(حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) أي قرُبنا منها (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَحِلَّ) أي يجعل نسكه عمرة. ولْي بقاء هذا الحكم خلاف، والحقّ بقاؤه، كما هو مذهب الإمام أحمد، وعليه المصنّف، وجمهور المحدّثين، وسيأتي تمام البحث فيه في-٧٧/ ٢٨٠٣ - باب "إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ ٢٦٥٠ و ٤٨/ ٢٧١٧ و ٢٧١٨ و ٥١/ ٢٧٤١ و ٥٨/ ٢٧٦٤ و ٧٧/ ٢٨٠٣ و ٢٨٠٤ و ١٨٥/ ٢٩٩٠ و ١٨٦/ ٢٩٩١ وفي "الطهارة" ١٥١/ ٢٤٢ و ١٨٣/ ٢٩٥ و"الحيض" ١/ ٣٤٨ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٣٦٣٠ و ٤٨/ ٣٦٩٦ و ٣٦٩٧ و ٣٦٩٨ و ٥١/ ٣٧٢١ و ٥٧/ ٣٧٤٥ و"الحيض" ١٦٣/ ٢٨٣.
وأخرجه (خ) في "الحيض" ٢٩٤ و ٣٠٥ و ٣١٦ و ٣١٧ و ٣١٩ و"الحجّ" ١٥١٨ و ١٥٥٦ و ١٥٦٠ و ١٥٦١ و ١٦٣٨ و ١٦٥٠ و ١٧٠٩ و ١٧٢٠ و ١٧٨٣ (م) في "الحجّ" ١٢١١ و ١٢٢٨ و (د) في "المناسك" ١٧٥٠ و ١٧٧٨ و ١٧٧٩ و ١٧٨١ و ١٧٨٢ و (ت) في "الحجّ" ٩٤٥ (ق) في "المناسك" ٢٩٦٣ و ٢٩٨١ و ٣٠٠٠ و ٣٠٧٥ و"الأضاحي" ٣١٣٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٥٦ و ٢٣٥٨٩ و ٢٤٣٥٥ و ٢٤٧٧٩ و ٢٤٧٨٨ و ٢٤٩١٣ و ٢٥٠٥٠ و ٢٥٠٩١ و ٣٥٣١٠ و ٢٥٥٣٤ و ٢٥٥٥٤ و ٢٥٥٧٨ و ٢٧٦٥٤ و ٢٥٨١٢ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٤٦ و ٨٩٦ و ٩٤٠ و ٩٤١ و (الدارمي) في "المناسك" ١٨٤٦ و ١٩٥٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الوقت الذي خرج فيه النبيّ ﷺ من المدينة إلى مكّة للحجّ، وهو لخمس بقين من ذي القَعدة، على ما تقدّم إيضاحه (ومنها): أن الحجّ ليس خاصًّا بالرجال، بل يعمّ النساء أيضًا (ومنها): مشروعيّة حجّ الرجل مع امرأته (ومنها): أَمْرُ من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ بعمل العمرة، وعليه المحقّقون من أهل الحديث والفقه كما سيأتي تحقيقه في بابه إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختُلف في يوم خروجه ﷺ على ثلاثة أقوال:
стр. 12462
(الأول): أنه خرج يوم الجمعة، وهذا وَهَمٌ قبيح، وخطأ فاحش، تردّه الروايات الصحيحة, إذ من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه ﷺ صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين.
(القول الثاني): ما ذهب إليه ابن حزم، واختاره العينيّ في "شرح البخاريّ" أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، لستّ بقين من ذي القعدة. حكى هذا القول ابنُ القيّم في "الهدي" عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصّلاً، ثم بسط في الرّدّ عليه، وسيأتي شيء من كلامه مع الجواب عنه.
(القول الثالث): ما اختاره المحقّقون من شُرّاح الحديث، وأصحاب التواريخ أنّ خروجه ﷺ كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت. وبه جزم ابن القيّم في "الهدي"، وهو ما اختاره الحافظ في "الفتح"، إذ قال في شرح قول ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "وذلك لخمس بقين من ذي القعدة": ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة، واحتجّ به ابن حزم في "كتاب حجة الوداع" له على أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس بلا شكّ؛ لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس: "لخمس" يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة، بناءٌ على ترك يوم الخروج، وقد ثبت أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، كما سيأتي من حديث أنس ﵁، فتبيّن أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعيّن أنه يوم الخميس.
وتعقّبه ابن القيّم بأن المتعيّن أن يكون يوم السبت، بناء على عدّ يوم الخروج، أو على ترك عدّه، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا انتهى. ويؤيّده ما رواه ابن سعد، والحاكم في "الإكليل" أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم السبت، لخمس بقين من ذي القعدة. وقال الحافظ أيضًا: جزم ابن حزم بأن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس. وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس قطعًا؛ لما ثبت، وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، وتعيّن أن أول الشهر يوم الخميس، فلا يصحّ أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في "الصحيحين" عن أنس ﷺ : "صلينا الظهر مع النبيّ ﷺ بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين". فدلّ على أنّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويُحمَل قول من قال: "لخمس بقين" أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضيّ أربع ليال، لا خمس. وبهذا تتّفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوّى هذا الجمع بقول جابر ﵁ أنه خرج لخمس بقين، أو أربع، وكان دخوله ﷺ مكّة صُبْحَ رابعة، كما ثبت في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيّد أن
стр. 12463
خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدّم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى انتهى.
وقال في شرح "باب الخروج آخر الشهر" من "كتاب الجهاد": قد استشكل قول ابن عباس، وعائشة ﵂ أنه خرج لخمس بقين؛ لأن ذا الحجة كان أوله الخميس؛ للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة، ولا يصحّ ذلك؛ لقول أنس ﵁: إنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم خرج.
وأجيب بأن الخروج كان السبت، وإنما قال الصحابة: "لخمس بقين" بناء على العدد؛ لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء، فاتّفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقي من الشهر أربع، لا خمس. كذا أجاب به جمع من العلماء.
ويحتمل أن يكون الذي قال: "لخمس بقين" أراد ضمّ يوم الخروج إلى ما بقي؛ لأن التأهّب وقع في أوله، وإن اتّفق التأخير إلى أن صُلّيت الظهر، فكأنهم لَمّا تأهّبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدّوا به من جملة أيام السفر. واللَّه تعالى أعلم.
وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: وجه ما اخترناه أن الحديث صريحٌ في أنه خرج لخمس بقين، وهي يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعدّ يوم الخروج كان لست، وأيّهما كان، فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لستّ ليال بقين، لا لخمس، فلا يصحّ الجمع بين خروجه يوم الخميس، وبين بقاء خمس من الشهر البتّة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمساً بلا شكّ. ويدلّ عليه أن النبيّ ﷺ ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان عادته ﷺ أن يعلّمهم في كلّ وقت ما يحتاجون إليه، إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة، وبينه وبينها بعض يوم، من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخَلْق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحجّ ممكن، بلا تفويت. واللَّه تعالى أعلم (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال أن خروجه ﷺ كان يوم السبت، وبهذا تجتمع الروايات المختلفة في هذا لباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،
стр. 12464
وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
(الْمَوَاقِيتُ)
أي هذه أبواب ذكر الأحاديث الدّالّة على مواقيت الحجّ. ولفظ "الكبرى": "أبواب المواقيت".
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الوقت: مقدار من الزمان مفروض لأمرٍ مّا، وكلّ شيء قدّرت له حينًا، فقد وقّتّه توقيتَا، وكذلك ما قدّرت له غايةً، والجمع أوقات، والميقات: الوقت، والجمع مواقيت، وقد استُعِير الوقت للمكان، ومنه مواقيت الحجّ لمواضع الإحرام، ووقّت اللَّه الصلاةَ توقيتًا، ووَقَتَهَا يَقِتها، من با وعد: حدّد لها وقتًا، ثم قيل لكلّ محدود: مَوْقُوت، ومُوَقَّت انتهى.
وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى- "المواقيت": جمع مِيقات، على وزن مِفْعال، وأصله مِوْقات،، قُلبت الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها، من وَقَتَ الشيءَ يَقِته: إذا بين حدّه، وكذا وَقّته يوقّته، ثم اتُّسع فيه، فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات، والميقات يُطلق على الزمانيّ والمكانيّ، وههنا المراد المكانيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
…
١٧ - (مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)
أي مدينة رسول اللَّه ﷺ ، و"المدينة": المصر الجامع، وزنها فَعِيلةٌ؛ لأنها من مَدَنَ. وقيل: مَفْعِلَة -بفتح الميم- لأنها من دان، والجمع مُدُنٌ، ومدائنُ بالهمز على القول بأصالة الميم، ووزنها فَعَائل، وبغير همز على القول بزيادة الميم، ووزنها مَفَاعل؛ لأن للياء أصلاً في الحركة، فتردّ إليه، ونظيرها في الاختلاف معايش. قاله الفيّوميّ. واللَّه
стр. 12465
تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٥١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَخْبَرَهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ, وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ, وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧.
٣ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) هو: عبد اللَّه ﵄ ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (١٣٣) من رباعايت الكتاب. ومنها: أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق على ما نقل عن الإمام البخاري ﵀. ومنها: أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه فبغلاني، والظاهر أنه دخل المدينة للأخذ من مشايخها. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَهُ) يقدّر قبل أخبره لفظة "أنه" أي أن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أخبر نافعًا. ولفظ "الكبرى": "أن عبد اللَّه بن عمر أخبره"، وهو واضح (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) أي بعد أن سأله سائل عن محلّ الإهلال، ففي رواية الليث الآتية في الباب التالي: "أن رجلاً قام في المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهلّ؟، قال رسول اللَّه ﷺ : "يهلّ … " ("يُهِلُّ) بضمّ الياء، من الإهلال، يقال: أهلّ المحرم: إذا رفع صوته بالتلبية، وكلّ من رفع صوته، فقد أهلّ إهلالاً، واستَهَلّ استهلالاً، بالبناء للفاعل فيهما. قاله في "المصباح".
وهو خبر بمعنى الأمر, لأن خبر الشارع آكد في الطلب من الأمر، والمراد به أنه لا يقدّم الإهلال، ولا يؤخّر عن هذه المواقيت، وبهذا قال بعض أهل العلم، وهو الراجح عندي، وقال الجمهور: المراد أنه لا يؤخّر عنها، إذ التقديم عندهم جائز، وسيأتي تمام البحث في ذلك، قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى
(أَهْلُ الْمَدِينَةِ) النبويّة، أي سُكّانها، ومرّ على ميقاتهم (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) -بضمّ الحاء
стр. 12466
المهملة، وفتح اللام- تصغير الْحَلَفَة -بفتح اللام، وكسرها -، وهي واحد الْحَلْفاء: وهو نبت معروف.
و"ذوالحليفة": موضع معروف بقرب المدينة، بينه وبينها نحو ستّة أميال. قاله النوويّ، وقبله الغزاليّ، والقاضي عياض، ثم قال: وقيل: سبعة أميال. وكذا قال الشافعيّ، كما في "المعرفة"، والمجد في "القاموس"، وياقوت الحمويّ في "معجم البلدان" (١).
وقال ابن حزم: أربعة أميال. وذكر ابن الصبّاغ، وتبعه الرافعي من الشافعيّة أن بينهما ميلاً. قال المحبّ الطبريّ: وهو وهَم، والحسّ يردّ ذلك. وقال الإسنويّ في "المهمات": الصواب المعروف المشاهد أنها ثلاثة أميال، أو تزيد قليلاً.
قال وليّ الدين: والقائلون بما ذكرناه أولاً أتقن في ذلك. وذكره المحبّ الطبريّ عالم الحجاز، وصوّبه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، وهو من مَأْمَنِ مياه بني جُشَم، بينهم وبين خَفَاجَةِ العقيليين، وهو أبعد المواقيت من مكّة، بينهما نحو عشر مراحل، أو تسع، أما ذو الحليفة المذكور في حديث رافع بن خديج: "كنا مع النبيّ ﷺ بذي الحليفة من تهامة … "، فهو موضع آخر، قال الداوديّ: ليس هو المهلَّ الذي بقرب المدينة. ذكره وليّ الدين في "الطرح" (٢).
وقال السمهوديّ في "وفاء الفاء" ص ١١٩٤: وقد اختبرت ذلك بالمساحة، فكان من عَتَبَة باب المسجد النبويّ المعروف بـ "باب السلام" إلى عَتَبَة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع واثنين وثلاثين ذراعًا ونصف ذراع بذراع اليد -وذراع اليد على ما ذكره المحبّ الطبريّ، والنوويّ، وغيرهما أربعة وعشرون إصبعًا، كلّ إصبع ستّ شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض- وذلك خمسة أميال وثلثا ميل ينقص مائة ذراع انتهى.
وقال الحافظ: ذو الحليفة مكان معروف، بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين. قاله ابن حزم في "المحلّى" ٧/ ٧٠ وقال غيره: بينهما عشر مراحل، قال: وبها مسجد يُعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر، يقال لها: بئر عليّ انتهى.
وقال العيني: وبذي الحليفة عدّة آبار، ومسجدان لرسول اللَّه ﷺ ، المسجد الكبير الذي يُحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد الْمُعَرَّس انتهى.
وقال صاحب "تيسير العلاّم": ذو الحليفة، وتسمّى الآن آبار عليّ، وتبعد عن مكّة
стр. 12467
بالمراحل (١٠)، وبالفراسخ (٨٠) وبالأميال (٢٤٠) وبالكيلوات (٤٣٠) والمرحلة هي مسيرة يوم وليلة يسير الإبل المحمّلة الأثقال سيرًا معتادًا، ويقدّر بها العرب الأوائل، فأخذها عنهم العلماء. انتهى.
وزاد في "توضيح الأحكام": وتبلغ المسافة بينها وبين المسجد النبويّ (١٣) كيلاً، وهي أبعد المواقيت انتهى (١).
(وَأَهْلُ الشَّامِ) هي بلاد معروفة، وهي من العَرِيش إلى بالس. وقيل: إلى الفرات. قاله النوويّ في "شرح سنن أبي داود". وقال السمعانيّ: هي بلاد بين الجزيرة والغور إلى الساحل، ويجوز فيها التذكير والتأنيث، والهمز وتركه، وأما شآم بفتح الهمزة والمدّ، فأباه أكثرهم، إلا في النسب (٢) (مِنَ الْجُحْفَةِ) أي يُهلّ أهل الشام، وكذا من سلك طريقهم من الموضع المسمّى بالحجفة. وهي بضمّ الجيم، وإسكان الحاء المهملة، وفتح الفاء قرية كبيرة كانت عامرة، ذات منبر، وهي الآن خربة، بينها وبين البحر الأحمر بالأميال (٦) وبالكيلوات (١٠). قال ابن حزم: وهي فيما بين المغرب والشمال من مكّة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلاً.
وقال في "تيسير العلاّم": تبعد من مكة بالمراحل (٥) وبالفراسخ (٤) وبالأميال (١٢٠) وبالكيلوات (٢٠١) ويحرم منها أهل مصر، والشام، والمغرب، ومن ورائهم، من أهل الأندلس، والروم، والتكرور. قيل: إنها ذهبت أعلامها, ولم يبق إلا رسوم خفيّة، لا يكاد يعرفها إلا سكّان بعض البوادي، فلذا -واللَّه تعالى أعلم- اختار الناس الإحرام احتياطاً من المكان المسمّى برابغ -براء، وموحّدة، وغين معجمة، بوزن فاعل- لأنها قرية قبل حذائها بقليل. وقيل: لا يحرمون من الجحفة لوخمها، وكثرة حُمّاها، فلا ينزلها أحد إلا حُمّ، وسمّاها رسول اللَّه ﷺ في حديث ابن عمر عند الشيخين "مَهيَعَة" -بفتح الميم، وإسكان الهاء، وفتح التحتانيّة، والعين المهملة، بوزن عَلْقَمة-. وقيل: -بكسر الهاء، مع إسكان الياء، على وزن لَطِيفة- والصحيح المشهور الأول.
وسمّيت الحجفة لأن السيل أجحف بها. قال ابن الكلبيّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل -بفتح الموحّدة- وهم إخوة عاد حربٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مهيعة، فجاء سيل، فاجتحفهم، أي استأصلهم، فسميت جحفة (٣).
стр. 12468
(وَأَهْلُ نَجْدٍ) -بفتح النون، وإسكان الجيم، وآخره دال مهملة -: قال في "الصحاح": هو ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق. وقال في المشارق: ما بين جُرَش إلى سواد الكوفة، وحده مما يلي المغرب الحجازُ، وعن يسار الكعبة اليمنُ، قال: ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال في "النهاية": النجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاصّ لما دون الحجاز مما يلي العراق (١).
وقال في "الفتح": أما نجد، فهو كلّ مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة، واليمن، وأسفلها الشام، والعراق انتهى (٢).
(مِنْ قَرْنٍ) ويقال له: قرن المنازل. وهو بفتح القاف، وسكون الراء المهملة بلا خلاف بين أهل العلم، من أهل الحديث، واللغة، والتاريخ, والأسماء، وغيرهم، كما قاله النوويّ، قال: وغَلِط الجوهريّ في "صحاحه" غلطتين فاحشتين، فقال: بفتح الراء، وزعم أن أويسًا القَرَنيّ -رحمه اللَّه تعالى- منسوب إليه. والصواب إسكان الراء، وأن أويسًا منسوب إلى قبيلة معروفة، يقال لهم: بنو قَرَن، وهم بطن من مراد، القبيلة المعروفة، ينسب إليها المراديّ.
قال الحافظ وليّ الدين: وحكى القاضي في "المشارق" عن تعليق القابسيّ أن من قال: قرن بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: قرَن بالفتح أراد الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق مفترقة انتهى. وهذا يدلّ على أن فيه خلافًا.
ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب. قال النوويّ: وهو على مرحلتين من مكة، قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة. وقال في "المشارق": هو على يوم وليلة من مكة، وهو قريب مما مرّ عن النوويّ.
قال وليّ الدين: وفيما حكاه النوويّ من أن قرنًا أقرب المواقيت إلى مكة نظر، فقد ذكر ابن حزم أن بينها وبين مكة اثنين وأربعين ميلاً، وأن بين يلملم ومكة ثلاثين ميلاً، فتكون يلميلم أقرب المواقيت إلى مكّة، واللَّه أعلم انتهى (٣).
وقال في "الفتح" بعد أن نقل ما تقدّم عن تعليق القابسيّ: ما نصّه: والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان. وحكى الروياني عن بعض قدماء الشافعيّة أن المكان الذي يقال له: قرن موضعان: أحدهما في هبوط، وهو الذي يقال له: قرن
стр. 12469
المنازل. والآخر في صعود، وهو الذي يقال له: قرن الثعالب، والمعروف الأول.
وفي "أخبار مكة" للفاكهيّ أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى، بينه وبين مسجد مني ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثعالب؛ لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب. فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت.
وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبيّ ﷺ الطائف، يدعوهم إلى الإسلام، ورَدّهِم عليه، قال: "فلم أَسْتَفِقْ إلا وأنا بقرن الثعالب … " الحديث. ذكره ابن إسحاق في "السيرة النبويّة".
ووقع في مرسل عطاء عند الشافعيّ: "ولأهل نجد قرن، ولمن سلك نجدًا من أهل اليمن، وغيرهم قرن المنازل". ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عبّاس- الآتي في الباب الثالث: "ولأهل نجد اليمنِ، ونجد الحجازِ قرن". وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم يَصِلُون إلى قرن، أو يُحاذونه، فهو مقياتهم، كما هو ميقات أهل المشرق. والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرّون بيلملم، أو يحاذونه، وهو ميقاتهم، لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم انتهى ما في "الفتح" (١).
وقال صاحب "توضيح الأحكام": قرن المنازل، ويسمّى السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة (٧٨) كيلو متر. انتهى (٢).
(قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية سالم الآتية في الباب التالي: وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه من رسول اللَّه ﷺ . وفي -٢١/ ٢٦٥٥ - : "وذُكِر لي، ولم أسمع أنه قال: "ويهلّ الخ". وفي رواية للبخاريّ: "زعموا أن النبيّ ﷺ قال، ولم أسمعه".
قال الحافظ: وهو يشعر بأن الذي بَلَّغَ ابن عمر ذلك جماعةٌ. وقد ثبت ذلك من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما في الباب الآتي بعد بابين، ومن حديث جابر ﵁ عند مسلم، ومن حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي بعد باب، ومن حديث الحارث بن عمرو السهميّ عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ (قَالَ: "وَيِهُلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ) المراد بعض أهل اليمن، وهو تهامة، فأما نجد، فإن ميقاته قرن؛ وذلك لأن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، فأطلق اليمن، وأريد بعضه، وهو تهامة منه خاصة. وقوله
стр. 12470
فيما مضى: "نجد" تناول نجد الحجاز، ونجد اليمن، وكلاهما ميقاته قرن. قاله وليّ الدين (١).
(مِنْ يَلَمْلَمَ) -بفتح التحتانيّة، والسلام، وسكون الميم، بعدها لام مفتوحة، ثم ميم، وهو جبل من جبال تهامة، على مرحلتين من مكة. وقال ابن حزم: هو جنوب من مكّة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلاً. وفي "شرح المهذب": يُصرف، ولا يُصرف. قال العينيّ: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة، فغير منصرف البتّة، بخلاف قرن، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل سكون وسطه. ويقال فيه "ألملم" بالهمزة، وهو الأصل، والياء تسهيل لها. وحكى ابن سِيدَهْ فيه: "يَرمرم" براءين بدل اللامين. وقال صاحب "تيسير العلام": وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠). انتهى.
[تنبيه]: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة. وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، أي ممن له ميقاة معيّن. ذكره في "الفتح".
وقد نظم بعضهم هذه المواقيت في بيتين، فقال [من الكامل]:
عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ اليَمَنِ … وَبِذِى الحُلَيفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِي
لِلشَّامِ جَحْفَةُ إِنْ مَرَرْتَ بِها … وِلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ فَاسْتَبِنِ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧/ ٢٦٥١ و ١٨/ ٢٦٥٢ و ٢١/ ٢٦٥٥ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٣٦٣١ و ١٨/ ٣٦٣٢ و ٢١/ ٣٦٣٥. وأخرجه (خ) في "العلم" ١٣٣ و"الحج" ١٥٢٢ و ١٥٢٥ و ١٥٢٨ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٣٤٤ (م) في "الحجّ" ١١٨٢ (د) في "المناسك" ١٧٣٧ (ت) في "الحجّ" ٨٣١ (ق) في "المناسك" ٢٩١٤١ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤١ و ٤٥٤١ و ٤٥٧٠ و٥٠٥٠ و ٥٠٦٨ و٥١٥٠ و٥٣٠١ و ٥٥١٧ و ٦١٠ و ٦٣٥٤ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٣٢ (الدارمي) في "المناسك" ١٧٩٠. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12471
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ميقات أهل المدينة. (ومنها): أنه لا يجوز لأحد يريد مكة للحج والعمرة أن يتجاوز هذه المواقيت إلا متلبّسًا بالإحرام منها. (ومنها): أنه لا يجوز لأحد أن ينشىء الإحرام قبل هذه المواقيت، حيث إن النبيّ ﷺ حدّها له، فلذا لا يرى بعض المحققين، كالبخاريّ، جواز الإحرام قبلها أصلاً، وهو الأرجح عندي؛ لظواهر النصوص، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن في التحديد المذكور تعظيم شأن هذا البيت، وتشريفه بجعل هذا الْحِمَى الذي لا يتجاوزه حاجّ، أو معتمر، حتى يأتي بهذه الهيئة، خاشعًا للَّه تعالى، معظّمًا لشعائره، ومحارمه. (ومنها): أن في تعدّد هذا التحديد رحمةً من اللَّه تعالى بخلقه، وتسهيلاً لهم، إذ لو كان الميقات واحدًا لجميع البلدان لشقّ ذلك على مريدي النسك. (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث حدّد النبيّ ﷺ هذه المواقيت قبل إسلام أهلها؛ إشارة إلى أنهم سيدخلون في الإسلام، وأنهم سيحجّون، فيضطرّون إلى مواقيت ينشؤون منها الإحرام، فجاء الأمر كما أشار إليه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تقديم الإحرام على المواقيت المذكورة:
ذهب الجمهور إلى أن تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز، وإن كان خلاف الأولى، بل ادّعَى ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن يردّه وجود الخلاف فيه، كما سيأتي.
وذهبت طائفة إلى أن التقديم لا يجوز، نقل ذلك عن إسحاق، وداود، وابن حزم، وغيرهم، وهو مذهب البخاريّ.
قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب فرض مواقيت الحجّ والعمرة".
١٥٢٢ - حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زُهير، قال: حدثني زيد بن جُبَير، أنه أتى عبد اللَّه بن عمر ﵄ في منزله، وله فُسطاط، وسُرادق، فسألتُهُ من أين يجوز أن أعتمر؟، قال: "فرضها رسول اللَّه ﷺ ، لأهل نجد قرنا, ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشأم الجحفة".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ومعنى فرض: قدّر، وأوجب، وهو ظاهر نصّ المصنّف، وأنه لا يُجيز الإحرام بالحجّ والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا
стр. 12472
ما سيأتي بعد قليل، حيث قال: "باب ميقات أهل المدينة، ولا يهُلّون قبل ذي الحليفة". وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز. وفيه نظر، فقد نُقل عن إسحاق، وداود، وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيّده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدّم عليه انتهى المقصود من كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقد اعترض العينيّ على كلام الحافظ هذا كعادته بما لا يُلفت إليه؛ حيث إنه مجرّد تحامل، وتعصّب، فالحقّ هو الذي قرّره الحافظ بان مذهب الإمام البخاريّ أنه لا يجوز أن يحرم قبل الميقات، فقوله: "ولا يهلّون قبل ذي الحليفة" صريح في كونه لا يرى جواز الإحرام قبل الميقات، وهو الظاهر، وأما دعوى الإجماع فقد عرفت أنه باطل، فقد خالف فيه جماعة من أهل العلم.
قال الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم؛ لأن قول الصحابة: وقّت رسول اللَّه ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، يقضي بالإهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص، والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرّمة، فلا أقلّ من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه؛ لأدلّة التوقيت.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت فيما سبق أن دعوى الإجماع غير صحيحة، فوجب القول بتحريمه، فتنبّه.
قال: ولأن الزيادة على المقدّرات، من المشروعات، كأعداد الصلاة، ورمي الجمار، لا تُشرع، كالنقص منها، وإنما لم نجزم بتحريم ذلك؛ لما ذكرنا من الإجماع؛ ولأنه روي عن عدّة من الصحابة تقديم الإحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عبّاس من الشام، وأهلّ عمران بن حصين من البصرة، وأهلّ ابن مسعود من القادسيّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاستدلال من الصنعاني عجيب، كيف يحتجّ هنا بما نُقل عن ابن عباس، وغيره في معارضة الأحاديث المرفوعة، ويرد قوله: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم. بأنه أثر موقوف، لا يقاوم المرفوع. مع أنه يوافق المرفوع في كونه ﷺ أعمر عائشة من التنعيم؟. وكذا ردّه قول المحبّ الطبريّ: إنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتًا للعمرة. فقال: جوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتًا لها بهذا الحديث؟. فهلا قال هنا إن هذه الآثار عن الصحابة لا تقام المرفوع. إن هذا تناقض عجيب.
стр. 12473
قال: وورد في تفسير الآية أن الحجّ والعمرة تمامهما بهما من دُويرة أهلك عن عليّ، وابن مسعود، وإن كان قد تؤُوّل بأن مرادهما أن ينشأ لهما مفردًا من بلده، كما أنشأ ﷺ لعمرة الحديبية والقضاء سفرًا من بلده، ويدلّ لهذا التأويل أن عليًّا ﵁ لم يفعل ذلك، ولا أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يحرموا بحجّ، ولا عمرة إلا من الميقات، بل لم يفعله ﷺ ، فكيف يكون ذلك تمام الحجّ، ولم يفعله ﷺ ، ولا أحد من الخلفاء، ولا جماهير الصحابة.
قال: نعم الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أهلّ من المسجد الأقصى بعمرة، أو بحجّة، غُفر له ما تقدّم من ذنبه" (١)، وله ألفاظ عند أبي داود، وابن ماجه.
قال: فيكون هذا مخصوصًا ببيت المقدس، فيكون الإحرام منه خاصّة أفضل من الإحرام من المواقيت، ويدلّ له إحرام ابن عمر منه، ولم يفعل ذلك من المدينة، على أن منهم من ضعّف الحديث، ومنهم من تأوله بان المراد ينشىء لهما السفر من هنالك انتهى كلام الصنعاني -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: أما ما نُقل عن عمر، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك. فمعناه أن تنشىء لها سفرًا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك. قال أحمد: كان سفيان يفسّره بهذا، وكذلك فسره به أحمد. ولايصحّ أن يفسّر بنفس الإحرام، فإن النبيّ ﷺ ، وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم اللَّه تعالى بإتمام العمرة، فلو حمل على ذلك لكان النبيّ ﷺ ، وأصحابه تاركين لأمر اللَّه، ثم إن عمر وعليًّا ما كانا يحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ليس بإتمام لها، ويفعلانه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهّمه أحد، ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من البصرة، واشتد عليه. انتهى كلام ابن قدامة بتصرف، واختصار (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما الحديث المذكور في الإحرام من بيت المقدس، فإنه ضعيف، لا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة؛ لتفرّد حُكيمة بنت أميّة الأخنسية به، قال عنها في "التقريب": مقبولة، أي لا بدّ لها من متابع، وليس لها متابع، والراوي عنها يحيى بن أبي سفيان قال عنه أبو حاتم: ليس بالمشهور.
стр. 12474
وأعله المنذريّ في "مختصر سنن أبي داود" ٢/ ٢٨٥ بالاضطراب (١)، قال: وقد اختلف الرواة في متنه، وإسناده اختلافاً كثيرًا، وكذا أعله الحافظ ابن كثير بالاضطراب (٢)، كما في "نيل الأوطار" ٤/ ٢٥٣. فلا يعارض أحاديث المواقيت الصحاح.
ومثله ما أخرجه البيهقيّ من طريق جابر بن نوح، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ , قال: "من تمام الحجّ أن تحرم من دُويرة أهلك". فإنه حديث منكر، لتفرّد جابر بن نوح به، كما قال ابن عديّ ٥٠/ ٢ - وهو متّفق على ضعفه.
فقول الشوكانيّ في "نيله" ٤/ ٢٥٤: ثبت هذا مرفوعا من حديث أبي هريرة، أخرجه ابن عديّ، والبيهقيّ، مما لا يُلتفت إليه.
وروي أيضًا موقوفا على عليّ ﵁، وفي سنده عبد اللَّه بن سلمة المراديّ، وهو وإن وثّقه بعضهم، إلا قد تغير حفظه، كما ثبت ذلك عن شعبة. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بمستقيم.
وكذلك لا يصحّ ما رواه أحمد، والثقفيّ في "مشيخته النيسابوريين" من طريق الحسن ابن هادية، قال: لقيت ابن عمر، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل عمان، قال: من أهل عمان؟ قلت: نعم، قال: أفلا أحدثك ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: بلى، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إني لأعلم أرضًا يقال لها: عمان، ينزح بجانبها البحر، الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها". قال الشيخ الألباني: رجاله كلهم ثقات، معروفون، غير ابن هادية هذا، فقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وأما ابن حبّان فقد ذكره في "الثقات" ١/ ١٤ وهذا منه على عادته في توثيق المجهولين، وتوثيق ابن حبان هذا هو عمدة الهيثمي حين قال في "المجمع" ٣/ ٢١٧: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وحجة الفاضل أحمد محمد شاكر في قوله في تعليقه على "المسند": إسناده صحيح، وهذا غير صحيح؛ لما سبق، وكم له في هذا التعليق وغير من مثل هذه التصحيحات المبنيّة على مثل هذه التوثيقات التي لا يعتمد عليها لضعف مستندها انتهى كلام الشيخ الألباني.
стр. 12475
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وعلى تقدير صحته فليس دليلاً على مسألتنا هذه، فإنه لم يقل: من أهلّ منها، وإنما قال: "الحجة منها أفضل الخ"، وهذا لا يستلزم الإحرام منها، وإنما هو بيان لفضل الحجّة من تلك البلدة، فتنبّه.
فتبيّن بهذا أنه لا يصحّ في إباحة تقديم الإحرام على المواقيت شيء.
والحاصل أنه ليس لمن قال بإباحة تقديم الإحرام على الميقات دليلٌ، لا من نصّ، ولا من إجماع، بل هي اجتهادات ممن فعله، تعارض ما صحّ عن الشارع الحكيم تحديده، مع أنه قد ثبت إنكار غيرهم عليهم فعلهم ذلك، فلا يُعارض به ما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ ، إذ الحجة في فعله، وقوله، لا في فعل غيره، أو قوله.
فالمذهب الحقّ هو ما ذهب إليه من قال بعدم جواز تقديم الإحرام على المواقيت المحدّدة، كإسحاق، والبخاريّ، وداود الظاهريّ، وابن حزم، كما تقدم، كما أنه لا يجوز تقديمه على المواقيت الزمانيّة بالإجماع، فكذا هذا، إذ لا فرق بينهما.
وما أحسن ما قال الشاطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "الاعتصام" -١/ ١٦٧ - ومن قبله الهرويّ في "ذمّ الكلام" عن الزبير بن بكار: قال: حدّثني ابن عُيينة، قال: سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد اللَّه، من أين أُحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أريد أن أُحرم من المسجد، من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: فأيّ فتنة في هذه؟، إنما هي أميالٌ أزيدها، قال: وأيّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول اللَّه ﷺ ، إني سمعت اللَّه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] انتهى.
فالواجب على المسلم أن يحرص على موافقة حجه، وعمرته السنة الثابتة؛ ليقعا له على الوجه المطلوب شرعًا، ولا يخالف بعلّة أن فلانًا قال كذا، وأن فلانًا فعل كذا، إذ الحجة هو الذي صحّ عمن قال اللَّه تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
стр. 12476
١٨ - باب مِيقَاتِ أَهْلِ الشَّامِ
٢٦٥٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً قَامَ فِي الْمَسْجِدِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ, وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ, وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» , وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو من رباعيات المصنف، وهو (١٣٤) من رباعيات الكتاب، والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي.
وقوله: "أن رجلا قام في المسجد". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسم هذا الرجل، والمراد بالمسجد مسجد النبيّ ﷺ . ويستفاد من أن السؤال عن مواقيت الحجّ كان قبل السفر من المدينة. انتهى (١).
وقوله: "من أين تأمرنا إلى قوله: يهلّ الخ" وجه كونه جواب الأمر ما تقدّم من أن خبر الشارع بمعنى الأمر. قاله السنديّ (٢).
وقوله: "ويزعمون الخ" يُفَسَّر الزاعمون بمن رَوَى الحديث تامًّا عن رسول اللَّه ﷺ ، كابن عبّاس، وغيره من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
وفيه دليلٌ على إطلاق الزعم على القول المحقّق؛ لأن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - سمع ذلك من رسول اللَّه ﷺ ، لكنه لم يفهمه، لقوله: "لم أفقه هذه"، أي الجملة الأخيرة، فصار يرويها عن غيره. وهذا دالّ على شدّة تحرّيه، وورعه. قاله في "الفتح" (٣).
وقوله: "لم أفقه" -بفتح القاف. قال الفيّوميّ: الفقه: فَهْمُ الشيء. قال ابن فارس: وكلّ علم لشيء فهو فقهٌ، والفقه على لسان حملة الشرع علم خاصّ. وفقِهَ فَقَهًا، من باب تعب: إذا علم، وفَقُه بالضمّ مثله. وقيل: بالضمّ: إذا صار الفقه له سجيّة. قال أبو زيد: رجلٌ فَقهٌ بضم القاف وكسرها، وامرأة فقهة بالضمّ. ويتعدّى بالألف، فيقال: أفقهتك الشيء، وهو يتفقّه في العلم، مثل يتعلّم انتهى.
стр. 12477
والمناسب هنا فتح القاف لأنه تعدى إلى اسم الإشارة.
فمراد ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بقوله: "لم أفقه هذا الخ" أنه لم يفهم قوله ﷺ : "ويُهلّ أهل اليمن من يلملم" من لسان ﷺ ، وإنما سمعه من الصحابة ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١٩ - (مِيقَاتِ أَهْلِ مِصْرَ)
٢٦٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى, عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ, وَلأَهْلِ الشَّامِ, وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ, وَلأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ, وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هشام بن بهرام (١) " -بفتح الموحّدة، وكسرها - المدائنيّ، أبو محمد، ثقة، من كبار [١٠].
قال ابن وَارَة: حدثنا هشام بن بهرام، وكان ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: وكان مستقيم الحديث. وقال غيره: كان حيًا سنة (٢١٩). روى عنه أبو داود، وأخرج له المصنّف بواسطة عمرو بن منصور النسائيّ حديث الباب فقط.
و"المعافى": هو ابن عمران الأزدي الفهميّ، أبو مسعود الموصليّ، ثقة عابد فقيه، من كبار [٩] ٣٦/ ١٢٧١.
و"أفلح بن حُميد" بن نافع الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفَيراء، ثقة [٧].
قال أحمد: صالح. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة ليس به بأس. وقال ابن صاعد: كان أحمد يُنكر على أفلح قوله: "ولأهل عرق ذات عرق". قال ابن عديّ: ولم ينكر أحمد -يعني سوى هذه اللفظة- وقد تفرّد بها عن أفلح معافى، وهو عندي
стр. 12478
صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يُحدّث عنه يحيى. قال: وروى أفلح حديثين منكرين: "أن النبيّ ﷺ يد أشعر". وحديث" "وقّت لأهل العراق ذات عرق". وكناه عبد الغنيّ أبا محمد، والمعروف أن كنيته أبو عبد الرحمن. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان مكفوفًا، مات سنة (١٦٥). وقال الواقديّ: مات سنة (١٥٨). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده برقم ٢٦٥٦ وحديث رقم ٢٧٧٢ وأعاده برقم ٢٧٨٣.
و"القاسم": هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيمي الثقة الحجة، أحد الفقهاء السبعة [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
وشرح الحديث يعلم مما سبق، وهو صحيح، أخرجه المصنّف هنا -١٩/ ٢٦٥٣ و ٢٢/ ٢٦٥٦ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٣٦٣٣ و ٢٢/ ٣٦٣٦. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٧٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
وهو دليل على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أن ميقات أهل مصر الجحفة. قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه زيادة يجب الأخذ بها، وعليها العمل انتهى (١).
وقال الحافظ في "الفتح": والمكان الذي يُحرم منه المصريّون الآن رابغ بوزن فاعل -براء، وموحّدة، وغين معجمة- قريبٌ من الجحفة. واختصّت الجحفة بالحمّى، فلا ينزلها أحد إلا حمّ. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٢٠ - (مِيقَاتِ أَهْلِ الْيَمَنِ)
٢٦٥٤ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ, وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ, وَلأَهْلِ نَجْدٍ
стр. 12479
قَرْنًا, وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ, وَقَالَ: «هُنَّ لَهُنَّ, وَلِكُلِّ آتٍ, أَتَى عَلَيْهِنَّ, مِنْ غَيْرِهِنَّ, فَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ, حَيْثُ يُنْشِئُ, حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الربيع بن سليمان) بن عبد الجبار المرادي، أبو محمد المصريّ المؤذن، تلميذ الإمام الشافعي، ثقة [١١] ١٩٥/ ٣١١.
٢ - (يحيى بن حسان) التّنِّيسيُّ، البصري، ثقة [٩] ٥٥/ ٦٢٤.
٣ - (وُهيب) بن خالد بن عجلان أبو بكر البصري، ثقة ثبت تغير بآخره قليلاً [٧] ٢١/ ٤٢٧.
٤ - (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٢/ ٢.
٥ - (عبد اللَّه بن طاوس) أبو محمد اليماني، ثقة فاضل [٦] ١١/ ٥١٤.
٦ - (أبوه) طاوس بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه فمن رجال الأربعة، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عباس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَّتَ) أي حدّد، وأصل التوقيت: أن يُجعل للشيء وقت يختصّ به، ثم اتّسع فيه، فأُطلق على المكان أيضًا. قال ابن الأثير: التوقيت، والتأقيت أن يُجعل للشيء وقتٌ يختصّ به، وهو بيان مقدار المدّة، يقال: وقّت الشيء -بالتشديد- يوقّته، ووَقَتَ- بالتخفيف- يَقِته: إذا بيّن حدّه، ثمّ اتُّسِع فيه، فقيل للموضع ميقات. انتهى (١).
وقال ابن دقيق العيد: قيل: إن التوقيت في الأصل ذكر الوقت. والصواب أن يقال:
стр. 12480
تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل في التحديد للشيء مطلقًا؛ لأن التوقيت تحديد بالوقت، فيصير التحديد من لوازم الوقت. وقوله هنا: "وقت" يحتمل أن يريد به التحديد، أي حدّ هذه المواضع للإحرام. ويحتمل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بشرط إرادة الحجّ، أو العمرة انتهى (١).
وقال عياض: "وَقّت": أي حدّد، وقد يكون بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ انتهى. قال الحافظ: ويؤيّده الرواية الماضية بلفظ: "فرض". انتهى (٢).
(لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي مدينة النبيّ ﷺ (ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِآَهْل الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ) ﷺ (هُنَّ لَهُنَّ) أي المواقيت المذكورة للجماعات المذكورة، أَو لأهلهنّ، على حذف مضاف.
قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: كذا جاءت الرواية في "الصحيحين" وغيرهما عند أكثر الرواة، قال: ووقع عند بعض رواة البخاريّ، ومسلم: "فهنّ لهم"، وكذا رواه أبو داود، وغيره -وهي الرواية الآتية للنسائيّ في -٢٣/ ٢٦٥٨ - وكذا ذكره مسلم من رواية ابن أبي شيبة، وهو الوجه؛ لأنه ضمير أهل هذه المواضع. قال: ووجه الرواية المشهورة، أن الضمير في "لهنّ" عائد على المواضع، والأقطار المذكورة، وهي المدينة، والشام، واليمن، ونجد، أي هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد لأهلها، فحَذَف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه انتهى (٣).
(وَلِكُلِّ آتٍ أَتَي عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ) وفي رواية عبد اللَّه بن طاوس، وعمرو بن دينار، عن طاوس: "ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ". يعني أن هذه المواقيت تكون محلّ إحرام لكلّ شخص أتي عليها من كير أهل البلاد المذكورة.
قال في "الفتح": وهذا يدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات، ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه، إذا لم يكن له ميقات معيّن، والذي يدخل فيه خلاف، كالشاميّ إذا أراد الحجّ، فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها, ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصليّ، فإن أخّر أساء، ولزمه دم عند الجمهور.
وأطلق النوويّ الاتفاق، ونفى الخلاف في "شرحيه لمسلم، والمهذّب" في هذه المساْلة، فلعلّه أراد في مذهب الشافعيّ، وإلا فالمعروف عند المالكيّة أن للشاميّ مثلاً
стр. 12481
إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصليّ، وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه. وبه قالت الحنفيّة، وأبو ثور، وابن المنذر من الشافعيّة (١).
قال ابن دقيق العيد: قوله: "لأهل الشام الجحفة" يشمل من مرّ من أهل الشام بذي الحليفة، ومن لم يمرّ. وقوله: "ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ" يشمل الشاميّ إذا مرّ بذي الحليفة وغيره، فههنا عمومان قد تعارضا انتهى ملخّصًا (٢).
قال الحافظ: ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله: "هنّ لهنّ" مفسّر لقوله مثلاً: "لأهل المدينة ذو الحليفة"، وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها، ومن سلك طريق سفرهم، فمرّ على ميقاتهم، ويؤيّده عراقيّ خرج من المدينة، فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير محرم، ويترجّح بهذا قول الجمهور، وينتفي التعارض انتهى (٣).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد: ما نصّه: دو سلك ما ذكرته أوّلاً من أن المراد بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم، ومرّ على ميقاتهم، لم يَرِد هذا الإشكال، ولم يتعارض هنا دليلان، ومن المعلوم أن من ليس بين يديه ميقات لأهل بلده التي هي محلّ سكنه، كاليمني من المدينة، ليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم، وذلك يدلّ على ما ذكرناه أنه ليس المراد بأهل المدينة سُكّانها، وإنما المراد بأهلها من حجّ منها، وسلك طريق أهلها, ولو حملناه على سكانها لوردت هذه الصورة، وحصل الاضطراب في هذا، فنفرّق في الغريب الطارئ على المدينة مثلاً بين أن يكون بين يديه ميقات لأهل بلده أم لا، فنحمل أهل المدينة تارة على سكانها، وتارة على سكانها والواردين عليها، ويصير هذا تفريقًا بغير دليل، وإذا حملنا أهل المديمة على ما ذكرناه لم يحصل في ذلك اضطراب، ومشى اللفظ على مدلول واحد في الأحوال كلّها، واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
وقال صاحب "مرعاة المفاتيح" -بعد ذكرما تقدّم-: وقد عُلم مما ذكرنا أن ههنا
стр. 12482
ثلاث صور، أو ثلاث مسائل:
(إحداها): أن يمرّ من ليس ميقاته بين يديه، كاليمنيّ، والعراقيّ، والنجديّ يمرّ أحدهم بذي الحليفة، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة أنه يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له المجاوزة عنها بغير إحرام؛ لأنه ليس ميقاته بين يديه، وعليه حملت المالكيّة: "ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ".
(والثانية): أن يمرّ من ميقاته بين يديه، كالشاميّ مثلاً بذي الحليفة، واختلفوا فيه، فقالت الشافعيّة، والحنابلة، وإسحاق: يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له التأخير إلى ميقاته، أي الجحفة؛ لظاهر الحديث، خلافًا للمالكية، والحنفيّة، وأبي ثور، وابن المنذر.
(والثالثة): أن المدنيّ إذا جاوز عن ميقاته إلى الجحفة، فهل يجوز له ذلك، أم لا؟، وبالأول قالت الحنفيّة، كما في كتب فروعهم، وبالثاني قال الجمهور، وهو القول الراجح المُعَوَّلُ عليه عندنا. انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب عندي أن من مرّ على أيّ ميقات من المواقيت المحدّدة شرعًا، لا يجوز له أن يتجاوزها بغير إحرام، مطلقًا، سواء كان من أهل تلك المواقيت، أم من غيرهم، وسواء كان ميقاته أمامه، أم لا، عملاً بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: زاد في رواية عبد اللَّه بن طاوس الآتية: "لمن أراد الحجّ والعمرة"، وفي رواية عمرو بن دينار الآتية أيضًا: "ممن أراد الحجّ والعمرة". وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحجّ، أو العمرة، وهذا هو المذهب الصحيح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، في محلّه -١٠٧/ ٢٨٦٧ - باب "دخول مكة بغير إحرامِ" إن شاء اللَّه تعالى.
(فمَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ) أي داخل الميقات (حَيْثُ يُنْشِئُ) أي يهلّ من حيث ينشىء السفر، من أنشأ: إذا أحدث، يفيد أنه ليس لمن كان داخل الميقات أن يؤخّر الإحرام عن أهله، حيث إن ذلك المحلّ هو الميقات في حقّه.
ولفظ عبد اللَّه بن طاوس الآتي في -٢٣/ ٢٦٥٧ - : "ومن كان دون ذلك من حيث بدأ". ولفظ عمرو بن دينار الآتي في -٢٣/ ٢٦٥٨: "فمن كان دونهنّ، فمن أهله". وهذا يوضّح أن المراد بقوله هنا: "حيث ينشيء" مكانه الذي فيه أهله.
стр. 12483
ولفظ البخاريّ: "ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ". قال في "الفتح": أي فميقاته من حيث أنشأ الإحرام، إذا سافر من مكانه إلى مكة، وهذا متّفق عليه، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكّة. انتهى. قال ابن عبد البرّ: إنه قول شاذّ.
وقال العينيّ: الفاء في جواب الشرط، أي فمُهَلُّهُ من حيث قصد الذهاب إلى مكة، يعني أنه يهلّ من ذلك الموضع. انتهى.
وقال القاري: ولم يذكر النبيّ ﷺ حكم أهل المواقيت نفسها، والجمهور على أن حكمها حكم داخل المواقيت، خلافًا للطحاويّ، حيث جعل حكمها حكم الآفاقيّ انتهى.
(حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ) أي الحكم المذكور، وهو إنشاء الإحرام من مكانه (عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ) أي فليس لهم أن يؤخّروا الإحرام عن مكّة. ولفظ ابن طاوس الآتي في ٣٣/ ٢٦٥٧: "حتى يبلغ ذلك أهل مكة". ولفظ عمرو الآتي في ٣٣/ ٢٦٥٨: "حتى إن أهل مكة يُهلون منها".
ولفظ البخاريّ: "حتى أهل مكة من مكة". قال العينيّ: يجوز في لفظ "أهل" الجرّ؛ لأن "حتى" تكون حرفا جارًّا بمنزلة "إلى"، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: "حتى أهل مكة يهلون من مكة"، كما في قولك: جاء القوم حتى المشاة، أي حتى المشاة جاءوا. انتهى.
وقال في "الفتح": أي لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يُحرمون من مكة، كالآفاقيّ الذي بين الميقات، ومكة، فإنه يُحرم من مكانه، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليُحرم منه. وهذا خاصّ بالحاجّ، وأما المعتمر فلا بدّ له من الخروج إلى أدنى الحلّ، كالتنعيم، ونحوه.
قال المحبّ الطبريّ: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة، فتعيّن حمله على القارن.
واختلف في القارن، فذهب الجمهور إلى أن حكمه حكم الحاجّ في الإهلال من مكة. وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحلّ. ووجهه أن العمرة إنما تندرج في الحجّ فيما محلّه واحدٌ، كالطواف والسعي، عند من يقول بذلك، وأما الإحرام فمحله فيهما مختلف.
وجواب هذ الاستشكال أن المقصود من الخروج إلى الحلّ في حقّ المعتمر أن يَرِدَ على البيت الحرام من الحلّ، فيصحّ كونه وافدًا عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة، وهي من الحلّ، ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة، فحصل المقصود بذلك أيضًا.
стр. 12484
[تنبيه]: الأفضل في كلّ ميقات أن يُحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٠/ ٢٦٥٤ و ٢٣/ ٢٦٥٧ و ٢٦٥٨ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٣٦٣٤ و ٢٣/ ٣٦٣٧ و ٣٦٣٨. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٢٤ و ١٥٢٦ و ١٥٢٩ و ١٥٣٠ و ١٨٤٥ (م) في "الحجّ" ١١٨١ (د) في "المناسك" ١٧٣٧ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢١٢٩ و ٢٢٤٠ و ٢٢٧٢ و ٣٠٥٦ و ١٣١٣٨ (الدارميّ) ١٧٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ميقات أهل اليمن. (ومنها): أنه يدلّ على أنه لا يجوز تأخير الإحرام من هذه المواضع المحدّدة، وفيه ردّ على الحنفيّة حيث جوّزوا لمن كان داخل الميقات التأخير إلى آخر الحلّ، ولأهل مكّة إلى آخر الحرم، فإنه مخالف لصريح قوله ﷺ : في هذا الحديث: "فمن كان دونهنّ، فمن أهله، حتى إن أهل مكة يُهلّون منها".
(ومنها): أنه يؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك، فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يُحرم من حيث تجدّد له القصد، ولا يرجع إلى الميقات؛ لقوله: "فمن حيث أنشاء".
(ومنها): أنه استدلّ به ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- على أن من ليس له ميقات، فميقاته من حيث شاء. قال في "الفتح": ولا دلالة فيه؛ لأنه يختصّ بمن دون الميقات، أي إلى جهة مكة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لولا أثر عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - في تحديد ذات عرق بمحاذات الميقات، لكان لما قاله ابن حزم وجه، لكن الحقّ هو ما عليه الجمهور؛ لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ميقات أهل مكة للعمرة:
стр. 12485
ذهب الجمهور إلى أن أهل مكة يجب عليهم الخروج إلى أدنى الحلّ، كالتنعيم، عملاً بقصّة عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث أمرها النبيّ ﷺ بالخروج إلى التنعيم للعمرة.
قال الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: ومن أراد العمرة -وهو بمكة- إما من أهلها، أو من غير أهلها، ففرض عليه أن يخرج للإحرام بها إلى الحلّ، ولا بدّ، فيخرج إلى أي الحلّ شاء، ويهلّ بها؛ لأن رسول اللَّه ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر بها منه، واعتمر ﵇ من الجعرانة، فوجب ذلك في العمرة خاصّة. انتهى (١).
وقال العلاّمة ابن قدامة عند قول الخرقيّ -رحمهما اللَّه تعالى-: "وأهل مكة إذا أرادوا العمرة، فمن الحلّ، وإذا أرادوا الحجّ فمن مكة": ما حاصله: أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيمًا بها، أو غير مقيم؛ لأن كلّ من أتى على ميقات كان ميقاتًا له، فكذلك كلّ من كان بمكة، فهي ميقاته للحجّ؛ وإن أراد العمرة، فمن الحلّ، لا نعلم في هذا خلافاً, ولذلك أمر النبيّ ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمر عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من التنعيم. متّفق عليه، وكانت بمكة يومئذ. والأصل في هذا قول النبيّ ﷺ : "حتى أهل مكة يهلّون منها". يعني للحج. وقال أيضًا: "ومن كان أهله دون الميقات، فمن حيث يُنشىء، حتى يأتي ذلك على أهل مكة". وهذا في الحج، فأما في العمرة فميقاتهم في حقّهم الحلّ، من أي الجوانب شاء؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بإعمار عائشة من التنعيم، وهو أدنى الحلّ إلى مكة. وقال ابن سيرين: بلغني أن النبيّ ﷺ وقّت لأهل مكة التنعيم. وقال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: يا أهل مكة من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه وبينها بطن محسّر. يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة.
وإنما لزم الإحرام من الحلّ ليجمع في النسك بين الحلّ والحرم، فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحجّ، فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة، فيجتمع له الحلّ والحرم، والعمرة بخلاف ذلك.
ومن أيّ الحلّ أحرم جاز، وإنما أعمر النبيّ ﷺ عائشة من التنعيم لأنه أقرب الحلّ إلى مكة انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن ميقات أهل مكة للعمرة هو الحلّ، سواء كان التنعيم، أو غيره، فيكون معنى قوله ﷺ : "حتى أهل مكة من مكة
стр. 12486
للحجّ والعمرة" محمول على الحجّ المفرد، والقران، لا على العمرة، بدليل عمرة عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من التنعيم؛ ولم يخالف في هذا أحد من أهل العلم.
وأما ما قاله الصنعاني -بعد أن نقل كلام المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة في حقّ المكيّ-: ما حاصله جوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتَا لها بهذا الحديث، ثم ذكر أثر ابن عباس المتقدم، وقوله أيضًا: "من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم". قال: فأجاب عنه بأنها آثار موقوفة لا تقام المرفوع.
قال: وأما ما ثبت من أمره ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة، فلم يُرد إلا تطييب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها إلى آخر كلامه، فجوابه كما يلي:
أما قوله: جوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتًا الخ، فجوابه نعم، إنه ﷺ جعلها ميقاتا للمفرد بالحج، وللقارن، وأما العمرة فجعل الحلّ ميقاتًا لها، بدليل حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، يؤيّد ذلك أثر ابن عباس، وما أخرجه الفاكهيّ وغيره عن محمد بن سيرين، قال: بلغنا: "أن رسول اللَّه ﷺ وقّت لأهل مكة التنعيم". وعن عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها، فليخرج إلى التنعيم، أو إلى الجعرانة، فليُحرم منها.
وأثر ابن سرين وإن كان مرسلاً إلا أنه اعتضد بقول ابن عباس، وبقول أهل العلم كافّة، كما تقدّم عن المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم في ذلك خلافًا، والمرسل إذا اعتضد يكون حجة، كما هو معلوم في مصطلح أهل الحديث.
وأما قوله: إنه ﷺ أعمر عائشة من التنعيم تطييبا لقلبها، فمما لا ينبغي لمثله أن يقوله، فهل النبيّ ﷺ يطيّب قلبها بخلاف ما شرعه اللَّه تعالى، كلاّ، ثم كلاّ، فلو لم يكن الاعتمار من التنعيم هو المشروع لما أمرها به.
وحاصل أمر عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها ممن شمله التوقيت المتقدّم, لأننا إن قلنا: إنها آفاقية، فميقاتها ذو الحليفة، وإن قلنا: إنها مكية -وهو الحقّ؛ لأن قوله ﷺ : "حتى أهل مكة من مكة" يشمل المقيم بها، والوارد إليها، بدليل أن الصحابة الذين فسخوا الحجّ بعمل العمرة من أهل المدينة أهلّوا من مكة بأمره ﷺ فميقاتها مكة، فلما أمرها بالإحرام من التنعيم علمنا أن ميقات أهل مكة للعمرة هو الحلّ، وإنما لم نقل بتعيّن التنعيم ميقاتًا، لقول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما رواه الطحاويّ، من طريق ابن أبي مليكة عنها، أنها قالت: "وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه". فدلّ على أن المقصود هو الخروج إلى الحلّ مطلقًا.
والحاصل أن ميقات أهل مكة للعمرة المفردة من التنعيم، أو غيره من الحلّ، لا
стр. 12487
يجوز غير ذلك، وأما المفرد بالحجّ، أو القارن، فميقاتهم مكة؛ عملاً بما صحّ لدينا من الأحاديث في كلّ ذلك، دون أن يكون هناك اختلاف بينها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: اختلفوا هل يتعيّن التنعيم لمن اعتمر من مكة؟، قال الطحاويّ -﵀ تَعَالَى-: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته، كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحجّ.
وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحلّ، وإنما أمر النبيّ ﷺ عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه كان أقرب الحلّ من مكة. ثم روى من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قال. "وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه". فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحلّ، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء. ذكره في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٢١ - (مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ)
٢٦٦٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ. عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ, وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ, وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
وَذُكِرَ لِي, وَلَمْ أَسْمَعْ, أَنَّهُ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه مستوفًى، وكذا الكلام على مسائله قبل ثلاثة أبواب.
ودلالته على الترجمة واضحة، و"سفيان": هو ابن عيينة -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12488
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الرابع والعشرون عشر مفتتحًا بالباب ٢٢ "ميقات أهل العراق" الحديث رقم ٢٦٥٦.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 12489
شرح سنن النسائي
المسمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين
الجزء الثالث والعشرون
دار آل بروم للنشر والتوزيع
стр. 12490
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 12491
شرح سنن النسائي
стр. 12492
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 12493
٢٢ - (مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العراق": -بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء-: إقليم معروف، ويذكّر، ويؤنّث، قيل: هو معرّب، وقيل: سمي عِرَاقًا؛ لأنه سَفَلَ من نجد، ودنا من البحر، أخذًا من عِرَاق الْقِرْبَة، والْمَزَادَة، وغير ذلك، وهو ما ثَنَوْهُ، ثم خَرَزُوه مَثْنِيًا، وينسب إلى العراق على لفظه، فيقال: عراقيّ، والاثنان عراقيّان، وللشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- تصنيف لطيفٌ، نَصَب الخلاف فيه مع أبي حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، واختار ما رَجَحَ عنده دليله، ويسمّى اختلاف العِرَاقِيَّين؛ لأن كلّ واحد منهما منسوب إلى العراق، فهما عراقيّان. قاله الفيّوميّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٥٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ, مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْمُعَافَى, عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ, وَلأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ, وَلأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ, وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا, وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله قبل بابين.
و"محمد بن عبد اللَّه بن عمّار الموصليّ (٢) " الثقة الحافظ [١٠] ٢٠/ ١٢٢٠. من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
و"محمد بن عليّ" الأسديّ، أبو هاشم ابن أبي خِدَاش -بكسر المعجمة، وتخفيف الدال- الموصليّ، ثقة عابد [١٠].
قال العجليّ: ثقة رجلٌ صالحٌ. وقال تمتام: قلت لابن معين: " جامع الثوريّ" عن أبي هاشم، عن المعافى؟، فقال: إن هذا الرجل نظير المعافى، أو أفضل منه. وعن بشر بن الحارث أنه كان يقول: ودِدت أني ألقى اللَّه تعالى بمثل عمل أبي هاشم. وقال أحمد بن دباس الأزديّ: كنا عند المعافى، فأقبل أبو هاشم، فقال المعافى: أُراه من القوم -يعني الأبدال-.
وقال العجليّ: كلّ شيء رُوي عن أبي هاشم حديثان. وقال إدريس بن سُليم: كنا
стр. 12494
عند غسّان بن الربيع، أو يعلي بن مهديّ، فجاء نعي أبي هاشم، وقال قائلٌ: مات شيخ الموصل، فقال: نعم، وشيخ الجزيرة، ومصر، والشام.
وقال أبو زكريّا في "تاريخ الموصل": من أهل الصلاح، والفضل، والجهاد، قُتل في سبيل اللَّه تعالى بشِمْشَاط، مقبلاً، غير مُدبر، سنة (٢٢٢).
روى له المصنّف حديث الباب فقط، وابن ماجه، حديثًا واحدًا أيضًا حديث حذيفة ﵁: "لا يقبل اللَّه لصاحب بدعة صومًا، ولا صلاةً".
وقوله: "ذات عِرق " -بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها قاف -: موضع على نحو مرحلتين من مكة، ويقال: هو من نجد الحجاز. أفاده الفيّوميّ.
وقال غيره: سمي الموضع بذلك لأن فيه عِرْقًا، وهو الجبل الصغير, وهي أرض سبخة، تُنبت الطرفاء، وقيل: العرق من الأرض السبخة، تُنبت الطرفاء. ويُسمى الضَّريبة -بفتح الضاد، وكسر الراء، بعدها ياء، ثم باء- وهي الحدّ الفاصل بين تهامة، ونجد، وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسيخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) يحرم منه الآن أهل العراق، وإيران، وحجاج الشرق كله. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد استوفيت البحث في هذا الحديث قريبًا، وإنما أتكلم هنا فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ميقات أهل العراق، فأقول:
(مسألة): اتفق أهل العلم على أن رسول اللَّه ﷺ نصّ على المواقيت الأربعة المذكورة في حديث ابن عمر، وابن عبّاس ﵄، وهي ذو الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم.
واختلفوا في ذات عرق، هل صارت ميقاتًا لأهل العراق بتوقيت النبيّ ﷺ ونصّه، أم باجتهاد عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -.
قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب ذات عرق لأهل العراق". ١٥٣١ - حدثني عليّ بن مسلم، حدثنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: لَما فُتِح هذان المصران، أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول اللَّه ﷺ حَدَّ لأهل نجد قرنا، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا، شقّ علينا، قال: "فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فَحَدَّ لهم ذات عرق".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وظاهره أن عمر ﵁ حدّ لهم ذات عِرْق باجتهاد منه. وقد روى الشافعيّ من طريق أبي الشعثاء، قال: "لم يوقّت رسول اللَّه ﷺ لأهل المشرق شيئًا، فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق". ورَوَى أحمد عن هُشيم، عن يحيى ابن سعيد وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت، وزاد فيه: "قال ابن
стр. 12495
عمر، فآثر الناس ذات عرق على قرن". وله عن سفيان، عن صدقة، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت، "قال: فقال له قائل: فأين العراق؟ فقال ابن عمر: لم يكن يومئذ عراق". وفي "كتاب الاعتصام" من "صحيح البخاريّ" من طريق عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: "لم يكن عراق يومئذ". ووقع في "غرائب مالك" للداقطنيّ، من طريق عبد الرزّاق، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "وقّت رسول اللَّه جمتَ لأهل العراق قرنًا". قال عبد الرزاق: قال لي بعضهم: إن مالكًا محاه من كتابه. قال الدارقطنيّ: تفرّد به عبد الرزاق. قال الحافظ: والإسناد إليه ثقات أثبات. وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" عنه، وهو غريبٌ جدًّا، وحديث الباب يردّه.
وروى الشافعيّ من طريق طاوسٍ، قال: "لم يوقّت رسول اللَّه ﷺ ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق". وقال في "الأمّ": "لم يثبت عن النبيّ ﷺ أنه حدّ ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس".
وهذا كلّه يدلّ على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصًا، وبه قطع الغزالي، والرافعي في "شرح المسند"، والنوويّ في "شرح مسلم"، وكذا وقع في "المدوّنة" لمالك.
وصحح الحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعيّة، والرافعيّ في "الشرح الصغير"، والنوويّ في "شرح المهذّب" أنه منصوص. وقد وقع ذلك في حديث جابر ﵁ عند مسلم، إلا أنه مشكوك في رفعه، أخرجه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يُسألُ عن الْمُهَلّ، فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبيّ ﷺ ، فذكر. وأخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" بلفظ: "فقال: سمعت أحسبه يريد النبيّ ﷺ ". وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لَهِعة، وابنُ ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما، عن أبي الزبير، فلم يشكّا في رفعه.
ووقع في حديث عائشة، وفي حديث الحارث بن عمرو السهميّ كلاهما عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ. وهذا يدلّ على أن للحديث أصلاً، فلعلّ من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كلّ طريق لا يخلو عن مقال.
ولهذا قال ابن خزيمة: رُويت في ذات عرق أخبارٌ لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث.
وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا. انتهى.
قال الحافظ: لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ إنما هو بالنسبة لحديث جابر، وإلا فحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الذي عند المصنّف صحيح، لا كلام فيه، قال ابن حزم في "المحلّى" -بعد أن أخرج الحديث من طريق المصنّف-: ما نصّه: قال أبو
стр. 12496
محمد: هشام بن بهرام، ثقة، والمعافى ثقة، كان سفيان يسميه الياقة الحمراء، وباقيهم أشهر من ذلك انتهى (١).
والحاصل أن حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - صحيح لا كلام. واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأما إعلال من أعلّه بأن العراق لم تكن فُتحت يومئذ، فقال ابن عبد البرّ: هي غفلة؛ لأن النبيّ ﷺ وقّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق انتهى. وبهذا أجاب الماورديّ، وآخرون.
قال الحافظ: لكن يظهر لي أن مراد من قال: لم يكن العراق يومئذ، أي لم يكن في تلك الجهة ناسٌ مسلمون، والسبب في قول ابن عمر ذلك، أنه روى الحديث بلفظ: "أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهلّ؟ "، فأجابه، وكلّ جهة عيّنها في حديث ابن عمر كان من قبلها ناس مسلمون، بخلاف المشرق، واللَّه أعلم. انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: روى مسلم في "صحيحه" عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - يُسأل عن الْمُهلّ؟، فقال: سمعت أحسبه رفع الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: "ومهلّ أهل العراق من ذات عرق". وقال النووي في "شرح مسلم": هو غير ثابت؛ لعدم جزمه برفعه.
وأما قول الدارقطنيّ: إنه حديث ضعيف؛ لأن العراق لم تكن فُتحت في زمن النبيّ ﷺ ، فكلامه في تضعيفه صحيح، ودليله ما ذكرته، وأما استدلاله لضعفه بعدم فتح العراق، ففاسد؛ لأنه لا يمتنع أن يُخبر به النبيّ ﷺ لعلمه بأنه سيفتح، ويكون ذلك من معجزات النبوّة، والإخبارِ بالمغيّبات المستقبلات، كما أنه ﷺ وقّت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة ومعلوم أن الشام لم يكن فتح يومئذ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه أخبر بفتح الشام، واليمن، والعراق، وأنهم يأتون إليهنّ يبِسّون، والمدينة خيرٌ لهم، لو كانوا يعلمون. وأنه ﵇ أخبر بأنه زُويت له مشارق الأرض، ومغاربها، وقال: سيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها، وأنهم سيفتحون مصر، وهي أرض يُذكر فيها القيراط. وأن عيسى ﵇ ينزل على المنارة البيضاء، شرقيَّ دمشق. وكلّ هذه الأحاديث في "الصحيح" انتهى.
وقال في "شرح المهذّب": إسناده صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبيّ ﷺ ، فلا
стр. 12497
يثبت رفعه لمجرّد هذا. ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الْخُوزيّ بإسناده عن جابر، مرفوعًا بغير شكّ، بلفظ "أهل المشرق"، لكن الخوزيّ ضعيف، لا يُحتجّ بروايته. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" عن جابر، عن النبيّ ﷺ بلا شكّ أيضًا. لكنه من رواية الحجّاج بن أرطأة، وهو ضعيف.
قال وليّ الدين: في قول النوويّ: إن حديث جابر غير ثابت؛ لأنه لم يجزم برفعه نظر، فإن قوله: "أخسبه" معناه أظنّه، والظنّ في باب الرواية يتنزّل منزلة اليقين، فليس ذلك قادحًا في رفعه. وأيضًا فلو لم يصرّح برفعه، لا يقينًا, ولا ظنَّا، فهو منزّل منزلة المرفوع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، وإنما يؤخذ توقيفًا من الشارع، لا سيّما وقد ضمّه جابر ﵁ إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول وليّ الدين: والظن في باب الروية الخ فيه نظر؛ إذ كثيرًا ما يردّ المحدّثون أحاديث كثيرة لعدم جزم راويها، كما لا يخفى على من تتبّع كتب السنّة. وكذا قوله: لا يقال من قبل الرأي الخ فيه نظر، إذ يشكل عليه تحديد عمر ﵁ ذات عرق بالاجتهاد، فليُتأمّل.
قال: وروى أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، كما قال النوويّ، عن عائشة، فذكر حديث الباب. قال: وذكر ابن عديّ، عن يحيى بن محمد بن صاعد أن الإمام أحمد كان يُنكر على أفلح بن حُميد هذا الحديث، قال ابن عديّ: قد حدّث عنه ثقات الناس، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلّها، وهذا الحديث ينفرد به مُعافَى بن عمران عنه، وإنكار أحمد قوله: "ولأهل العراق ذات عرق"، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه انتهى.
وصححه أبو العباس القرطبيّ. وقال الذهبيّ: هو صحيح غريب. وقال العراقيّ: إن إسناده جيّدٌ.
وروى أبو داود أيضًا عن الحارث بن عمرو السهميّ حديثًا، وفيه: "ووقّت -يعني رسول اللَّه ﷺ ذات عرق لأهل العراق". قال البيهقيّ: في إسناده من هو غير معروف.
قال وليّ الدين: زُرارة بن كَرِيم -بفتح الكاف- رَوَى عنه جماعة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، والراوي عنه في سنن أبي داود عتبة بن عبد الملك كذلك، وباقي رجاله لا يحتاج إلى الفحص عنهم، فليس في إسناده من هو غير معروف، فإن كان فيهم من ليس معروفًا عند البيهقيّ، فهو معروف عند غيره.
وروى أحمد، والدارقطنيّ من رواية الحجّاج بن أرطاة، عن عمرو بن شُعيب، عن
стр. 12498
أبيه، عن جدّه، قال: "وقّت رسول اللَّه ﷺ "، فذكر الحديث، وفيه: "وقال: لأهل العراق ذات عرق".
وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبيّ ﷺ مرسلاً: "أنه وقّت لأهل المشرق ذات عرق".
قال الحافظ وليّ الدين: فهذه الأحاديث التي ذكرتها، وإن كان في كلّ منها ضعف، فمجموعها لا يقصر عن بلوغ درجة الاحتجاج به. وكذا ذكره النوويّ في "شرح المهذّب"، فالأرجح عندي أنه منصوص أيضًا.
قال ابن قُدامة: ويجوز أن يكون عمر، ومن سأله لم يعلموا توقيت النبيّ ﷺ ذات عرق، فقال ذلك برأيه، فأصاب، ووافق قول النبيّ ﷺ ، فقد كان كثير الإصابة ﵁ اهـ. انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وأما ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، من وجه آخر عن ابن عبّاس "أن النبيّ ﷺ وقّت لأهل المشرق العقيق (٢) ". فقد تفرّد به يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة:
(منها): أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب؛ لأنه أبعد من ذات عرق. (ومنها): أن العقيق ميقات لبعض العراقيين، وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبرانيّ، وإسناده ضعيف.
(ومنها): أن ذات عرق كانت أوّلاً في موضع العقيق الآن، ثم حُوّلت، وقربت إلى مكة، فعلى هذا، فذات عرق، والعقيق شيء واحد. ويتعيّن الإحرام من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحبّ احتياطًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه التأويلات كلها لا حاجة إليها؛ لأن الحديث ضعيفٌ كما سبق، فلماذا هذه التأويلات المتكلّفة؟، واللَّه المستعان.
قال: وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يُحرم من الرَّبَذَة، وهو قول القاسم بن عبد الرحمن، وخُصيف الجزريّ، قال ابن المنذر: وهو أشبه في النظر، إن كانت ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنها تُحاذي ذا الحليفة، وذات عرق بعدها،
стр. 12499
والحكم فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات يحاذيه، لكن لما سنّ عمر ذات عرق، وتبعه عليه الصحابة، واستمرّ عليه العمل، كان أولى بالاتباع. انتهى ما في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح" أيضًا: ما حاصله: استُدلّ بتحديد عمر ﵁ ذات عرق على أن من ليس له ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتًا من هذه المواقيت الخمسة، ولا شكّ أنها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شاميّة، ويلملم يمانية، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكة من الأخرى، وقرن شرقيّة، والجحفة غربيّة، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما كذلك، وذات عرق تحاذي قرنًا، فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي ميقاتًا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال: من ليس له ميقات، ولا يحاذي ميقاتًا، هل يحرم من مقدار أبعد من المواقيت، أو أقربها؟، ثم حكى فيه خلافًا، والفرض أن هذه الصورة لا تتحقّق؛ لما قلته، إلا أن يكون قائله فرضه فيمن لم يَطّلِع على المحاذاة، كمن يجهلها. وقد نقل النوويّ في "شرح المهذّب" أنه يلزمه أن يُحرم على مرحلتين، اعتبارًا بقول عمر هذا في توقيته ذات عرق. وتُعُقّب بأن عمر إنما حدّها لأنها تحاذي قرنًا، وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعلّ القائل بالمرحلتين أخذ بالأقلّ, لأن ما زاد عليه مشكوك فيه. لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد. ويحتمل أن يفرّق بين من عن يمين الكعبة، وبين من عن شمالها؛ لأن المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيقدر لليمين الأقرب، وللشمال الأبعد، واللَّه أعلم.
ثم إن مشروعيّة المحاذاة مختصّة بمن ليس له أمامه ميقات معيّنٌ، فأما من له ميقات معيّن، كالمصريّ مثلاً يمرّ ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يحرم منها، بل له التأخير حتى يأتي الجحفة، واللَّه تعالى أعلم انتهى ما في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أن من ليس له ميقات معيّن إذا لم يأت على ميقات من المواقيت المذكورة عليه يحرم من حذاء أقرب المواقيت إلى طريقه هو الحقّ؛ لما تقدّم من أثر عمر ﵁، فقد وافقه عليه الصحابة ﵃، فيما وقّت به ذات عرق، حيث أمر أهل العراق بأن ينظروا حذو قرن من طريقهم، فيحرموا منه.
وأما قول ابن حزم: إنه يحرم من حيث شاء؛ وادعى أنه يدخل في قوله ﷺ : "ومن
стр. 12500
كان دون ذلك الخ" فبعيد, لأنه ليس دون المواقيت المذكورة، فكيف يتناوله الحديث، بل ما دلّ عليه ما نُقل عن عمر ﵁، ووافقه الصحابة عليه هو الصواب؛ لأننا وإن قلنا بصحة توقيت ذات عرق مرفوعًا، إلا أن عمر ﵁ لما لم يسمع النصّ قال: "انظروا حذوها من طريقكم"، ووافقه الصحابة الذين لم يسمعوا التوقيت من النبيّ ﷺ على ذلك، فهو أولى بالاتباع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٢٣ - (مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ)
٢٦٥٧ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ, وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ, وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا, وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ, قَالَ: «هُنَّ (١) لَهُمْ, وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ, مِمَّنْ سِوَاهُنَّ (٢) , لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ, مِنْ حَيْثُ بَدَأَ, حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ أَهْلَ مَكَّةَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن جعفر": هو غندر. و"معمر": هو ابن راشد. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى قبل بابين.
ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحةٌ، وهي أن من كان أهله داخل هذه المواقيت فميقاته مكان أهله، إن أراد النسك منه، وإلا فمن حيث أراد.
وقوله: "لمن أراد الحجّ والعمرة" فيه دلالة لمذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أن من أراد دخول مكة لحاجة مّا، لا يلزمه الإحرام من الميقات، وهو الراجح، وسيأتي في محلّه -١٠٧/ ٢٨٦٧ - إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: "من حيث بدأ" بالهمز بمعنى أنشأ في الرواية الأخرى، وفي بعض النسخ "بدا" بالألف بدل الهمزة، فيحتمل أن تكون مبدلة من الهمزة تخفيفًا. ويحتمل أن يكون من بدا الشيءُ يبدو، بمعنى ظهر، أي من حيث ظهر له الإنشاء. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "حتى يبلغ ذلك أهل مكة" الإشارة إلى الحكم المذكور، أي حتى يبلغ