أي أقضيه (قَالَ) ﷺ (فَاقْضُوا اللَّه) أي أدّوا إليه ما وجب علكيم من حقّه (فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) الفاء تعليليّة؛ لأنه أحقّ بالوفاء من غيره.
قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث إشعارٌ بأن المسؤول عنه خلف مالاً، فأخبره النبيّ ﷺ -أن حقّ اللَّه مقدّم على حقّ العباد، وأوجب عليه الحجّ عنه، والجامع علّة المالية.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يتحتّم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالاً كما زعم؛ لأن قوله: "أكنت قاضيه" أعمّ من أن يكون المراد مما خلفه، أو تبرّعًا
انتهى (١). وهو تعقُّبٌ جيّد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٢٦٣٢ و ٨/ ٢٦٣٣ - وفي "الكبرى" ٧/ ٣٦١٢ و ٨/ ٣٦١٣. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٥٢ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٩ و"الاعتصام بالكتاب والسنّة" ٧٣١٥ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢١٤١ و ٢٥١٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الحجّ عن الميت الذي نذر أن يحجّ، ثم مات قبل الوفاء بنذره، وفيه اختلاف بين أهل العلم، فروى سعيد بن منصور وغيره، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بإسناد صحيح: لا يحجّ أحد عن أحد، ونحوه عن مالك، والليث، وعن مالك أيضًا إن أوصى بذلك، فليحجّ عنه، وإلا فلا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): صحّة نذر الحجّ ممن لم يحجّ، فإذا حجّ أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحجّ عن النذر. وقيل: يجزئ عن النذر، ويحجّ حجة الإسلام. وقيل: يُجزىء عنهما (٢).
(ومنها): إثبات القياس (ومنها): تشبيه ما اختُلف فيه، وأشكل بما اتُّفِقَ عليه
стр. 12427
(ومنها): أنه يستحبّ للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتّب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي، وأدعى لإذعانه (ومنها): أن وفاء الدين الماليّ كان معلومًا عندهم، مقرّرًا, ولهذا حَسُن الإلحاق به (ومنها): أن من مات، وعليه حجّ وجب على وليّه أن يجهّز من يحُجّ عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدميّ من رأس المال، فكذلك ما شُبّه به في القضاء. ويلتحق بالحجّ كلّ حقّ ثبت في ذمّته، من كفّارة، أو نذر، أو زكاة، أو غير ذلك (ومنها): أن في قوله: "فاللَّه أحقّ بالوفاء" دليلٌ على أنه مقدّم على دين الآدميّ، وهو أحد أقوال الشافعيّ. وقيل: بالعكس. وقيل: هما سواء.
(ومنها): أن الحديث دليلٌ لقول الجمهور بأن من ترك الصلاة عامدًا يجب عليه قضاؤها، ووجه ذلك أن ذلك التارك عليه دين للَّه تعالى، يطالبه به، ويعاقبه عليه، فإذا كان دينًا وجب الوفاء به، كسائر الديون التي تلزمه للآدمين، كما إذا أتلف مالاً، أو غصب، أو أودعه شخصٌ، فأفرط فيه، ونحو ذلك، بل هذا ألزم بالوفاء، لصريح قوله ﷺ : "فاللَّه أحقّ بالوفاء"، وفي رواية أخرى: "فدين اللَّه أحقّ بالوفاء".
والحاصل أن وجوب قضاء الصلاة على من تركها عامدًا هو الأرجح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في "كتاب الصلاة" في باب "فيمن نسي صلاة" -٥٢/ ٦١٣ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحجّ عن الميت:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذب": مذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- المشهور أنه إذا مات، وعليه حجّ الإسلام، أو قضاء، أو نذر، وجب قضاؤها من تركته، أوصى بها، أم لم يوص. قال ابن المنذر: وبه قال عطاء، وابن سيرين، وروي عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال النخعيّ، وابن أبي ذئب: لا يحُجّ أحدٌ عن أحد. وقال مالك: إذا لم يوص به يتطوّع عنه بغير الحجّ، ويُهدى عنه، أو يتصدّق، أو يُعتق عنه انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأرحج؛ لقوّة دليله، كحديث الباب، وغيره. وقد تكلّم ابن حزم في هذه المسألة، ورجّح القول بالوجوب، وفنّد
стр. 12428
القول الثاني بما لا تراه في كتب غيره، فراجع "المحلّى" -٧/ ٥٣ - ٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٨ - باب الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ
٢٦٣٣ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَتِ امْرَأَةُ سِنَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْجُهَنِيِّ, أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ, وَلَمْ تَحُجَّ, أَفَيُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا, أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ , قَالَ: «نَعَمْ, لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ, فَقَضَتْهُ عَنْهَا, أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا؟ , فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عمران بن موسى" القزّاز البصريّ، وهو ثقة، فإنه من رجال الأربعة، غير أبي داود.
و"عبدُ الوارث": هو ابن سعيد البصريّ. و"أبو التيّاح": هو يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ. و"موسى بن سلمة الْهُذليّ": هو البصريّ الثقة [٤] ٢/ ١٤٤٣. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، أبو التيّاح، عن موسى بن سلمة.
[تنبيه]: قوله: "امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ"، هكذا هو في رواية المصنّف هنا، وفي "الكبرى"، وهو غلط، والصواب: "سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ"، كما هو عند أحمد، وابن خزيمة، ولفظ أحمد في "مسنده":
٢٥١٤ - حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو التَّيَّاح، عن موسى بن سلمة، قال: حججت أنا، وسنان بن سلمة، ومع سنان بدنة، فأَزْحَفَت عليه، فَعَيَّ بشأنها، فقلت: لئن قدمت مكة، لأستَبحِثَنَّ عن هذا، قال: فلما قدمنا مكة، قلت: انطلق بنا إلى ابن عباس، فدخلنا عليه، وعنده جارية، وكان لي حاجتان، ولصاحبي
стр. 12429
حاجة، فقال: ألا أُخليك، قلت: لا، فقلت: كانت معي بدنة، فأَزحَفت علينا، فقلت: لئن قدمت مكة، لأستبحثن عن هذا، فقال ابن عباس: بعث رسول اللَّه ﷺ بالبدن، مع فلان، وأمره فيها بأمره، فلما قَفّا رجع، فقال: يا رسول اللَّه، ما أصنع بما أَزحف علي منها؟، قال: انحرها، واصبُغْ نعلها في دمها، واضربه على صفحتها, ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من رفقتك"، قال: فقلت له: أكون في هذه المغازي، فأغنم، فأعتق عن أمي، أفيجزئ عنها أن أعتق؟، فقال ابن عباس: أمرت امرأة سنان (١) بن عبد اللَّه الجهني، أن يسأل رسول اللَّه ﷺ ، عن أمها توفيت، ولم تحجج، أيجزئ عنها أن تحج عنها؟، فقال النبي ﷺ : "أرأيت لو كان على أمها دين، فقضته عنها، أكان يجزئ عن أمها؟ "، قال: نعم، قال: "فلتحجّ عن أمها"، وسأله عن ماء البحر؟، فقال: "ماء البحر طهور".
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" مختصرًا بنحوه.
ولعله وقع في رواية المصنّف اشتباه سنان بن سلمة الذي انطلق مع موسى بن سلمة إلى ابن عبّاس، ليسأله, عن إزحاف بدنته، بسنان بن عبد اللَّه الجهني الذي سأل النبيّ ﷺ لامرأته، فوقع التصحيف، ولا سيّما مع عدم ذكر المصنف قصّة انطلاق الأول إلى ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
والحاصل أن سنان بن سلمة هو الذي انطلق مع موسى بن سلمة الجهني إلى ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ليسأله عن إزحاف بدنته، والذي سأل النبيّ ﷺ لامرأته عن أمها التي ماتت، ولم تحجّ، هو سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ، وقد نبّه الحافظ على ذلك في كلامه الذي قدّمناه عن "الفتح"، حيث قال: ووقع عند النسائيّ: سنان بن سلمة، والأول أصحّ انتهى، فتفطّن لهذا التنبيه، فإنه دقيق.
وشرح الحديث يعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في ببان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 12430
أخرجه هنا -٨/ ٢٦٣٣ - وفي "الكبرى" ٨/ ٣٦١٣. وأخرجه (أحمد) ٢٥١٤ (ابن خزيمة) ٣٠٣٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٣٤ - (أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ , عَنْ أَبِيهَا مَاتَ, وَلَمْ يَحُجَّ؟ , قَالَ: «حُجِّى عَنْ أَبِيكِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، غير شيخه "عثمان بن عبد اللَّه" بن محمد بن خُرَّزاد، أبي عمرو الشاميّ، ثقة، من صغار [١١] ١١٢/ ١٥٥. فإنه من أفراد المصنّف. و"عليّ بن حكيم"، فقد انفرد به هو، ومسلم. وكلهم تقدّموا، غير واحد، وهو:
١ - (عليّ بن حكيم) بن ذُبيان -بمعجمة، بعدها موحّدة ساكنة، ثم تحتانيّة- الأوديّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة [١٠].
قال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الآجريّ، عن أبي داود: صدوق، خرج مع أبي السرايا. وقال ابن قانع: كان ثقة صالحاً. وقال النسائيّ، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: ثقة، مات سنة (٢٣١) في رمضان.
روى عنه البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم حديثين، وروى له المصنّف، حديث الباب فقط.
و"حميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ": هو أبو عوف الكوفيّ، ثقة [٨] ٢/ ٤٩٧.
وفي السند ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: أيوب، عن الزهريّ، عن سليمان بن يسار. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَباسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَةَ) الظاهر أن هذه المرأة غير امرأة سنان عبد اللَّه الجهنيّ السابقة، فإنها سألت عن أمها، وهذه سألت عن أبيها. واللَّه تعالى أعلم (سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، عَنْ أَبِيهَا) أي عن حكم الحجّ عن أبيها، وقوله (مَاتَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله (وَلَمْ يَحُجَّ؟، قَالَ) ﷺ (حُجَّي عَنْ أَبِيكِ) فيه جواز حجّ المرأة عن الرجل، كعكسه المتقدّم في الباب الماضي، وسيأتي في باب مفرد، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
стр. 12431
وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٨/ ٢٦٣٤ - وفي "الكبرى" ٨/ ٣٦١٤. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن هذا الحديث غير الحديث الآتي في الباب التالي، حيث أورده تحت ترجمة "الحجّ عن الميت الذي لم يحجّ"، وأورد الثاني تحت ترجمة "الحجّ عن الحيّ الذي لا يستمسك على الرحل"، فقول الشيخ الألباني في "صحيح النسائيّ" جـ ٢/ ٥٥٩: وهو مختصر الحديث الآتي. فيه نظر، لا يخفى، لأمرين:
(الأول): أن سياقه مختلف، فإن سؤال المرأة هنا عن أبيها مات، ولم يحجّ، وهناك عن أبيها الحيّ الذي لا يستطيع الحج.
(الثاني): صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، كما بينته آنفاً.
وقد أشار الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "النكت الظراف" إلى هذا الاختلاف، وأنهما قضيّتان، غير أنه قال: "عن أمها ماتت الخ"، ولعله وقع له هكذا في نسخته، ونصّ كلامه:
"حديث: كان الفضل رديف رسول اللَّه ﷺ ، فجاءت امرأة، من خثعم، فقالت: إن فريضة اللَّه في الحجّ أدركت أبي شيخًا كبيرا … إلى أن قال: سمعنا عن عثمان بن عبد اللَّه، عن عليّ بن حكيم، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن الزهريّ نحوه.
قلت: حديث أيوب هذا حديث آخر، لا يطابق الأول، لا في لفظه، ولا في معناه، وسياقه هكذا: أن امرأة سألت النبيّ ﷺ عن أمها ماتت، ولم تحجّ؟، قال: "حجي عن أمك". قال حمزة الكنانيّ، أحد الرواة عن النسائيّ: هذا حديث غريبٌ، تفرّد به عليّ ابن حكيم. انتهى كلام الحافظ في نكته (١).
والحاصل أن الحديثين مختلفان، فإن كان عليّ بن حكيم حفظه، فهما قصّتان، ويكون الحديث من أفراد المصنّف، كما أسلفته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12432
٩ - باب الْحَجِّ عَنِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّحْلِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الرحل" -بفتح، فسكون -: مَرْكبٌ للبعير، كالراحُول، جمعه أرحُلٌ، ورِحَالٌ. ومسكنك، وما تستصحبه من الأثاث. قاله في "القاموس". والمناسب هنا المعنى الأوّل.
وفي "المصباح": الرَّحْلُ: شيء يُعد للرَّحِيل، من وعاء للمتاع، ومَرْكب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرحُلٌ، ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُس، وسِهَام. انتهى.
وفي نسخة: "على الراحلة"، وهي: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رَوَاحِلُ. قاله في "المصباح" أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٣٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ, سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ , غَدَاةَ جَمْعٍ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ, عَلَى عِبَادِهِ, أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا, لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّحْلِ, أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ , قَالَ: «نَعَمْ».
٢٦٣٦ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد اللَّه المخزومي) المكي، ثقة، من صغار [١٠] ٤١/ ١٢٧٧.
٣ - (سفيان) بن عيينة الحافط الثبت المكي [٨] ١/ ١.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة [٤] ١/ ١.
٥ - (سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدني، ثقة فقيه فاضل من كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦.
٦ - (ابن طاوس) هو: عبد اللَّه، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابد [٦] ١١/ ٥١٤.
٧ - (أبوه) طاوس بن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن، ثقة فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٨ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12433
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه الثاني، فقد تفرد به هو والترمذي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، وفيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارِ) وفي رواية الترمذيّ: حدثني سليمان بن يسار (عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعيب، عن ابن شهاب، أَخبرني سليمان، أخبرني عبد اللَّه بن عباس.
هذه الرواية صريحة في أن هذا الحديث من مسند عبد اللَّه بن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وهكذا رواه ابن عيينة هنا، ومالك، في -١٢/ ٢٦٤١ - وصالح بن كيسان في ١٢/ ٢٦٤٢ - كلهم عن الزهريّ، وكذا هو عند أكثر الرواة، عن الزهريّ، عن سليمان، عند الشيخين، وغيرهما.
وخالفهم ابن جريج، عن الزهريّ في "الصحيحين" أيضًا، فقال: عن ابن عبّاس، عن الفضل، أن امرأة، فذكره، فجعله من مسند الفضل، وتابعه معمر.
وروى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، أخبرني حصين بن عوف الخثعميّ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن أبي أدركه الحجّ، ولا يستطيع أن يحجّ … الحديث. قال الترمذيّ: سالت محمدًا -يعني البخاريّ- عن هذا؟ فقال: أصحّ شيء فيه ما رُوي عن ابن عباس، عن الفضل. قال: فيحتمل أن يكون ابن عبّاس سمعه من الفضل، ومن غيره، ثم رواه بغير واسطة انتهى.
قال الحافظ: وإنما رجّح البخاريّ الرواية عن الفضل؛ لأنه كان رِدْف النبيّ ﷺ حينئذ، وكان عبد اللَّه بن عبّاس قد تقدّم من المزدلفة إلى منى مع الضَّعَفَة.
وأخرج البخاريّ في "باب التلبية، والتكبير" من طريق عطاء، عن ابن عبّاس: أن النبيّ ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يُلبّي حتى رمى الجمرة. فكأنّ الفضل حدّث أخاه بما شاهده في تلك الحالة.
ويحتمل أن يكون سؤال الخثعميّة وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن عبّاس، فنقله تارة عن أخيه؛ لكونه صاحب القصّة، وتارة عما شاهده، ويؤيّد ذلك ما وقع عند الترمذيّ، وأحمد، وابنه عبد اللَّه، والطبريّ، من حديث عليّ مما يدلّ على أن السؤال المذكور وقع عند الْمَنْحَر بعد الفراغ من الرمي، وأن العبّاس كان شاهدًا، ولفظ أحمد عندهم، من طريق عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن عليّ ﵁ قال: وقف رسول اللَّه ﷺ بعرفة، فقال: "هذا الموقف، وعرفة كلها موقف … "، فذكر الحديث، وفيه: ثم أتى
стр. 12434
الْمَنحَر، فقال: "هذا المنحر، ومنى كلّها منحر". قال: واستفتته، وفي رواية ابنه عبد اللَّه: ثم جاءته امرأة شابّةٌ، من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبيرٌ، قد أفند، وقد أدركته فريضة اللَّه في الحجّ، أفيجزىء عنه أن أدّي عنه؟، قال: "نعم، فأدي عن أبيك"، قال: ولَوَى عنق الفضل، فقال العبّاس: يا رسول اللَّه، لِمَ لويت عنق ابن عمّك؟، قال: "رأيت شابًا، وشابّةٌ، فلم آمن عليهما الشيطان".
وظاهر هذا أن العبّاس كان حاضرًا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد اللَّه أيضًا كان معه انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن الحديث صحيح من مسند عبد اللَّه بن عباس، ومن مسند الفضل بن عباس ﵃، لكن كونه من مسند الفضل أرجح كما قال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-؛ لأنه صاحب القصّة. واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّ امْرَأَةَ) قال الحافظ: لم تسمّ (من خَثْعَمَ) قال القسطلاّنيّ: -بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثلّثة، وفتح العين المهملة- غير مصروف للعلميّة والتأنيث باعتبار القبيلة، لا العلميّة، ووزن الفعل، وهي قبيلة مشهورة، أي من اليمن. وقال السنديّ: غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل (٢)، أو التأنيث؛ لكونه اسم قبيلة.
وقال القاري: أبو قبيلة من اليمن، سمّوا به، ويجوز صرفه، ومنعه. وقال الرزقانيّ: قبيلة مشهورة، سميت باسم جدّها، واسمه أفتل بن أنمار. قال الكلبيّ: إنما سمي خثعم بجمل، يقال له: خثعم. ويقال: إنه لما تحالف ولد أفتل على إخوته نحروا بعيرًا، ثم تخثعموا بدمه، أي تلطّخوا به بلغتهم. انتهى (٣).
[تنبيه]: اتفقت الروايات كلها، عن ابن شهاب على أن السائلة، كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان، فاتفقت الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه:
أما إسناده، فقال هشيم عنه: "عن سليمان، عن عبد اللَّه بن عباس". وقال محمد بن سيرين عنه: "عن سليمان، عن الفضل". أخرجهما المصنّف في -١١/ ٢٦٤٠ و ١٣/ ٢٦٤٣. وقال ابن علية عنه: "عن سليمان، حدّثني أحد ابني العبّاس: إما الفضل، وإما عبد اللَّه". أخرجه أحمد.
وأما المتن، فقال هشيم: "أن رجلا سأل، فقال: إن أبي مات". وقال ابن سيرين: "فجاء رجلٌ، فقال: إن أمي عجوز كبيرة". وقال ابن عُليّة: "فجاء رجلٌ، فقال: إن أبي وأمي".
стр. 12435
وخالف الجميع معمرٌ، عن يحيى بن أبي إسحاق، فقال في روايته: "إن امرأة سألت عن أمّها".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا الاختلاف كلّه عن سليمان بن يسار، فأحببنا أن ننظر في سياق غيره، فإذا كريب قد رواه عن ابن عبّاس، عن حصين بن عوف الخثعميّ، قال: "قلت: يا رسول اللَّه إن أبي أدركه الحجّ". وإذا عطاء الخراسانيّ، قد روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعميّ أنه استفتى النبيّ ﷺ عن حجة كانت على أبيه". أخرجهما ابن ماجه، والرواية الأولى أقوى إسنادًا، وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روى الطبرانيّ من طريق عبد اللَّه بن شدّاد، عن الفضل بن عباس "أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه، إن أبي شيخ كبير"، ويوافقهما مرسل الحسن، عند ابن خزيمة، فإنه أخرجه من طريق عوف، عن الحسن، قال: "بلغني أن رسول اللَّه ﷺ أتاه رجل، فقال: إن أبي شيخ كبيرٌ، أدرك الإسلام، لم يحُجّ … " الحديث، ثم ساقه من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵃، قال مثله، إلا أنه قال: إن السائل سأل عن أمّه. وهذا يوافق رواية ابن سيرين أيضًا عن يحيى بن أبي إسحاق، كما تقدّم.
قال الحافظ: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجلٌ، وكانت ابنته معه، فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أبو الرجل، وأمه جميعًا.
ويقرب من ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قويّ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن الفضل بن عبّاس، قال: "كنت ردف النبيّ ﷺ ، وأعرابيّ معه بنت حسناء، فجعل الأعرابيّ يَعرِضها لرسول اللَّه ﷺ رجاء أن يتزوّجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبيّ ﷺ برأسي، فيلويه، فكان يلبّي حتى رمى جمرة العقبة".
فعلى هذا فقول الشابّة: إن أبي، لعلّها أرادت به جدّها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبيّ ﷺ ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن يتزوّجها، فلما لم يرضها، سأل أبوها، عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضًا عن أبويه.
وتحصّل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعميّ. وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين فإن إسنادها ضعيف، ولعلّه كان فيه عن أبي الغوث حصين، فزيد في الرواية "ابن"، أو أن أبا الغوث أيضًا كان مع أبيه حصين، فسأل كما سأل أبوه وأخته، واللَّه أعلم. انتهى (١).
стр. 12436
وقيل: الأحسن في الجمع بين ذلك أن يقال: إن البنت المذكورة في رواية أبي يعلى كانت مع عمّ لها, لا مع أبيها، فإن التجوّز في رواية أبي يعلى من لفظ "معه بنت" أهون من التجوّز في جميع الروايات المختلفة الواردة بلفظ: "إن أبي شيخ كبير"، فالابنة سألت عن أبيها، والعمّ سأل عن أبيه. وأيضًا على ما أفاد الحافظ لم يبق الحاجة إلى سؤاله عن أبيه، بعد ما سألت هي عنه. انتهى (١).
وذهب الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- إلى أن الأولى في الجمع أن يُحمل على تعدّد القضيّة، قال: إن السؤال وقع مرَّات، مرّة من امرأة عن أبيها، ومرّة من امرأة عن أمها، ومرّة من رجل عن أبيه، ومرّة في السؤال عن الشيخ الكبير، ومرّة في الحجّ عن الميت انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي جمع به الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو أقرب أوجه الجمع عندي، وأبعدها عن التكلّف. واللَّه تعالى أعلم.
ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رَزِين الْعُقَيليّ، وقد تقدّم للمصنّف في -٢/ ٢٦٢١. وهي قصّة أخرى. قال الحافظ: ومن وحّد بينها وبين حديث الخثعميّة، فقد أبعد، وتكلّف. انتهى كلام الحافظ بتصرّف (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن في جعل الروايات المختلفة على يحيى بن أبي إسحاق مفسّرة للروايات المختلفة على الزهريّ عندي نظر؛ لأن روايات يحيى أسانيدها فيها كلامٌ؛ إذ هي مضطربة سندًا ومتنًا، كما سبق بيان ذلك، وكما سيأتي أيضًا قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
(سَألَتِ النبِيَّ ﷺ ، غَدَاةَ جَمعٍ) أي صباح مبيت الناس في جمع، وهي المزدلفة، سمّيت بذلك؛ لاجتماع الناس بها. وَيقال: لأن آدم ﵇ اجتمع هناك بحوّاء. أفاده الفيّوميّ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ) أي في أمره، وشأنه، ويمكن أن تكون "في" بمعنى "من" البيانيّة. قاله القاري. وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان -١١/ ٢٦٤٠ - : "إن أبي أدركه الحجّ" (عَلَى عِبَادِهِ) متعلّقٌ بـ "فريضة"، أو بحال مقدّر (أَدْرَكَتْ أَبِي) لم يسمّ أيضًا، وهو مفعول "أدركت". وقوله (شَيْخًا) منصوب على الحال، أو بدلٌ من "أبي". وقوله (كَبِيرًا) نعت له. وفي نسخة: "شيخٌ كبيرٌ" بالرفع، وعليه فهو خبر لمحذوف، أي وهو شيخٌ كبيرٌ، والجملة حال في محلّ نصب.
قال السنديّ: قوله: "أدركت أبي شيخا كبيرًا" يفيد أن افتراض الحجّ لا يشترط له
стр. 12437
القدرة على السفر، وقد قرّر ﷺ ذلك، فهو يؤيّد أن الاستطاعة المعتبرة في افتراض الحجّ ليست بالبدن، وإنما هي بالزاد والراحلة. واللَّه تعالى أعلم انتهى. وسيأتي تحقيق القول في هذا قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
(لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّحْلِ) تعني أنه لا يثبت على الدّابّة، ولا يستقرّ؛ لكبر سنّه. والجملة نعت لقوله: "شيخا". ويحتمل أن يكون حالاً أيضًا، فيكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة.
والمراد أنه وجب عليه الحجّ، بأن أسلم، وهو بهذه الصفة.
وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان ١١/ ٢٦٤٥: "لا يثبت على راحلته، فإن شددته خشيت أن يموت". وفي رواية مالك، عن ابن شهاب ١٢/ ٢٦٤١: "لا يستطيع أن يثبت على الراحلة"، وفي رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب ١٢/ ٢٦٤٢: "لا يستوي على الراحلة". وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: "وإن شددته بالحبل على الراحلة، خشيت أن أقتله".
قال الحافظ: وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين، من الثبوت على الراحلة، أو الأمن عليه من الأذى لو رُبط لم يُرخّص له في الحجّ عنه، كمن يقدر على محلّ مُوَطّإ، كالمِحَفّة (١) انتهى.
(أَفَاَحُجُّ عَنْهُ؟) أي أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجّ عنه؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدّر، وقيل: لا حاجة إلى التقدير، بل الهمزة مقدّمة من تأخير، والأصل "فأأحج عنه"، فقدّمت؛ لأن لها صدر الكلام.
وفي رواية عبد العزيز، وشعيب: "فهل يقضي عنه". وفي حديث عليّ "هل يُجزىء عنه" (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) وفي حديث أبي هريرة ﵁: "احججي عن أبيك".
زاد في رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب -١٢/ ٢٦٤٢ - : "فأخذ الفضل بن عبّاس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، وأخذ رسول اللَّه ﷺ الفضل، فحوّل وجهه من الشقّ الآخر". وفي رواية عند البخاريّ: فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبيّ ﷺ يصرف وجه الفضل يصرف وجه الفضل إلى الشقّ الآخر". وفي رواية: "وكان الفضل رجلاً وضيئًا، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها". وفي رواية: "فالتفت النبيّ ﷺ ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها". ووقع في
стр. 12438
رواية الطبريّ في حديث عليّ: "وكان الفضل غلامًا جميلاً، فإذا جاءت الجارية من هذا الشقّ صرف رسول اللَّه ﷺ وجه الفضل إلى الشقّ الآخر، فإذا جاءت إلى الشقّ الآخر، صرف وجهه عنه -وقال في آخره-: "رأيتُ غلامًا وجاريةً، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان".
وقوله: ٢٦٣٦ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرحْمَنِ، أَبُو عُبَيدِ اللَّهِ الْمَخْزُوميُّ) المكيّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة المشهور (عَنِ) عبد اللَّه (ابْنِ طَاوُسِ) أبي محمد اليمانيّ (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان اليمانيّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى - عنهما (مِثْلَهُ) أي مثل رواية قتيبة، عن سفيان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٢٦٣٤ و ٩/ ٢٦٣٥ و ٢٦٣٦ و١١/ ٢٦٣٩ و ٢٦٤٠ و ١٢/ ٢٦٤١ و ٢٦٤٢ و ١٣/ ٢٦٤٣ وفي "كتاب آداب القضاء" ٩/ ٥٣٨٩ و ٥٣٩٠ و ٥٣٩١ و ٥٣٩٢ و ١٠/ ٥٣٩٣ و ٥٣٩٤ و ٥٣٩٥ و ٥٣٩٦ - وفي "الكبرى" ٨/ ٣٦١٤ و ٩/ ٣٦١٥ و ٣٦١٦ و ١١/ ٣٦١٨ و ٣٦١٩ و ٣٦٢٠ و ١٢/ ٣٦٢١ و ٣٦٢٢ و ١٣/ ٣٦٢٣ و"كتاب القضاء" ١٦/ ٥٩٤٧ و ٥٩٤٨٥٩٤٩ و ٥٩٥٠ و ٥٩٥١ و ٥٩٥٢ و ٥٩٥٣ و ٥٩٥٤ و ٥٩٥٤٥.
وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥١٣ و ١٨٥٤ و ١٨٥٥ و"المغازي" ٤٣٩٩ و"الاستئذان" ٦٢٢٨ و (م) في "الحجّ " ١٣٣٤ (د) في "المناسك" ١٨٠٩ (ت) في "الحجّ" ٩٢٨ (ق) في "المناسك" ٢٩٠٧ و ٢٩٠٩ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨١١ و ١٨٢٤ و ١٨٩٣ و ٢١٩٠ و ٢٢٦٦ و ٣٠٣٣ و ٣٢٢٨ و ٣٣٦٥ (الموطأ) في "الحجّ" ٨٠٦ "الدارميّ" في "المناسك" ١٨٣٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الحجّ عن الحيّ الذي لا يستمسك على الرحل (ومنها): جواز ركوب شخصين، فأكثر على دابّة، وهذا مما لا خلاف فيه إذا أطاقت الدّابّة ذلك (ومنها): إباحة الارتداف مع الأكابر، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وذلك من التواضع، وأفعالُ رسول اللَّه ﷺ كلها سننٌ مرغوبٌ
стр. 12439
فيها، يحسن التأسّي بها على كلّ حال، وجميل (١) الارتداف بالجليل من الرجال.
(ومنها): تواضع النبيّ ﷺ (ومنها): منزلة الفضل بن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند النبيّ ﷺ . (ومنها): منع النظر إلى الأجنبيّات، وغضّ البصر. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة. قال: وعندي أن فعله ﷺ إذ غطّى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال: لعلّ الفضل لم ينظر نظرًا ينكر، بل خشي عليه أن يؤول إلى ذلك، أو كان قبل نزل الأمر بإدناء الجلابيب. ويؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء في خشية الفتنة (ومنها): بيان ما ركّب في الآدميين من شهوات النساء في الرجال، والرجال في النساء، وما يُخاف من النظر إليهنّ، وكان الفضل من أجمل الشبّان في زمانه.
(ومنها): أن فيه الردّ على من زعم أن صوت المرأة عورة، فيجوز سماع صوت المرأة الأجنبيّة للأجانب، والاستماع إلى كلامها في الاستفتاء عن العلم، وإفتائها لمن سألها, وعلى هذا جرى الأمر من لدن العهد النبويّ، فكان الصحابة ﵃ يستفتون أمهات المؤمنين، ويسألونهنَّ عن أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، وكذلك يسألون الصحابيّات، وكانت النساء تترافع في الحكم إلى القضاة، ويستفتين العلماء، ويقع لهنّ التعامل بالبيع والشراء، ونحو ذلك، ولم يُنقل في ذلك إنكار عن أحد ممن يعتبر قوله، فالقول بأن صوت المرأة عورة قول مخالف للأدلّة الشرعية. فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن على العالم، والإمام أن يغيّر من المنكر كلّ ما يمكنه بحسب ما يقدر عليه إذا رآه، وليس عليه ذلك فيما غاب عنه.
(ومنها): أنه يجب على الإمام أن يَحُول بين الرجال والنساء اللواتي لا يؤمن عليهنّ، ولا منهنّ الفتنة، ومن الخروج، والمشي منهنّ في الحواضر والأسواق، وحيث ينظرن إلى الرجال، وينظر إليهنّ. قال رسول اللَّه ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء" (٢).
(ومنها): ما قيل: إن فيه دليلاً على أن إحرام المرأة في وجهها، فتكشفه في الإحرام. ورَوَى أحمد، وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنّ النبيّ ﷺ قال للفضل حين غطّى وجهه يوم عرفة: "هذا يوم من ملك فيه سمعه، وبصره، ولسانه غُفر له".
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: وقد زعم بعض أصحابنا أن في هذا الحديث
стр. 12440
دليلاً على أن للمرأة أن تحجّ، وإن لم يكن معها ذو محرم؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قال للمرأة الخثعميّة: "حجي عن أبيك"، ولم يقل: إن كان معك ذو محرم. وهذا ليس بالقويّ من الدليل؛ لأن العلم ما نطق به، لا ما سكت عنه، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه، واليوم الآخر تسافر، إلا مع ذي محرم، أو زوج" (١).
(ومنها): أن فيه برّ الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما، من قضاء دين، وخدمة، ونفقة، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا. (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على عدم وجوب العمرة؛ لأن المرأة الخثعميّة لم تذكرها. وتعُقّب بأن مجرّد ترك السؤال لا يدلّ على عدم الوجوب؛ لاستفادة ذلك من حكم الحجّ، ولاحتمال أن يكون اْبوها قد اعتمر قبل الحجّ. على أن السؤال عن الحجّ والعمرة قد وقع في حديث أبي رَزين الْعُقَيليّ ﵁، كما تقدّم.
(ومنها): ما قاله ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إن حديث الخثعمّية أصل متّفق على صحّته في الحجّ، خارجٌ عن القاعدة المستقرّة في الشريعة، من أنه ليس للإنسان إلا ما سعى؛ رفقًا من اللَّه تعالى في استدراك ما فرّط فيه المرء بولده، وماله.
وتُعُقّب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقًا (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز الحجّ عن الغير:
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: اختلفوا في حجّ المرء عمن لا يطيق الحجّ من الأحياء، فذهب جماعة منهم إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعميّة، لا يجوز أن يُتَعدّى به إلى غيره، بدليل قول اللَّه : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولم يكن أبو الخثعميّة ممن يلزمه الحجّ لَمّا لم يستطع إليه سبيلاً؛ فخصّ بأن يُقضى عنه، وينفعه ذلك، وخُصّت ابنته أيضًا أن تحجّ عن أبيها، وهو حيٌّ.
وممن قال بذلك مالكٌ، وأصحابه، قالوا: خُصّ أبو الخثعمية، والخثعميّةُ بذلك، كما خُصّ سالم مولى أبي حذيفة برضاعه في حال الكبر، وهذا مما يقول به المخالف، فيلزمه. ورُوي معنى قول مالك عن عبد اللَّه بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، والضحّاك.
قال ابن الزبير: الاستطاعة القوّة. وقال عكرمة: الاستطاعة الصحّة. وقال أشهب: قيل
стр. 12441
لمالك: الاستطاعة الزاد والراحلة؟ قال: لا واللَّه، وما ذاك إلا على قدر طاقة الناس، فربّ رجل يجد زادًا وراحلةً، ولا يقدر على المسير، وآخر يقوى يمشي على راحلته، وإنما هو كما قال اللَّه : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون في البدن والقدرة، وتكون أيضًا بالمال لمن لم يستطع ببدنه. واستدلّوا بهذا الحديث، وما كان مثله.
وممن قال بذلك الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق. ورُوِي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن عبّاس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعمرو بن دينار، والسدّيّ، وجماعة سواهم، كلهم يقولون: السبيل: الزاد والراحلة. وهذا يدلّ على أن فرض الحجّ على البدن والمال. وروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: "السبيل الزاد والراحلة"، من وجوه، منها مرسلة، ومنها ضعيفة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ تعالى (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح":
وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحجّ عن الغير، واستدلّ الكوفيّون بعمومه على جواز صحّة حج من لم يحجّ نيابةً عن غيره. وخالفهم الجمهور، فخصّوه بمن حجّ عن نفسه. واستدلّوا بما في "السنن"، وصححه ابن خُزيمة، وغيره، من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أيضًا: أن النبيّ ﷺ رأى رجلاً يُلبّي عن شُبْرُمة، فقال: "أحججت عن نفسك؟ "، فقال: لا، قال: "هذه عن نفسك، ثم احجج عن شُبْرُمة" (٢).
واستُدلّ به أيضًا على أنّ الاستطاعة تكون بالغير، كما تكون بالنفس. وعكس بعض المالكيّة، فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب. وأجابوا عن حديث الباب بأنّ ذلك وقع من السائل على جهة التبرّع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب.
وبأنها عبادة بدنيّة، فلا تصح النيابة فيها كالصلاة. وقد نقل الطبريّ وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة. قالوا: ولأن العبادات فُرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنيّة، إلا بإتعاب البدن، فبه يظهر الانقياد، أو النفور، بخلاف الزكاة، فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصلٌ بالنفس، وبالغير.
وأُجيب بأن قياس الحجّ على الصلاة لا يصحّ؛ لأن عبادة الحجّ ماليّة بدنيّة معًا، فلا يترجّح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازريّ: من غَلَّبَ حكم البدن
стр. 12442
في الحجّ ألحقه بالصلاة، ومن غَلَّبَ حكم المال ألحقه بالصدقة. وقد أجاز المالكيّة الحجّ عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة.
وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الآمر مِنْ بَذلِهِ المالَ في الأجرة.
وقال القاضي عياض: لا حُجّة للمخالف في حديث الباب؛ لأن قوله: "إن فريضة اللَّه على عباده الخ" معناه إن إلزام اللَّه عباده بالحجّ الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع، فهل أحجّ عنه؟، أي هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجرٌ ومنفعة؟، فقال: "نعم".
وتُعُقّب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء، فيتمّ الاستدلال، وتقدّم في بعض طرق مسلم: "إن أبي عليه فريضة اللَّه في الحجّ". ولأحمد في رواية: "والحجّ مكتوب عليه".
وادّعَى بعضهم أن هذه القصّة مختصّة بالخثعميّة، كما اختصّ سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير. حكاه ابن عبد البرّ.
وتُعُقّب بأن الأصل عدم الخصوصيّة. واحتجّ بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة" بإسنادين مرسلين، فزاد في الحديث: "حُجّ عنه، وليس لأحد بعده". ولا حجة فيه لضعف الإسنادين، مع إرسالهما. وقد عارضه قوله في حديث الجهنيّة الماضي: "اقضُوا اللَّه، فاللَّه أحقّ بالوفاء".
وادّعَى آخرون منهم أن ذلك خاصّ بالابن يحجّ عن أبيه. ولا يخفى أنه جمود.
وقال القرطبيّ: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعميّة مخالف لظاهر القرآن، فرجّح ظاهر القرآن، ولا شكّ في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنّت ظنًّا، قال: ولا يقال: قد أجابها النبيّ ﷺ على سؤالها, ولو كان ظنَّها غلطًا لبيّنه لها؛ لأنا نقول: إنما أجابها عن قولها: "أفأحُجّ عنه؟، قال: حجّي عنه"؛ لِمَا رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها انتهى.
وتُعُقّب بأنّ في تقرير النبيّ ﷺ لها على ذلك حجة ظاهرة.
وأما ما رواه عبد الرزّاق من حديث ابن عبّاس، فزاد في الحديث: "حجّ عن أبيك، فإن لم يزده خيرًا، لم يزده شرًّا". فقد جزم الحفّاظ بأنها رواية شاذّة، وعلى تقدير صحّتها فلا حجّة فيها للمخالف. انتهى ما في "الفتح" (١).
стр. 12443
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه من أجاز الحجّ عن الغير عند الضرورة أرجح؛ للأحاديث الصحيحة به، كحديث الخثعميّة، وغيرها، وكلّ ما اعترضوا به، فقد علمت جوابه فيما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقرّ الوجوب في ذمّته قبل العضب (١)، أو طرأ عليه، خلافًا للحنفيّة. وللجمهور ظاهر قصّة الخثعميّة.
وأن من حجّ عن غيره وقع الحجّ عن المستنيب، خلافًا لمحمد بن الحسن، فقال: يقع عن المباشر، وللمحجوج عنه أجر النفقة.
واختلفوا فيما إذا عُوفِي المعضوب، فقال الجمهور: لا يجزيئه؛ لأنه تبيّن أنه لم يكن ميؤوسًا منه. وقال أحمد، وإسحاق: لا تلزمه الإعادة؛ لئلا يفضي إلى إيجاب حجتين.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الإمامان: أحمد وإسحاق من عدم لزوم الإعادة هو الصحيح عندي؛ لما ذكراه. واللَّه تعالى أعلم.
واتّفق من أجاز النيابة في الحجّ على أنها لا تجزئ في الفرض إلا عن موت، أو عضب، فلا يدخل المريض لأنه يُرجى برؤه، ولا المجنون؛ لأنه يرجى إفاقته، ولا المحبوس؛ لأنه يرجى خَلاصه، ولا الفقير؛ لأنه يمكن استغناؤه. انتهى ما في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١٠ - باب الْعُمْرَةِ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ
٢٦٣٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ, عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ, أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ, لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ, وَلَا الْعُمْرَةَ, وَالظَّعْنَ. قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ, وَاعْتَمِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم للمصنّف ﵀
стр. 12444
تعالى في -٢/ ٢٦٢١ - رواه عن محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، عن خالد بن الحارث الْهُجَيميّ، عن شعبة، وقد استوفيت -بحمد اللَّه تعالى- هناك شرحه، والكلام على مسائه، فراجعه تستفد.
ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١١ - (تَشْبِيهِ قَضَاءِ الْحَجِّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ)
٢٦٣٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ, لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ, وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ, فِي الْحَجِّ, فَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ , قَالَ: «آنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟» , قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ, أَكُنْتَ تَقْضِيهِ» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَحُجَّ عَنْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يوسف بن الزير" الأسديّ المكّيّ، مولى آل الزبير،
وقلبه بعضهم، مقبول [٣].
روى عن الزبير بن العوّام، وابنه عبد اللَّه، ويزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، وكان رضيعه. وعنه بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، ومجاهد بن جبر. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وحكى البخاريّ أنه يقال فيه: الزبير بن يوسف. وقال ابن جرير: مجهول لا يحتجّ به. انفرد به المصنّف. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده برقم ٢٦٤٤ وحديث ٣٤٥٨ "الولد للفراش … ".
والباقون رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.
و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"مجاهد": هو ابن جبر. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أبي بكر، أو أبي خُبيب، الصحابيّ
стр. 12445
الشهير، كان ﵁ أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة تسع سنين، وقُتل في ذي الحجة سنة (٧٣ هـ) وتقدمت ترجمته في ١٨٩/ ١١٦١، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُل مِنْ خَثْعَمَ) لِم يُسمّ (إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيخٌ كَبيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ، وَأَدْرَكتْهُ فرِيضَةُ اللَّهَ، فِي الْحَجً) هذا فيه دليل على أن افتراض الحَجّ لا يشترط له القدرة على السفر بالبدن، وقد قرّر ﷺ ذلك، فهو يؤيّد أن الاستطاعة المعتبرة في افتراض الحجّ ليست بالبدن فقط، بل تكون به، وبالمال وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا، فلا تَنْسَ. (فَهَل يُجْزِئُ) بضم الياء، من الإجزاء، وفي "الكبرى": "يَجزي" بدون همزة. يقال: جزى الأمر يَجزي جَزاءً، مثلُ قضى يقضي قضاء، وزنًا، وفي التنزيل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨و ١٢٣]. ويستعمل أجزأ بالألف والهمزة بمعنى جزى، نقلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثيّ من غير همز لغة الحجاز، والرباعيّ المهموز لغة تميم. أفاده الفيّوميّ. والمعنى: أيكفيه، ويقضي عنه؟ (أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟، قَالَ) ﷺ ("آنتَ أكبَرُ وَلَدِهِ؟) فيه أن أكبر الألاد أحقّ بتخليص ذمّة الأب من غيره (قَالَ) الرجل (نَعَمْ) أي أنا أكبر أولاده (قَالَ) ﷺ (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (لَوْ كَانَ عَلَيْهِ) أي على أبيك (دَيْنٌ، أكُنْتَ تَقْضِيهِ؟) أي تؤديه إلىِ صاحب الدين، فيقبله منك (قَالَ) الرجل (نَعَمْ) أي أفعل ذلك، ويُقبل منّي (قَالَ) ﷺ (فحُجَّ عَنْهُ) أي فإنه يجزئ عنه.
وهذا محلّ الاستدلال للترجمة، حيث شبّه ﷺ قضاء الحجّ بقضاء الدين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لتفرّد يوسف بن الزبير به، وهو مجهول العدالة، فقد تقدّم عن ابن جرير أنه قال: مجهول لا يحتجّ به.
وهو من أفراد المصنّف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا - ١١/ ٢٦٣٨ و ١٤/ ٢٦٤٤ - وفي "الكبرى" ١١/ ٣٦١٨ و ١٤/ ٣٦٢٤. وأخرجه (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٦٧٠ و ١٥٦٩٢ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٣٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٣٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ, خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ النَّسَائِيُّ, عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (١) , إِنَّ أَبِي مَاتَ, وَلَمْ يَحُجَّ, أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ , قَالَ: «أَرَأَيْتَ, لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ, أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ (٢)» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ»).
стр. 12446
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الحكم بن أبان" العَدَنيّ، أبي عيسى، صدوق، عابد، له أوهام [٦].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال العجليّ: ثقة، صاحب سنّة، كان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر اللَّه حتى يصبح.
وقال سفيان بن عيينة: أتيت عدن، فلم أر مثل الحكم بن أبان. وقال ابن عيينة: قدم علينا يوسف بن يعقوب، قاضٍ كان لأهل اليمن، وكان يُذكر منه صلاحٌ، فسألته عن الحكم بن أبان؟ قال: ذاك سيّد أهل اليمن. وروى سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك، قال: الحكم بن أبان، وأيوب بن سُويد، وحُسام بن مِصَكٌ ارم بهؤلاء.
وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أخطأ، وإنما وقع المناكير في روايته من رواية ابنه إبراهيم، عنه، وإبراهيم ضعيف. وقال ابن عديّ في ترجمة حسين بن عيسى: الحكم بن أبان فيه ضعف، ولعلّ البلاء منه، لا من حسين بن عيسى. وحكى ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": تكلّم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره. قال أحمد: مات سنة (١٥٤) وهو ابن (٨٤) سنة.
روى له البخاريّ في " جزء القراءة"، والأربعة. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا وحديث ٣٤٥٧، وأعاده بعده برقم ٣٤٥٨ و ٣٤٥٩.
وشرح الحديث يعلم مما سبق، وهو ضعيف؛ للكلام في الحكم بن أبان، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -١١/ ٢٦٣٩ - وفي "الكبرى" ١١/ ٣٦١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ , أَنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجُّ, وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ, لَا يَثْبُتُ عَلَى رَاحِلَتِهِ, فَإِنْ شَدَدْتُهُ خَشِيتُ أَنْ يَمُوتَ, أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ , قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ, أَكَانَ مُجْزِئًا» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: شرح الحديث يعلم مما سبق، ورجال إسناده ثقات، إلا أن فيه عنعنة هشيم، وهو مشهور بالتدليس، فالحديث ضعيف.
و"يحيى بن أبي إسحاق": هو البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥] ١/ ١٤٣٨. وتقدم تخريج الحديث في -٩/ ٢٦٣٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
стр. 12447
١٢ - باب حَجِّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ
٢٦٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ, رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ, مِنْ خَثْعَمَ, تَسْتَفْتِيهِ, وَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا, وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ, وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ, عَلَى عِبَادِهِ, أَدْرَكَتْ أَبِي, شَيْخًا كَبِيرًا, لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ, أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ , قَالَ: «نَعَمْ» , وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: هذا الحديث متّفق عليه، وتقدم شرحه، والكلام على مسائله في -٩/ ٢٦٣٥ - وباللَه تعالى التوفيق.
وقوله: "رَدِيف رسول اللَّه ﷺ ": الرديف -بفتح، فكسر-: هو الراكب خلف آخر، يقال: رَدِفته بكسر الدال المهملة: إذا ركبت خلفه، وأردفه: أركبه خلفه.
واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به لما ترجم له واضح، وفيه ردّ على من كره أن تحجّ المرأة عن الرجل، دون العكس؛ لأن المرأة تلبس، والرجل لا يلبس. كما ذكره الحافظ أبو عمر في "الاستذكار" -١٢/ ٦٧ - عن الثوريّ. فالحديث صريح في الردّ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٢ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ, اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ, أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا, لَا يَسْتَوِي عَلَى الرَّاحِلَةِ, فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ, أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ , فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ» , فَأَخَذَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ, يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا, وَكَانَتِ امْرَأَةً حَسْنَاءَ, وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَضْلَ, فَحَوَّلَ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله.
وقولها: "فهل يقضي عنه" أي فهل يؤدّي الواجب الذي عليه. وقوله: "فحوّل وجهه من الشّقّ الآخر" أي فحوّل الفضلُ وجهه من الشق الآخر إلى شقّ الخثعميّة لينظر إليها. أو كلمة "من" بمعنى "إلى"، وضمير حَوَّلَ للنبيّ ﷺ . ويحتمل أن المراد بالشقّ الآخر
стр. 12448
هو شق الخثعميّة، سمّي آخر لكون الفضل كان ناظرًا قبل ذلك إلى غير شقّها. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١٣ - (حَجِّ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ)
٢٦٤٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا هِشَامٌ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ , فَجَاءَهُ رَجُلٌ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ, وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ, وَإِنْ رَبَطْتُهَا خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ, أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَحُجَّ عَنْ أُمِّكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا؛ لأن سليمان لم يسمع عن الفضل، كما قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في -١٠/ ٥٣٩٥ - . "كتاب آداب القضاة".
وقال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" -٨/ ٢٦٤ - ٢٦٥ - بعد نقل كلام المصنّف هذا: ما نصّه: رُوي عن سليمان بن يسار، عن عبد اللَّه بن عباس، عن أخيه الفضل بن عبّاس.
ورواه عليّ بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن عبد اللَّه بن عبّاس. وقال: قلنا ليحيى: إن محمدًا -يعني ابن سيرين- حدّث عنك أنك حدّثت بهذا الحديث، عن سليمان بن يسار، عن الفضل بن عبّاس. فقال: ما حفظته إلا عن عبيد اللَّه بن عبّاس.
وقال محمد بن عمر الواقديّ: روى أيوب السختيانيّ هذا الحديث عن سليمان بن يسار، عن عبد اللَّه بن عبّاس، ولم يشكّ، وهو أقرب إلى الصواب؛ لأن الفضل بن عبّاس توفّي في زمن عمر بن الخطّاب بالشأم في طاعون عمواس، سنة ثمان عشرة، ولم يدركه سليمان بن يسار، وعبيد اللَّه بن العبّاس قد بقي إلى دهر يزيد بن معاوية بن
стр. 12449
أبي سفيان، وسليمان بن يسار يقول في هذا الحديث: حدّثني، فهذا أولى بالصواب، إن شاء اللَّه تعالى انتهى كلام المزيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
و"هشام": هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ. و"محمد": هو ابن سيرين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١٤ - (مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الرَّجُلِ أَكْبَرُ وَلَدِهِ)
٢٦٤٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ,, عَنْ يُوسُفَ, عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: لِرَجُلٍ: «أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِ أَبِيكَ؟ , فَحُجَّ عَنْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم في -١١/ ٢٦٣٨ - وهو ضعيف لتفرّد يوسف بن الزبير، عن ابن الزبير به، وهو مجهول العدالة، وقال ابن جرير: لا يُحتجّ به، فعلى هذا لا يصلح للاستدلال به على الاستحباب الذي ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١٥ - (الْحَجِّ بِالصَّغِيرِ)
٢٦٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا لَهَا, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلِهَذَا حَجٌّ؟ , قَالَ: «نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ»).
стр. 12450
رجال هذا الإسناد: سنة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة المشهور [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (محمد بن عقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير المدنيّ، ثقة [٦].
قال اليمونيّ، عن أحمد: محمد بن عقبة، وإبراهيم بن عقبة، وموسى بن عقبة إخوة ثقات. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: لا أعلم إلا خيرًا. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخٌ صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال المصنّف في "الكبرى" ٢/ ٣٢٧ - : إبراهيم، ومحمد، وموسى بنو عقبة ثقات كلهم، وأكثرهم حديثًا موسى بن عقبة، وهم من أهل المدينة انتهى.
روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
٥ - (كريب) بن أبي مسلم مولى ابن عباس المدني، ثقة [٣] ١٦١/ ٢٥٣.
٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَةَ) لم تسمّ (رَفَعَتْ صَبيًّا لَهَا) وفي الرواية الآتية من طَريق إبراهيم بن عقبة، عن كريب -٢٦٤٨ - : "فأخرجتَ امرأة صبيَّا من الْمِحَفّة، فقالت … ". وفي رواية أحمد، وأبي داود "ففزعت امرأة، فأخذت
بعضد صبيّ، فأخرجته من مِحَفّتها". و"المحفّة" بكسر الميم، وتشديد الفاء -: مركب للنساء، كالهودج، إلا أنها لا تُقبّب كما تقبّب الهوادج (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي نسخة: "إلى النبيّ ﷺ " (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجَّ؟) أي أيحصل لهذا الصبيّ ثواب حجّ. فقوله: "حجّ" فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على الاستفهام. ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخّرًا خبره الجارّ والمجرور قبله. وفي رواية لأحمد: "هل لهذا حجّ" (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) أي له حجّ (وَلَكِ أَجْرٌ) زادها ﷺ على سؤالها؛ ترغيبًا لها.
قال عياض -رحمه اللَّه تعالى-: وأجرها فيما تكلّفته في أمره في ذلك، وتعليمه، وتجنيبه ما يجتنبه المحرم.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه بسبب حملها، وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم، وفعل ما يفعله المحرم.
стр. 12451
وقال الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "لك أجر" أي بسبب حملها، وحجّها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين.
قال القاريّ: أي أجر السببيّة، وهو تعليمه إن كان مميّزًا، أو أجر النيابة في الإحرام، والرمي، والإيقاف، والحمل في الطواف، والسعي، إن لم يكن مميّزًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "التمهيد": قد روى هذا الحديث عن إبراهيم بن عقبة جماعة من الأئمة الحفّاظ، فأكثرهم رواه مسندًا، وممن رواه مسندًا معمر، ومحمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة، وموسى بن عقبة، واختُلف فيه على الثوريّ، كما اختُلف على مالك، وكان عند الثوريّ عن إبراهيم، ومحمد ابني عقبة جميعًا، عن كريب.
فرواه أبو نُعيم الفضل بن دُكين، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، عن النبيّ ﷺ مسندًا.
ورواه وكيع، عن الثوريّ، عن محمد، وإبراهيم ابني عقبة، عن كريب مرسلاً. ورواه يحيى القطّان، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مرسلاً. وعن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، مسندًا. فقطع يحيى القطّان عن الثوريّ حديث إبراهيم، ووصل حديث محمد. ورواه محمد بن كثير، عن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، متّصلاً. ومن وصل هذا الحديث، وأسنده، فقوله أولى.
والحديث صحيح، مسند، ثابت الاتّصال، لا يضرّه تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفّاظٌ ثقات. انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهو تحقيق حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٥/ ٢٦٤٥ و ٢٦٤٦ و ٢٦٤٧ و ٢٦٤٨ و ٢٦٤٩ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٣٦٢٥ و ٣٦٢٦ و ٣٦٢٧ و ٣٦٢٨ و ٣٦٢٩. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٣٣٦ (د) في "المناسك" ١٧٣٦ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٩٠١ و ٢١٨٨ و ٢٦٠٥ و ٣١٨٥ و ٣١٩٢ (الموطأ) في "الحجّ" ٩٦١. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12452
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الحجّ بالصغير مطلقًا، سواء كان مميّزًا، أم لا، إذا فَعَل عنه وليّه ما يفعل الحاجّ، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها) أن الصبيّ يثاب على طاعته، ويكتب له حسناته (ومنها): ثبوت الأجر لوليّه إذا حجّ به. (ومنها): مشروعيّة الزيادة في الجواب على السؤال؛ زيادة في الفائدة، وهو من مقاصد البلغاء، ومنه حديث: "هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته"، فإن السؤال كان عن حكم ماء البحر، فزادهم النبيّ ﷺ في الجواب حكم ميتته؛ زيادة في الفائدة، أن السؤال هنا كان عن حكم حجّ الصبي، فبينه ﷺ لها، وزادها ثبوت الأجر لها في ذلك، وأما قول كثير من الأصوليين: يجب أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول. وقد تقدّم تحقيق هذا في أوائل هذا الشرح -٤٧/ ٥٩ - عند الكلام على حديث ماء البحر المذكور، فراجعه تستفد.
(ومنها): أن من جهل شيئًا عليه أن يسأل أهل العلم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (ومنها): أن على النساء أن يسألن عما يجهلنه من الأحكام، كالرجال، وأن يتفقّهن في الدين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم حجّ الصبيّ:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجازالحجّ بالصبيّ جماعة العلماء بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر. وخالفهم في ذلك أهل البدع، فلم يروا الحجّ بهم، وقولهم مهجور عند العلماء؛ لأن النبيّ ﷺ حجّ بأُغيلمة بني عبد المطّلب، وقال في الصبيّ: له حجّ، وللذي يُحِجّه أجر. وحجّ أبو بكر بابن الزبير في خرقة. وقال عمر: تُكتب للصبيّ حسناته، ولا تكتب عليه السيّئات. وحجّ السلف قديمًا وحديثًا بالصبيان والأطفال، يُعرّضونهم لرحمة اللَّه. وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن عبد الملك بن الرَّبيع بن سَبْرة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مُرُوا الصبيّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشرًا فاضربوه عليها". فكما تكون له صلاة، وليست عليه، كذلك له حجّ، وليس عليه.
وأكثر أهل العلم يرون الزكاة في أموال اليتامى، ومحالٌ ألا يؤجروا عليها، فالقلم إنما هو مرفوعٌ عنهم فيما أساءوا في أنفسهم، ألا ترى أن ما أتلفوه من الأمول ضمنوه، وكذلك الدماء، عمدهم فيها خطأ يؤديه عنهم من يؤديه عن الكبار في خطئهم.
وأجمع العلماء على أن من حجّ صغيرًا قبل البلوغ، أو حُجّ به طفلاً، ثم بلغ، لم يُجزه ذلك عن حجة الإسلام.
стр. 12453
وقد شذّت فرقة، فأجازوا له حجه بهذا الحديث، وليس عند أهل العلم بشيء؛ لأن الفرض لا يؤدَّى إلا بعد الوجوب. وهذا ابن عبّاس هو الذي روى هذا الحديث عن النبيّ ﷺ ، وهو الذي كان يفتي بالصبيّ يحجّ، ثم يَحتلم، قال: يحجّ حجة الإسلام. وفي المملوك يحجّ، ثم يُعتَق، قال: عليه الحجّ. ذكر عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عبّاس، وعن ابن عيينة، عن مطرّف، عن ابن عباس مثله. وعن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عبّاس مثله.
وعلى هذا جماعة علماء الأمصار، إلا داود بن عليّ، فإنه خالف في المملوك، فقال: يجزئه عن حجة الإسلام، ولا يجزئ الصبيّ. وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج أنه أخبره، عن عطاء، قال: يقضي حجة الصغير عنه، فإذا بلغ فعليه حجة واجبة. قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله.
واختلف الفقهاء في المراهق، والعبد يُحرمان بالحجّ، ثم يَحتلم هذا، ويُعتَق هذا قبل الوقوف بعرفة: فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرامين لهذين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامهما, ولا يُجزئهما حجّهما ذلك عن حجة الإسلام.
وقال الشافعيّ: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة، فوقف بها محرمًا، أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولم يحتج واحد منهما إلى تجديد إحرامه.
وقال أبو حنيفة: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ في حال إحرامه، فإن جدّد إحرامًا قبل وقوفه بعرفة أجزأه، وإن لم يُجدّد إحرامًا لم يُجزئه. قال: وأما العبد؛ فلا يجزئه عن حجة الإسلام، وإن جدّد إحرامًا.
وقال مالك: يُحجّ بالصغير, ويجرّد بالإحرام، وُيمنع من الطيب، ومن كلّ ما يُمنع منه الكبير، فإن قوي على الطواف، والسعي، ورمي الجمار، وإلا طيف به محمولاً، ورُمي عنه، وإن أصاب صيدًا فُديَ عنه، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الكبير فُعل به ذلك، وفُدي عنه. وهذا كلّه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وجماعة الفقهاء؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لا جزاء عليه في صيد، ولا فدية عليه في لباس، ولا طيب. انتهى كلام ابن عبد البرّ (١).
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: ونَستَحبّ الحجّ بالصبيّ، وإن كان صغيرًا، أو كبيرًا, وله حجّ، وأجر، وهو تطوّع، وللذي يَحجّ به أجرٌ، ويجتنب ما يجتنب المحرم، ولا شيء عليه إن واقع من ذلك ما لا يحلّ له، ويُطاف به، وُيرمى عنه الجمار إن لم يطق ذلك، ويجزىء الطائف به طوافُه ذلك عن نفسه، وكذلك ينبغي أن يدرّبوا، ويعلّموا الشرائع، من الصلاة، والصوم، إذا أطاقوا ذلك، ويُجنّبوا الحرام كلّه،
стр. 12454
واللَّه تعالى يتفضّل بأن يأجرهم، ولا يكتب عليهم إثمًا حتى يبلغوا. قال: والحجّ عملٌ حسنٌ، وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
[فإن قيل]: لا نية للصبيّ. [قلنا]: نعم، ولا تلزمه، إنما تلزم النيّة المخاطبَ المأمورَ المكلّف، والصبيّ ليس مخاطبًا, ولا مكلّفًا, ولا مأمورًا، وإنما أجره تفضّل من اللَّه تعالى، مجرّد عليه كما يتفضّل على الميت بعد موته، ولا نيّة له، ولا عمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعد موته، وبما يعمله غيره عنه، من حجّ، أو صيام، أو صدقة، ولا فرق، ويفعل اللَّه ما يشاء. وإذا كان الصبيّ قد رُفع عنه القدم، فلا جزاء عليه في صيد إن قتله في الحرم، أو في إحرامه، ولا في حلق رأسه لأذى به، ولا عن تمتّعه، ولا لإحصاره؛ لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك، ولو لزمه هديٌ للزمه أن يعوّض منه الصيام، وهو في المتعة، وحلق الرأس، وجزاء الصيد، وهم لا يقولون هذا, ولا يفسد حجه بشيء مما ذكرنا، إنما هو ما عَمِلَ، أو عُمل به أُجر، وما لم يعمل، فلا إثم عليه.
وقد كان الصبيان يحضرون الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ ، صحّت بذلك آثارٌ كثيرة، كصلاته بأمامة بنت أبي العاص، وحضور ابن عبّاس معه الصلاة، وسماعه بكاء الصبيّ في الصلاة، وغير ذلك، ويجزي الطائف به طوافه عن نفسه؛ لأنه طائف، وحاملٌ، فهما عملان متغايران، لكلّ منهما حكم كما هو طائفٌ، وراكب، ولا فرق.
قال: فإن بلغ الصبيّ في حال إحرامه لزمه أن يجدّد إحرامًا، وَيشرع في عمل الحجّ، فإن فاتته عرفة، أو مزدلفة، فقد فاته الحجّ، ولا هدي عليه، ولا شيء، أما تجديده الإحرام؛ فلأنه قد صار مأمورًا بالحجّ، وهو قادرٌ عليه، فلزمه أن يبتديئه؛ لأن إحرامه الأوّل كان تطوعًا، والفرض أولى من التطوّع انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله أبو محمد ابن حزم ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، وحاصله جواز الحجّ بالصبيّ، وأنه يكتب له أجره، وأن من حجّ به يؤجر به أيضًا، وأنه يعمل ما يطيق أن يعمله من أعمال الحجّ، وما لا فليس عليه شيء، بل يعمل له من يحجّ به، مثل الرمي وغيره، ويطوف به حاملاً له، ويعتدّ بذلك الطواف لنفسه، وللصبيّ، وأنه يجنَّب فعل محظورات الحجّ، وإن ارتكب شيئًا من ذلك فلا شيء عليه لأنه مرفوعٌ عنه القلمُ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٦ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا, مِنْ
стр. 12455
هَوْدَجٍ, فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلِهَذَا حَجٌّ؟ , قَالَ: «نَعَمْ, وَلَكِ أَجْرٌ»).
قاَل الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمود بن كيلان": هو العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. و "بشر بن السريّ": هو أبو عمرو البصريّ الأَفْوَهُ الواعظ، نزيل مكة، ثقة طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩] ١٠٤/ ١٣٦٥. والباقون تقدّموا في الذي قبله، والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ صَبِيًّا, فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ , قَالَ: «نَعَمْ, وَلَكِ أَجْرٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير "عمرو بن منصور": أبي سعيد النسائيّ، ثقة [١١] ١٠٨/ ١٤٧، فإنه من أفراده. و"أبو نُعيم": هو الفضل بن دُكين الحافظ الثبت الكوفيّ [٩] ١١/ ٥١٦.
و"إبراهيم بن عقبة": هو أخو محمد في السندين الماضيين، ثقة [٦] ٥٠/ ٦٠٩. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ -رحمه اللَّه تعالى وَحَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: صَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ, لَقِيَ قَوْمًا, فَقَالَ: «مَنْ أَنْتُمْ؟» , قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ, قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ , قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ, قَالَ: فَأَخْرَجَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا, مِنَ الْمِحَفَّةِ, فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ , قَالَ: «نَعَمْ, وَلَكِ أَجْرٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن" هو الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨. و"سفيان" هنا: هو ابن عيينة، بخلافه فيما مضى، فإنه الثوريّ، فتنبّه.
وقوله: "صدر": أي رجع، يقال: صَدَرَ القومُ، وأصدرناهم: إذا صرفتهم، وصدرتُ عن الموضع صدرًا، من باب قتل: رجعت، قال الشاعر [من البسيط]:
وَلَيلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا
فصَدْرٌ مصدرٌ، والاسم الصَّدَرُ بفتحتين. قاله الفيّوميّ.
ودلّت هذه الرواية على أن هؤلاء القوم لَقُوا النبيّ ﷺ في رجوعه من الحجّ، لا في
стр. 12456
ذهابه له. ومثله رواية البيهقيّ من طريق الشافعيّ، عن ابن عيينة: "أن النبيّ ﷺ قَفَلَ، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا … " الحديث. وفي رواية له من طريق إسماعيل بن إبراهيم ابن عقبة، عن أبيه: "بينما رسول اللَّه ﷺ يسير بطريق مكة كلّمته امرأة … " الحديث.
وجزم به ابن القيّم في "الهدي"، حيث قال: ثم ارتحل ﷺ راجعًا إلى المدينة، فلمّا كان بالروحاء لقي ركبًا، فذكر قصّة الصبيّ. وقيل: وقعت هذه القصّة في مقدمه إلى بيت اللَّه، والمراد بالصدور، والقفول صدوره من المدينة للحجّ. ولا يخفى ما فيه. وارجع إلى "الْقِرَى لقاصد أم القُرَى" ص ٤٩ - ٥٠ (١).
وقد ثبت أن ذلك كان في حجة الوداع، فقد أخرج البيهقيّ أيضًا من طريق محمد بن سُوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: رَفَعَت امرأة صبيًّا لها إلى النبيّ ﷺ في حجته، فقالت: يا رسول اللَّه، ألهذا حجّ؟، قال: "نعم، ولك أجر".
وقوله: "فلما كان بالرَّحاء لقي قومًا"، ولأبي داود: "كان رسول اللَّه ﷺ بالروحاء، فلقي ركبًا، فسلّم عليهم … ".
وقوله: "بالرَّوحاء" -بفتح الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة، ممدودًا على وزن حمراء -: اسم موضع بين مكة والمدينة على ثلاثين، أو أربعين ميلاً من المدينة.
أفاده في "القاموس"، و"المصباح". وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- في "المشارق": هي من أعمال الفُرْع (٢)، بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلاً. وفي "صحيح مسلم" في "كتاب الأذان": أن الرَّوحاء ستة وثلاثون ميلاً. وفي "كتاب ابن أبي شيبة": ثلاثون ميلاً.
وقوله: "قالوا: من أنتم الخ". قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون هذا اللقاء كان ليلاً، فلم يعرفوه ﷺ . ويحتمل كونه نهارًا، لكنّهم لم يروه ﷺ قبل ذلك، لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك انتهى (٣).
وقوله: "قالوا: رسول اللَّه" أي وأصحابه، ففيه حذف الواو مع ما عطفت، مثل قولهم: راكب الناقة طَليحَانِ، أي راكب الناقة، والناقة، قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَالْفَاءُ قَذ تحُذَفُ مَعْ مَا عَطَفَتْ … وَالْوَاوُ إِذ لَا لَبْسَ وَهْيَ انْفَرَدَتْ
بِعَطْفِ عَامِل مُزَالٍ قَدْ بَقِي … مَعْمُولُهُ دَفَعًا لِوَهْمٍ اتُّقِي
أي نحن رسول اللَّه، والصحابة.
стр. 12457
وقوله: "فأخرجت امرأة صبيًّا من الْمِحَفة" "المحفّة" -بكسر الميم، وحكي فتحها، وتشديدِ الفا-: مَرْكبٌ من مراكب النساء، كالهوج؛ إلا أنها لا تُقبّب كما يُقبّب الهودج. أي لا يُجعل فوقها قُبّة. كذا في "الصحاح" (١).
والحديث صحيح تقدّم الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٩ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ سَعْدٍ ابْنُ أَخِي رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ, أَبُو الرَّبِيعِ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ, وَهِيَ فِي خِدْرِهَا, مَعَهَا صَبِيٌّ, فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ , قَالَ: «نَعَمْ, وَلَكِ أَجْرٌ»).
"سليمان بن داود" مصريّ ثقة، من أفراد المصنّف، وأبي داود. وقوله: "وهي في خِدْرها" بكسر الخاء المعجمة: أي سِتْرها.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١٦ - (الْوَقْتِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْحَجِّ)
أي هذا باب ذكر الحديث الذي فيه بيان الوقت الذي خرج فيه النبيّ ﷺ من المدينة إلى مكة لأداء فريضة الحجّ.
وعبارته في "الكبرى": "الوقت الذي خرج فيه رسول اللَّه ﷺ من المدينة للحجّ"،
٢٦٥٠ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ, أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ, تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ, مِنْ ذِى الْقَعْدَةِ, لَا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ, حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ, أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ, إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَحِلَّ).
стр. 12458
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَنَّاد بن السَّرِيّ) التميميُّ، أبو السري الكوفي، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (ابن أي زائدة) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهَمْدَاني، أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، من كبار [٩] ٩٣/ ١١٥.
٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري، أبو سعيد المدني القاضى، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٤ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سَعْدَ الأنصارية المدنية، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، والباقيان كوفيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة. ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قَالَ: أَخبَرَتْنِي عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن (أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (تَقُولُ: خَرَجْنَا) أي من المدينة.
واختُلف في عدد الذين كانوا معه ﷺ ، فقيل: كانوا تسعين ألفًا. ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا. ويقال: أكثر من ذلك. حكاه البيهقيّ. قال الزرقانيّ: هذا في عدّة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجّوا معه، فأكثر المقيمين بمكّة، والذين أتوا من اليمن مع عليّ، وأبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -. انتهى. وقال القاري: بلغ جملة من معه ﷺ تسعين ألفًا، وقيل: مائة وثلاثين ألفًا انتهى. وقال الشيخ الدهلويّ في "اللمعات": ورد في بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء، ولم يعينوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته ﷺ مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بدّ أن يزدادوا فيها. ويُروى مائة ألف وأربعة عشر ألفًا. وفي رواية مائة ألف وعشرون ألفًا انتهى (١).
وإلى هذا الاختلاف أشار الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفيّة السيرة"، حيث قال:
стр. 12459
فِي الْعَشْرِ كَانَتْ حِجَّةُ الْوَدَاعِ … لَا يُحْصَرُ الْوَافُونَ بِاطِّلَاعِ
فَقِيلَ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا … أَوْ ضِعْفَهَا وَزِدْ عَلَيْهَا ضِعْفَا
(مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ) وفي رواية: "لخمس ليال" (بَقِينَ، مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وتكسر: اسم الشهر الذي بين شوّال، وذي الحجة، قال الفيّوميّ: والجمع ذوات القَعْدة، وذوات الْقَعَدَات، والتثنية ذواتا الْقَعْدّة، وذواتا القَعْدتين، فثنّوا الاسمين، وجمعوهما، وهو عزيز؛ لأن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة، ولا تتوالى على كلمة علامتا تثنية، ولا جمع انتهى.
وكذا وقع في حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ في "باب الخروج آخر الشهر: من "كتاب الجهاد"، وفي "باب ما يلبس المحرم من الثياب"، من "كتاب الحجّ"، وكذا وقع في حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - عند المصنّف - ٥١/ ٢٧٤٠ - قال القسطلاّنيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله لقالت: إن بقين انتهى.
وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ, وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرّخ بما خلا، وإذا دخل النصف الثاني يؤرّخ بما بقي. وقال أيضًا: فيه ردّ على من منع إطلاق القول في التاريخ؛ لئلا يكون الشهر ناقصًا، فلا يصحّ الكلام، فيقول مثلاً: لخمس، إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجّة الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب انتهى. ويؤيّده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذيّ من حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، رفعه: "التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين … " الحديث. وما وقع في حديث آخر: "في تاسعة تبقى، وسابعة تبقى".
واختُلف في يوم خروجه ﷺ من المدينة، والراجح أنه يوم السبت، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
زاد في الرواية الآتية -٥٨/ ٢٧٦٤ - من طريق عروة، عن عائشة: "في عام حجة الوداع" -بكسر الحاء المهملة، وفتحها، وبفتح الواو، وكسرها، قال النوويّ ﵀ تَعَالَى-: سميت بذلك؛ لأن النبيّ ﷺ ودّع الناس فيها، وقال: "لعلَّي لا أحُجّ بعد عامي هذا"، فلم يحجّ بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة. وفيه دليل على أنه لا بأس بالتسمية بذلك؛ خلافًا لمن كرهه، وتُسمّى "البلاغ" أيضًا؛ لأنه ﷺ قال فيها: "هل بلّغتُ"، و"حجة الإسلام"؛ لأنها التي حجّ فيها بأهل الإسلام، ليس فيها مشرك انتهى.
(لَا نُرَى) بضم النون: أي لا نظنّ. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمّها (١) (إِلاَّ الْحَجَّ) وفي رواية عنها: "لا ننوي إلا الحجّ"، وفي أخرى: "لا
стр. 12460
نذكر إلا الحجّ"، وفي أخرى: "مهلّين بالحجّ". وفي أخرى: "لبينا بالحجّ". وظاهر هذه الروايات أن عائشة مع غيرها من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، كانو أوّلاً محرمين بالحجّ، لكن هذا يُستشكل مع ما يأتي لها في -١٨٦/ ٢٩٩١ - من رواية عروة عنها: "فمنّا من أهلّ بالحجّ، ومنّا من أهلّ بعمرة". وفي رواية للبخاريّ: "فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنّا من أهلّ بالحجّ".
وقد ذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- الجمع بأن الأول يُحمل على أنها ذكرت ما كانوا يَعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجّ، فخرجوا، لا يعرفون إلا الحجّ، ثمّ بيّن لهم النبيّ ﷺ وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ".
وسيأتي في -٤٨/ ٢٧١٧ - من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: "فقال: من شاء أن يهُلّ بحجّ فليُهلّ، ومن شاء أن يهُلّ بعمرة فليهلّ بعمرة". ولأحمد من طريق ابن شهاب، عن عروة: "فقال: من شاء فليهلّ بعمرة، ومن شاء فليهلّ بحجّ.
قال: وأما عائشة نفسها، فقد جاء عند البخاريّ من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عنها، أنها قالت: "وكنت ممن أهلّ بعمرة". زاد أحمد من وجه آخر عن الزهريّ: "ولم أسق هديًا". فادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، والصواب رواية الأسود، والقاسم، وعروة عنها أنها أهلّت بالحج مفردًا.
وتُعُقّب بأن قول عروة عنها إنها أهلّت بعمرة صريحٌ، وأما قول الأسود وغيره عنها: "لا نرى إلا الحجّ"، فليس صريحًا في إهلالها بحجّ مفرد، فالجمع بينهما ما تقدّم، من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها. وقد وافقه جابر بن عبد اللَّه الصحابيّ، كما أخرجه مسلم عنه. وكذا طاوس، ومجاهد، عن عائشة.
ويحتمل في الجمع أيضًا أن يقال: أهلّت عائشة بالحجّ مفردًا، كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزّل حديث الأسود، ومن تبعه: "ثمّ أمر النبيّ ﷺ يد أصحابه أن يفسخوا الحجّ إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتّعة". وعلى هذا يتنزّل حديث عروة: "ثم لما دخلت مكّة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض، أمرها أن تُحرم بالحجّ"، على ما سيأتي من الاختلاف في ذلك، واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ بتصرّف (١).
وقد تعقّب هذا الجمع صاحب "مرعاة المفاتيح" في ٨/ ٤٥٦ - وسيأتي ذكره عند ذكر الاختلاف والجمع بين الروايات في كون عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أهلّت متمتعة، أو مفردة بحج، أو عمرة مستوفّى في ٥٨/ ٢٧٦٣ إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 12461
(حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) أي قرُبنا منها (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَحِلَّ) أي يجعل نسكه عمرة. ولْي بقاء هذا الحكم خلاف، والحقّ بقاؤه، كما هو مذهب الإمام أحمد، وعليه المصنّف، وجمهور المحدّثين، وسيأتي تمام البحث فيه في-٧٧/ ٢٨٠٣ - باب "إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ ٢٦٥٠ و ٤٨/ ٢٧١٧ و ٢٧١٨ و ٥١/ ٢٧٤١ و ٥٨/ ٢٧٦٤ و ٧٧/ ٢٨٠٣ و ٢٨٠٤ و ١٨٥/ ٢٩٩٠ و ١٨٦/ ٢٩٩١ وفي "الطهارة" ١٥١/ ٢٤٢ و ١٨٣/ ٢٩٥ و"الحيض" ١/ ٣٤٨ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٣٦٣٠ و ٤٨/ ٣٦٩٦ و ٣٦٩٧ و ٣٦٩٨ و ٥١/ ٣٧٢١ و ٥٧/ ٣٧٤٥ و"الحيض" ١٦٣/ ٢٨٣.
وأخرجه (خ) في "الحيض" ٢٩٤ و ٣٠٥ و ٣١٦ و ٣١٧ و ٣١٩ و"الحجّ" ١٥١٨ و ١٥٥٦ و ١٥٦٠ و ١٥٦١ و ١٦٣٨ و ١٦٥٠ و ١٧٠٩ و ١٧٢٠ و ١٧٨٣ (م) في "الحجّ" ١٢١١ و ١٢٢٨ و (د) في "المناسك" ١٧٥٠ و ١٧٧٨ و ١٧٧٩ و ١٧٨١ و ١٧٨٢ و (ت) في "الحجّ" ٩٤٥ (ق) في "المناسك" ٢٩٦٣ و ٢٩٨١ و ٣٠٠٠ و ٣٠٧٥ و"الأضاحي" ٣١٣٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٥٦ و ٢٣٥٨٩ و ٢٤٣٥٥ و ٢٤٧٧٩ و ٢٤٧٨٨ و ٢٤٩١٣ و ٢٥٠٥٠ و ٢٥٠٩١ و ٣٥٣١٠ و ٢٥٥٣٤ و ٢٥٥٥٤ و ٢٥٥٧٨ و ٢٧٦٥٤ و ٢٥٨١٢ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٤٦ و ٨٩٦ و ٩٤٠ و ٩٤١ و (الدارمي) في "المناسك" ١٨٤٦ و ١٩٥٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الوقت الذي خرج فيه النبيّ ﷺ من المدينة إلى مكّة للحجّ، وهو لخمس بقين من ذي القَعدة، على ما تقدّم إيضاحه (ومنها): أن الحجّ ليس خاصًّا بالرجال، بل يعمّ النساء أيضًا (ومنها): مشروعيّة حجّ الرجل مع امرأته (ومنها): أَمْرُ من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ بعمل العمرة، وعليه المحقّقون من أهل الحديث والفقه كما سيأتي تحقيقه في بابه إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختُلف في يوم خروجه ﷺ على ثلاثة أقوال:
стр. 12462
(الأول): أنه خرج يوم الجمعة، وهذا وَهَمٌ قبيح، وخطأ فاحش، تردّه الروايات الصحيحة, إذ من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه ﷺ صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين.
(القول الثاني): ما ذهب إليه ابن حزم، واختاره العينيّ في "شرح البخاريّ" أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، لستّ بقين من ذي القعدة. حكى هذا القول ابنُ القيّم في "الهدي" عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصّلاً، ثم بسط في الرّدّ عليه، وسيأتي شيء من كلامه مع الجواب عنه.
(القول الثالث): ما اختاره المحقّقون من شُرّاح الحديث، وأصحاب التواريخ أنّ خروجه ﷺ كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت. وبه جزم ابن القيّم في "الهدي"، وهو ما اختاره الحافظ في "الفتح"، إذ قال في شرح قول ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "وذلك لخمس بقين من ذي القعدة": ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة، واحتجّ به ابن حزم في "كتاب حجة الوداع" له على أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس بلا شكّ؛ لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس: "لخمس" يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة، بناءٌ على ترك يوم الخروج، وقد ثبت أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، كما سيأتي من حديث أنس ﵁، فتبيّن أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعيّن أنه يوم الخميس.
وتعقّبه ابن القيّم بأن المتعيّن أن يكون يوم السبت، بناء على عدّ يوم الخروج، أو على ترك عدّه، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا انتهى. ويؤيّده ما رواه ابن سعد، والحاكم في "الإكليل" أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم السبت، لخمس بقين من ذي القعدة. وقال الحافظ أيضًا: جزم ابن حزم بأن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس. وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس قطعًا؛ لما ثبت، وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، وتعيّن أن أول الشهر يوم الخميس، فلا يصحّ أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في "الصحيحين" عن أنس ﷺ : "صلينا الظهر مع النبيّ ﷺ بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين". فدلّ على أنّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويُحمَل قول من قال: "لخمس بقين" أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضيّ أربع ليال، لا خمس. وبهذا تتّفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوّى هذا الجمع بقول جابر ﵁ أنه خرج لخمس بقين، أو أربع، وكان دخوله ﷺ مكّة صُبْحَ رابعة، كما ثبت في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيّد أن
стр. 12463
خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدّم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى انتهى.
وقال في شرح "باب الخروج آخر الشهر" من "كتاب الجهاد": قد استشكل قول ابن عباس، وعائشة ﵂ أنه خرج لخمس بقين؛ لأن ذا الحجة كان أوله الخميس؛ للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة، ولا يصحّ ذلك؛ لقول أنس ﵁: إنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم خرج.
وأجيب بأن الخروج كان السبت، وإنما قال الصحابة: "لخمس بقين" بناء على العدد؛ لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء، فاتّفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقي من الشهر أربع، لا خمس. كذا أجاب به جمع من العلماء.
ويحتمل أن يكون الذي قال: "لخمس بقين" أراد ضمّ يوم الخروج إلى ما بقي؛ لأن التأهّب وقع في أوله، وإن اتّفق التأخير إلى أن صُلّيت الظهر، فكأنهم لَمّا تأهّبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدّوا به من جملة أيام السفر. واللَّه تعالى أعلم.
وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: وجه ما اخترناه أن الحديث صريحٌ في أنه خرج لخمس بقين، وهي يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعدّ يوم الخروج كان لست، وأيّهما كان، فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لستّ ليال بقين، لا لخمس، فلا يصحّ الجمع بين خروجه يوم الخميس، وبين بقاء خمس من الشهر البتّة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمساً بلا شكّ. ويدلّ عليه أن النبيّ ﷺ ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان عادته ﷺ أن يعلّمهم في كلّ وقت ما يحتاجون إليه، إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة، وبينه وبينها بعض يوم، من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخَلْق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحجّ ممكن، بلا تفويت. واللَّه تعالى أعلم (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال أن خروجه ﷺ كان يوم السبت، وبهذا تجتمع الروايات المختلفة في هذا لباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،
стр. 12464
وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
(الْمَوَاقِيتُ)
أي هذه أبواب ذكر الأحاديث الدّالّة على مواقيت الحجّ. ولفظ "الكبرى": "أبواب المواقيت".
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الوقت: مقدار من الزمان مفروض لأمرٍ مّا، وكلّ شيء قدّرت له حينًا، فقد وقّتّه توقيتَا، وكذلك ما قدّرت له غايةً، والجمع أوقات، والميقات: الوقت، والجمع مواقيت، وقد استُعِير الوقت للمكان، ومنه مواقيت الحجّ لمواضع الإحرام، ووقّت اللَّه الصلاةَ توقيتًا، ووَقَتَهَا يَقِتها، من با وعد: حدّد لها وقتًا، ثم قيل لكلّ محدود: مَوْقُوت، ومُوَقَّت انتهى.
وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى- "المواقيت": جمع مِيقات، على وزن مِفْعال، وأصله مِوْقات،، قُلبت الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها، من وَقَتَ الشيءَ يَقِته: إذا بين حدّه، وكذا وَقّته يوقّته، ثم اتُّسع فيه، فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات، والميقات يُطلق على الزمانيّ والمكانيّ، وههنا المراد المكانيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
…
١٧ - (مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)
أي مدينة رسول اللَّه ﷺ ، و"المدينة": المصر الجامع، وزنها فَعِيلةٌ؛ لأنها من مَدَنَ. وقيل: مَفْعِلَة -بفتح الميم- لأنها من دان، والجمع مُدُنٌ، ومدائنُ بالهمز على القول بأصالة الميم، ووزنها فَعَائل، وبغير همز على القول بزيادة الميم، ووزنها مَفَاعل؛ لأن للياء أصلاً في الحركة، فتردّ إليه، ونظيرها في الاختلاف معايش. قاله الفيّوميّ. واللَّه
стр. 12465
تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٥١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَخْبَرَهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ, وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ, وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧.
٣ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) هو: عبد اللَّه ﵄ ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (١٣٣) من رباعايت الكتاب. ومنها: أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق على ما نقل عن الإمام البخاري ﵀. ومنها: أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه فبغلاني، والظاهر أنه دخل المدينة للأخذ من مشايخها. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَهُ) يقدّر قبل أخبره لفظة "أنه" أي أن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أخبر نافعًا. ولفظ "الكبرى": "أن عبد اللَّه بن عمر أخبره"، وهو واضح (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) أي بعد أن سأله سائل عن محلّ الإهلال، ففي رواية الليث الآتية في الباب التالي: "أن رجلاً قام في المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهلّ؟، قال رسول اللَّه ﷺ : "يهلّ … " ("يُهِلُّ) بضمّ الياء، من الإهلال، يقال: أهلّ المحرم: إذا رفع صوته بالتلبية، وكلّ من رفع صوته، فقد أهلّ إهلالاً، واستَهَلّ استهلالاً، بالبناء للفاعل فيهما. قاله في "المصباح".
وهو خبر بمعنى الأمر, لأن خبر الشارع آكد في الطلب من الأمر، والمراد به أنه لا يقدّم الإهلال، ولا يؤخّر عن هذه المواقيت، وبهذا قال بعض أهل العلم، وهو الراجح عندي، وقال الجمهور: المراد أنه لا يؤخّر عنها، إذ التقديم عندهم جائز، وسيأتي تمام البحث في ذلك، قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى
(أَهْلُ الْمَدِينَةِ) النبويّة، أي سُكّانها، ومرّ على ميقاتهم (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) -بضمّ الحاء