للمفعول، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الْحَفّار، وهو من ألحد رباعيًا، أو من لَحَدَ، كنفع، ثلاثيّا، قال في "المصباح": اللَّحْدُ: الشَّقُّ في جانب القبر، ولَحَدت اللحدَ لَحْدًا، من باب نفع، وألحدته، إلحادًا: حَفَرته، ولَحَدت الميتَ، وألحدته: جعلته في اللحد انتهى.
وفي بعض النسخ: "ولَمَّا يُلحَد"، و"لما" بمعنى "لم"، والجملة في محلّ نصب على الحال. وقوله: (فَجَلَسَ) جواب "لَمّا"، من قوله: "فلما انتهينا"، والفاء زائدة (وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ) بالنصب على الظرفيّة، أي في الجهات المحيطة بالنبيّ ﷺ ، ومثلُ حَوْلَه حَوْالَيه، أفاده في "المصباح".
وهذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على أنهم جلسوا قبل أن توضع الجنازة في اللحد، مع أنهم خرجوا متبعين لها، وقد قال النبيّ ﷺ : "ومن تبعها، فلا يقعدنّ حتى توضع"، وفي رواية: "حتى توضع في اللحد"، وفي رواية: "حتى توضع بالأرض"، وكأن المصنّف يرجّح رواية "في اللحد"، وقد تقدّم في [٤٥/ ١٩١٤] أن البخاريّ، وأبا داود رجحا رواية: "بالأرض".
(كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ) قال في "النهاية": معناه وَصْفُهُمْ بالسكون، والوقار، وأنهم لم يكن فيهم طَيش، ولا خِفّة، لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن انتهى (١).
وفيه أدب الصحابة ﵃، وتعظيمهم للنبيّ ﷺ ، وسكونهم عند سماع كلامه.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف ﵀، وهو حديث طويل، وقد ساقه أبو داود -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "كتاب السنّة" من "سننه" بتمامه، فقال:
٤٧٥٣ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدئنا جرير ح وحدثنا هَنّاد بن السَّرِيّ، حدثنا أبو معاوية -وهذا لفظ هناد- عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول ﷺ ، وجلسنا حوله، كأنما على رءوسنا الطير، وفي يده عُود، يَنكُتُ به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: استعيذوا باللَّه، من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثا، زاد في حديث جرير هاهنا: وقال: وإنه ليسمع خفق نعالهم، إذا ولوا مدبرين، حين يقال له: يا هذا، من ربك؟، وما دينك؟، ومن نبيك؟، قال هناد: قال: ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟، فيقول: ربي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ قال:
стр. 10852
فيقول: هو رسول اللَّه ﷺ ، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب اللَّه، فآمنت به، وصدقت، زاد في حديث جرير: فذلك قول اللَّه : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، ثم اتفقا، قال: فينادي مناد من السماء، أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، قال: ويفتح له فيها، مَدّ بصره". قال: "وإن الكافر، فذكر موته، قال: وتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء، أن كذب، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فياتيه من حَرّها، وسمومها، قال: ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، زاد في حديث جرير: قال: ثم يقيض له أعمى، أبكم، معه مِرْزَبة من حديد، لو ضرب بها جبل، لصار ترابا، قال: فيضربه بها ضربة، يسمعها ما بين المشرق والمغرب، إلا الثقلين، فيصير ترابا، قال: ثم تعاد فيه الروح. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث البراء ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨١/ ٢٠٠١ وفي "الكبرى" ٨١/ ٢١٢٨. وأخرجه (د) ٣٢١٢ و ٤٧٥٣ (ق) ١٥٤٨ و ١٥٤٩ (أحمد) ١٨٠٦٣ و ١٨١٤٠ و ١٨١٥١. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان حكم الوقوف للجنازة، وقد سبق وجه دلالته. ومنها: مشروعيّة اتباع الجنازة. ومنها: استحباب اللحد للميت، وسيأتي بعد ثلاثة أبواب بباب مفرد، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: تأدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ، وشدّة تعظيمهم له، وسكونهم عند سماع كلامه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
стр. 10853
٨٢ - مُوَارَاةُ الشهِيدِ فِي دَمِهِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا عدم مشروعيّة غسل الشهيد، بل يُدفن بدون غسل، فـ "الموارة" مصدر وارى، يواري: إذا دفنه، و"في" بمعنى "مع". أي دفنه مع دمه.
وقد اختلف أهل العلم في غسل الشهيد، والأرجح أنه لا يغسل، حتى الجنب، والحائض، وروي عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أن الشهيد يغسل، وقيل: يغسل الجنب، لما روي في قصّة حنظلة بن الراهب أن الملائكة غسلته يوم أحد، لما استشهد، وهو جنب، وقصّته مشهورة، رواها ابن إسحاق وغيره. وروى الطبرانيّ وغيره من حديث ابن عباس ﵄ بإسناد لا بأس به عنه، قال: أصيب حمزة بن عبد المطلب، وحنظلة بن الراهب، وهما جنب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت الملائكة تغسلهما"، قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: غريب في ذكر حمزة.
وأجيب بأنه لو كان واجبًا ما اكتُفي فيه بغسل الملائكة، فدلّ على سقوطه عمن يتولّى أمر الشهيد. قاله في "الفتح".
والحاصل أن المذهب الصحيح أنه لا يشرع غسل الشهيد مطلقا، سواء كان جنبا، أو غير جنب؛ لحديث الباب، وغيره، وقد تقدّم البحث عن هذا مستوفًى في [٦١/ ١٩٥٤] فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٢٠٠٢ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لِقَتْلَى أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ, فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ, يُكْلَمُ فِي اللَّهِ, إِلاَّ يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى, لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ, وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هنّاد) بن السرِيّ الكوفيّ الثقة الزاهد [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (ابن المبارك) عبد اللَّه الإمام المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (معمر) بن راشد الصنعانيّ الثقة الثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهريّ) الإمام المشهور الحجة [٤] ١/ ١.
٥ - (عبد اللَّه بن ثعلبة) بن صُعَير، ويقال: ابن أبي صُعير، مسح رسول اللَّه ﷺ وجهه، ورأسه زمن الفتح، ودعا له. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وعمر، وعليّ، وسعد، وأبي هريرة، وجابر ﵃. وعنه الزهريّ، وسعد بن إبراهيم، وعبد اللَّه بن
стр. 10854
مسلم أخو الزهريّ، وعبد الحميد بن جعفر، ولم يُدركه. قال سعد بن إبراهيم: حدّثنا عبد اللَّه بن صُعير، ابن أخت لنا. وقال ابن سعد: كان أبو ثعلبة بن صُعير شاعرًا، وكان حليفًا لبني زهرة.
وقال ابن السكن: يقال: له صحبة، وحديثه في صدقة الفطر مختلف فيه، وصوابه مرسل، وديس يُذكر في شيء من الروايات الصحيحة سماع عبد اللَّه من النبي ﷺ ، ولا حضوره إياه. وقال أبو حاتم: قد رأى النبي ﷺ ، وهو صغير. وقال البخاريّ في "التاريخ": عبد اللَّه بن ثعلبة عن النبي ﷺ مرسل، إلا أن يكون عن أبيه، وهو أشبه، فأما ثعلبة بن أبي صُعير، فليس من هؤلاء، قال لي سعيد بن تَلِيد، عن ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب: إنه كان يُجالس عبد اللَّه بن ثعلبة بن أبي صُعير ليتعلّم منه الأنساب وغيره، فسأله يومًا عن مسألة من الفقه؟ فقال: إن كنت تريد هذا فعليك بهذا الشيخ، سعيد بن المسيب. وزعم ابن حزم في "المحلّى" أنه مجهول.
وقال الحاكم أبو أحمد: أبو محمد عبد اللَّه بن ثعلبة بن صُعير ابن عمّ خالد بن عُرفطة ابن صُعير.
قيل: إنه ولد قبل الهجرة، وقيل: بعدها، وتوفّي سنة (٨) وقيل: سنة (٨٩) وهو ابن (٨٣) سنة، وقيل: ابن (٩٣) وقيل: غير ذلك في تاريخ وفاته، ومبلغ سنّه.
روى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده في ٣١٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين في الرواية، فله عند البخاريّ حديث، وعند المصنّف حديث، وعند أبي داود حديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِقَتْلَى أُحُدٍ) أي في شأنهم، وحكمهم (زَمِّلُوهُمْ) بتشديد الميم، من التزميل، وهو التلفيف، أي لَفِّفُوهم، يقال: زَمَّلْته بثوبه تَزْمِيلًا، فتزَمَّل، مثلُ لَفَّفْتُهُ به، فتلفّف به. وأما زَمَلْتُ الشيءَ بتخفيف الميم، فإنه بمعنى حملته، وهو لا يناسب هنا، ومن الثاني قيل للبعير زاملةٌ، لأنه يحمل متاع المسافر، والهاء للمبالغة. أفاده في "المصباح" (بدِمَائِهِمْ) أي مع دمائهم بدون غسل، فالباء بمعنى "مع"، أو المراد في ثيابهم المتلطّخة بالدم، من غير غسل (فَإِنَّهُ)
стр. 10855
الفاء للتعليل، فهو تعليل للأمر بتزميلهم بدمائهم، والضمير للشأن، وضمير الشأن هو الضمير الذي يُفسَّر بجملة بعده، أي لأنه (لَيْسَ كَلْمٌ) بفتح الكاف، وسكون الميم، أي جرح، والمراد به العضو الجريح، بدليل قوله: "يكلم"، أو هو بمعناه المصدريّ، ويكون معنى "يُكلم": أي يُعمل، ويُفعل (يُكْلَمُ) بالبناء للمفعول، أي يُجرح (فِي اللَّهِ) أي مخلصًا للَّه، ومريدًا إعلاء كلمة اللَّه، لا يُرائي، ولا يكاثر، ولا يقاتل للعصبيّة (إِلَّا يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى) بفتح الياء، وسكون الدال، وفتح الميم، وزان يَرْضَى، قال الفيّوميّ ﵀: دَمِيَ الْجُرْح، دَمًى، من باب تَعِبَ، ودَمْيًا أيضا، على التصحيح: خرج منه الدم، فهو دَمٍ على النقص، ويتعدّى بالألف، والتشديد، وشَجَّةٌ داميةٌ للتي يخرج دمها، ولا يسيل، فإن سال فهي الدامعة، ويقال: أصل الدم دَمْيٌ، بسكون الميم، لكن حُذفت اللام، وجُعلت الميم حرفَ إعراب. وقيل: الأصل بفتح الميم، ويُثنّى بالياء، فيقال: دَمَيان، وقيل: أصله واو لهذا يقال: دموان، وقد يثنّى على لفظ الواحد، فيقال: دمان انتهى (١) (لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ المِسْكِ") يعني أن لون ذلك الْكَلْم كلون الدم، وريحَهُ كريح المسك. وهذا بيان لسبب دفنهم بدمائهم، وعدم مشروعيّة غسلهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن ثعلبة ﵁ عنه هذا صحيح.
فإن قلت: تقدّم أن عبد اللَّه بن ثعلبة له رؤية، واختلف في روايته، فكيف يصحّ؟.
قلت: قد أثبت صحبته البغويّ، فقال: رأى النبيّ ﷺ ، وحفظ عنه، له صحبه، وذكره ابن حبّان في الصحابة. وقال ابن السكن: يقال: له صحبة (٢). وأيضًا قد ثبت في غير رواية المصنّف أنه رواه عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، فقد أخرجه أحمد في "مسنده"، بسند صحيح عنه، فقال:
٢٣١٤٧ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صُعَير عن جابر ابن عبد اللَّه، قال: لما كان يومُ أحد، أشرف النبي ﷺ ، على الشهداء الذين قتدوا يومئذ، فقال: "زملوهم بدمائهم، فإني قد شهدت عليهم، فكان يُدفن الرجلان، والثلاثة، في القبر الواحد، ويسأل أيهم كان أقرأ للقرآن؟، فيقدمونه، قال جابر: فدفن أبي وعمي يومئذ في قبر واحد انتهى. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10856
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٨٢/ ٢٠٠٢ و ٢٧/ ٣١٤٨ وفي "الكبرى" ٨٢/ ٢١٢٩. وأخرجه (أحمد) ٢٣١٤٤.
وفوائده ستأتي في كتاب الجهاد، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٣ - أَيْنَ يُدْفَنُ الشَّهِيدُ؟
٢٠٠٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ, عَنْ رَجُلٍ, يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَيَّةَ, قَالَ: أُصِيبَ رَجُلَانِ, مِنَ الْمُسْلِمِينَ, يَوْمَ الطَّائِفِ, فَحُمِلَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَمَرَ أَنْ يُدْفَنَا, حَيْثُ أُصِيبَا, وَكَانَ ابْنُ مُعَيَّةَ, وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل باب.
٢ - (وكيع) بن الجَرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سعيد بن السائب) بن يسار الثقفيّ الطائفيّ، وهو ابن أبي حفص، ثقة عابدٌ [٧].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال الدراقطنيّ. وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائيّ: ليس به بأس وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحميديّ، عن سفيان: كان لا تجفّ له دمعة. وقال شعيب بن حرب: كنا نعدّه من الأبدال، وقال: ثقة. وقال الصَّرِيفينيّ: مات سنة (١٧١). روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (عبيد اللَّه بن معيّة) -بالتصغير فيهما- ويقال: عَبدالله بالتكبير، ويقال: عُبيد السُّوائيّ -بضمّ المهملة، وتخفيف الواو- العامريّ، ثقة [٢] حديثه مرسل.
قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: أدرك الجاهليّة. وقال غيره: وُلد على عهد النبيّ ﷺ . روى عن النبيّ ﷺ ، وروى عنه إبراهيم بن ميسرة، وأثنى عليه خيرًا، وسعيد بن السائب.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: عُبيد اللَّه بن مُعيّة ليس بمشهور بالعلم. قال ابن أبي حاتم:
стр. 10857
فذكرته لأبي، فقال: هو كما قال: تفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. قال الحافظ: وقع اسمه في "سنن النسائيّ" عبد اللَّه مكبّرًا، وكذلك ذكره صاحب "تهذيب الكمال"، وأما البخاريّ، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد، ممن بعدهم، فذكروه في عُبيد اللَّه، مصغّرًا انتهى
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال في "تهذيب التهذيب" جـ٢ ص ٤٣٨: وقع اسمه في "سنن النسائي" مكبرًا، لكن الذي وقع في النسخ التي بين يَدَيّ من "المجتبى" و"الكبرى" أنه مصغر، ولعل ذلك لاختلاف النسخ. واللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لكنه مرسل؛ إذلم يذكر فيه الصحابيّ. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن رجل، يقال له: عبد اللَّه بن مُعيّة) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أنه (قَالَ: أُصِيبَ رَجُلَانِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمَ الطَّائِفِ) أي غزوة الطائف (فَحُمِلَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) إلى المكان الذي نزل فيه رسول اللَّه ﷺ (فَأَمَرَ) ﷺ (أَن يُدْفَنَا، حَيْثُ أُصِيبَا) ببناء الفعلين للمفعول، أي أمر أن يُقبَرا في المحلّ الذي أصابهما فيه القتل.
وهذا هو موضع جواب السؤال الذي أورده في الترجمة، فإنه يدلّ على أن الشهيد يُدفن في الموضع الذي قتل فيه، ولا يجوز نقله إلى موضع آخر، لأمره ﷺ بذلك، وأمرُهُ للوجوب، إلا إذا كان هناك ضرورة، فيدفن في أيّ موضع أمكن. واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أنّ المراد منع النقل إلى أرض أخرى، أو الدفن في خصوص البقعة التي أصيبا فيها، واللَّه تعالى أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الظاهر، فحيث أمكن الدفن في البقعة التي أصيب فيها، لا يدفن في غيرها، لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم (وَكَانَ ابْنُ مُعَيَّةَ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) لكن تقدّم أن حديثه مرسل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن معيّة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذا صحيح.
فإن قيل: كيف يصحّ، وقد تقدّم أنه مرسل؟
أجيب: بأنه وإن كان مرسلاً، لكن يشهد له حديث جابر ﵁ الآتي بعده، فيصحّ.
стр. 10858
واللَّه سبجانه وتعالى أعلم.
المسألة الثانبة: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
انفرد به المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وأخرجه هنا -٨٣/ ٢٠٠٣ - وفي "الكبرى" ٨٣/ ٢١٣٠. واللَّه أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في نقل الميت من بلد إلى بلد آخر:
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلفوا في نقل الميت من بلد إلى بلد آخر، فممن كره ذلك عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: لو حضرت أخي ما دُفن إلا حيث مات، وكان قد مات بالْحُبْشيّ (١)، فدفن بأعلى مكّة، وكره ذلك الأوزاعيّ.
وسئل الزهريّ عن هذه المسألة؟ فقال: قد حُمل سعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن المسيب (٢) من العقيق إلى المدينة، فدفنا بها. وقال ابن عُيينة: مات ابن عمر ههنا -يعني بمكة- فأوصى أن لا يُدفن بها، وأن يُدفن بسرف، فغلبهم الحرّ، وكان رجلاً باديًا (٣).
قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يُستحبّ أن يُدفن الميت في البلد الذي توفي فيه، على هذا كان الأمر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وعليه عوامّ أهل العلم، وكذلك تَفعل العامّة في عامة البلدان، ويكره حمل الميت من بلد إلى بلد، يُخاف عليه التغيّر فيما بينهما انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، باختصار (٤).
ونقل الإمام مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عن غير واحد ممن يثق به أن سعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، توفّيا بالعَقيق، وحُملا إلى المدينة، ودُفنا بها انتهى.
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الخبر بذلك عن سعد، وسعيد، كما حكاه مالك صحيح، ولكنها مسألة اختَلَف السلف، ومن بعدهم فيها باختلاف الآثار في ذلك:
فمن كره ذلك احتجّ بحديث جابر بن عبد اللَّه ﵂ أن النبيّ ﷺ أمر بالقتلى أن يردّوا إلى مضاجعهم. وبحديث جابر أيضًا عن النبيّ ﷺ أنه قال: تُدفن الأجساد حيث ما تقبض الأرواح (٥). وبالحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت في أخيها عبد الرحمن: لو
стр. 10859
شهدته ما دُفن إلا حيث مات. وكان دُفن (١) بالحبشيّ، مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلاً أو نحوها.
قال أبو عمر: قد أجمع المسلمون كافّة بعد كافّة على جواز نقل موتاهم من دورهم إلى قبورهم، فمن ذلك البقيع مقبرة المدينة، ولكلّ مدينة جبّانة يتدافن فيها أهلها، فدلّ ما ذكرناه من الإجماع على فساد نقل من نقَلَ: "تدفن الأجساد حيث تُقبض الأرواح"، إلا أن يكون أراد البلد والحضرة، وما لا يكون سفرًا. واللَّه أعلم.
وليس في أمر رسول اللَّه ﷺ بردّ القتلى يوم أحد إلى مضاجعهم ما يُردّ ما وصفنا. والحديث المأثور: "ما دُفن نبيّ إلا حيث قُبض" دليل، ووجهٌ على تخصيص الأنبياء بذلك، واللَّه أعلم.
وأما حديث عائشة في أخيها بذلك -واللَّه أعلم- لأنها أرادت دفنه بمكة؛ لزيارة الناس القبور بالسلام عليهم، والدعاء لهم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر ابن البرّ قصة عائشة، أن موت أخيها كان بمكة، ثم دفن بالحبشيّ، وخالفه غيره، فذكر أنه مات بالْحُبشيّ، ودُفن بمكّة، والظاهر أن الصواب ما قاله غيره، فقد ساق القصّة ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بسند صحيح، فقال: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة، يقول: قالت عائشة: لو حضرت عبد الرحمن -تعنى أخاها- ما دُفن إلا حيث مات، وكان مات بالْحُبشيّ، فدفن بأعلى مكة، والحبشيّ قريب من مكة. انتهى (٢).
قال أبو عمر: وقد نُقِل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد من العقيق، ونحوه إلى المدينة، وذلك بمحضر جماعة من الصحابة، وكبار التابعين، من غير نكير، ولعلّهما قد أوصيا بذلك، وما أظنّ إلا وقد رويت ذلك.
وليس في هذا الباب -أعني نقل الموتى- بدعةٌ، ولا سنّة، فليفعل المؤمن ذلك ما شاء، وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي أن نقل الشهيد ممنوع، لصحّة أحاديث الباب، وأما غيره، فالأولى دفنه في محل موته، لأنه المعهود في زمن النبيّ ﷺ ، كما تقدم في كلام ابن المنذر، وإن نُقِل لغرض من الأغراض، فلا منع، ما لم يُخف تغيّره، لما تقدّم من أنّ سعد ابن أبي وقاص، وسعيد بن زيد ﵄ نقلا من العقيق إلى المدينة بمحضر من
стр. 10860
الصحابة ﵃، ولم ينكر ذلك أحد، ولأنه لم يصحّ عن النبيّ ﷺ المنع عنه، إلا في الشهيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٠٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ, عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ, أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ, وَكَانُوا قَدْ نُقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة المشهور [٨] ١/ ١.
٣ - (الأسود بن قيس) العبديّ النخعيّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقة [٤] ١٥/ ١٤٨٤.
٤ - (نُبيح) -مصغّرًا- ابن عبد اللَّه (العَنَزيّ) -بفتح المهملة، والنون، ثم زاي- أبو عمرو الكوفيّ، ثقة (١) [٣].
روى عن ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر ﵃. وعنه الأسود بن قيس، وأبو خالد الدالانيّ.
قال أبو زرعة: ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن المدينيّ في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيس. وصحح الترمذيّ حديثه (٢)، وكذلك ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم. روى له الأربعة، وله فى هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٥ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير نبيح، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه وسفيان مكيان، والأسود ونبيح كوفيان، وجابر - رضي اللَّه تعالى عنه - مدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفي رواية ابن ماجه: "عن الأسود ابن قيس، سمع نُبيحًا العنزيّ، يقول: سمعت جابر بن عبد اللَّه … "، فصرّح بالسماع
стр. 10861
في موضعين (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ) جمع قتيل، أي الشهداء الذين قتلوا في معركة أحد (أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ) جمع مصرع بفتح الميم، والراء- وهو موضع القتل.
وهذا هو محلّ جواب السؤال الذي أورده في الترجمة، أيضًا، ومرّ تقريره في الحديث الماضي (وَكَانُوا قَدْ نُقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ) وفي رواية الترمذيّ: "لما كان يومُ أحد جاءت عمّتي بأبي؛ لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول ﷺ : "ردّوا القتلى إلى مضاجعهم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٣/ ٢٠٠٤ و ٢٠٠٥ - وفي "الكبرى" ٨٣/ ٢١٣١ و ٢١٣٢ - وزاد فيه: "قال أبو عبد الرحمن: نُبيحٌ العنزيّ لم يرو عنه غير الأسود بن قيس انتهى (١).
وأخرجه (د) ٣١٦٥ (ت) ١٧١٧ (ق) ١٥١٦ (أحمد) ١٣٨٩٣. واختلاف أهل العلم في جواز نقل الميت من موضع إلى موضع آخر قد استوفيته في المسألة الثالثة من الحديث الماضي فارجع إليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٠٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث جابر ﵁، وهو حديث صحيح، وهو أنزل من الذي قبله بدرجة، و"محمد بن عبد اللَّه بن المبارك": هو الْمُخّرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٢٣/ ١٢٣٦. و"وكيع": هو ابن الجرّاح. و"سفيان ": هو ابن سعيد الثوريّ الإمام.، والباقون ذكروا في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، وما يتعلّق به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10862
٨٤ - بَابُ مُوَارَاةِ الْمُشْرِكِ
٢٠٠٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ, عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ, عَنْ عَلِيٍّ, قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ, فَمَنْ يُوَارِيهِ؟ , قَالَ: «اذْهَبْ, فَوَارِ أَبَاكَ, وَلَا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا, حَتَّى تَأْتِيَنِي». فَوَارَيْتُهُ, ثُمَّ جِئْتُ, فَأَمَرَنِي, فَاغْتَسَلْتُ, وَدَعَا لِي, وَذَكَرَ دُعَاءً, لَمْ أَحْفَظْهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) الثوريّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، مختدط [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (ناجية بن كعب) الأسديّ الكوفي، ثقة [٣] ١٢٨/ ١٩٠.
٦ - (علي) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ناجية، فأخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فسرخسي، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ومنها: أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ﵃. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيٍّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ) يريد أبا طالب، والده (فَمَنْ يُوَارِيهِ؟) أي من الذي يَدفِنه، ويستره عن أعين الناس (قَالَ: اذْهَبْ، فَوَارِ أَبَاكَ) أي ادفنه، وغيّبه عن أعين الناس، لئلا يتأذّى أحد بجيفته.
وفيه أنه لم يأمره بغسله، وبتكفينه، وقد اختلف العلماء في ذلك، قال النوويّ في "المجموع": مذهب الشافعيّ أن للمسلم غسله، ودفنه، واتباع جنازته، قال: ونقله ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وأبي ثور، وقال مالك، وأحمد: ليس للمسلم، غسله،
стр. 10863
ولا دفنه، لكن قال مالك: له مواراته انتهى. (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي أنه يواريه، لحديث الباب، ولا يغسله، ولا يتبع جنازته؛ لعدم صحة دليل على ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا تحُدِثَنَّ حَدَثًا) من الإحداث، أي لا تفعلنّ شيئا، وفي رواية لأحمد من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ: "ولا تحدث من أمره شيئا" ("حَتَّى تَأْتِيَنِي"، فَوَارَيْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ) أي النبيّ ﷺ (فَأَمَرَنِي) أي بالاغتسال، وفي الرواية المتقدمة في [١٢٨/ ١٩٠] "فقال لي: اغتسل" (فَاغْتَسَلْتُ) فيه الأمر بالاغتسال لدفن الكافر، وقد ترجم المصنّف ﵀ في -١٢٨/ ١٩٠ - بقوله: "الغسل من مواراة الكافر" (وَدَعَا لِي، وَذَكَرَ دُعَاءً، لَمْ أَحْفَظْهُ) أي ذكر النبيّ ﷺ دعاء دعا به لعليّ ﵁، ولكنه لم يحفظه هو.
وفي رواية أحمد المذكورة: "ثم أتيته، فدعا لي بدعوات، ما يسرني بهن حُمْر النعم، وسُودها".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، ولا يضر فيه الكلام في ناجية؛ لأنه لم ينفرد به، فقد تابعه عليه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ ﵁، أخرجه أحمد في "مسنده" رقم [١٠٧٧] بسنده عنه.
وتمام الكلام عليه، وعلى مسائله تقدم في "أبواب الطهارة" برقم [١٢٨/ ١٩٠]،
فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٥ - اللَّحْدُ وَالشَّقُّ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذه الترجمة تفضيل اللحد على الشّقّ؛ لأن الأحاديث التي أوردها صَريحه في ذلك على ما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى.
و"اللَّحد"-بفتح، فسكون-: الشَّقُّ في جانب القبر، والجمِع لُحُود، مثلُ فَلْس، وفُلُوس، واللُّحْدُ -بالضمّ- لغة، وجمعه ألْحاد، مثلُ قُفْل، وأقفال، ولَحَدتُ اللَّحْدَ لَحْدًا، من باب نَفَعَ، وألحدته إِلْحادًا: حَفَرته، ولَحَدتُ الميتَ، وألحدته: جعلته في اللحد. قاله في "المصباح".
وقال في "المنهل": "واللحد" بفتح اللام، وقد تضمّ: الشَّقُّ الذي يُعمل في جانب
стр. 10864
القبر بقدر ما يسع الميت، فيوضع فيه، ثم يُنصب عليه اللَّبِن، وأصل اللحد الميل، يقال: لَحَدت إلى كذا: إذا ملت إليه، وبابه نفع، وألحد، من باب أكرم: أمال، وسمي الشقّ في جانب القبر لحدًا؛ لأنه أُميل به عن وسط القبر.
و"الشَّقُّ: حُفْرة مستطيلة في وسط القبر، تُبنى جوانبها باللبِنِ، أو غيره، يوضع فيه الميت، ويسقّف عليه باللبن، أو الخشب، أو غيرهما، ويرفع السقف قليلاً، بحيث لا يمسّ الميت انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٠٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ سَعْدٍ, قَالَ: الْحَدُوا لِي لَحْدًا, وَانْصِبُوا عَلَيَّ نَصْبًا, كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (عبد اللَّه بن جعفر) بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة المَخْرَميّ، أبو محمد المدنيّ، ليس به بأس [٨] ٦٨/ ١٣١٦.
٤ - (اسماعيل بن محمد بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة حجّة [٤] ٩٧/ ١٢٥.
٥ - (محمد بن سعد) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان لقصره، ثقة [٣].
قال العجليّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، ليست بالكثيرة، وكان قد خرج مع ابن الأشعث، وشهد دَيْر الْجَمَاجم، فأُتِي به الحجاج، فقتله. روى له أبوداود في "المراسيل"، والباقون، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و ٢١٣٥ حديث: "الشهر هكذا وهكذا .. " الحديث، وأعاده برقم ٢١٣٦، و ٣٦٣٥ حديث: "الثلث، والثلث كثير".
٦ - (سعد) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه ﵁ مات بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور ٩٦/ ١٠٢١. واللَّه تعالى اعلم.
стр. 10865
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وهو آخر من مات منهم، مات ﵁ سنة (٥٥). واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقاص ﵁ (قَالَ) وفي الرواية التالية: أن سعدًا لَمّا حضرته الوفاة قال … (الْحَدُوا لِي لَحْدًا) قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: بوصل الهمزة، وفتح الحاء، ويجوز بقطع الهمزة، وكسر الحاء، يقال: لَحَدَ يلحد، كذَهَب يذهب، وأَلْحَدَ يُلحِد: إذا حفر اللحد، واللحد، بفتح اللام، وضمها معروف، وهو الشقّ تحت الجانب القبليّ من القبر، وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشقّ، إذا أمكن، وأجمعوا على جواز اللحد، والشقّ انتهى (١).
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اللحد: هو أن يُشقّ في الأرض، ثم يُحفر قبر آخر في جانب الشقّ، من جهة القبلة، يُدخل فيه الميت، ويُسدّ عليه باللبن، وهو أفضل عندنا من الشقّ، وكلّ واحد منهما جائز، غير أن الذي اختار اللَّه لنبيّه ﷺ هو اللحد، وذلك أنه لما أراد الصحابة أن يَحفِروا للنبيّ ﷺ ، اشتوروا في ذلك، وكان في المدينة رجلان، أحدهما يَلحَد، والآخر لا يلحد، فقالت الصحابة: اللَّهم اختر لنبيّك ﷺ ، فجاء الذي يلحد أوّلاً، فلحدوا، واشتوارهم في ذلك، واتّفاقهم يدلّ على أنه لم يكن عندهم في أفضليّة أحدهما من النبي ﷺ تعيينٌ، ولذلك رجعوا إلى الدعاء في تعيين الأفضل انتهى (٢).
(وَانْصِبُوا) بوصل الهمزة، لأنه من نَصَب، ثلاثيا، يقال: نَصَبتُ الخشبة، نَصْبًا، من باب ضرب: أقمتها، ونصبت الحجرَ: رفعتُهُ علامة. قاله في "المصباح" (عَلَيَّ نَصْبًا) هكذا في رواية المصنّف بحذف المفعول، وقد ذُكر في رواية مسلم، ولفظه: "وانصبوا عليّ اللبن نصبًا، كما صُنع برسول اللَّه ﷺ " (كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فيه أن النبيَّ ﷺ دُفن في اللحد، ونُصبت عليه اللبنات، وهي تسع لبنات، كما سيأتي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10866
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٨٥/ ٢٠٠٧ و ٢٠٠٨ - وفي "الكبرى" ٨٥/ ٢١٣٤ و ٢١٣٥. وأخرجه (م) ٩٦٦ (ق) ١٥٥٦ (أحمد) ١٤٩٢ و ١٦٠٤. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما أشار إليه في الترجمة، وهو تفضيل اللحد على الشقّ. ومنها: استحباب نصب اللبن في اللحد. ومنها: أن رسول اللَّه ﷺ دُفن في اللحد، ونصبت عليه اللبنات، وذلك باتفاق الصحابة ﵃، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد نقلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع انتهى (١). ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص على اتباع آثار رسول اللَّه ﷺ في حياتهم ومماتهم - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٠٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ, أَنَّ سَعْدًا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ, قَالَ: الْحَدُوا لِي لَحْدًا, وَانْصِبُوا عَلَيَّ نَصْبًا, كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث سعد ﵁، وتقدم تمام الكلام عليه في الذي قبله، وكذا تقدمت تراجم رجاله فيه، وممن لم يتقدم هناك:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو الْعَقَديّ القيسيّ البصريّ، ثقة [٩] ٢/ ٣٢٧.
٣ - (عامر بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٣١/ ١٠٩٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٠٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ, أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَذْرَمِيُّ, عَنْ حَكَّامِ بْنِ سَلْمٍ الرَّازِيِّ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّحْدُ لَنَا, وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد اللَّه بن محمد، أبو عبد الرحمن الأَذْرَميّ (٢)) الْجَزَريّ الْمَوْصِليّ، ثقة [١٠] ٦/ ٥٠٦.
стр. 10867
٢ - (حَكّام بن سَلْم الرازيّ (١)) أبو عبد الرحمن الكنانيّ، ثقة له غرائب [٨].
قال الأثرم، عن أحمد: كان حسن الهيئة، قدم علينا، وكان يحدّث عن عنبسة أحاديث غرائب. وقال ابن معين: ثقة. وكذا قال ابن سعد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والعجليّ، زاد ابن سعد: إن شاء اللَّه. وقال نصر بن عبد الرحمن الْوَشَّاء: كتبنا عنه سنة تسعين ومائة، ومات بمكة قبل أن يحجّ. وذكره ابن حبّان في: "الثقات"، وقال: رَوَى عن الأعمش. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، وقال إسحاق بن راهويه في "تفسيره": حدّثنا حَكَام بن سَلْم، وكان ثقة.
علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (عليّ بن عبد الأعلى) بن عامر الثَّعْلبيّ، أو أبو الحسن الكوفيّ الأحول، صدوق ربّما وَهِمَ [٦].
قال أحمد، والنسائيّ: لا بأس به. وقال البخاريّ فيما نقله عنه الترمذيّ: ثقة، ووثقه الترمذيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وقال الدارقطنيّ في "العلل": ليس بالقويّ. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (أبوه) عبد الأعلى بن عامر الثّعلبيّ الكوفيّ، صدوق يهم (٢) [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ربما رفع الحديث، وربما وقفه. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يقال: إنه وقع إليه صحيفة لرجل يقال له: عامر بن هُنيّ، كان يروي عن ابن الحنفية. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، ويكتب حديثه. وقال ابن عديّ: يحدّث بأشياء لا يُتابع عليها، قد حدث عنه الثقات. وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن لا يحدّث عنه، قال: وكان يحيى يحدثنا عنه. وقال عبيد اللَّه بن أبي الأسود، عن يحيى بن سعيد: سألت الثوريّ، عن أحاديثه، عن ابن الحنفيّة، فضعفها. وقال أحمد، عن ابن مهديّ: كل شيء روى عبد الأعلى عن ابن الحنفية إنما هو كتاب أخذه، ولم يسمعه. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ. وقال الساجيّ: صدوق يهم. وقال يحيى بن سعيد: تَعرِف وتُنكر. وقال أبو علي الكرابيسيّ: كان من أوهى الناس. وقال العقيليّ: تركه ابن مهديّ، والقطان. وقال يعقوب بن سفيان: يُضعّف، يقولون: إن روايته عن
стр. 10868
ابن الحنفيّة إنما هي صحيفة. وقال في موضع آخر: في حديثه لين، وهو ثقة. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. وقال الدارقطنيّ يُعتبر به. وقال في "العلل": ليس بالقويّ عندهم. وصحح الطبريّ حديثه في الكسوف. وحسّن له الترمذيّ، وصحّح له الحاكم، وهو من تساهله. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و ٤٠٠٥ حديث: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، و ٤٧٧٥ حديث: "أيها الناس أي أهل الأرض تعلمون أكرم .. " الحديث (١).
٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى علي بن عبد الأعلى، وأبيه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فموصلي، وحكام، فرازي. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيرِنَا") جملتان اسميتان، بيّن فيهما النبيّ ﷺ أن اللحد لأمواتنا معشر المسلمين، والشقّ لغيرنا من أهل الكتاب، كما صرّح به في رواية أحمد بسند فيه ضعيف. وأخرج أيضًا: "الحدوا، ولا تشقّوا، فإن اللحد لنا، والشقّ لغيرنا"، وسيأتي أنه ضعيف.
قال الإمام ابن تيميّة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه تنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب في كلّ ما هو شعارهم، حتى في وضع الميت في أسفل القبر انتهى.
وقال الدهلويّ ﵀: إن كان المراد بضمير الجمع في "لنا" المسلمين، وبضمير "غيرنا" اليهود والنصارى، فلا شكّ أنه يدلّ على أفضليّة اللحد، بل على كراهية غيره، وإن كان كان المراد بـ"غيرنا" الأمم السابقة، ففيه إشعار بالأفضليّة، وعلى كلّ تقدير ليس اللحد واجبًا، والشقّ منهيا عنه انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ومما يدلّ على تفضيل اللحد على الشقّ، لا على
стр. 10869
تعيينه ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له، من طريق حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لما توفي النبي ﷺ ، كان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يَضرَح (١)، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ . حديث صحيح.
وأخرج أحمد بسنده عن حسين بن عبد اللَّه، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو عبيدة بن الْجَرّاح، يَضرَح، كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة، زيد بن سهل، يحفر لأهل المدينة، فكان يلحد، فدعا العباس رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر اذهب، إلى أبي طلحة، اللَّهم خِرْ لرسولك، قال: فوَجَد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول اللَّه ﷺ . وفيه حسين بن عبد اللَّه قال فيه ابن معين في رواية ابن أبي مريم عنه: ليس به بأس، يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف، وهو أحبّ إلي من حسين بن قيس، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن عديّ: أحاديثه، يشبه بعضها بعضًا، وهو ممن يكتب حديثه، فإني لم أجد حديثا منكرًا قد جاوز المقدار. وضعفه آخرون. لكن يشهد له حديث أنس الذي قبله، فالحديث عندي حسن. واللَّه تعالى أعلم.
فتقريره ﷺ للرجلين حال حياته، هذا يلحد، وهذا يشقّ، دليلٌ على أن كُلًّا من اللحد، والشقّ جائز، بلا كراهة، وإنما فُضّل اللحد، لأن اللَّه اختاره لنبيّه ﷺ ، فدلّ على أفضليته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج الإمام أحمد في "المسند" -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذا الحديث مطوّلاً، وذكر فيه سببًا، فقال:
١٨٦٩٥ - حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير بن عبد اللَّه، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فدما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول اللَّه ﷺ : كأن هذا الراكب إياكم يريد، قال: فانتهى الرجل إلينا، فسلم، فرددنا عليه، فقال له النبي ﷺ : "من أين أقبلت؟ "، قال" من أهلي، وولدي، وعشيرتي، قال: "فأين تريد؟ "، قال: أريد رسول اللَّه ﷺ ، قال: "فقد أصبته"، قال: يا رسول اللَّه، علمني ما الإيمان؟، قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، قال: قد أقررتُ، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره، وهوى الرجل، فوقع على
стр. 10870
هامته، فمات، فقال رسول اللَّه ﷺ : "علي بالرجل"، قال: فوثب إليه عمار بن ياسر، وحذيفة، فأقعداه، فقالا: يا رسول اللَّه، قبض الرجل، قال: فأعرض عنهما رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال لهما رسول اللَّه ﷺ : "أما رأيتما إعراضي عن الرجلين، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه، من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعا"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "هذا واللَّه من الذين قال اللَّه : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قال: ثم قال: "دونكم أخاكم"، قال: فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه، وحنطناه، وكفناه، وحملناه إلى القبر، قال: فجاء رسول اللَّه ﷺ حتى جلس، على شفير القبر، قال: فقال: "ألحدوا، ولا تشقوا، فإن اللحد لنا، والشق لغيرنا".
حدثنا أسود بن عامر، حدثنا عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد اللَّه البجلي، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ من المدينة، فبينا نحن نسير، إذ رُفع لنا شخص، فذكر نحوه، إلا أنه قال، وقعت يد بَكْره في بعض تلك التي تحفر الجرذان، وقال فيه: "هذا ممن عمل قليلا، وأجر كثيرا" انتهى.
وفي السند الأول أبو جناب الكلبيّ ضعفوه لكثرة تدليسه، وفي الثاني عبد الحميد بن أبي جعفر قال البيهقيّ: مجهول، وثابت بن أبي صفيّة، ضعفوه أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسال الأولى: في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
فإن قلت: في سنده عبد الأعلى بن عامر، وقد عرفت كلام النقّاد فيه فيما تقدّم، فكيف يصحّ؟
قلت: الحديث له شواهد، وقد تقدّم بعضها، فيصحّ بمجموعها، واللَّه أعلم.
المسال الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٥/ ٢٠٠٩ - وفي "الكبرى" ٨٥/ ٢١٣٦. وأخرجه (د) ٣٢٠٨ (ت) ١٠٤٥ (ق) ١٥٥٤. واللَّه تعالى أعلم.
المسال الثالثة: في أقوال أهل العلم في حكم اللحد والشّقّ:
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختُلف في اللحد والشقّ -يعني في الأفضليّة- فاستحبّ أكثر أهل العلم اللحد، لأن رسول اللَّه ﷺ لُحد له، ورَوينا عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه أوصاهم" "إذا وضعتموني في لحدي، فأفضوا بخدّي إلى الأرض".
стр. 10871
وممن استحبّ اللحد إبراهيم النخعيّ، وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي، وكان الشافعيّ يقول: إذا كانوا بأرض شديدة لحُدِ لَهم، وإن كانوا ببلاد رقيقة شُقَّ لهم شقٌّ.
قال ابن المنذر: الذي قاله الشافعيّ حسنٌ انتهى (١).
وقال النوويّ في "شرح المهذب": أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد، والشقّ جائزان. لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، لما سبق من الأدلّة، وإن كانت رخوة تنهار، فالشقّ أفضل. قال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الأمّ"، وأصحابنا: فان اختار الشقّ حفَرَ حَفِيرة كالنهر، وبنى جانبيها باللبن، أو غيره، وجعل بينهما شقّ، يوضع فيه الميت، ويسقّف عليه باللبن، أو الخشب، أو غيرهما، ويرفع السقف قليلًا، بحيث لا يمسّ الميت، ويجعل في شقوقه قطع اللبن. قال الشافعيّ في "الأمّ": ورأيتهم عندنا، يعني مكة -شرفها اللَّه- يضعون على السقف الإذخر، ثم يضعون عليه التراب انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبيّن بما ذُكر من الأحاديث، وأقوال أهل العلم أن الأفضل هو اللحدُ، ويجوز الشقّ، ولا سيّما إذا كانت الأرض رخوة، كما بينه الإمام الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٦ - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ إِعْمَاقِ الْقَبْرِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" هذه موصولة، و"يستحب" صلتها، و"من إعماق القبر" بيان لـ"ما".
هكذا صرّح المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باستحباب إعماق القبر، والظاهر أنه واجب، للأمر به، ولا سيّما وأمره ﷺ كان في وقتٍ أصاب الصحابةَ ﵃ وقرحٌ شديدٌ، فلو كان مستحبّا لرخّص لهم في تركه، فإنهم ما سألوه عن ذلك إلا طلبًا
стр. 10872
للترخيص، لِمَا حَلّ بهم من الجهد، والمشقّة، اللَّهم إلا إذا أرد المصنّف ﵀ الإعماق الزائد على قدر إخفاء جثّة الميت، ونتنه، لكن استدلاله على الاستحباب بحديث الباب يردّ ذلك.
وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في حكم الإعماق، ومقداره في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْفِرُوا, وَأَعْمِقُوا, وَأَحْسِنُوا, وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ, فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» , قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ, يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ , قَالَ: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» , قَالَ: فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ, فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشّار) بُندار، أبو بكر البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (إسحاق بن يوسف) بن مِرْداس الأزرق الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٣ - (سفيان) الثوريّ المذكور قريبًا.
٤ - (أيوب) السختياني الفقيه الثبت الحجة البصريُّ [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (حُميد بن هلال) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة عالم [٣] ٤/ ٤.
٦ - (هشام بن عامر) بن أُميّة بن الحَسْحَاس -بمهملات- ابن مالك بن عامر بن غَنْم ابن مالك بن النجّار (١)، الأنصاريّ النّجّاريّ، له، ولأبيه صحبة. يقال: كان اسمه شِهَابًا، فغيّره النبيّ ﷺ ، سكن البصرة، ومات بها، روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه سعد، وحُميد بن هلال، وأبو الدَّهْمَاء، قِرْفَة بن بُهَيس العدويّ، وأبو قتادة العدويّ، ومُعاذة العدويّة، وأبو قلابة الْجَرْميّ،، وقيل: لم يسمع منه. وذكر أبو حاتم أن رواية حميد بن هلال عنه أيضًا مرسلة، وقد عاش هشام إلى زمن زياد. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره ست مرّات. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
стр. 10873
الصحيح، (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير إسحاق، فواسطي، وسفيان، فكوفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديثان، هذا الحديث عند أصحاب "السنن"، وحديث: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمرٌ أكبرُ من الدجال عند مسلم فقط (١). واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) ﵁، أنه (قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ) أي وقت انتهاء غزوته عند إرادة دفن الشهداء (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ) أي إنّ حفر القبر لكلّ إنسان على حِدَة شاقّ علينا، حيث أصابنا الجراح الكثير، والجهد الشديد، ففي الرواية الآتية [٩٠/ ٢٠١٥]: "لما كان يوم أحد أصاب الناس جَهْد شديد .. "، وفي [٩٠/ ٢٠١٦]: "اشتدّ الجراح يوم أحد … "، وفي رواية لأحمد: "قالوا: يا رسول اللَّه، أصابنا قَرْحٌ، وجَهْدٌ، فكيف تأمرنا؟ "، وفي رواية له: "كيف تأمرنا بقتلانا؟ ".
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اخفِرُوا) أي القبور، وهو بهمزة وصل، من حَفَرَ يحفِر، من باب ضرب (وَأَعْمِقُوا) بقطع الهمزة، من الإعماق، وهو إبعاد القعر، يقال: أعمقَ البئرَ: جعلها عَمِيقة، أي بعيدة القعر (وَأَحْسِنُوا) بقطع الهمزة أيضًا، من الإحسان، أي أحسنوا إلى الميت في الدفن. قاله في "الأزهار". وقال زين العرب، تبعًا للمظهر: أي اجعلوا القبر حسنًا بتسوية قعره؛ ارتفاعًا، وانخفاضًا، وتنقيته من التراب، والقذاة، وغيرهما انتهى (٢) (وَادْفِنُوا) بكسر الفاء، أمر من دَفَنَ يَدْفِنُ، كضرب يضرب (الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاَثةَ) بالنصب على المفعولية (فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) فيه جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كما في هذه الواقعة، وإلا كان مكروهًا، كما ذهب إليه أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد (قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي مَنِ الذي نجعله مقدّمًا إلى جدار اللحد؛ ليكون أقرب إلى الكعبة؟ (قَالَ: "قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا") أي دكونه مقدِّمًا رتبة عند اللَّه تعالى حيّا، فإنه أحقّ بالتقديم في الصلاة من غيره، كما صحّ عن النبيّ ﷺ قوله: "يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه … "، فيكون مقدّما بعد مماته كذلك (قَالَ) هشام بن عامر ﵁ (فَكَانَ أَبِي) وهو عامر بن أميّة بن الْحَسْحَاس، تقدّم نسبه في ترجمة ابنه هشام، ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق فيمن شهد بدرًا،
стр. 10874
وفي "صحيح مسلم" عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂، قالت: نعم المرء كان عامر، أصيب يوم أحد (١).
(ثَالِثَ ثَلَاَثة) أي أحد ثلاثة من الشهداء، وهو منصوب على أنه خبر "كان" (فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) يعني أن أباه كان أحد ثلاثة أشخاص، دفنوا في قبر واحد. زاد في الرواية الآتية [٩١/ ٢٠١٨] من طريق ابن عيينة، عن أيوب: "وكان أكثرهم قرآنًا، فقدّم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث هشام بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
فإن قلت: قد اختُلف فيه على حميد بن هلال، راويه عن هشام، فمنهم من قال: عن حميد، عن هشام، كما في رواية الباب، والرواية الآتية في [٩٠/ ٢٠١٥ و ٩١/ ٢٠١٨]، ومنهم من أدخل بينه، وبينه ابنه سعد بن هشام، كما في الرواية الآتية في [٨٧/ ٢٠١١ و ٩٠/ ٢٠١٦]، ومنهم من أدخل بينهما أبا الدَّهْمَاء، كما في الرواية الآتية في [٩٠/ ٢٠١٧]؟. وهذا اضطراب من حميد في الرواية، فكيف يصحّ؟.
قلت: ليس هذا اضطرابا يوجب ضعف الحديث، لإمكان الجمع بين هذه الروايات، فإن حميدًا، روى عن هشام، وعن ابنه سعد، وعن أبي الدَّهْماء، واسمه قِرْفَة بن بُهيس، فيحمل على أنه سمعه من سعد بن هشام، عن أبيه، وسمعه من أبي الدَّهماء، عن هشام، ثم سمعه عن هشام، بدون واسطة، وقد رواه معمر، عن أيوب، وقال: عن حميد بن هلال، قال: أخبرنا هشام بن عامر، فصرّح بسماع حميد إياه من هشام، كما في رواية أحمد في "المسند" (٢).
ثم إن للحديث شاهدًا صحيحًا من حديث رجل من الأنصار، أخرجه أبو داود، في "سننه"، فقال:
٣٣٣٢ - حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا ابن إدريس، أخبرنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، في جنازة، فرأيت رسول اللَّه ﷺ ، وهو على القبر، يوصي الحافر، "أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه"، فلما رجع استقبله، دَاعِي امرأة، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا، فنظر
стр. 10875
آباؤنا رسول اللَّه ﷺ ، يلوك لقمة في فمه، ثم قال: "أجد لحم شاة، أخذت بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة، قالت: يا رسول اللَّه، إني أرسلت إلى البقيع، يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي، قد اشترى شاة، أن أرسل إليّ بها بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إليّ بها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أطعميه الأسارى". وهذا سند صحيح.
والحاصل أن حديث هشام بن عامر هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٦/ ٢٠١٠ و ٨٧/ ٢٠١١ و٩٠/ ٢٠١٥ و ٢٠١٦ و ٢٠١٧ و٩١/ ٢٠١٨ - وفي "الكبرى" ٨٦/ ٢١٣٧ و ٨٧/ ٢١٣٨ و ٩٠/ ٢١٤٢ و ٢١٤٣ و ٢١٤٤ و ٩١/ ٢١٤٥. وأخرجه (د) ٣٢١٥ (ت) ١٧١٣ (ق) ١٥٦٠ (أحمد) ١٥٨١٨ و ١٥٨٢١ و ١٥٨٢٢ و ١٥٨٢٥ و ١٥٨٢٧ و ١٥٨٢٨. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو استحباب إعماق القبر، وقد تقدّم ما فيه. ومنها: وجوب حفر القبر لدفن الموتى. ومنها: التحسين في حفره. ومنها: توسيعه. ومنها: جواز دفن الاثنين، والثلاثة في قبر واحد؛ للضرورة. ومنها: تقديم من كان أكثر قرآنا إلى القبلة، تعظيمًا لشرف القرآن. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من مراجعة رسول اللَّه ﷺ في كلّ أمورهم، فلا يُقْدمُونَ على شيء، إلا بعد توجيهه لهم، ولو كان ذلك الأمر مما يشقّ عليهم، ويضرّ بهم، ثم لا يكون في صدورهم شيء من الاعتراض على ذلك، فكانوا مُلزمين أنفسَهُم العملَ بمقتضى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في بيان أقوال أهل العلم في حفر القبور، وإعماقها:
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يَختلف من أحفظ عنه من أهل العلم أن دفن الموتى واجب، لازم على الناس، لا يسعهم ترك ذلك عند الإمكان، ووجود السبيل إليه، ومن قام به سقط فرض ذلك عن سائر المسلمين.
قال: واختلفوا في مقدار ما يعمق القبر، روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أوصى أن يعمّق قبره قامة، وبسطة. وعن عمر بن عبدالعزيز، والنخعيّ، أنهما قالا: يحفر للميت إلى السرّة، وكان مالك يقول: لم يبلغني في عمق قدر الميت شيء موقوف عليه، وأحبّ إليّ أن لا تكون عمقية جدّا، ولا قريبة من أعلى الأرض جدًّا. وروينا عن أبي موسى الأشعريّ أنه أوصى أن يعمّق قبره. وقال الشافعيّ: أحبّ أن يعمقّ للميت
стр. 10876
قدر بسطة، ولا يقرب على أحد إن أراد أن ينبشه، ولا يظهر له ريح. انتهى كلام ابن المنذر باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أنه لا حدّ لإعماق القبر، كما قال الإمام مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فقد أمر النبي ﷺ به، من غير بيان لمقداره، وأما أثر عمر ﵁ الذي أشار إليه ابن المنذر فيما تقدّم، فضعيف؛ لأنه من رواية الحسن، عن عمر ﵁، ولم يلقه، فما قاله مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هو الأولى.
والحاصل أنه إذا حصل ستر جثة الميت، عن أعين الناس، ودفع رائحته عنهم، وحفظه من السباع، ومن النَّبّاش، فقد حصل المقصود. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
…
٨٧ - بَابُ مَا يُستَحَبُّ مِنْ تَوْسِيعِ الْقَبْرِ
٢٠١١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ هِلَالٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ, أُصِيبَ من أُصِيبَ, مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَأَصَابَ النَّاسَ جِرَاحَاتٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْفِرُوا, وَأَوْسِعُوا, وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ, وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث هشام بن عامر ﵄، أدخل فيه حميد بينه وبين هشام ولده سعدًا، وهو حديث صحيح، قد تقدّم البحث فيه في الباب السابق، وممن لم يتقدّم من رجاله هناك:
١ - (محمد بن مَعْمَر) القيسيّ البصريّ، أحد مشايخ الأئمة الستة بدون واسطة، كما تقدّم غير مرّة، صدوق من كبار [١١] ٢/ ١٣٧٠.
٢ - (وهب بن جرير) بن حازم، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦/ ١١٧٨.
٣ - (جرير بن حازم) بن زيد أبو النضر البصريّ، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] ١٧٢/ ١١٤١.
стр. 10877
٤ - (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧/ ١٣١٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٨ - وَضْعُ الثَّوْبِ فِي اللَّحْدِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أنه يرى جواز وضع الثوب تحت الميت في اللحد، حيث ترجم عليه، ثم أورد حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في وضع قطيفة حمراء تحت النبي ﷺ ، وهذا هو الراجح، كما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠١٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي جَمْرَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: جُعِلَ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , حِينَ دُفِنَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدّموا قريبا، إلا:
١ - (أبا جمرة) -بالجيم، والراء- نصر بن عمران بن عصام، وقيل: ابن عاصم بن واسع، الضُّبعيّ بضم المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها مهملة- البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [٣].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين. وقال الآجريّ، عن أبي داود: روى أبو عوانة، عن أبي حمزة القصّاب ستين حديثا، وروى عن أبي جمرة الضبعي أُراه حديثًا واحدًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلم بن الحجّاج: كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم إلى سرخس، فمات بها. وقال الحاكم: كان ورد خُراسان مع سعيد بن عثمان، ثم وردها مع يزيد بن الْمُهَلّب، وله ذكر في الفتوح، ثم أقام بسرخس، وتوفّي بها. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. وقال عمرو بن عليّ: مات قبل أبي التيّاح بقليل، ومات أبو التيّاح سنة (١٢٨) وفيها أرّخه الترمذيّ، وقال إنهما ماتا في يوم واحد. وقال خليفة ابن خيّاط، والبخاريّ: مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وكان عَزلُ يوسف سنة (١٢٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط.
стр. 10878
[تنبيه]: قال الإمام مسلم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" عقب إخراجه لهذا الحديث: ما نصّه: قال مسلم: أبو جمرة، اسمه نصر بن عمران، وأبو التياح، اسمه يزيد بن حُميد، ماتا بسرخس انتهى.
قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو أبو جمرة بالجيم، و"الضبعيّ" بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحّدة، وأما سَرَخْس، فمدينة معروفة بخُرَاسان، وهي بفتح السين، والراء، وإسكان الخاء المعجمة، ويقال أيضًا: بإسكان الراء، وفتح الخاء، والأول أشهر.
وإنما ذكر مسلم أبا جمرة، وأبا التيّاح جميعا، مع أن أبا جمرة مذكور في الإسناد، ولا ذكر لأبي التياح هنا، لاشتراكهما في أشياء، قلّ أن يشترك فيها اثنان من العلماء، لأنهما جميعا ضُبَعيّان، بصريّان، تابعيّان، ثقتان، ماتا بسرخس في سنة واحدة، سنة (١٢٨). وذكر ابن عبد البرّ، وابن منده، وأبو نُعيم الأصبهانيّ عمران والد أبي جمرة في كتبهم في معرفة الصحابة، قالوا: واختلف العلماء، هل هو صحابيّ، أم تابعيّ؟ وكان قاضيا على البصرة، رَوَى عنه ابنه أبو جمرة وغيره. قال الحاكم أبو أحمد في كتابه في الكنى: ليس في الرواة من يكنى أبا جمرة بالجيم غير أبي جمرة هذا انتهى (١).
[تنبيه آخر]: قال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الكبرى" بعد إخراجه حديث الباب: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وأبو حمزة عمران بن أبي عطاء ليس بالقويّ، وأبو جمرة (٢)، نصر بن عمران، بصريّ، ثقة، وكلاهما يرويان عن ابن عباس انتهى (٣).
ونحو ما قاله المصنّف قول الترمذيّ في "جامعه": وقد روى شعبة عن أبي حمزة القصّاب، واسمه عمران بن أبي عطاء، وروى عن أبي جمرة الضبعي، واسمه نصر بن عمران، وكلاهما من أصحاب ابن عباس انتهى (٤).
وقد ذكر بعضهم أن شعبة يروي عن سبعة، كلهم يكنى أبا حمزة، إلا واحدًا، وهو أبو جمرة، نصر بن عمران هذا، وكلهم يروون عن ابن عباس ﵄، وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بِزَايِ عِدَّةُ
إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا … وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا
стр. 10879
واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جُعِلَ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ دُفِنَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) "القطيفة": كساء له خَمْلٌ، جمعه قَطائف، وقُطُف بضمتين. و"الخَمْل" وزان فَلْس: الْهُدْب.
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه القطيفة ألقاها شُقران، مولى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول اللَّه ﷺ .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي تضعيف هذه القصّة، إن شاء اللَّه تعالى.
وقال السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: زاد ابن سعد في "طبقاته"، قال وكيع: هذا للنبيّ ﷺ خاصّة، وله عن الحسن أن رسول اللَّه ﷺ بُسط تحته شمل قطيفة حمراء، كان يلبسها، قال: وكانت أرض نديّة، وله طريق آخر عن الحسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "افرشوا لي قطيفتي في لحدي، فإن الأرض لم تُسلّط على أجساد الأنبياء انتهى. (١)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: هذان الأثران ضعيفان، لأنهما من مراسيل الحسن البصريّ، وهي ضعاف عند الجمهور. وكذا قول وكيع: إنها خاصة للنبي ﷺ مما لا دليل عليه، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٨/ ٢٠١٢ - وفي " الكبرى" ٨٨/ ٢١٣٩. وأخرجه (م) ٨٦٧ (د) ٣٩٧١
стр. 10880
(ت) ١٠٤٨ و ٣٠٠٩ (أحمد) ٢٠٢٢ و ٣٣٣١ و ١٦٨٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الثوب في اللحد:
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد نصّ الشافعيّ، وجميع أصحابنا، وغيرهم، من العلماء على كراهة وضع قَطِيفة، أو مُضَرَّبَة، أو مِخَدّة، ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذّ عنهم البغويّ من أصحابنا، فقال: في كتابه "التهذيب": لا بأس بذلك؛ لهذا الحديث، والصواب كراهته، كما قال الجمهور.
وأجابوا عن هذا الحديث بأن شُقران انفرد بفعل ذلك، لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ كان يلبسها، ويفترشها، فلم تطب نفس شقران أن يبتذلها أحد بعد النبي لمجر، وخالفه غيره، فروى البيهقيّ عن ابن عباس ﵄ أنه كره أن يُجعل تحت الميت ثوب في قبره. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام النووي هذا فيه نظر من وجوه:
الأول: أن قوله: لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، غير صحيح، فمَن الذي خالفه من الصحابة؟، وهذا ابن عباس ﵄ علم بذلك، وحدّث به، ولم يثبت عنه الإنكار، وأما ما رُوي عنه من الكراهة، فسيأتي الجواب عنه قريبًا.
الثاني: قوله: وإنما فعله شُقران كراهة أن يلبسها أحد بعده ﷺ الخ، غير صحيح أيضًا، فقد أخرجه البيهقي ج ٣ ص ٤٠٨ بسنده عن حسين بن عبد اللَّه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "وقد كان شقران حين وضع رسول اللَّه ﷺ في حفرته، أخذ قطيفة قد كان رسول اللَّه ﷺ يلبسها، ويفرشها، فدفنها معه في القبر، وقال: واللَّه لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول اللَّه ﷺ ".
فهذا سند غير صحيح، لأن حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس بن عبد المطدب الهاشميّ الراوي عن عكرمة اتفقوا على ضعفه. ولذا قال البيهقيّ: ففي هذه الرواية إن كانت ثابتة الخ.
والصحيح عن شقران ما أخرجه الترمذيّ بسند صحيح، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، قال: سمعت شُقران، مولى رسول اللَّه ﷺ يقول: أنا واللَّه طرحت القطيفة تحت رسول اللَّه ﷺ في القبر".
فلم يذكر ما ذكره النوويّ، بل أثبت وضعه لها تحته ﷺ .
стр. 10881
وروى ابن أبي شيبة من طريق حفص، عن جعفر، عن أبيه، قال: "ألحد لرسول اللَّه ﷺ ، وألقى شقران في قبره قطيفة، كان يركب بها في حياته". وهذا مرسل صحيح. وأيضًا لماذا يخصّ شقران القطيفة، ويكره أن يلبسها أحد بعده ﷺ ، ويترك سائر ما كان يستعمله النبي ﷺ ، من قميص، وعمامة، وفراش، فلماذا لم يدفن جميع ذلك معه، هذا شيء عجيب.
ومنها: ما ذكره عن ابن عباس أنه كره ذلك، وهذا غير صحيح أيضًا، لأنه ليس له إسناد، فقد ذكره الترمذيّ -١/ ١٩٥ - تعليقًا بلا إسناد، وكذا البيهقي الذي نقل النووي عنه هذا الكلام ذكره في "سننه" ٣/ ٤٠٨ بلفظ: "وقد روي عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوبا في القبر انتهى.
فهذا غاية ما خالف فيه ابن عباس شُقران على زعم النوويّ، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما صحّ في صحيح مسلم وغيره عنه أنه أثبت ذلك؟.
ومن الغريب جعل قول البغويّ من الشافعية شاذّا مع أن الدليل الصحيح، معه، إن هذا لشيء غريب!.
وبالجملة فدعوى عدم علم الصحابة بذلك عجيب!، فكيف لا يعلمون ذلك، وقد تولى جماعة دفنه ﷺ ، ولم ينفرد شقران بدفنه، حتى يخفى على الآخرين وضع القطيفة تحته ﷺ ؟.
ومن الغريب أيضًا ما رجحه العراقيّ في ألفية السيرة، من أن تلك القطيفة أخرجت بعد ما فُرشت، حيث قال فيها:
وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةُ … وَقِيلَ أُخْرِجَتْ وَهَذَا أَثْبَتُ
وهذا قاله تبعًا لابن عبد البرّ، فإنه رجح ذلك، وهذا لا يثبت، فإنه رواه الواقديّ، عن عليّ بن حسين -كما ذكره الحافظ في "التلخيص الحبير" ج ٢ ص ٢٦٣ - وهذا مرسل، والكلام في الواقديّ شهير، فكيف يُرَجَّح ما هذا حاله على ما ثبت في "صحيح مسلم"، وغيره؟.
والحاصل أن الصواب جواز وضع الثوب تحت الميت، كما هو ظاهر مذهب المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما أشرت إليه في أول الباب. وقد ذهب إلى هذا القول الإمام أبو محمد ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، ودونك عبارته: "مسألة:- ولا بأس بأن يُبسط في القبر تحت الميت ثوب". لما روينا من طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا يحعرو بن سعيد القطان، نا شعبة، نا أبو جمرة، عن ابن عبّاس، قال: "بُسط في قبر رسول اللَّه ﷺ قطيفة حمراء". ورواه أيضًا كذلك وكيع، ومحمد بن جعفر، ويزيد بن
стр. 10882
زُريع، كلهم عن شعبة بإسناده.
وهذا من جملة ما يُكساه الميت في كفنه، وقد ترك اللَّه تعالى هذا العمل في دفن رسوله ﷺ المعصوم من الناس، ولم يمنع منه، وفعله خيرة أهل الأرض في ذلك الوقت، بإجماع منهم، لم يُنكره أحد منهم، ولم يرد ذلك المالكيون، وهم يدّعون في أقلّ من هذا عمل أهل المدينة! وقد تركوا عملهم هنا، وفي الصلاة على الميت في المسجد، وفي حديث صخر أنه عملهم، وحسبنا اللَّه، ونعم الوكيل انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٩ - السَّاعَاتُ الَّتِي نُهِيَ عَنْ إِقْبَارِ الْمَوْتَى فِيهِنَّ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الترجمة، ظاهرة في كون المصنّف يحمل قول عقبة بن عامر ﵁: "أو نقبر فيهنّ موتانا" على الدفن، لا على الصلاة، كما فسر به بعضهم، فَيُمنَع عن دفن الموتى في هذه الأوقات، وهذا الذي ذهب إليه المصنّف، هو الذي ذهب إليه ابن حزم، فقال بعدم جواز الدفن في هذه الأوقات، عملاً بظاهر النهي (٢).
وذهبت الحنابلة إلى الكراهة، وقالت الحنفيّة، والشافعية: لا يكره الدفن في هذه الأوقات إلا أن يتحرّى ذلك، فيكره. ومحلّ الخلاف ما لم يُخشَ تغيّر الميت، وإلا فلا خلاف في الجواز (٣)
قلت: القول الأول هو الراجح عندي؛ لقوة دليله، فيمنع الدفن في الأوقات الثلاثة، إلا عند الضرورة، فأما إذا كان هناك ضرر، بأن خيف تغير الميت، ونحو ذلك، فلا حرج في دفنه في هذه الأوقات، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا
стр. 10883
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقوله ﷺ في الحديث التالي: "إلا أن يُضطَرَّ إلى ذلك".
هذا ما يتعلّق بدفن الميت، وأما ما يتعلّق بالصلاة عليه، فقد تقدّم البحث فيه مُستَوفًى في "كتاب الصلاة" [٣١/ ٥٦٠]، فراجعه تستفد، وباللَّه التوفيق.
٢٠١٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ, بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ, قَالَ: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ, أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا, حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً, حَتَّى تَرْتَفِعَ, وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ, حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ, وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (موسى بن عُليّ بن رَبَاح) اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق ربما أخطأ [٧] ٣١/ ٥٦٠.
٢ - (أبوه) عُلي بن رَبَاح بن قَصير، ضدّ الطويل اللخميّ المصريّ، ثقة، من صغار [٣]. والمشهور فيه "عُليّ" بالتصغير، وكان يغضب منها، وقيل: عَليّ بالفتح، كالجادّة ٤١/ ٥٦٠.
٣ - (عقبة بن عامر الْجُهَنيّ) صحابي فقيه فاضل، كان أمير مصر ﵁ ١٠٨/ ١٤٤. وعمرو بن عليّ الفلاّس، وعبد الرحمن بن مهديّ تقدما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من موسى، وشيخُهُ، وعبدُ الرحمن بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عقبة بن عامر الجهنيّ ﵁ أنه (قال: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ) مبتدأ خبره الجملة بعده، أي ثلاث أوقات (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ) هذا بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة، لأنها صلاة، لكن تقدّم في "كتاب الصلاة" - ٣١/ ٥٦٠ - أن المراد تأخيرها بعد أن حضرت إلى هذه الأوقات، وتحرّي أدائها فيها، لا أن الصلاة عليها إن حضرت في
стр. 10884
تلك الأوقات يُمنع للأدلّة المتقدمة هناك، من أن ذوات الأسباب لا يُنهى عنها في تلك الأوقات، واللَّه تعالى أعلم.
(أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا) أي نجعل له قبرا، يقال: قَبَره، يَقْبُره، ويَقْبِره، من بابي قتل، وضرب، قبرًا، ومَقْبَرًا: دفنه، وأقبره: جعل له قبرًا. أفاده في "ق". والمراد به هنا دفنه.
قال السنديّ ﵀: ما حاصله: حَمَل كثير من العلماء هذا الحديث على صلاة الجنازة، ولعله من باب الكناية، لملازمة بينهما، ولا يخفى أنه بعيد، لا ينساق إليه الذهن من لفظ الحديث، قال بعضهم: يقال: قبره إذا دفنه، ولا يقال: قبره، إذا صلّى عليه، والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد وغيره أن الدفن مكروه فى هذه الأوقات انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الحديث ظاهر في المنع عن الدفن فيها، فلا يجوز إلا للضرورة، كما تقدّم البحث عنه أول الباب، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ) من باب قعد (بَازِغَةً) أي طالعة ظاهرة، لا يخفى طلوعها لمن يراها، وهي حال مؤكدة لعاملها (حَتَّى تَرْتَفِعَ) وفي نسخة: "حتى ترفع". أي إلى أن ترتفع كرمح في رأي العين، كما بُيِّن في حديث عمرو بن عَبَسَة المتقدّم في "كتاب الصلاة"، حيث قال: "فدع الصلاة حتى ترتفع قِيدَ رُمح، ويذهب شُعاعها … "، والقِيد بالكسر: القَدْر (وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) أي يقف، ويستقرّ الظلّ الذي يقف عادة عند الظهيرة، حسبما يبدو، فإن الظلّ عند الظهيرة لا يظهر له سرعة حركة حتى يظهر بمرأى العين أنه واقف، وهو سائر حقيقة، والمراد عند الاستواء. وقد تقدم في الباب المذكور تمام البحث في ذلك (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) أي تميل من وسط السماء إلى جهة الغرب (وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ) بتشديد الياء، بعد الضاد المعجمة المفتوحة، مضارع ضَيّف، فهو بحذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤] وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] وقيل: هو بسكون الياء بعد الضاد، يقال: ضاف: إذا مال، كضيّف، وتضيّف. والمعنى حين تميل الشمس ("لِلْغُرُوب") زاد في الرواية السابقة في "الصلاة": "حتى تغرب"، أي حتى يتكامل غروبها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف في
стр. 10885
[٣١/ ٥٦٠] وتقدم بسط شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠١٤ - أَخْبَرَنِي (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ, الْقَطَّانُ, الرَّقِّيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا, يَقُولُ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ مَاتَ, فَقُبِرَ لَيْلاً, وَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ, فَزَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ يُقْبَرَ إِنْسَانٌ لَيْلاً, إِلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنّف برقم [٣٧/ ١٨٩٥] سندًا ومتنًا، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: ولنذكر هنا ما لم يتقدم بيانه هناك، وهو ما يتعلّق بهذا الماب، من بيان حكم الدفن بالليل:
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلف أهل العلم في الدفن بالليل، فممن دُفِن بالليل أبو بكر، وفاطمة، وعائشة، وروينا أن عثمان دُفن ليلًا، وممن رَخّص في الدفن بالليل عقبة بن عامر، وسعيد بن المسيب، وشُريح، وعطاء بن أبي رباح، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وكان الحسن البصريّ يكره الدفن بالليل.
قال ابن المنذر: الدفن بالليل مباح، لأن مسكينة توفيت على عهد النبيّ ﷺ ، فدفنت بالليل، ولم ينكر ذلك عليهم لما علم به، لأنهم أعلموه بذلك، فأتى قبرها، فصلى عليه، وقد دفن من ذكرنا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ليلًا، ولو كان ذلك مكروهًا ما فعلوه، والذين تولوا (٢) ذلك أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، أو من تولاه منهم انتهى كلامه (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الدفن بالليل ممنوع إلا عند الضرورة؛ لظاهر حديث الباب، والذين دفنوا ليلًا من الصحابة المذكورين ﵃ إنما فُعل بهم ذلك للحاجة، فلا يتعارض مع حديث الباب.
قال أبو محمد ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولا يجوز أن يدفن أحد ليلا إلا عن ضرورة، قال: كل من دفن ليلا منه ﵇، ومن أزواجه، ومن أصحابه ﵃ فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك، من خوف زحام، أو خوف الحرّ على من حضر، وحرّ المدينة شديد، أو خوف تغيّر، أو غير ذلك، مما يبيح الدفن ليلًا، لا يحلّ لأحد أن
стр. 10886
يظنّ بهم ﵃ خلاف ذلك.
قال: روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، أنه كره الدفن ليلاً انتهى كلام ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٠ - دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ
٢٠١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ, أَصَابَ النَّاسَ جَهْدٌ شَدِيدٌ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْفِرُوا, وَأَوْسِعُوا, وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ» , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَنْ نُقَدِّمُ؟ , قَالَ: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث هشام بن عامر ﵁ الذي تقدّم قبل ثلاثة أبواب، استدلّ به المصنّف هناك على استحباب إعماق القبر، وهو حديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه التوفيق.
و"محمد بن عبد اللَّه بن المبارك": هو أبو جعفر البغداديّ الْمُخَرِّمي الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. و"وكيع" هو ابن الجرّاح الإمام الحافظ الثبت [٩] ٢٣/ ٢٥. و"سليمان بن المغيرة": هو القيسيّ مولاهم البصريّ الثقة [٧] ٥٣/ ٦١٦.
وقوله: "جهد شديد": بفتح الجيم، وحكي ضمها، أي مشقّة شديدة.
[تنبيه]: استدل المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بحديث الباب على جواز دفن الجماعة في القبر الواحد، والمسألة فيها خلاف.
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلفوا في دفن الاثنين في قبر، فروينا عن الحسن أنه كره أن يدفن اثنان في قبر، ورخّص في ذلك غير واحد من أهل العلم، روينا
стр. 10887
عن عطاء، ومجاهد في الرجل والمرأة يُدفنان في القبر؟ قالا: يُقدّم الرجل أمام المرأة في القبر، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، غير أن الشافعيّ، وأحمد قالا: يُدفنان في مواضع الضرورات، وكان الأوزاعيّ يُرخّص في دفن الرجل والمرأة في القبر.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول، ويقدّم أفضلهم، وأسنّهم، وأكثرهم قرآنا، كذلك السنة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما قاله الشافعيّ، وأحمد --رحمهما اللَّه تعالى--، وهو أن جواز دفن الجماعة مقيد بحال الضرورة؛ لظاهر أحاديث الباب، فإن النبيّ ﷺ ما أذن لهم في الجمع بين الموتى في قبر واحد إلا عند اشتكائهم بالجهد والمشقّة في حفر القبر لكل واحد من الموتى، وإلا فسنته ﷺ الغالبة دفن كلّ ميت في قبر على حدته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠١٦ - أَخْبَرَنِي (٢) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: اشْتَدَّ الْجِرَاحُ يَوْمَ أُحُدٍ, فَشُكِيَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «احْفِرُوا, وَأَوْسِعُوا, وَأَحْسِنُوا, وَادْفِنُوا فِي الْقَبْرِ الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ, وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع أيضًا لحديث هشام بن عامر ﵁، أدخل فيه حميدٌ بينه وبين هشام ولده سعدًا، وتقدم الكلام عليه في [٨٦/ ٢٠١٠].
و"إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت [١١] ١٢٢/ ١٧٤. و"سليمان بن حرب": هو الأزديّ الواشحيّ البصريّ نزيل مكة، وقاضيها، ثقة حافظ إمام [٩] ١٨١/ ٢٨٨. و"حماد بن زيد": هو الجهضميّ البصريّ الثقة الثبت [٨] ٣/ ٣.
والحديث صحيح وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10888
٩١ - مَنْ يُقَدَّمُ؟
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "من" استفهامية، والفعل مبنيّ للمفعول، ووقع في "الهندية": "من يقدموا"، والظاهر أنه غلط. وغرضه بهذا الباب بيان من يُقدّم إلى جهة القبلة عند الوضع في اللحد فيما إذا جمُع الموتى في قبر واحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: قُتِلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْفِرُوا, وَأَوْسِعُوا, وَأَحْسِنُوا, وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ, فِي الْقَبْرِ, وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» , فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ, وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا فَقُدِّمَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق خامس لحديث هشام بن عامر ﵁، استنبط منه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بيان من يُقدّم في اللحد، وهو من كان أكثر قرآنا. و"محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٢ - إِخْرَاجُ الْمَيتِ مِنَ اللَّحْدِ بَعْدَ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ
٢٠١٩ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا, يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ , عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ, بَعْدَ مَا أُدْخِلَ فِي قَبْرِهِ (١) , فَأَمَرَ بِهِ, فَأُخْرِجَ, فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ, وَنَفَثَ عَلَيْهِ, مِنْ رِيقِهِ, وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في [٤٠/ ١٩٠١] استدلّ به المصنّف هناك على مشروعية القميص في الكفن، ورواه عن عبد الجبار بن
стр. 10889
العلاء، عن سفيان به، وتقدم الكلام عليه هناك مستوفًى، واستدلّ به هنا على جواز إخراج الميت بعد إدخاله القبر للحاجة، واستدلاله به واضح، "وسفيان": هو ابن عيينة.
والسند من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عنه، وهو (١١٨) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٢٠ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا, يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَمَرَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ, فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ, فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ, فَتَفَلَ فِيهِ, مِنْ رِيقِهِ, وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ, قَالَ: جَابِرٌ: وَصَلَّى عَلَيْهِ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث جابر المذكور، وهو متفق عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله.
و"الحسين بن حُريث": هو أبو عمّار المروزيّ ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. و"الفضل بن موسى": هو أبو عبد اللَّه السِّينَانيّ المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. و"الحسين بن واقد": هو أبو عبد اللَّه القاضي المروزيّ، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، واليه أنيب".
…
٩٣ - بَابُ إِخْرَاجُ الْمَيّتِ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الفرق بين هذه الترجمة، والتي قبلها، أن الإخراج في الأولى قبل الدفن، وفي هذه بعده. وأشار بالترجمتين إلى الردّ على من منع إخراج الميت من قبره مطلقًا، أو لسبب دون سبب، كمن خصّ الجواز بما لو دُفن بغير غسل، أو بغير صلاة، ففي حديث جابر الماضي دلالة على الجواز فيما إذا كان في نبشه مصلحة تتعلّق
стр. 10890
بالميت، وفي حديثه هذا دلالة على الجواز فيما إذا تعلّق به مصلحة للحيّ، لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه. أفاده في "الفتح" (١).
٢٠٢١ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ, عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ, فِي الْقَبْرِ, فَلَمْ يَطِبْ قَلْبِي, حَتَّى أَخْرَجْتُهُ, وَدَفَنْتُهُ عَلَى حِدَةٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (العباس بن عبد العظيم) العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩.
٢ - (سعيد بن عامر) الضُّبَعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة صالح، ربما وهم [٩] ١١/ ٥١٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (ابن أبي نجيح) عبد اللَّه، واسم أبيه يسار، الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة رمي بالقدر، وربما دلّس [٦] ١١٢/ ١٥٥.
٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (جابر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده بالمكيين، وجابر ﵁، وإن كان مدنيان إلا أنه سكن مكة. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ) ﵁، أنه (قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي) عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام بن ثعلبة بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ السُّلمي الصحابيّ المشهور، معدود في أهل العقبة، وبدر، وكان من النقباء، واستشهد بأحد ﵁.
وقال البخاريّ في "صحيحه": حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة،