الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃ -كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْجُعَيْدِ) أو الجعد بن عبد الرحمن، أنه قال (سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد ابن ثُمامة الكنديّ ﵁ أنه (قَالَ: "كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مُدًّا وَثُلُثًا، بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ) "أل" للعهد الحضوريّ، أي بمدّكم المستعمل في اليوم الحاضر الذي هو يوم تحديث السائب للجعد بن عبد الرحمن، ومن معه (وَقَدْ زِيدَ فِيهِ) أي زيد في مقدار الصالح بعد عهده ﷺ . وللبخاريّ: "فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز".
قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: هذا يدلّ على أن مدّهم حين حدّث به السائب كان أربعة أرطال، فإذا زيد عليه ثلثه، وهو رطلٌ وثلثٌ، قام منه خمسة أرطال، وثلثٌ، وهو الصالح بدليل أن مدّه ﷺ رطلٌ وثلثٌ، وصاعه أربعة أمداد، ثمّ قال: مقدار ما زيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز لا نعلمه، وإنما الحديث يدلّ على أن مدّهم ثلاثة أمداد بمدّه انتهى.
قال الحافظ: ومن لازم ما قال أن يكون صاعهم ستة عشر رطلًا، لكن لعلّه لم يعلم مقدار الرطل عندهم إذ ذاك. انتهى (١).
(قَالَ: أَبُو عَبد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (وحَدَّثَنِيهِ) أي هذا الحديث (زِيَادُ بْنُ أَيوبَ) البغداديّ، أبو هاشم الطوسيّ الأصل، الحافظ الثبت، الملقّب بـ "دَلُّويَهْ"، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، مات سنة (٢٥٢) وله (٨٦) سنة، وتقدّم في ١٠١/ ١٣٢. زاد في "الكبرى": "عن القاسم".
والمعنى: أن زياد بن أيوب حدث المصنّف بهذا الحديث عن القاسم بن مالك، كما حدّثه به عمرو بن زُرارة، ورواية زياد أخرجها الإسماعيلي، كما أشار إليه في "الفتح" جـ ١٥ ص ٢٤٦ حيث قال: ووقع في رواية زياد بن أيوب، عن القاسم بن مالك، قال: أنبأنا الجعيد، أخرجه الإسماعيلي انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث السائب بن يزيد ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
стр. 12007
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤/ ٢٥١٩ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٢٢٩٨ - وأخرجه (خ) في "كتاب كفّارات الأيمان" ٦٧١٢ وفي "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" ٧٣٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مقدار الصاع:
ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وعلماء الحجاز إلى أنه خمسة أرطال، وثلث بالرطل البغداديّ.
وذهب أبو حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن إلى أنه ثمانية أرطال بالرطل المذكور.
وكان أبو يوسف يقول كقولهما، ثم رجع إلى قول مالك، والجمهور لَمّا تناظر مع مالك بالمدينة، فأراه الصيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم إلى زمن النبيّ ﷺ .
وقد بسط البيهقيّ في "السنن الكبرى" الدلائل في كون الصاع المجزىء في الفطرة خمسة أرطال وثلثًا بسطاَ حسنًا. قال: وأما ما رواه صالح بن موسى الطلحيّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "جرت السنة من رسول اللَّه ﷺ في الغسل من الجنابة صاع، والوضوء برطلين، والصاع ثمانية أرطال". فإن صالحًا تفرّد به، وهو ضعيف. قاله يحيى بن معين، وغيره، من المحدثين. قال: وكذا ما روي عن جرير بن يزيد، عن أنس ﵁، وما روى عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن أنس: "أن النبيّ ﷺ كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع، ثمانية أرطال". إسنادهما ضعيف، وإنما الحديث الصحيح عن أنس ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يتوضّأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد". قال البيهقيّ: فلا معنى لترك الأحاديث الصحيحة في قدر الصاع المعدّ لزكاة الفطر بمثل هذا. انتهى (١).
وقال الحافظ وليّ الدين: وإطلاق الصالح في الحديث يدلّ على أنه مكيال معروفٌ عندهم. وقال ابن الصبّاغ وغيره من الشافعيّة: الأصل فيه الكيل، وإنما قدّره العلماء بالوزن استظهارًا. وقال النوويّ: قد يُستشكل ضبط الصاع بالأرطال، فإن الصاع المخرج به في زمن النبيّ ﷺ مكيال معروف، ويختلف قدره وزنا باختلاف جنس ما يخرج، كالذرة، والحمّص، وغيرهما، والصواب ما قاله أبو الفرج الدارميّ من أصحابنا أن الاعتماد في ذلك على الكيل دون الوزن، وأن الواجب أن تخرج بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصر رسول اللَّه ﷺ ، وذلك الصاع موجود، ومن لم يجده
стр. 12008
وجب عليه إخراج قدر يتيقّن أنه لا ينقص عنه، وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال، وثلث تقريب، وقال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكفّي رجل معتدل الكفين انتهى كلام النوويّ (١).
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني": ما حاصله: الصاعُ خمسة أرطال وثلثٌ بالعراقيّ. والأصل فيه الكيل، وإنما قدّره العلماء بالوزن ليُحفَظ، ويُنقَل. وقد روى جماعة عن أحمد أنه قال: الصاع وزنته، فوجدته خمسة أرطال وثلثًا حنطةً. وقال حنبلٌ: قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر، وقال أبو النضر: أخذته عن ابن أبي ذئب، وقال: هذا صاع النبيّ ﷺ الذي يُعرف بالمدينة، قال أبو عبد اللَّه: فأخذنا العَدَسَ، فعيّرنا به، وهو أصلح ما يُكال به؛ لأنه لا يتجافى عن موضعه، فَكِلْنا به، ثمّ وزنّاه، فهذا هو خمسة أرطال وثلثٌ، وقال: هذا أصلح ما وقفنا عليه، وما تبيّن لنا من صاع النبيّ ﷺ ، وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثًا من الحنطة، والعدَسِ، وهما من أثقل الحبوب، فما عداهما من أجناس الفطرة أخفّ منهما، فإذا أخرج منها خمسة أرطال وثلثًا، فهي أكثر من صاع. وقال محمد بن الحسن: إن أخرج خمسة أرطال وثلثًا بُرًّا لم يُجزه؛ لأن البرّ يختلف، فيكون فيه الثقيل والخفيف. وقال الطحاويّ: يُخرج ثمانية أرطال مما يستوي كيله ووزنه، وهو الزبيب والماشُ. ومقتضى كلامه أنه إذا أخرج ثمانية أرطال مما هو أثقل منهما لم يجزئه حتى يزيد شيئًا يعلم أنه قد بلغ صاعًا، والأولى لمن أخرج من الثقيل بالوزن أن يحتاط، فيزيد شيئًا يعلم به أنه قد بلغ صاعًا. انتهى كلام ابن قدامة (٢).
وقد ردّ الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- على القائلين: إن الصاع ثمانية أرطال ردًّا عَنيفًا، ثم أورد حديثَ: "المكيالُ مكيالُ أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكّة" الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، وقال: فلم يَسَعْ أحدًا الخروج عن مكيال أهل المدينة، ومقداره عندهم، ولا عن موازين أهل مكّة، ووجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أنّ مدّ رسول اللَّه ﷺ الذي تؤدّى به الصدقات ليست أكثر من رطل ونصف، ولا أقلّ من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث، وليس هذا اختلافًا، لكنه على حسب رزانة المكيل من البرّ، والتمر، والشعير. ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة: "أن مدّ النبيّ ﷺ الذي كان يأخذ به الصدقات رطل ونصف". وأخرج أيضًا من طريق أبي داود، عن أحمد بن حنبل، قال: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث.
стр. 12009
قال أبو داود: وهو صاع رسول اللَّه ﷺ . وأخرج من طريق عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: ذكر أبي أنه عير مدّ النبيّ ﷺ بالحنطة، فوجدها رطلا وثلثًا في البرّ. قال: ولا يبلغ من التمر هذا المقدار. وأخرج من طريق إسماعيل بن إسحاق، قال: دفع إلينا إسماعيل ابن أبي أويس المدَّ، وقال: هذا مدّ مالك، وهو على مثال مدّ النبيّ ﷺ ، فذهبت به إلى السوق، وخُرِط لي (١) عليه مُدٌّ، وحملته معي إلى البصرة، فوجدته نصف كَيلَجة (٢) بكَيلَجة البصرة، يزيد على كيلجة البصرة شيئًا يسيرًا خفيفًا، إنما هو شبيه بالرجحان الذي لا يقع عليه جزء من الأجزاء، ونصف كيلجة البصرة هو ربع كيلجة بغداد، فالمدّ ربع الصاع، والصاع مقدار كيلجة بغداديّة يزيد الصاع عليها شيئًا يسيرًا.
قال أبو محمد: وخُرِط لي مدّ على تحقيق المد المتوارث عند آل عبد اللَّه بن علي الباجيّ، وهو عند أكبرهم، لا يفارق داره، أخرجه إليّ ثقتي الذي كلّفته ذلك علي بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن عليّ المذكور، وذكر أنه مدّ أبيه وجدّه، وأبي جدّه، أخذه، وخرطه على مدّ أحمد بن خالد، وأخبره أحمد بن خالد أنه خرطه على مدّ يحيى ابن يحيى الذي أعطاه إياه ابنه عبيد اللَّه بن يحيى، وخرطه يحيى على مدّ مالك، ولا أشكّ أن أحمد بن خالد صححه أيضًا على مدّ محمد بن وضاح الذي صححه ابن وضاح بالمدينة.
قال أبو محمد: ثم كلته بالقمح الطيب، ثم وزنته، فوجدته رطلًا واحدًا ونصف رطل بالفلفليّ، لا يزيد حبّة، وكلته بالشعير، إلا أنه لم يكن بالطيب، فوجدته رطلًا واحدًا ونصف أوقيّة. وهذا أمر مشهور بالمدينة، منقول نقل الكافّة، صغيرهم وكبيرهم، وصالحهم وطالحهم، وعالمهم وجاهلهم، وحرائرهم، وإمائهم، كما نقل أهل مكة موضع الصفا والمروة، والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدّهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة، ولا فرق، وكمن يعترض على أهل المدينة في القبر والمنبر والبقيع، وهذا خروج عن الديانة والمعقول.
قال: وقد رجع أبو يوسف إلى الحقّ في هذه المسألة، إذ دخل المدينة، ووقف على أمداد أهلها انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في مقدار الصاع هو ما
стр. 12010
ذهب إليه الجمهور، وهو أنه خمسة أرطال وثلث، لا ثمانية أرطال، كما يقول بعضهم.
وأما تقديره بالموازير المعاصرة، كـ "الجرامات"، فلم أجد من حقق ذلك تحقيقًا يُعتمد عليه، فقد كتب الدكتور يوسف القرضاويّ في كتابه "فقه الزكاة" ما خلاصته: الصاع يساوي بالوزن بالجرامات (٢١٧٦) وذلك حسب الوزن بالقمح. انتهى كلامه (١).
وكتب الشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسّام في كتابه "توضيح الأحكام": ما نصّه: وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبويّ بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقّن حاسم، وذلك لعدم وجود صاع نبويّ متيقّن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر، ونحوها انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بين هذين التقديرين بَوْن شاسع، فلا اعتماد على مثل هذا، بل لا بدّ من بذل الجهد في التحقيق، والتدقيق في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٢٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ حَنْظَلَةَ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ, وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤١.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الملائي الكوفي، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (حنظلة) بن أبي سفيان الجمحي المكي، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢.
٥ - (طاوس) بن كيسان اليماني الثقة الثبت الحجة [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عمر من المكثرين السبعة،
стр. 12011
ومن العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الْمِكيَال مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي الصاع الذي يتعلّق به وجوب الكفّارات، ويجب إخراج صدقة الفطر به صاع المدينة، وكانت الصيعان مختلفة في البلاد، وصاع أهل المدينة خمسة أرطال وثلث، كما تقدّم تحقيقه، وقد ذكرت ما حققه أبو محمد ابن حزم في ذلك في المسألة الثالثة في الحديث الماضي.
(وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ") أي وزن الذهب والفضّة فقط، والمراد أن الوزن المعتبر في باب الزكاة وزنُ أهل مكة، وهي الدراهم التي العشرة منها بسبعة مثاقيل، وكانت الدراهم مختلفة الأوزان في البلاد، وكانت دراهم أهل مكة هي الدراهم المعتبرة في باب الزكاة، فأرشد ﷺ إلى ذلك بهذا الكلام.
وقيل: إن أهل المدينة أهل زراعات، فهم أعلم بأحوال المكاييل، وأهل مكة أصحاب تجارات، فعهدهم بالموازين، وعلهم بالأوزان أكثر. قاله القاضي.
وفي "شرح السنّة": الحديث فيما يتعلّق بالكيل والوزن من حقوق اللَّه تعالى، كالزكوات، والكفّارات، ونحوها، حتى لا تجب الزكاة في الدراهم حتى تبلغ مائتي درهم بوزن مكّة، والصاع في صدقة الفطر صاع أهل المدينة، كلّ صاع خمسة أرطال وثلث رطل. كذا في "المرقاة".
وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: وبحثت أنا غاية البحث عند كلّ من وثقت بتمييزه، فكلّ اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنان وثمانون حبّة، وثلاثة أعشار حبّة بالحبّ من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكيّ سبع وخمسون حبّة، وستة أعشار حبّة، وعشر حبّة، فالرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور انتهى (١).
والحديث فيه دليلٌ على أنه يُرجع عند الاختلاف في الكيل إلى مكيال المدينة، وعند الاختلاف في الوزن إلى ميزان مكة.
قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-: تأملنا هذا الحديث، فوجدنا مكة لم يكن بها ثمرة، ولا زرعٌ حينئذ، وكذلك كانت قبل ذلك الزمان، ألا ترى إلى قول إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ﴾، وإنما كانت بلد
стр. 12012
متجر، يوافي الحاجّ إليها بتجارات، فيبيعونها هناك، وكانت المدينة بخلاف ذلك؛ لأنها دار النخل، ومن ثمارها حياتهم، وكانت الصدقات تدخلها، فيكون الواجب فيها من صدقة تؤخذ كيلًا، فجعل النبيّ ﷺ الأمصار كلها لهذين المصرين أتباعًا، وكان الناس يحتاجون إلى الوزن في أثمان ما يبتاعون، وفيما سواها مما يتصرّفون فيه من العروض، ومن أداء الزكوات، وما سوى ذلك مما يستعملونه، فيما يُسلمونه فيه من غيره من الأشياء التي يكيلونها، وكانت السنّة قد منعت من إسلام موزون في موزون، ومن إسلام مكيل في مكيل، وأجازت إسلام المكيل في موزون، والموزون في مكيل، ومنعت من بيع الموزون بالموزون، إلا مثلًا بمثل، ومن بيع المكيل بالمكيل إلا مثلًا بمثل، وكان الوزن في ذلك أصله ما كان عليه بمكة، والمكيال مكيال أهل المدينة، لا يتغيّر عن ذلك، وإن غيّره الناس عما كان عليه إلى ما سواه من ضدّه، فيرحبون بذلك إلى معرفة الأشياء المكيلات التي لها حكم المكيال إلى ما كان عليه أهل المكاييل فيها يومئذ، وفي الأشياء الموزونات إلى ما كان عليه أهل الميزان يومئذ، وأن أحكامها لا تتغيّر عن ذلك، ولا تنقلب عنها إلى أضدادها انتهى كلام الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد أرشد الشارع الحكيم في هذا الحديث الأمّة إلى توحيد معاملاتها في الموزونات، والمكيلات، لئلا يقع فيها التخالف، ويكثر فيها الخصام، والنزاع، ولا سيما فيما يتعلق بأمر الدين، كالزكوات، والفطرات، ونحوها، فلو أحيَتْ هذه السنّةَ، واتبَعَتْ إرشاده ﷺ لسَعِدَت في أمر معاشها، ومعادها، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ولكن الداهية العظمى أن الشيطان سوّل لها التقليد للكفرة في مثل هذه المعاملات، فاستحسنت ذلك، وفضّلته على اتباع السنّة، فلا حول، ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
وَإذَا ضَلَّتِ الْعُقُولُ عَلَى عِلْمٍ … فَمَاذَا تَقُولُهُ النُّصَحَاءُ
اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين آمين آمين.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٤٤/ ٢٥٢٠ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٢٢٩٩. وأخرجه (د) في "البيوع" ٣٣٤٠ (ابن حبان) ١١٠٥ (الطبراني) ٣/ ٢٠٢/ ١ (الطحاويّ في مشكل الآثار) ٢/ ٩٩
стр. 12013
(البيهقيّ) ٦/ ٣١ وغيرهم.
[تنبيه]: أشار أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه" إلى أنه وقع اضطراب في هذا الحديث، فقال بعد أن رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، بسند المصنّف: ما نصّه: وكذا رواه الفريابيّ، وأبو أحمد عن سفيان، وافقهما في المتن، وقال أبو أحمد: "عن ابن عباس" مكان "ابن عمر". ورواه الوليد بن مسلم، عن حنظلة، فقال: "وزن المدينة، ومكيال مكة". قال: واختلف في المتن في حديث مالك بن دينار، عن عطاء، عن النبيّ ﷺ في هذا انتهى كلام أبي داود -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- أن أبا أحمد الزبيريّ خالف أبا نعيم، ومحمد بن يوسف الفريابيّ، فجعله من مسند ابن عباس، لا من مسند ابن عمر ﵃، لكن الصحيح روايتهما, لأنهما يقدّمان عليه في سفيان الثوريّ. وكذلك خالف الوليد بن مسلم سفيان الثوريّ، في المتن، فقال: "وزن المدينة، ومكيال مكة"، وهذا خطأ منه، فالصواب رواية سفيان، وكذلك اختُلف في متن مرسلٍ عطاء، لكن الصواب ما تقدّم من رواية سفيان.
والحاصل أن الحديث صحيح، بسند المصنّف، ومتنه، فافهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (بَابُ الْوَقْتِ الذِي يُسْتَحَبُّ أَنْ تُؤَدَّى صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِيهِ)
٢٥٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا مُوسَى ح قَالَ: وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ, أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ". قَالَ ابْنُ بَزِيعٍ: "بِزَكَاةِ الْفِطْرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخ المصنف (محمد بن مَعْدان بن عيسى" الحرّانيّ الثقة [١٢] ١٦/ ٦٤٩ فإنه من أفراده.
و"الحسن": هو ابن محمد بن أعين، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩] ١٦/ ٦٤٩.
стр. 12014
و"محمد بن عبد اللَّه بن بَزيع" -بالباء الموحّدة، والزاي، والعين المهملة- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
و"الفُضيل" بن سليمان النُّمَيريّ -بالنون مصغرًا-، أبو سليمان البصريّ، صدوق، له خطأ كثير [٨].
قال عبّاس الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زُرعة: ليّن الحديث، روى عنه ابن المدينيّ، وكان من المتشدّدين. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ليس بالقوي.
وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان عبد الرحمن لا يُحدّث عنه. قال: وسمعت أبا داود يقول: ذهب فُضيل بن سليمان، والسَّمْتيّ إلى موسى بن عقبة، فاستعارا منه كتابًا، فلم يردّاه. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال صالح بن محمد جَزَرَة: منكر الحديث، روى عن موسى بن عقبة مناكير. وقال الساجيّ، عن ابن معين: ليس هو بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال الساجيّ: وكان صدوقًا، وعنده مناكير. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن حديث فُضيل بن سُليمان، عن عبد الرحمن ابن إسحاق، عن الزهريّ؟ فقال: ليس بشيء، إنما هو حديث ابن المنكدر. وذكره ابن عدي، وأورد له أحاديث، ولم يقل فيه شيئًا. وقال ابن قانع: ضعيف، توفي سنة (١٨٣). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٨٦). وقال ابن أبي عاصم، عن أبي المغلّس النُّميريّ: مات سنة (١٨٥). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ٢٥٢١ و ٣٩٠٨ حديث النهي عن كراء المزارع.
و"زهير": هو ابن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الكبير الجعفيّ الكوفيّ الثقة الثبت [٧] ٣٨/ ٤٢.
و"موسى": هو ابن عقبة الثقة الفقيه الإمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
وقوله: قال ابن بَزِيع: "بزكاة الفطر" يعني أن شيخه محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع قال في روايته: "بزكاة الفطر" بدل قول محمد بن معدان: "بصدقة الفطر". والمعنى واحد، وإنما ذكره لبيان اختلاف شيخيه في لفظ الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه مُستوفًى في ٣٠/ ٢٥٠٠، وبقى الكلام هنا فيما لم يتقدّم بيانه هناك، وهو بيان وقت صدقة الفطر، وفيه ثلاث مسائل:
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في وقت وجوبها:
قال الإمام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: فأما وقت وجوبها، فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوّج، أو مَلَك عبدًا، أو وُلِد له ولدٌ، أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه الفطرة، وإن كان
стр. 12015
بعد الغروب، لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسرًا، ثمّ أيسر في ليلته تلك، أو في يومه، لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت الوجوب موسرًا، ثمّ أعسر، لم تسقط عنه؛ اعتبارًا بحالة الوجوب، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر، فعليه صدقة الفطر، نصّ عليه أحمد.
وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوريّ، وإسحاق، ومالكٌ، في إحدى الروايتين عنه، والشافعيّ في أحد قوليه (١).
واحتجّ هؤلاء بما أخرجه أبو داود من حديث ابن عبّاس ﵄: "فرض رسول اللَّه ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث … " الحديث، وهو حديث حسن.
قالوا: لأنها أضيفت إلى الفطر، فكانت واجبة به، كزكاة المال، وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص، والسبب أخصّ بحكمه من غيره. ووجه ذلك أن الفطر من صوم رمضان، والخروج عنه جملةً يكون بغروب شمس آخر يوم من رمضان.
وقال الليث، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد، وهو رواية عن مالك؛ لأنها قربة تتعلق بالعيد، فلم يتقدّم وقتها يوم العيد، كالأضحيّة: ولأن هذا وقت الفطر، لا ما قبله؛ لأنه في كلّ ليلة كان يفطر كذلك، ثم يصبح صائمًا، فإنما أفطر من صومه جملةً صبيحةً يوم الفطر.
وقال ابن حزم: وقت زكاة الفطر الذي لا تجب قبله، وإنما تجب بدخوله، ثم لا تجب بخروجه، فهو إثر طلوع الفجر الثاني، من يوم الفطر ممتدًا إلى أن تبيضّ الشمس، وتحلّ الصلاة من ذلك اليوم نفسه. ثم استدلّ بحديث الباب. وقال: فهذا وقت أدائها بالنصّ، ثم ذكر في وقت الوجوب مثل المذهب الثاني.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لأنه أقرب إلى المعنى؛ لأن الصدقة مضافة إلى الفطر من رمضان، كما تقدّم، والفطر من رمضان يتحقّق بانسلاخ آخر يوم منه وذلك بغروب شمسه، فليلة العيد ليست منه، بل هي متابعة لما بعدها وهو يوم العيد، وهي وقت الفطر من رمضان، وأولها من غروب الشمس، فيتعلّق الوجوب به، وهذا ظاهر لمن تأمّل بإنصاف، فالحقّ أن الوجوب يتعلّق بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فمن كان من أهل وجوب الفطر حينئذ لزمته، ومن لا فلا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في جواز تأخيرها عن وقتها:
стр. 12016
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم الفطر، وبه قال الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة، وهو المشهور عند الحنابلة. قاله وليّ الدين.
وقال ابن قدامة: المستحبّ إخراجها يوم الفطر قبل الصلاة؛ لحديث الباب، وحديث ابن عباس ﵄، مرفوعًا: "من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات". رواه أبو داود، وتقدّم أنه حديث حسنٌ.
قال: فإن أخرها عن الصلاة ترك الأفضل؛ لما ذكرنا من السنّة، ولأن المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، فمتى أخّرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه، لا سيما وقت الصلاة، ومال إلى هذا القول عطاءٌ ومالك، وموسى بن وَرْدَان، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال: فإن أخّرها عن يوم العيد أثم، ولزمه القضاء.
وحكى ابن المنذر عن ابن سيرين، والنخعيّ أنهما كانا يرخّصان في تأخيرها عن يوم الفطر. قال: وقال أحمد: أرجوا أن لا يكون بذلك بأس (١).
وذكر ابن قُدامة أن محمد بن يحيى ى الكَحّال قال: قلت لأبي عبد اللَّه: فإن أخرج الزكاة، ولم يعطها، قال: نعم، إذا أعدّها لقوم. قال ابن قُدامة: واتباع السنّة أولى انتهى (٢).
ومما استُدلّ به على أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم العيد ما رواه البيهقيّ في "سننه" جـ٤ ص ١٧٥ - من طريق أبي معشر السِّنْدِيّ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم". وفيه أبو معشر نَجِيح السِّنْديّ المدينيّ، ضعيف.
وقال ابن حزم: إذا تمّ الخروج إلى صلاة الفطر بدخول وقت دخولهم في الصلاة، فقد خرج وقتها، فمن لم يؤدّها حتى خرج وقتها، فقد وجبت في ذمّته وماله لمن هي له، فهي دين لهم، وحقّ من حقوقهم، قد وجب إخراجها من ماله، وحَرُم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبدًا، فإذا أداها سقط بذلك حقهم، ويبقى حقّ اللَّه تعالى في تضييعه الوقت، لا يَقدِر على جبره إلا بالاستغفار، والندامة. انتهى كلامه بتصرّف (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم في هذه المسألة أرجح المذاهب، لحديث الباب، حيث أَمَرَ رسول اللَّه ﷺ أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس
стр. 12017
إلى الصلاة"، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، ولا يتوعّد اللَّه بمثل هذا التوعّد إلا على ترك واجب، فثبت بذلك وجوب أدائها قبل الصلاة، فإذا وجب حرم تأخيرها، ويؤيّد ذلك الحديثُ المتقدّمُ: "من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات". وهو حديث حسن.
والحاصل أنه لا يجوز تأخيرها عن الصلاة؛ لما ذكر، ولكن لا تسقط بالتأخير، بل تكون دينا عليه يجب أداؤها أبدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز تقديمها عن وقتها:
ذهب الجمهور إلى أنه يجوز تقديم إخراج صدقة الفطر قبل ليلة الفطر، ثم اختلفوا في مقدار التقديم:
فاشتهر عن الحنفيّة جواز تعجيلها من أول الحول، وعندهم في ذلك خلافٌ، فحكى الطحاويّ عن أصحابهم جواز تعجيلها من غير تفصيل، وذكر أبو الحسن الكرخيّ جوازها يومًا أو يومين، وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة أنه يجوز تعجليها سنة، وسنتين، وروى هشام عن الحسن بن زياد أنه لا يجوز تعجيلها.
وعند المالكية في تقديمها بيوم إلى ثلاثة قولان.
وقال الشافعيّة: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأنها حقّ ماليّ وجب بسببين، وهما رمضان، والفطر منه، فيجوز تقديمها على أحدهما، وهو الفطر، ولا يجوز تقديمها عليهما.
وعنهم وجهان آخران: أحدهما: يجوز إخراجها بعد طلوع الفجر الأول من رمضان، وبعده إلى آخر الشهر، ولا يجوز في الليلة الأولى؛ لأنه لم يَشرَع بعدُ في الصوم. والثاني: أنه يجوز في جميع السنة، حكاهما النوويّ في "شرح المهذّب".
وذهب أكثر الحنابلة إلى أنه لا يجوز تقديمها بأكثر من يومين. وقال بعض الحنابلة يجوز تعجيلها فن بعد نصف الشهر، كما يجوز تعجيل أذان الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل.
وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلًا. ذكر هذا كلّه الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، ونقلته بتصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح قول من قال بجواز تقديمها يومًا، أو
стр. 12018
يومين، ولا بأس بثلاثة أيام؛ لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث ابن عمر ﵄، قال: "وكانوا يُعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين". وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عبد الوارث، عن أيوب، قلت: "متى كان ابن عمر يُعطي؟ قال: إذا قعد العامل، قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم، أو يومين". ولمالك في "الموطإ" عن نافع: "أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يُجمَع عنده قبل الفطر بيومين، أو ثلاث". وأخرجه الشافعيّ، عنه، وقال: هذا حسنٌ، وأنا أستحبّه - يعني تعجيلها قبل يوم الفطر- انتهى (١).
فقوله: "وكانوا يعطون" دليل على أن هذا عمل الصحابة جميعًا؛ لما تقرّر في علمي الحديث، والأصول، أن قول الصحابيّ: كنا نفعل كذا وكذا حكمه الرفع، وإن لم يقيّد بعصر النبيّ ﷺ على المرجح المختار، قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-.
ويدلّ على ذلك أيضًا -كما قال الحافظ- ما أخرجه البخاريّ في "كتاب الوكالة"، وغيره، من "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁، قال: وكّلني رسول اللَّه ﵁ بحفظ زكاة رمضان … " الحديث، وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليالٍ، وهو يأخذ من التمر، فإنه يدلّ على أنهم كانوا يعجّلونها. وعكس الجوزقيّ، فاستدلّ به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر. قال الحافظ: وهو محتملٌ للأمرين انتهى (٢).
والحاصل أن الحقّ هو جواز تقديمها على يوم العيد بيوم، أو يومين، كما صحّ ذلك عن الصحابة ﵃، مع أن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك، وتقريره لهم، وهذا هو الدليل الصحيح الواضح، وأما حديث أبي هريرة ﵁ المذكور، فدلالته على مسألتنا محلّ نظر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 12019
٤٦ - (إِخْرَاجُ الزكاةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تبويب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه يرى جواز نقلها، وهو أيضًا ظاهر مذهب الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، كما يأتي بيانه، وهو الحقّ، لكن إذا كان نقلها لمصلحة راجحة، بأن لم يوجد هناك من يستحقّها، أو رأى الإمام، أو المزكّي نفسه ذلك أصلح، بأن كان المنقول إليهم أحوج من المنقول عنهم، أو كانوا أقرباء للمزكّي، أو نحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ -وَكَانَ ثِقَةً- عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ, عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ, فَقَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا, أَهْلَ كِتَابٍ, فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ, فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ, فَأَعْلِمْهُمْ, أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ (١) عَلَيْهِمْ, خَمْسَ صَلَوَاتٍ, فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ, فَأَعْلِمْهُمْ, أَنَّ اللَّهَ , قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ, صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ, تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ, فَتُوضَعُ فِي فُقَرَائِهِمْ, فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ, فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ, وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ, فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا, وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في أول "كتاب الزكاة" -١/ ٢٤٣٥ - وتقدّم هناك شرحه مُستَوفًى، وكذا الكلام على مسائله، ولم يبق إلا الكلام على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو حكم نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر، فأقول مستعينًا باللَّه تعالى:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في جواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر:
ذهب الليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأصحابهما، إلى جواز ذلك، ونقله ابن المنذر عن الشافعيّ، واختاره.
وذهب الجمهور، ومنهم الشافعيّة، والمالكية، والحنبلية، إلى عدم جواز نقلها، فلو خالف، ونقل أجزأ على الأصحّ عند المالكيّة، والحنبليّة، ولا يجزئ على الأصحّ عند
стр. 12020
الشافعية، إلا إذا فُقد المستحقّون لها.
وقال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وتردّ في الفقراء، حيث كانوا". قال الإسماعيليّ: ظاهر حديث الباب أن الصدقة تردّ على فقراء من أُخذت من أغنيائهم. وقال ابن المنيّر: اختار البخاريّ جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: "فترد في فقرائهم"؛ لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير رُدّت فيه الصدقة، في أيّ جهة كان، فقد وافق عموم الحديث انتهى.
قال الحافظ: والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير يعود على المخاطبين، فيختصّ بذلك فقراؤهم، لكن رجّح ابن دقيق العيد الأول، وقال: إنه، وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلّيّة لا تُعتبر، فلا تُعتبر في الزكاة، كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختصّ بهم الحكم، وإن اختصّ بهم خطاب المواجهة انتهى.
وقال الحافظ بعد ذكر قول الشافعية بعدم جواز النقل، إلا إذا فقد المستحقّون لها: ما نصّه: ولا يبعد أنه اختيار البخاريّ؛ لأن قوله: "حيث كانوا" يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد، وفيه من هو متّصف بصفة الاستحقاق انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن عدم نقل الزكاة هو الأصل، لكن إذا كانت هناك مصلحة راجحة، جاز نقلها، وذلك بأن فُقِد المستحقّون لها في ذلك البلد، أو لمصلحة تترجّح، كأن يكون المنقول إليهم أشدّ حاجة من فقراء بلد المال، أو كانوا أقرباء للمزكّي، أو نحو ذلك، فإن كان كذلك، فلا بأس بنقلها؛ لأن الصدقات كانت تنقل إلى المدينة في عهد رسول اللَّه ﷺ ، كما دلّت عليه أحاديث كثيرةٌ:
(منها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ لما جاءت صدقات بني تميم: "هذه صدقات قومنا … " الحديث. فبنو تميم من أهل نجد، فنقلت صدقاتهم إلى المدينة.
(ومنها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما أيضًا من حديث قبيصة بن مُخَارِق ﵁، أنه تحمّل حمالة، فأتى النبيّ ﷺ ، فقال له: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها … " الحديث بطوله، ومعلوم أن قبيصة ﵁ أيضًا ليس من أهل المدينة (٢)، ووعده ﷺ ليدفع له الصدقة حتى يذهب بها من المدينة إلى بلده.
стр. 12021
(ومنها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما أيضًا عن أبي حميد الساعديّ ﵁، قال: "استعمل النبيّ ﷺ رجلا من الأزد، يقال له: ابن الأُتْبِيّة، أو اللُّتْبيّة، على صدقات بني سُليم، فلما جاء حاسبه … " الحديث. فقد نقلت صدقات بني سُليم إليه ﷺ ، ولم يأمره بقسمتها هناك.
(ومنها): ما ذكره البخاريّ في "صحيحه" تعليقًا، وأخرجه يحيى بن آدم في "كتاب الخراج" له، عن طاوس قال: قال معاذ ﵁ لأهل اليمن: ائتوني بعَرْضٍ ثيابٍ، خميصٍ، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذُّرَة، أهون عليكم، وخير لأصحاَب النبيّ ﷺ بالمدينة،. وهذا، وإن كان فيه انقطاعٌ، بين طاوس، وبين معاذ، لكن تقوّيه الأحاديث المذكورة، ولذا أروده البخاريّ في معرض الاحتجاج على جواز أخذ العرض في الزكاة. وغير ذلك من الأحاديث الصحاح التي هي واضحة في نقل الصدقات إلى البلدان الأخرى، ووجه ذلك أن الاجتهاد في ذلك إلى الإمام، أو المزكّي، فإذا كان في نقلها مصلحة راجحة جاز، وإلا فلا، وبهذا تجتمع الأدلة، ويحصل العمل بكلّها.
والحاصل أن عدم نقل الزكاة، وإن كان هو الأصلَ، لكن إذا كان هناك ما يدعو إلى النقل جاز. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (بَابٌ إِذَا أَعْطَاهَا غَنِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أن المزكّي إذا دفع زكاته إلى من لا يستحقّها، كالغنيّ مثلًا على ظنّ أنه مستحقّ، قُبِلَت صدقته، وسقطت عنه الزكاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٢٣ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ, مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ, مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُحَدِّثُ بِهِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَقَالَ (١): «قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ, فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ,
стр. 12022
فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ, فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ (١) عَلَى سَارِقٍ (٢) , فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ, عَلَى سَارِقٍ, لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ, فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ, فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ, فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ, تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ, عَلَى زَانِيَةٍ, فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ, عَلَى زَانِيَةٍ, لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ, فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ, فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ, فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ, تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ, قَالَ (٣): اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ, عَلَى زَانِيَةٍ, وَعَلَى سَارِقٍ, وَعَلَى غَنِيٍّ, فَأُتِيَ, فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ, فَقَدْ تُقُبِّلَتْ (٤) , أَمَّا الزَّانِيَةُ, فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ بِهِ مِنْ زِنَاهَا, وَلَعَلَّ السَّارِقَ أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهِ عَنْ سَرِقَتِهِ, وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ أَنْ يَعْتَبِرَ, فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ »).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِمْرَانُ بْنُ بَكَّار) بن راشد الكَلَاعِيّ البَرَّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] من أفراد المصنف.
٢ - (عَليٌّ بْنُ عَيَّاشٍ) - بتحتانيّة، فمعجمة-: هو الأَلْهانيّ الحمصيّ ثقة ثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ ثقة ثبت [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني، ثقة ثبت [٥] ٧/ ٧.
٥ - (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧
٦ (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الثقة الفقيه (مِمَّا) "من" للتبعيض، متعلّقة بـ "حدّثني"، أي بعضَ الأحاديث التي (حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) ابن هُرْمز (الأَعْرَجُ) المدنيّ الثقة الفقيه (مِمَّا ذَكَر) إعرابه كسابقه (أنَّهُ سَمِعَ
стр. 12023
أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ) أي الرسول ﷺ (قَالَ: رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل انتهى (لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) في رواية أبي عوانة، عن أبي أمية، عن أبي اليمان، بهذا الإسناد: "لأتصدّقنّ الليلة"، وكرّر كذلك في المواضع الثلاثة. وكذا أخرجه أحمد، من طريق ورقاء، ومسلم من طريق موسى بن عقبة، والدارقطنيّ في "غرائب مالك"، كلهم عن أبي الزناد.
وقوله: "لأتصدّقنّ" اللام فيه هي الموطّئة للقسم، والقسم فيه مقدر، أي واللَّه لأتصدّقنّ، وهو من باب الالتزام كالنذر، فصارت الصدقة واجبة، فصحّ الاستدلال به في صدقة الفرض، وهذا الاستدلال مبنيّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يظهر نسخه، وإنكاره في شرعنا، وهو المذهب الحقّ، وهو مذهب البخاريّ، والمصنّف -رحمهما اللَّه تعالى-، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَخَرَجَ) من بيته (بِصَدَقَتِهِ) أي التي نوى أن يضعها في يد مستحقّها (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) أي وهو لا يعلم أنه سارق (فَأَصْبَحُوا) أي القوم الذين كان فيهم ذلك المتصدّق (يَتَحَدَّثُونَ) في موضع نصب خبر "أصبحوا"، أي يُحدّث بعضهم بعضًا (تُصُدَّقَ عَلَى سَارِقِ) ببناء الفعل للمفعول، وهو إخبارٌ بمعنى التعجّب، أو الإنكار. قاله السنديّ.
وفي رواية أبي أُمية: "تصدّق الليلةَ على سارق". وفي رواية ابن لهيعة: "تُصُدّق الليلة على فلان السارق". قال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصَدَّق عليهم (١) (فَقَالَ:) المتصدّق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ) أي على تصدّقي على سارق، لا لي؛ لأنّ صدقتي وقعت بيد من لا يستحقّها، فلك الحمد، حيث كان ذلك بإرادتك، لا بإرادتي، فإن إرادتك كلها جميلة، ولا يُحمَد على المكروه سواك. وقدّم الخبر على المبتدإ في قوله: "لك الحمد" لإفادة الحصر.
وقال الطيبيّ: لما جزم بوضعها في موضعها بدلالة التنكير في "بصدقةٍ"، وأبرز كلامه في معرض القسم تأكيدًا، أو قطعًا للقبول بها، جُوزي بوضعها في يد سارق، فحمد اللَّه، وشكره على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالًا منه، أي لك الحمد لأجل وقوع الصدقة في يده دون من هو أشدّ حالًا منه، أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يُتعجّب منه تعظيمًا للَّه، يعني أنه ذَكَرَ الحمد في موضع التعجّب، كما يُذكر التسبيح في موضعه، فلما تعجّبوا من فعله تعجّب هو أيضًا،
стр. 12024
فقال: اللَّهم لك الحمد على سارق انتهى.
قال الحافظ: لا يخفى بعد هذا الوجه، وأما الذي قبله، فأبعد منه، والذي يظهر الأول، وأنه سَلّم، وفوّض، ورضي بقضاء اللَّه، فحمد اللَّه على تلك الحال؛ لأنه المحمود على جميع الحال، لا يُحمد على المكروه سواه. وقد ثبت أن النبيّ ﷺ كان إذا رأى ما لا يُعجبه، قال: "اللَّهمّ لك الحمد على كلّ حال" انتهى. (١)
(لَأَتَصَدَّقَنَّ) في رواية مسلم: "لأتصدَّقَن الليلة"، وفيه فضل صدقة السرّ، وفضل الإخلاص (بِصَدَقَةٍ) أي صدقة أخرى على مستحقها (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحقها (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) امرأة (زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ) تعجّبًا، وإنكارًا (تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول أيضًا (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفية، متعلق بما قبله (عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ) المتصدّق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ) على تصدّقي على امرأة زانية، حيث كان بإرادتك، لا بإرادتي. ثم قال (لَأَتَصَدَّقَنَّ بصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) رجل (غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يتَحَدّثُونَ، تُصُدِّقَ) بالبنَاء للمفعول أيضًا (عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ) المتصدّق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ) أي حيث كان كله بإرادتك، فأنت المحمود في جميع أفعالك؛ حيث كان كلّها جميلًا.
وقال القرطبيّ: وقول المتصدّق: "اللهم لك الحمد على زانية" إشعار بألم قلبه، إذ ظنّ أن صدقته لم توافق محلّها، وأن ذلك لم ينفعه، ولذلك كرّر الصدقة، فلما علم اللَّه صحة نيته تقبّلها منه، وأعلمه بفوائد صدقاته انتهى (فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، أي أتاه آت في منامه، ففي رواية الطبرانيّ في "مسند الشاميين" عن أحمد بن عبد الوهّاب، عن أبي اليمان بهذا الإسناد: "فساءه ذلك، فأُتي في منامه". وأخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" عنه، وكذا الإسماعيليّ من طريق عليّ بن عيّاش، عن شعيب، وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره، قال الكرمانيّ: قوله: "أُتي" أي أري في المنام، أو سمع هاتفًا، أو غيره، أو أخبره نبيّ، أو أفتاه عالم. وقال غيره: أو أتاه ملك، فكلّمه، فقد كانت الملائكة تكلّم بعضهم في بعض الأمور.
قال الحافظ: وقد ظهر بالنقل الصحيح أنها كلّها لم تقع، إلا النقل الأول انتهى.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ورؤيا غير الأنبياء، وان كان لا حجة فيها، لكن هذه الرؤيا قد قرّرها النبيّ ﷺ ، فحصل الاحتجاج بتقريره ﷺ انتهى (٢).
(فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ، فَقَدْ تُقُبِّلَتْ) وفي رواية الطبرانيّ: "إن اللَّه قد قبل صدقتك"
стр. 12025
(أَمَّا الزَّانِيَةُ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ بِهِ) ووقع في النسخة التي شرحها السنديّ "فلعلّ" بإسقاط الضمير، فقال السنديّ: "ظاهره أنه أُعطي "لعلّ" حكم "عسى"، فأقيم "أن" مع المضارع موضع الاسم والخبر جميعًا ها هنا، وأُدخل "أن" في الخبر فيما بعدُ، ويمكن أن يُجعل "أن" مع المضارع اسم "لعلّ"، ويكون الخبر محذوفًا، أي يحصل، ونحوه انتهى (١) (مِنْ زِنَاهَا) بالقصر، ويجوز مدّه عند بعضهم. قال في "المصباح": زَنَى يَزْنِي زِنًا، مقصورٌ، فهو زانٍ، والجمع زُناةٌ، مثل قاض وقضاة، وزاناها مُزاناةً، وزِناءً، مثلُ قاتل مُقاتلةً، وقتالًا، ومنهم من يَجعل المقصور والممدود لغتين في الثلاثي، ويقول: المقصور لغة الحجاز، والممدود لغة نجد انتهى (وَلَعَلَّ السَّارِقَ أن يَسْتَعِفَّ بهِ عَنْ سَرِقَتِهِ) فيه إيماء إلى أنّ الغالب في السارق، والزانية أنهما يرتكبان المعصية للحاجة (وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ أَنَّ يَعْتَبِرَ) أي يتّعظ، ويتذكّر (فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ ") فيه أن بعض الناس يترك فعل الخير غفلةً، وذهولًا، فينبغي أن يُذَكَّر بذلك، كي يتنبّه، ويفعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٧/ ٢٥٢٣ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٢٣٠٢. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٢١ (م) في "الزكاة" ١٠٢٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٨٠٨٣. (البيهقيّ) جـ ٤/ ١٩٢ وجـ ٧/ ٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أنه إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقّها، ظانًّا استحقاقه سقطت عنه. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يستفاد من الحديث صحّة الصدقة، وان لم توافق محلًّا، مرضيّا، إذا حسنت نيّة المتصدّق، فأما لو علم المتصدّق أن المتصدَّق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية اللَّه لحرم عليه ذلك، فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان انتهى (٢).
وقال في "الفتح": ولا دلالة في الحديث على الإجزاء، ولا على المنع، ومن ثمّ
стр. 12026
ترجم البخاريّ على هذا الحديث بلفظ الاستفهام، فقال: "باب إذا تصدق على غنيّ، وهو لا يعلم"، ولم يجزم بالحكم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قاله نظر من وجهين:
(الأول): أن قوله: "بلفظ الاستفهام" غير صحيح، بل إنما هو بلفظ الشكّ، ولم يذكر جوابه اتكالًا على كونه معلوما من نصّ الحديث، حيث قال: "أما صدقتك، فقد تقبّلت"، كما في رواية مسلم، والمصنّف، وغيرهما.
(الثاني): قد تقدّم أن وجه الاستدلال به على الإجزاء في الصدقة الواجبة أن قوله: "لأتصدّقنّ" من باب الالتزام، كالنذر، فصارت الصدقة واجبة عليه، وقد قرّر النبيّ ﷺ رؤيا المتصدّق في قبول صدقته، فصحّ الاستدلال به في إجزاء زكاة الفرض. واللَّه تعالى أعلم.
قال في "الفتح": [فإن قيل]: إن الخبر إنما تضمن قصّة خاصّة، وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقيّة، فمن أين يقع تعميم الحكم؟ [فالجواب]: أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف، هو الدّالّ على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب انتهى (١):
(ومنها): أن شريعة من قبلنا شريعة لنا، إذا لم يأت في شرعنا ما يخالفه، وهذا هو القول الحقّ، وهو مذهب البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، حيث أوردوا حديث الباب للاحتجاج على إجزاء الزكاة إذا دُفعت لغير مستحقّها جهلًا. وسيأتي تمام البحث في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): استحباب إعادة الصدقة إذا لم يقع موقعها، وإن أجزأت (ومنها): أن الحكم للظاهر حتى يتبيّن سواه (ومنها): بركة التسليم والرضا، وذمّ التضجّر والتسخط بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول (ومنها): فضل صدقة السرّ، وفضل الإخلاص. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة لغنيّ، أو نحوه، ممن لا يستحقّها على ظنّ أنه يستحقّها:
قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إذا أعطى من يظنّه فقيرًا، فبان غنيًّا، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يجزئه، أي تسقط عنه الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة،
стр. 12027
واختارها أبو بكر. وهذا قول الحسن، وأبي عُبيد، وأبي حنيفة؛ لأن النبيّ ﷺ أعطى الرجلين الْجَلْدَين، وقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظّ فيها لغنيّ، ولا لقويّ مكتسب". وقال للرجل الذي سأله الصدقة: "إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك". ولو اعتَبَر حقيقةً لما اكتفى لقولهم. ثم ذكر ابن قُدامة حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في هذا الباب.
قال: والرواية الثانية: لا يجزئه، وعليه الإعادة؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر. وهذا قول الثوريّ، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، وابن المنذر، وللشافعيّ قولان كالروايتين انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول من قولي الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي؛ لظهور أدلته التي تقدمت آنفًا.
والحاصل أن من دفع زكاته إلى غنيّ، أو نحوه ممن لا يستحقّها، ظانًّا أنه مستحقّها، ثم ظهر بخلافه، سقطت عنه، ولا يلزمه إعادتها، ولكن لو أعادها، كما أعاد الرجل المذكور في حديث الباب، كان حسنًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مسألة مهمّة تُستفاد من حديث الباب، وهي مسألة "هل شرع مَن قبلنا شرع لنا، أم لا؟ "، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، والحقّ -وهو الذي عليه الجمهور، ومنهم الإمام البخاريّ، والمصنّف حيث استدلّا بحديث الباب على ما ترجما له- أنه شرع لنا بشرط أن يُنصّ عليه في شرعنا، وأن لا يأتي في شرعنا ما يخالفه.
وقد ذكر الإمام الزركشيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "البحر المحيط " في أصول الفقه، الخلاف في ذلك، وهاك ملخّصه:
قال -رحمه اللَّه تعالى-: ما مختصره: هل تُعُبّد النبيّ ﷺ بعد النبوّة بشرع من قبله، أم كان منهيًّا عنه؟ فيه أربعة مذاهب:
(الأول): أنه لم يكن متعبَّدًا، بل كان منهيًّا عنها، وعليه أكثر المتكلّمين، وجماعة من الشافعيّة، والحنفيّة، واختاره الغزاليّ، وصححه ابن السمعانيّ، والنوويّ، وابن حزم، وغيرهم.
(الثاني): أنه كان مُتعبّدًا باتباعها، إلا ما نُسخ منها، ونقله ابن السمعانيّ عن أكثر الشافعيّة، والحنفيّة، وطائفة من المتكلّمين. وقال ابن القشيريّ: هو الذي صار إليه الفقهاء. وقال سُليم: إنه قول أكثر أصحابنا -الشافعيّة-، واختاره الشيخ أبو إسحاق أوّلًا في "التبصرة"، واختاره ابن بَرْهان، وقال: إنه قول أصحابنا، وحكاه الأستاذ أبو
стр. 12028
منصور عن محمد بن الحسن، قال: ولذلك استدل بقصّة صالح النبيّ ﷺ ، وقومه في شِرْب الناقة على إجازة المهايأة. وقال الخفاف في "شرح الخصال": شرائع من قبلنا واجبة علينا إلا في خصلتين: أن يكون شرعنا ناسخًا لها، أو يكون في شرعنا ذكر لها، فعلينا اتباع ما كان من شرعنا، وإن كان في شرعهم مقدّمًا. واختاره ابن الحاجب. وقال ابن الرفعة في "المطلب": إن الشافعيّ نصّ عليه في "الأمّ" في "كتاب الإجارة"، وأنه أظهر القولين في "الحاوي". وقال إمام الحرمين: للشافعيّ ميلٌ إلى هذا، وبنى عليه أصلًا من أصوله في "كتاب الأطعمة"، وتابعه معظم الأصحاب. وقال في "النهاية": وقد استأنس الشافعيّ لصحّة الضمان بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] فكان الحِمْلُ في معنى الجعالة لمن ينادي في العير بالصواع، ولعله كان معلومًا عندهم، وتعلّق الضمان به. وقال أيضًا في "كتاب الضمان" فيمن حلف لَيَضربنّ عبده مائة سوط، فضربه بالْعِثْكَال (١): إنه يبرأ؛ لقصّة أيوب ﵁، واتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملّتنا، والسبب فيه أن الملل لا تختلف في موجب الألفاظ، وفيما يقع بِرًّا وحنثًا. وثبت عن بِن عبّاس ﵄ أنه سجد في "سورة ص"، وقرأ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فاستنبط التشريع من هذه الآية. رواه البخاريّ، وأحمد، وسعيد بن منصور (٢).
وقال أبو بكر عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك. وكذا قال القرطبيّ: ذهب إليه معظم أصحابنا. وقال ابن العربيّ في "القبس": نصّ عليه مالك في "كتاب الديات" من "الموطأ"، ولا خلاف عنده فيه.
(الثالث): أنه لم يتعبّد فيها بأمر، ولا نهي. حكاه ابن السمعانيّ.
(الرابع): الوقف. حكاه ابن القشيريّ. انتهى كلام الزركشيّ باختصار (٣).
وقد ذكر الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "نثر الورود، شرح مراقي السعود" عند قول الناظم:
وَلَمْ يَكُنْ مُكَلّفًا بِشَرْعِ … صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ قَبْلَ الْوَضْعِ (٤)
وَهُوَ وَالأُمَّةُ بَعْدُ كُلِّفَا … إلَّا إِذَا التكْلِيفُ بِالنَّصِّ انْتَفَى
وَقِيلَ لَا وَالْخُلْفُ فِيمَا شُرِعَا … وَلَمْ يَكُنْ دَاعٍ إِلَيْهِ سُمِعَا
стр. 12029
ما حاصله: يعني أن النبيّ ﷺ ، وأمته بعد نزول الوحي مكلّفون بشرع من قبلهم، خلافًا للشافعيّ، ومحلّ الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم يثبت في شرعنا أنه شرع لنا.
قال: وهذه المسألة هي مسألة: هل شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا؟. وتحقيق المقام فيها أن لها ثلاث حالات:
(الأولى): يكون شرع من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن كان قبلنا، ثمّ نصّ لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص؛ لأن اللَّه بَيّن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥] ونصّ على أنه شرع لنا أيضًا في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
(الثانية): ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين:
(إحداهما): ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، ولو زعموا أنه من شرعهم.
(والأخرى): ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، ونُصّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا، كالآصار، والأثقال التي شُرعت على من قبلنا، كإيجابه عليّ بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم توبةً من عبادة العجل المنصوص في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٤]، فإن هذه الآصار رُفعت عنّا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وثبت في "صحيح مسلم" أنّ النبيّ ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال اللَّه: قد فعلت".
(الثالثة): هي محلّ الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينصّ في شرعنا على أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرعٌ لنا؛ خلافًا للشافعيّ (١).
وحجة الجمهور أنه ما ذُكر لنا في شرعنا إلا للاعتبار، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضّ تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.
ومما استدلّ به الجمهور أن اللَّه لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال للنبيّ ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، والأصحّ أن الأمر للوجوب،
стр. 12030
وأن الأمّة تدخل تحت الخطاب الخاصّ به ﷺ .
واستدلّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] وبقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٦].
واحتجّ الإمام الشافعيّ على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، وقال: إن الْهُدَى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدينَ في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ المراد بهما العقائد، دون الفروع العملية، بدليل الآية المذكورة.
والحقّ أنه لا يختص بذلك؛ لما في "صحيح البخاريّ" عن مجاهد أنه سأل ابن عباس ﵄ من أين سجدتَّ؟ -يعني في ﴿ص﴾ - فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ … ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكان داود ممن أُمر نبيّكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها رسول اللَّه ﷺ .
فهذا نصّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبيّ ﷺ ثابت في "صحيح البخاريّ" على أنّ سجود التلاوة داخل في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد.
وأجاب الجمهور عن احتجاج الشافعيّ بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بأن المراد بها نسخ بعض ما كان مشروعًا، أو زيادةُ ما لم يكن مشروعًا، وكلاهما ليس من محلّ النزاع.
ولم يزل العلماء يستدلّون على الأحكام بالقصص الماضية، كاستدلال المالكيّة، وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي عن البينة بجعل شاهد يوسف قرينةَ شقّ القميص من دبر مقتضية صدقَ يوسف ﵇، وكذب امرأة العزيز المنصوص في قوله:
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ [يوسف: ٢٨]، ولذا صارت القرينة تكفي عن البيّنة في أمور كثيرة، كقول مالك: إن مَن استُنكِهَ، فَشُمّ من نكهته رائحة الخمر أنه يُجلد جلدَ شارب الخمر.
وكمسيس الزوجة التي زُفّت إليه مع نساء لا تُثبت شهادتهنّ عينَ الزوجة؛ اعتمادًا على القرينة. وكالضيف يأتيه الصبيّ، أو الوليدة بالطعام، فيباح له أكله من غير بيّنة؛ اعتمادًا على القرينة. وكأخذ المالكيّة، وغيرهم أيضًا أن القرينة تُبطلها قرينة أقوى منها، من قصّة يعقوب، وأولاده حيث جعلوا دم السخلة على قميص يوسف؛ ليكون الدم قرينة لهم على صدقهم في أنّ يوسف أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شقّ القميص، فقال: سبحان اللَّه، متى كان الذئب حليمًا كيّسًا، يقتل يوسف، ولا
стр. 12031
يشقّ قميصه (١). كما ذكر اللَّه عنهم في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ١٨].
وكأخذ المالكيّة وغيرهم جوازَ ضمان الغُرْمَ من قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
وكأخذ بعض الشافعية ضمان الوجه المعروف عندهم بالكفالة، من قصّة يعقوب وأولاده المنصوص في قوله: ﴿قَالَ: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ الآية [يوسف: ٦٦].
وكأخذ الحنابلة جواز طول مدّة الإجارة من قوله في قصّة موسى وشُعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
وكأخذ المالكيّة وجوب الإعذار للخصم بـ "أَبَقِيَ لَكَ حُجّةٌ؟ " من قوله في قصّة سليمان في الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١]. وكأخذهم أيضًا أن التلوّم للخصم بعد انقضاء الآجال ثلاثةُ أيام، من قوله تعالى في قصّة صالح ﵇ وقومه: ﴿فَقَالَ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية [هود: ٦٥].
وكأخذ العلماء جواز وقوع كرامات الأولياء من قوله تعالى في قصّة مريم: ﴿قَالَ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ٣٧]. وأمثال هذا كثيرة جدًّا. انتهى ما كتبه الشيخ الشنقيطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه المذكور (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الشيخ الشنقيطي -رحمه اللَّه تعالى- فيما ساقه من الآيات، وبَيَّن ما فيها من الدلالات.
والحاصل أنه قد تبيّن مما تقدّم أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أيضًا منصوص للإمام الشافعيّ، من أن شرع من قبلنا، إذا قصّه اللَّه تعالى في كتابه، أو قصّه النبيّ ﷺ فيما صحّ عنه، ولم يَرِد في شرعنا ما يخالفه، فإنه يكون شرعًا لنا.
ومن الأدلة القوية لذلك ما أخرجه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يَلْهَث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر اللَّه له فغفر له"، قالوا: يا رسول اللَّه، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: "نعم في كل ذات كبد رطبة أجر".
стр. 12032
ومحل الشاهد قول الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -: "وإن لنا الخ" حيث فهموا من ذكر النبيّ ﷺ هذه القصّة أنهم لو عملوا بمثل عمله يؤجرون مثل أجره، فاستثبتوا ذلك منه ﷺ ، فأقرّهم على فهمهم، وأوضح لهم بأن لهم في كلّ حيون ذات كبد رطبة أجرًا، وإلا لقال لهم: إن هذه الحكاية ليست لكم، وإنما هي لمن كان قبلكم فقط، فليُتنبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٨ - (بَابَ الصَّدَقَةِ مِنْ غُلُولٍ)
٢٥٢٤ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ …
قَالَ: وَأَنْبَأَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, -وَاللَّفْظُ لِبِشْرٍ- عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ , لَا يَقْبَلُ صَلَاةً, بِغَيْرِ طُهُورٍ, وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخيه، وهما ثقتان. و"أبو الْمَلِيح" -بفتح الميم-: اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد الهذليّ، ثقة [٣] ١٠٤/ ١٣٩. و"أبوه": هو أسامة بن عُمير، أو عامر بن حُنيف بن ناجية صحابي تفرد ابنه بالروية عنه، تقدم في ١٠٤/ ١٣٩.
والحديث صحيح، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "أبواب الطهارة، في- "باب فرض الوضوء" -١٠٤/ ١٣٩ - رواه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة به، وتقدّم هناك شرحه مستوفًى، وكذا الكلام على مسائله، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
فقوله: "الذرّاع" بصيغة المبالغة، وفي "التهذيبين"، و"الخلاصة"، و"التقريب" نسخةِ أبي الأشبال "الذارع" بصيغة اسم الفاعل، وهو اسم لمن يَذرَع الثياب والأرض، كما في "لبّ اللباب" ج١ ص ٣٣٥. فما وقع في النسخة الهندية من قوله: "الزّرّاع" بالزاي بدل الذالّ المعجمة، فتصحيف. فتنبّه.
стр. 12033
وقوله: "قال: وأنبأنا إسماعيل بن مسعود" هذا إسناد آخر للمصنّف، والواو فيه واو التحويل، أي هي الواو التي تأتي بعد حاء التحويل، ففاعل "قال" ضمير يعود إلى تلميذ المصنّف، وقائل: "وأنبأنا" هو المصنّف.
وقوله: "بغير طهور" قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: "الطهور" هنا -بضمّ الطاء- على الأشهر؛ لأن المراد به المصدر انتهى.
وقوله: "من غُلُولٍ" -بضم الغين المعجمة- مصدر غَلّ يَغُلُّ غُلُولًا، من باب قعد: إذا سرق من مال الغنيمة قبل القسمة، ويطلق أيضًا على أخذ مال غيره خفية مطلقًا، غنيمة، أو غيرها، والمراد به هنا مطلق المال الحرام، أُخذ خفيةً، أم لا، وسمي غلولًا؛ لأن الأيدي يُجعل فيها الغُلّ بسببه، والغلّ: هي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه.
والحاصل أن كلّ مال يأخذه الشخص من غير حلّ، ثم يتصدّق به لا يقبل منه، وكذا لو نوى التصدّق به عن صاحبه، ولا تسقط عنه تبعته، إلا إذا رضي عنه صاحبه، وجعله في حلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ, مِنْ طَيِّبٍ, وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ , إِلاَّ الطَّيِّبَ, إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ, وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً, فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ, حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ, كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ", أَوْ "فَصِيلَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧].
٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ المدني الثقة الفقيه [٣].
٤ - (سعيد بن يسار) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقة [٣].
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، والليث فمصري.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من
стр. 12034
الرواية روى (٥٣٧٤). واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بن يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا") نافية (تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ) الباء يكثر زيادتها بعد "ما" النافية، و"ليس"، و"كان المنفيّة بـ "لم"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" و"لَيْسَ" جّرَّ الْبَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْيِ "كَانَ" قَدْ يُجَرُّ
(مِنْ طَيِّبٍ) أي حلالٍ، وقد يطلق الطيّب على المستلذّ بالطبع، والمراد هنا هو الحلال.
وفي رواية الشيخين: "مَن تصدّق بِعَدْل تمرة من كسب طيّب": أي بقيمتها؛ لأنه بالفتح: المثل، وبالكسر: الِحْمل بكسر المهملة، هذا قول الجمهور، وقال الفرّاء: بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة، وبالكسر في النظر. وأنكر البصريّون هذه التفرقة. وقال الكسائيّ: هما بمعنى، كما أنّ لفظ المثل لا يختلف. وضُبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح انتهى (١).
وقوله: "من كسب طيّب" أي صناعة، أو تجارة، أو زراعة، أو غيرها، ولو إرثًا، أو هبة. قال الحافظ: معنى الكسب: المكسوبُ، والمراد به ما هو أعمّ من تعاطي التكسّب، أو حصول المكسوب بغير تعاط، كالميراث، وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال، والمراد بالطيّب الحلال؛ لأنه صفة الكسب.
وقال القرطبيّ: والكسب الطيّب في هذا الحديث الحلال، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] وغيره، وأصل الطيّب المستلذّ بالطبع، ثمّ أُطلق على المطلق بالشرع انتهى (٢).
(وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ ، إِلَّا الطَّيِّبَ) جملة معترضةٌ بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفيه دليل على أن الحلال مقبول. قال السنديّ: هذه الجملة معترضة لبيان أنه لا ثواب في غير الطيّب، لا أن ثوابه دون هذا الثواب، إذ قد يتوهّم من التقييد أنه شرط لهذا الثواب بخصوصه، لا لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضًا، فذُكِرَت هذه الجملة دفعًا لهذا التوهّم. ومعنى عَدَم قبوله أنه لا يُثيب عليه، ولا يرضى به. انتهى (٣).
стр. 12035
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ومعنى عدم القبول الخ" فيه نظر؛ لأن هذا لازم لمعنى القبول، لا مَعنًى للقبول، والصواب أن القبول على ظاهر معناه على الوجه اللائق به ، كما يدلّ عليه قوله: "إلا أخذها الرحمن الخ"، كما سيأتي بيانه قريبًا.
وقال القرطبيّ: وإنما لا يقبل اللَّه الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدّق، وهو ممنوعٌ من التصرّف فيه، والتصدّق به تصرّف فيه، فلو قُبلت منه لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتُحرَم الرّقّة، والإخلاص، فلا تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يُقبل؛ لأنه ليس بطيّب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيّب بذاته انتهى.
(إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ) فيه إثبات اليمين للَّه ، على ما يليق بجلاله، وهذا المذهب الحقّ الذي عليه سلف هذه الأمة، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَإنْ كَانَتْ تَمْرَةً) قال السنديّ: و"إن" وصليّةٌ، أي ولو كانت الصدقة شيئًا حقيرًا انتهى (فَتَرْبُو) أي تزيد تلك الصدقة (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) فيه إثبات الكفّ للَّه تعالى أيضًا على ما يليق بجلاله (حَتَّى تَكُونَ) تلك الصدقة (أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ) أي في الثقل. وفي رواية البخاريّ: "حتى تكون مثل الجبل". وفي رواية ابن جرير: "حتى يوافَى بها يوم القيامة، وهي أعظم من أحد". يعني التمرة. ولفظ الترمذيّ: "حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد"، وتصديق ذلك في كتاب اللَّه : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام أبي هريرة. وزاد في رواية عبد الرزّاق: "فتصدّقوا".
قال الحافظ: والظاهر أن المراد بعِظَمِها أن عينها تعظم لتَثقُلَ في الميزان. ويحتمل أن يكون ذلك معبّرًا به عن ثوابها انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الصواب، وأما الثاني، فيُبعِده سياق الحديث. واللَّه تعالى أعلم (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ) هذا التشبيه متعلّق بمحذوف: أي يربيها الرحمن تربية، مثل تربية أحدكم الخ، ويدلّ عليه رواية الشيخين، وغيرهما بلفظ: "ثم يُربيّها لصاحبها، كما يربّي أحدكم الخ" (فَلُوَّهُ") بفتح الفاء، وضمّ اللام،
стр. 12036
وفتح الواو المشدّدة: أي مُهره. وهو بضمّ، فسكون: ولد الفرس، حين يُفلَى، أي يُفطم. وقيل: هو كلّ فَطِيم، من ذوات حافر، والجمع أفلاء، كعدُوّ وأعداء، والأنثى فَلُوّةٌ بالهاء، والْفِلْوُ وزان حِمْل لغة فيه. وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شدّدت الواو، وإذا كسرتها سكّنت اللام، كجِرْوٍ.
وضُرِب به المثلُ؛ لأنه يزيد زيادة بينة، فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده، ويتولّى تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن القيام، والعناية به انتهى إلى حدّ الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيّما الصدقة التي يُجاذبها الشحّ، ويتشبّث بها الهوى، ويقتفيها الرياء، ويكدّرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى اللَّه تعالى إلا موسومة بنقائص، لا يجبرها إلا نظر الرحمن ، فإذا تصدق العبد من كسب طيّب، مستعدًّا للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فلا يزال نظر اللَّه يُكسبها نعت الكمال، ويوفيها حصّة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبةُ بينه وبين ما قَدّم من العمل وقوعَ المناسبة بين التمرة والجبل. كذا قال التوربشتيّ (١).
(أَوْ فَصِيلَهُ) "أو" للشكّ من الراوي. و"الفصيل" -بالفتح-: ولد الناقة؛ لأنه يُفصَل عن أمّه، فهو فعيل بمعنى مفعول، والجمع فُصلان، بضمّ الفاء، وكسرها، وقد يُجمع على فِصال، بالكسر. قاله في "المصباح".
ووقع عند الترمذيّ: "فلوّه، أو مُهْره". ولعبد الرزّاق: "مُهره، أو فَصيله". وفي رواية البزّار: "مهره، أو رَضيعه، أو فَصيله". ولابن خزيمة: "فلوّه، أو قال: فصيله".
وهذا يشعر بأن "أو" للشكّ. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨/ ٢٥٢٥ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٢٣٠٤. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤١٠ (م) في "الزكاة" ١٠١٤ (ت) في "الزكاة" ٦٦١ و ٦٦٢ (ق) في "الزكاة" ١٨٤٢
стр. 12037
(أحمد) في باقي مسند المكثرين" ٧٥٧٨ و ٨١٨١ و ٨٧٣٨ و ٨٩٩٢ و ٩١٤٢ و ٩١٤٩ و ٩٢٨١ و ٣٨٩٧ و ١٠٥٦٢ و ١٠٥٩٦ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها):- ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحريم الصدقة من غلول؛ لأنها خبيثة، واللَّه تعالى طيّب، لا يتقبل إلا طيّبًا (ومنها): جواز الوصف للَّه تعالى بأنه طيّب. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي منَزّه عن النقائص، والخبائث، فيكون بمعنى القدّوس. وقيل: طيّب الثناء، ومُستَلَذّ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا فطيّبٌ من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنّة، كالجميل، والنظيف، على قول من رواه، ورآه انتهى (١).
(ومنها): فضل الصدقة من المال الحلال، حيث إن الرحمن يتقبّلها بقبول حسنٍ (ومنها): إثبات صفة القبول للَّه تعالى على ما يليق بجلاله ، ولا يقال: إنه بمعنى الرضا والمثوبة؛ لإن هذا تفسير باللازم، ولا حاجة إلى العدول إلى التأويل؛ إذ ليس نصّ يدلّ عليه، بل القبول على ظاهره، ولا يلزم من إثباته تشبيه بالمخلوق، إذ القبول الثابت له تعالى غير القبول الثابت للمخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (ومنها): إثبات اليمين للَّه على ما يليق بجلاله أيضًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (ومنها): إثبات الكف للَّه كذلك (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى للمتصدّق من مال طيّب، حيث يربّيها له حتى تكون التمرة الواحدة من عظمها مثل الجبل، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في آيات الصفات، وآحاديثها:
(اعلم): أن الحق الذي درج عليه الصحابة ﵃، والتابعون، ومن تبعهم بإحسان هو إثبات ما دلّت عليه آيات الصفات، وأحاديثها الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ على ظاهرها من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تأويل، بل على ما يليق بجلاله ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "جامعه" بعد أن أورد حديث الباب: ما
стр. 12038
نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الربّ ﵎، كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويُؤمَن بها، ولا يُتَوَهَّم، ولا يقال: كيفَ. هكذا رُوي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا "كيف". وهكذا قول أهل العلم من أهل السنّة والجماعة.
وأما الجهميّة، فأنكرت هذه الرويات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر اللَّه تبارك تعالى في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهميّة هذه الآيات، وفعمروها على غير ما فسّر به أهلُ العلم، وقالوا: إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوّة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه، إذا قال: يدٌ كيدٍ، أو مثلُ يدٍ، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمعٌ كسمع، أو مثلُ سمعٍ، فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال اللَّه: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيفَ، ولا يقول: مثلُ سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انتهى كلام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وأخرج الإمام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في "السنن الكبرى" - بعد أن أخرج حديث: "ينزل ربنا كلّ ليلة إلى سماء الدنيا … " الحديث- عن الوليد بن مسلم، أنه قال: سئل الأوزاعيّ، ومالكٌ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيّة.
وأخرج أيضًا عن أبي داود الطيالسيّ، أنه قال: كان سفيان الثوريّ، وشعبة، وحماد ابن زيد، وحماد بن سلمة، وشريك، وأبو عوانة لا يَحِدُون، ولا يُشبّهون، ولا يمثلون، يَرْوُون الحديث، ولا يقولون: كيفَ، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر.
قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد اللَّه المزنيّ، يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدّقه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، والنزول، والمجيء صفتان منفيّتان عن اللَّه تعالى من طريق الحركة، والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات اللَّه تعالى، بلا تشبيه، جلّ اللَّه تعالى عما تقول المعطّلة لصفاته، والمشبّهة بها علوًّا كبيرًا انتهى كلام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
стр. 12039
وقال الإمام المفسّر المحدّث البغويّ في "شرح السنّة" بعد أن أخرج حديث النار، وفيه: "حتى يضع ربّ العزة قدمه"، وفي لفظ: "رجله": ما نصّه: قلت: والقدم، والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات اللَّه المنزّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنّة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجبٌ، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغٌ، والمنكر معطلٌ، والمكيّفُ مشبِّهٌ، تعالى اللَّه عمّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انتهى كلام البغويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الحافظ الذهبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "العلوّ للعليّ الغفّار" بعد أن ذكر عدّة آيات من آيات الاستواء والعلوّ: ما نصّه: فإن أحببت يا عبد اللَّه الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنّة، ثم انظر ما قاله الصحابة، والتابعون، وأئمّة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف … إلى أن قال: فإننا على اعتقادٍ صحيحٍ، وعقدٍ متينٍ من أن اللَّه تعالى، تقدس اسمه، لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدّسة، إذ الصفات متابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري، ونميّز ذاته المقدسة عن الأشباه، من غير أن نعقل الماهيّة، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها، ونتعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نكيّفها، أو نمثّلها بصفات خلقه، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا انتهى المقصود من كلام الحافظ الذهبيّ ﵀ تعالى (٢).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح": قال شهاب الدين السهرورديّ في كتاب العقيدة له: أخبر اللَّه في كتابه، وثبت عن رسوله ﷺ الاستواء، والنزول، والنفس، واليد، والعين، فلا يُتصرّف فيها بتشبيه، ولا تعطيل، إذ لولا إخبار اللَّه، ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى.
قال الطيبيّ: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح.
وقال غيره: لم ينقل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال أن يأمر اللَّه نبيّه ﷺ بتبليغ ما أُنزل إليه من ربّه، وُينْزِل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم يترك هذا الباب، فلا يميّز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز، مع حضّه
стр. 12040
على التبليغ عنه بقوله: "ليبلّغ الشاهد الغائب"، حتى نقلوا أقواله، وأفعاله، وأحواله، وصفاته، وما فُعل بحضرته، فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده اللَّه منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾،فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم، وباللَّه تعالى التوفيق انتهى ما ذكره الحافظ في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من نصوص هؤلاء الأئمة الأعلام أن الحقّ هو إثبات صفات اللَّه على ما جاءت به نصوص الكتاب، والسنّة "الصحيحة" من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله ، وهذا هو الذي أجمع عليه السلف، ومن سار على طريقتهم، وسلك سبيلهم، من أهل العلم بالكتاب والسنّة في جميع الأعصار والأمصار.
وأما ما نقله في "الفتح" عن المازريّ، والقاضي عياض، والزين ابن المنيّر، وغيرهم من تأويلهم حديث الباب بالتأويلات التي يأباها ظاهر النص، وتخالف ما عليه السلف، مما تقدّم من إثباتهم الصفات كما وردت على المعنى اللائق به ، وعدم الخوض بالتأويل فأقوال لا يُلْتَفَتُ إليها؛ لكونها مما أحدثه المتأخّرون، مخالفين لهدي سلفهم الذي هو الحقّ الحقيق بالقبول والاتباع ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، ولقد أحسن من قال:
وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَن خَلَفْ
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللَّهمّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم اللهم آمين، آمين، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 12041
٤٩ - (جُهْدُ الْمُقِلِّ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل الصدقة مع قلّة المال، فـ "الجهد" بالفتح، والضمّ: الطاقة، تقول اجهد جَهْدك، وقيل: بالفتح: المشقّة، وبالضمّ: الطاقة، وقال الليث: الجَهْد -بالفتح-: ما جَهَدَ الإنسانَ من مرضٍ، أو أمر شاقّ، فهو مجهودٌ، قال: والْجُهْد -بالضمّ- لغةٌ بهذا المعنى. وقال ابن الأثير: قد تكرّر لفظ الْجَهْد -بالفتح، والضمّ- في الحديث، وهو -بالفتح- المشقّة، وقيل: المبالغة والغاية، و- بالضمّ-: الوُسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقّة والغاية فالفتح لا غير، قال: ومن المضموم حديث الصدقةِ، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: " جُهْد المقلّ": أي قدر ما يحتمله حال القليل المال. ذكره في "لسان العرب". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ حَجَّاجٍ (١) , قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ, وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ, وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ» , قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ» , قِيلَ: "فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جَهْدُ الْمُقِلِّ» , قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ » , قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ, وَنَفْسِهِ» , قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: «مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ, وَعُقِرَ جَوَادُهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ) أبو الحسن الورّاق البغداديّ، ويقال له: ابن الحكم، ثقة [١١] ٤٢/ ١٢٨٢ من رجال أبي داود، والترمذيّ، والمصنّف.
٢ - (حَجَّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ الثبت، وهو أثبت مَن روى عن ابن جُريج [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الفقيه الثقة الفاضل المكيّ [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيمَانَ) بن جُبير بن مطعم القرشيّ النوفليّ المكيّ، قاضيها، ثقة
стр. 12042
[٦] ١٣/ ١٢٠٥.
٥ - (عَلِيِّ الْأَزْدِيّ) بن عبد اللَّه البارقيّ أبو عبد اللَّه بن أبي الوليد، صدوق [٣] ٢٦/ ١٦٦٦.
٦ - (عُبَيد بْن عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، ولد على عهد النبيّ ﷺ ، من كبار التابعيين، وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر [٢] ١٢/ ٤١٦.
٧ - (عبد اللَّه بن حُبْشيّ الْخَثْعَميّ) -بضمّ المهملة، وسكون الموحّدة، بعدها معجمة، ثم ياء ثقيلة- أبو قُتيلة. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه عُبيد بن عُمير، وسعيد بن محمد بن جُبير ابن مُطعم، إن كان محفوظًا. قال ابن سعد: نزل مكة. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب، وحديث النهي عن قطع السدر فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابيّ كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، إلى آخره،. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فإنه ليس له في الكتب الستّة، بل ولا في غيرها غير هذين الحديثين عند أبي داود، والمصنف. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبد اللَّهِ بْن حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الثاء المثلّثة، بعدها عين مهملة، فميم-: نسبة إلى خَثْعَم بوزن جَعْفر، اسم قبيلة، سمّيت باسم أبيها خثعم بن أنمار (أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ ، سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أعمال العباد أكثر ثوابًا؟ (قَالَ: "إِيمَانٌ لًا شَكَّ فِيهِ") قال السنديّ: أي في مُتعلّقه، والمراد تصديقٌ بلغ حدّ اليقين، بحيث لا يبقى معه أدنى توهّم لخلافه، وإلا فمع بقاء الشكّ لا يحصل الإيمان، أو إيمان لا يشكّ المرء في حصوله له، بأن يتردّد هل حصل له الإيمان، أم لا. والوجه الأول أولى، واللَّه تعالى أعلم انتهى (١) (وجهادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ) بضمّ الغين، أي لا خيانة منه في غنائمه (وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ) قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: الحجّ المبرور: هو الذي لا يخالطه شيءٌ من المآثم. وقيل: هو المقبولُ الْمُقابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرَّ حَجُّهُ، وبُرَّ حجُّهُ، وبرَّ اللَّهُ حجَّهُ، وأبرَّه بِرًّا -بالكسر- وإبرارًا انتهى (٢) (قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ") أي القيام، وفيه أن طول القيام أفضل من كثرة
стр. 12043
الركوع والسجود، وبه قالت الشافعيّة، والحنفيّة، وهو الحقّ، لهذا الحديث، ولما رواه مسلم في "صحيحه"، من حديث جابر ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أفضل الصلاة طول القنوت". يعني القيام. وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الصلاة" - في باب "أقربُ ما يكون العبد من اللَّه ﷺ "، فراجعه تستفد.
(قِيلَ: "فَأَيُّ الصدقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " جُهْدُ الْمُقِلِّ") "الجهد" -بالضمّ-: الوسع والطاقة، - وبالفتح-: المشقة والغاية، والمراد هنا الأول. و"المقلّ" -بضمّ الميم، وكسر القاف، وتشديد اللام-: الفقير الذي معه شيء قليل من المال: أي إن أفضل الصدقة هو الذي يتصدّق به قليل المال على قدر طاقته، ووسعه. وإنما كانت صدقة المقلّ أفضل من صدقة الغنيّ؛ لأن الفقير يتصدّق بما هو محتاجٌ إليه، بخلاف الغنيّ، فإنه يتصدّق بفضول ماله. وهذا نظير الحديث التالي: "سبق درهم مائة ألف درهم … " الحديث.
ولا تنافي بينه وبين حديث أبي هريرة الآتي في-٥٣/ ٢٥٣٤ - مرفوعًا: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى … " الحديث. فإن حديث الباب محمول على قويّ الإيمان الذي يصبر على الفاقة، ويكتفي بأقلّ الكفاية. والحديث الآتي محمول على ضعيف الإيمان.
ويحتمل أن يكون المراد بالغنى غنى القلب الذي يصبر صاحبه على الجوع، والشدّة، وهو المراد بالمقلّ في حديث الباب، فيكون المعنى: أن تصدق الفقير الغنيّ القلب، ولو كان قليلًا، أفضل من تصدّق الغنيّ بكثير من ماله، فهو يدلّ على أن الفقير الصابر أفضل من الغنيّ الشاكر، وأنّ عبادة الأول مع قلّتها أفضل من عبادة الثاني، مع كثرتها (١). وسيأتي تمام البحث في هذا في الباب المذكور، إن شاء اللَّه تعالى.
(قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أنواع الهجرة أفضل. و"الهجرة" في الأصل مأخوذة من الْهَجْر -بفتح، فسكون- ضدِّ الوصل، ثمّ غلبت على الخروج من أرض إلى أرض، فإن كان خرج للَّه، فهي الهجرة الشرعيّة، وتطلق أيضًا على ترك المحرّمات، وهي المرادة هنا، كما أشار إليها
بقوله (قَالَ) ﷺ (مَن هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ") الكلام على حذف مضاف، أي هجرة من هجر الخ، يعني أن ترك الشخص الأمر الذي حرّمه اللَّه هو أفضل أنواع الهجرة.
وقال في "الفتح" عند شرح حديث عبد اللَّه بن عَمْرو ﵄، مرفوعًا: "والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه": ما نصّه: وهذه الهجرة ضربان، ظاهرة، وباطنة، فالباطنة ترك ما
стр. 12044
تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء، والشيطانُ، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن، وكأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك لئلّا يتكلوا على مجرّد التحوّل من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع، ونواهيه.
وَيحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة، لَمّا فُتحت مكّة؛ تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى اللَّه عنه انتهى (١).
(قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أنواع الجهاد أفضل؟ (قَالَ) ﷺ (مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ، وَنَفْسِهِ) هو على حذف مضاف أيضًا، أي جهادُ مَن جاهد الخ. يعني أن جهاد من جاهد المشركين بماله ونفسه أفضل من غيره.
ولا تنافي بينه وبين حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، مرفوعًا: "أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر". رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. وهو حديث حسنٌ بشواهده؛ لأن الأفضلية نسبيّةٌ، أي بالنسبة للكلام، فإن المؤمن يجاهد بلسانه، كما يجاهد بيده، فتكون كلمة الحقّ عند سلطان جائر أفضل جهاد المؤمن المتعلّق بلسانه. ويحتمل أن تكون "من" مقدّرة، أي من أفضل الجهاد.
والحاصل أن جهاد المؤمن للمشركين بنفسه وماله أفضل أنواع الجهاد على الإطلاق. واللَّه تعالى أعلم.
(قِيلَ: فَأَيُّ القَتْلِ أَشْرَفُ؟) أي أيّ أنواع القتل أشرف؟. وفي نسخة: "فأيّ القتل أفضل؟ " (قَالَ) ﷺ (مَن أُهَرِيقَ دَمُهُ) هو على حذف مضاف أيضًا، أي قتل من أهريق الخ. و"أهريق" بالبناء للمفعول، بمعنى "أُريق"، أي صَبّ. قال الفيّوميّ: راق الماءُ والدمُ رَيقًا، من باب باع: انصبّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعولُ مُراقٌ، وتبدل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصل هَرْيَقَه، وزان دحرجه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَريقه، كما تُفتح الدّالّ من يُدَحرجه، وتفتح من الفاعل، والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَراقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
وِإنَّ شِفَائِي عَبرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
والأمرُ هَرِقْ ماءَكَ، والأصل هَرْيِقْ، وزان دَحْرِجْ. وقد يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهراقه يُهرِيقه، ساكن الهاء، تشبيهًا له بـ "أسطاع يُسْطِيع"، كأنّ الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا. انتهى
стр. 12045
كلام الفيّومي (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فعلى هذا يحتمل "أُهريق" هنا أن يُضبط بفتح الهاء، وهو الأصل، وسكونِهَا. واللَّه تعالى أعلم.
(وَعُقِرَ جَوَادُهُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي ضُربت قوائم جواده بالسيف، يقال: عَقَرَ البعيرَ بالسيف عَقْرًا، من باب ضرب: إذا ضرب قوائمه به، ولا يطلق العَقْرُ في غير القوائم، وربّما قيل: عقره: إذا نحره، فهو عَقِيرٌ. أفاده في "المصباح". و"الجواد" - بفتح الجيم، وتخفيف الواو- الخيل، يُطلق على الذكر والأنثى. قال في "اللسان": وجاد الفرسُ: أي صار رائعًا، يَجُود جُودَةً -بالضمّ-، فهو جَوَادٌ للذكر والأنثى، والجمع جِيَاد، وأَجْيَادٌ، وأجاويد انتهى بتصرّف يسير.
والمراد قتلُ مَن صَرَفَ نفسه وماله في سبيل اللَّه تعالى، وقتل فرسه معه، وإنما كان هذا أشرف أنواع القتل؛ لأنه بذل أنفس ما عنده للَّه تعالى، وهما نفسه، وماله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن حُبْشيّ ﵁ هذا صحيح.
[تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الإصابة" بعد أن ذكر أن إسناد هذا الحديث قويٌّ: ما نصّه: لكن ذكر البخاريّ في "التاريخ" (٢) له علّة، وهي الاختلاف على عُبيد بن عُمير في سنده، فقال عليٌّ الأزديّ عنه هكذا، وقال عبد اللَّه بن عُبيد بن عمير، عن أبيه عن جدّه، واسم جدّه قتادة بن النعمان الليثيّ، ولكن لفظ المتن قال: "السماحة والصبر". فمن هنا يمكن أن يقال: ليست العلّة بقادحة. وقد أخرجه هكذا موصولا، من وجهين، في كلّ منهما مقال، ثم أورده من طريق الزهريّ، عن عبد اللَّه ابن عبيد، عن أبيه، مرسلًا، وهذا أقوى انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذه العلّة غير قادحة في صحة الحديث، كما أشار إليه الحافظ في كلامه المذكور آنفًا، بدليل اختلاف متني الحديثين، فيحمل على أن عبيد بن عُمير روى الحديثين جميعًا، روى عن عبد اللَّه بن حبشيّ حديث الباب، وعن أبيه عن جدّه الحديث المذكور، فلا يُعَلّ أحدهما بالآخر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.