يظنّ بهم ﵃ خلاف ذلك.
قال: روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، أنه كره الدفن ليلاً انتهى كلام ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٠ - دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ
٢٠١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ, أَصَابَ النَّاسَ جَهْدٌ شَدِيدٌ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْفِرُوا, وَأَوْسِعُوا, وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ» , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَنْ نُقَدِّمُ؟ , قَالَ: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث هشام بن عامر ﵁ الذي تقدّم قبل ثلاثة أبواب، استدلّ به المصنّف هناك على استحباب إعماق القبر، وهو حديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه التوفيق.
و"محمد بن عبد اللَّه بن المبارك": هو أبو جعفر البغداديّ الْمُخَرِّمي الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. و"وكيع" هو ابن الجرّاح الإمام الحافظ الثبت [٩] ٢٣/ ٢٥. و"سليمان بن المغيرة": هو القيسيّ مولاهم البصريّ الثقة [٧] ٥٣/ ٦١٦.
وقوله: "جهد شديد": بفتح الجيم، وحكي ضمها، أي مشقّة شديدة.
[تنبيه]: استدل المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بحديث الباب على جواز دفن الجماعة في القبر الواحد، والمسألة فيها خلاف.
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلفوا في دفن الاثنين في قبر، فروينا عن الحسن أنه كره أن يدفن اثنان في قبر، ورخّص في ذلك غير واحد من أهل العلم، روينا
стр. 10887
عن عطاء، ومجاهد في الرجل والمرأة يُدفنان في القبر؟ قالا: يُقدّم الرجل أمام المرأة في القبر، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، غير أن الشافعيّ، وأحمد قالا: يُدفنان في مواضع الضرورات، وكان الأوزاعيّ يُرخّص في دفن الرجل والمرأة في القبر.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول، ويقدّم أفضلهم، وأسنّهم، وأكثرهم قرآنا، كذلك السنة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما قاله الشافعيّ، وأحمد --رحمهما اللَّه تعالى--، وهو أن جواز دفن الجماعة مقيد بحال الضرورة؛ لظاهر أحاديث الباب، فإن النبيّ ﷺ ما أذن لهم في الجمع بين الموتى في قبر واحد إلا عند اشتكائهم بالجهد والمشقّة في حفر القبر لكل واحد من الموتى، وإلا فسنته ﷺ الغالبة دفن كلّ ميت في قبر على حدته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠١٦ - أَخْبَرَنِي (٢) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: اشْتَدَّ الْجِرَاحُ يَوْمَ أُحُدٍ, فَشُكِيَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «احْفِرُوا, وَأَوْسِعُوا, وَأَحْسِنُوا, وَادْفِنُوا فِي الْقَبْرِ الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ, وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع أيضًا لحديث هشام بن عامر ﵁، أدخل فيه حميدٌ بينه وبين هشام ولده سعدًا، وتقدم الكلام عليه في [٨٦/ ٢٠١٠].
و"إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت [١١] ١٢٢/ ١٧٤. و"سليمان بن حرب": هو الأزديّ الواشحيّ البصريّ نزيل مكة، وقاضيها، ثقة حافظ إمام [٩] ١٨١/ ٢٨٨. و"حماد بن زيد": هو الجهضميّ البصريّ الثقة الثبت [٨] ٣/ ٣.
والحديث صحيح وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10888
٩١ - مَنْ يُقَدَّمُ؟
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "من" استفهامية، والفعل مبنيّ للمفعول، ووقع في "الهندية": "من يقدموا"، والظاهر أنه غلط. وغرضه بهذا الباب بيان من يُقدّم إلى جهة القبلة عند الوضع في اللحد فيما إذا جمُع الموتى في قبر واحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: قُتِلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْفِرُوا, وَأَوْسِعُوا, وَأَحْسِنُوا, وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ, وَالثَّلَاثَةَ, فِي الْقَبْرِ, وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» , فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ, وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا فَقُدِّمَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق خامس لحديث هشام بن عامر ﵁، استنبط منه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بيان من يُقدّم في اللحد، وهو من كان أكثر قرآنا. و"محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٢ - إِخْرَاجُ الْمَيتِ مِنَ اللَّحْدِ بَعْدَ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ
٢٠١٩ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا, يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ , عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ, بَعْدَ مَا أُدْخِلَ فِي قَبْرِهِ (١) , فَأَمَرَ بِهِ, فَأُخْرِجَ, فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ, وَنَفَثَ عَلَيْهِ, مِنْ رِيقِهِ, وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في [٤٠/ ١٩٠١] استدلّ به المصنّف هناك على مشروعية القميص في الكفن، ورواه عن عبد الجبار بن
стр. 10889
العلاء، عن سفيان به، وتقدم الكلام عليه هناك مستوفًى، واستدلّ به هنا على جواز إخراج الميت بعد إدخاله القبر للحاجة، واستدلاله به واضح، "وسفيان": هو ابن عيينة.
والسند من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عنه، وهو (١١٨) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٢٠ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا, يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَمَرَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ, فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ, فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ, فَتَفَلَ فِيهِ, مِنْ رِيقِهِ, وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ, قَالَ: جَابِرٌ: وَصَلَّى عَلَيْهِ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث جابر المذكور، وهو متفق عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله.
و"الحسين بن حُريث": هو أبو عمّار المروزيّ ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. و"الفضل بن موسى": هو أبو عبد اللَّه السِّينَانيّ المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. و"الحسين بن واقد": هو أبو عبد اللَّه القاضي المروزيّ، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، واليه أنيب".
…
٩٣ - بَابُ إِخْرَاجُ الْمَيّتِ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الفرق بين هذه الترجمة، والتي قبلها، أن الإخراج في الأولى قبل الدفن، وفي هذه بعده. وأشار بالترجمتين إلى الردّ على من منع إخراج الميت من قبره مطلقًا، أو لسبب دون سبب، كمن خصّ الجواز بما لو دُفن بغير غسل، أو بغير صلاة، ففي حديث جابر الماضي دلالة على الجواز فيما إذا كان في نبشه مصلحة تتعلّق
стр. 10890
بالميت، وفي حديثه هذا دلالة على الجواز فيما إذا تعلّق به مصلحة للحيّ، لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه. أفاده في "الفتح" (١).
٢٠٢١ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ, عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ, فِي الْقَبْرِ, فَلَمْ يَطِبْ قَلْبِي, حَتَّى أَخْرَجْتُهُ, وَدَفَنْتُهُ عَلَى حِدَةٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (العباس بن عبد العظيم) العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩.
٢ - (سعيد بن عامر) الضُّبَعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة صالح، ربما وهم [٩] ١١/ ٥١٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (ابن أبي نجيح) عبد اللَّه، واسم أبيه يسار، الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة رمي بالقدر، وربما دلّس [٦] ١١٢/ ١٥٥.
٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (جابر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده بالمكيين، وجابر ﵁، وإن كان مدنيان إلا أنه سكن مكة. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ) ﵁، أنه (قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي) عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام بن ثعلبة بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ السُّلمي الصحابيّ المشهور، معدود في أهل العقبة، وبدر، وكان من النقباء، واستشهد بأحد ﵁.
وقال البخاريّ في "صحيحه": حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة،
стр. 10891
قال: سمعت محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: لما قتل أبي، جعلت أكشف الثوب عن وجهه، أبكي، وينهوني عنه، والنبي ﷺ ، لا ينهاني، فجعلتْ عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ : "تبكين، أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها، حتى رفعتموه". وتقدم للمصنّف برقم ١٢/ ١٨٤٣ و ١٤/ ١٨٤٥.
وقال الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "جامعه": حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، قال: سمعت طلحة بن خِرَاش، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، يقول: لقيني رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي: "يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟ "، قدت: يا رسول اللَّه، استُشهِد أبي، قتل يوم أحد، وترك عيالا ودينا، قال: أفلا أبشرك، بما لقي اللَّه به أباك، قال: قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: "ما كلم اللَّه أحدا قط، إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك، فكلمه كفاحا (١)، فقال: يا عبدي، تَمَنَّ عليّ، أعطك، قال: يا رب، تحييني، فأقتل فيك ثانية، قال الرب : إنه قد سبق مني، أنهم إليها لا يرجعون، قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿ولَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩].
قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقد روى عبد اللَّه بن محمد ابن عقيل، عن جابر شيئا من هذا، ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، ورواه علي بن عبد اللَّه بن المديني، وغير واحد من كبار أهل الحديث، هكذا عن موسى بن إبراهيم.
(رَجُلٌ) هو عمرو بن الْجَمُوح بن زيد بن حَرَام الأنصاريّ، وكان صديق والد جابر، وزوج أخته هند بنت عمرو، وقال ابن إسحاق في "المغازي": حدثني أبي، عن رجال من بني سَلِمة أن النبي ﷺ قال حين أصيب عبد اللَّه بن عمرو، وعمرو بن الجموح: "اجمعوا بينهما، فإنهما كانا متصادقين في الدنيا".
(فِي الْقَبْرِ) متعلق بـ "دُفن"، أي في القبر الواحد (فَلَم يَطِبْ قَلْبِي) وفي نسخة: "فلم تطب نفسي" (حَتَّى أَخْرَجْتُهُ) وفي رواية للبخاريّ من طريق حسين المعلّم، عن عطاء: "ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هُنّيّة، غير أذنه". وفي رواية أبي السكن، والنسفيّ: "غير هُنيّة في أذنه"، وصوبها القاضي عياض. ومعناه: غير شيء يسير عند أذنه.
قال في "الفتح": قوله: "فاستخرجته بعد ستة أشهر" أي من يوم دفنه، وهذا يخالف
стр. 10892
في الظاهر ما وقع في "الموطإ" عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الْجَمُوح، وعبد اللَّه بن عمرو الأنصاريين كانا قد حَفَر السيلُ قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحُفِر عنهما؛ ليُغَيّرا من مكانهما، فوُجدا لم يتغيّرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد، ويوم حُفر عنهما ست وأربعون سنة، وقد جمع بينهما ابن عبد البرّ بتعدد القصّة، وفيه نظر؛ لأن الذي في حديث جابر أنه دَفَن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر، وفي حديث "الموطإ" أنهما وُجدا في قبر واحد بعد ست وأربعين سنة، فإما أن يكون
المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خَرَق أحد القبرين، فصارا كقبر واحد. وقد ذكر ابن إسحاق القصّة في "المغازي"، فقال: حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار، قالوا: "لما ضرب معاوية عينه التي مرّت على قبور الشهداء، انفجرت العين عليهم، فجئنا، فأخرجناهما -يعني عمرًا وعبد اللَّه- وعليهما بردتان، قد غُطّي بهما وجوههما، وعلى أقدامهم شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يتثنيان تثنّيًا؛ كأنهما ماتا بالأمس"، وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد، من طريق أبي الزبير، عن جابر انتهى (١).
(وَدَفَنْتُهُ عَلَى حِدَةٍ) -بكسر الحاء، وتخفيف الدال المهملتين- أي بانفراده، يقال: وَحَدَ يَحِدُ حِدَةَ، من باب وَعَدَ: انفرد بنفسه، فهم وَحَدٌ -بفتحتين، وكسر الحاء لغةٌ، ووحُدَ بالضمّ وَحَادة، وَوَحْدَةً، فهو وَحِيد، كذلك، وكلّ شيء على حدة: أي متميِّز عن غيره. قاله في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٣/ ٢٠٢١ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٢١٩٣. وأخرجه (خ) ١٣٥١ و ١٣٥٢ و ١٣٤٥ و ١٣٤٦ و ١٣٦٨ و ١٣٤٣ و ١٣٥٣ و٤٠٨٠ (د) ٣١٣٨ (ت) ١٠٣٦ (ق) ١٥١٤ (أحمد) ١٣٧٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو جواز إخراج الميت من قبره بعد دفنه لحاجة. ومنها: جواز دفن الاثنين، فأكثر في قبر واحد للضرورة. ومنها: الارشاد
стр. 10893
إلى برّ الأولاد بالآباء، خصوصًا بعد الوفاة. ومنها: كرامة عبد اللَّه بن عمرو وصاحبه ﵄ حيث لم تأكل الأرض جسدهما مع طول لبثهما فيها، قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكم إخراج الميت من قبره بعد الدفن:
قال أبو محمد ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "المغني": وإن تُيقّن أن الميت قد بَلِي، وصار رميمًا جاز نبش قبره، ودفن غيره فيه. وإن شكّ في ذلك رجع إلى أهل الخبرة، فإن حَفَر، فوجد فيها عظاما دفنها، وحفر في مكان آخر. نصّ عليه أحمد. واستدلّ بأن كسر عظم الميت، ككسر عظم الحيّ. وسئل أحمد عن الميت يُخرَج من قبره إلى غيره؟ فقال: إذا كان شيء يؤذيه، قد حُوّل طلحة، وحُوّلت عائشة. وسئل عن قوم دُفنوا في بساتين، ومواضع رديئة؟ فقال: قد نَبَش معاذ امرأته، وقد كانت كفّنت في خُلقان، فكفّنها. ولم ير أبو عبد اللَّه بأسًا أن يُحوّلوا انتهى (١).
وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "شرح المهذّب": وأما نبش القبر، فلا يجوز لغير سبب شرعيّ، باتفاق الأصحاب، ويجوز بالأسباب الشرعيّة، قال: ومختصره: أنه يجوز نبش القبر إذا بَلي الميت، وصار تُرابًا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض، وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع، والتصرّف فيها باتفاق الأصحاب، وإن كانت عارية رجع فيها المعير.
وهذا كلّه إذا لم يبق للميت أثر، من عظم وغيره، قال أصحابنا -رحمهم اللَّه تعالى-: ويختلف ذلك باختلاف البلاد، والأرض، ويُعتمد فيه قول أهل الخبرة بها.
وبجوز نبش الميت إذا دفن لغير القبلة، أو بلا غسل على الصحيح فيهما، أو بلا كفن، أو في كفن مغصوب، أو حرير، أو أرض مغصوبة، أو ابتلع جوهرة، أو وقع في القبر مال.
قال الماورديّ في "الأحكام السلطانية": إذا لحق القبرَ سيلٌ، أو نداوة، قال أبو عبد اللَّه الزبيريّ: نَقْلُه يجوز، ومنعه غيره.
قال النوويّ: قول الزبيريّ أصح، فقد ثبت في "صحيح البخاري" عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أنه دفن أباه يوم أحد مع رجل آخر في قبر، قال: ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته، هنية غير أذنه (٢) وفي رواية للبخاريّ أيضًا: "أخرجته، فجعلته في قبر على حِدَةٍ".
стр. 10894
وذكر ابن قتيبة في "المعارف" وغيره أن طلحة بن عبيد اللَّه أحد العشرة ﵃ دُفن، فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام، فشكا إليها النَّزّ (١)، فأمرت به، فاستُخرِج طريّا، فَدُفن في داره بالبصرة. قال غيره: قال الراوي: كأني أنظر إلى الكافور في عينيه لم يتغيّر، إلا عقيصته، فمالت عن موضعها، واخضرّ شقه الذي يلي النَّزّ انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن إخراج الميت بعد الدفن للحاجة جائز، كما أشار إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بترجمته؛ لصحة حديث جابر ﵁ المذكور في الباب، وحديثِهِ الماضي في الباب السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٤ - الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ
٢٠٢٢ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, أَبُو قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ, عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ, أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ذَاتَ يَوْمٍ, فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا, فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» , قَالُوا: هَذِهِ فُلَانَةُ, مَوْلَاةُ بَنِي فُلَانٍ -فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاتَتْ ظُهْرًا, وَأَنْتَ صَائِمٌ قَائِلٌ, فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ نُوقِظَكَ بِهَا, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ, وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا, ثُمَّ قَالَ: «لَا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ, مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ, إِلاَّ آذَنْتُمُونِي بِهِ, فَإِنَّ صَلَاتِي لَهُ رَحْمَةٌ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرَخْسِيُّ، ثقة مأمون سنّي [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (عبد اللَّه بن نُمير) الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبت، صاحب حديث [٩] ٢٥/ ١٦٦٤.
стр. 10895
٣ - (عثمان بن حكيم) بن عبّاد بن حُنيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] ٣٨/ ٩٤٤.
٤ - (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاريّ، أبو زيد المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ٤٥/ ١٩٢٠.
٥ - (يزيد بن ثابت) بن الضّحّاك الأنصاريّ، أخو زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وكان أسنّ منه، واختُلف في شهوده بدرًا، وقيل: إنه استُشهد باليمامة ٤٥/ ١٩٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابي، فإنه من رجال المصنف، وابن ماجه، وقد علق عنه البخاريّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عثمان بن حكيم، وشيخه سرخسي، وابن نمير كوفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه خارجة من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب عند المصنف، وابن ماجه، وحديث: "إنما كره ذلك لمن أحدث عليه"، عدقه البخاريّ، وحديث: "أنهم كانوا جلوسا مع رسول اللَّه ﷺ ، فطلعت جنازة .. " الحديث تقدم للمصنف ٤٥/ ١٩٢٠. (١) واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِت) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ذَاتَ يَوْمٍ) منصوب على الظرفية، متعلق بـ "خرجوا" (فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا) وفي رواية ابن ماجه من طريق هُشيم، عن عثمان بن حكيم: "فلما ورد البقيع، فإذا هو بقبر جديد … " (فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ") وفي نسخة: "من هذا؟ " (قَالُوا: "هَذِهِ فُلَانَةُ، مَوْلَاةُ بَنِي فُلَانٍ -فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ولفظ "الكبرى": "يعرفها رسول اللَّه ﷺ (مَاتَتْ ظُهْرًا) أي وقت الظهر (وَأَنْتَ صَائِمٌ) وفي نسخة: "وأنت نائم" بدل "صائم"، والأولى هي التي في "الكبرى"، وهي الموافقة لما في ابن ماجه، وهي الأولى من حيث المعنى، لأن معنى نائم وقائل واحد، فلا يوجد في تكراره كبير فائدة (قَائِلٌ) بدل من "نائم"، اسم فاعل من القيلولة، وهي النوم نصف النهار، يقال: قال، يَقِيل، قَيْلاً، وقَيْلُولةَ: نام نصف النهار، والقائلة وقت القيلولة، وقد تطلق على القيلولة. قاله
стр. 10896
في "المصباح" (فَلَمْ نُحِبَّ أَن نُوقِظَكَ بِهَا) أي: بسبب هذه المرأة، ولفظ "الكبرى" "لها"، أي لأجل الصلاة عليها. وعند ابن ماجه: "فكرهنا أن نؤذيك" (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَّ النَّاسَ) بالنصب على أن "صفّ" متعدّ، ويحتمل أن يكون بالرفع، على أنه لازم، والأول أشهر. قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وصففتُ القومَ، من باب قتل، فاصطفّوا هم، وقد يستعمل لازمًا أيضًا، فيقال: صففتُهُم، فصفّوا هم انتهى (خَلْفَهُ) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ"صفّ" (وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: "لَا يَمُوتُ) وفي "الكبرى" "لا يموتنّ" بنون التوكيد المشدّدة (فِيكُمْ مَيِّتٌ) ولفظ ابن ماجه: "فلا تفعلوا، لا أعرفَنّ ما مات منكم له ميت، ما كنت بين أَظْهُركُمْ، إلا آذنتموني به" (مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) أي بينكم، فـ"أظهر" جمع "ظهر"، وهو مقحم، والمعنى: ما دمت حيّا بينكم (إِلَّا آذَنْتُمُوني بهِ) بمدّ الهمزة، من الإيذان، وهو الإعلام، أي إلا أعلمتموني بموته، حتى أصليَ علَيه (فَإِنَّ صَلَاتِي لَهُ رَحْمَةٌ") الفاء تعليلية، أي لأن صلاتي عليهم سبب رحمة من اللَّه تعالى لهم. واستَدَلّ بهذا من لا يقول بمشروعيّة الصلاة على القبر، ووجه ذلك أن قوله:، "صلاتي له رحمة" يدلّ على الخصوصية، والحقّ أنها مشروعة، وسيأتي الجواب عن هذا القول قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث يزيد بن ثابت ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٩٤/ ٢٠٢٢ - وفي "الكبرى" ٩٤/ ٢١٤٩. وأخرجه (ق) ١٥٢٨. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الصلاة على القبر، وسيأتي البحث عنه مستوفًى في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: ما كان عليه النبيّ ﷺ من كمال الأخلاق، وكمال الرأفة بأمته، حيث كان يعتني بالضعفاء والمساكين أشدَّ عناية، فيسأل عن أحوالهم، ويعود مرضاهم، ويصلي على موتاهم، ويُشَيِّع جنائزهم، فكان ﷺ في الذروة العليا من مكام الأخلاق، كما وصفه اللَّه بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من حسن الأدب ﷺ ، فلا يجترؤون على أن يوقظوه إذا نام، حتى يكون هو المستيقظَ. ومنها: مشروعية الإعلام بموت الإنسان حتى يجتمع المسلمون، فيصلّوا
стр. 10897
عليه، لقوله ﷺ : "إلا آذنتموني"، وفيه ردّ لقول من كره الإذن بالجنازة، فاستحبّ أن لا يُؤذَن به أحد، ولا يُشعَر بجنازته جارٌ، ولا غيره. ومنها: مشروعية تكرار الصلاة على الميت، ولو صُلّيَ عليه، فإن هذه المرأة، كانوا قد صَلَّوا عليها قبل الدفن، ثم صلَّوا عليها مع النبي ﷺ بعد الدفن. ومنها: مشروعية الصف في الصلاة على الجنازة. ومنها: بيان أن صلاته ﷺ على أمته رحمة لهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم الصلاة على القبر:
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلف أهل العلم في الصلاة على القبر، فكان عبد اللَّه ابن عمر، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة أم المؤمنين ﵃ يرون الصلاة على القبر. وروينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه أمر قَرَظَة أن يصلي على جنازة، قد صُلِّي عليها مرّة.
وممن كان يرى الصلاة على القبر محمد بن سيرين، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد ابن حنبل، وقال أحمد: روي عن النبيّ ﷺ من ستة وجوه، وكان النعمان يقول: إن دُفن قبل أن يصلّى عليه، صلي عليه، وهو في القبر، وكذلك قال الحسن.
وقالت طائفة: لا تعاد الصلاة على الميت، هذا قول النخعيّ، ومالك، والنعمان.
قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ثبتت الأخبار عن النبيّ ﷺ أنه صلى على القبر انتهى كلامه بتصرّف (١).
وقال أبو محمد ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والصلاة جائزة على القبر، وإن كان قد صُلي على المدفون فيه. وقال أبو حنيفة: إن دُفن بلا صلاة صلى على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام، ولا يُصلّى عليه بعد ذلك، وإن دُفن بعد أن صلي عليه لم يُصَلّ أحد على قبره. وقال مالك: لا يصلى على قبر. وروي ذلك عن إبراهيم النخعيّ. وقال الشافعيّ، والأوزاعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهري-: يصلى على القبر، وإن كان قد صلي على المدفون فيه، وقد روي هذا عن ابن سيرين. وقال أحمد بن حنبل: يصلى عليه إلى شهر، ولا يُصلَّى عليه بعد ذلك. وقال إسحاق: يصلي الغائب على القبر إلى شهر، ويصلي عليه الحاضر إلى ثلاث.
ثم أخرج بسنده إلى مسلم بن الحجاج، قال: حدثني أبو كامل فضيل بن حسين الْجَحْدَري، قال: حدثنا حماد، وهو ابن زيد، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، كانت تَقُمُّ المسجد، أو شابا، ففقدها رسول اللَّه ﷺ ، فسأل
стр. 10898
عنها؟، أو عنه؟، فقالوا: مات، قال: "أفلا كنتم آذنتموني؟ "، قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره، فقال: "دلوني على قبره"، فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: "إن هذه القبور، مملوءة ظلمة على أهلها، وإن اللَّه ، ينوّرها لهم بصلاتي عليهم" (١). قال: فادعى قوم أن هذا الكلام منه ﵇ دليل على أنه خصوص له. قال: وليس كما قالوا:، وإنما في هذا الكلام بركة صلاته ﷺ ، وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهي غيره عن الصلاة على القبر أصلاً، بل قد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١].
ثم أورد مما يدلّ على بطلان دعوى الخصوص حديث ابن عباس ﵄ الآتي بعد هذا. ثم قال: فهذا أبطل الخصوص؛ لأن أصحابه ﵇، وعليهم رضوان اللَّه صلَّوا معه على القبر، فبطلت دعوى الخصوص. ثم أخرج عن ثابت، عن أنس ﵁: "أن النبيَّ ﷺ صلى على قبر".
قال: فهذه آثار متواترة لا يسع الخروج عنها.
وأورد أيضًا أن عائشة قدمت مكة بعد موت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت: أين قبر أخي؟ فدلت عليه، فوُضِعَت في هودجها عند قبره، فصلت على قبره. وعن نافع عن ابن عمر، أنه قدم، وقد مات أخوه عاصم، فقال: أين قبر أخي؟ فدُلّ عليه، فصلى عليه، ودعا له. وعن عليّ ﵁ أنه أمر قَرَظَة بن كعب الأنصاريّ أن يصلي على قبر سهل بن حنيف بقوم جاؤوا بعد ما دفن، وصلى عليه. وعن علي أيضًا أنه صلى على جنازة بعد ما صلي عليها. وعن أنس أنه صلى على جنازة بعد ما صلي عليها. وعن ابن مسعود نحو ذلك. وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أنه صلى على جنازة بعد ما صلي عليها. وعن قتادة أنه كان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى عليها.
قال: فهذه طوائف من الصحابة لا يُعرف لهم منهم مخالف.
قال: وأما تحديد الصلاة بشهر، أو ثلاثة أيام، فخطأ لا يشكل، لأنه تحديد بلا دليل، ولا فرق بين من حدّ بهذا، أو من حدّ بغير ذلك انتهى كلام ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار، وتصرّف (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر من الأدلة الصحيحة، ومن أقوال أهل العلم أن الصواب جواز الصلاة على القبر، وإن دفن الميت بعد الصلاة عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 10899
٢٠٢٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَلَى قَبْرٍ مُنْتَبِذٍ, فَأَمَّهُمْ, وَصَفَّ خَلْفَهُ, قُلْتُ: مَنْ هُوَ يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج المذكور في الباب الماضي.
٤ - (سليمان الشيباني) ابن أبي سليمان فَيْرُوز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة ثبت [٥] ١٧٢/ ٢٦٧.
٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (ابن عباس) البحر الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الشعبي والشيباني، فكوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) أنه قال (أَخبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى قَبْرٍ مُنْتَبِذٍ) أي منفرد، بعيد عن القبور.
قال في "الفتح": ووقع في "الأوسط" للطبرانيّ من طريق محمد بن الصباح الدُّولابيّ، عن إسماعيل بن زكريا، عن الشيبانيّ، أنه صلى عليه بعد دفنه بليلتين.
وقال: إن إسماعيل تفرّد بذلك. ورواه الدارقطنيّ من طريق هُريم بن سفيان، عن الشيبانيّ، فقال: بعد موته بثلاث. ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوريّ، عن الشيبانيّ، فقال: بعد شهر. وهذه روايات شاذّة، وسياق الطرق الصحيحة يدلّ على أنه صلى عليه في صبيحة دفنه انتهى (١) (فَأَمَّهُمْ، وَصَفَّ خَلْفَهُ) وفي الرواية التالية: "وصفّ أصحابَهُ خلفه".
стр. 10900
قال ابن حبّان -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في ترك إنكاره ﷺ على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه انتهى. وتعقّب بأن الذي يقع بالتبعيّة لا ينهض دليلا للأصالة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت فيما سبق أن هذا التعقّب غير صحيح، بل أنّ الاستدلال به صحيح، إذ لو كان خاصّا به ﷺ ، أو تبعا له لبيّن أن هذه الصلاة لا تجوز إلا تبعًا لي. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس، ﵄، قال: مات إنسان، كان رسول اللَّه ﷺ يعوده، فمات بالليل، فدفنوه ليلا، فلما أصبح أخبروه، فقال: "ما منعكم أن تعلموني؟ "، قالوا: كان الليلُ، فكرهنا -وكانت ظلمة- أن نشق عليك، فأتى قبره، فصلى عليه.
قال في "الفتح": وقع في شرح سراج الدين عمر بن الملقّن، أنه الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقمّ المسجد، وهو وَهَمٌ منه، لتغاير القصّتين، فقد تقدّم أن الصحيح في الأول أنها امرأة، وأنها أم مِحْجَن، وأما هذا فهو رجل، واسمه طلحة بن البراء بن عُمير، الْبَلَويّ، حليف الأنصار، روى حديثه أبو داود مختصرًا، والطبرانيّ من طريق عروة بن سعيد الأنصاريّ، عن أبيه، عن حسين بن وَحْوَح الأنصاريّ، وهو بمهملتين بوزن جعفر: أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبيّ ﷺ يعوده، فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، وعجّلوا"، فلم يبلغ النبي ﷺ بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان قال لأهله، لما دخل الليل: إذا متّ، فادفنوني، ولا تدعو رسول اللَّه ﷺ ، فإني أخاف عليه يهودا أن يصاب بسببي، فأخبر النبي ﷺ حين
أصبح، فجاء، حتى وقف على قبره، فصفّ الناس معه، ثم رفع يديه، فقال: "اللَّهم القَ طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه". انتهى (١).
(قُلْتُ) القائل هو سليمان الشيبانيّ (مَنْ هُوَ يَا أَبَا عَمْرٍو؟) كنية الشعبيّ، أي مَن هو الشخص الذي حدثك بهذا الحديث؟ (قَالَ) أي الشعبيّ (ابْنُ عَبَّاسٍ) أي هو ابن عباس، يعني أن الذي حدثه بهذه القصّة هو عبد اللَّه بن عباس ﵄، حيث إنه ممن صلى مع النبي ﷺ على ذلك القبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10901
مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانبة: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٩٤/ ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ - وفي "الكبرى" ٩٤/ ٢١٥٠ و ٢١٥١. وأخرجه (خ) ٨٥٧ و ١٢٤٧ و ١٣١٩ و ١٣٢١ و ١٣٢٦ و ١٣٣٦ و ١٣٤٠ (م) ٢٢٠٨ و ٢٢٠٩ و ٢٢١٠ (د) ٣١٩٦ و ١٠٣٧ (ق) ١٥٣٠ (أحمد) ٣١٢٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٢٤ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: الشَّيْبَانِيُّ, أَنْبَأَنَا, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ , مَرَّ بِقَبْرٍ مُنْتَبِذٍ, فَصَلَّى عَلَيْهِ, وَصَفَّ أَصْحَابَهُ خَلْفَهُ, قِيلَ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عئه: هذا طريق ثان لحديث ابن عباس ﵄ المذكور قبله، والكلام عليه تقدّم هناك. وباللَّه تعالى التوفيق.
و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّورقيّ البغداديّ الحافظ. و"هشيم": هو ابن بشير الواسطيّ.
وقوله: " قال: الشيبانيّ أنبأنا". فاعل "قال" ضمير هشيم، و"الشيبانيّ" مبتدأ، وجملة "أنبانا" خبره، وفيه تقديم الاسم على صيغة الأداء، وهو جائز، وإن كان غالب استعمال المحدثين بالعكس. وقوله: "قال: ابن عباس" فاعل "قال" ضمير الشعبيّ، و"ابن عباس " فاعل لفعل محذوف، يدلّ عليه السؤال، أي حدثني ابن عباس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٢٥ - أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ, وَهُوَ أَبُو أُسَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي مَرْزُوقٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ, بَعْدَ مَا دُفِنَتْ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (المغيرة بن عبد الرحمن) بن عون بن حبيب الأسديّ، أسد خزيمة، الحرّانيّ، أبو أحمد، ثقة، من صغار [١٠].
قال النسائيّ: ثقة. وقال مسلمة: رَقّيّ نزل قُرَى حَرّان، وهو ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال هو، وأبو عروبة: مات ليلة الجمعة لأربع بقين من جمُادى الآخرة، سنة (٢٤٣). انفرد به المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب أربعة أحاديث، هذا، و ٢٤٩٩ حديث: "جاء هلال إلى رسول اللَّه ﷺ … " الحديث، و ٣٨٩٩ حديث:
стр. 10902
"إنما كان الناس على عهد رسول اللَّه ﷺ … " الحديث، و ٥٤٠٤ حديث: "خرجت امرأتان معهما ولداهما … " الحديث.
٢ - (زيد بن عليّ) بن دينار النخعيّ، أبو أسامة الرَّقِّيّ، صدوق [٨].
روى عن جعفر بن بُرقان. وعنه ابنه محمد، والمغيرة بن عبد الرحمن الحرّانيّ، وأبو يوسف الصيدلانيّ. وثّقه الدارقطنيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات ". انفرد به المصنّف، أخرج له في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (جعفر بن بُرقان) -بضم الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف- الكلابيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الرّقّيّ، قدم الكوفة، صدوق يهم في حديث الزهريّ [٧].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: إذا حدّث عن غير الزهريّ، فلا بأس، وفي حديث الزهريّ يخطىء. وقال الميموني، عن أحمد: أبو المليح أضبط من جعفر بن بُرقان، وجعفر ثقة، ضابط لحديث ميمون، وحديثِ يزيد بن الأصمّ، وهو في حديث الزهريّ يضطرب، ويختلف فيه. وقال المفضّل الغلابيّ، عن ابن معين: كان أميّا، وهو ثقة.
وقال في موضع آخر: ثقة، يضعّف في روايته عن الزهريّ. وقال في موضع آخر: ليس بذاك في الزهريّ. وقال يعقوب بن شيبة، عن ابن معين: كان أميّا، وكان ثقة صدوقًا، وما أصحّ روايته عن ميمون بن مهران وأصحابه. وقال ابن الجنيد، والدُّوريّ عنه: نحو ذلك. وقيل: إنه كان مجاب الدعوة. وقال عثمان الدارميّ وغيره، عن ابن معين: ثقة.
وقال ابن نمير: ثقة، أحاديثه عن الزهريّ مضطربة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم، حدثنا جعفر بن بُرقان، وهو جَزَريّ ثقة، وبلغني أنه كان أميّا، لا يقرأ، ولا يكتب، وكان من الخيار. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، له رواية وفقه، وفتوى في دهره. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ في الزهريّ، وفي غيره لا بأس به. وقال ابن خزيمة لَمّا سُئل عنه، وعن أبي بكر الْهُذَليّ: لا يُحتجّ بواحد منهما، إذا انفردا، حكاه الحاكم.
وقال حامد بن يحيى البلخيّ، عن ابن عيينة: حدثنا جعفر بن برقان، وكان ثقة من ثقات المسلمين. وكان مروان بن محمد يقول: جعفر بن برقان الثقة العدل. وقال أبو بكر بن صدقة، عن الثوريّ: ما رأيت أفضل من جعفر بن برقان. وقال ابن عديّ: وجعفر بن برقان مشهور معروف في الثقات، قد روى عنه الناس، ضعيف في الزهريّ خاصّة. وقال الْبَرْقَانيّ، عن الدارقطنيّ: ربما حدّث الثقة، عن ابن برقان، عن الزهريّ، ويحدث الآخر بذلك الحديث، عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهريّ، أو يقول: بلغني عن الزهريّ، فأما حديثه عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصمّ، فثابت صحيح. وقال الساجيّ: عنده مناكير. وذكره ابن المدينيّ في الطبقة الثامنة من أصحاب نافع. ومما أنكره
стр. 10903
العُقيليّ من حديث الزهريّ حديث: "نهى عن مَطْعَمين … " الحديث.
قال هلال بن العلاء: مات سنة (١٥٠) أو (١٥١) وقال خليفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما: سنة (١٥٤) وقال أبو عروبة: حدثنا أبو موسى، قال: سألت كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرقان ممن؟ قال: الكلابيّ، من مواليهم، وهلك جعفر لما قدم أبو جعفر -يعني المنصور- الرّقّة، وهو ذاهب إلى بيت المقدس، وهذا نحو (٤٤) سنة. قال أبو موسى: سنة (١٥٤) وقال ابن منجويه: مات وهو ابن (٤٤) سنة، وهو وَهَمٌ، وتصحيف من قول كثير بن هشام الذي سبق. وقد سبقه لهذا الوَهَم بعينه ابن حبّان في "الثقات"، وإياه تبع ابن منجويه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا و ٤٥١٦ حديث: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن لبستين .. " الحديث.
٤ - (حبيب بن أبي مرزوق) الرّقّيّ، ثقة فاضل [٧].
قال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال ابن معين: مشهور. وقال هلال بن العلاء: شيخ صالح، بدغني أنه اشترى نفسه من اللَّه ثلاث مرّات. وقال الدارقطنيّ: ثقة يُحتجّ به.
وقال الآجريّ، عن أبي داود: جزريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: إنه مولى بني أسد، مات سنة (١٣٨). تفرد به المصنف، والترمذي، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقيان تقدما في الباب الماضي.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح بشواهده، كحديث يزيد بن ثابت المتقدّم، وحديث أبي هريرة في "الصحيحين"، وقد تقدّم قريبًا، وغير ذلك، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا ٩٤/ ٢٠٢٥ وفي "الكبرى" ٩٤/ ٢١٥٢. وشرحه واضح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء التاسع عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا
стр. 10904
وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه - إن شاء اللَّه تعالى- الجزء العشرون عشر مفتتحًا بالباب ٩٥ "الركوبُ بعد الفراغ من الجنازة" الحديث رقم ٢٠٢٦.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 10905
شرح سُنن النّسَائي
المُسَمَّى
ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى
لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر
محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي
المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة
عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ
الجزْء التّاسع عَشر
стр. 10906
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع
المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 10907
شرح سُنن النّسائي
стр. 10908
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 10909
٩٥ - الرُّكُوبُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْجَنَازَةِ
٢٠٢٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ, عَنْ سِمَاكٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى جَنَازَةِ أَبِي الدَّحْدَاحِ, فَلَمَّا رَجَعَ أُتِيَ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى, فَرَكِبَ, وَمَشَيْنَا مَعَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الأحول الْمُلَائيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (يحيى بن آدم) بن سليمان، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩]
١/ ٤٥١.
٤ - (مالك بن مغول) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٩٨/ ١٢٧.
٥ - (سماك) بن حرب الذهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.
٦ - (جابر بن سمرة) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٢٨/ ٨١٦.
واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فرُهَاوِيٌّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى جَنَازَةِ أَبِي الدَّحْدَاح) أي لأجلها، فـ"على" بمعنى اللام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ الآية. أي لهدايته إياكم، وقول الشاعر [من الطويل]:
عَلَامَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثقِلُ عَاتِقِي … إِذَ أَنَا لَمْ أَطْعَنْ إِذَا الْخَيْلُ كَرَّتِ
و"أبو الدحداح" -بدالين، وحاءين مهملات- ويقال: "ابن الدحداح". قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا يُعرف اسمه. لكن قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في
стр. 10910
"الإصابة": إنه ثابت بن الدحداح، وأفاد أن الذي لا يعرف اسمه هو أبو الدحداح الأنصاريّ، حليف لهِم، وأنه عاش إلى زمن معاوية. وقال في حرف الثاء: ثابت بن الدحداح بن نعيم بن غَنْم بن إياس، حليف الأنصار، وكان بَلَويّا، حالف بني عمرو بن عوف، ويقال: ثابت بن الدحداحة، ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. وروى الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق: حدثني ابن يسار، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ في جنازة ثابت بن الدحداح … " الحديث. وهو في "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة، لكنه لم يسمه، قال: "صلينا على ابن الدحداح … "، وفي رواية: "على أبي الدحداح … ". وروى الباورديّ من طريق ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي عدي، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: أن ثابت بن الدحداحة، سأل النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]. وقال الواقديّ في "غزوة أحد": حدثني عبد اللَّه بن عمارة الخطميّ، قال: أقبل ثابت بن الدحداحة يوم أحد، فقال: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قُتل، فإن اللَّه حيّ لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فحمل بمن معه من المسلمين، فطعنه خالد، فأنفذه، فوقع ميتًا. قال الواقديّ: وبعض أصحابنا يقول: إنه جُرح، ثم برأ من جراحته، ومات بعد ذلك على فراشه، مرجع النبي ﷺ من الحديبية، فاللَّه أعلم انتهى.
(فَلَمَّا رَجَعَ أُتِيَ بِفَرَسِ) بالبناء للمفعول (مُغرَوْرًى) -بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء- أي بفرس عُرْيٍ، قال أهل اللغة: اعرَوْرَيتُ الفرسَ: إذا ركبته عُرْيًا، فهو مُعْرَوْرًى، قالوا: ولم يأتَ افعَوْلَى مُعَدًّى, إلا قولهم: اعرَوريت الفرسَ، واحْلَوْلَيتُ الشرابَ. قاله النوويّ.
وفي نسخة: "مُعْرَوْرِ" بصيغة اسم الفاعل، والظاهر أنه غلط، لأن "اعرورى" متعدّ، كما مرّ آنفًا، فلا يصحّ أن يوصف الفرسُ باسم فاعله، وإنما يوصف باسم مفعوله. واللَّه تعالى أعلم.
(فَرَكِبَ) ﷺ (وَمَشَيْنَا مَعَهُ) وفي نسخة: "خلفه". وفي رواية لمسلم: "ونحن نمشي حوله". وفي رواية له، من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: "صلى رسول اللَّه ﷺ على ابن الدحداح، ثم أُتي بفرس عُرْيٍ، فعقله له رجل، فركبه، فجعل يتوقّص به، ونحن نتبعه، نسعى خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن النبيّ ﷺ قال: "كم من عِذْق معلّق -أو- مُدَلًّى في الجنّة لابن الدحداح". أو قال شعبة: "لأبي الدحداح".
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قالوا: سببه أن يتيمًا خاصم أبا لبابة نخلة، فبكى الغلام، فقال النبيّ ﷺ له: "أعطه إياها، ولك بها عَذْقٌ في الجنّة"، فقال" لا، فسمع بذلك أبو الدحداح، فاشتراها من أبي لبابة بحديقة له، ثم قال للنبيّ ﷺ : ألي بها عذق،
стр. 10911
إن أعطيتها اليتيم؟ قال: "نعم"، فقال النبي ﷺ : "كم من عذق معلّق في الجنة لأبي الدحداح". قال: والعذق بكسر العين المهملة: هو الغصن من النخلة، وأما العَذْق بفتحها، فهو النخلة بكمالها، وليس مرادا هنا انتهى (١).
وقد ذكر الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قصة أبي الدحداح في "مسنده" على غير هذا الوجه، فقال:
١٢٠٧٣ - حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأْمُره أن يعطيني، حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي ﷺ : "أعطها إياه بنخلة في الجنة"، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كم من عذق راح (٢)، لأبي الدحداح، في الجنة"، قالها مرارا، قال: فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته، بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن سمرة - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٥/ ٢٠٢٦ - وفي "الكبرى" ٩٥/ ٢١٥٤ - وأخرجه (م) ٢٢٣٥ و ٢٢٣٦ (ت) ١٠١٣ و ١٠١٤ (أحمد) ٢٠٣٢٣. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى-، وهو جواز الركوب عند الانصراف من صلاة الجنازة. قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة، وإنما يكره الركوب في الذهاب معها انتهى (٣).
وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في حكم الركوب مع الجنازة في -٥٥/ ١٩٤٢ - باب "مكان الراكب من الجنازة"، وأن الراجح أنه لا يكره الركوب، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
стр. 10912
ومنها: جواز ركوب الفرس العُرْي. ومنها: جواز مشي الجماعة مع كبيرهم، وهو راكب، وأنه لا كراهة فيه في حقّه، وَلا في حقهم، إذا لم يكن فيه مفسدة، وإنما يكره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للتابعين، أو خيف إعجاب ونحوه في حقّ المتبوع، أو نحو ذلك من المفاسد (ومنها): أن في قوله في رواية مسلم: "فعقله له رجل، فركبه" -أي أمسكه له، وحبسه- إباحةَ ذلك، وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٦ - الزِّيَادَةُ عَلَى الْقَبْرِ
٢٠٢٧ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى, وَأَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ, أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ, أَوْ يُجَصَّصَ, زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: "أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن إسحاق) بن محمد بن مالك الهَمْدانيّ، أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار [١٠] ١٣/ ٣٤٦.
٢ - (حفص) بن غياث بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير قليلا في الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكيّ الفقيه الثقة الفاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (سليمان بن موسى) الأمويّ مولاهم الدمشقيّ الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخُولط قبل موته بقليل [٥] ٧/ ٥٠٤.
[تنبيه]: سيأتي قريبًا أن رواية سليمان بن موسى عن جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - منقطعة؛ لأنه لم يسمع منه، لكن الحديث صحيح متصل من رواية أبي الزبير، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم. والباقيان تقدما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه وحفصًا
стр. 10913
كوفيان، وسليمان دمشقي، والباقون مكيون. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى - عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁، وفي رواية لمسلم: "عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ .... "، فصرّح كلٌّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالسماع، فزال عنهما تهمة التدليس (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ) قيل: يحتمل أن المراد البناء على نفس القبر؛ ليُرفَع عن أن يُنال بالوطىء، كما يفعله كثير من الناس، أو البناء حوله. نقله السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في شرحه (١).
وقال التوربشتيّ: البناء يحتمل وجهين: البناء على القبر بالحجارة، أو ما يجري مجراها. والآخر أن يُضرب عليها خباء، ونحوه، وكلاهما منهيّ عنه انتهى.
وقال الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي، وأصحابه، فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني، فمكروه، وإن كان في مَقْبَرَة مُسَبَّلَة فحرام، قال الشوكاني: ولا دليل على هذا التفصيل انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعتراض الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- المذكور في محلّه، فليس لنا دليل يخصص جواز بعض أنواع البناء، دون بعض، فالأرجح عدم جواز البناء مطلقًا، لإطلاق النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ) بأن يزاد على التراب الذي خرج منه، أو يزاد طولَا، وعرضًا عن قدر جسد الميت. وقيل: المراد بالزيادة عليه أن يقبر ميت على ميت آخر (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأخير بعيد عن سياق الحديث، واللَّه تعالى أعلم.
(أوْ يُجَصَّصَ) قال في "المصباح": الْجِصّ بكسر الجيم معروف، وهو معرّب؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربيّة، ولهذا قيل: الإجّاص معرّب، وجَصّصت الدار عملتها بالجصّ، قال في "البارع": قال أبو حاتم: والعامّة تقول: الجَصّ بالفتح،
стр. 10914
والصواب الكسر، وهو كلام العرب، وقال ابن السّكّيت نحوه. وقال في مادّة "قصّ": والقَصّة بالفتح الجِصّ بلغة الحجاز، قاله في "البارع"، والفارابيّ انتهى ما في "المصباح".
لكن الذي في "الصحاح"، و"القاموس" أن الجصّ بفتح الجيم، وتكسر انتهى.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: التجصيص، والتقصيص: هو البناء بالجصّ، وهو القصّ، والقصّة، والْجَصّاص، والْقَصّاص واحد، فإذا خُلِط الجصّ بالرماد، فهو الْجَيّار. وذكر معنى ذلك أبو عبيد، وابن الأعرابيّ. وبظاهر هذا الحديث قال مالك، فكره البناء، والجصّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه. ووجه النهي عن البناء، والتجصيص في القبور أن ذلك مُباهاةٌ، واستعمالُ زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبّه بمن كان يُعظِّم القبور، ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يُقال: هو حرام، كما قال به بعض أهل العلم انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ جدًّا، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى.
وقال الحافظ العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجصّ أُحرق بالنار، وحينئذ، فلا بأس بالتطيين، كما نصّ عليه الشافعيّ.
قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: التطيين لا يناسب ما ورد من تسوية القبور المرتفعة، كما سبق، وكذا لا يناسب قوله: "أن يُبنَى عليه"، والظاهر أن المراد النهي عن الارتفاع، والبناء مطلقا، وإفراد التجصيص لأنه أتمّ في إحكام البناء، فخُصّ بالنهي مبالغة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدّا. واللَّه تعالى أعلم.
(زَادَ سُلَيمَانُ بْنُ مُوسَى: "أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ") أراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا أن سليمان بن موسى الأشدق الراوي الثاني عن جابر ﵁ زاد في روايته على رواية أبي الزبير قوله: "أو يُكتب عليه"، وكلام المصنف هذا فيه نظر، سيأتي في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 10915
قال الحافظ العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن المراد مطلق الكتابة، ككتابة اسم صاحب القبر عليه، أو تاريخ وفاته، أو المراد كتابة شيء من القرآن، وأسماء اللَّه تعالى للتبرّك؛ لاحتمال أن يوطأ، أو يسقط على الأرض، فيصير تحت الأرجل انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن النهي عامّ لجميع أنواع الكتابة، فلا تجوز الكتابة عليه مطلقًا، فإن النصّ لم يقيده بنوع دون نوع، فلا يخصّص شيء منها بالجواز، وأما ما يأتي من قول الحاكم: إن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم. فسيأتي ردّ الذهبيِّ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٦/ ٢٠٢٧ و ٩٧/ ٢٠٢٨ و ٩٨/ ٢٠٢٩ - وفي "الكبرى" ٩٦/ ٢١٥٤ و ٩٧/ ٢١٥٥ و ٩٨/ ٢١٥٦. وأخرجه (م) ٢٢٤٢ و ٢٢٤٣ و ٢٢٤٤ (د) ٣٢٢٦ و ٣٢٢٥ (ت) ١٠٥٢ (ق) ١٥٦٢.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو النهي عن الزيادة على القبر. ومنها: النهي عن البناء على القبر. ومنها: عدم جواز تَجْصيص القبر. ومنها: عدم جواز الكتابة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: ذكر المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هنا أن زيادة الكتابة في الحديث من تفرّد سليمان بن موسى، وفيما قاله نظر؛ لأنها ثبتت من رواية أبي الزبير أيضًا، فقد أخرج الحديث الترمذيّ رقم -١٠٥٢ - فقال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، أبو عمرو البصريّ، حدثنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى النبيّ ﷺ أن تجُصّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أفادت رواية الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تحريم وطء القبور، فلا يجوز وطؤها بالأقدام، واللَّه تعالى أعلم.
وأخرجه الحاكم أيضًا في "المستدرك" ج ١ ص ٣٧٠ - من طريق سَلْم بن جُنَادة، ثنا حفص بن غياث النخعيّ، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يُبنى على القبر، أو يَجَصَّصَ، أو يُقعد عليه، ونهى أن يُكتب عليه".
стр. 10916
قال: هذا حديث على شرط مسلم، وقد أخرج بإسناده غير الكتابة، فإنها لفظة صحيحة غريبة.
قال الحاكم: وكذلك رواه أبو معاوية، عن ابن جريج، ثم أخرجه بسنده عن سعيد ابن منصور، ثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن تجصيص القبور، والكتاب فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها". قال: هذه أسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أَخَذَ به الخلف عن السلف انتهى.
وتعقّبه الحافظ الذهبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تلخيص المستدرك"، فقال: ما قلت طائلا، ولا نعلم صحابيّا فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين، فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي انتهى كلام الذهبيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن زيادة الكتابة في حديث جابر ﵁ صحيحة ثابتة من طريق أبي الزبير أيضًا، فتدلّ على تحريم الكتابة على القبر.
ثم إن الحافظ الذهبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أحسن، وأجاد حيث تعقّب على الحاكم فيما قاله، فإن ما قاله مخالف لهذا الحديث الصحيح، ودعواه عمل المسلمين بخلافه غير صحيحة، فلم يصحّ ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، وإنما هو أمر محدَث مخالف للسنة الصحيحة، فلا يجوز العمل به.
بل المنقول عن السلف كراهته عكس ما قاله الحاكم، فقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه" ج ٣ ص ٣٣٤ - ٣٣٥ - بسند صحيح عن محمد -يعني ابن سيرين- أنه كره أن يُعَلَّم القبر. وأخرج عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يعلَّم الرجل قبره. وأخرج عن القاسم، أنه أوصى، قال: يا بُنيّ لا تكتب على قبري، ولا تشرفنه، إلا قدر ما يردّ عني الماء. وأخرج عن الحسن، أنه كره أن يُجعل اللوح على القبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تحفة الأشراف": سليمان لم يسمع من جابر، فلعلّ ابن جريج رواه عن سليمان، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً، وعن أبي الزبير، عن جابر، مسندًا. ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد الأشجّ، عن حفص ابن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يُكتب على القبر شيء. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت أن سليمان لم ينفرد بزيادة الكتابة، بل ثبتت في رواية أبي الزبير أيضًا، فلا يضرّ في صحتها الانقطاع الذي أشار إليه الحافظ
стр. 10917
المزيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر]: يجوز وضع الحجر علامة على القبر، ولا يكون من البناء المنهيّ عنه؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بسنده، عن كثير بن زيد المدني، عن المطلب -هو ابن عبد اللَّه بن حنطب- قال: لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته، فدُفن فأمر النبي ﷺ رجلا، أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول اللَّه ﷺ ، وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول اللَّه ﷺ ، حين حسر عنهما، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: "أتعلم بها قبر أخي، وأَدفِن إليه من مات من أهلي".
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإسناده حسنٌ، ليس فيه إلا كثير بن زيد، راويه عن المطّلب، وهو صدوق، وقد بيّن المطلب أن مخبرًا أخبره به، ولم يسمّه، ولا يضرّ إبهام الصحابيّ انتهى (١).
قال في "المنهل ": دلّ الحديث على استحباب علامة على القبر بنحو حجر؛ ليعرف، لكن ليس على الهيئة التي اعتادها كثير من أهل زماننا، من المبالغة في تسويته، ونقشه، ورفعه، ورسم عمامة، أو قلنسوة أعلاه انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
…
٩٧ - الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ
٢٠٢٨ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا, يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ, أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا, أَوْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث جابر ﵁، أورده المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-؛ استدلالاً على تحريم البناء على القبر، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي.
стр. 10918
و"يوسف بن سعيد": هو المصّيصيّ الحافظ الثقة [١١] ١٣١/ ١٩٨، وهو من أفراد المصنّف. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور الحافظ الثبت المصّيصيّ [٩] ٢٨/ ٣٢.
وقوله: "عن تقصيص القبور": التقصيص بالقاف، هو التجصيص، كما تقدّم.
وقوله: "أو يُبنى عليها" بالبناء للمفعول، عطف على "تقصيص" من عطف الفعل على المصدر بتقدير "أن"، وكذا ما بعده، أي وعن البناء عليها.
وقوله: "أو يَجلس عليها أحد" بالبناء للفاعل، وهو أيضًا عطف على "تقصيص"، أي ونهى عن جلوس أحد من الناس على القبور. ولفظ مسلم في "صحيحه": وأن يُقعَد عليه".
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليل على تحريم القعود على القبر، والمراد بالقعود الجلوس عليه، وهذا مذهب الشافعي، وجمهور العلماء. وقال مالك في "الموطإ": المراد بالقعود الحدث. قال النوويّ: وهذا تأويل ضعيف، أو باطل، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضّحه الرواية التي ذكرها مسلم بعد هذا، من حديث أبي مَرْثَد الْغَنَويّ ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها"، ومن حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لأن يَجلس أحدكم على جمرة، فَتُحرِق ثيابه، فتخلُص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر". انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ببعض تصرّف (١). وبقية الكلام على الحديث سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٨ - تَجْصِيصُ الْقُبُورِ
٢٠٢٩ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث جابر ﵁، أورده استدلالاً على تحريم تجصيص القبور، وقد تقدّم معناه مستوفى قبل باب.
стр. 10919
و"عمران بن موسى" هو القَزّاز البصريّ، ثقة [١٠] ٦/ ٦. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦. و"أيوب": هو السختيانيّ البصريّ الفقيه الحجة الثبت [٥] ٤٢/ ٤٨. وبقية مباحث الحديث تقدّمت قبل باب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٩ - تَسْوِيَةُ الْقُبُورِ إِذَا رُفِعَتْ
٢٠٣٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ, قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ, بِأَرْضِ الرُّومِ, فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا, فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ, فَسُوِّيَ, ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سليمان بن داود) بن حماد الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ الثبت العابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب، أبو أيوب المصريّ الحافظ الثبت الفقيه [٧] ٦٣/ ٧٩.
٤ - (ثُمامة بن شُفَيّ) -بمعجمة، بعدها فاء، مصغرًا- الهمدانيّ -بسكون الميم- أبو عليّ الأُحروجيّ (١)، ويقال: الأصبحيّ، أبو عليّ المصريّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: توفي في خلافة هشام بن عبد الملك قبل العشرين ومائة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (فَضالة بن عُبيد) -بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة، وتصغير "عُبيد"- ابن
стр. 10920
ناقذ -بقاف، وذال معجمة- ابن قيس الأنصاريّ الأوسيّ، الصحابي الشهير ﵁ أول ما شهد أحد، ثم نزل دمشق ٤٨/ ١٢٨٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو وأبي داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابي، فدمشقي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن ثمامة بن شُفيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه (قال: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ) ﵁ (بِأَرْضِ الرُّومِ) زاد في رواية مسلم: "بِرُودِسَ". قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هو براء مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم دال مهملة مكسورة، ثم سين مهملة، هكذا ضبطناه في "صحيح مسلم"، وكذا نقله القاضي عياض في "المشارق" عن الأكثرين، ونقل عن بعضهم بفتح الراء، وعن بعضهم بفتح الدال، وعن بعضهم بالشين المعجمة، وفي رواية أبي داود في "السنن" بذال معجمة، وسين مهملة، وقال: هي جزيرة بأرض الروم انتهى.
وقال في "المنهل": هي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط -بحر الروم- مقابل الإسكندرية على ليلة منها، فتحت سنة (٥٣) من الهجرة، في عهد معاوية، وقام بها جماعة من المسلمين، كانوا أشدّاء على الكفّار، يعترضونهم في البحر، ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يُدرّ عليهم الأرزاق والعطايا، ولما تولى ابنه يزيد أخرجهم منها، ولم تزل تتقلّب عليها الأيدي حتى استولى عليها السلان سليم الثاني سنة (٩٢٢) هجرية، وهي الآن تابعة لإيطاليا انتهى (١).
(فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ) أي بتسوية قبره (فَسُوِّيَ) أي جُعلت متصلة بالأرض (ثُمَّ قَالَ) فَضالة ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا) أي جَعْلها متصلةً بالأرض، أو المراد عدم جعلها مسنّمةً بل تُجعل مسطّحةً، وإن ارتفع عن الأرض بقليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث فَضَالة بن عُبيد ﵁ هذا أخرجه مسلم.
стр. 10921
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٩/ ٢٠٣٠ - وفي "الكبرى" ٩٩/ ٢١٥٧. وأخرجه (م) ٢٢٣٩ (د) ٣٢١٩ (أحمد) ٢٣٤٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: دلّ حديث فضالة ﵁ عنه هذا أن المشروع تسوية القبر، لا تسنيمه، وفيه حلاف بين أهل العلم:
قال في "الفتح": عند شرح ما أخرجه البخاريّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه حدثه، "أنه رأى قبر النبيّ ﷺ مسنّما": ما نصّه: قوله: "مسنّمًا" أي مرتفعًا، زاد أبو نعيم في "المستخرج": "وقبر أبي بكر، وعمر كذلك".
واستدلّ به على أن المستحبّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنفية، ومالك، وأحمد، والمزنيّ، وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعيّة استحبّوا التسطيح، كما نصّ عليه الشافعيّ، وبه جزم الماورديّ، وآخرون. وقول سفيان التمّار لا حجة فيه، كما قال البيهقيّ؛ لاحتمال أن قبر النبيّ ﷺ لم يكن في الأول مسنّمًا، فقد روى أبو داود، والحاكم من طريق القاسم ابن محمد بن أبي بكر، قال: "دخلتُ على عائشة ﵄، فقلت: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول اللَّه ﷺ ، وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَة (١) الحمراء"، زاد الحاكم: "فرأيت رسول اللَّه ﷺ مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبيّ ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ . وهذا كان في خلافة معاوية ﵁ فكأنها كانت في الأول مسطّحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبدالعزيز على المدينة من قِبَلِ الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة.
وقد روى أبو بكر الآجريّ في "كتاب صفة قبر النبي ﷺ " من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، عن غُنيم بن بسطام المدينيّ، قال: رأيت قبر النبي ﷺ في إمارة عمر بن عبدالعزيز، فرأيته مرتفعًا، نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجّح المزنيّ التسنيم من حيث المعنى بأن السطيح يشبه ما يُصنع للجلوس، بخلاف المسنّم، ورجحه ابن قُدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو من شعار أهل الباع، فكان التسنيم أولى. ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فَضَالة بن عُبيد أنه أمر بقبر فسويّ، ثم قال: "سمعت
стр. 10922
رسول اللَّه ﷺ يأمر بتسويتها" انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن التسطيح هو المتعيّن، لحديث فضالة ﵁ المذكور في الباب، وأما ما حكاه سفيان التمّار، فلا حجة فيه؛ لما تقدّم في كلام البيهقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٠٣١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ حَبِيبٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ, قَالَ: قَالَ: عَلِيٌّ ﵁: "أَلَا أَبْعَثُكَ, عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لَا تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا, إِلاَّ سَوَّيْتَهُ, وَلَا صُورَةً فِي بَيْتٍ, إِلاَّ طَمَسْتَهَا".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد الإمام الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (حبيب) بن أبي ثابت، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠.
٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٢/ ٢.
٦ - (أبو الْهيّاج) الأسديّ، حيّان بن حُصين الكوفيّ، ثقة [٣].
روى عن عليّ، وعمار. وعنه ابناه: جرير، ومنصور، وأبو ائل، والشعبيّ. قال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ: كان كاتب عمّار. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله ذكر في الترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (عليّ) بن أبي طالب ﵁ ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخُهُ، ويحى بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10923
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) بفتح الهاء، وتشديد الياء المثناة من تحت، وآخره جيم، قال السيوطِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ليس له في الكتب إلا هذا الحديث انتهى (١) (قَالَ: قَالَ: عَليٌّ ﵁: "ألَا") أداة استفتاح، وتنبيه (أَبْعَثُكَ) أي أرسلك (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي إلى مثل الذي أرسلني إليه ﷺ (لَا تَدَعَنَّ) بنون التوكيد المشدّدة، أي لا تتركنّ، وهذه الجملة بيان لما بعث به عليّ ﵁ أبا الهيّاج، ولفظ مسلم: "أن لا تدع"، وعليه تكون الجملة بيانا لما بعث به النبي ﷺ عليا ﵁، و"أن" مصدرية، و"لا" نافية، فيكون خبرًا لمبتدإ محذوف، أي هو عدم تركي الخ. ويحتمل أن تكون "أن" تفسيرية، و"لا" ناهية (قَبْرًا مُشْرِفًا) اسم فاعل، من الإشراف، وهو الارتفاع، أي مرتفعًا عن الأرض.
قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قيل: المراد هو الذي بُني عليه حتى ارتفع، دون الذي أُعلم عليه بالرمل، والحصى، والحجر؛ ليعرف، فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه، فلذلك نُهي عنه. وذهب كثير إلى أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم على وجه يُعلم أنه قبر، والظاهر أن التسوية لا تُناسب التسنيم انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن معنى التسوية هو التسطيح، وهو غير التسنيم، فلا يُشرع التسنيم، لأنه مما لا يدلّ عليه دليل. واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا سَوَّيْتَهُ) أي ألصقته بالأرض، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه أن السنّة أن القبر لا يُرفع على الأرض رفعًا كثيرًا، ولا يُسنّم، بل يُرفع نحو شبر، ويسطّح، وهذا مذهب الشافعيّ، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسويتها، وهو مذهب مالك انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر الحديث على ما قاله القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وأما التسنيم، وكذا رفعه نحو شبر فمما لا دليل عليه، كما تقدم. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "المنهل العذب المورود": واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر؛ ليُعلم أنه قبر، فيتوقى، وُيترحّم على صاحبه، إلا أن يكون مسلما في دار الحرب، فيُخفى قبره مخافة أن يَتعرّض له الكفّار بالأذى انتهى (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى اتفاق العلماء على استحباب رفع القبر شبرًا
стр. 10924
غير صحيحة؛ لما تقدّم من أن التسطيح هو قول مالك، وأكثر العلماء، فأين الاتفاق المزعوم؟ واستدلاله بما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي، من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، "أن رسول اللَّه ﷺ رشّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرًا"، غير صحيح، لأنه مرسل، فلا يصلح لردّ ما صحّ عنه ﷺ من حديث عليّ ﵁ هذا، وحديث فضالة ﵁ المتقدم.
وأما قوله: ليعلم أنه قبر الخ، فليس ذلك مما يبيح المحظور، من رفعه من الأرض، لأن كونه قبرًا يعلم من طريق آخر مأذون فيه شرعًا، وهو وضع الحجر عليه حتى يُعلم أنه قبر، كما وضع النبيّ ﷺ على قبر عثمان بن مظعون ﵁، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا صُورَةً) أي صورة ذي روح (فِي بَيْتٍ) الظاهر أن ذكر البيت ليس قيدًا، فما كان خارج البيت مثله (إِلاَّ طَمَسْتَهَا") أي محوتها، أو غَيَّرْتَها من هيئتها، بقطع رأسها، أو نحو ذلك.
ولفظ مسلم: "ألا تدع تمثالا إلا طمسته".
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والتِّمْثَال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسّدًا، وما كان مصوّرًا في رقم، أو نقش، لا سيّما وقد روي "صورة" مكان "تمثال". وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد، دون ما كان في ثوب، أو حائط منقوشًا. قال: وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها، وغير ذلك، مما يذهبها. انتهى كلام القرطبي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ تعميم طمس جميع أنواع الصور، فلا يستثنى منها شيء؛ لعموم النصوص الواردة في النهي عن اتخاذها، والأمر بتغييرها، وأن إبقاءها منكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عليّ ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٩٩/ ٢٠٣١ - وفي "الكبرى" ٩٩/ ٢١٥٧. وأخرجه (م) ٢٢٤٠ و ٢٢٤١ (د) ٣٢١٨ (ت) ١٠٤٩ (أحمد) ٦٥٩ و ٦٨٥ و ٧٤٣ و ٨٨٣ و ٨٩١ و ١٠٦٧ و ١١٧٩ و ١٢٤٣ و ١٢٨٦. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10925
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بتسوية القبور إذا كانت مرتفعة. ومنها: شدة اعتناء النبي ﷺ بإزالة المنكرات. ومنها: إزالة المنكر باليد، كما قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم. ومنها: عدم جواز رفع القبر عن وجه الأرض. ومنها: وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: قال العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: عند شرح حديث الباب: ما نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا، من غير فرق بين من كان فاضلًا، ومن كان غير فاضل.
والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛ لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير -كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في "الغيث"- لا يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلاً، إذا كان في الأمور الظنّيّة، وتحريم رفع القبور ظنّيّ.
ومِنْ رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوّليّا الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ ﷺ فاعل ذلك، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد للَّه تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فانا للَّه، وإنا إليه راجعون.