاهره أنه من تمام قول عمر ﵁ ويحتمل أن يكون من كلام ابن عباس ﵄. وقد تقدّم شرح هذا الحديث من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ في ٤٠/ ١٩٠٠ - مُستوفًى، ولذا اختصرت الكلام عليه هنا، فراجعه هناك تجد فوائد جمّة، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٩/ ١٩٦٦ - وفي "الكبرى" ٦٩/ ٢٠٩٣. وأخرجه (خ) ١٢٧٧ و ٤٣٠٣ (ت) ٣٠٢٢ (أحمد) ٩١. وأما المسألة المتعلقة بفوائده، فقد تقدمت في [٤٠/ ١٩٠٠]، فراجعها تستفد، واللَّهسبحانه وتعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٠ - الصَّلّاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من هذه الترجة أن المصنّف ﵀ يرى جواز الصلاة على الميت في المسجد بلا كراهة، وهو مذهب الجمهور؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، وسنذكر خلاف العلماء في ذلك وأدلتهم في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ, إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ". رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهبم) ابن راهويه المروزيّ الإمام الحافظ الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (علي بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.

стр. 10785

٣ - (عبد العزيز بن محمد) الدّراورديّ المدنيّ، صدوق، كان يُحدّث من كتب غيره، فيخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١. ٤ - (عبد الواحد بن حمزة) بن عبد اللَّه بن الزّبير الأسديّ، أبو حمزة المدنيّ، لا بأس به [٦]. روى عن عمّه عباد بن عبد اللَّه بن الزبير. وعنه موسى بن عُقبة، وعبدالواحد بن زياد، والدّراورديّ. قال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فى "الثقات". روى له مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، له عندهم حديث الباب فقط. ٥ - (عباد بن عبد اللَّه بن الزبير) بن العوّام المدنيّ، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وقال الزبير بن بكّار: كان عظيم القدر عند أبيه، وكان على قضائه بمكّة، وكان يستخلفه إذا حجّ، وكان أصدق الناس لهجة. ووصفه مصعب الزبيريّ بالوقار. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنف حديثان فقط: هذا، و ٢٥٥١ حديث: "ارضَخِي ما استطعت، ولا توكي .. ". ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خالة أبيه. وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنه (قَالَتْ) رواية المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيها اختصار، وقد ساق الحديث مسلم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" بتمامه، من طريق موسى بن عقبة، عن عبد الواحد، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، يحدث عن عائشة، أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص، أرسل أزواج النبي ﷺ ، أن يمروا بجنازته في المسجد، فيصلين عليه، ففعلوا، فوُقِف به على حُجَرهن، يصلين عليه، أُخرج به، من باب الجنائز، الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: "ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا، ما لا علم لهم به، عابوا علينا، أن يُمَرّ بجنازة، في المسجد، وما صلى رسول اللَّه ﷺ ، على سهيل ابن بيضاء، إلا في جوف المسجد".
следующие страницы →