← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ, فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا, فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ, فَلأَهْلِكَ, فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ, فَلِذِي قَرَابَتِكَ, فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ, فَهَكَذَا, وَهَكَذَا» , يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ, وَعَنْ يَمِينِكَ, وَعَنْ شِمَالِكَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصري [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرُس المكي، صدوق، يدلس [٤] ٣١/ ٣٥. ٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (١٣٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ) وفي الرواية الآتية في "البيوع" من طريق أيوب، عن أبي الزبير: "أن رجلًا من الأنصار، يقال له: أبو مذكور" (مِنْ بَنِي عُذْرَةَ) بضمّ العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء- حَيٌّ من قُضاعة، وهو عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة معروفة (١). (عَبْدًا لَهُ، عَنْ دُبُرٍ) زاد في رواية أيوب المذكورة: "يقال له: يعقوب، لم يكن له مالٌ غيره". وفي رواية لمسلم عن إسحاق بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن سفيان، بلفظ: "دبّر رجلٌ من الأنصار غلامًا له، لم يكن له مالٌ غيره، فباعه رسول اللَّه ﷺ ، فاشتراه ابن النحّام، عبدًا قبطيّا، مات عامَ أوّلَ، في إمارة ابن الزبير … " الحديث (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي عتقُهُ المذكورُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟، قَالَ: لَا) أي قال الرجل ليس لي مالٌ غيره. فيه دلالة على أنّ سبب بيعه كونه لا يملك شيئًا غيره، وأصرح من هذا رواية

стр. 12112

للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر: "أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبيّ ﷺ ، فقال: "من يشريه منّي" .. الحديث. ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتياجه إلى ثمنه، وقد جاءت رواية أخرى فيها بيان أن سببه هو الدين، فقد أخرج الإسماعيليّ، من طريق أبي بكر بن خلاّد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: "أعتق غلامًا له، وعليه دينٌ"، وقد جاءت رواية أخرى بينت السببين معًا، فقد أخرج النسائيّ من طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: "أنّ رجلًا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دينٌ، فباعه رسول اللَّه ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقض دينك". والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيرًا محتاجًا إليه، حيث لا مال له سواه، وتحمّله الدين، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي) فيه جواز بيع المدبّر، وفيه خلاف بين أهل العلم، والراجح جوازه مطلقًا، وهو قول الشافعيّ، وأهل الحديث. ومنهم من منع مطلقًا، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين. ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول الليث بن سعد. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": من لا يرى بيع المدبّر، منهم من يحمله على أنه كان مدبّرًا مقيّدًا بمرضٍ، أو بمدّة، كعلمائنا -يعني الحنفيّة- ومنهم من يحمله على أنه دبرّه، وهو مديونٌ، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ، والثاني يردّه آخر الحديث انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- إنصاف منه حيث ردّ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب المتأخرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ، وأن لا يعاندوا، ولا يتعضبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن النصّ بالتأويل البعيد. اللَّّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين. وسيأتي لنا عودة إلى إتمام البحث في هذه المسألة في محلّه من "كتاب البيوع" في "باب بيع المدبّر" ٨٤/ ٤٦٥٢ - إن شاء اللَّه تعالى. (فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ) هو نُعيم بن عبد اللَّه بن أسيد بن عبد عوف بن

стр. 12113

عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف بـ "النحّام"، قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال له: "دخلت الجنّة، فسمعت نَحْمة من نُعيم". وأخرج ابن قتيبة في "الغريب" من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: خرجنا في سريّة زيد بن حارثة التي أصاب فيها بني فَزَارةَ، فأتينا القوم خلوفًا، فقاتل نعيم بن النحّام العدويّ يومئذ قتالًا شديدًا. و"النحْمَةُ" هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النَّحْنَحَة الممدود آخرها. وقال خليفة: أمّه فاختة بنت حرب بن عبد شمس، وهي عدويّة أيضًا، من رهط عمر. وقال البخاريّ: له صحبة. وقال مصعبٌ الزبيريّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنّه لم يُهاجر إلا قبيل فتح مكة، وذلك لأنه كان يُنفق على أرامل بني عديّ، وأيتامهم، فلما أراد أن يهاجر، قال له قومه: أقم ودِنْ بأيّ دين شئت، وكان بيت بني عديّ بيته في الجاهليّة، حتى تحوّل في الإسلام لعمر في بني رَزَاح. وقال الزبير: ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبيّ ﷺ : "يا نُعيم، قومك كانوا خيرًا لك من قومي"، قال: بل قومك خير يا رسول اللَّه، قال: "إن قومي أخرجوني، وإن قومك أقرّوك"، فقال نعيم: يا رسول اللَّه، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة، وإن قومي حبسوني عنها. وقال الواقديّ: حدّثني يعقوب بن عمرو، عن نافع العدويّ، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: أسلم نعيم بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه. وقال ابن أبي خيثمة: أسلم بعد ثمانية وثلاثين إنسانًا. وذكر موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ، أنّ نعيمًا استشهد بأَجْنَادِين، في خلافة عمر. وكذا قال ابن إسحاق، ومصعبٌ الزبيريّ، وأبو الأسود، وعروة، وسيفٌ في "الفتوح"، وأبو سليمان بن زَبْر. قال الواقديّ: وكانت أجنادينُ قبل اليرموك، سنة خمس عشرة. وقال ابن الْبَرْقيّ: يقول بعض أهل النسب: إنه قتل يوم مؤتة في حياة النبيّ ﷺ . وكذا قال ابن الكلبيّ. وأما ما ذكره عمر بن شبّة في "أخبار المدينة" عن أبي عبيد المدنيّ، قال: ابتاع مروان من النحّام داره بثلثمائة درهم، فأدخلها في داره، فهو محمولٌ على أن المراد به إبراهيم بن نعيم المذكور، فإنه يقال له أيضًا: النحّام. ذكر هذا كلّه في "الإصابة" (١). (بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ) قال في "الفتح": اتفقت الطرق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال: "سبعمائة، أو تسعمائة" انتهى (فَجَاءَ بَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) زاد في رواية الأوزاعيّ، عن

стр. 12114

عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود في آخره: "أنت أحق بثمنه، واللَّه أغنى عنه". وهذا كلّه صريحٌ في كونه ﷺ باع ذلك المدبرّ في حياة ذلك الرجل، وفيه دلالة على وَهَم شريك، في روايته عن سلمة بن كهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بلفظ: "أنّ رجلًا مات، وترك مدبّرًا، ودينًا، فأمرهم النبيّ ﷺ ، فباعه في دينه بثمانمائة درهم". أخرجه الدارقطنيّ، ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوريّ أنّ شريكًا أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش، وغيره، عن سلمة، وفيه: "ودفع ثمنه إليه". وقد رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن شريك بلفظ: "أنّ رجلًا دبّر عبدًا له، وعليه دينٌ، فباعه النبيّ ﷺ في دين مولاه". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا شبيهٌ برواية الأعمش، وليس فيه للموت ذكر، وشريك كان تغيّر حفظه لَمّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصحّ، ومنهم أسود المذكور انتهى (١). (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) وفي رواية: "إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه" (فَإِن فَضَلَ شَيْءٌ، فَلأَهْلِكَ) أي فهو لأهلك، فتنفقه عليهم (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ) أي لأقربائك الذين ليسوا من أهلك (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا") أي تتصدق به في وجوه الخير، كما بين المشار إليه بقوله (يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ) هذا التفسير من بعض الرواة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٠/ ٢٥٤٦ وفي "البيوع" ٨٤/ ٤٦٥٢ و ٤٦٥٣ - وفي "الكبرى" ٦٢/ ٢٣٢٦ وفي "البيوع" ٨٥/ ٦٢٤٨ و ٦٢٤٩ و ٦٢٥٠. وأخرجه (خ) في "البيوع" ١٩٩٧ (م) في "الزكاة" ١٦٦٣ وفي "الأيمان" ٣١٥٥ (د) في "العتق" ٣٤٤٥ و ٣٤٤٦ (ت) في "البيوع" ١١٤٠ (ق) في "الأحكام" ٢٥٠٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٦١٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواب السؤال بـ "أيّ

стр. 12115

الصدقة أفضل"، وهو أنّ أفضل الصدقة الصدقة على النفس، ثم الأهل، ثم الأقرباء (ومنها): مشروعية تدبير المملوك (ومنها): أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدْم الأوكد، فالأوكد (ومنها): أنّ الأفضل في صدقة التطوّع أنّ ينوّعها في جهات الخير، ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها (ومنها): أنّ فيه دلالةً ظاهرة لما ذهب إليه الشافعيّ، وأهل الحديث، من جواز بيع المدبّر، وهو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن الدين مقدّم على التبرّع بالتدبير (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال الناس بسبب ديونهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦١ - (صَدَقَةُ الْبَخِيلِ) ٢٥٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ … ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ الْمُتَصَدِّقِ, وَالْبَخِيلِ, كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ, أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ, مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا, فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ, اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ, أَوْ مَرَّتْ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ, وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ, وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ, قَلَصَتْ, وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا, حَتَّى أَخَذَتْهُ بِتَرْقُوَتِهِ, أَوْ بِرَقَبَتِهِ» , يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يُوَسِّعُهَا, فَلَا تَتَّسِعُ, قَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُشِيرُ بِيَدِهِ, وَهُوَ يُوَسِّعُهَا, وَلَا تَتَوَسَّعُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] من أفراد المصنف. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، ثقة فقسيه فاضل، يدلس يرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.

стр. 12116

٤ - (الْحَسَن بْن مُسْلِمٍ) بن يَنّاق -بفتح التحتانية، وتشديد النون، آخره قاف- المكّيّ، ثقة [٥]. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو داود: كان من العلماء بطاوس. وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات قديمًا قبل المائة بقليل. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ٢٥٤٧ و ٢٧٢١ و ٢٩٢٢ و ٢٩٨٧ و ٣٥٣٥ و ٣٦٩٢ و ٣٧٠٤ و ٥٠٩٧. ٥ - (طاوس) بن كيسان اليماني الثقة الثبت الفقيه [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكران المدني، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٧ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن خماسياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن السند الأول مسلسل بالمكيين غير طاوس فيمني، وأبي هريرة فمدني والثاني مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وسفيان فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَة) - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولم يسق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- متن هذا السند، وقد ساقه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في، "صحيحه"، في "كتاب اللباس"، فقال: ٥٣٥١ حدثنا عبد اللَّه بن محمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: ضرب رسول اللَّه ﷺ ، مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين، عليهما جبتان، من حديد، قد اضطُرَّت أيديهما إلى ثُدِيِّهما، وتَرَاقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة، انبسطت عنه، حتى تُغشِى أنامله، وتَعفُوَ أَثَرَه، وجعل البخيل كلما هَمَّ بصدقة، قلصت، وأخذت كلُّ حَلْقَة بمكانها"، قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول اللَّه ﷺ ، يقول بإصبعه هكذا، في جيبه، فلو رأيته يوسعها، ولا تتوسع. تابعه ابن طاوس، عن أبيه، وأبو الزناد، عن الأعرج "في

стр. 12117

الجبتين". وقال حنظلة: سمعت طاوسا، سمعت أبا هريرة، يقول: "جبتان" وقال جعفر بن حيان، عن الأعرج: "جبتان" انتهى (١). (ثُمَّ قَالَ) أي سفيان بن عُيينة، فلسفيان في هذا الحديث طريقان: أحدهما: طريق ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. والثاني: طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَنَاه) أي الحديث الآتي (أَبُو الزَّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفي رواية البخاريّ: "أنّ عبد الرحمن حدثه، أنه سمع أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ، الْمُتَصَدِّقِ) أي صفة المنفق على نفسه، وأهله، وصفة المتصدّق في سُبُل الخير، فإن البخيل يمنع الأمرين جميعًا، فلذلك جمع بينهما، وقد جاء الاقتصار على أحدهما؛ لكونهما كالمتلازمين عادة. أفاده السنديّ (٢) (وَالْبَخِيلِ) ووقع في رواية مسلم: "مثل المنفق، والمتصدّق" بحذف "والبخيل"، قال النوويّ في "شرحه": هكذا وقع هذا الحديث، في جميع النسخ، من رواية عمرو -يعني ابن محمد الناقد- قال القاضي عياض وغيره: هذا وَهَمٌ، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: "مثل البخيل، والمتصدّق"، وتفسيرهما آخر الحديث يبيّن هذا. وقد يحتمل أن صحّة رواية عمرو هكذا أن تكون على وجهها، وفيها محذوفٌ، تقديره: "مثل المنفق، والمتصدّق، وقسيمهما، وهو البخيل"، وحذف "البخيل"؛ لدلالة المنفق والمتصدّق عليه، كقول اللَّه تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ الآية [النحل: ٨١]: أي "والبرد"، وحُذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قد رواه الحميديّ، وأحمد، وابن أبي عمر، وغيرهم في "مسانيدهم" عن ابن عيينة، فقالوا في رواياتهم: "مثل المنفق، والبخيل"، كما في رواية شعيب، عن أبي الزناد، وهو الصواب انتهى (٤). (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ) هذا هو الصواب، ووقع في رواية مسلم: "كمثل رجل" بالإفراد، قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا وقع في الأصول كلّها "كمثل رجل" بالإفراد، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وصوابه: "كمثل رجلين" انتهى (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) -

стр. 12118

بضم الجيم، وتشديد الموحّدة، تثنية جُبّة، وهو ثوب مخصوص (أَوْ جُنَّتَانِ) بالنون بدل الباء الموحّدة، وهي الدرع، وهذا شكّ من الراوي، وصوّبوا النون؛ لقوله: "من حديد"، وقوله: "واتسعت عليه الدرع"، وغير ذلك. ذكره النوويّ. وأفاد الحافظ في "الفتح" أن المحفوظ في هذه الرواية بالموحّدة، ومَن رواه فيها بالنون، فقد صحّف. قال: ورُجّحت رواية النون لقوله: "من حديد". والجنّة في الأصل الحصين، وسمّيت بها الدرع؛ لأنها تُجِنّ صاحبها، أي تحصنه. والجبّة -بالموحّدة ثوب مخصوص، ولا مانع من إطلاقه على الدرع انتهى (١). وقال السنديّ: نعم إطلاق الجبّة -بالباء- على الجنّة -بالنون- مجازًا غير بعيد، فينبغي أن تكون الجنّة -بالنون- هي المرادة في الروايتين انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الروايتين بالموحّدة، والنون صحيحتان. واللَّه تعالى أعلم. (مِنْ حَدِيدٍ) "من" لبيان الجنس، فتكون بيانًا للجنّتين، وتتعلّق بمحذوف، صفةٍ لهما، أي كائنين من حديد (مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهمَا) "من" ابتدائية متعلّق بحال محذوف، أي حال كون الجبّتين، أو الجنّتين كائنتين من ثُديهّما. و"الثُّدِيُّ" -بضمّ المثلّثة، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء، جمع ثَدْي -بفتح، فسكون، كفلس، وفُلُوس، وأصله ثُدُويٌ"، اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون الأصليّ، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، كما قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة": إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا قال في "المصباح": الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا. قاله ابن السّكّيت. ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثديُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثل أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جمُع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْمِ وسِهَام انتهى (٢). وفي " القاموس": " الثَّدْيُ -أي بالفتح- وُيكسر، وكالثَّرَى: خاصّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنّث، وجمعه أَثْدٍ، وثُدِيٌ، كَحُليٌّ انتهى. قال الشارح المرتضى: قوله: "كحليّ" أي بالضمّ على فُعُولٍ، كما في "الصحاح"، قال: و"ثِدِيّ" أيضًا بكسر الثاء إتباعًا انتهى.

стр. 12119

(إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وقاف، جع تَرْقُوة -بفتح المثنّاة، وسكون الراء، وفتح الواو-: هما العظمان المشرفان في أعلى الصدر. قال في "المصباح": التَّرْقُوَة: وزنَهُا فَعْلُولَةٌ -بفتح الفاء، وضمّ اللام- وهو العظم الذي بين ثُغْرَة النَّحْر والعاتق من الجانبين، والجمع التَرَاقِي. قال بعضهم: ولا تكون التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان انتهى. وهذا إشارة إلى ما جُبل عليه الإنسان من الشحّ، ولذا جمع بين البخيل، والجواد فيه (فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ) -بكسر، فسكون-: قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: دِرْعُ الحديد مؤنّثةٌ في الأكثر، وتُصغّر على دُريع، بغير هاء على غير قياس، وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكّر، وربّما قيل: دُريعةٌ بالهاء، وجمعها أَدْرُعٌ، ودُرُوعٌ، وأدراعٌ. قال ابن الأثير: وهي الزَّرَدِية. ودرع المرأة: قميصها مذكّر انتهى. وفيه إشارة إلى ما يُفيض اللَّه تعالى على من يشاء من التوفيق للخير، فيشرح لذلك صدره (أَوْ مَرَّتْ) أي جازت ذلك المحلَّ. و"أو" للشكّ من بعض الراوة (حَتَّى تُجِنَّ) - بضمّ أوّله، وكسر الجيم، وتشديد النون- من أجنّ الشيءَ: إذا ستره، أي تستر (بَنَانَهُ) بالنصب مفعول "تُجنّ" وهو -بفتح الموحّدة، ونونين خفيفتين- قال الفيّوميّ ﵀ تعالى: البَنَانُ: الأصابع. وقيل: أطرافها، الواحدة بَنَانَةٌ. قيل: سمّيت بَنَانًا؛ لأنّ بها صلاحَ الأحوال التي يستقرّ بها الإنسان؛ لأنه يقال: أَبَنَّ بالمكان: إذا استقرّ به. انتهى. (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) أي تمحوَ أثر مشيه بسبوغها، وكمالها. يقال: عما المنزلُ عَفْوًا، وعَفَاءً -بالفتح، والمدّ: دَرَسَ، وعَفَتْهُ الريحُ، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، ومنه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾: أي محا ذنوبك، وعفوتُ الحقّ: أسقطته، كأنّك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه اللَّه: محا عنه الأسقام. قاله الفيّوميّ. والمناسب هنا المتعدّي، ولذا نَصَبَ "أثرَهُ". والمعنى: أن الصدقة تستر خطاياه، كما يغطّي الثوبُ الذي يُجَرُّ على الأرض أثرَ صاحبه، إذا مشى بمرور الذيل عليه. قاله في "الفتح". وقال النوويّ نقلًا عن القاضي عياض -رحمهما اللَّه تعالى-: هو تمثيلٌ لنماء المال بالصدقة، والإنفاق، والبخل بضد ذلك. وقيل: هو تمثيلٌ لكثرة الجود والبخل، وأنّ المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتعوّد ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادةً له. وقيل: معنى "تعفو أثره" أي تَذْهَبَ بخطاياه، وتمحوها. وقيل في البخيل: "قلَصَت، ولَزِمَت كلُّ حلقة مكانها": أي يُحمَى عليه يوم القيامة، فيكوى بها. والصواب الأوّل، والحديث جاء على التمثيل، لا على الخبر عن كائن. وقيل: ضرب المثل بهما؛ لأنّ

стр. 12120

المنفق يستره اللَّه تعالى بنفقته، ويستر عورته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الْجُنَّة لابسها، والبخيل كمن لبس جُبّة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا، بادي العورة، مُفتَضَحًا في الدنيا والآخرة انتهى (١). (وَاِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ) -بفتح القاف، واللام، والصاد المهملة-: أي انقبضت. يقال: قَلَصَت شَفَتُهُ تَقْلِصُ، من باب ضرب: انزَوَتْ، وتقلَّصَت مثله، وقَلَصَ الظلُّ: ارتفع، وقَلَصَ الثوبُ: انزوَى بعد غَسْلِهِ. قاله الفيّوميّ (وَلَزِمَتْ) وفي لفظ: "لَزِقَت" (كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا) يعني اشتدّت، والتصقت الحلقة بعضها ببعض. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: حَلْقَةُ الباب بسكون اللام، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم الذين يجتمعون مستديرين، والْحَلْقَةَ السّلاحُ كلُّهُ بالسكون، والجمعُ حَلَقٌ بفتحتين، على غير قياس. وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقٌ بكسر، ففتح، مثلُ قَصْعَة وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ. وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أنّ الحَلَقَة بفتحِ اللام لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ. وجمَعَ ابنُ السّراج بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقٌ بفتحتين، ثم خفَّفُوا الواحد حين ألحقوه الزيادة، وغُيِّرَ المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف (٢). وقال المجد اللغويّ: وحَلْقَةُ الباب، والقوم، وقد تُفتحُ لامهما، وتُكسرُ، أو ليس في الكلام حَلَقَةٌ، محرَّكَةً، إلا جَمْعَ حالق، أو لغةٌ ضعيفة، جمعه حَلَقٌ، محرَّكَةً، وكَبِدَرٍ، وحَلَقَاتٌ، محرَّكةً، وتكسر الحاء انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحصّل من مجموع ما ذُكر أن "الْحَلْقَة" يجوز في حائه الفتح، والكسر، وفي لامه السكون، وهو الأفصح، والفتح، وهو قليل، وذكر في "تاج العروس" عن "العُباب" كسر اللام، قال: نقله الفراء، والأموي، وقالا: هي لغة لبلحرث بن كعب. وأما جمعه فحَلَقٌ محرَّكةً، وحِلَق، بكسر، ففتح، وحَلَقَات، محرَّكةً، وتكسر حاؤه. واللَّه تعالى أعلمِ. (حَتَّى إِذَا أَخَذتهُ بِتَرْقُوَتِهِ) تقدّم معناها قريبًا (أَوْ بِرَقَبَتِهِ) شكّ من الراوي، وجواب "إذا" محذوفٌ دلّ عليه ما بعده، تقديره: أخذ يوسّعها، فلا تتّسع. واللَّه تعالى أعلم. (يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ) فيه التفات؛ لأنّ الظاهر أن يقول: "أنّي رأيت الخ"

стр. 12121

(رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يُوَسِّعُهَا، فَلَا تَتَّسِعُ) وفي الرواية التالية: "وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "فيجتهد أن يوسّعها، فلا تتّسع". وفي رواية عند الشيخين: "فأنا رأيت رسول اللَّه ﷺ يقول بأصبعه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تتّسع". ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن أبي الزناد في الحديث: "وأما البخيل، فإنها لا تزداد عليه إلا استحكامًا". (قَالَ: طَاوُسٌ) يعني أن ما تقدّم هو رواية الأعرج، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه، وأما طاوس، فقال في روايته (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يُشِيرُ بِيَدِهِ) وفي نسخة: "بيديه". والظاهر أن هذه الجملة حال من محذوف، تقديره: يقول: رأيت رسول اللَّه ﷺ ، يشير بيده". يوضّح ذلك رواية مسلم من طريق إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، بلفظ: "قال: فأنا رأيت رسول اللَّه ﷺ ، يقول بإصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تَوَسّع" (وَهُوَ يُوَسِّعُهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، والواو حاليّة، فهو من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، فيكون معطوفًا على الحال الأولى (وَلَا تَتَوَسَّعُ) يعني أنه يحاول في توسيعها، ولكنّها لا تقبل التوسيع؛ لاستحكام تقلّصها، وثبوتها في مكانها. قال التوربشتيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى الحديث أن الجواد الموفّق إذا همّ بالصدقة اتّسع لذلك صدره، وطاوعته نفسه، وانبسطت بالبذل والعطاء يداه، كالذي لبس درعًا، فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه، فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه، فأجنّته، وحصنته. وأنّ البخيل إذا أراد الإنفاق حَرِجَ به صدره، واشمأزّت عنه نفسه، وانقبضت عنه يداه، كالذي أراد أن يستجنّ بالدرع، وقد غُلّت يداه إلى عنقه، فحال ما ابتُلي به بينه وبين ما يبتغيه، فلا يزيده لبسها إلا ثقلًا، ووبالًا، والتزامًا في العنق، والتواءً، وأَخْذًا بالترقوة انتهى. وقال في "الفتح": قال الخطّابيّ وغيره: وهذا مثلٌ ضربه النبيّ ﷺ للبخيل والمتصدّق، فشبّههما برجلين أراد كلّ واحد منهما أن يلبس درعًا، يستتر به من سلاح عدوّه، فصبّها على رأسه ليلبسها، والدرعُ أول ما تقع على الصدر، والثديين إلى أن يُدخل الإنسان يديه في كمّيها، فجَعَلَ المنفقَ كمن لبس درعًا سابغةً، فاستَرسَلَت عليه، حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: "حتّى تعفوَ أثره": أي تستر جميع بدنه. وجَعَلَ البخيلَ كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، كلّما أراد لبسها، اجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوتَهُ، وهذا معنى قوله: "قلَصَت": أي تضامّت، واجتمعت. والمراد أنّ الجواد إذا هَمَّ بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسّعت في

стр. 12122

الإنفاق -أي وطاوعت يداه بالعطاء-. والبخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحّت نفسه، فضاق صدره، وانقبضت يداه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] انتهى. وقال الطيبيّ: أوقع المتصدّق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقيّ السخيّ، إيذانًا بأنّ السخاء ما أَمَرَ به الشرع، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاناه المبذّرون، وخصّ المشبّه بهما بلبس الجبّتين من الحديد، إعلامًا بأن الشحّ، والقبض من جبلّة الإنسان، وخلقته، وأنّ السخاء من عطاء اللَّه تعالى، وتوفيقه، يمنحه من يشاء من عباده المفلحين، وخصّ اليد بالذكر؛ لأنّ السخيّ، والبخيل يوصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد المبالغة في البخل قيل: مغلولة يده إلى عنقه، وثديه، وتراقيه. وإنما عدل عن الغُلّ إلى الدرع لتصوّر معنى الانبساط والتقلّص، والأسلوبُ من التشبيه المفرّق، شبّه السخيّ الموفّق، إذا قصد التصدّق، يسهل عليه، ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع، ويده تحت الدرع، فإذا أراد أن يُخرجها منها، وينزعها يسهل عليه، والبخيل على عكسه انتهى. وقال المنذريّ: شبّه ﷺ نِعَمَ اللَّه تعالى، ورزقه بالْجُنَّة، وفي رواية بالْجُبَّة، فالمنفق كلّما أنفق اتسعت عليه النعم، وسَبَغَت، ووَفَرَت حتّى تستره سَتْرًا كاملًا شاملًا. والبخيل كلّما أراد أن يُنفق منعه الشحّ، والحرص، وخوف النقص، فهو بمنعه يطلب أن يزيد ما عنده، وأن تتّسع عليه النعم، فلا تتّسع، ولا تستر منه ما يروم ستره. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦١/ ٢٥٤٧ و ٢٥٤٨ - وفي "الكبرى" ٦٣/ ٢٣٢٧ و ٢٣٢٨. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٢٥٢ وفي "الجهاد والسير" ٢٧٠١ وفي "اللباس" ٥٣٥١ (م) في "الزكاة" ١٦٩٥ و ١٦٩٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧١٧١ و ٨٦٩٦ و ١٠٣٥٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان صفة البخيل في الصدقة،

стр. 12123

فقد مثّله في الحديث بالمثل السوء، والمراد منه التنفير عن البخل، وأنه صفة اللؤماء (ومنها): بيان صفة السخيّ في الصدقة، وأن السخاء من صفات الكرماء المفلحين الذين عناهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال لتوضيح المقال، حتى يتّضح للسامع أتمّ الاتضاح، فيحصُرَه، ويستقرّ في ذهنه غاية الاستقرار، فيسحتضره (ومنها): ما قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي هذا دليل على لباس القميص، وهذا ترجم عليه البخاريّ "باب جيب القميص من عند الصدر"؛ لأنه المفهوم من لباس النبيّ ﷺ في هذه القصة، مع أحاديث أخرى صحيحة، وردت في ذلك انتهى (١). قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: وموضع الدلالة منه أنّ البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها، وهو الثدي، والتراقي، وذلك في الصدر، قال: فبان أنّ جيبه كان في صدره؛ لأنه لو كان في يده لم تضطرّ يداه إلى ثدييه، وتراقيه انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٤٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ, مَثَلُ رَجُلَيْنِ, عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ, مِنْ حَدِيدٍ, قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا, فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ, اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ, حَتَّى تُعَفِّىَ أَثَرَهُ, وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ, تَقَبَّضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا, وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ, وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ» , وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا, فَلَا تَتَّسِعُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"عفّان": هو ابن مسلم الصفّار البصريّ. و"وُهيب": هو ابن خالد الباهليّ البصريّ. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. وقوله: "قد اضطرّت أيديهما إلى تراقيهما" قال القسطلّاني: بفتح الطاء، ونصب التحتانية الثانية، من "أيديهما" عند أبي ذرّ على المفعوليّة، ولغيره بضمّ الطاء، وسكون التحتيّة، مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل. وقال القاري: بضمّ الطاء: أي شُدّت، وضُمّت، والتصقت. وفي نسخة بفتح الطاء، ونصب "أيديهما" على أنّ ضمير الفعل إلى جنس الْجُنّة المفهوم من التثنية انتهى (٢).

стр. 12124

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أنّ في "اضطرّت" ضبطين: أحدهما: البناء للفاعل، وعليه فالفاعل ضمير يعود إلى الجنّة المفهومة من ذكر الجنتين، و"أيديَهُما" منصوب على المفعولية. والثاني البناء للمفعول، وعليه فـ "أيديهما" نائب عن الفاعل. وقوله: "اتسعت" الضمير فيه أيضًا يعود إلى ما عاد عليه الضمير الفاعل، أي اتسعت الجبّة. وقوله: "حتى تُعفّي أثره" بتشديد الفاء للمبالغة، من التعفية، وهو التغطية، والستر، أي حتّى تغطي، وتستر أثر مشيه. وهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: "حتّى تَعفُوَ أثره". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٢ - (الإِحْصَاءُ فِي الصَّدَقَةِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الإحصاء في الصدقة، وهو النهي. و"الإحصاء": مصدر أحصيتُ الشيءَ أُحصيه: إذا علمته، أو عَدَدته، أو أطقته، والمناسب المعنى الأول والثاني. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٤٩ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ حَدَّثَنِي (١) اللَّيْثُ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ هِنْدٍ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ, قَالَ: كُنَّا يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسًا, وَنَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ, فَأَرْسَلْنَا رَجُلاً إِلَى عَائِشَةَ؛ لِيَسْتَأْذِنَ, فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا, قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ سَائِلٌ مَرَّةً, وَعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَأَمَرْتُ لَهُ بِشَىْءٍ, ثُمَّ دَعَوْتُ بِهِ, فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا تُرِيدِينَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَكِ شَيْءٌ, وَلَا يَخْرُجَ إِلاَّ بِعِلْمِكِ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبدِ الْحَكَمِ) المصري الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. ٢ - (شُعيب) بن الليث الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه،

стр. 12125

من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (خالد) بن يزيد الجمحيّ المصريّ الفقيه الثقة [٦] ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (ابن أبي هلال) هو: سعيد بن أبي هلال الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ الثقة [٦] /٦٨٦. ٦ - (أُميّة بن هند) المزنيّ الحجازيّ، ويقال: إنه ابن هند بن سعد بن سهل بن حُنيف، مقبول [٥]. روى عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، وعروة بن الزبير، وغيرهم. وعنه سعيد بن أبي هلال، وعبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: لا أعرفه. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في التابعين، فقال: أميّة بن هند، عن أبي أمامة، وعنه سعيد بن أبي هلال. ثم ذكره في أتباع التابعين، فقال: أميّة بن هند بن سهل بن حُنيف، يروي عن عبد اللَّه بن عامر، إن كان سمع منه، وعنه عبد اللَّه بن عيسى انتهى. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (أَبِو أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيف) الأنصاريّ، معروف بكنيته، واسمه أسعد، معدود في الصحابة للرؤية، مات سنة (١٠٠) وله (٩٢) سنة، تقدّم في ٨/ ٥٠٩. ٨ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده، وأمية فإنه من أفراد وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، إلى ابن أبي هلال، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: كُنَّا يَوْما في الْمَسْجدِ) أي النبوي (جُلُوسا) جمع جالس (وَنَفَرٌ) بالرفع عطفًا على اسم "كان"؛ لوجود الفصل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَإِن عَلَى ضَمِيرِ رَفْعِ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ

стр. 12126

أَوْ فَاصل مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ و"النفر" -بفتحتين-: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نَفَرٌ فيما زاد على العشرة. قاله الفيّوميّ. والظاهر أن عطفه على ضمير المتكلّم من باب عطف التفسير؛ لأن المتكلّم من جملتهم. واللَّه تعالى أعلم. وقوله (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) بيان للنفر (فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إلَى عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (لِيَسْتَأْذِنَ فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ سائِلٌ مَرَّةً، وَعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرْتُ لَهُ بِشَيءٍ) أي بإعطائه شيئًا من المال (ثُمَّ دَعَوْتُ بهِ) أي بذلك الشيء الذي أَمرتُ به للسائل (فَنَظَرْتُ إلَيْهِ) أي نظرت إلى ذلك الشيء؛ لَأعرف قلّته وكثرته (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا) الهمزّة للاستفهام التقريريّ، و"ما" نافية، وذكر ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه" عن المالِقيَ (١) أن "أما" حرف عَرْض، بمنزلة "أَلَا"، فتختصّ بالفعل، نحو: "أما تقومُ"، و"أما تقعدُ". قال ابن هشام: وقد يُدَّعَى في ذلك أن الهمزة للاستفهام التقريريّ، مثلها في "ألم"، وألا"، وأنّ "ما" نافية، وقد تحذف هذه الهمزة، كقوله [من الخفيف]: مَا تَرَى الدَّهْرَ قَدْ أَبادَ مَعَدًّا … وَأَبَادَ السَّرَاةَ مِنْ عَدْنَانِ انتهى كلام ابن هشام بتصرّف (٢). والمعنى الثاني هو المناسب هنا. (تُرِيدِينَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيتَكِ شَيْءٌ، وَلَا يَخرُجَ إلَّا بِعِلْمِكِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: تصديق، وتقريرٌ لما بعد الاستفهام من النفي، أي ما أريد ذلك، بل أريد أن يعطيني اللَّه تعالى من غير علمي بذلك، ضرورةَ أنّ الذي يدخل بعلم الإنسان محصورٌ، ورزق اللَّه أوسع من ذلك، فيطلب منه تعالى أن يُعطي بلا حصرٍ، ولا عَدّ. وحاصل الاستفهام أما تريدين تقديل الصدقة ورزق اللَّه؟ (٣)،. وحاصل الجواب أنها ما تريد ذلك، بل تريد التكثير فيهما انتهى كلام السنديّ (٤). (قال لها: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ") "المهل" -بسكون الهاء، ويجوز فتحها-: الاتّئاد في

стр. 12127

الأمر، والرفق، والسكينة. قال المجد اللغويّ: الْمَهْل، ويُحرّك، والْمُهْلَة -بالضمّ-: السكينة، والرفق. وأمهله: رَفَقَ به، ومَهَّلَه تمهيلًا: أجّله. وتَمَهَّلَ: اتّأَد. ويقال: مهلاً يارجلُ، وكذا للأنثى، والجمعِ، بمعنى أَمْهِلْ انتهى (١). ونصبه على أنه مفعولٌ مطلق لفعل مقدّر، أي أَمْهِلِي مَهْلًا. وقال السنديّ: "مهلًا" أي استعملي الرفق، والتأنّي في الأمور، واتركي الاستعجال المؤدّي إلى أن تطلبي علمَ ما لا فائدة في علمه انتهى (٢). (لَا تُحصِي) صيغة نهيٍ للمؤنّث، من الإحصاء، مجزوم بـ "لا" الناهية، وجزمه بحذف النون، والياء ضمير المخاطبة، أي لا تَعُدِّي ما تعطينه (فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ) بالنصب بـ "أن" مقدّرةً بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فا جَوَابِ نَفْي أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ أي لا يوجد منك إحصاء، فيوجد إحصاء اللَّه تعالى عليك. قال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الإحصاء العدّ، قالوا: المراد منه عَدّ الشيء للتبقية، والادّخار، وترك الإنفاق في سبيل اللَّه، وإحصاء اللَّه تعالى يحتمل وجهين: أحدهما: أن يَحبس عنك مادّة الرزق، وُيقلله بقطع البركة حتى يصير كالشيء المعدود. والآخر: أنه يناقشك في الآخرة عليه. انتهى. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٥٤]. ومعناه: يمنعك كما منعت، ويُقتّر عليك كما قتّرت، ويُمسك فضله عنك كما أمسكته. وقيل: معنى "لا تحصي" أي لا تعدّيه، فتستكثريه، فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك انتهى (٣). وقال في "الفتح": الإحصاء معرفة قدر الشيء وزنًا، أو عددًا، وهو من باب المقابلة، والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النَّفَاد، فإنّ ذلك أعظم الأسباب لقطع مادّة البركة؛ لأنّ اللَّه يثيب على العطاء بغير حساب، ومن لا يحاسبُ عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن عدم أنّ اللَّه يرزقه من حيث لا يحتسب، فحقّه أن يُعطي، ولا يحسُب. وقيل: المراد بالإحصاء عَدُّ الشيء لأنّ يُدَّخَر، ولا يُنفَق منه، وإحصاءُ اللَّه قطع البركة عنه، أو حبس مادّة الرزق، أو المحاسبة عليه في الآخرة

стр. 12128

انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا حديث صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده، أُميّة بن هند، ولم يوثّقه إلا ابن حبّان، بل قال ابن معين: لا أعرفه؟ [قلت]: الحديث له شاهد، أخرجه أبو داود في "سننه"، فقال: ١٧٠٠ حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عائشة، أنها ذكرت عِدَّةً من مساكين، قال أبو داود: وقال غيره: أو عِدَّةَ من صدقة، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أعطي، ولا تحصي، فيحصى عليك". انتهى. وهذا إسناد صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٢/ ٢٥٤٩ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٢٣٣٥. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٧٠٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن الإحصاء في الصدقة (ومنها): أن إحصاء الصدقة سبب للبخل؛ لأنّ النفس تستكثر ما تتصدّق به (ومنها): أن الإحصاء سبب لحبس الرزق، وقطع فضل اللَّه تعالى (ومنها): أن الجزاء من جنس العمل (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من تعليم أهل بيته السخاء والجود، حتى يفيض اللَّه تعالى عليهنّ بركاته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (١) , عَنْ فَاطِمَةَ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَهَا «لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: "محمد بن آدم": هو الْجُهَنيّ المصّيصيّ، وهو صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥ فإنه من أفراده هو وأبي داود.

стр. 12129

و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩. وشرح الحديث يعلم مما قبله وبعده، وهو متفق عليه، وسيأتي تخريجه في الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، ﷺ إليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٥١ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ حَجَّاجٍ, قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ,: أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ, لَيْسَ لِي شَيْءٌ, إِلاَّ مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ, فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ, فِي أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: «ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ, وَلَا تُوكِي فَيُوكِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الحسن بن محمد) الزعفرانيّ، أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعىّ الثقة [١٠] ٢١/ ٤٢٧. ٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ الثبت [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز الفقيه المثبت الفاضل المكيّ، كان يدلّس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن أبي مليكة) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مُليكة، واسمه زُهير بن عبد اللَّه التيميّ المكيّ الثقة الفقيه [٣] ١٠١/ ١٣٢. ٥ - (عبّاد بن عبد اللَّه بن الزير) بن العوّام، كان قاضي مكّة زمن أبيه، وخليفته إذا حجّ، ثقة [٣] ٧٠/ ١٩٦٧. ٦ - (أسماء) بنت أبي بكر، زوج الزبير بن العوّام، - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربعٍ وسبعين من الهجرة، وتقدّمت ترجمتها في ١٨٥/ ٢٩٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وشيخه بغدادي، وحجاج مصيصي .. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الراوي عن جدته. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12130

شرح الحديث (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ ) بالنصب مفعولًا لـ " جاء"؛ لأنه يتعدّى بنفسه، يقال: جئتُ زيدًا: إذا أتيت إليه، ويتعدّى بـ "إلى" أيضًا، فيقال: جئت إليه على معنى ذهبتُ إليه. أفاده في "المصباح" (فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ) بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب، أبو عبد اللَّه القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، قُتل سنة (٣٦) بعد مُنصَرَفه من وقعة الْجَمَل. والمعنى: ليس لي مالٌ أتصدق به على المساكين، إلا الذي أعطاني زوجي الزبير قوتًا، أو أعمّ من ذلك. (فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) بضمّ الجيم، أي إثمٌ (فِي أَنْ أَرْضَخَ) بفتح الضاد المعجمة: أي أعطي قليلًا. يقال: رَضَختُ له رَضْخًا، من باب نَفَعَ، ورَضِيخًا: أعطيته شيئًا ليس بالكثير، والمال رَضْخٌ، تسميةً بالمصدر، أو فَعْلٌ بمعنى مفعول، مثلُ ضَرْبٍ الأمير، وعنده رَضْخٌ من خيرٍ: أي شيءٌ منه. قاله الفيّوميّ (مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟) أي من المال الذي يدخله الزبير عليّ، فحُذف عائد الموصول؛ لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة": ............ … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْل أوْ وِصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ (فَقَالَ: "ارْضَخِي) بفتح الضاد المعجمة، والهمزة فيه همزة وصل؛ لكونه ثلاثيًا. وهذا محمولٌ على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها، أو مما هو ملك للزبير، ولا يَكرَه الصدقةَ منه، بل يرضى به على عادة غالب الناس. وقد سبق بيان المسألة قريبًا. أفاده النوويّ (١) "مَا اسْتَطَعْتِ") قال النوويّ: معناه مما يَرضَى به الزبير، وتقديره: إنّ لكِ في الرضخ مراتبَ مباحة، بعضها فوق بعض، وكلّها يرضاها الزبير، فافعلي أعلاها. أو يكون معناه: ما استطعت مما هو ملك لك. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأخير بعيدٌ، يردّه سياق الحديث، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا تُوكِي) من الإيكاء، وهو شدّ رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يُربط به. وفي رواية: "لا توعي" بالعين المهملة بدل الكاف، وهو بمعناه، يقال: أوعيتُ المتاع في الوعاء أُوعِيهِ: إذا جعلته فيه (فَيُوكِيَ اللَّه عَلَيكِ") أي يمعنك كما منعت،

стр. 12131

ويقتّر عليك كما قتّرت، ويمسك فضله عنك، كما أمسكت فضلك عن الفقراء والمساكين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسماء - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٢/ ٢٥٥٠ و ٢٥٥١ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٢٣٣١ و ٢٣٣٢. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٣٣ و ١٤٣٤ وفي "الهبة" ٢٥٩٠ و ٢٥٩١ (م) في "الزكاة" ١٠٢٩ (د) في "الزكاة" ١٦٩٩ (ت) في "البرّ والصلة" ١٩٦٠. وفوائد الحديث تقدمت قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٣ - (الْقَلِيلُ فِي الصَّدَقَةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية إعطاء القليل في الصدقة. ٢٥٥٢ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْمُحِلِّ, عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ (١) , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نصر بن عليّ) الْجَهْضَميّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٠/ ٣٨٦. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الحافظ الثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (الْمُحِلُّ) -بضمّ الميم، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام- ابن خَلِيفة الطائيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ١٤٣/ ٢٢٤. وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٢٤ و ٣٠٤ و ٢٥٥٢.

стр. 12132

٥ - (عديّ بن حاتم) بن عبد اللَّه بن سعد بن الحشرج، أبو طَريف الطائي الحابي الشهير، مات سنة (٦٨) وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: ثمانين، وتقدم في ٢٩/ ٢١٦٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ) أي اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، من الصدقة (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) -بكسر المعجمة-: أي نصفها، أو جانبها، أي ولو كان الاتّقاء بالتصدّق بشِقّ تمرة واحدة، فإنه يفيد. وفي الطبرانيّ من حديث فضالة بن عُبيد - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "اجعلوا بينكم وبين النار حجابًا، ولو بشِقّ تمرة". ولأحمد من حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا أيضًا بإسناد صحيح: "لِيَتَّقِ أحدكم وجهه النار، ولو بشقّ تمرة". وله من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، بإسناد حسن: "يا عائشة استتري من النار، ولو بشقّ تمرة، فإنها تَسُدُّ من الجائع مَسدَّها من الشبعان". ولأبي يعلى من حديث أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - نحوه، وأتمّ منه، بلفظ: "تقع من الجائع موقعها من الشبعان". وكأنّ الجامع بينهما في ذلك حلاوتها. قاله في "الفتح" (١). [تنبيه]: هذا الحديث مختصر من حديث عدي بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل، وقد ساقه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بطوله، فقال: ٣٥٩٥ حدثني محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا مُحِلّ بن خليفة، عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي ﷺ ، إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي هل رأيت الْحِيرَة؟ " قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: "فإن طالت بك حياة، لَتَرَيَنَّ الظعينةَ ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا اللَّه" -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار طَيِّىءٍ الذين قد سَعّرُوا البلاد- "ولئن طالت بك حياة، لتُفتَحَنّ كنوز كسرى"، قلت: كسرى بن هرمز؟، قال: "كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة،

стр. 12133

لترين الرجل يُخرِج مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، ولَيَلْقَيَن اللَّهَ أحدُكُم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان، يترجم له، فليقولن له: ألم أَبْعَث إليك رسولًا، فيبلغك، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا، وأُفْضِل عليك، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم"، قال عدي: سمعت النبيّ ﷺ ، يقول: "اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة، فبكلمة طيبة"، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا اللَّه، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة، لَتَرَوُنَّ ما قال النبيّ أبو القاسم ﷺ : "يخرج ملء كله". انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، والمسائل المتعلّقة به ستأتي في الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, أَنَّ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ حَدَّثَهُمْ, عَنْ خَيْثَمَةَ, عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ, قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّارَ, فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ, وَتَعَوَّذَ مِنْهَا, ذَكَرَ شُعْبَةُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ, وَلَوْ بِشِقِّ التَّمْرَةِ, فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريّ البصريّ ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧، من أفراد المصنف. ٢ - (عمرو بن مُرّة) الْجَمَلي الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، رمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥. ٣ - (خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقة، يرسل [٣١] ١١٤/ ٢٠٥٦. والباقون تقدموا في السند الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّارَ، فَأَشَاحَ بِوَجِهِهِ) بشين معجمة، وحاء مهملة: أي أظهر الحذر منها. قال الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نَحَّاه عنه. وقال الفرّاء: الْمُشِيح: الْحَذِرُ، والْجادّ في الأمر.

стр. 12134

والْمُقبِلُ في خطابه، المانع لما وراء ظهره. فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني: أي حَذِرَ النارَ، كأنه ينظر إليها، أو جَدَّ على الوصية باتقائها، أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لَمَّا ذكرها. انتهى (١). وحكى ابن التين: أن معنى "أشاح" صدّ، وانكمش. وقيل: صرف وجهه كالخائف أن تناله. انتهى. (وَتَعَوَّذَ مِنْهَا) أي التجأ إلى اللَّه تعالى ليعصمه من النار (ذَكَرَ شُعْبَةُ أنَّهُ فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) يعني أن شعبة -رحمه اللَّه تعالى- ذكر في روايته أن النبيّ ﷺ فعل ما ذُكر من الإشاحة، والقول ثلاث مرّات. وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعمش، عن عمرو بن مُرّة: قال النبيّ ﷺ : "اتّقوا النار"، ثمّ أعرض، وأشاح، ثم قال: "اتقوا النار"، ثمّ أعرض، وأشاح، ثلاثًا، حتّى ظنّنا أنه ينظر إليها … " (ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ التَّمْرَةِ) أي اجعلوا بينكم وبين النار وِقَايةً، من الصدقة، وعَمَلِ البرّ، ولو بشيء يسير (فَإنْ لَمْ تَجِدُوا) ما تتصدّقون به من المال اليسير (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ") أي فتصدّقوا بكلمة طيّبة. قال ابن هُبيرة: المراد بـ "الكلمة الطيّبة" هنا ما يدلّ على هُدًى، أو يردُّ عن ردًى، أو يُصلح بين اثنين، أو يَفصِل بين متنازعين، أو يَحُلُّ مشكلا، أو يكشف غامضا، أو يدفع ثائرًا، أو يسكّن غضبًا. ذكره في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عدي بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٥٢ و ٢٥٥٣ - وفي "الكبرى" ٦٥/ ٢٣٣٣ و ٢٣٣٤. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤١٣ و ١٤١٧ و"المناقب" ٣٥٩٥ و"الأدب" ٦٠٢٣ و"الرقاق" ٦٥٣٩ و ٧٥١٣ و"التوحيد" ٧٥١٢ (م) في "الزكاة" ١٠١٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٧٨٢ و ١٧٨١٠ و ١٨٨٣ (الدارميّ) ١٦٥٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الصدقة، ولو

стр. 12135

بالقليل (ومنها): أن الصدقة تُقبَل، ولو قلت، لكن بشرط أن تكون طيّبة، لحديث أبي هريرة، - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيها الناس، إن اللَّه طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإن اللَّه أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأَنَّى يستجاب لذلك". رواه مسلم. (ومنها): عدم احتقار القليل من الصدقة، وغيرها؛ لأنها تربو عند اللَّه حتى تكون كالجبل، كما دلّ عليه حديثُ أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة، من كسب طيِّبٍ، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، وإن اللَّه يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربيَ أحدكَم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل". متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- نحوه برقم ٤٨/ ٢٥٢٥. (ومنها): أن الكلمة الطيّبة تكون وِقايةً عن النار كصدقة المال، وقد ثبت كونها صدقة، فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كلُّ سُلامَى من الناس، عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويُعين الرجل على دابته، فيحمله عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويُمِيط الأذى عن الطريق صدقة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٤ - (بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَة) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على التحريض على الصدقة. و"التحريض": مصدر حرّضه على الشيء: إذا حضّه، وحثّه عليه. قال الجوهريّ: التحريض على القتال: الحثّ، والإحماء عليه. قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وقال الزجّاج: تأويله: حُثَّهم على القتال، قال: وتأويل التحريض في اللغة أن تَحُثَّ الإنسانَ حَثًّا يَعلم منه أنه حارضٌ إن تخلّف عنه، قال:

стр. 12136

والحارض الذي قد قارب الهلاك. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٥٤ - (أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: وَذَكَرَ عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ, فَجَاءَ قَوْمٌ عُرَاةً, حُفَاةً مُتَقَلِّدِي (٢) السُّيُوفِ, عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ, بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ, فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ, فَدَخَلَ, ثُمَّ خَرَجَ, فَأَمَرَ بِلَالاً, فَأَذَّنَ, فَأَقَامَ (٣) الصَّلَاةَ, فَصَلَّى, ثُمَّ خَطَبَ, فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] وَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] , تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ, مِنْ دِرْهَمِهِ, مِنْ ثَوْبِهِ, مِنْ صَاعِ بُرِّهِ, مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ", حَتَّى قَالَ: - "وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ", فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ, كَادَتْ كَفُّهُ تُعْجِزُ عَنْهَا, بَلْ قَدْ عَجَزَتْ, ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ, حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ, مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ, حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ, كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً, فَلَهُ أَجْرُهَا, وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا, مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا, وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً, فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا, وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا, مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»). رجال هذا الإسناد: ستة. ١ - (أزهر بن جَمِيل) بن جَنَاح الهاشميّ مولاهم، أبو محمد البصريّ الشَّطِّيّ -بفتح الشين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة-، صدوقٌ يُغرِبُ [١٠]. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الكلاباذيّ: مات سنة (٢٥١). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث فقط برقم ٢٥٥٤ و ٣٤٦٣ و ٤٠٠٠ و ٤٨٦٤ و ٥٤٩٨. ٢ - (عون بن أبي جحيفة) وهب بن عبد اللَّه السُّوَائيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ١٠٣/ ١٣٧. ٣ - (المنذر بن جرير) بن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ، مقبول [٣]. روى عن أبيه. وعنه عبد الملك بن عُمير، وعون بن أبي جُحَيفة، وأبو إسحاق السبيعي، والضحّاك بن المنذر، وأبو حيان التيميّ، على خلاف فيه. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف

стр. 12137

خمسة أحاديث برقم ٢٥٥٤ و ٣٤٦٣ و ٤٠٠٢ و ٤٨٦٦ و ٥٥٠٠. ٤ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -، المتوقى سنة (٥١ هـ) وقيل: بعدها، تقدمت ترجمته في ٤٣/ ٥١. والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول بصريون، والثاني كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عون بن أبي جُحَيفة أنه (قال: سَمِعتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِير، يُحَدِّثُ عَنْ أَبيهِ) جرير ابن عبد اللَّه ﵁ (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أي في أوّله (فَجَاءَ قَوْمٌ) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير: " جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول اللَّه ﷺ ، عليهم الصوف … ". (عُرَاة) جمع عارٍ، بالرفع صفة لـ "قوم"، والمراد أنهم لم يلبسوا الثيابَ المعتادَ لبسُهَا، وإنما أولناه بهذا؛ لأنّ في رواية مسلم المذكورة أنّ عليهم الصوفَ، فهم لابسو الصوفِ (حُفَاة) جمع حافٍ، اسم فاعل، مني حَفِي الرجلُ يَحْفَى، من باب تَعِبَ حَفَاءً، مثل سَلَام: إذا مشى بغير نَعْلٍ، ولا خُفٍّ، وهو بالرفع أيضًا صفة بعد صفه لـ "قوم". وزاد في رواية مسلم، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة: "مُجتابي النِّمَار، أو العباء". و"مجتابي": اسم فاعل من اجتابَ الشيءَ: إذا خَرَقه، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]. أي خَرَقوا النمار، وقَوَّرُوا وسطها. و"النمار" -بكسر النون- جمع نَمِرَة -بفتح النون: وهي ثياب من صوف، فيها تنمير. و"العباء" بفتح العين، والمد، جمع عباءة، وعَبَاية، لغتان. وهي أكسيةٌ غِلَاظٌ مُخَطَّطة (١). (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالإضافة: أي معلّقي السيوف على أعناقهم. وفي نسخة: "متقلدين السيوفَ"، بلا إضافة، وعليه فـ "السيوفَ" منصوبٌ على المفعوليّة (عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ) أي غالبهم من قبيلة مضر (بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ) هذا إضرابٌ إلى التحقيق، فقوله: "عافتهم" كان عن عدم تحقيق، واحتمال أن يكون بعضهم من غير مضر، أوَّلَ الوَهْلَة،

стр. 12138

ثمّ تبيّن له أن كلهم من مضر، فأخبر به، فـ "بل" للإضراب الانتقاليّ، تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه، وتنقل الحكم إلى ما بعدها، كما هو مقرّرٌ في محلّه من كتب النحاة (فَتَغَيَّرَ) وفي رواية مسلم: "فتمعّر"، وهو بالعين المهملة، بمعنى تغيّر (وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِمَا رَأَى بهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ) أي الفقر والحاجة (فَدَخَلَ) أي دخل ﷺ بيته، ولعله لاحتمال أن يجد ما يدفع به فاقتهم (ثُمَّ خَرَجَ) لعله لم يجد في البيت شيئًا (فَأَمَرَ بِلَالًا) - رضي اللَّه تعالى عنه - أن يؤذّن (فَأَذنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أي ثم أمره بالإقامة، فأقام. وفي نسخة "وأقام" بالواو (فَصَلَّى) أي صلّى النبيّ ﷺ إماما للناس (ثُمَّ خَطَبَ) فقرأ ﷺ في خطبته أول سورة النساء؛ تذكيرًا لهم أنهم كلهم من أصل واحد، فينبغي لهم أن يَعطِف بعضُهم على بعض (فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أمر اللَّه تعالى خلقَهُ بتقواه، وهي عبادته وحده، لا شريك له، ونبّههمَ على قدرته التي خلقهم بها (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهي آدم ﵇ (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وهي حوّاء ﵍، خُلقت من ضِلْعه الأيسر من خلفه، وهو نائمٌ، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه. وفي الحديث الصحيح: "إن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الصلاة أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها، وفيها عوج" (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) أي وذَرَأَ من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوأنهم، ولغاتهم (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي اتقوه بطاعتكم إياه (الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ) حيث تقولون: أسألك باللَّه (وَالْأَرْحَامَ) بالنصب أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، بل بِرّوها، وصِلُوها. وقرأ بعضهم: ﴿بالأرحام﴾ بالجرّ عطفًا على الضمير في "به"، أي تساءلون باللَّه، وبالأرحام ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]) أي مراقب لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] وفي الحديث الصحيح: اعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب، وإنما ذكر اللَّه أنّ أصل الخلق من أب واحد، وأمّ واحدة؛ لِيُعَطِّفَ بعضَهُم على بعض، ويحثّهم على ضعفائهم (١). وهذا هو سبب قراءة النبيّ ﷺ لهذه الآية في هذه المناسبة، حيث إنها أبلغ في تثبيت الأخوّة بين المؤمنين، وقوّة ترابطهم جنسًا، وعقيدةً، المقتضي لعطف بعضهم على بعض. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12139

(وَ) قرأ أيضًا الآية التي في سورة الحشر، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمرٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين بتقواه، وهو يشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم، وعَرْضكم على ربّكم. وسبب قراءته ﷺ هذه الآية أنها أبلغ في الحثّ على الصدقة، كما أن الآية المتقدّمة أبلغ في الترابط بين أجناس بني آدم. واللَّه تعالى أعلم. (تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ) قال أبو البقاء الْعُكبَريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "إعراب الحديث": يحتمل أحد وجهين: [أحدهما]: أن يكون أراد الشرط، أي إن تصدّق رجلٌ، ولو بشيء حقير من ماله أُثيب، وحُذف حرف الشرط وجوابه للعلم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] تقديره: إن أقمتَ على الطاعة. [والوجه الثاني]: أن يكون الكلام محمولاً على الدعاء، فكأنّه قال: رَحِم اللَّه امرأً تصدّق، كما قالوا: امرءًا اتقى اللَّه، أي رحم اللَّه، وجعل الفاعل، وهو قوله: "رجلٌ" مفسرًا للمنصوب المحذوف. ويحتمل وجهًا ثالثًا: وهو أن يكون على الخبر، أي تصدّق رجلٌ من غيركم بكذا وكذا، فأُثيب، والغرض منه حثّهم على الصدقة، وأنّ غيرهم تصدّق بمثل ذلك، فأُثيب، فحكمهم كحكمه انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها العكبريّ فيها بعدٌ، وتكلّفٌ لا يخفى. وقيل: هو مجزومٌ بلام أمر مقدّرة، أصله ليتصدّق، وهذا الحذف مما جوّزه بعض النحاة. وفيه أنّ حقّه حينئد أن يكون يتصدّق -بياء تحتيّة، بعدها تاء فوقيّةٌ- ولا وجه لحذفها. فالصواب عندي أن صيغته صيغة خبرٍ ومعناه الأمر، ولا يقال: إن كونه خبرًا لا يساعده قوله: "ولو بشقّ تمرة"؛ لأنّنا نقول: إنما يتوجه ذلك لو كان خبرًا معنًى أيضًا، وأما إذ كان أمرًا معنًى فلا يتوجّه هذا الاستشكال. والحاصل أنّ هذا خبر بمعنى الأمر، أي ليتصدّق، وإنما عبّر بصيغة الخبر؛ حثًّا

стр. 12140

للمخاطبين على امتثاله، وترغيبًا لهم في حصوله منهم، وكونه بصيغة الماضي أبلغ في ذلك. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- نحو هذا الإعراب في كتابه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" في أثر عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -: "إذا وسّع اللَّه، فأوسعوا، صلى رجلٌ في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ وقباء". قال: تضمّن هذا الحديث فائدتين: [إحداهما]: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو "صلّى رجلٌ"، والمعنى: ليصلّ رجلٌ، ومثله في كلام العرب: اتّقى اللَّه امرؤٌ فعل خيرًا يُثبْ عليه. والمعنى: ليتّق، وليفعل. ولكونه بمعنى الأمر جيء بعده بجواب مجزوم، كما يُجاء بعد الأمر الصريح. وأكثر مجيء الماضي بمعنى الطلب في الدعاء، نحو نصر اللَّه من والاك، وخَذَل من عاداك. [والفائدة الثانية]: حذف حرف العطف، فإن الأصل: صلى رجلٌ في إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء، فحذف حرف العطف مرَّتين؛ لصحّة المعنى بحذفه. ونظير هذا الحديث في تضمّن الفائدتين قول النبيّ ﷺ : "تصدّق امرؤٌ من ديناره، من درهمه، من صاع برّه، من صاع تمره" انتهى كلام ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو توجيه نفيس. واللَّه تعالى أعلم. (مِنْ دِرْهَمِهِ) معطوفٌ بحرف عطف مقدر، كما بينه ابن مالك في كلامه المذكور آنفًا، وكذا ما بعده (مِنْ ثَوْبِهِ، من صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ) النبيّ ﷺ (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) أي ليتصدّق، ولو كانت صدقته قليلة، كشِقّ تمرة، أي نصفها (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ بِصُرَّةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء: وعاء الدراهم، والدنانير، جمعها صُرَرٌ، مثلُ غُرْفَة وغُرَفِ (كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجزُ عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضَرَب، وعَجِزَ -بكسر الجيم- يَعْجَز -بفتحها- عَجَزًا -بفتحتين، من باب تَعِبَ، لغةٌ لبعض قَيسِ عَيْلَانَ، ذكرها أبو زيدٍ. وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يُقال: عَجِزَ الإنسان -بالكسر- إلا إذا عَظُمت عَجِيزَته. ذكره في "المصباح" (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) "بل" في مثل هذا للإضراب الإبطاليّ، أخبر أوّلًا بأنّ كفّ الرجل قاربت العجز، ثم تبين له أنها عجزت حقيقة، فأخبر به، والمراد أن الرجل تصدق بمال كثير. (ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ) أي تبع بعضهم بعضًا في المجيء بالصدقة (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ)

стр. 12141

بفتح الكاف، وضمّها. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ضبطه بعضهم بالفتح، وبعضهم بالضمّ. قال ابن سراج: هو بالضمّ اسمٌ لما كُوِّمَ، وبالفتح المرّة الواحدة، قال: والكُومة -بالضمّ-: الصُّبْرة، والكُوم العظيم من كلّ شيء، والكوم المكان المرتفع، كالرابية. قال القاضي: فالفتح هنا أولى؛ لأنّ مقصوده الكثرة، والتشبيه بالرابية انتهى (١) (مِنْ طَعَام وَثِيَابٍ) بيان للكوم (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ) أي يَستنير فرَحًا وسُرورًا (كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ضبطوه بوجهين: [أحدهما]: وهو المشهور، وبه جزم القاضي، والجمهور "مُذْهَبةٌ" بذال معجمة، وفتح الهاء، وبعدها باءٌ موحّدة. [والثاني]: -ولم يذكر الحُمَيديّ في "الجمع بين الصحيحين" غيره- "مُدْهُنَة" -بدال مهملة، وضم الهاء، وبعدها نون- وشرحه الحميديّ في كتابه "غريب الجمع بين الصحيحين"، فقال: هو وغيره ممن فسّر هذه الرواية، إن صحّت: الْمُدهُن: الإناء الذي يُدهَن فيه، وهو أيضًا اسمٌ للنقرة في الجبل التي يُستَنْقَع فيها ماءُ المطر، فشبّه صفاء وجهه الكريم ﷺ بإشراق السرور بصفاء هذا الماء الْمُستَنقع في الحجر، أو بصفاء الدُّهْن والْمُدْهُن. وقال القاضي عياض في "المشارق" وغيره من الأئمة: هذا تصحيفٌ، وهو بالذال المعجمة، والباء الموحّدة، وهو المعروف في الروايات، وعلى هذا ذكر القاضي وجهين في تفسيره: [أحدهما]: معناه فضّة مُذهبة، كما قال الشاعر: كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ ويعني به تشبيه إشراق وجهه وتنويره، فهو أبلغ في ذلك. [والثاني]: شبهه في حسنه، ونوره بالمذهبة من الجلود، والسُّرُوج، والأقداح، وغير ذلك، وجمعها مذاهب، وهي شيءٌ كانت العرب تصنعه من جلود، وتَجعَل فيها خطوطًا مُذْهَبَة، يُرَى بعضها إثرَ بعض. وأما سبب سروره ﷺ ، فهو الفرح بمبادرة المسلمين إلى طاعة اللَّه تعالى، وبذلِ أموالهم للَّه، وامتثال أمر رسول اللَّه ﷺ ، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البرّ والتقوى، فينبغي للإنسان إذا رأى

стр. 12142

شيئًا من هذا القبيل أن يفرح، وُيظهر سروره، ويكون فرحه لما ذكرناه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه"، بزيادة من "المفهم" (١). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن سَنَّ فِي الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً) أي من أتى بطريقة مرضيّة، يُقتَدَى به فيها، كما فعل الأنصاريّ الذي أتى بصُرّة، يقال: سنّ الطريقةَ: إذا سار فيها، كاستسنّها، قاله في القاموس. والسنّة الحسنة هي: الطريقة المحمودة، التي يدلّ عليها الكتاب والسنّة (فَلَهُ أَجْرُهَا) أي أجر عملها (وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بَهِا) ظاهره أنّه يحصل له الأجر، ولو لم ينو المبتدىء أن يُتّبع فيها، ففيه ثبوت الأجر مع عدم نيّة الفاعل، فيكون مخصّصًا لحديث "إنما الأعمال بالنيّة"، واللَّه تعالى أعلم (مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) "نقص" يتعدّى، ويلزم، يقال: نَقَصَ المالُ نَقْصًا، وانتقص: إذا ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] الآية، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، وبتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدا حقّه، وانتقصته مثله. أفاده الفيّوميّ. وما هنا من المتعدّي بنفسه، ولهذا نَصَبَ قوله: "شيئًا" (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإسلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أي من فعل فعلًا قبيحًا، فاقتُدِي به فيه. والسنّة السيّئة هي الطريقة المذمومة، وهي التي تُبتدَع بعد تمام الدين على أنها منه، وهي الْمَعْنِيّة بقوله ﷺ : "كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار" (فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا) - بكسر، فسكون-: الإثم، والثِّقَل، يقال: وَزَرَ يَزِرُ، من باب وَعَدَ: إذا حمل الإثمَ، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الأنعام: ١٦٤]. والجمع أوزارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمالٍ. أي عليه إثم فعلها (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بَها) أي ومثل وزر من عمل بها، وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ لأنّ هذا فعله، لا فعل غيره، وذلك لأنه ابتدأ هذه السنّة السيّئة، وتبعه عليها غيره، فصار سببًا في الشرِّ، فالإثم جاءه من تسبّبه. واللَّه تعالى أعلم. ("مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيئًا") يعني أنهم يتحمْلون أوزار عملهم السيّء كاملة، وهو يتحمّل وزر تسبّبه في ذلك. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وسبب هذا الكلام في هذا الحديث، أنه قال في أوّله: "فجاء رجلٌ بِصُرَّة، كادت كفّه تَعْجِزُ عنها"، ثمّ تتابع الناس"، وكان الفضل العظيم للبادىء بهذا الخير، والفاتحِ لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ : "كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة"، وأن

стр. 12143

المراد به المحدثات الباطلة، والبدع المذمومة، قال: والبدع خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومباحة. انتهى كلامه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام النوويّ هذا فيه نظرٌ من وجهين: [الأول]: دعواه التخصيص المذكور، فإنه غير صحيح، بل عموم حديث كلّ محدثة بدعة الخ" باق على ظاهره، فإن المراد بالبدعة هي البدعة الشرعيّة، وهي التي ابتُدعت بعد إكمال اللَّه تعالى الدينَ بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية، فلا يشهد لها كتابٌ، ولا سنّة، كما بيّن ذلك النبيّ ﷺ فيما أخرجه الشيخان، بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه" الحديث، فقد بيّن أن إحداث ما دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس من البدعة شرعًا، وإن كان يسمّى بها لغة. والحاصل أن البدعة اللغويّة أعمّ من البدعة الشرعيّة، حيث إنها تطلق على ما يدلّ عليه النصّ، وما لا يدلّ عليه، بخلاف الشرعيّة، فإنها لا تطلق إلا على ما لا يدلّ عليه دليل، فكلّ بدعة شرعيّة بدعة لغويّة، ولا عكس، فقوله: "كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة" لا يُخص منه شيء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. [والثاني]: أن تقسيمه لمطلق البدعة إلى خمسة أقسام غير صحيح، فإن هذا التقسيم للبدعة اللغويّة، لا للشرعيّة، فإنها قسم واحد مذموم. والحاصل أن الذي يقبل التقسيم المذكور هو اللغويّ، ومنه قول عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -: "نعمت البدعة" للتراويح، فإنه محمول على المعنى اللغويّ، وكذلك ما نُقل عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وغيره من تقسيمهم البدعة إلى محمودة ومذمومة، أو بدعة حسنة، وبدعة غير حسنة محمول على هذا المعنى، فتبصّر، ولا تتحيّر. وقد بسطت الكلام على هذا في غير هذا المحلّ من هذا الشرح (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جرير بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٤/ ٢٥٥٤ - وفي "الكبرى" ٦٦/ ٢٣٣٥. وأخرجه (م) في "الزكاة" ١٠١٧ (ت) في "العلم" ٢٦٧٥ (ق) في "المقدمة" ٢٠٣ (أحمد) في مسند الكوفيين" ١٨٦٧٥ و ١٨٦٩٣ و ١٨٧٠١ (الدارميّ) ٥١٢. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12144

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو التحريض على الصدقة (ومنها): كمال رحمة النبيّ ﷺ لأمته، وشدة رأفته بهم، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (ومنها): استحباب جمع الناس للأمور المهمّة، ووعظهم، وحثّهم على مصالحهم، وتحذيرهم من القبائح (ومنها): الحثّ على الابتداء بالخيرات، وسَنّ السنن الحسنات (ومنها): التحذير من البدع والخرافات التي لا يؤيّدها دليلٌ شرعيّ، بل يردّها، ويبطلها (ومنها): أن بعض الأفعال لا ينقطع ثوابها، وكذا لا ينتهي وزرها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشرّ، أخرج ابن ماجه عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله اللَّه مفتاحًا للخير، مِغْلاقًا للشرّ، وويلٌ لعبد جعله اللَّه مفتاحًا للشرّ، مِغْلاقًا للخير". وسنده ضعيف، وقد حسنه الشيخ الألباني ﵀، وإن كان في تحسينه نظر، راجع "السلسلة الصحيحة" جـ٣ ص ٣٢٠ - ٣٢١ رقم ١٣٣٢. جعلنا اللَّه تعالى من عباده الذين جعلهم مفتاحًا للخيرات، ومغلاقًا للشرّ والسيئات، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ, عَنْ حَارِثَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ, يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ, فَيَقُولُ الَّذِي يُعْطَاهَا: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ قَبِلْتُهَا, فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهجيميّ البصري الحافظ الثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (معبد بن خالد) الْجَدَلي الكوفيّ، ثقة عابد [٣] ٣٩/ ١٤٢٢. ٥ - (عَنْ حَارِثَةَ) بن وهب الخزاعيّ صحابيّ، نزل الكوفة، وكان عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - زوج أمه، تقدم في ٣/ ١٤٤٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفييان. (ومنها): أن

стр. 12145

صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث فقط، حديث الباب عند الشيخين، والمصنف، وحديث في الصلاة عندهم إلا ابن ماجه، وحديث "ألا أخبركم بأهل الجنة … " عندهم إلا أبا داود، وحديث الحوض عند الشيخين، وحديث "لا يدخل الجنّة الْجَوَّاظ … " عند أبي داود انظر "تحفة الأشراف" ٣/ ١٠/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حَارِثَةَ) بن وهب الخزاعيّ ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا) أَمرٌ بالصدقة، ثم علّل الأمر بها بالفاء التعليليّة، فقال (فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ) طالبًا للمحتاج حتى يدفعها إليه (فَيَقُولُ الَّذِي يُعْطَاهَا) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الموصول، والمنصوب يعود إلى الصدقة، والمعنى: يقول الذي يُراد أن يُعطَى الصدقة، أي يريد المتصدّق إعطاءه إيّاها (لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ قَبلْتُهَا) لاحتياجي إليها فيه (فأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا) وفي رواية البخاريّ: "فلا حاجة لي بها"، وفي أخرى: "فيها". والظاهر أن ذلك يقع في آخر الزمان، حين يَفيض المال، كثرةً، عند قرب الساعة، ومن ثمّ أورده البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الفتن"؛ لأن كثرة المال من الفتن. ويدلّ عليه حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، "قال: قال النبي ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فَيَفِيضَ، حتى يِهُمّ ربَّ المال، من يقبل صدقته، وحتى يَعرِضَه، فيقول الذي يَعرِضه عليه: لا أرب لي". متّفق عليه. وحديثُ أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ليأتينّ على الناس زمان، يطوف الرجل فيه بالصدقة، من الذهب، ثم لا يجد أحدا يأخذها منه، ويُرَى الرجلُ الواحد، يتبعه أربعون امرأة، يَلُذْنَ به، من قِلَّةِ الرجال، وكثرة النساء"، متّفق عليه. وقال ابن التين -رحمه اللَّه تعالى-: إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى ﵇، حين تُخرِجُ الأرض بركاتها، حتى تُشبع الرُّمّانةُ أهلَ البيت، ولا يبقى في الأرض كافر انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن التين -رحمه اللَّه تعالى- محتملٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حارثة بن وهب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٤/ ٢٥٥٥ - وفي "الكبرى" ٦٦/ ٢٣٣٦. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤١١ (م) في "الزكاة" ١٠١١ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٢٥١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12146

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الصدقة (ومنها): استحباب المبادرة إلى الخير قبل فوات وقته (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيقع في آخر الزمان (ومنها): أن فيه دلالة على أن فتح الدنيا لا خير فيه؛ لأنه لو كان فيه خير لكان زمان النبيّ ﷺ ، وزمان أصحابه، والتابعين تُفتح فيه الدنيا أكثر من آخر الزمان، فدلّ على أنه من جملة الفتن التي تقع عند قرب الساعة، نسأل اللَّه تعالى أن يجنّبنا الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، وغافر السيّئات آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٥ - (الشَّفَاعَةُ فِي الصَّدقَةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على مشروعية الشفاعة في الصدقة، وأن ذلك ليس من المسألة المذمومة الآتي بيانها في باب "المسألة"، إن شاء اللَّه تعالى. ومعنى الشفاعة في الصدقة أن يشفع الشخص للفقير عند الغنيّ حتى يدفع إليه الصدقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «اشْفَعُوا, تُشَفَّعُوا, وَيَقْضِى اللَّهُ , عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بندار البصريّ الثقة الحافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الإمام المثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو بُرْدة) هو: بُريد بن عبد اللَّه بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة يخطىء قليلًا [٦] ٢٥/ ١٥٠٣. ٥ - (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، اسمه: عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.

стр. 12147

٦ - (أبو موسى الأشعري) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضار الصحابي الشهير، توفي سنة (٥٠) وقيل: بعدها، وتقدم ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخه، ويحيى بصريان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جده، عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "اشْفَعُوا") وفي رواية البخاريّ: "أنه كان إذا أتاه السائل، أو صاحب الحاجة قال: "اشفعوا، فلتؤجروا، ولْيَقْضِ اللَّهُ على لسان رسوله ما شاء". وفي رواية لمسلم: "كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه، فقال: اشفعوا فلتؤجروا، وليقض اللَّه على لسان نبيه ما أحبّ". [تنبيه]: قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقع في أصل مسلم: "اشفعوا تؤجروا" بالجزم على جواب الأمر المضمّن معنى الشرط، وهو واضح، وجاء بلفظ: "فلتؤجروا"، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورةً؛ لأنها لام "كي"، وتكون الفاء زائدةً، كما زيدت في حديث: "قوموا فلأصلّ لكم"، ويكون معنى الحديث: اشفعوا كي تؤجروا. ويحتمل أن تكون لام الأمر، والمأمور به التعرّض للأجر بالشفاعة، فكأنّه قال: اشفعوا، فتعرّضوا بذلك للأجر، وتكسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تسكينها تخفيفًا؛ لأجل الحركة التي قبلها. قال الحافظ: ووقع في رواية أبي داود: "اشفعوا لتؤجروا"، وهو يقوّي أن اللام للتعليل. وجوّز الكرمانيّ أن تكون الفاء سببيّةً، واللام بالكسر، وهي لام "كي"، قال: وجاز اجتماعهما لأنهما لأمر واحد. ويحتمل أن تكون جزائيّةً جوابًا للأمر. ويحتمل أن تكون زائدةً على رأي، أو عاطفةً على "اشفعوا"، واللام لام الأمر، أو على مقدّر، أي اشفعوا لتؤجروا، فلتؤجروا، أو لفظ "اشفعوا تؤجروا" في تقدير: إن تشفعوا تؤجروا، والشرط يتضمّن السببيّة، فإذا أُتي باللام وقع التصريح بذلك. وقال الطيبيّ: الفاء، والسلام زائدتان للتأكيد؛ لأنه لو قيل: اشفعوا تؤجروا صحّ، أي إذا عَرَضَ المحتاجُ حاجته عليّ، فاشفعوا له إليّ، فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر، سواء قَبِلتُ شفاعتكم، أم لا، ويُجرِي اللَّه تعالى على لسان نبيّه ﷺ ما شاء، أي من موجبات

стр. 12148

قضاء الحاجة، أو عدمها، أي إنْ قضيتُها، أو لم أقضها، فهو بتقدير اللَّه تعالى وقضائه (١). (تُشَفَّعُوا) بالبناء للمفعول، من التشفيع، أي تُقبَلْ شفاعتكم أحيانًا، فتكون سببًا لقضاء حاجة المحتاج، فإذا قصدتم ذلك يكون لكم أجر على الشفاعة. وفي رواية "الصحيحين": "اشفعوا تؤجروا"، وهي في حديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - التالي، وهي ظاهرة. والمعنى: اشفعوا يحصلْ لكم الأجر مطلقًا، سواء قُضيت الحاجة، أو لا. وما هنا أيضًا له وجه صحيحٌ، كما بينّاه آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. (وَيَقْضِي اللَّهُ ) وفي رواية للبخاريّ: "وليقض اللَّه"، وفي رواية لمسلم: "فليقض". قال القرطبيّ: لا يصحّ أن تكون هذه اللام لام الأمر؛ لأنّ اللَّه لا يُؤمر، ولا لام "كي"؛ لأنه ثبت في الرواية "وليقض" بغير ياء مدّ، ثم قال: يحتمل أن تكون بمعنى الدعاء، أي اللَّهمّ اقض، أو الأمرُ هنا بمعنى الخبر. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الوجه الثاني عندي أظهر. واللَّه تعالى أعلم. (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) ﷺ (مَا شَاءَ) أي إنّ اللَّه يقضي للمشفوع له على لسان نبيّه ﷺ ما شاء من قضاء حاجاته، أو عدم قضائها، يعني أن المطلوب منكم حصول الشاعة، حتى يحصل لكم الأجر، وأما قضاء الحاجة، وعدم قضائها فموكول إلى اللَّه . قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة، سواء كانت الشفاعة إلى سلطان، ووالٍ، ونحوهما، أو إلى أحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كفّ ظلم، أو إسقاط تعزيرٍ، أو في تخليص عطاء لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود فحرامٌ، وكذا الشفاعة في تتميم باطلٍ، أو إبطال حقّ، ونحو ذلك، فهي حرامٌ انتهى (٢). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج، والرغبات للسلطان، وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث، ومَسَاقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب؛ لأنها من باب صنائع المعروف، وكشف الكرب، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى السلطان، وذوي الأمر، ولذلك كان النبيّ ﷺ يقول مع تواضعه، وقربه من الصغير والكبير؛ إذ كان لا يحتجب، ولا يُحجَبُ: "أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها" (٣). وهذا معنى قوله

стр. 12149

تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ الآية [النساء: ٨٥]. قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حدّ فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه، والعفو عنه إذا رأى ذلك كلّه، كما له العفو عن ذلك ابتداء، وهذا فيمن كانت منه الزّلّة والفلتة، وفي أهل الستر، والعفاف، وأما المصرّون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا تَركُ السلطان عقوبتهم ليزدجروا عن ذلك، وليرتدع غيرهم بما يُفعَلُ بهم، وقد جاء الوعيد بالشفاعة في الحدود انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وقد جاء الوعيد إلخ" أشار به إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود وغيرهما بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه، فقد ضادّ اللَّه في أمره، ومن مات وعليه دين فليس ثمّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل، وهو يعلم لم يزل في سخط اللَّه حتى يَنْزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حُبسَ في ردغة الخَبَال، حتى يأتي بالخرج مما قال" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٥/ ٢٥٥٦ - وفي "الكبرى" ٢٣٣٧/ ٦٧. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٣٢ وفي "الأدب" ٦٠٢٧ و ٦٠٢٨ وفي "التوحيد" ٧٤٧٦ (م) في "البرّ والصلة" ٢٦٢٧ (د) في "الأدب" ٥١٣١ و ٥١٣٢ (ت) في "العلم" ٢٦٧٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٩٠٨٧ و ١٩١٦٣ و ١٩٢٠٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الشفاعة في الصدقة (ومنها): الحضّ على الخير بالفعل، وبالتسبب إليه بكلّ وجه (ومنها): الشفاعة إلى الكبير في كشف كربة، ومعونة ضعيف؛ إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس، أولا يتمكّن لو دخل عليه، في توضيح مراده له؛ ليعرف حاله على وجهه،

стр. 12150

وإلا فقد كان ﷺ -لا يحتجب، ولا يُحجب عن ذوي الحاجات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٥٧ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ, عَنْ أَخِيهِ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي الشَّيْءَ, فَأَمْنَعُهُ, حَتَّى تَشْفَعُوا فِيهِ, فَتُؤْجَرُوا, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) الأيليّ السعدي مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠] ٢٥/ ٢٤٨٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثر الجمحي مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (ابن منبّه) هو: وهب بن منبّه بن كامل بن سِيج بن ذي كِبار الذِّمَاريّ الأبناويّ- بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها نون- أبو عبد اللَّه اليمانيّ الصنعانيّ، ثقة [٣]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان من أبناء فارس. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، وكان على قضاء صنعاء. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عمرو بن عليّ الفلّاس: كان ضعيفًا (١). وقال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت مسلمة بن همّام بن مسلمة بن همّام بن منبّه، يذكر عن آبائه، قال: أصل منبّه من خراسان، من أهل هَرَاة، أخرجه كسرى من هراة -يعني إلى اليمن- فأسلم في عهد النبيّ ﷺ ، فحسن إسلامه، فسكن ولده اليمن، وكان وهب بن منبّه يختلف إلى هراة، ويتفقّد أمرها. وقال أحمد، عن عبد الرزّاق، عن أبيه: حجّ عامّة الفقهاء سنة مائة، فحجّ وهب، فلما صلّوا العشاء أتاه نفرٌ فيهم عطاء، والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر، قال: فافتنّ (٢) في باب من الحمد، فما زال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا، ولم يسألوه عن شيء. قال أحمد: كان يُتّهم بشيء من القدر، ثم رجع. وقال أحمد بن سلمة، عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبّه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء في كلها: من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة، فقد كفر، فتركت قولي. وقال الجُوزجانيّ: كان وهبٌ كتب
следующие страницы →