← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

بالتصغير (مَوْلَى آبِي اللَّحْم) الغفاريّ ﵁ (قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا) بضم الهمرّة، وكسر الدال المشدَّدة، من القَدّ، وهو الشقّ طولًا (فَجَاءَ مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ) أي أعطيته من ذلك اللحم (فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: "لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ "، فَقَالَ) وفي نسخة: "قال" (يُطْعِمُ طَعَامِي، بغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ) أي بغير إذني (وَقَال مَرَّةً أُخْرَى: بغَيْرِ أَمْرِي) الظاهر أنّ ضمير "قال" لعمير، أي أنه حدّثه بهذا الحديث مرّتين، فمرّة قال: "بغير أن آمره"، ومرّة قال: "بغير أمري" (قَالَ) ﷺ ("الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا") أي إن رضيت بذلك يحلّ له إعطاء مثل هذا، مما يجري فيه المسامحة، وتؤجران معًا. قال الطيبيّ أخذًا عن التوربشتيّ: لم يرد به إطلاق يد العبد، بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبيّن رشده فيه، فحثّ السيّد على اغتنام الأجر، والصفح عنه، فهذا تعليم، وإرشاد لآبي اللحم، لا تقرير لفعل العبد انتهى. وقال النوويّ: هذا محمول على أن عميرًا تصدق بشيء ظن أن مولاه يرضى به، ولم يرض به مولاه، فلعمير أجرٌ؛ لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنيّة الطاعة، ولمولاه أجرٌ؛ لأن ماله أُتلف عليه، وقوله: "الأجر بينكما": أي لكلّ منكما أجرٌ، وليس المراد أنّ أجر نفس المال يتقاسمانه. فهذا الذي ذكرته من تأويله هو المعتمد، وقد وقع في كلام بعضهم ما لا يُرتضى من تفسيره. وقال قبل ذلك: وقوله ﷺ : "الأجر بينكما": ليس معناه أن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه، بل معناه أن هذه الصدقة التي أخرجها الخازن، أو المرأة، أو المملوك، ونحوهم بإذن المالك يترتّب على جملتها ثوابٌ على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسومًا بينهما، لهذا نصيبٌ بماله، ولهذا نصيبٌ بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله. (واعلم): أنه لا بد للعامل، وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلًا، فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزرٌ بتصرّفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة، والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطّراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرةً ونحوها، مما جرت العادة به، واطّرد العرف فيه، وعُلم رضاء الزوج، والمالك به، فإذنه في ذلك حاصلٌ، وإن لم يتكلّم، وهذا إذا عُلم رضاه لاطراد العرف، وعُلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشُكّ في رضاه، أو كان شخصًا يشحّ بذلك، وعُلم من حاله ذلك، أو شكّ فيه، لم يجز للمرأة، وغيرها التصدّق مما ماله إلا بصريح إذنه. انتهى (١).

стр. 12077

وفي رواية لمسلم، من طريق محمد بن زيد، عن عمير، قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول اللَّه ﷺ : أتصدّق من مال مواليّ بشيء؟، قال: "نعم، والأجر بينكما نصفان". قال النوويّ: معنى قوله: "نصفان": قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر: إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذي كُنْتُ أَصْنَعُ وأشار القاضي إلى أنه يحتمل أيضًا أن يكون سواء؛ لأن الأجر فضلٌ من اللَّه تعالى، يؤتيه من يشاء، ولا يُدرك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، بل ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. والمختار الأول انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله القاضي هو المختار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمير ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٢٥٣٧ - وفي "الكبرى" ٥٨/ ٢٣١٧. وأخرجه (م) في "الزكاة" ١٠٢٥ (ق) في "الزكاة" ٢٢٩٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز تصدّق العبد من مال سيّده بغير إذنه، وهذا كما تقدّم، محمول على ما جرى به العرف، من الطعام، ونحوه (ومنها): أن العبد والسيّد يؤجران به، السيّد بماله، والعبد بعمله (ومنها): جواز تأديب السيّد عبده إذا أساء، فإن النبيّ ﷺ ما لام مولى عُمير على ضربه مطلقًا، وإنما أرشده أن فعله هذا لا يستحقّ الضرب، حيث إنه ماذون له شرعًا، نظرًا لما جرى به العرف، وأنه يؤجر عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٣٨ - (أَخْبَرَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,

стр. 12078

قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» , قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْهَا؟ , قَالَ: «يَعْتَمِلُ بِيَدِهِ, فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ, وَيَتَصَدَّقُ» , قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ , قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» , قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ» , قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ , قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ, فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (ابن أبي بردة) هو: سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٥]. قال الميمونيّ عن أحمد بن حنبل: بَخٍ، ثبتٌ في الحديث. وقال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": لم يسمع ابن أبي بردة من ابن عمر شيئًا، إنما يروي عن أبيه عنه، وروايته عن جدّه منقطعة، لم يسمع منه شيئًا. وقال الصريفينيّ: مات سنة (١٦٨) قال الحافظ: كذا بخطّ مغلطاي، ولعلّه "وثلاثين" بدل "وستين" انتهى. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٥٣٨ و ٥٣٨٤ و ٥٤٢٦ و ٥٥٩٧. ٥ - (أبوه) أبو بردة عامر، وقيل: الحارث، ابن أبي موسى الأشعريّ الكوفي، ثقة [٣] ٣/ ٣. ٦ - (أبو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁، تقدم في ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه عن جدّه، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁، (عَنِ النَّيِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ

стр. 12079

صَدَقَةٌ") أي على سبيل الاستحباب المتأكّد، أو على ما هو أعم من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب، والاستحباب، كقوله ﷺ : "على المسلم ستّ خصال … "، فذكر منها ما هو مستحبّ اتفاقًا. وزاد أبو هريرة ﵁ في حديثه تقييد ذلك بكلّ يوم. ولمسلم من حديث أبي ذر ﵁، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان، يركعهما من الضحى". و"السُّلَامى" بضمّ المهملة، وتخفيف اللام: المفصل. وله من حديث عائشة ﵂، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إنه خلق كل إنسان، من بني آدم، على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظما، عن طريق الناس، وأَمَر بمعروف، أو نهى عن منكر، عَدَدَ تلك الستين والثلاثمائة السُّلامَى، فإنه يمشي يومئذ، وقد زحزح نفسه عن النار" (١). (قِيلَ) وفي نسخة": "فقيل"، وفي رواية البخاريّ: "قالوا: يا نبيّ اللَّه، فمن لم يجد" (أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْهَا؟) أي إن لم يجد الصدقة. قال في "الفتح": كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطيّة، فسألوا عمن ليس عنده شيء من المال، فبيّن لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعمّ من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف. وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوّع التي تحسب يوم القيامة من الفرائض الذي أخلّ به؟ فيه نظر، الذي يظهر أنها غيرها؛ لما تبيّن من حديث عائشة ﵂ المذكور أنها شُرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث: "فإنه يُمسي يومئذ، وقد زَحْزَح نفسه عن النار". انتهى (٢). (قَالَ: "يَعْتَمِلُ") افتعال من العمل، للمبالغة، وفي رواية البخاريّ: "فيعمل" (بِيَدِهِ) وفي نسخة: "بيديه" (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ) بما يكتسبه من صناعة، وتجارة، ونحوهما بإنفاقه عليها، ومن تلزمه نفقته، ويستغني بذلك عن ذلّ السؤال لغيره (وَيَتَصَدَّقُ) وفي نسخة: "فيتصدّق"، أي ينفع غيره بإعطاء الصدقة، ويكتسب الأجر. قال القسطلاّنيّ: وقوله: "فيعمل، وينفع، ويتصدّق" بالرفع في الثلاثة خبر بمعنى الأمر. قاله ابن مالك.

стр. 12080

(قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟) ذلك عجزًا، أو كسلًا. وفي رواية البخاريّ: "فإن لم يجد". وفي رواية مسلم: "أرأيت إن لم يستطع" (قَالَ: "يُعِينُ") أي بالفعل، أو بالقول، أو بهما (ذَا الْحَاجَةِ) أي صاحب الاحتياج إلى المعونة (الْمَلْهُوفَ) بالنصب نعت لـ "ذا الملهوف". أي المستغيث، وهو أعمّ من أن يكون مظلومًا، أو عاجزًا. قاله في "الفتح". وقال النوويّ: الملهوف عند أهل اللغة يُطلق على المتحسّر، وعلى المضطرّ، وعلى المظلوم، وقولهم: يا لهفَ نفسي على كذا كلمة يُتحسّر بها على ما فات، ويقال: لَهِفَ -بكسر الهاء- يَلْهَفُ -بفتحها- لَهْفًا،-بإسكانها-: أي حزن، وتحسّر، وكذلك التلهّف انتهى (١). (قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟) ولمسلم: "أرأيت إن لم يستطع" (قَالَ: "يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ) يشمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإفادة العلميّة، والإفادة العمليّة، والنصيحة العمليّة. وللبخاري: "فليعمل بالمعروف". ولمسلم: "يأمر بالمعروف، أو الخير" (قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟) أي لم يتيسّر له ذلك (قَالَ: "يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ) قال في "الفتح": كذا وقع بضمير المؤنّث، وهو باعتبار الخصلة من الخير، وهو الإمساك، ووقع في رواية "الأدب": "فإنه" أي الإمساك "له" أي للممسك. قال الزين ابن المنيّر: إنما يحصل ذلك للممسك عن الشرّ، إذا نوى بالإمساك القربة، بخلاف محض الترك، والإمساك أعمّ من أن يكون عن غيره، فكأنه تصدّق عليه بالسلامة منه، فإن كان شرّه لا يتعدّى نفسه، فقد تصدّق على نفسه بأن منعها من الإثم، قال. وليس ما تضمّنه الخبر من قوله: "فإن لم يجد" ترتيبًا، وإنما هو للإيضاح لما يفعله مَنْ عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده، فيتصدّق، وأن يُغيث الملهوف، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشرّ، فليفعل الجميع. ومحصّل ما ذُكر في حديث الباب أنه لا بدّ من الشفقة على خلق اللَّه تعالى، وهي إما بالمال، أو غيره، والمال إما حاصلٌ، أو مكتسبٌ، وغير المال إما فعلٌ، وهو الإغاثة، وإما تركٌ، وهو الإمساك. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -رحمه اللَّه تعالى-: ترتيب هذا الحديث أنه نَدَبَ إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرُب منها، أو يقوم مقامها، وهو العمل،

стр. 12081

والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه، وهو الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف، أي مِن سوى ما تقدّم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فإن لم يُطق، فترك الشرّ، وذلك آخر المراتب. قال: ومعنى الشرّ هنا ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوبات، إذا كان عجزه عن ذلك من غير اختيار انتهى. قال الحافظ: وأشار بالصلاة إلى ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ ﵁ عند مسلم: "وُيجزىء عن ذلك كلّه ركعتا الضّحى". وهو يؤيّد ما قدّمناه أن هذه الصدقة لا يكمّل منها ما يختلّ من الفرض؛ لأن الزكاة لا تكمّل بالصلاة، ولا العكس، فدلّ على افتراق الصدقتين. واستشكل الحديث مع تقدّم ذكر الأمر بالمعروف، وهو من فروض الكفاية، فكيف تجزئ عنه صلاة الضّحى، وهي من التطوّعات؟. وأجيب يحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره، فسقط به الفرض، وكان في كلامه هو زيادة في تأكيد ذلك، فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضّحى. قال الحافظ: كذا قيل. وفيه نظرٌ، والذي يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستّين حسنةً التي يُستحبّ للمرء أن يسعى في تحصيلها كلّ يوم؛ لِيُعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أن المراد أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف، وما ذُكر معه، وإنما كان كذلك؛ لأن الصلاة عملٌ بجميع الجسد، فتتحرّك المفاصل كلّها فيها بالعبادة. ويحتمل أن يكون ذلك لكون الركعتين تشتملان على ثلاثمائة وستين ما بين قول وفعل، إذا جعلت كلّ حرف من القراءة مثلًا صدقةً، وكأنّ صلاة الضحى خُصّت بالذكر؛ لكونها أوّل تطوّعات النهار بعد الفرض، وراتبته. وقد أشار في حديث أبي ذرّ ﵁ إلى أن صدقة السّلامَى نهاريّة؛ لقوله: "يصبح على كلّ سُلامَى من أحدكم". وفي حديث أبي هريرة ﵁: "كلّ يوم تطلع فيه الشمس". وفي حديث عائشة ﵂: "فيمسي، وقد زحزح نفسه عن النار". انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 12082

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٢٥٣٨ - وفي "الكبرى" ٥٨/ ٢٣١٨. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٤٥ (م) فيها ١٠٠٨ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٩٠٢٧ و ١٩١٨٧ (الدارميّ) في "الرقاق" ٢٧٤٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز صدقة العبد، ومحلّ الاستدلال من حديث أبي موسى ﵁ هذا قوله: "على كلّ مسلم صدقة"، ووجه ذلك أن العبد داخلٌ في عموم "كلّ مسلم"، فهو مأمور بأن يتصدّق، كما أُمر غيره من عموم المسلمين. (ومنها): أن أنواع الصدقة لا يُقتصر فيها على الأموال فقط، بل كلّ ما كان فيه نفعٌ يُعَدّ صدقة (ومنها): أن الأحكام تجري على الغالب؛ لأن في المسلمين من يأخذ الصدقة المأمور بصرفها، وقد قال: "على كلّ مسلم صدقة" (ومنها): أن فيه مراجعة العالم في تفسير المجمل، وتخصيص العامّ (ومنها): أن فيه فضل التكسب؛ لما فيه من الإعانة (ومنها): أن فيه التنبيهَ على العمل، والتكسّب؛ ليجد المرء ما ينفق على نفسه، ويتصدّق به، ويُغنيه عن ذل السؤال (ومنها): أن فيه الحثَّ على فعل الخير، مهما أمكن، وأنّ من قصد شيئًا منها، فتعسّر عليه، انتقل إلى غيره، مما يسهل عليه (ومنها): أن فيه تقديم النفس على الغير في "الإحسان" والمراد بالنفس ذات الشخص، وما يلزمه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٧ - (صَدَقةُ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) ٢٥٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ, يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا, كَانَ لَهَا أَجْرٌ, وَلِلزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ, وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ, وَلَا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا, مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا, لِلزَّوْجِ بِمَا

стр. 12083

كَسَبَ, وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن المثنى) المذكور قبل بابين ٦٤/ ٨٠. ٢ - (محمد بن بشار) أبو بكر بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٣ - (محمد بن جعفر) غندر البصري, ثقة [٩] ٢١/ ٢٢. ٤ - (شعبة) المذكور في الباب الماضي ٢٤/ ٤٧. ٥ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الجملي الكوفي الأعمى، ثقة عابد، رمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥. ٦ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الكوفي، ثقة مضرم [٢] ٢/ ٢. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيٍّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) أي بشرط عدم إسرافها، كما هو مقيّد به في روايات أُخْرَى، ففي رواية للشيخين: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غيرَ مفسدة". وفي رواية للبخاريّ: "إذا تصدّقت المرأة من طعام زوجها، غير مفسدة". وفي رواية له: "إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها، غير مفسدة". فقوله: "غير مفسدة" بالنصب على الحال، أي غير مسرفة في التصدّق بأن لا تتعدّى إلى الكثرة المؤدّية إلى النقص الظاهر. وهذا محمولٌ على إذن الزوج لها بذلك صريحًا، أو دلالةً، كعادة أهل الحجاز، ومن كان مثلهم في الكرم، فإن عادتهم أنهم يأذنون لزوجاتهم، وخَدَمهم بأن يضيفوا الأضياف، ويُطعموا السائل، والمسكين، والجيران، فحرّض رسول اللَّه ﷺ أمته على هذه العادة الحسنة، والخصال المستحسنة. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المعالم": هذا الكلام خارج على عادة الناس بالحجاز، وبغيرها من البلدان في أنّ ربّ البيت قد يأذن لأهله، ولعياله، وللخادم، مما

стр. 12084

يكون في البيت، من طعام، وإدام، ونحوه، ويطلق أمرهم في الصدقة منه، إذا حضرهم السائل، ونزل بهم الضيف، فحضّهم رسول اللَّه ﷺ على لزوم هذه العادة، واستدامة ذلك الصنيع، ووعدهم الأجر والثواب عليه، وأفرد كلّ واحد منهم باسمه، ليتسارعوا إليه، ولا يتقاعدوا عنه انتهى كلام الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (كَانَ لَهَا أَجْرٌ، وَللزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ) الأجرِ (وَلِلْخَازِنِ) هو الذي يكون بيده حفظ الطعام والمأكول، من خادم، وقَهْرَمان، وَقَيِّمٍ لأهل المنزل ونحو ذلك، من أمر الناس، وعاداتهم في كلّ أرض، وبلد، وليس ذلك بأن تفتات المرأة، أو الخازن على ربّ البيت بشيء، لم يؤْذَنْ لهما فيه، ولم يُطلق لهما الإنفاق منه، بل يُخاف أن يكونا آثمين إن فعلا ذلك. قاله الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- (مِثْلُ ذَلِكَ) الأجر (وَلَا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمَا) أي من الزوج والزوجة، وهما الأصل، والخادم تابعٌ لهما، فلذا ترك ذكره (مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا، لِلزَّوْجِ بِمَا كَسَبَ) أي بسبب كسبه المال الذي منه تلك الصدقة (وَلَهَا) أي للزوجة ("بِمَا أَنْفَقَتْ") أي بسبب إنفاقها. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذه الأحاديث -يعني حديث عائشة هذا، وحديث أبي هريرة عند الشيخين، بلفظ: "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره (٢)، فلها نصف أجره"، وحديث أبي موسى عندهما، بلفظ: "الخازنُ المسلمُ الأمين الذي يُنَفِّذُ ما أُمر به كاملًا موفّرًا، طيّبٌ به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدّقين"-: أن المشارك في الطاعة، مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثوابٌ، ولهذا ثوابٌ، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقّ الصدقة على باب داره، أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رُمّانة، أو رغيفًا، ونحوهما مما ليس له كثير قيمة، ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمّانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف

стр. 12085

مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواء. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيحٌ، وهو متّفقٌ عليه، لكن بذكر مسروق بين أبي وائل، وعائشة ﵂. [تنبيه]: أخرج المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- حديث عائشة ﵂ هذا هنا من طريق شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي وائل، عنها. وأخرجه في "عشرة النساء" من طريق منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عنها. وأخرجه الشيخان من طريق الأعمش، ومنصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عنها. وأخرجه الترمذيّ بالإسنادين، وقال: إن رواية منصور والأعمش بذكر مسروق فيه أصحّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن طريق رواية منصور، والأعمش، أصحّ من طريق عمرو بن مرّة؛ لكونهما أرجح منه، لكن هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة متن الحديث، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٧/ ٢٥٣٩ - وفي "الكبرى" ٥٩/ ٢٣١٩. وأخرجه (ت) في "الزكاة" ٦٧١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤١٥٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز صدقة المرأة من بيت زوجها، وهذا محمول على ما إذا أذن لها الزوج، إما صريحًا، أو دلالة، كما تقدّم، بدليل حديث الباب التالي (ومنها): ترغيب المرأة في التصدّق مما في بيتها، إذا أذن لها الزوج أو بما جرى به العرف (ومنها): تركيب الخادم في التصدّق من مال سيّده إذا أذن له، أو بما جرى به العرف (ومنها): حث الرجل على أن يسمح لأهل بيته بالتصدّق على الفقراء والمساكين، وأن له بذلك الأجر والثواب. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صدقة المرأة من بيت زوجها: قال الإمام البغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: العمل على هذا عند عامّة العلماء أن المرأة ليس لها أن تتصدّق بشيء من مال الزوج دون إذنه، وكذلك الخادم، ويأثمان، إن فعلا

стр. 12086

ذلك، وحديث عائشة ﵂ خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يُطلقون الأمر للأهل، والخادم في الإنفاق، والتصدّق، مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أونزل بهم الضيف، فحضّهم على لزوم تلك العادة، كما قال ﷺ لأسماء ﵁: "لا توعي، فيوعي عليك"، وعلى هذا يخرّج ما روي عن عُمير مولى آبي اللحم، قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول اللَّه ﷺ ، أتصدّق من مال مواليّ بشيء؟، قال: "نعم، والأجر بينهما نصفان". انتهى (١). وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن العربيّ: اختلف السلف فيما إذا تصدّقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج، ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاريّ، ولذا قيّد الترجمة بالأمر به، حيث قال: "باب أجر الخادم، إذا تصدّق بأمر صاحبه، غير مفسد". ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتّفقٌ عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة، والعبد، والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على ربّ البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن. ومنهم من فرق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حقّ في مال الزوج، والنظرِ في بيتها، فجاز لها أن تتصدّق، بخلاف الخادم، فليس له تصرّف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه. وهو متعقّبٌ بأن المرأة إذا استوفت حقّها، فتصدّقت منه، فقد تخصّصت به، وإن تصدّقت من غير حقّها رجعت المسألة كما كانت، واللَّه أعلم. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن تصدّق المرأة، والخادم من مال الرجل جائز بشرطين: (أحدهما): الإذن صريحًا، أو دلالةً، وذلك بأن يجري العرف في التصدّق بمثله، فيجري ذلك مجرى الإذن الصريح. (والثاني): عدم الإفساد، وهذا مجمعٌ عليه، كما سبق قريبًا، وما عدا ذلك، لا يجوز؛ لحديث الباب الآتي؛ وبهذا تجتمع الأدلة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". …

стр. 12087

٥٨ - (عَطِيَّةُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) ٢٥٤٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, أَنَّ أَبَاهُ, حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ, قَامَ خَطِيبًا, فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «لَا يَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ, إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا …». مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجيمي المذكور قبل باب. ٣ - (حسين المعلم) ابن ذكون المكتب البصري، ثقة ربما وهم [٦] ١٢٢/ ١٧٤. ٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٥ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (جدّه) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى حسين، والباقون طائفيون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده، وتابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ) في العام الثامن من الهجرة (قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ) يعني أنه لا يجوز أن تتصدّق من مال زوجها، وهو الظاهر من تصرّف المصنّف، حيث أورده بعد حديث الباب السابق الذي هو نصّ في التصدق من ماله، ويحتمل أن يكون المراد من مال نفسها، وهذا الاحتمال هو الذي تدلّ عليه الرواية الآتية في "كتاب الْعُمْرَى" ٥/ ٣٧٥٦ بلفظ: "لا يجوز لامرأة هبة في مالها، إذا ملك زوجها عصمتها"، فإنها صريحة في كون النهي في التصدّق من مالها. وعلى هذا فلا بدّ من تأويله بحمله على الأدب، وحسن العشرة، أو على من كانت

стр. 12088

غير رشيدة في مالها، وإنما تأوّلنا بذلك؛ لثبوت جواز التصدّق للمرأة من مالها من دون إذن الزوج في نصوص كثيرة، كما سنذكر بعضها قريبًا. وقال الخطّابيّ: أخذ به مالك. قال السنديّ: ما أخذ بإطلاقه، ولكن أخذ به فيما زاد على الثلث. وهو عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج. ونُقل عن الشافعيّ أن الحديث ليس بثابت، وكيف نقول به، والقرآن يدلّ على خلافه، ثمّ السنّة، ثم الأثر، ثم المعقول. ويمكن أن يكون هذا في غير الاختيار، مثلَ لَيْسَ لها أن تصوم، وزوجُها حاضر، إلا بإذنه، فإن فعلت جاز صومها، وإن خرجت بغير إذنه، فباعت جاز بيعها، وقد أعتقت ميمونة ﵂ قبل أن يعلم النبيّ ﷺ ، فلم يَعب ذلك عليها، فدلّ هذا مع غيره على أن هذا الحديث، إن ثبت، فهو محمول على الأدب والاختيار. وقال البيهقيّ: إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شُعيب صحيح، فمن أثبت عمرو بن شعيب، لزمه إثبات هذا، إلا أن الأحاديث المعارضة له أصحّ إسنادًا، وفيها، وفي الآيات التي احتجّ بها الشافعيّ دلالة على نفوذ تصرّفها في مالها، دون الزوج، فيكون حديث عمرو بن شُعيب محمولًا على الأدب والاختيار، كما أشار إليه الشافعيّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عمرو بن شُعيب الصحيح أنه صحيح، فلا بُدّ من حمله على الأدب، وحسن العشرة، لما ثبت من النصوص الصحيحة الكثيرة الصريحة في جواز تصدّق المرأة، من مالها بغير إذنه: (فمنها): حديث ابن عباس ﵄، أنه- ﷺ صلى العيد، ثم خطب، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فوعظهن، وذَكَّرَهن، وأمرهن بالصدقة، فرأيتهن يهوين بأيديهن، يَقْذِفنَه في ثوب بلال، ثم انطلق هو، وبلال إلى بيته". وفي رواية: "فجعلت المرأة تُلقي القُرْط، والخاتم في ثوب بلال … " متفق عليه. فقد ثبت أنه ﷺ لما أمرهنّ بالصدقة، وهو في المسجد، تصدّقن، من دون استئذان أزواجهنّ، وقَبِلَ ذلك ﷺ منهنّ، ولم يستفسرهنّ، عن إذن أزواجهنّ لهنّ. (ومنها): قصّة عتق ميمونة ﵂ جاريتها، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما، عن كريب، مولى ابن عباس، أن ميمونة بنت الحارث، ﵂ أخبرته، أنها أعتقت وليدة، ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها، الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول اللَّه، أني أعتقت وليدتي، قال: "أَوَفعلتِ؟، قالت: نعم، قال: "أَمَا إنك لو أعطيتها

стр. 12089

أخوالك، كان أعظم لأجرك". ففيه أنّ النبيّ ﷺ لم ينكر عليها ما فعلته، بل أرشدها إلى ما كان أولى من ذلك. (ومنها): قصّة عائشة ﵂، حين أرادت أن تشتري بَرِيرة، وتُعتقها، فلما اشترط مواليها الولاء لهم، ذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "خذيها، وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء … ". أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقد أقرّها ﷺ على شرائها من دون استئذانه، وغير ذلك من النصوص الدالّة على أن المرأة كانت في عهده ﷺ تتصدّق، وتتبرّع من دون علم زوجها. والحاصل أن حديث الباب محمولٌ على حسن العشرة، وتطييب قلب الزوج، لا على التحريم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (إِلَّا بِإِذنِ زَوْجِهَا) قال النوويّ: الإذن ضربان: أحدهما الإذن الصريح في النفقة، والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف، كإعطاء السائل كسرةً، ونحوها، مما جرت العادة به، واطراد العرف فيه، وعُلم رضا الزوج به، فإنه في ذلك حاصلٌ، وإن لم يتكلّم، وهذا إذا عُلم رضاه بالعرف، وعُلِم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشُكّ في رضاه، أو عُلم شُحّه بذلك، لم يَجُز للمرأة، وغيرها التصدّق من ماله، إلا بصريح إذنه، قال: وهذا كلّه مفروضٌ في قدر يسيرٍ، يُعلم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف لم يجز انتهى (١). وقوله (مُخْتَصَرٌ) أي هذا الحديث مختصرٌ من حديث طويل لعبد اللَّه بن عمرو ﵄، وقد ساقه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- بطوله في "مسنده"، فقال: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: لَمَّا فُتِحَت مكةُ على رسول اللَّه ﷺ ، قال: "كُفُّوا السلاحَ، إلا خزاعة، عن بني بكر"، فأذن لهم، حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاحَ"، فلقي رجل من خزاعة، رجلا من بني بكر، من غد، بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقام خطيبا، فقال، ورأيته، وهو مسند ظهره إلى الكعبة، قال: "إن أعدى الناس على اللَّه، مَنْ قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذُحُول (٢) الجاهلية"، فقام إليه رجل، فقال: إن فلانا

стр. 12090

ابني، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا دِعْوَة في الإسلام"، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب"، قالوا: وما الأثلب؟ قال: "الْحَجَرُ" قال: "وفي الأصابع عشر عشر"، وفي المواضع، خمس خمس"، قال: وقال: "لا صلاة بعد الغداة، حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس"، قال: "ولا تُنكَحُ المرأة، على عمتها، ولا على خالتها، ولا يجوز لامرأة عطية، إلا بإذن زوجها". وفي رواية يزيد بن هارون، عن حسين المعلّم: "فقال رجل يا رسول اللَّه إن ابني فلانا عاهرت بأمه في الجاهلية"، وزاد في روايته في آخر الحديث: "وأوفوا بحِلْفِ الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شِدَّةً، ولا تُحدِثُوا حِلْفًا في الإسلام". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكره، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٨/ ٢٥٤٠، وفي "كتاب العمرى" ٥/ ٣٧٥٦ و ٣٧٥٧ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٢٣٢٠ و"كتاب العمرى" ٥/ ٦٥٩٠ و ٦٥٩١ و ٦٥٩٢. وأخرجه (د) في "البيوع" ٣٥٤٦ و ٣٥٤٧ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٤٣ و ٧٠١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٥٩ - (فَضْلُ الصَّدّقَةِ) ٢٥٤١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ فِرَاسٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, ﵂ أَنَّ (١) أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ , اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ, فَقُلْنَ (٢): أَيَّتُنَا بِكَ أَسْرَعُ لُحُوقًا؟ , فَقَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» , فَأَخَذْنَ قَصَبَةً, فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا, فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ (٣) لُحُوقًا, فَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا, فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ

стр. 12091

الصَّدقَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو داود) سليمان بن سَيف الحرّانيّ ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنّف. ٢ - (يحيى بن حمّاد) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَنُ أبي عَوَانة ثقة عابد، من صغار [٩] ٤٣/ ٢٢٢٥. ٣ - (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦. ٤ - (فِرَاس) -بكسر الفاء، بعدها راء مهملة- ابن يحيى الْهَمْدَانيّ الْخَارفيّ - بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ الْمُكتِبُ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٦]. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخٌ، ما بحديثه بأسٌ. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ما بلغني عنه شيءٌ، وما أنكرتُ من حديثه، إلا حديث الاستبراء. وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، من أصحاب الشعبيّ، في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمّار: ثقة. وقال عثمان -يعني ابن أبي شيبة-: صدوقٌ، وقيل له: ثَبْتٌ؟ قال: لا. وقال يعقوب بن سفيان: كان مُكْتِبًا، وفي حديثه لِينٌ، وهو ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٢٩)، وكان متقنًا. روى له الجماعة، وله عند المصنّف ستة أحاديث برقم ٢٥٤١ و ٣٣٥٦ و ٣٦٣٦ و ٤٠١٣ و ٤٣٩٦ و ٤٨٧٠. ٥ - (عامرٌ) بن شَرّاحيل الشعبيّ الإمام الشهير الثقة الفقيه [٣] ٦٦/ ٨٢. ٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني، أبو عائشة الكوفي، مخضرم ثقة فقيه عابد [٢] ٩٠/ ١١٢. ٧ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكورة في الباب السابق. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من فراس، غير عائشة فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ ، اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ) زاد في رواية ابن حبّان: "لم تغادر منهنّ واحدة" (فَقُلْنَ) بصيغة جمع المؤنّث، ووقع عند ابن حبّان، من الوجه

стр. 12092

الذي أخرجه المصنّف، بلفظ: "فقلت" بتاء المتكلّم، وعليه فالسائلة هي عائشة ﵂ (أَيَّتُنَا) مؤنّثُ "أيٍّ"، وهو قليلٌ في اللغة، ولفظ البخاريّ: "أيّنا" بالتذكير، وهو الموافق لأكثر الاستعمال، لكونها اسمًا جامدًا، والاسم لا تلحقه تاء التأنيث الفارقة بين المذكر والمؤنث، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١]، وقوله: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقد تُطابق في التذكير والتأنيث، كما قُرىء في الشاذّ: "بأيّة أرض تموت". وكقول الشاعر [من الطويل]: بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةِ … تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ (بِكَ) متعلّق بـ "لُحُوقًا" (أَسْرَعُ) خبر "أيّتنا" (لُحُوقًا) منصوب على التمييز، أي من حيث اللحوق بك (فَقَالَ) ﷺ (أَطْوَلُكُنَّ يَدًا) خبر لمبتدإ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، أي أسرعكنّ لحوقًا بي أطولكن يدًا، أو أطولكنّ يدًا أسرعكنّ لحوقًا بي، و"يدًا" منصوب على التمييز. [تنبيه]: إنما لم يقل: "طُولاكنّ"، و"سُرْعاكنّ" بلفظ التأنيث؛ لأن أفعل التفضيل إذا أريد به التفضيل، وكان مضافًا إلى معرفة، جاز فيه وجهان: المطابقة، وعدمها، بخلاف، المضاف إلى نكرة، والمجرّد، فيذكّران، ويفردان، وبخلاف المحلّى بـ "ال"، فإنه تلزم مطابقته، كما أشار ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة" بقوله: وَإنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا وَتِلْوَ "أَلْ" طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَه … أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى "مِنْ" وَإِنْ … لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ (فَأَخَذنَ قَصَبَةً، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا) أي يقدّرنها بذراع كلّ واحدة منهن. ولفظ البخاريّ: "يذرعونها" بلفظ جمع المذكر، نظرًا لمعنى الجمع، أو عدل إليه تعظيمًا، كقول الشاعر: وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النَّسَاءَ سِوَاكُمُ (١) (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) زاد ابن سعد، عن عفان، عن أبي عوانة بهذا الإسناد: "بنت زمعة بن قيس" (أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا) أي ماتت بعده ﷺ ، ولحِقَت به قبل بقيّة أزواجه ﵅. [تنبيه]: رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذه ظاهرة في كون سودة هي التي لحقت به ﷺ قبل بقية زوجاته، لكن المشهور -وهو الصواب- أن زينب بنت جحش ﵄

стр. 12093

هي التي لحِقَت به ﷺ قبلهنّ، لا سودة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ففي هذه الرواية وَهَمٌ من بعض الرواة، وأصل الكلام: "فكانت سودة أطولهنّ يدًا، وكانت زينب أسرعهنّ به لحوقًا، وكان ذلك من كثرة الصدقة"، ففيه تقديمٌ، وتأخير، وحذفٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (فَكَانَتْ أَطوَلَهُنَّ يَدًا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدقَةِ) يعني أن مراد النبيّ ﷺ بقوله: "أطولكنّ يدًا" كثرة الصدقة، لا طول الجارحة. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: فهِمن ابتداءً ظاهره، فلما ماتت زينب، علمن أنه لم يُرد باليد العضو، وبالطول طولها، بل أراد العطاء، وكثرته، فاليد هنا استعارة للصدقة، والطولُ ترشيح انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ -كما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٩/ ٢٥٤١ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٢٣٢١. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٢٠ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٤٥٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٣٧٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصدقة (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بأوّل من يموت من أزواجه ﵅, فكان كما قال (ومنها): أن فيه جوازَ إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ "أطولكنّ"، إذا لم يكن هناك محذور. قال الزين ابن المنيّر: لما كان السؤال عن آجال مقدّرة، لا تُعلم إلا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريحٍ، وأحالهنّ على ما لا يتبيّن إلا بآخره، وساغ ذلك؛ لكونه ليس من الأحكام التكليفيّة انتهى (ومنها): ما ذكره في "الفتح" من أنّ من حَمَلَ الكلام على ظاهره، وحقيقته، لم يُلَمْ، وإن كان مراد المتكلّم مجازه؛ لأنّ نسوة النبيّ ﷺ حملن طول اليد على الحقيقة، فلم ينكر عليهنّ. هكذا قال في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فلم ينكر عليهنّ" فيه نظر؛ إذ لا دليل على أنه ﷺ اطلع على ذرعهنّ للقصبة، حتّى يُنكر عليهنّ، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12094

قال: وأما ما رواه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة ﵂، أنّ النبيّ ﷺ قال لهن: "ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعكنّ يدًا". فهو ضعيف جدًّا، ولو كان ثابتًا، لم يحتجن بعد النبيّ ﷺ إلى ذرع أيديهنّ، كما يأتي في رواية عمرة، عن عائشة (ومنها): ما قاله المهلّب: فيه دلالة على أن الحكم للمعاني، لا للألفاظ؛ لأن النسوة فَهِمنَ من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. قال الحافظ: وما قاله لا يمكن اطراده في جميع الأحوال انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد تقدّم أن رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- فيها وَهَمٌ، ومثلها رواية البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، ولفظه: ١٤٢٠ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، ﵂، أن بعض أزواج النبيّ ﷺ ، قُلن للنبي ﷺ : أينا لأسرع بك لحوقا؟، قال: "أطولكن يدا"، فأخذوا قصبة، يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعدُ، أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة". قال في الفتح": "وكانت أسرعنا" كذا وقع في "الصحيح" بغير تعيين، ووقع في "التاريخ الصغير" للبخاريّ، عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد: "فكانت سودة أسرعنا الخ"، وكذا أخرجه البيهقيّ في "الدلائل"، وابن حبّان في "صحيحه" من طريق العبّاس الدُّوريّ، عن موسى. وكذا وقع في رواية عفّان عند أحمد، وابن سعد، قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر -يعني الواقديّ-: هذا الحديث وَهَلَ في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، فهي أول نسائه به لُحوقًا، وتوفّيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفّيت في خلافة معاوية، في شوّال سنة أربع وخمسين. وقال ابن بطّال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب؛ لاتفاق أهل السير على أن زينب أوّل من ماتت من أزواج النبيّ ﷺ يعني أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا الخ. قال الحافظ: ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدّمة المصرّح فيها بأن الضمير لسودة. وقرأت بخطّ الحافظ أبي عليّ الصدفيّ: ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع، وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أوّل من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك،

стр. 12095

من روايته عن الواقديّ، قال: ويقوّيه رواية عائشة بنت طلحة. وقال ابن الجوزيّ: هذا الحديث غلطٌ من بعض الرواة، والعجب من البخاريّ، كيف لم يُنبّه عليه، ولا أصحاب التعاليق، ولا عَلِمَ بفساد ذلك الخطّابيّ، فإنه فسّره، وقال: لُحُوق سودة به من أعلام النبوّة. وكلّ هذا وَهَمٌ، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهنّ يدًا بالعطاء، كما رواه مسلم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، بلفظ: "فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل، وتتصدّق" انتهى. وتلقّى مغلطاي كلام ابن الجوزيّ، فجزم به، ولم ينسبه له. وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطيبيّ: يمكن أن يقال فيما رواه البخاريّ: المراد الحاضرات من أزواجه، دون زينب، وكانت سودة أوّلهنّ موتًا. قال الحافظ: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حماد، عند ابن حبّان "أن نساء النبيّ ﷺ اجتمعن عنده، لم تغادر منهن واحدة". ثمّ هو مع ذلك إنما يتأتّى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاريّ في "تاريخه" بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال، أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر ﵁. وجزم الذهبيّ في "التاريخ الكبير" بأنها ماتت في آخر خلافة عمر ﵁. وقال ابن سيّد الناس: إنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين -يعني النوويّ- حيث قال: أجمع أهل السير على أن زينب أوّل من مات من أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطّال، كما تقدّم. ويمكن الجواب بأن النقل مقيّدٌ بأهل السير، فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل، ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. وأما قول الواقديّ الذي تقدّم، فلا يصحّ، وقد تقدّم عن ابن بطّال أن الضمير في قوله: "فكانت" لزينب، وذكرتُ ما يعكر عليه. لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة؛ لكون غيرها لم يتقدّم له ذكرٌ، فلما لم يطلع على قصّة زينب، وكونها أوّل الأزواج لحوقًا به، جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عُيينة، عن فِرَاس، كما قرأت بخطّ ابن رشيد أنه قرأه بخطّ أبي القاسم بن الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عُيينة هذه، لكن روى يونس بن بُكير في "زيادات المغازي"، والبيهقيّ في "الدلائل" بإسناده عنه، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصر زكريّا في إسناده، فلم يذكر مسروقًا، ولا عائشة، ولفظه: "قُلن النسوة لرسول اللَّه ﷺ : أيّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكنّ يدًا، فأخذن يتذارعن أيتهنّ أطول يدًا، فلما توفّيت زينب عَلِمنَ أنها كانت أطولهنّ يدًا في الخير والصدقة". ويؤيّده أيضًا ما روى الحاكم في

стр. 12096

"المناقب" من "مستدركه" من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ لأزواجه: "أسرعكنّ لُحوقًا بي أطولكنّ يدًا"، قالت عائشة: فكنّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ نمدّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النبيَّ ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقةَ، وكانت زينب امرأةً صناعة باليد، وكانت تدبغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل اللَّه. قال الحاكم: على شرط مسلم انتهى. وهي رواية مفسّرةٌ، مبيّنةٌ، مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب. قال ابن رُشيد: والدليل على أنّ عائشة لا تعني سودة قولها: "فعلمنا بعدُ"، إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقيّ، ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا الإضمار، مع أنه يصلح أن يكون المعنى، فعلمنا بعدُ أن الْمُخْبَرَ عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع، ويبحث فلا يجد إلا زينب، فيتعيّن الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. وقال الزين ابن الْمُنَيِّر -رحمه اللَّه تعالى-: وجه الجمع أنّ قولها: "فعلمنا بعدُ" يُشعر إشعارًا قويًّا أنّهنّ حملن طول اليد على ظاهره، ثمّ علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرًا خلاف ما اعتقدنه أوّلًا، وقد انحصر الثاني في زينب؛ للاتفاق على أنها أوّلهنّ موتًا، فتعيّن أن تكون هي المرادة، وكذلك بقيّة الضمائر بعد قوله: "فكانت"، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك انتهى. وقال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يقال: إن في الحديث اختصارًا، أو اكتفاءً بشهرة القصّة لزينب، ويؤول الكلام بأن الضمير رجع إلى المرأة التي علم رسول اللَّه ﷺ أنها أوّل من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: الأوّل هو المعتمد، وكأنّ هذا هو السرّ في كون البخاريّ حذف لفظ سودة من سياق الحديث لَمَّا أخرجه في "الصحيح"؛ لعلمه بالوَهَم فيه، وأنه لَمَّا ساقه في "التاريخ" بإثبات ذكرها ذكر ما يرُدّ عليه من طريق الشعبيّ أيضًا عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: "صلّيت مع عمر على أم المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أوّل نساء النبيّ ﷺ لحوقًا به". وقد تقدّم الكلام على تاريخ وفاتها في "كتاب الجنائز"، وأنّه سنة عشرين. وروى ابن سعد من طريق بزرة بنت رافع، قالت: "لَمّا خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجّبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن كشفت الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثمّ قالت:

стр. 12097

اللَّهمّ لا يُدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبيّ ﷺ لحوقًا به". وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن، قال: "كانت زينب أوّل نساء النبيّ ﷺ لحوقًا به". فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضا، ويحصُلُ من مجموعها أنّ في رواية أبي عوانة وَهَمًا. وقد ساقه يحيى بن حمّاد عنه، مختصرًا، ولفظه: "فأخذن قصبةً يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمنا أنه قال: أطولكنّ يدًا بالصدقة"، هذا لفظه عند ابن حبّان، من طريق الحسن بن مدركٍ عنه. ولفظه عند النسائيّ، عن أبي داود، وهو الحرّانيّ، عنه: "فأخذن قصبةً، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أسرعهنّ به لحوقًا، وكانت أطولهنّ يدًا، فكان ذلك من كثرة الصدقة". وهذا السياق لا يحتمل التأويل، إلا أنه محمولٌ على ما تقدّم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصّة. واللَّه أعلم انتهى ما ذكره الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّنَ بما ذُكر أنّ في رواية أبي عوانة المذكورة في هذا الباب وَهَمًا، وأن الصواب أن التي لحقت بالنبيّ ﷺ من أزواجه هي زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها -، وأما سودة - رضي اللَّه تعالى عنها - فإنما ذُكرت لطول يدها عند ذرع القصبة، وهو المعنى الحقيقي لطول اليد، لا لكونها أول من لحقت به ﷺ ، لكثرة صدقتها، وهو المعنى المجازيّ لطول اليد المقصود هنا. قال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وعندي أنه وقع في رواية المصنّف تقديمٌ وتأخيرٌ، وسَقَطَ لفظة "زينب"، وأنّ أصل الكلام: "فأخذن قَصَبَة، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أطولهنّ يدًا -أي حقيقة- "وكانت أسرعهنّ لحوقًا به زينب، وكان ذلك من كثرة الصدقة"، فأسقط الراوي لفظة "زينب"، وقدّم الجملة الثانية على الجملة الأولى. انتهى كلام الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه" (٢). وهو كلام حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". …

стр. 12098

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الثاني والعشرون من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى". وذلك بحيّ الزهراء، مخطط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثالث والعشرون مفتتحًا بالباب ٦٠ "بابٌ أيُّ الصدقة أفضل؟ " الحديث رقم ٢٥٤٢. "سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 12099

شرح سُنن النّسَائي المُسَمَّى ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ الجزْء الثّاني والعشْرون

стр. 12100

جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 12101

شرح سنن النسائي

стр. 12102

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 12103

٦٠ - (بَابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟) ٢٥٤٢ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ, وَأَنْتَ صَحِيحٌ, شَحِيحٌ, تَأْمُلُ الْعَيْشَ, وَتَخْشَى الْفَقْرَ»). رجال هذا الإسناد: سنة: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح أبو سفيان الرؤاسي الكوفين ثقة حافظ [٩] ٢٣/ ٢٥. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الإمام الثقة الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (عمارة بن القعقاع) بن شُبرمة الضبي الكوفي، ثقة [٦] ٤٨/ ٦٠. ٥ - (أبو زرعة) هرم بن عمرو، وقيل: غيره البجلي الكوفيّ، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه فمروزيٌّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال الحافظ: لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون أبا ذرّ ﵁، ففي "مسند أحمد" عنه، أنه سأل أي الصدقة أفضل؟، لكن في الجواب: "جهدٌ من مقلّ، أو سرٌّ إلى فقير". وكذا رواه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة، أنّ أبا ذرّ سأل، فأُجيب انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال فيه بُعدٌ، لاختلاف الجوابين، فالظاهر أن السائل هنا غير أبي ذرّ ﵁. واللَّه تعالى أعلم. (أَيُّ الصدقَةِ أَفْضَلُ؟) مبتدأٌ وخبر. وفي رواية البخاريّ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع: "أيّ الصدقة أعظم أجرًا؟. (قَالَ) ﷺ (أَنْ تَصَدَّقَ) يحتمل أن يكون بتشديد الصاد المهملة، وأصله: تتصدّق، فأدغمت التاء بعد قلبها في الصاد. ويحتمل أن يكون بتخفيف الصاد، وحذف إحدى

стр. 12104

التاءين، وأصله تتصدّق، كما قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة": وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ وهو في تأويل المصدر خبر لمحذوف، أي هي صدقتك، أو مبتدأ خبره محذوفٌ: أي صدقتك، وأنت صحيح الخ أفضل أنواع الصدقة. واللَّه تعالى أعلم. (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملة من مبتدإ وخبر في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنك صحيح. والمراد بالصحيح في هذا الحديث من لم يدخل في مرض مخوف. كذا قيل. (شَحِيحٌ) صفة لـ "صحيح"، أو خبر بعد الخبر، أي من شأنه الشّحّ للحاجة إلى المال. وقال ابن الملك: قوله: "شحيح" تأكيد، وبيانٌ لـ "صحيح"؛ لأن الرجل في حال صحّته يكون شحيحًا. وفي رواية للبخاريّ في "الوصايا": "وأنت صحيحٌ حريصٌ". قال في "القاموس": الشحّ -مثلّثة-: البخل والحرص. انتهى. وفي "اللسان": الشُّحُّ -أي بالضمّ- والشَّحّ- أي بالفتح-: البُخْلُ، والضمّ أعلى. وقيل: هو البخل مع الحرص، وفي الحديث: "إيّاكم والشحّ". والشحّ أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشحّ عامّ. وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال والمعروف. انتهى. وقال في "المصباح": شحَّ يَشِحُّ، من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب، وتَعِبَ، فهو شَحِيحٌ، وقومٌ أشحّاءُ، وأشحّة انتهى. وقال في "الفتح": قال صاحب "المنتهى": الشّحّ: بُخلٌ مع حرص. وقال صاحب "المحكم": "الشحّ" مثلّثٌ الشين، والضمّ أعلى. وقال صاحب "الجامع": كأنّ الفتح في المصدر، والضمّ في الاسم. (تَأْمُلُ الْعَيْشَ) أي ترجو الحياة. قال في "القاموس": الأَمَلُ، كجَبَلٍ، ونَجْمٍ، وشِبْرٍ: الرَّجاء، جمعه آمالٌ، وأَمَلَهُ أَمْلًا، وأَمَّلَه: رجاه انتهى. وقال في "المصباح": أَمِّل يأْمُلُ أَمَلًا، من باب طَلَب: ترَقّبه، وأكثر ما يُستعمل الأمَلُ فيما يُستبعَدُ حصوله، قال كعب بن زُهَير بن أبي سُلْمَى [من البسيط]: أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدَّتُهَا … وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ ومَنْ عَزَمَ على السفر إلى بلد بعيدٍ يقول: أَمَلْتُ الوصولَ، ولا يقولُ: طَمِعْتُ إلا إذا قرب منها، فإن الطمع لا يكون إلا فيما قرُبَ حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، فإنّ الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأموله، ولهذا يُستعمل بمعنى الخوف، فإذا قوي الخوف استُعمل استعمالَ الأمل، وعليه بيت كعب بن زُهير، وإلا استُعمل بمعنى الطمع، فأنا آمِلٌ، وهو مأمولٌ على فاعل ومفعول. وأَمّلته تأميلًا مبالغة وتكثيرٌ، وهو أكثر من استعمال المخفّف. انتهى.

стр. 12105

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المناسب هنا كون الأَمَل بمعنى الرجاء. واللَّه تعالى أعلم. و"العيش" -بفتح، فسكون-: الحياة. وفي الرواية الآتية في "الوصايا": "وتأمل البقاء". وهو بمعناه. وفي رواية للشيخين: "تأمل الغنى"، أي ترجوه، وتطمع فيه، وتقول: أترك مالي في بيتي؛ لأكون غنيًّا، ويكون لي عزّ عند الناس بسببه. والجملة خبر بعد خبر، أو حالٌ بعد حال، أو مستأنفةٌ، سيقت لبيان حال الصحيح. (وَتَخْشَى الْفَقْرَ") بإخراج المال من يدك. وموضع الجملة كسابقتها. وإنما خصّ هاتين الحالتين، وهما أمل العيش، وخشية الفقر؛ لأنّ الصدقة في هاتين الحالتين أشدّ مُراغمة للنّفس. زاد في الرواية الآتية في "الوصايا" من طريق محمد بن فُضيل، عن عمارة: "ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، وقد كان لفلان". ولفظ البخاريّ: "لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان". فقوله: "ولا تُمهل" بالجزم، على أنه نهيٌ عن الإمهال، وبالرفع على أنه نهي له. ويجوز النصب عطفًا على "أن تصدق". وقوله: "حتى إذا بلغت الحلقوم". كلمة "حتّى" للغاية، والضمير في "بَلَغَت" يرجع إلى الروح، بدلالة سياق الكلام عليه، والمراد منه قارَبَتِ البلوغَ، إذ لو بلغته حقيقة، لم تصحّ وصيته، ولا شيء من تصرّفاته. و"الْحُلْقُوم": هو الحلق. وفي "المخصّص" عن أبي عُبيدة: هو مجرى النفس، والسعال من الجوف (١). وقوله: "لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" كناية عن الموصَى له. وقوله: "كذا" كناية عن الموصَى به. وحاصل المعنى أنّ أفضل الصدقة أن تتصدّق في حال حياتك، وصحّتك، مع احتياجك إليه، واختصاصك به، لا في حال سقمك، وسياقِ موتك؛ لأنّ المالَ حينئذٍ خرج عنك، وتعلّق بغيرك. وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فلانٌ الأول، والثاني الموصَى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله، وإن شاء أجازه. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد بالجميع من يُوصَى له، وإنما أدخل "كان" في الثالث إشارةً إلى تقدير القدَرِ له بذلك. وقال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون الأول الوارثَ، والثاني المورّث،

стр. 12106

والثالث الموصَى له (١). قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون بعضها وصيّةً، وبعضها إقرارًا، وقد وقع في رواية ابن المبارك، عن سفيان، عند الإسماعيليّ: قلتَ: اصنعوا لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا". ووقع في حديث بُسْر بن جِحَاش -بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة- وأبوه بكسر الجيم، وتخفيف المهملة، وآخره شينٌ معجمة- عند أحمد، وابن ماجه، بإسناد صحيح، واللفظ لابن ماجه: "بزق النبيّ ﷺ في كفّه، ثمّ وضع إصبعه السبّابة، وقال: يقول اللَّه أَنَّى تُعجزني ابنَ آدم، وقد خلقتك من قبلُ، من مثل هذه، فإذا بلغت نفسك إلى هذه- وأشار إلى حلقه- قلت: أتصدّق، وأنّى أوانُ الصدقة؟ ". وزاد في رواية أحمد: "حتى إذا سوّيتك، وعدلتك، مشيت بين بُردين، وللأرض منك وئيدٌ (٢)، وجمعتَ، ومنعتَ، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا". أفاده في "الفتح" (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٠/ ٢٥٤٢ وفي "كتاب الوصايا" ١/ ٢٦٣٧ - وفي "الكبرى" ٦٢/ ٢٣٢٢ وفي "كتاب الوصايا" ١/ ٦٤٣٨. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٣٣٠ وفي "الوصايا" ٢٥٤٣ (م) في "الزكاة" ١٧١٣ و ١٧١٤ (د) في "الوصايا" ٢٤٨١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٦٨٦٢ و ٧١٠٠ و ٩٠٠٩ و ٩٣٩٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواب سؤال من سأل أيّ الصدقة أفضل؟، وهو أنه ما كان في حال الصحّة. (ومنها): أن تنجيز الصدقة، ووفاء الدين في الحياة، وحال الصحّة أفضل منه بعد الموت، وفي المرض، كما أشار النبيّ ﷺ إلى ذلك بقوله: "وأنت صحيحٌ، شحيحٌ،

стр. 12107

تأملى الغنى، وتخشى الفقر"؛ لأنه في حال الصحّة يصعُب عليه إخراج المال غالبًا لما يخوّفه به الشيطان، وُيزيّن له، من إمكان طول العمر، والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]. وأيضًا، فإن الشيطان ربّما زيّن له الْحَيْفَ في الوصيّة، أو الرجوع عن الوصيّة، فيتمحّض تفضيل الصدقة الناجزة. قال بعض السلف عن بعض أهل التّرَف: يعصون اللَّه في أموالهم مرّتين، يبخلون بها، وهي في أيديهم -يعني في الحياة- ويُسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم -يعني بعد الموت- (١). وأخرج الترمذيّ، بإسناد حسن، وصححه ابن حبّان، عن أبي الدرداء، مرفوعًا، قال: "مثلُ الذي يُعتقُ، ويتصدّق عند موته، مثلُ الذي يهُدي إذا شَبع". وهو يرجع إلى معنى حديث الباب. وروى أبو داود، وصححه ابن حبّان، من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، مرفوعًا: "لأن يتصدّق الرجل في حياته، وصحّته بدرهم، خيرٌ له من أن يتصدّق عند موته بمائة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٤٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو (٢) بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ, أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"عمرو بن عثمان" بن عبد اللَّه بن مَوْهَب التيميّ الكوفيّ الثقة ١٠/ ٤٦٨. و"موسى بن طلحة" بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة الثقة الجليل ١٠/ ٤٦٨. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم في ٥٠/ ٢٥٣١ - وتقدّم تمام البحث فيه هناك مستوفًى، فراجعه تستفد. ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12108

٢٥٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»). قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال صحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٥٤/ ٢٥٣٤ - وتقدّم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ, وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا, كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عدي بت ثابت) الأنصاري الكوفي، ثقة رمي بالتشيع [٤] ٤٩/ ٦٠٥. ٢ - (عبد اللَّه بن يزيد الأنصاري) الخطمي، -بفتح المعجمة، وسكون الطاء المهملة-، وهو صحابيٌّ صغيرٌ، ولي الكوفة لابن الزبير ﵃ وتقدّم في ٤٩/ ٦٠٥. ٣ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن الأنصاري البدري الصحابي الشهير، مات ﵁ قبل الأربعين، وقبل: بعدها وتقدم ٦/ ٤٩٤. والباقون تقدموا قبل بابين. و"محمد" شيخ ابن بشّار، هو محمد بن جعفر، المعروف بـ "غُندَر". واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن شيخ المصنّف أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد مر ذلك غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عند من يقول: إن عبد اللَّه ابن يزيد تابعي، ورواية صحابي عن صحابي عند من يقول بصحبته، وهو الأصح. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَدِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ) بن زيد بن حُصين (الأَنْصَارِيَّ) الخطميّ ﵁ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيّ ﷺ ،

стр. 12109

قَالَ: إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ) يحتمل أن يشمل الزوجة، والأقارب. ويحتمل أن يخُصّ الزوجة، ويُلحق بها من عداها بطريق الأولى؛ لأنّ الثواب إذا ثبت فيما هو واجب، فثبوته فيما ليس بواجب أولى. وقال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما مُلخّصه: الإنفاق على الأهل واجبٌ، والذي يُعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبةً، وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوّع. وقال المهلّب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سمّاها الشارع صدقة خشية أن يظنّوا أنّ قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرّفهم أنها لهم صدقة، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يَكْفُوهم؛ ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوّع. وقال ابن الْمُنّيِّر -رحمه اللَّه تعالى-: تسمية النفقة صدقةً، من جنس تسمية الصداق نِحْلَةَ، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها -في اللذّة والتأنيس، والتحصين، وطدب الولد- كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلا أنّ اللَّه خصّ الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها، ورَفَعَه عليها بذلك درجةً، فمن ثَمَّ جاز إطلاق النحلة على الصداق، والصدقة على النفقة. انتهى (١). (وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا) الضمير المنصوب يعود إلى النفقة المفهومة من "أنفق". والجملة في محلّ نصبٍ على الحال من الفاعل. قال في "الفتح": المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. وقال النوويّ ﵀ تعالى: معناه أراد بها وجه اللَّه ، فلا يدخل فيه من أنفق عليها ذاهلًا، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب أن يتذكّر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة، وأطفال أولاده، والمملوك، وغيرهم، ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم، واختلاف العلماء فيهم، وأن غيرهم ممن يُنفَقُ عليه مندوبٌ إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنيّة أداء ما أُمر به، وقد أُمر بالإحسان إليهم انتهى (كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ) يحتمل أن تكون "كان" هنا ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى النفقة المفهومة من قوله: "إذا أنفق"، كما تقدّم، و"صدقةً" خبرها: أي كانت النفقة صدقةً له. ويحتمل أن تكون تامّةً، و"صدقةٌ" بالرفع فاعلها، أي حصلت له صدقةٌ. قال في "الفتح": المراد بالصدقة الثواب، وإطلاقها عليه مجازٌ، وقرينته الإجماع على

стр. 12110

جواز الإنفاق على الزوجة الهاشميّة مثلًا، وهو من مجاز التشبيه، والمراد به أصل الثواب، لا في كمّيّته، ولا في كيفيّته. ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونًا بالنية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٠/ ٢٥٤٥ - وفي "الكبرى" ٦٢/ ٢٣٢٥. وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٥٣ وفي "المغازي" ٣٧٠٥ وفي "النفقات" ٤٩٣٢ (م) في "الزكاة" ١٦٦٩ (ت) في "البرّ والصلة" ١٨٨٨ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٤٦ و ١٦٤٨٧ و"باقي مسند الأنصار" ٢١٣١٦ (الدارميّ) في "الاستئذان" ٢٥٤٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، ووجه دلالته عليه أن النبيّ ﷺ سمّى الإنفاق على الأهل صدقة، وقد ثبت عنه ﷺ أنّ الصدقة على ذي القرابة صدقة وصِلَة، فسيأتي للمصنّف في ٨٢/ ٢٥٨٢ - من حديث سلمان بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - بإسناد صحيح، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة". فثبت بهذا مطابقة حديث أبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - للترجمة. (ومنها): أن الأعمال لا يوجد ثوابها إلا بإخلاص النية للَّه تعالى (ومنها): أن ثواب الصدقة يحصل بالنفقة الواجبة، فمن أنفق على أهله من غير احتساب، لم يحصل له ثواب الصدقة، وإن سقط عنه الوجوب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٤٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ, مِنْ بَنِي عُذْرَةَ, عَبْدًا لَهُ, عَنْ دُبُرٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟» , قَالَ: لَا (١) , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي, فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ, فَجَاءَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 12111

فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ, فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا, فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ, فَلأَهْلِكَ, فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ, فَلِذِي قَرَابَتِكَ, فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ, فَهَكَذَا, وَهَكَذَا» , يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ, وَعَنْ يَمِينِكَ, وَعَنْ شِمَالِكَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصري [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرُس المكي، صدوق، يدلس [٤] ٣١/ ٣٥. ٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (١٣٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ) وفي الرواية الآتية في "البيوع" من طريق أيوب، عن أبي الزبير: "أن رجلًا من الأنصار، يقال له: أبو مذكور" (مِنْ بَنِي عُذْرَةَ) بضمّ العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء- حَيٌّ من قُضاعة، وهو عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة معروفة (١). (عَبْدًا لَهُ، عَنْ دُبُرٍ) زاد في رواية أيوب المذكورة: "يقال له: يعقوب، لم يكن له مالٌ غيره". وفي رواية لمسلم عن إسحاق بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن سفيان، بلفظ: "دبّر رجلٌ من الأنصار غلامًا له، لم يكن له مالٌ غيره، فباعه رسول اللَّه ﷺ ، فاشتراه ابن النحّام، عبدًا قبطيّا، مات عامَ أوّلَ، في إمارة ابن الزبير … " الحديث (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي عتقُهُ المذكورُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟، قَالَ: لَا) أي قال الرجل ليس لي مالٌ غيره. فيه دلالة على أنّ سبب بيعه كونه لا يملك شيئًا غيره، وأصرح من هذا رواية

стр. 12112

للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر: "أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبيّ ﷺ ، فقال: "من يشريه منّي" .. الحديث. ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتياجه إلى ثمنه، وقد جاءت رواية أخرى فيها بيان أن سببه هو الدين، فقد أخرج الإسماعيليّ، من طريق أبي بكر بن خلاّد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: "أعتق غلامًا له، وعليه دينٌ"، وقد جاءت رواية أخرى بينت السببين معًا، فقد أخرج النسائيّ من طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: "أنّ رجلًا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دينٌ، فباعه رسول اللَّه ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقض دينك". والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيرًا محتاجًا إليه، حيث لا مال له سواه، وتحمّله الدين، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي) فيه جواز بيع المدبّر، وفيه خلاف بين أهل العلم، والراجح جوازه مطلقًا، وهو قول الشافعيّ، وأهل الحديث. ومنهم من منع مطلقًا، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين. ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول الليث بن سعد. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": من لا يرى بيع المدبّر، منهم من يحمله على أنه كان مدبّرًا مقيّدًا بمرضٍ، أو بمدّة، كعلمائنا -يعني الحنفيّة- ومنهم من يحمله على أنه دبرّه، وهو مديونٌ، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ، والثاني يردّه آخر الحديث انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- إنصاف منه حيث ردّ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب المتأخرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ، وأن لا يعاندوا، ولا يتعضبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن النصّ بالتأويل البعيد. اللَّّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين. وسيأتي لنا عودة إلى إتمام البحث في هذه المسألة في محلّه من "كتاب البيوع" في "باب بيع المدبّر" ٨٤/ ٤٦٥٢ - إن شاء اللَّه تعالى. (فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ) هو نُعيم بن عبد اللَّه بن أسيد بن عبد عوف بن

стр. 12113

عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف بـ "النحّام"، قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال له: "دخلت الجنّة، فسمعت نَحْمة من نُعيم". وأخرج ابن قتيبة في "الغريب" من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: خرجنا في سريّة زيد بن حارثة التي أصاب فيها بني فَزَارةَ، فأتينا القوم خلوفًا، فقاتل نعيم بن النحّام العدويّ يومئذ قتالًا شديدًا. و"النحْمَةُ" هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النَّحْنَحَة الممدود آخرها. وقال خليفة: أمّه فاختة بنت حرب بن عبد شمس، وهي عدويّة أيضًا، من رهط عمر. وقال البخاريّ: له صحبة. وقال مصعبٌ الزبيريّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنّه لم يُهاجر إلا قبيل فتح مكة، وذلك لأنه كان يُنفق على أرامل بني عديّ، وأيتامهم، فلما أراد أن يهاجر، قال له قومه: أقم ودِنْ بأيّ دين شئت، وكان بيت بني عديّ بيته في الجاهليّة، حتى تحوّل في الإسلام لعمر في بني رَزَاح. وقال الزبير: ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبيّ ﷺ : "يا نُعيم، قومك كانوا خيرًا لك من قومي"، قال: بل قومك خير يا رسول اللَّه، قال: "إن قومي أخرجوني، وإن قومك أقرّوك"، فقال نعيم: يا رسول اللَّه، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة، وإن قومي حبسوني عنها. وقال الواقديّ: حدّثني يعقوب بن عمرو، عن نافع العدويّ، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: أسلم نعيم بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه. وقال ابن أبي خيثمة: أسلم بعد ثمانية وثلاثين إنسانًا. وذكر موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ، أنّ نعيمًا استشهد بأَجْنَادِين، في خلافة عمر. وكذا قال ابن إسحاق، ومصعبٌ الزبيريّ، وأبو الأسود، وعروة، وسيفٌ في "الفتوح"، وأبو سليمان بن زَبْر. قال الواقديّ: وكانت أجنادينُ قبل اليرموك، سنة خمس عشرة. وقال ابن الْبَرْقيّ: يقول بعض أهل النسب: إنه قتل يوم مؤتة في حياة النبيّ ﷺ . وكذا قال ابن الكلبيّ. وأما ما ذكره عمر بن شبّة في "أخبار المدينة" عن أبي عبيد المدنيّ، قال: ابتاع مروان من النحّام داره بثلثمائة درهم، فأدخلها في داره، فهو محمولٌ على أن المراد به إبراهيم بن نعيم المذكور، فإنه يقال له أيضًا: النحّام. ذكر هذا كلّه في "الإصابة" (١). (بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ) قال في "الفتح": اتفقت الطرق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال: "سبعمائة، أو تسعمائة" انتهى (فَجَاءَ بَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) زاد في رواية الأوزاعيّ، عن

стр. 12114

عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود في آخره: "أنت أحق بثمنه، واللَّه أغنى عنه". وهذا كلّه صريحٌ في كونه ﷺ باع ذلك المدبرّ في حياة ذلك الرجل، وفيه دلالة على وَهَم شريك، في روايته عن سلمة بن كهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بلفظ: "أنّ رجلًا مات، وترك مدبّرًا، ودينًا، فأمرهم النبيّ ﷺ ، فباعه في دينه بثمانمائة درهم". أخرجه الدارقطنيّ، ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوريّ أنّ شريكًا أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش، وغيره، عن سلمة، وفيه: "ودفع ثمنه إليه". وقد رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن شريك بلفظ: "أنّ رجلًا دبّر عبدًا له، وعليه دينٌ، فباعه النبيّ ﷺ في دين مولاه". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا شبيهٌ برواية الأعمش، وليس فيه للموت ذكر، وشريك كان تغيّر حفظه لَمّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصحّ، ومنهم أسود المذكور انتهى (١). (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) وفي رواية: "إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه" (فَإِن فَضَلَ شَيْءٌ، فَلأَهْلِكَ) أي فهو لأهلك، فتنفقه عليهم (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ) أي لأقربائك الذين ليسوا من أهلك (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا") أي تتصدق به في وجوه الخير، كما بين المشار إليه بقوله (يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ) هذا التفسير من بعض الرواة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٠/ ٢٥٤٦ وفي "البيوع" ٨٤/ ٤٦٥٢ و ٤٦٥٣ - وفي "الكبرى" ٦٢/ ٢٣٢٦ وفي "البيوع" ٨٥/ ٦٢٤٨ و ٦٢٤٩ و ٦٢٥٠. وأخرجه (خ) في "البيوع" ١٩٩٧ (م) في "الزكاة" ١٦٦٣ وفي "الأيمان" ٣١٥٥ (د) في "العتق" ٣٤٤٥ و ٣٤٤٦ (ت) في "البيوع" ١١٤٠ (ق) في "الأحكام" ٢٥٠٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٦١٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواب السؤال بـ "أيّ

стр. 12115

الصدقة أفضل"، وهو أنّ أفضل الصدقة الصدقة على النفس، ثم الأهل، ثم الأقرباء (ومنها): مشروعية تدبير المملوك (ومنها): أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدْم الأوكد، فالأوكد (ومنها): أنّ الأفضل في صدقة التطوّع أنّ ينوّعها في جهات الخير، ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها (ومنها): أنّ فيه دلالةً ظاهرة لما ذهب إليه الشافعيّ، وأهل الحديث، من جواز بيع المدبّر، وهو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن الدين مقدّم على التبرّع بالتدبير (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال الناس بسبب ديونهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦١ - (صَدَقَةُ الْبَخِيلِ) ٢٥٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ … ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ الْمُتَصَدِّقِ, وَالْبَخِيلِ, كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ, أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ, مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا, فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ, اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ, أَوْ مَرَّتْ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ, وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ, وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ, قَلَصَتْ, وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا, حَتَّى أَخَذَتْهُ بِتَرْقُوَتِهِ, أَوْ بِرَقَبَتِهِ» , يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يُوَسِّعُهَا, فَلَا تَتَّسِعُ, قَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُشِيرُ بِيَدِهِ, وَهُوَ يُوَسِّعُهَا, وَلَا تَتَوَسَّعُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] من أفراد المصنف. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، ثقة فقسيه فاضل، يدلس يرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
следующие страницы →