ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفًى قريبًا، وإنما أذكر هنا ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مقدار زكاة الفطر، فأقول:
(مسألة): اختَلَفَ أهلُ العلم في مقدار المخرَج في زكاة الفطر، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف إلى أن الواجب إخراجه في زكاة الفطر صاع، من أيّ جنس أُخرج. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ، وأبي العالية، وجابر بن زيد، وإسحاق بن راهويه. قال ابن قُدامة: وروي عن أبي سعيد الخدريّ انتهى.
وقال أبو حنيفة: إنما يُخرِج صاعًا، إذا أَخرج تمرًا، أو شعيرًا، فأما إذا أخرج قَمْحًا، أو دقيقه، أو سويقه، فالواجب نصف صاع، وعنه في الزبيب روايتان: أشهرهما عنه أنه مثل القَمْح، فيُخرج منه نصف صاع. والثانية: أنه كالشعير، فيخرج منه صاعًا، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وأكثر أهل الكوفة، غير أبي حنيفة. قال: وروينا عن جماعة من الصحابة، والتابعين أنه يجزئ نصف صاع من البرّ، روينا ذلك عن أبي بكر، وعثمان، وليس يثبت ذلك عنهما، وعن عليّ، وابن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء. وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي قلابة، وعبد اللَّه ابن شدّاد، ومصعب بن سعد. واختُلف فيه عن عليّ، وابن عبّاس، والشعبيّ، فروي عن كلّ منهم القولان جميعًا انتهى.
قال وليّ الدين: وهو قول في مذهب مالك أنه يُجزىء من القمح نصف صاع.
واحتجّ هؤلاء بما في "سنن أبي داود" عن ثعلبة بن أبي صُعير، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "صاع من قَمْح، على كلّ اثنين" (١). وعن ابن عبّاس ﵄: "فرض رسول اللَّه ﷺ هذه الصدقة، صاعًا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع قَمْح".
стр. 11972
وروى الترمذيّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ ﷺ بعث مناديًا في فِجاج مكّة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كلّ مسلم، ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد، صغير، أو كبير، مدّان من قَمْحٍ، أو سواه صاعٌ من طعام". قال الترمذيّ: حسنٌ غريبٌ (١).
واحتجّ الأوّلون بأن في بعض طرُق حديث ابن عمر "صاعًا من بُرّ"، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. وروي أيضًا من حديث عليّ، وزيد بن ثابت. وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: كنّا نعطيها في زمان رسول اللَّه ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السَّمْرَاء، قال: أرى مدًّا من هذا يعدل مدّين". قال ابن عبد البرّ: ولم يختلف مَن ذكر الطعام في هذا الحديث أنه أراد به الحنطة. وثبت في "الصحيحين" في حديث ابن عمر: أمر النبيّ ﷺ بزكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعجل الناس عدله مدّين من حنطة". وهذا صريح في أن إخراج نصف صاع من القَمح لم يكن في زمن النبيّ ﷺ ، وإنما حدث بعده. وأجابوا عن أحاديث نصف الصاع من القمح بأنها لا تثبت عن النبيّ ﷺ . قاله ابن المنذر (٢).
وقال في "الفتح": وقال ابن المنذر أيضًا: لا نعلم في القَمْح خبرًا ثابتًا عن النبيّ ﷺ ، يُعتَمد عليه، ولم يكن البرّ بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمّة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وجابر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وأمّه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى. وهذا مصيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيّة. لكن حديث أبي سعيد دالّ على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة، خلافًا للطحاويّ. وكان الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لَمّا كانت متساويةً في مقدار ما يخرج منها مع ما يُخالفها في القيمة دلّ على أنّ إخراج هذا المقدار من أيّ جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجّة الشافعيّ. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أن
стр. 11973
قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كلّ زمان، فيختلف الحال، ولا ينضبط، وربّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُعٍ من حنطة، ويدلّ على أنهم لحظوا ذلك ما رَوَى جعفر الفريابيّ في "كتاب صدقة الفطر" أن ابن عبّاس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيّن لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من برّ. قال: فلما جاء عليّ، ورأى رخص أسعارهم، قال: اجعلوها صاعًا من كلّ. فدلّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل. انتهى (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأحوط أن يُخرح من الحنطة صاعًا، وإن أخرج نصف صاع تبعًا لما نُقل عن جلّ الصحابة، كما تقدّم، فلا مانع؛ لأنه اجتهاد منهم لم يصادم نصًّا صحيحًا، إذ لم يصحّ عن النبيّ ﷺ في صاع البرّ، ولا نصفه شيء يُعتمد عليه.
وأما دعوى الإجماع من الصحابة على نصف صاع من برّ، كما زعمه الزيلعيّ وغيره فغير صحيح؛ لصحة مخالفة أبى سعيد الخدريّ، وابن عمر ﵃. فلا إجماع مع مخالفتهما. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ)
٢٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ (٢) , قَالَ: "كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ, وَنُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ, فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ, وَنَزَلَتِ الزَّكَاةُ, لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ, وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ, وَكُنَّا نَفْعَلُهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرِيُّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
стр. 11974
٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (الحكم بن عتيبة) الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس [٥] ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (القاسم بن مخيمرة) الهمداني الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل [٣] ٩٩/ ١٢٨.
٦ - (عمرو بن شُرَحبيل) الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة عابد مخضرم [٢] ١٨٠/ ٢٨٥.
٧ - (قيس بن سعد) بن عُبادة الخزرجي الأنصاري الصحابي ابن الصحابي، مات سنة ستين تقريبًا، وقيل: بعد ذلك، وتقدَّم في ٤٦/ ١٩٢١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه. (ومنها): أنَّ فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الحَكَم، عن القاسم، عن عمرو. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيّون، إلا الصحابيّ، فمدنيٌّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: "كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ) أي اليوم العاشر من المحرم (وَنُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ) أي نزل وجوب صومه، وكان وجوبه في شعبان من السنة الثانية من الهجرة، فقد أخرج ابن سعد في "الطبقات" بسنده عن عائشة، وابن عمر، وأبي سعيد الخدريّ ﵃، قالوا: فُرض صوم رمضان بعد ما حُوّلت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان، على رأس ثمانية عشر شهرًا، من مُهاجَر رسول اللَّه ﷺ ، وأمر عليه ﵇ في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن يُفرض الزكاة في الأموال، وأن يُخرَج عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والعبد، صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو مدّان من بُرّ، وأمر بإخراجها قبل الغدوّ إلى الصلاة، وقال: "أغنُوهم -يعني المساكين- عن الطواف هذا اليوم" انتهى (١). وفي إسناده الواقديّ، وهو متروك.
(وَنَزَلَتِ الزَّكَاةُ) أي نزل وجوب أداء زكاة المال (لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ) الظاهر أن الضمير راجع
стр. 11975
إلى المذكور، من كلِّ من عاشوراء، والزكاة، أي لم نؤمر بصوم عاشوراء، وأداء زكاة الفطر (وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ) أي عن كلّ مما ذُكر (وَكُنَّا نَفْعَلُهُ) وفي الرواية التالية: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تَنزل الزكاة، فلمّا نزلت الزكاة، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحن نفعله". وأخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
٢٣٣٢٨ - حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، قال: سألت قيس بن سعد، عن صدقة الفطر؟ فقال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم ننه عنها، ولم نؤمر بها، ونحن نفعله". وسألته عن صوم عاشوراء؟ فقال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، قبل أن ينزل رمضان، ثم نزل رمضان، فلم نؤمر به، ولم ننه عنه، ونحن نفعله".
وقد استدلّ به من قال: إن وجوب زكاة الفطر نُسخ، وهو إبراهيم ابن عُليّة، وأبو بكر بن كيسان الأصمّ، وأشهب من المالكيّة، وابن اللبّان، من الشافعيّة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وتُعُقّب بأن في إسناده راويًا مجهولًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال الحافظ في "الفتح" جـ٤ ص ١٣٩ - : ولا أدري مَن هو الراوي المجهول في هذا السند، والسند الذي بعده؟، فإنهم كلّهم ثقات مشهورن، من رجال الصحيح، غير أبي عمّار، وهو عَرِيب بن حميد، وهو كوفيّ ثقة، فلتُراجَع تراجمهم من "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"التقريب".
قال: وعلى تقدير الصّحّة، فلا دليل فيه على النسخ؛ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر انتهى.
والحاصل أن فرض الزكاة لا يستلزم نسخ فرض صدقة الفطر، لأن النسخ إنما يثبت ببيان الشارع أن هذا الأمر بدل عن هذا الأمر، كما بَيّن ﷺ حينما فُرض رمضان أن وجوب صوم عاشوراء نُسخ، ففي حديث عائشة ﵂ عند الشيخين: أن قريشا كانت تصوم عاشوراء، في الجاهلية، ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بصيامه، حتى فُرض رمضان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره".
فقد صرّح النبيّ ﷺ بنسخ وجوب صوم عاشوراء، وأما إذا أمر بشيء، ثم أمر بعده بشيء آخر، كما نحن فيه، فهيهات أن يُفهَم منه أن الأول منسوخ بالثاني، ولذا قال الصحابيّ هنا: وكنّا نفعله، أي لأن الأمر الأول باق، ولم يقل: فمنا من فعله، ومنا من تركه، كما صحّ ذلك في عاشوراء، ففي "الصحيحين": من حديث عائشة ﵂ أيضًا: "فلما فُرض رمضان، تُرك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه".
فقد اتضح الفرق بين فرض صوم عاشوراء، حيثُ نُسخ، وفرض زكاة الفطر، حيث لم يُنسخ، وكان فعلُ الصحابة له بالأمر السابق، إذ هو باق لم يتغيّر عن صفته.
стр. 11976
فقول السنديّ: قوله: "لم نؤمر به، ولم ننهه عنه الخ": الظاهر أن المراد سقط الأمر به، لا إلى نهي، بل إلى إباحة الخ غير صحيح، فبأي دليل سقط الأمر، وأين ذلك، فهل أخبر النبيّ ﷺ به، أو هل ترك الصحابة أداء زكاة الفطر؟ كلّا.
وكذا قوله: وبالجملة، فهذا الحديث يضعّف كون الافتراض قطعيا، ويؤيّد القول بأنه ظنيّ الخ غير صحيح أيضًا، فأين محلّ تضعيفه؟، وأيّ حجة على ذلك؟ هيهات هيهات.
والحاصل أن حديث الباب لا يدلّ على النسخ أصلًا، ولا على ما زعمه السنديّ من أنه يؤيّد رأي الحنفيّة بأن صدقة الفطر واجبة، وليست فرضًا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقديد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قيس بن سعد ﵄ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥/ ٢٥٠٦ و ٢٥٠٧ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٢٢٨٥ و ٢٢٨٦ وفي "الصوم" ١٠٥/ ٢٨٤٢ و ٢٢٨٦ بتمامه، وفي ١٠٥/ ٢٨٤١ بقصّة الصوم فقط. وأخرجه (ق) في "الزكاة" ١٨٢٨. (أحمد) في "مسند المكيين" ١٥٠٥١ و"مسند الأنصار" ٢٢٣٣١ و ٢٣٣٢٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ, عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْهَمْدَانِيِّ, عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ, قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ, فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ, لَمْ يَأْمُرْنَا, وَلَمْ يَنْهَنَا, وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو عَمَّارٍ: اسْمُهُ عَرِيبُ بْنُ حُمَيْدٍ, وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ, يُكَنَّى أَبَا مَيْسَرَةَ, وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ, خَالَفَ الْحَكَمَ فِي إِسْنَادِهِ, وَالْحَكَمُ أَثْبَتُ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو عمّار الْهَمْدَاني": عَرِيب بن حُميد -بفتح أوله، وكسر الراء- كوفيّ، ثقة [٣] ٧٥/ ٢٣٨٥.
[تنبيه]: قوله: "الهمدانيّ" -بفتح الهاء، وسكون الميم، بعدها دالٌ مهملة- ونسبه في "تهذيب الكمال" إلى "دُهْن" أيضًا، فقال جـ ٢٠ ص ٤٦ - : عَرِيب بن حُمَيد،
стр. 11977
أبو عَمَّار الهمدانيّ الدُّهْنِيّ الكوفي. انتهى.
ونسبه في "تهذيب التهذيب" جـ ٣ ص ٨٧ - ، و"التقريب" ص ٢٣٨: إلى "دُهْنٍ"، فقط. و"الهمدانيّ" -بفتح الهاء، وسكون الميم، فدال مهملة-: نسبة إلى شَعْب عظيم، من قَحْطَان. و"الدهنيّ": -بضمّ الدال المهملة، وسكون الهاء، بعدها نون-: نسبة إلى دُهْن- بضم، فسكون- بطن من بَجِلية. قاله في "لبّ اللباب" ج ١ ص ٣٣٠ وج ٢ ص ٣٢٩.
وقوله: (عَرِيبُ بْنُ حُمَيْدٍ) بفتح العين المهملة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة، ثمّ موحّدة، و"حميد" بضم المهملة، مصغّرًا.
وقوله (شُرحبيل) بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة، وكسر الموحّدة.
وقوله: (وَالْحَكَمُ أَثْبَتُ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) يعني أن رواية الحكم، عن القاسم بن مُخيمِرة، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن قيس بن سعد، أصحّ، من رواية سلمة بن كُهيل عن القاسم، عن أبي عمار، عن قيس؛ لكون الحكم أثبت من سلمة.
وهذا الذي قاله المصنف، من تقديم الحكم على سلمة يخالفه فيه ما نُقل عن عبد الرحمن بن مهديّ، فإنه يرى كون سلمة أثبت من الحكم، لأنه قال: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة: منصورٍ، وسلمة، وعمرِو بن مرّة، وأبي حصين. وقال أيضًا: أربعة في الكوفة لا يُختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو مخطئ، فذكره منهم. انتهى "تهذيب التهذيب" جـ ٢ ص ٧٧.
وقال في الحكم: الحكم بن عُتيبة ثقة ثبت، ولكن يُختَلف -يعني في حديثه انتهى "تهذيب التهذيب" جـ ١ ص ٤٦٧.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنف يرى ترجيح رواية الحكم على رواية سلمة؛ لكونه أثبت عنده، لكن الذي يبدو لي أن الروايتين صحيحتان؛ لأن سلمة حافظ ثبت، كما سبق في كلام ابن مهدي، فيكون القاسم رواه عن كلٍّ من عمرو بن شُرَحِبيل وأبي عمار الهمداني، كلاهما عن قيس ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٦ - (مِكْيَلَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْمِكيَلَة" -بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح التحتانيّة، بعدها لام: اسم لما يُكال به. قال في "القاموس": و"الكَيْلُ"، و"الْمِكْيَل"،
стр. 11978
و"الْمِكيَال"، و"الْمِكْيَلَةُ": ما كِيل به. انتهى. وجعل في "اللسان" "الْمِكْيَلَةَ" نادرةً.
وقال: الْمِكْيَالُ: ما يُكَالُ به، حَدِيدًا كان، أو خَشَبًا. انتهى.
وظاهر تصرف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى أن المكيال الواجب في دفع جميع أنواع زكاة الفطر هو الصاع؛ لأنه أورد حديث ابن عبّاس ﵄ من ثلاثة طرق، ورجّح الطريق الثالث، الذي فيه: "صاعٌ من طعام". ففيه دلالة على أن الأرجح عنده هو الصالح، لا نصفه، وقد تقدّم أن هذا هو قول الجمهور، وأنه هو الأرجح؛ إذ لم يثبت عن النبيّ ﷺ نصف صاع، وإنما الثابت في ذلك هو رأي معاوية ﵁، وتابعه عليه أكثر الناس، فالاحتياط كونه صاعًا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنِ الْحَسَنِ, قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ, فِي آخِرِ الشَّهْرِ-: أَخْرِجُوا زَكَاةَ صَوْمِكُمْ, فَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَقَالَ: مَنْ هَا هُنَا, مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا, فَعَلِّمُوا إِخْوَانَكُمْ, فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ, إِنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ, "فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى, حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ, صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ تَمْرٍ, أَوْ نِصْفَ صَاعٍ, مِنْ قَمْحٍ, فَقَامُوا". خَالَفَهُ هِشَامٌ, فَقَالَ: "عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزِيُّ البصري، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (خالد بن الحارث) الهجممي البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل البصري، ثقة عابد [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (ابن عباس) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا بين الحسن وابن عباس، فإنه لم يلقه، كما سيأتي بيانه.
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الستة بلا واسطة. (ومنها) أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، والعباددة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن الْحَسَنِ) البصريّ، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) ﵄ (وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال. و"البصرة" مثلثة الباء، وليس في النسبة إلا الفتح والكسر.
стр. 11979
وقال الفيّوميّ: هي وزانُ تَمْرَة: أصله الحجارة الرِّخوة، وقد تحذف الهاء، مع فتح الباء، وكسرها، وبها سمّيت البلدة المعروفة، وأنكر الزّجّاج فتح الباء مع الحذف، ويقال في النسبة بصريّ بالوجهين، وهي محدثةٌ إسلاميّة، بُنيت في خلافة عمر ﵄ سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حدّه، دون حكمه انتهى (فِي آخِرِ الشَّهْرِ) أي آخر شهر رمضان، ففي رواية أبي داود: "خطب ابن عبّاس في آخر رمضان، على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم … ورواه البيهقيّ في "السنن الكبرى" جـ ٤ ص ١٦٨ - بلفظ: قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة في آخر رمضان، فقال: أدّوا صدقة صومكم … وسيأتي معنى قوله: خطبنا ابن عبّاس قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (أَخْرِجُوا زَكَاةَ صَوْمِكُمْ، فَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) إنما نظر بعضهم إلى بعض استغرابًا لما قاله، حيث لم يعلموا كيفيّة إخراج صدقة الفطر التي أمرهم بها. ففي رواية أبي في داود: "فكأن الناس لم يعلموا (فَقَالَ) ابن عباس ﵄ (مَنْ هَهُنَا) "من" اسم استفهام مبتدأ، خبرها الظرف بعدها (مِنْ أَهلِ الْمَدِينَةِ؟) النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة. وإنما سأل عن أهل المدينة؛ لكونهم أعلم بالسنّة من غيرهم، فلذا قال لهم (قُومُوا، فَعَلِّمُوا إِخْوَانَكُمْ) أي أهل البصرة (فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، إِنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ) بكسر همزة "إنّ"؛ لكون الجملة مستأنفة، ويحتمل أن تكون بالفتح، فتكون الجملة في تأويل المصدر سدّت مسدّ مفعولي "يعلمون"، أي لأنهم لا يعلمون فرض رسول اللَّه ﷺ إياها على كلّ ذكر … الخ (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ) هذا محلّ الترجمة، حيث دلّ على أن الْمِكْيَلَة، أي التي تؤدى بها زكاة الفطر صاع، وهذا لا خلاف فيه في التمر والشعير (أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ) فيه دليل على أن نصف الصاع يكفي في القمح، وهذا مختلف فيه، وقد تقدّم أنه لم يثبت حديث مرفوع في نصف صاع، وهذا الحديث فيه انقطاع؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عبّاس، على ما قاله جمهور المحدّثين، فلا يصلح للاحتجاج به.
و"القَمْح" -بفتح القاف، وسكون الميم، آخره حاء مهملة-: الْبُرّ (فَقَامُوا) أي قام أهل المدينة ليعلّموا أهل البصرة كيفيّة زكاة الفطر. وزاد في رواية أبي داود من طريق سهل بن يوسف، عن حُميد: "فلمّا قدم عليّ، رأى رُخْصَ السّعر، قال: "قد أوسع اللَّه عليكم، فلو جعلتموه صاعًا من كلّ شيء". قال حميد: وكان الحسن يرى صدقة رمضان على من صام انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11980
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا ضعيف؛ للانقطاع بينه، وبين الحسن، فإنه لم يسمع منه، فقد نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ ٤ ص ٣٧٧ - بعد إيراد الحديث عن المصنّف: ما نصّه: وقال -يعني المصنّف-: الحسن لم يسمع من ابن عبّاس انتهى (١).
وقال في "تهذيب التهذيب" في ترجمة الحسن البصريّ جـ ١ ص ٣٨٨ - ٣٩١: قال ابن المدينيّ: لم يسمع من ابن عبّاس، وما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عبّاس بالبصرة. وقال أيضًا في قول الحسن: "خطبنا ابن عبّاس بالبصرة"، قال: إنما أراد خطب أهل البصرة، كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حُصين. وكذا قال أبو حاتم.
وقال بهز بن أسد: لم يسمع الحسن من ابن عباس. وقال أحمد: لم يسمع من ابن عباس، إنما كان ابن عبّاس بالبصرة واليًا عليها أيام عليّ. انتهى.
وقال في "التنقيح": الحديث رواته مشهورون، لكن فيه إرسال؛ فإن الحسن لم يسمع من ابن عبّاس ﵄ على ما قيل، وقد جاء في "مسند أبي يعلى" في حديث عن الحسن، قال: أخبرني ابن عبّاس … وهذا إن ثبت دلّ على سماعه منه انتهى (٢).
وقال البزّار في "مسنده" بعد أن رواه -يعني حديث الباب-: لا يُعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث، ولم يسمع الحسن من ابن عباس. وقوله: "خطبنا" أي خطب أهل البصرة، ولم يكن الحسن شاهدًا لخطبته، ولا دخل البصرة بعدُ؛ لأن ابن عبّاس خطب يوم الجمل، والحسن دخل أيام صِفِّين انتهى.
وقال البزّار أيضًا في "مسنده" في آخر ترجمة ابن المسيّب: أما قول الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة، فقد أُنكر عليه؛ لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفّين، فلم يدركه بالبصرة، وتأول قوله: خطبنا: أي خطب أهل البصرة انتهى.
وقال ابن القيّم في "تهذيب السنن": قال الترمذيّ: سألت البخاريّ عن حديث الحسن، خطبنا ابن عباس، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ : فرض صدقة الفطر؟. فقال: رَوَى غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن: خطب ابن عبّاس. فكأنه رأى هذا
стр. 11981
أصحّ. قال الترمذيّ: وإنما قال البخاريّ هذا؛ لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام عليّ، والحسن البصريّ في أيام عثمان، وعليّ كان بالمدينة انتهى.
وخالفهم الشيخ أحمد شاكر، حيث قال: القول بعدم سماع الحسن من ابن عبّاس، وعدم رؤيته إياه وَهَمٌ؛ فإن الحسن عاصر ابن عبّاس يَقِينًا، ولا يَمنَع كونُهُ بالمدينة أيام ابن عبّاس على البصرة سَماعَهُ من ابن عبّاس قبل ذلك، أو بعده، وقطع بسماعه منه، ولقائه إياه ما رواه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح جـ ١ ص ٣٣٧ عن ابن سيرين أن جنازة مرّت بالحسن، وابنِ عبّاس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عبّاس، فقال الحسن لابن عباس: أقام لها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: قام، وقعد. وقال في شرح هذا الحديث جـ٥ ص ٤٩ - ٥٠ - : إسناده صحيح، وهو قاطع في صحة سماع الحسن من ابن عبّاس، فإنه صريحٌ في أنه لقي ابن عباس، وسأله، وسمع منه انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشيخ أحمد شاكر غلطٌ عجيبٌ منه، فإنه ظنّ أنَّ الحسن المذكور هو الحسنَ البصريّ، وليس كذلك، وإنما هو الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵄، وقد تقدّم هذا للنسائيّ في "كتاب الجنائز" برقم ١٩٢٤ و ١٩٢٥ و ١٩٢٦ - وقد صرح في كلّها عن ابن سيرين أن جنازة مرّت بالحسن بن عليّ، وابنِ عبّاس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عبّاس … الحديث. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقال صاحب "المرعاة": طرق ابن عبّاس تدلّ على أن ابن عبّاس إنما بيّن حكم صدقة الفطر حين ما كان أميرًا على البصرة من جهة عليّ، وكان الحسن إذ ذاك بالمدينة، لا بالبصرة، كما تقدّم عن ابن المدينيّ: إن الحسن كان المدينة أيام كان ابن عبّاس بالبصرة. وهذا ظاهر في أن الحسن لم يسمع هذا الحديث من ابن عباس، وثبوت سماعه منه في الجملة لا يستلزم سماع هذا الحديث منه، وإليه أشار الشيخ أحمد شاكر في "شرحه للمسند" جـ ٣ ص ٣١٨: بقوله: نعم قد يمنع الرواية التي يعللونها في قوله: خطبنا ابن عبّاس بالبصرة انتهى.
فالراجح عندي أن هذا الحديث مرسل. وقد اعترف بذلك ابن التركماني جـ ٤ ص ١٦٩ - والقاري، وغيرهما من الحنفيّة. انتهى ما قاله صاحب "المرعاة". جـ ٦ ص ٢٠٤ - ٢٠٥. وهو كلام نفيس جدًّا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: وثبوت سماعه منه الخ هكذا قال صاحب "المرعاة" تقليدًا للشيخ أحمد شاكر في غلطه المتقدّم أن الحسن هو البصريّ، وقد تقدم أنه الحسن السبط ﵁، فالحقّ أنه لم يثبت سماع الحسن من ابن عبّاس بطريق صحيح، فافهمه.
стр. 11982
والحاصل أن جمهور أهل الحديث نفوا سماع الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى- من ابن عبّاس ﵄ وهم القُدْوَةُ في هذا الفنّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦/ ٢٥٠٨ و ٢٥٠٩ و٢٥١٠ و ٢٣/ ١٥٨٠ و ٤٠/ ٢٥١٥ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٢٢٨٧ و ٢٢٨٨ و ٢٢٨٩ و ٣٣/ ١٨٠١ و ٤٢/ ٢٢٩٤. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٢٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ هِشَامٌ) أي خالف حميدًا الطويلَ هشامُ بن حسّان القُردُوسيّ البصريّ في إسناد هذا الحديث (فَقَالَ: "عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ") يعني أن هشام بن حسّان جعل بدل الحسن محمدَ بنَ سيرين، كما بيّنه بقوله:
٢٥٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ, عَنْ مَخْلَدٍ, عَنْ هِشَامٍ, عَنِ ابْنِ سِيرِينَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: ذَكَرَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ, قَالَ (١): "صَاعًا مِنْ بُرٍّ, أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عليّ بن ميمون" وهو الرّقّيّ العطّار، الثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥ فإنه من أفراد المصنّف، وابن ماجه.
و"مَخلَدٌ": هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوق له أوهام، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. و"هشام": هو ابن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما [٦] ٣٧/ ٩٣٦. و"ابن سيرين": هو محمد الإمام المشهور.
وقوله: "من سُلْت":-بضم السين المهملة، وسكون اللام، آخره مثنّاة فوقية- قال الفيّوميّ: قيل: ضرب من الشعير، ليس له قشرٌ، ويكون في الْغَوْر، والحجاز. قاله الجوهريّ. وقال ابن فارس: ضرب منه رقيق القشر، صغار الحبّ. وقال الأزهريّ: حبٌّ بين الحنطة والشعير، ولا قشر له، كقشر الشعير، فهو كالحنطة في مَلَاسَتِهِ، وكالشعير في طبعه، وبُرُودته. قال ابن الصلاح: وقال الصَّيْدَلانيّ: هو كالشعير في صورته، وكالقَمْح في طبعه، وهو خطأ انتهى كلام الفيّوميّ (٢).
والحديث أيضًا فيه انقطاع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عبّاس ﵄، فقد ذكر في "تهذيب التهذيب" جـ ٤ ص ٥٨٦ - : عن عبد اللَّه بن أحمد -يعني ابن حنبل- عن
стр. 11983
أبيه، أنه قال: لم يسمع ابن سيرين من ابن عبّاس شيئًا، كلّها يقول: نُبّئت عن ابن عباس. وقال شعبة، عن خالد الحذّاء: كلّ شيء قال محمد: نُبّئت عن ابن عبّاس، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيّام المختار. وقال عليّ ابن المدينيّ، وابن معين: لم يسمع ابن سيرين من ابن عبّاس شيئًا انتهى.
وقد تعقّب العلامة أحمد محمد شاكر هذا -في "شرحه للمسند" جـ ٣ ص ٢٥٧ - فقال: وهذا ليس بتعليل، ولا دليل على الجزم به، فابن سيرين عاصر ابن عبّاس طويلًا، فهو على السماع حتى يتبيّن خلافه، وقد صحّح الأئمة روايته عن ابن عباس انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ردّ أحمد شاكر على كلام أحمد، وابن المدينيّ، وابن معين بمثل قوله هذا عجيبٌ منه؛ لأن هؤلاء الأئمة هم أعلم بهذا الشأن، وهم القدوة فيه، فكيف يُردّ عليهم دون حجة نيّرة تُثبِت عكس ما قالوه، وأما تصحيح أحاديثه، فإنه لا يستلزم ثبوت سماعه، لاحتمال أن يكون للمتابعات، ونحوها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥١٠ - (أَخْبَرَنَا (٢) قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي رَجَاءٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِكُمْ -يَعْنِي مِنْبَرَ الْبَصْرَةِ- يَقُولُ" "صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ, مِنْ طَعَامٍ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَثْبَتُ الثَّلَاثَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، و"حماد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ. و"أبو رجاء": هو عمران بن مِلْحان، أو ابن تَيْم العطارديّ البصريّ، مخضرم، ثقة، مُعَمَّرٌ، مات سنة (١٠٥) وله (١٢٠) [٢] ٢٠٢/ ٣٢١.
وقوله: "هذا أثبت الثلاثة" يعني أن حديث ابن عبّاس ﵄ من رواية أبي رجاء العُطارديّ أصحّ من حديثه من رواية الحسن، وابن سيرين؛ لما تقدّم أنهما لم يسمعا منه.
وقوله: "من طعام" سيأتي بعد باب بيانُ اختلاف أهل العلم في المراد به، إن شاء اللَّه تعالى، والحديث بهذا الإسناد صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11984
٣٧ - (بَابُ التَّمْرِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ)
٢٥١١ - (أَخْبَرَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ الْوَضَّاحِ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ- عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ, عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , صَدَقَةَ الْفِطْرِ, صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عليّ بن حَرْب) المروزيّ المعروف بـ "التُّرْك"، ثقة [١١] ١٠٩/ ١٤٨. من أفراد المصنّف.
٢ - (محرز بن الوضّاح) المروزيّ، مقبول [٩] ١٦/ ٢٤٦٨ من أفراد المصنّف أيضًا.
٣ - (إسماعيل بن أُميّة) الأمويّ، ثقة ثبت [٦] من رجال الجماعة.
٤ - (الحارث بن عبد الرحمن بن أي ذُبَاب) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن سَعْد، وقيل: ابن المغيرة بن أبي ذُباب -بضمّ المعجمة، وبموحّدتين- الدَّوْسيّ -بفتح الدال المهملة، وسكون الواو- المدنيّ، صدوق يَهِم [٥].
قال ابن مَعين: مشهور. وقال أبو حاتم: يروي عنه الدَّرَاوَرْديّ أحاديث منكرة، ليس بالقويّ. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من المتقنين، مات سنة (١٤٦) وكذا قال ابن قانع في تاريخ وفاته. وقال الساجيّ: حدّث عنه أهل المدينة، ولم يُحدّث عنه مالك. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكر ابن المدينيّ في "العلل" حديثًا عن عاصم بن عبد العزيز الأشجعيّ، عن الحارث، عن سليمان بن يسار، وغيره، قال عاصم: حدّثنيه مالك، قال: أُخبرت عن سليمان بن يسار، فذكره. قال ابن المدينيّ: أرى مالكًا سمعه من الحارث، ولم يُسمّه، وما رأيت في كتب مالك عنه شيئًا.
قال الحافظ: وهذه عادة مالك فيمن لا يَعتمد عليه لا يسمّيه انتهى. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (عياض بن عبد اللَّه بن أبي سَرْح) هو: عياض بن عبد اللَّه بن سَعْد بن أبي سَرْحٍ
стр. 11985
القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقة [٣] ٢٦/ ١٤٠٨.
٦ - (أبو سعد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "من أقط" -بفتح الهمزة، مع كسر القاف، أو ضمّها، أو فتحها، أو إسكانها، وبكسر الهمزة، مع كسر القاف، وإسكانها، وبضمّ الهمزة، مع إسكان القاف فقط: وهو شيء يُتّخَذ من اللبن الْمَخيض، كأنه نوع من اللبن الجافّ. وقيل: هو لبنٌ، مجفّفٌ، يابس، جامد، مستحجرٌ، غير منزوع الزُّبْد، يُطبخ به. وسيأتي الكلام عليه مُستوفًى في -٤٣/ ٢٥١٨ - إن شاء اللَّه تعالى.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وهو أنه يدلّ على أن زكاة الفطر من التمر صاع، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
والحديث أخرجه مسلم، وسيأتي تمام شرحه، والكلام على مسائله في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٨ - (الزَّبِيبُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الزبيب": معروف، وهو اسم جمع يُذكّر وُيؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهي الزبيب، والواحدة زبيبة بالهاء، وزَبّبتُ العِنَبَ جعلته زَبيبًا. قاله في "المصباح". وفي "القاموس": الزّبيب ذَاوِي (١) العنب والتين انتهى. يعني يابس العنب والتين. وفي "اللسان": الزبيب ذَاوِي العنب، معروفٌ، واحدته زبيبة، وقد أَزَبَّ العنب، وزَبَّبَ فلانٌ عنبه تزبيبًا. قال أبو حنيفة -يعني الدينوريّ-: واستَعْمَل أعرابيّ من أعراب السَّرَاة الزبيب في التين، فقال: الْفَيلَحَانيٌّ تِينٌ شديد السواد، جيّد الزبيب -يعني يابسه. انتهى.
والمراد هنا زبيب العنب. ثمّ ظاهر تصرف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بتعداد التراجم أنه يرى أن "أو" في الحديث للتخيير، وهو الراجح، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 11986
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "بابُ صاعٍ من زبيب". قال في "الفتح": أي إجزائه، وكأن البخاريّ أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، إلا أنه لم يَذكُر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره، وظاهر الحديث يخالفه. وعند الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ بأهل البادية، وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم بلا خلاف. وتعقّبه النوويّ في "شرح المهذّب"، وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع انتهى ما في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ, إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , صَاعًا مِنْ طَعَامٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ) الْمُخَرِّمي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (زيد بن أسلم) العدويّ المدنيّ، ثقة عالم، يرسل [٣] ٦٤/ ٨٠. والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من زيد، وشيخه، بغدادي، ووكيع، وسفيان كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا سعيد من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبي سَعِيدٍ) الخدري ﵁. وفي رواية مالك عند البخاريّ تصريح عياض بن عبد اللَّه بالسماع من أبي سعيد، ولفظه: عن عياض بن عبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْح
стр. 11987
العامريّ، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ ﵁ … الحديث (قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "إذ" ظرفيّة، أي وقت كون النبيّ ﷺ فينا. وفي رواية للبخاريّ: "كنّا نعطيها في زمان النبيّ ﷺ "، وفي أخرى له أيضًا: "كنّا نُخرج في عهد النبيّ ﷺ ".
قال الحافظ: هذا حكمه الرفع؛ لإضافته إلى زمنه ﷺ ، ففيه إشعار باطلاعه ﷺ على ذلك، وتقريرِهِ له، ولا سيّما في هذه الصورة التي توضع عنده، وتُجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها، وتفرقتها انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وإلى كون هذا ونحوه من المرفوع حكمًا أشار الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
كَذَا أُمِرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
ثَالِثُهَا إِكَانَ لَا يَخفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
وفيه ردٌّ على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي سعيد ليس مسندًا؛ لأنه ليس فيه أن رسول اللَّه ﷺ عَلِم بذلك، وأقرّه. ووجه الردّ أن ألفاظ الحديث تدلّ على أنّ ذلك كان معلومًا معروفًا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولا يخفى مثلُ ذلك على رسول اللَّه ﷺ (١).
(صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "حاشية ابن ماجه": يحتمل أن صاعًا من طعام أريد به صاع من الحنطة، فإن الطعام، وإن كان يعمّ الحنطة وغيرها لغةً، لكن اشتهر في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيّده المقابلة بما بعده. ويحتمل أن يكون صاعًا من طعام مجمَلًا، ويكون ما بعده بيانًا له، كأنه بيّن أن الطعام الذي كانوا يعطون منه الصالح كان تمرًا، وشعيرًا، وأقطًا، لا حنطةً، ويؤيّده ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد ﵁: "كنّا نُخرج في عهد رسول اللَّه ﷺ يوم الفطر، صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر". وكذا ما رواه ابن خُزيمة عن ابن عمر ﵄، قال: "لم تكن الصدقة على عهد رسول اللَّه ﷺ إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة". فينبغي أن يتعيّن الحمل على هذا المعنى، بل يُستبعد أن يكون المعلوم فيما بينهم صاعًا من الحنطة، فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية ﵁، بل لا يبقى لقول معاوية: إن النصف يعدل الصاع حينئذ وجهٌ، إلا بتكلّف.
وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نصّ منه ﷺ في البرّ بصاعٍ، أو
стр. 11988
بنصفه، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس، بل حكموا بذلك، ويدلّ على هذا حديث ابن عمر ﵄ في هذا الباب المرويّ في الصحاح انتهى كلام السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) اختُلف في أنّ "أو" في هذا الحديث لتخيير المؤدَّى من هذه الأشياء، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، فقيل: إنها للتخيير، وبه قال أبو حنيفة.
وقيل: إنها لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة، وهو غالب قوت البلد، وبه قال الأكثرون. فمعنى الحديث على هذا: كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا، ومقتضى أحوالنا.
أفاده بعضهم (١). وسيأتى تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أُوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) هذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على أن زكاة الفطر من الزبيب صاع. وفيه، وفي الأقط خلاف الظاهريّة، حيث لا يجوز عندهم إلا من التمر والشعير، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
(أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ") تقدّم ضبطه في الباب الماضي، وسيأتي تمام البحث فيه في ٤٣/ ٢٥١٨ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه في ٣٧/ ٢٥١١ و-٣٨/ ٢٥١٢ و ٢٥١٣ و ٣٩/ ٢٥١٤ و ٤٠/ ٢٥١٥و ٤٢/ ٢٥١٧ و ٤٣/ ٢٥١٨ - و ٣٩/ وفي "الكبرى" ٣٩/ ٢٢٩٠ و ٤٠/ ٢٢٩١ و ٢٢٩٢ و ٤١/ ٢٢٩٣ و ٤٥/ ٢٢٩٧. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٥٠٥ و ١٥٠٦ (م) في "الزكاة" ٩٨٥ (د) في "الزكاة" ١٦١٦ و ١٦١٨ (ت) في "الزكاة" ٦٧٣ (ق) في "الزكاة" ١٨٢٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٠٧٩٨ و ١١٣٠١ و ١١٥٢٢ (مالك) في "الزكاة" ٦٢٨ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٦٣ و ١٦٦٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم زكاة الفطر من الزبيب:
стр. 11989
ذهب الجمهور إلى إجزائه، إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وهي رواية عن أبي حنيفة، وهو الحقّ، لحديث الباب. وفي رواية عنه نصف صاع، كالقَمْح، وهي رواية ضعيفة، لمخالفتها النصوص الصحيحة.
وذهب الظاهرية إلى أن الزبيب لا يجزئ، بل الواجب هو التمر أو الشعير، وأجاب ابن حزم عن حديث الباب بوجهين:
أحدهما أنه غير مسند -أي مرفوع إلى النبيّ ﷺ لأنه ليس في شيء من طرقه أن رسول اللَّه ﷺ علم بذلك، فأقرّه.
والثاني: أنه مُضطرَب فيه، فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب، وفي بعضها نفيه، وفي بعضها ذكر الدقيق، والسُّلْت. وقد تقدّم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني، فقد أجاب عنه العلاّمة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- في تعليقه على "المحلّى" جـ ٦ ص ١٢٥ - بأن هذا ليس من الاضطراب في شيء، بل إن بعض الرواة يُطيل، وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئًا، ويسهو عن غيره، وزيادة الثقة مقبولة، فالواجب جمع كلّ ما ورد في الروايات "الصحيحة" إذ لا تعارض بينها أصلًا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلاّمة أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن الحديث صحيح، وأن الأرجح ما قاله الجمهور، من إجزاء الزبيب في صدقة الفطر، وأن مقداره صاع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين المراد بـ "الطعام" في هذا الحديث:
قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المعالم" جـ ٢ ص ٥٠ - ٥١ - : زعم بعض أهل العلم أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم اسمٌ خاصٌ للبرّ. قال: ويدلّ على صحة ذلك أنه ذكَرَ في الخبر الشعيرَ، والأقطَ، والتمر، والزبيب، وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يَذكُر الحنطةَ، وكانت أغلاها، وأفضلها كلّها، فلولا أنه أرادها بقوله: "صاعا من طعام" لكان يجري ذكرها عند التفصيل، كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولا سيّما حيث عُطفت عليها بحرف "أو" الفاصلة (١).
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": وقد كانت لفظة "الطعام" تستعمل في البرّ عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فُهِم منه سوق البرّ، وإذا غلب
стр. 11990
العرف بذلك نُزِّل اللفظ عليه؛ لأن الغالب أن الإطلاق في الألفاظ على حسب ما يخطر في البال من المعاني، والمدلولات، وما غلب استعمال اللفظ عليه فخطوره عند الإطلاق أقرب، فيُنَزَّل اللفظ عليه، وهذ ابن اء على أن يكون هذا العرف موجودًا في زمن النبيّ ﷺ . انتهى (١).
قال الخطّابيّ: وزعم آخرون أن هذا جملةٌ قد فُصِّلَت، والتفصيل لا يخالف الجملة، وإنما قال في أول الحديث صاعًا من طعام، ثمّ فصّله، فقال: صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو كذا، أو كذا، واسم الطعام شاملٌ لجميع ذلك انتهى (٢).
وقال القاري: قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعمّ، لا الحنطة بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاصّ على العامّ.
قال الحافظ: وقد ردّ ذلك -أي حمل الطعام على البرّ- ابنُ المنذر، وقال: ظنّ بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: "صاعًا من طعام" حجة لمن قال: صاعًا من حنطة، وهذا غلطٌ منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثمّ فسّره، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاريّ وغيره: أن أبا سعيد قال: "كنّا نُخرج في عهد النبيّ ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر". وهي ظاهرة فيما قال.
وأخرج الطحاويّ نحوه من طريق أخرى، وقال فيه: "ولا يُخرَج غيره". قال: وفي قوله: "فلمّا جاء معاوية، وجاءت السمراء" دليلٌ على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا، فدلّ على أنها لم تكن كثيرة، ولا قوتًا، فكيف يُتوهّم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟ انتهى كلامه.
وأخرج ابن خزيمة، والحاكم في "صحيحيهما" من طريق ابن إسحاق، عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عثمان بن حكيم، عن عياض بن عبد اللَّه، قال: قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان، فقال: "لا أُخرج إلا ما كنت أُخرج في عهد رسول اللَّه ﷺ : صاع من تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير، أو صاع أقط، فقال له رجلٌ من القوم: أو مدّين من قَمْح، فقال: لا، تلك قيمة معاوية مطويّة، لا أقبلها، ولا أعمل بها". قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوَهَمُ؟.
وقوله: "فقال له رجلٌ الخ" دالٌّ على أن ذكر الحنطة في أول القصّة خطأٌ، إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها في عهد رسول اللَّه ﷺ صاعًا لَمَا كان الرجل
стр. 11991
يقول له: أو مدّين من قَمْح. وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه، وقال: إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وذكر أن معاوية بن هشام رَوَى في هذا الحديث عن سفيان: "نصف صاع من برّ" وهو وَهَمٌ، وأن ابن عيينة حدّث به عن ابن عجلان، عن عياض، فزاد فيه: "أو صاعًا من دقيق"، وأنهم أنكروا عليه، فتركه. قال أبو داود: وذِكْرُ الدقيق وَهَمٌ من ابن عيينة. وأخرج ابن خزيمة أيضًا من طريق فُضيل بن غَزْوَان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "لم تكن الصدقة على عهد رسول اللَّه ﷺ إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة". ولمسلم من وجه آخر، عن عياض، عن أبي سعيد: "كنّا نخرج من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير". وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلّته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة.
وهذه الطرق كلّها تدلّ على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيحتمل أن تكون الذُّرَةَ، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهي قوت غالبٌ لهم.
وقد روى الجوزقيّ من طريق ابن عجلان، عن عياض في حديث أبي سعيد: "صاعًا من تمر، صاعًا من سُلْت، أو ذُرَة" انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فيحتمل أن تكون الذرة الخ" فيه نظر، بل الصواب أن الطعام مجملٌ، فسره ما بعده، كما سبق. واللَّه تعالى أعلم.
وأجاب البرماويّ عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على معناه اللغويّ الشامل لكلّ مطعوم، قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق بالبرّ؛ لأنه قد عطف عليه الشعير، وغيره، فدلّ على التغاير، وهذا كالوعد، فإنه عامّ في الخير والشرّ، وإذا عطف عليه الوعيد خُصّ بالخير، وليس هو من عطف الخاصّ على العامّ، نحو ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾، فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاصّ أشرف، وهنا بالعكس.
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: قوله: قال أبو سعيد: "وكان طعامنا الخ" مناف لما تقدّم من قولك: ذإن الطعام هو الحنطة. ثمّ أجاب بقوله: لا نزاع في أنّ الطعام بحسب اللغة عامّ لكلّ مطعوم، إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير، وسائر الأطعمة، فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفيّ منه، وهو البرّ بخصوصه انتهى.
قال صاحب "المرعاة": ولا يخفى ما فيه من التكلّف. والظاهر عندي هو قول من قال: إن الطعام في قوله: "صاعًا من طعام" مجملٌ، وما ذُكر بعده بيان له، كما يدلّ
стр. 11992
عليه طريق حفص بن ميسرة، وحديث ابن عمر عند ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يُخرجون البرّ في عهده ﷺ ، كما يدلّ عليه رواية النسائيّ، والطحاويّ: "كنا نخرج في عهد رسول اللَّه ﷺ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، لا نخرج غيره"، وأنّ أبا سعيد ما أخرج البرّ في صدقة الفطر قطّ، لا في زمانه ﷺ ، ولا فيما بعده، لا صاعًا، ولا نصفه، كما يدلّ عليه رواية مسلم: إن معاوية لَمّا جعل نصف الصالح من الحنطة عَدْلَ صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد، وقال: "لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول اللَّه ﷺ ، صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط". وفي رواية: قال أبو سعيد: "فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عِشْتُ"، وأن أبا سعيد لَمّا تحقق عنده أن الصحابة أخرجوا في زمنه ﷺ صاعًا من جميع ما أخرجوا من الشعير، والأقط، والتمر، والزبيب، وغيرها، ذهب إلى أن المقدار الواجب من كلّ شيء صاع، أو لَمّا رأى أنّ النبيّ ﷺ شرع لهم صاعًا من غير البرّ، ولم يبيّن لهم حال البرّ، فقاس عليه أبو سعيد حال البرّ، ورأى أن الواجب في البرّ أيضًا صاعٌ. وقد روى أبو داود عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد يقول: "لا أخرج أبدًا إلا صاعًا -أي من كلّ شيء- إنا كنّا نخرج على عهد رسول اللَّه ﷺ صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب". وأخرج الطحاويّ في "شرح معاني الآثار" جـ ٢ ص ٤٢ - عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد، وهو يُسأل عن صدقة الفطر؟ قال: "لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول اللَّه ﷺ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، فقال له رجلٌ: أو مدّين من قَمْحٍ، فقال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقبلها، ولا أعمل بها". وأخرجه أيضًا الدارقطنيّ في "سننه" جـ ٢ ص ١٤٥ - ١٤٦ - ، والحاكم في "المستدرك" جـ ١ ص ٤١١ - وابن خزيمة في "صحيحه" جـ ٤ ص ٨٩ - ٩٠، والبيهقيّ جـ ٤ ص ١٦٦، وزادوا فيه: "أو صاعًا من حنطة" بعد قوله: "صاعًا من تمر". وقد صرّح ابن خزيمة، وأبو داود أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ.
وأما ما أخرجه الطحاويّ بسنده ج ٢ ص ٤٤ عن أبي سعيد أنه قال: "إنما علينا أن نعطي لكلّ رأس عند كلّ فطر صاعًا من تمر، أو نصف صاع من برّ". فلا يوازي الروايات المتقدّمة، فلا يُلتفت إليه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أي لأنه ضعيف، لأن في سنده الحسن البصريّ، عن أبي سعيد الخدريّ، والحسن لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ (١)، وقد عنعنه، وهو
стр. 11993
مدلّس. واللَّه تعالى أعلم.
قال: والقول بأن حديث الباب يدلّ على أنهم كانوا يُعطون من البرّ صاعًا، لكن على سبيل التبرّع -يعني أن أبا سعيد، وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر تطوّعًا، واختيارًا، وفضلًا، تأويلٌ بعيد، لا يخفى تكلّفه.
وأما ما يُذكر من الأحاديث المرفوعة في الصالح من القمح، أو في نصفه، فكلّها مدخولة.
قال البيهقيّ جـ٤ ص ١٧٠ بعد إيراد أحاديث نصف الصالح من القمح: وقد وردت أخبار عن النبيّ ﷺ في صاع من برّ، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصحّ شيء من ذلك، قد بيّنت علّة كلّ واحد منها في "الخلافيّات" انتهى كلام صاحب "المرعاة" -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذكره صاحب "المرعاة" -رحمه اللَّه تعالى- كلام نفيسٌ جدًّا، وقد اتّضح بهذا كله أن الصواب كون الطعام في قوله: "صاعًا من طعام" مجملًا، والمعطوفات عليه تفصيلٌ له، وتوضيح للمراد منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في النوع الذي يُجزىء في صدقة الفطر: ذهب الشافعيّة إلى أن جنس الفطرة كلّ ما يجب فيه العشر. وعن الشافعيّ قولٌ قديم أنه لا يجزئ فيها الحمّص، والعدَسُ، والمذهب المشهور الأول، والصحيح عندهم إجزاء الأقط أيضًا؛ لصحّة الحديث به، قال وليّ الدين: فإن جوّزناه فالأصحّ أن اللبن، والجبن الذي ليس منزوع الزّبد في معناه، والخلاف في إخراج مَنْ قوته الأقط، واللبن، والجبن، ولا يجزئ الدقيق، ولا السويق، ولا الخبز، كما لا تُجزىء القيمة. وقال الأنماطيّ: يجزئ الدقيق، قال ابن عبدان: يقتضي قوله إجزاء السويق، والخبز، وصححه.
وفي الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعيّ: أصحها عند الجمهور غالب قوت البلد. والثاني: قوت نفسه، وصححه ابن عبدان. والثالث: يتخيّر بين الأجناس، وهو الأصحّ عند القاضي أبي الطيب. ثم إذا كان الواجب قوت نفسه، أو البلد، فعدل إلى ما هو دونه لم يجز، وإن عدل إلى أعلى منه جاز. وفيما يعتبر به الأعلى والأدنى وجهان: أصحّهما الاعتبار بزيادة صلاحية الاقتيات. والثاني بالقيمة.
стр. 11994
وقالت الحنابلة: هو مخيّر بين الخمسة المنصوص عليها، وهي التمر، والشعير، والبرّ، والزبيب، والأقط، قالوا: والسلت نوع من الشعير، فيجوز إخراجه لدخوله في المنصوص عليه، وهو في بعض طرق حديث ابن عمر. ونصّ أحمد على جواز إخراج الدقيق، وكذلك السويق، ولا يجزئ عندهم الخبز، قالوا: فيتخيّر بين هذه، فيخرج ما شاء منها، وإن لم يكن قوتًا له، إلا الأقط، فإنما يخرجه من هو قوته، أو لم يجد من المنصوص عليه سواه، فإن وجد سواه، ففي إجزائه عندهم روايتان، منشؤهما ورود النصّ به، وكونه غير زكويّ، قالوا: وأفضلها التمر، وبعده البرّ، وقال بعضهم: الزبيب. قالوا: ولا يجوز العدول عن هذه الأشياء مع القدرة على أحدها، ولو كان المعدول إليه قوت بلده، فإن عجز عنها أجزأه كلّ مقتات، من كلّ حبّة وثمرة. قاله الخرقيّ.
قال ابن قُدامة: وظاهره أنه لا يجزئه المقتات من غيرها، كاللحم واللبن. وقال أبو بكر: يُعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها. وقال ابن حامد: يجزئه عند عدمها الإخراج مما يُقتات به، كالذُّرَة، والدُّخْن، ولحوم الحيتان، والأنعام، ولا يُرَدّون إلى أقرب قوت الأمصار.
وأما المالكيّة فإن المشهور عندهم أنه جنسيّة المقتات في زمنه ﷺ ، من القَمْح، والشعير، والسُّلْت، والزبيب، والتمر، والأقط، والذُّرَة، والأرز، والدُّخْن، وزاد ابن حبيب العلس (١)، وقال أشهب: من الستّ الأُوَلِ خاصّة، فلو اقتِيتَ غيره، كالقَطَانيّ (٢)، والتين، والسويق، واللحم، واللبن، فالمشهور الإجزاء، وفي الدقيق قولان، ويخرج من غالب قوت البلد، فإن كان قوته دونه لا لشحّ، فقولان.
وقال الحنفيّة: يتخيّر بين البرّ، والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والدقيقُ أولى من البرّ، والدراهم أولى من الدقيق، فيما يُروى عن أبي يوسف، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر؛ لأنه أدفع للحاجة. وعن أبي بكر الأعمش: تفضيل القمح؛
стр. 11995
لأنه أبعد من الخلاف.
قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، وأما من قال بتعيين غالب قوت البلد، أو قوت نفسه، فإنه حمل الحديث على ذلك، ولم يجعله على ظاهره من التخيير، واقتصر في المشهور من روايات ابن عمر على التمر، والشعير؛ لأنهما غالب ما يُقتات بالمدينة في ذلك الوقت، فإما أن يكون محمولاً على إيجاب التمر على من يقتاته، والشعير على من يقتاته، وإما أن يكون مخيّرًا بينهما؛ لاستوائهما في الغلبة، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، فالمخرِج مخيّرٌ بينهما انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي حمل "أو" على معنى التخيير، وأن المؤدّي لصدقة الفطر مخيّرٌ في إخراج أيّ نوع شاء، مما صحّ ذكره في الحديث، لا من سائر أنواع الحبوب، فإنها لا تجزئ مع وجود المنصوص عليه، وإن لم يوجد شيء من المنصوص عليه أجزأ كلُّ ما كان قوتَ أهل البلد غالبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأجناس المنصوص عليها:
ذهب الإمامان: مالك، وأحمد إلى اختيار إخراج التمر، قال ابن المنذر: واستحبّ مالك إخراج العجوة منه.
وذهب الشافعيّ، وأبو عبيد إلى اختيار إخراج البرّ. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: يحتمل أن يكون الشافعيّ قال ذلك؛ لأن البرّ كان أعلى في وقته، ومكانه؛ لأن المستحبّ أن يخرج أغلاها ثمنًا، وأنفسها؛ لقول النبيّ ﷺ ، وقد سئل عن أفضل الرقاب؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها". متّفق عليه.
وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداءً بأصحاب رسول اللَّه ﷺ ، واتباعًا لهم. وروى بإسناده عن أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر إن اللَّه قد أوسع، والبرّ أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، وأنا أُحبّ أن أسلكه. وظاهر هذا أن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر، فأحبّ ابن عمر موافقتهم، وسلوك طريقتهم، وأحبّ أحمد أيضًا الاقتداء بهم، واتِّبَاعهم.
وروى البخاريّ عن ابن عمر، قال: "فرض النبيّ ﷺ صدقة الفطر … " الحديث.
стр. 11996
وفيه كان ابن عمر يُعطي التمر، فأعوز أهلُ المدينة من التمر، فأعطى شعيرًا. قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يُخرج في صدقة الفطر. وقد روى جعفر الفريابيّ من طريق أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: قد أوسع اللَّه، والبرّ أفضل من التمر، أفلا تُعطي البرّ؟، قال: لا أُعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. وُيستَنبَطُ من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يُقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما ذُكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فَهِمَ منه خصوصيّة التمر بذلك. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ (١).
قال ابن قُدامة: والأفضل بعد التمر البرّ، وقال بعض أصحابنا: الأفضل بعده الزبيب؛ لأنه أقرب تناولًا، وأقلّ كلفة، فأشبه التمر. ولنا أن البرّ أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي قول من فضّل الزبيب على البرّ أرجح؛ لصحّة الحديث به، دون البرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في إخراج القيمة في صدقة الفطر:
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أنه لا يجوز دفع القيمة في صدقة الفطر.
وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه -رحمهم اللَّه تعالى- إلى جواز ذلك.
قال ابن قدامة: قال أبو داود: قيل لأحمد، وأنا أسمع: أَعطَى دراهم -يعني في صدقة الفطر- قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنّة رسول اللَّه ﷺ . وقال أبو طالب: قال أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة، قال: يدعون قول رسول اللَّه ﷺ ، ويقولون قال فلان، قال ابن عمر: "فرض رسول اللَّه ﷺ "، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقال قوم يردّون السنن: قال فلان، قال فلان.
وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك، والشافعيّ.
وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: يجوز. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وروي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا صدقةَ الفطر، وقال أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر نخلته؟، قال: عشره على الذي باعه، قيل له: فيخرج ثمرًا، أو
стр. 11997
ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمرًا، وإن شاء أخرج من الثمن. وهذا دليل على جواز إخراج القيم. ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: "ايتوني بخميس، أو لبيس، آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة". وقال سعيد: حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: لَمّا قدم معاذ اليمن، قال: "ائتوني بعرض ثياب، آخذه منكم مكان الذرة، والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة". قال: وحدّثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال: كان عمر بن الخطّاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم؛ ولأن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر الماليّة باختلاف صور المال.
قال ابن قدامة: ولنا قول ابن عمر: "فرض رسول اللَّه ﷺ صدقة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فإذا عدل عن ذلك، فقد ترك المفروض. وقال النبيّ ﷺ : "في أربعين شاةً شاةٌ، وفي مائتي درهم خمسة دراهم". وهو وارد لبيان مجمل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر للوجوب انتهى.
وقد وافق الإمام البخاريّ في ذلك الحنفيّةَ، فقال بجواز إخراج العروض في الزكاة، إذا كانت بقيمتها، إذ ترجم بقوله: "باب الْعَرْضِ في الزكاة"، وذكر فيه أثر طاوس المتقدّم، وغيره من الأحاديث. وقد أجاب الجمهور عن جميع ذلك. وقد تقدّم البحث عن ذلك.
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "السيل الجرّار" في شرح قول صاحب "حدائق الأزهار": "إنما تجزئ القيمة للعذر": أقول هذا صحيح؛ لأن ظاهر الأحاديث الواردة بتعيين قدر الفطرة من الأطعمة أنّ إخراج ذلك مما سمّاه النبيّ ﷺ متعيّنٌ، وإذا عرض مانع من إخراج العين، كانت القيمة مجزئة؛ لأن ذلك هو الذي يمكن مَنْ عليه الفطرة، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت إمكانه انتهى كلام الشوكانيّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح عندي.
والحاصل أن دفع عين ما وجب في زكاة الفطر، أو زكاة المال هو المتعيّن، فإن لم يتيسّر جازت القيمة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما
стр. 11998
استطعتم … " الحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥١٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ وَكِيعٍ, عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ, إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , صَاعًا مِنْ طَعَامٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ, فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ, حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ مِنَ الشَّامِ, وَكَانَ فِيمَا عَلَّمَ النَّاسَ, أَنَّهُ قَالَ: مَا أَرَى مُدَّيْنِ, مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ, إِلاَّ تَعْدِلُ (١) صَاعًا مِنْ هَذَا, قَالَ: فَأَخَذَ (٢) النَّاسُ بِذَلِكَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهمَ رجال الصحيح، و"هنّاد بن السّريّ" هو: الكوفيّ الثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. و"داود بن قيس": هو الفرّاء الدّبّاغ، أبو سليمان القرشيّ المدنيّ، ثقة فاضل [٥] ٩٦/ ١٢٠.
وقوله: "فيما علّم الناس" بتشديد اللام، من التعليم.
والحديث صحيحٌ، وقد مضى شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٩ - (الدَّقِيقُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الدّقيق" -بالفتح- فَعيل بمعنى مفعول. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: دققتُ الشيءَ دَقًّا، من باب قتل، فهو مَدْقُوقٌ، ودَقيقُ الحنطة، وغيرها، وهو الطَّحِينُ أيضًا، فعيل بمعنى مفعول، ويجمع على أَدِقَّةٍ، مثلُ جَنِينٍ وأجِنّة، ودَليل وأدلّة. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يُخْبِرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: "لَمْ نُخْرِجْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِلاَّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ, أَوْ صَاعًا
стр. 11999
مِنْ دَقِيقٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ". ثُمَّ شَكَّ سُفْيَانُ, فَقَالَ: "دَقِيقٍ, أَوْ سُلْتٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ "محمد بن منصور" وهو الجوّاز المكيّ فإنه من أفراده. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"ابن عجلان": هو محمد، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد اللَّه أحد العلماء العاملين المدنيّ، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠.
وقوله: "ثمّ شكّ سفيان" يعني أن سفيان بن عيينة -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن كان يحدّث "أو صاعًا من دقيق" وقع عليه شكّ في ذلك، فقال: "من دقيق، أو سُلْت".
وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق يحيى القطّان، عن ابن عجلان: ما نصّه: هذا حديث يحيى، زاد سفيان "أو صاعًا من دقيق". قال حامد -يعني شيخه حامد بن يحيى -: فأنكروا عليه، فتركه سفيان. قال أبو داود: فهذه الزيادة وَهَمٌ من ابن عيينة انتهى.
وقال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: رواه جماعة عن ابن عجلان، منهم: حاتم بن إسماعيل، ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم في "الصحيح"، ويحيى القطّان، وأبو خالد الأحمر، وحماد بن مسعدة، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكروا عليه، فتركه. وروي عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، مرسلًا موقوفًا على طريق التوهّم، وليس بثابت، وروي من أوجه ضعيفة، لا تسوى ذكرها. انتهى كلام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الدارقطنيّ بعد إخراجه من طريق العباس بن يزيد، عن ابن عيينة بلفظ: "ما أخرجنا على عهد رسول اللَّه ﷺ إلا صاعًا من دقيق، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من سُلْت، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط". قال أبو الفضل: فقال له -أي لسفيان- عليّ بن المدينيّ، وهو معنا: يا أبا محمّد أحدٌ لا يذكر في هذا الدقيقَ، فقال: بل هو فيه انتهى (٢). وأبو الفضل هو العباس بن يزيد المذكور.
وأخرج ابن خزيمة، والدارقطنيّ من طريق محمد بن سيرين، عن ابن عبّاس ﵄، قال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، أن نؤدّي زكاة رمضان صاعًا من طعام، عن الصغير والكبير، والحرّ، والمملوك، من أدّى سُلتًا قُبل منه"، وأحسبه قال: "ومن أدّى دقيقًا قُبل منه، ومن أدّى سويقًا قُبل منه".
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا؟ -يعني هذا الحديث- فقال: مُنكَرٌ؛ لأن ابن
стр. 12000
سيرين لم يسمع من ابن عبّاس في قول الأكثر (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن زيادة الدقيق في حديث أبي سعيد ﵁ لا تصحّ، وأن سفيان بن عيينة كان يرويه في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، فلما أُنكر عليه تركه. واللَّه تعالى أعلم.
وقد استَدَلّ به أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وقالوا أيضًا: يجوز إخراج السويق، ثم قال الحنفيّة: نصف صاع من دقيقِ القَمْحِ، وسويقه، وصاع من دقيق الشعير، وسويقه، وقال أحمد: صاع من الجميع.
واحتجّوا للجواز بحديث الباب، وبحديث ابن خزيمة، والدارقطنيّ المذكور، وغيرهما، وقد عرفت أنها كلها ضعيفة.
وفي "المنهل": وقال مالك، وأصحابه، والشافعيّة، وأكثر العلماء: لا يجوز إخراج الدقيق، والسويق؛ لأنهما لم يذكرا في الأحاديث "الصحيحة" والأحاديثُ التي فيها ذكر الدقيق والسويق لا تصلح للاحتجاج بها انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أكثر العلماء، من عدم إجزاء الدقيق، والسويق في زكاة الفطر هو الصواب عندي؛ لعدم صحّة الدليل عليه، إلا إذا كان هناك عذرٌ، كعدم وجود الأشياء المنصوص عليها، فيجوز إخراجهما، للضرورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (الْحِنْطَةُ)
٢٥١٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) حُمَيْدٌ, عَنِ الْحَسَنِ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ, خَطَبَ بِالْبَصْرَةِ, فَقَالَ: "أَدُّوا زَكَاةَ صَوْمِكُمْ", فَجَعَلَ النَّاسُ, يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَقَالَ: "مَنْ هَاهُنَا, مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ , قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ, فَعَلِّمُوهُمْ, فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ, عَلَى الصَّغِيرِ
стр. 12001
وَالْكَبِيرِ, وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ, وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى, نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ, أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ شَعِيرٍ, قَالَ: الْحَسَنُ: فَقَالَ: عَلِيٌّ: أَمَّا إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ, فَأَوْسِعُوا, أَعْطُوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ, أَوْ غَيْرِهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة. و"حميد": هو الطويل. و"الحسن": هو البصريّ.
والحديث تقدّم سندًا ومتنًا في ٣٦/ ٢٥٠٨ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، وهو حديث ضعيف للانقطاع بين الحسن البصريّ، وابن عبّاس ﵄، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤١ - (السُّلْتُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السُّلْتَ" -بضمّ، فسكون-: قال في "اللسان": ضربٌ من الشعير، وقيل: هو الشعير بعينه. وقيل: هو الشعير الحامض. وقال الليث: السُّلْتُ شعيرٌ لا قشر له أجرد، زاد الجوهريّ: كأنه الحنطة، يكون بالْغَوْر، والحجاز، يتبرّدون بسويقه في الصيف. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥١٦ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنْ زَائِدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ, فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ , صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ تَمْرٍ, أَوْ سُلْتٍ, أَوْ زَبِيبٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "موسى بن عبد الرحمن": هو الكنديّ المسَرَوقيّ، أبو عيسى الكوفيّ، ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١.
و"حسين": هو ابن عليّ الجعفيّ الكوفيّ الثقة المقرئ العابد [٩] ٧٤/ ٩١.
و"زائدة": هو ابن قُدَامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٤/ ٩١.
و"عبد العزيز بن أبي رَوَّاد" المكيّ، واسم أبيه ميمون، وقيل: غيره، صدوق عابد، ربما وَهِمَ، ورُمي بالإرجاء [٧] ٩٣/ ١٣٥١.
والحديث صحيح، إلا أن زيادة "السلت" فيها نظر؛ لأنها من رواية ابن أبي رَوَّاد، وهو متكلم فيه، وقد روى الحديث الثقاةُ من أصحاب نافع، وليست عندهم هذه الزيادة، فالظاهر عدم قبولها، فتأمل. وقد تقدّم تمام البحث في الحديث مُستَوفًى في ٣١/ ٢٥٠١ فراجعه تستفد.
стр. 12002
ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على إجزاء صاع من السّلت في صدقة الفطر، إلا أن الظاهر أن زيادة "السلت" في الحديث لا تصح، كما نبهت عليه آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٢ - (الشَّعِيرُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الشَّعِير" -بالفتح-: جنس من الحبوب معروفٌ، واحدته شَعيرةٌ، وبائعه شَعِيريٌّ. قال سيبويه: وليس مما بُني على فاعل، ولا فَعّالٍ، كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِيرٌ، وبعِيرٌ، ورِغِيفٌ، وما أشبه ذلك -أي بكسر أوله، وثانيه- لتقريب الصوت من الصوت، فَلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق. ذكره في "اللسان".
وفي "المصباح": الشَّعِير: حَبّ معروفٌ، قال الزّجّاج: أهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يُذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير انتهى.
فأفاد ما تقدّم عن سيبويه أن الشَّعِير بفتح أوّله، وكسر ثانيه، ويجوز كسر أوله أيضًا تبعًا لحركة العين، وهكذا كلّ ما أتي على فَعِيل، وكان عينه حرف حلق، كبَعِير، ورَغِيفٍ، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥١٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيَاضٌ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ تَمْرٍ, أَوْ زَبِيبٍ, أَوْ أَقِطٍ, فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ, حَتَّى كَانَ فِي عَهْدِ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: مَا أَرَى مُدَّيْنِ, مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ, إِلاَّ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"عمرو": هو الفلّاس. و"يحيى": هو القطّان.
وقوله: "من سمراء الشام" أي الْقَمْح الشاميّ. قيل: هو الحنطة الجيّدة المعروفة بالشام بالجبليّ.
والحديث صحيح، تقدم الكلام عليه في ٣٧/ ٢٥١١، ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أن إخراج صاع من الشعير في صدقة الفطر مجزىء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
стр. 12003
٤٣ - (الأَقِطُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الأقط" كما قال الأزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-: يُتّخذ من اللبن الْمَخِيض، يُطبخ، ثمّ يُترك حتّى يَمْصُلَ (١)، وهو -بفتح الهمزة، وكسر القاف، وقد تُسكّن القاف للتخفيف، مع فتح الهمزة، وكسرها، مثل تخفيف كَبِدٍ، نقله الصغانيّ عن الفَرَّاء ذكره في "المصباح".
وقال في "اللسان": "الأَقِط" -أي بفتح، فكسر- و"الإِقْطُ" -أي بكسر، فسكون- و"الأَقْطُ" -أي بفتح، فسكون- و"الأُقْطُ -أي بضمّ، فسكون-: شيءٌ يُتّخذ من اللبن الْمَخِيض، يُطبخ، ثمّ يُترك حتىّ يَمْصُل، والقِطْعة منه أَقِطَةٌ. قال ابن الأعرابيّ: هو من ألبان الإبل خاصّة. وقال الجوهريّ: الأقط معروف، قال: وربّما سُكّن في الشعر، وتُنقل حركة القاف إلى ما قبلها، قال الشاعر [من الطويل]:
رُوَيْدَكَ حَتَّى يَنْبُتَ البَقْلُ وَالْغَضَا … فَيَكْثُرَ إِقْطٌ عِنْدَهُمْ وَحَلِيبُ
قال: وَأْتَقَطْتُ: اتّخذتُ الأقِطَ، وهو افتَعَلْتُ، وأَقَطَ الطّعَامَ يَأْقِطُهُ أَقْطًا: عَمِلَهُ بالأَقِطِ، فهو مأْقُوطٌ، وأنشد الأَصْمَعِيُّ [من الرجز]:
وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَيُّوتَا … وَيَدْمُقُ (٢) الأقَفَالَ وَالتَّابُوتَا
وَيَخْنُقُ الْعَجُوزَ أَوْ تَمُوتَا … أَوْ تُخرِجُ الْمَأقُوطَ وَالْمَلْتُوتَا
انتهى عبارة "لسان العرب" باختصار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥١٨ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ (٣) , أَنَّ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَهُ, أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ, لَا نُخْرِجُ غَيْرَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عثمان، كما سيأتي، و"عيسى بن حمّاد": هو المصريّ المعروف بـ "زُغْبَةَ" ثقة
стр. 12004
[١٠] ١٣٥/ ٢١١. و"الليث": هو ابن سعد الإمام الثبت الفقيه الحجة المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. و"يزيد": هو ابن أبي حبيب، أبو رجاء المصريّ الفقيه الثقة [٥] ١٣٤/ ٢٠٧.
و"عبد اللَّه- ويقال: عبيد اللَّه، مصغّرًا- ابن عبد اللَّه بن عثمان" بن حَكيم بن حِزَام ابن خُوَيلد الأسديّ الحزاميّ- بالحاء المهملة، والزاي- مقبول [٦].
روى عن عياض بن عبد اللَّه بن أبي سَرْحٍ، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول. وعنه يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن إسحاق، وعَبد اللَّه بن عامر الأسلميّ، وحُنين بن أبي حكيم. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط.
والحديث حسنٌ، وتقدّم البحث عنه فيما سبق، فراجعه، تستفد.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على أنّه يجوز دفع صاعٍ من الأقط في صدقة الفطر، كغيره مما ذُكر في الحديث، وقد اختلف فيه العلماء، فقال مالك بالإجزاء، إذا كان من أغلب القوت، وللشافعيّ فيه قولان: أحدهما كقول مالك. والثاني: أنه لا يجزئ، قال الحافظ: وعند الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ بأهل البادية، وأما الحاضرة، فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعقبه النوويّ في "شرح المهذّب"، وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع انتهى. والمذكور في فروع الشافعيّة الإجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال النوويّ في "شرح مسلم": يجزئ الأقط على المذهب انتهى. وقال الحنفيّة: لا يُجزىء إلا بدلًا عن القيمة. قال الكاسانيّ في "البدائع": أما الأقط، فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا عجيب من الكاسانيّ، فإن حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقوله: غير منصوص عليه من وجه يوثق به. ينادي عليه بأنه بعيد كلّ البعد عن مراجعة مشاهير الكتب الحديثية، كالصحيحين، فضلًا عن غيرها، مع أنه يعدّ من كبار الفقهاء الحنفية، إن هذا لهو العجب العُجاب. وقال ابن قدامة: يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه، فأما من وجد سواه، فهل يجزئ على روايتين: إحداهما: يجزئه أيضًا؛ لحديث أبي سعيد المذكور في الباب.
والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، كاللحم، ويُحمل الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره. انتهى كلام ابن قدامة باختصار.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الحقّ، وأما القول الثاني، فمخالف للنصوص "الصحيحة" فلا يلتفت إليه. فالحقّ أنه يجزئ إخراج الأقط، مطلقًا، سواء
стр. 12005
كانوا من أهل الأمصار، أو من غيرهم، قادرين على غيره، من التمر، وغيره، أو لا، وسواء كان قوتًا له، أو لا؛ لأن الحديث لم يفرّق، ولم يفصّل شيئًا من ذلك.
والحاصل أن الأقط مجزىء مطلقًا، لحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المذكور في الباب، حيث قال: "كنّا نخرج في عهد رسول اللَّه ﷺ … " الحديث، فأطلق، ولم يقيّده بشيء، مما ذكروه، فدلّ على أنه يجزئ مطلقًا، كالتمر، والشعير المذكورين معه، حيث لا خلاف في إجزائهما، فكذلك هو. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٤ - (كَمِ الصَّاعُ)
٢٥١٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ -وَهُوَ ابْنُ مَالِكٍ- عَنِ الْجُعَيْدِ, سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ, قَالَ: "كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مُدًّا وَثُلُثًا, بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ, وَقَدْ زِيدَ فِيهِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَحَدَّثَنِيهِ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عمرو بن زُرارة) أبو محمد النيسابوريّ، ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨.
٢ - (القاسم بن مالك) المزنيّ، أبو جعفر الكوفيّ، صدوق فيه لين، من صغار [٨] ١/ ١٤٤٢.
٣ - (الْجُعَيدِ) -مصغرًا- ويقال: الجعد -مكبّرًا- ابن عبد الرحمن بن أوس، وقد ينسب إلى جدّه، ثقة [٥] ٨٣/ ١٠٠.
٤ - (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل: غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر، صحابيّ صغير، له أحاديث قليلة، وحُجّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاّه عمر سوق المدينة، آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃، مات سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك، تقدّم في ١٥/ ١٣٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٢٩) من رباعيات
стр. 12006
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃ -كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْجُعَيْدِ) أو الجعد بن عبد الرحمن، أنه قال (سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد ابن ثُمامة الكنديّ ﵁ أنه (قَالَ: "كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مُدًّا وَثُلُثًا، بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ) "أل" للعهد الحضوريّ، أي بمدّكم المستعمل في اليوم الحاضر الذي هو يوم تحديث السائب للجعد بن عبد الرحمن، ومن معه (وَقَدْ زِيدَ فِيهِ) أي زيد في مقدار الصالح بعد عهده ﷺ . وللبخاريّ: "فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز".
قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: هذا يدلّ على أن مدّهم حين حدّث به السائب كان أربعة أرطال، فإذا زيد عليه ثلثه، وهو رطلٌ وثلثٌ، قام منه خمسة أرطال، وثلثٌ، وهو الصالح بدليل أن مدّه ﷺ رطلٌ وثلثٌ، وصاعه أربعة أمداد، ثمّ قال: مقدار ما زيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز لا نعلمه، وإنما الحديث يدلّ على أن مدّهم ثلاثة أمداد بمدّه انتهى.
قال الحافظ: ومن لازم ما قال أن يكون صاعهم ستة عشر رطلًا، لكن لعلّه لم يعلم مقدار الرطل عندهم إذ ذاك. انتهى (١).
(قَالَ: أَبُو عَبد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (وحَدَّثَنِيهِ) أي هذا الحديث (زِيَادُ بْنُ أَيوبَ) البغداديّ، أبو هاشم الطوسيّ الأصل، الحافظ الثبت، الملقّب بـ "دَلُّويَهْ"، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، مات سنة (٢٥٢) وله (٨٦) سنة، وتقدّم في ١٠١/ ١٣٢. زاد في "الكبرى": "عن القاسم".
والمعنى: أن زياد بن أيوب حدث المصنّف بهذا الحديث عن القاسم بن مالك، كما حدّثه به عمرو بن زُرارة، ورواية زياد أخرجها الإسماعيلي، كما أشار إليه في "الفتح" جـ ١٥ ص ٢٤٦ حيث قال: ووقع في رواية زياد بن أيوب، عن القاسم بن مالك، قال: أنبأنا الجعيد، أخرجه الإسماعيلي انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث السائب بن يزيد ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
стр. 12007
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤/ ٢٥١٩ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٢٢٩٨ - وأخرجه (خ) في "كتاب كفّارات الأيمان" ٦٧١٢ وفي "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" ٧٣٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مقدار الصاع:
ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وعلماء الحجاز إلى أنه خمسة أرطال، وثلث بالرطل البغداديّ.
وذهب أبو حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن إلى أنه ثمانية أرطال بالرطل المذكور.
وكان أبو يوسف يقول كقولهما، ثم رجع إلى قول مالك، والجمهور لَمّا تناظر مع مالك بالمدينة، فأراه الصيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم إلى زمن النبيّ ﷺ .
وقد بسط البيهقيّ في "السنن الكبرى" الدلائل في كون الصاع المجزىء في الفطرة خمسة أرطال وثلثًا بسطاَ حسنًا. قال: وأما ما رواه صالح بن موسى الطلحيّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "جرت السنة من رسول اللَّه ﷺ في الغسل من الجنابة صاع، والوضوء برطلين، والصاع ثمانية أرطال". فإن صالحًا تفرّد به، وهو ضعيف. قاله يحيى بن معين، وغيره، من المحدثين. قال: وكذا ما روي عن جرير بن يزيد، عن أنس ﵁، وما روى عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن أنس: "أن النبيّ ﷺ كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع، ثمانية أرطال". إسنادهما ضعيف، وإنما الحديث الصحيح عن أنس ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يتوضّأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد". قال البيهقيّ: فلا معنى لترك الأحاديث الصحيحة في قدر الصاع المعدّ لزكاة الفطر بمثل هذا. انتهى (١).
وقال الحافظ وليّ الدين: وإطلاق الصالح في الحديث يدلّ على أنه مكيال معروفٌ عندهم. وقال ابن الصبّاغ وغيره من الشافعيّة: الأصل فيه الكيل، وإنما قدّره العلماء بالوزن استظهارًا. وقال النوويّ: قد يُستشكل ضبط الصاع بالأرطال، فإن الصاع المخرج به في زمن النبيّ ﷺ مكيال معروف، ويختلف قدره وزنا باختلاف جنس ما يخرج، كالذرة، والحمّص، وغيرهما، والصواب ما قاله أبو الفرج الدارميّ من أصحابنا أن الاعتماد في ذلك على الكيل دون الوزن، وأن الواجب أن تخرج بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصر رسول اللَّه ﷺ ، وذلك الصاع موجود، ومن لم يجده
стр. 12008
وجب عليه إخراج قدر يتيقّن أنه لا ينقص عنه، وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال، وثلث تقريب، وقال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكفّي رجل معتدل الكفين انتهى كلام النوويّ (١).
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني": ما حاصله: الصاعُ خمسة أرطال وثلثٌ بالعراقيّ. والأصل فيه الكيل، وإنما قدّره العلماء بالوزن ليُحفَظ، ويُنقَل. وقد روى جماعة عن أحمد أنه قال: الصاع وزنته، فوجدته خمسة أرطال وثلثًا حنطةً. وقال حنبلٌ: قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر، وقال أبو النضر: أخذته عن ابن أبي ذئب، وقال: هذا صاع النبيّ ﷺ الذي يُعرف بالمدينة، قال أبو عبد اللَّه: فأخذنا العَدَسَ، فعيّرنا به، وهو أصلح ما يُكال به؛ لأنه لا يتجافى عن موضعه، فَكِلْنا به، ثمّ وزنّاه، فهذا هو خمسة أرطال وثلثٌ، وقال: هذا أصلح ما وقفنا عليه، وما تبيّن لنا من صاع النبيّ ﷺ ، وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثًا من الحنطة، والعدَسِ، وهما من أثقل الحبوب، فما عداهما من أجناس الفطرة أخفّ منهما، فإذا أخرج منها خمسة أرطال وثلثًا، فهي أكثر من صاع. وقال محمد بن الحسن: إن أخرج خمسة أرطال وثلثًا بُرًّا لم يُجزه؛ لأن البرّ يختلف، فيكون فيه الثقيل والخفيف. وقال الطحاويّ: يُخرج ثمانية أرطال مما يستوي كيله ووزنه، وهو الزبيب والماشُ. ومقتضى كلامه أنه إذا أخرج ثمانية أرطال مما هو أثقل منهما لم يجزئه حتى يزيد شيئًا يعلم أنه قد بلغ صاعًا، والأولى لمن أخرج من الثقيل بالوزن أن يحتاط، فيزيد شيئًا يعلم به أنه قد بلغ صاعًا. انتهى كلام ابن قدامة (٢).
وقد ردّ الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- على القائلين: إن الصاع ثمانية أرطال ردًّا عَنيفًا، ثم أورد حديثَ: "المكيالُ مكيالُ أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكّة" الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، وقال: فلم يَسَعْ أحدًا الخروج عن مكيال أهل المدينة، ومقداره عندهم، ولا عن موازين أهل مكّة، ووجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أنّ مدّ رسول اللَّه ﷺ الذي تؤدّى به الصدقات ليست أكثر من رطل ونصف، ولا أقلّ من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث، وليس هذا اختلافًا، لكنه على حسب رزانة المكيل من البرّ، والتمر، والشعير. ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة: "أن مدّ النبيّ ﷺ الذي كان يأخذ به الصدقات رطل ونصف". وأخرج أيضًا من طريق أبي داود، عن أحمد بن حنبل، قال: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث.
стр. 12009
قال أبو داود: وهو صاع رسول اللَّه ﷺ . وأخرج من طريق عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: ذكر أبي أنه عير مدّ النبيّ ﷺ بالحنطة، فوجدها رطلا وثلثًا في البرّ. قال: ولا يبلغ من التمر هذا المقدار. وأخرج من طريق إسماعيل بن إسحاق، قال: دفع إلينا إسماعيل ابن أبي أويس المدَّ، وقال: هذا مدّ مالك، وهو على مثال مدّ النبيّ ﷺ ، فذهبت به إلى السوق، وخُرِط لي (١) عليه مُدٌّ، وحملته معي إلى البصرة، فوجدته نصف كَيلَجة (٢) بكَيلَجة البصرة، يزيد على كيلجة البصرة شيئًا يسيرًا خفيفًا، إنما هو شبيه بالرجحان الذي لا يقع عليه جزء من الأجزاء، ونصف كيلجة البصرة هو ربع كيلجة بغداد، فالمدّ ربع الصاع، والصاع مقدار كيلجة بغداديّة يزيد الصاع عليها شيئًا يسيرًا.
قال أبو محمد: وخُرِط لي مدّ على تحقيق المد المتوارث عند آل عبد اللَّه بن علي الباجيّ، وهو عند أكبرهم، لا يفارق داره، أخرجه إليّ ثقتي الذي كلّفته ذلك علي بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن عليّ المذكور، وذكر أنه مدّ أبيه وجدّه، وأبي جدّه، أخذه، وخرطه على مدّ أحمد بن خالد، وأخبره أحمد بن خالد أنه خرطه على مدّ يحيى ابن يحيى الذي أعطاه إياه ابنه عبيد اللَّه بن يحيى، وخرطه يحيى على مدّ مالك، ولا أشكّ أن أحمد بن خالد صححه أيضًا على مدّ محمد بن وضاح الذي صححه ابن وضاح بالمدينة.
قال أبو محمد: ثم كلته بالقمح الطيب، ثم وزنته، فوجدته رطلًا واحدًا ونصف رطل بالفلفليّ، لا يزيد حبّة، وكلته بالشعير، إلا أنه لم يكن بالطيب، فوجدته رطلًا واحدًا ونصف أوقيّة. وهذا أمر مشهور بالمدينة، منقول نقل الكافّة، صغيرهم وكبيرهم، وصالحهم وطالحهم، وعالمهم وجاهلهم، وحرائرهم، وإمائهم، كما نقل أهل مكة موضع الصفا والمروة، والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدّهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة، ولا فرق، وكمن يعترض على أهل المدينة في القبر والمنبر والبقيع، وهذا خروج عن الديانة والمعقول.
قال: وقد رجع أبو يوسف إلى الحقّ في هذه المسألة، إذ دخل المدينة، ووقف على أمداد أهلها انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في مقدار الصاع هو ما
стр. 12010
ذهب إليه الجمهور، وهو أنه خمسة أرطال وثلث، لا ثمانية أرطال، كما يقول بعضهم.
وأما تقديره بالموازير المعاصرة، كـ "الجرامات"، فلم أجد من حقق ذلك تحقيقًا يُعتمد عليه، فقد كتب الدكتور يوسف القرضاويّ في كتابه "فقه الزكاة" ما خلاصته: الصاع يساوي بالوزن بالجرامات (٢١٧٦) وذلك حسب الوزن بالقمح. انتهى كلامه (١).
وكتب الشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسّام في كتابه "توضيح الأحكام": ما نصّه: وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبويّ بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقّن حاسم، وذلك لعدم وجود صاع نبويّ متيقّن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر، ونحوها انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بين هذين التقديرين بَوْن شاسع، فلا اعتماد على مثل هذا، بل لا بدّ من بذل الجهد في التحقيق، والتدقيق في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٢٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ حَنْظَلَةَ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ, وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤١.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الملائي الكوفي، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (حنظلة) بن أبي سفيان الجمحي المكي، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢.
٥ - (طاوس) بن كيسان اليماني الثقة الثبت الحجة [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عمر من المكثرين السبعة،