← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

بفلان وفلان، مقلّدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيّة، وحميّة الجاهليّة، قاصدًا للفرقة، متحريًا في دعواه بردّ القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النصّ أخذ به، وإن خالفها تعلّق بجاهليّته، وترك القرآن، وكلام النبيّ ﷺ ، فهولاء هو المختلفون المذمومون، وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين، وقلّة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كلّ قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كلّ عالم، مقلّدين له غير طالبين ما أوجبه النصّ عن اللَّه، وعن رسوله ﷺ . انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٢٨ - (النهْيُ عَنِ الثِّيَاب الْمَصْبُوغَةِ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ فِي الإِحْرَامِ) ٢٦٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ, ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ, أَوْ بِوَرْسٍ"). رجال هذا الإسناد تقدّم الكلام عليهم قريبًا والحديث يأتي شرحه في الذي بعده والسند تقدّم قبل باب، غير عبد اللَّه بن دينار العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠. والصحابي يأتي في السند التالي,. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ , قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ, وَلَا الْبُرْنُسَ, وَلَا السَّرَاوِيلَ, وَلَا الْعِمَامَةَ, وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ, وَلَا زَعْفَرَانٌ, وَلَا خُفَّيْنِ, إِلاَّ لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ, فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ, فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) الجّواز المكي، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٨] ١/ ١.

стр. 12532

٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٤ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر العدوي المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٥ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ والباقيان مكيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأن هذا الإسناد أحد الأسانيد التي قيل فيها: إنها أصح الأسانيد. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ) بن عبد اللَّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية نافع: "أن رجلاً سأل رسول اللَّه ﷺ ". قال الحافظ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق. وفي رواية الليث، عن نافع بلفظ: "قام رجل، فقال: يا رسول اللَّه ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ ". وفي رواية عمر بن نافع، عن أبيه: "أن رجلاً سأل رسول اللَّه ﷺ ، ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا". وفي رواية أيوب، عن نافع: "نادى النبيّ ﷺ رجل، فقال: ما نلبس إذا أحرمنا". وهذا مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام. وقد حكى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أن في رواية ابن جريج، والليث، عن نافع أن ذلك كان في المسجد. قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما. نعم أخرج البيهقيّ ٥/ ٤٩ - من طريق عبد اللَّه بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام رجل من هذا الباب -يعني بعض أبواب مسجد المدينة-، فقال: يا رسول اللَّه ما يلبس المحرم؟. و٥/ ٤٩ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء، عن عبد اللَّه بن عون، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر: نادى رجل رسول اللَّه ﷺ ،. هو يخطب بذلك المكان " -وأشار نافع إلى مقدّم المسجد- فذكر الحديث. فظهر أن ذلك كان بالمدينة.

стр. 12533

ووقع في حديث ابن عباس عند الشيخين: خطبنا رسول اللَّه ﷺ بعرفات، فقال: من لم يجد الإزار … " الحديث، فيحمل على التعدّد، ويؤيّده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عبّاس ابتدأ به في الخطبة انتهى (١). (مَا يَلْبَسُ) "ما" استفهاميّة، أو موصولة، أو موصوفة في محلّ نصب مفعول ثان لـ"سأل". و"يلبس" بفتح المثنّاة، والموحّدة، من اللبس بضم اللام، يقال: لبس الثوب يلبسه، من باب علم يعلم. وأما اللبس بفتح اللام، فهو مصدر لَبَستُ عليه الأمرَ ألبِسه، من باب ضرب: إذا خلطت عليه، ومنه اشتباهه، ولا يناسِبُ هنا. (الْمُحْرِمُ) المراد به الرجل، لا المرأة؛ لأنها لا تمنع من لبس هذه الأنواع. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذُكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسّه الزعفران، أو الورس، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء اللَّه تعالى (مِنَ الثَّيَابِ؟) أي من أنواع الثياب، وهو بيان لـ"ما"، أو للمسؤول عنه. [تنبيه]: قوله: "ما يلَبس المحرم من الثياب الخ" هذا هو المشهور في الرواية عن نافع، عن ابن عمر، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: "ما يترك المحرم؟ ". قال الحافظ: وهي شاذّة، والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على نافع. وأخرجه أحمد ٢/ ٨ عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، فقال مرّةً: "ما يترك؟ "، ومرّةً: "ما يلبس". وأخرجه أبو داود، عن ابن عيينة بلفظ: "ما يترك؟ " من غير شكّ. ورواه سالم، عن ابن عمر بلفظ: "أن رجلاً قال: ما يجتنب المحرم؟ ". أخرجه أحمد ٢/ ٣٤، وابن خزيمة، وأبو عوانة في "صحيحيهما" من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عنه. وأخرجه البخاريّ في أواخر الحجّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهريّ يُشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف فيها. (قَالَ: "لا يَلْبَسُ") بالرفع على الخبر على الأشهر، وهو في معنى النهي. وروي بالجزم على أنه نهي. وفي رواية نافع الآتية: ٣٠/ ٢٦٦٩: "لا تلبسوا" بضمير الجمع. وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين، وهي قول السائل: "ما يترك المحرم؟ "، أو "ما يجتنب المحرم؟ "، وأما على الرواية المشهورة، أي قول السائل: "ما يلبس المحرم"، فإن المسؤول عنه ما يلبسه المحرم، فأجيب بذكر ما لا يلبسه،

стр. 12534

والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم، ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولى، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير، غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أن السائل لم يُحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمّي هذا بـ "أسلوب حكيم"، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، فالسؤال عن جنس المنفق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى. ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية. قال النوويّ في "شرح مسلم": قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وجَزْله، فإنه ﷺ سُئل عما يلبسه المحرم، فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يُلبس أولى؛ لأنه منحصر، فأما الملبوس الجائز للمحرم، فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله: "لا يلبس كذا وكذا" يعني، وبلبس ما سواه انتهى. وقال البيضاويّ: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يُلبس ليدلّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أخصر، وأحصر. وفيه إشارة إلى أن حقّ السؤال عما لا يبلس. وقال الشيخ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": فيه دليل على أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود، كيف كان؟ ولو بتغيير، أو زيادة، ولا يشترط المطابقة انتهى. (الْقَمِيصَ) بالإفراد، وفي الرواية الآتية "القُمُص" بضمّتين، وهو جمع قميص، وهو نوع من الثياب معروف، وهو الدرع. وذكر ابن الهمام في أبواب النفقة من "فتح القدير" أنهما سواء، إلا أن القميص يكون مجيبًا من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر انتهى. ونبّه به وبالسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطًا، أو مخيطًا معمولاً على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبّة، والقميص، والقباء، والتُّبّان، والقفّاز. (وَلَا الْبُرْنُسَ) بضمتين، جمعه برانيس بفتح الموحّدة، وكسر النون، قال الأزهريّ، وصاحب "المحكم"، وغيرهما: البرنس كلّ ثوب رأسه ملتزق به، درّاعة كانت، أو جبّة، أو مِمْطَرًا (١)، من البِرْس بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة.

стр. 12535

قال النوويّ: نبّه بالعمائم، والبرانس على كلّ ساتر للرأس، مخيطًا كان، أو غيره حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجّة، أو صُداع، أو غيرهما شدّها, ولزمته الفدية انتهى. وقال الخطّابيّ: ذكر العمامة، والبرنس معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد، ولا بالنادر. قال: ومن النادر الْمِكْتَل يحمله على رأسه. قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صحّ ما قال، وإلا فمجرّد وضعه على رأسه على هيئات الحامل لحاجته لا يضرّ. ومما لا يضرّ أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لا بسًا، وكذا ستر الرأس باليد انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين: والمشهور من مذهب الشافعيّ أنه لا تحريم في حمل المكتل، ولا فدية فيه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال المالكيّة: لا بأس أن يحمل على رأسه ما لا بدّ له منه، كخَرْجِه، وجرابه، ولا يحمل ذلك لغيره تطوّعًا, ولا بإجارة، فإن فعل افتدى، ولا يحمل لنفسه تجارة، قال أشهب: إلا أن يكون عيشه بذلك انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تفرقة المالكية بين ما يحمله لنفسه، ولغيره يحتاج إلى دليل. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا السَّرَاوِيلَ) هو واحد جاء بلفظ الجمع. وقيل: جمع سِرْوالة، وهو ثوب خاصّ بالنصف الأسفل من البدن. قال في "القاموس": السراويل فارسيّة معرّبة، جمعها سراويلات، أو هي جمع سِرْوال، وسِرْوالة انتهى. وقال صاحب "المحكم": السراويل فارسيّ معرّب، يذكّر، ويؤنّث، ولم يعرف الأصمعيّ فيها إلا التأنيث، والجمع سراويلات، والسراوين -بالنون-: السراويل. زعم يعقوب أن النون فيها بدلٌ من اللام. وقال أبو حاتم السجستانيّ: وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل -بالشين المعجمة- انتهى. (وَلا الْعِمَامَةَ) -بكسر العين -: هي ما يُلفّ على الرأس. سميت بذلك لأنها تعمّ جميع الرأس. ونبّه به على كلّ ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط، حتى العصابة، فإنها حرام. (وَلَا ثَوْبَا مَسَّهُ وَرْسٌ) -بفتح الواو، وسكون الراء، بعدها سين مهملة- قال في "القاموس": نبات كالسمسم، ليس إلا باليمن يُزرع , فيبقى عشرين سنة، نافع للكلف طلاء، والبَهَق شُربًا. وقال الجوهريّ: الورس نبت أصفر يكون باليمن. وقال الحافظ: الورس نبت أصفر طيّب الريح، يُصبغ به. قال ابن العربيّ: الورس ليس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب، وما يشبهه

стр. 12536

في ملاءمة الشمّ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يُقصد به التطيّب. (وَلَا زَعْفَرَانٌ) بالتنكير والتنوين؛ لأنه ليس فيه إلا الألف والنون فقط، وهو لا يمنع الصرف، وهو بفتح الزاي، وسكون العين المهملة، وفتح الفاء، والراء-: اسم عربيّ. وقيل: اسم عجميّ تصرّفت فيه العرب، فقالوا: ثوب مزعفرٌ، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً، ويجمع على زعافر. واستُدلّ بقوله: "مسّه" على تحريم ما صُبغ كلّه، أو بعضه، ولو خفيت رائحته. قال مالك في "الموطّإ": إنما يكره لبس المصبّغات؛ لأنها تنفض. وقال الشافعيّة: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يُمنع. والحجة فيه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عند البخاريّ، وفيه: "ولم ينه عن شيء من الثياب، إلا المزعفرة التي تَرْدعُ الجلدَ (١) … " الحديث. وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز، خلافًا لمالك، ففي، "الموطإ": سئل مالك عن ثوب مسّه طيّب، ثم ذهب ريح الطيب منه، هل يُحرِم فيه؟، قال: نعم، ما لم يكن فيه صباغ زعفران، أو ورس انتهى. واستُدلّ للجمهور بما رواه أبو معاوية عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع في هذا الحديث: "إلا أن يكون غسيلاً". أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ في "مسنده" عنه. ورَوَى الطحاويّ عن أحمد ابن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحمانيّ، فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزديّ: قد كتبته عن أبي معاوية، وقام في الحال، فأخرج له أصله، فكتبه عنه يحيى بن معين انتهى. وهي زيادة شاذّة؛ لأن أبا معاوية، وإن كان متقنًا، لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال. قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد اللَّه، ولم يجىء بهذه الزيادة غيره. قال الحافظ: والحمّانيّ ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال. ورد العينيّ إعلال هذا الحديث بما ذُكر، وصحح الحديث، وقال: وقد روى أحمد في "مسنده" من حديث ابن عبّاس حديثًا يدلّ على جواز لبس المزعفر للمحرم، إذا لم يكن فيه نفضٌ، ولا ردع (٢).

стр. 12537

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قال العينيّ نظر لا يخفى، فإن أبا معاوية زيادةً على ما ذكر من اضطرابه في حديث غير الأعمش كما قال أحمد، فإنه مدلّس، كما صرّح به يعقوب بن شيبة، وابن سعد، وقد عنعنه هنا، فكيف يصحّ؟. وأما الحديث الذي ذكره عن "المسند" ففي سنده حجاج بن أرطاة كثير التدليس عن الضعفاء وفيه أيضًا حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، وهو ضعيف، كما قاله الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢١٩. فالحقّ ما قاله الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى-، من عدم جواز لبس المصبوغ بزعفران، أوورس، وإن كان مغسولاً؛ لإطلاق حديث الباب، وعدم صحّة ما احتجّ به الجمهور، كما عرفته آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. واستدلّ به المهلّب على منع استدامة الطيب. وفيه نظر. واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران. وهذا قول الشافعيّة. وعن المالكيّة خلاف. وقال الحنفيّة: لا يحرم؛ لأن المراد اللبس، والتطيّب، والآكل لا يُعدّ متطيّبًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحنفيّة عندي أقوى. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا خُفَّيْنِ) تثنية خُفّ بضم، فتشديد، وفي رواية نافع الآتية: "ولا الخفاف"، وهو بالكسر جمع خفّ (إلاَّ لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) وفي رواية نافع الآتية: "إلا أحد لا يجد نعلين". قال القاري: "أحد" بالرفع على البدلية من واو الضمير -يعني في رواية "لا تلبسوا". وقال في "شرح الموطإ" بالنصب عربيّ جيّد. وروي بالرفع، وهو المختار في الاستثناء المتّصل بعد النفي وشبهه. وقال الزين ابن المنيّر: يستفاد منه جواز استعمال "أحد" في الإثبات، خلافًا لمن خصّه بضرورة الشعر، كقوله: وَقَدْ ظَهَرْتَ فلَا تخَفَى عَلَى أَحَدٍ … إلاَّ عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الإثبات إلا إن كان يعقبه نفيٌ، وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ) قال الحافظ: المراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده، أو عدم بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن، إن وجد من يبيعه، أو الأجرة، ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله إلا إن أعير له انتهى. واستُدلّ به على أن من وجد النعلين لا يلبس الخفّين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفيّة، وبعض الشافعيّة. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئًا لم يجز إلا للفاقد. وقال الزرقانيّ: فإن لبسهما مع وجود النعلين افتدى عند مالك، والليث، وعن الشافعيّ قولان انتهى.

стр. 12538

(فَلْيَقْطَعْهُمَا) وفي رواية نافع: "فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين". قال الحافظ: ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شُرع للتسهيل لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة انتهى. (حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) يعني أن فاقد النعلين إذا أراد أن يلبس الخفين يقطعهما بحيث يصير الكعبان، وما فوقهما من الساق مكشوفًا، لا قطع موضع الكعبين فقط. قال في "الفتح": والمراد كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. ويؤيّده ما روى ابن أبي شيبة، عن جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: إذا اضطرّ المحرم إلى الخفّين خرق ظهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه. وقال محمد بن الحسن، ومن تبعه من الحنفيّة: الكتب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وقيل: إن ذلك لا يُعرف عند أهل اللغة. وقيل: إنه لا يثبت عن محمد، وإن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد اللَّه الرازيّ سمعه يقول في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه، فأشار محمد بيده إلى موضع القطع، ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة، وبهذا يتعقّب على من نقل عن أبي حنيفة كأبن بطّال أنه قال: إن الكتب هو الشاخص في ظهر القدم، فإنه لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن -على تقدير صحّته عنه- أن يكون قول أبي حنيفة. ونقل عن الأصمعيّ، وهو قول الإماميّة أن الكتب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم. وجمهور أهل اللغة على أن في كلّ قدم كعبين. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما، إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفيّة تجب. وتُعُقِّب بأنها لو وجبت لبيّنها النبيّ ﷺ لأنه وقت الحاجة. واستدلّ به على اشتراط القطع، خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفّين من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عبّاس عند البخاريّ في أواخر الحجّ بلفظ: "ومن لم يجد نعلين، فليلبس خفّين". وتُعُقّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيّد، فينبغي أن يقول بها هنا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي للمصنف -٣٨/ ٢٦٨٠ - من طريق أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بلفظ: "وإذا لم يجد النعلين، فليليبس الخفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"، فلو صحّت هذه الزيادة، فلا حاجة إلى القول بالتقييد بحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ لكنها لا تثبت في حديث ابن عباس، كما سيأتي بيانه هناك، إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 12539

قال: وأجاب الحنابلة بأشياء: منها: دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطنيّ، من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عبّاس حديثه، وقال: انظروا أيّ الحديثين قبلُ؟، ثم حكى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قبلُ, لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات. وأجاب الشافعيّ عن هذا في "الأمّ"، فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس؛ لاحتمال أن تكون عزبت عنه، أو شكّ، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته انتهى. قال: وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزيّ: حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يُختلف في رفعه انتهى. قال الحافظ: وهو تعليل مردود، بل لم يُختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذّة، على أنه اختُلف في حديث ابن عبّاس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا. ولا يرتاب أحد من المحدّثين أن حديث ابن عمر أصحّ من حديث ابن عبّاس؛ لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وُصف بكونه أصحّ الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفّاظ، منهم نافع، وسالم، بخلاف حديث ابن عبّاس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيليّ: إنه شيخٌ بصريّ، لا يُعرف، كذا قال. وهو معروف، موصوفٌ بالفقه عند الأئمة. واستدلّ بعضهم بالقياس على السراويل، كما سيأتي البحث عنه فيه في حديث ابن عبّاس، إن شاء اللَّه تعالى. وأجيب بأن القياس مع وجود النصّ فاسد الاعتبار. واحتجّ بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، واللَّه لا يحبّ الفساد. وأجيب بأن الفساد إنما يكون فيما نَهَى الشرع عنه، لا فيما أذن فيه. وقال ابن الجوزيّ: يُحمل القطع على الإباحة، لا على الاشتراط؛ عملاً بالحديثين. ولا يخفى تكلّفه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن بهذا أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب قطع الخفين، حتى يكونا أسفل من الكعبين، هو الحقّ، حملاً لحديث ابن عباس على حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وبه يحصل العمل بالحديثين، من غير إلغاء أحدهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 12540

[تنبيه]: زاد الثوريّ في روايته لهذا الحديث عن أيوب، عن نافع: "ولا القباء". أخرجه عبد الرزّاق عنه. قال الحافظ العراقيّ: وهو صحيح محفوظ من حديث سفيان الثوريّ، عن أيوب. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر عن الثوري. وأخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريق حفص بن غياث، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع أيضًا بلفظ: "والأقبية". قال العراقيّ إسناده صحيح. و"القباء" بالقاف والموحدة: معروف، ويطلق على كلّ ثوب مفرج. ومنع لبسه متّفق عليه، إلا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه، لا إذا ألقاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور، والخرقيّ من الحنابلة. وحكى الماورديّ نظيره إن كان كمه ضيّقًا، فإن كان واسعًا فلا. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور من أنه لا يجوز لبس القباء مطلقًا، سواء أدخل يديه في كميه أم لا هو الحقّ؛ لإطلاق النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٨/ ٢٦٦٦ و ٢٦٦٧ و ٣٠/ ٢٦٦٩ و ٣١/ ٢٦٧٠ و ٣٣/ ٢٦٧٣ و ٣٤/ ٢٦٧٤ و ٢٦٧٥ و ٣٥/ ٢٦٧٦ و ٢٦٧٧ و ٣٦/ ٢٦٧٨ و ٣٨/ ٢٦٨٠ و ٣٩/ ٢٦٨١ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٣٦٤٦ و ٣٦٤٧ و ٣٠/ ٣٦٤٩ و ٣١/ ٣٦٥٠ و ٣٣/ ٣٦٥٣ و ٣٤/ ٣٦٥٤ و ٣٦٥٥ و ٣٥/ ٣٦٥٦ و ٣٦٥٧ و ٣٦/ ٣٦٥٨ و ٣٨/ ٣٦٦٠ و ٣٩/ ٣٦٦١. وأخرجه (خ) في، "العلم" ١٣٤ و"الصلاة" ٣٦٦ و"الحج" ١٥٤٢ و ١٨٣٨ و ١٨٤٢ و"اللباس" ٥٧٩٤ و ٥٨٠٣ و ٥٨٠٥ و ٥٨٠٦ و ٥٨٤٧ و ٥٨٥٢ و (م) في "الحج" ١١٧٧ (د) في "المناسك" ١٨٢٣ (ت) في "الحج" ٨٣٣ (ق) في "المناسك" ٢٩٢٩ و ٢٩٣٠ و ٢٩٣٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤٠ و ٤٤٦٨ و ٤٥٢٤ و ٤٧٢٦ و ٤٨٢٠ و ٤٨٤١ و ٤٨٥٣ و ٤٨٨١ و ٥٠٥٥ و ٥٠٨٧ و ٥١١٠ و ٥١٤٤ و ٥١٧١ و ٥٢٨٦ و ٥٣٠٣ و ٥٣١٤ و ٥٤٠٤ و ٥٤٠٨ و ٥٤٤٩ و ٥٥٠٣ و ٥٧٨١ و ٦٢٠٨ (الموطأ) في "الحج" ٧١٦ و ٧١٧ (الدارمي) في "المناسك" ١٧٩٨ و ١٨٠٠. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12541

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن لبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران. (ومنها): أن فيه تحريم لبس هذه الأمور المذكورة، وما في معناها على المحرم، وهو مجمع عليه، فنبه بالقميص على كلّ مخيط معمول على قدر البدن، وبالسراويل على ما هو معمول على قدر عضو منه، وبالعمامة على الساتر للرأس، وإن لم يكن مخيطًا، وبالبرنس على الساتر له، وإن كان لبسه نادرًا، ومن ذلك يفهم تحريم ستر الرأس مطلقًا، وكذا يحرم ستر بعضه إذا كان قدرًا يقصد ستره لغرض، بخلاف الخيط ونحوه، ولا يضرّ الانغماس في الماء، والستر بكفه. وبالخفّ على كلّ ساتر للرجل من مداس، وجمجم، وجورب، وغيرها. قال الحافظ وليّ الدين: ويقدح في دعوى الإجماع ما رواه سعيد بن منصور في "سننه" عن عطاء بن أبي رباح أنه رخّص للمحرم في لبس الخفّ في الدلجة. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": ولا يعرف ذلك لغير عطاء، إلا أن الطحاويّ روى في "بيان المشكل" أن عمر ﵁ رأى على عبد الرحمن بن عوف ﵁ خفّين، وهو محرم، فقال: وخفّين أيضًا، وأنت محرم؟ فقال: فعلته مع من هو خير منك. قال العراقيّ: فلعلّ هذا مستند عطاء، ويحتمل عدم وجدان عبد الرحمن للنعلين انتهى (١). (ومنها): أنه لا يجوز لبس الخفين المقطوعين إلا عند فقد النعلين، وهو الراجح من أقوال أهل العلم. (ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في تحريم اللباس المذكورة على المحرم، ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفّه، ويتّصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكّر أنه محرم في كلّ وقت، فيكون أقرب إلى كثرة ادكاره، وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكّر به الموت، ولباس الأكفان، وليتذكّر البعث يوم القيامة، حفاة، عُراة، مهطعين إلى الداعي. ذكره وليّ الدين (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". …

стр. 12542

٢٩ - (الْجُبّةُ فِي الإِحْرَامِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الجبّة" -بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة -: ثوب معروف، جمعه جُبَبٌ، وجِبَاب. قاله في "القاموس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٦٨ - (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومَسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ, فَبَيْنَا نَحْنُ بِالْجِعِرَّانَةِ, وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي قُبَّةٍ, فَأَتَاهُ الْوَحْيُ, فَأَشَارَ إِلَيَّ عُمَرُ, أَنْ تَعَالَ, فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي الْقُبَّةَ, فَأَتَاهُ رَجُلٌ, قَدْ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بِعُمْرَةٍ, مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدْ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ؟ , إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ, فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ , يَغِطُّ لِذَلِكَ, فَسُرِّيَ عَنْهُ, فَقَالَ: «أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَنِي آنِفًا؟» , فَأُتِيَ بِالرَّجُلِ, فَقَالَ: «أَمَّا الْجُبَّةُ فَاخْلَعْهَا, وَأَمَّا الطِّيبُ فَاغْسِلْهُ, ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا» , قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا» , مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ, غَيْرَ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ, وَلَا أَحْسِبُهُ مَحْفُوظًا, وَاللَّهُ أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نوح بن حبيب القُومَسِيّ) بضم القاف، وسكون الواو، أبو محمد، ثقة سني [١٠] ٧٩/ ١٠١٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصري، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي الفقيه، ثقة فاضل يرسل ويدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم المكي، ثقة فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (صفوان بن يعلى) يأتي قريبًا. ٦ - (أبوه) يعلي بن أمية يأتي قريبًا أيضًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وأنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12543

شرح الحديث (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) التميميّ المكيّ الثقة [٣] تقدمت ترجمته في -٧/ ٤٠٧ (عَنْ أَبيهِ) يعلي بن أُمية بن أبي عبيدة بن همّام التميميّ، حليف قُريش، وهو يعلى بن مُنية -بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحة- وهي أمه، وقيل: جدّته، صحابيّ مشهور، مات ﵁ سنة بضع وأربعين، تقدّمت ترجمته في -٧/ ٤٠٧ (أَنَّهُ قَالَ: لَيتَنِي) أي أتمنّى (أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية مسلم: "أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب ﵁: ليتني أرى نبيّ اللَّه ﷺ … " (وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَبَينَا نَحْنُ بِالْجِعِرَّانَةِ) قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما إسكان العين، وتخفيف الراء. والثانية: كسر العين، وتشديد الراء، والأولى أفصح، وبهما قال الشافعيّ، وأكثر أهل اللغة، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية، وتشديدها، والأفصح التخفيف، وبه قال الشافعيّ، وموافقوه. انتهى (١). وهو اسم موضع بين مكة والطائف، وهو إلى مكة أقرب. (وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي قُبَّةٍ) جملة في محلّ نصب على الحال. والقُبّة -بضمّ القاف، وتشديد الموحّدة -: خيمة صغيرة، أعلاها مستديرة، جمعها قِبَاب، وقُبَبٌ. وفي رواية لمسلم: "وعلى النبيّ ﷺ ثوبٌ قد أُظلّ به عليه"، ولا تخالف بين الروايتين, لأن الثوب شيء خُصّ به ﷺ داخل القبّة، للتظليل عليه به (فَأتاهُ الْوَحْيُ) أي نزل عليه الملك بالوحي من السماء. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزّل حينئذ من القرآن. وقد استدلّ به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلى. لكن وقع عند الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتناول الهيئات، والصفات، واللَّه أعلم انتهى (٢). وقال في موضع آخر: ويستفاد منه أن المأمور به، وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة انتهى (٣). (فَأشَارَ إِليَّ عُمَرُ) بن خطاب ﵁ , لأنه طلب منه أن يريه النبيّ ﷺ ، في حال نزول الوحي عليه، ففي رواية لمسلم: "وكان عمر يستره إذا نزل عليه الوحي، يُظلّه، فقلت لعمر ﵁: إني أحبّ إذا نزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما أُنزل

стр. 12544

عليه، خمّره عمر ﵁ بالثوب، فجئته، فأدخلت رأسي معه في الثوب … " (أَنْ تَعَالَ) "أن" تفسيريّة، وكأن عمر ﵁ علم أن ذلك لا يشقّ على النبيّ ﷺ (فَأدْخَلْتُ رَأْسِي الْقُبَّةَ) أي ليراه ﷺ في حال نزول الوحي عليه (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) الفاء هنا ليست للترتيب؛ لأن مجيء الرجل، واستفتاءه هو السبب في نزول ذلك الوحي، كما تفيده الروايات الأخرى، ففي رواية مسلم: "فلما كان النبيّ ﷺ بالجعرانة، وعلى النبيّ ﷺ ثوبٌ قد أُظلّ به عليه، معه ناسٌ من أصحابه، فيهم عمر، إذ جاءه رجلٌ عليه جبّة صوف، متضمّخٌ بطيب، فقال: يا رسول اللَّه، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، في جبّة بعد ما نضمّخٌ بطيب؟، فنظر إليه النبيّ ﷺ ساعةً، ثم سكت، فجاءه الوحي … " الحديث. وفي رواية للبخاريّ: "جاء أعرابيّ". قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في "الذيل" عن "تفسير الطرطوشيّ" أن اسمه عطاء ابن منية، قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك، فهو أخو يعلى ابن منية رواي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي، فإنه من رواية عطاء، عن صفوان بن يعلى ابن منية، عن أبيه. ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدًا. قال: ووقع في شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقّن: ما نصّه: هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد، إذ في "كتاب الشفا" للقاضي عياض عنه، قال: "أتيت النبيّ ﷺ وأنا متخلّقٌ، فقال: "ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بيده في بطني، فأوجعني" الحديث. فقال شيخنا: لكن عمرو هذا لا يُدرك ذا، فإنه صاحب ابن وهب انتهى كلامه. وهو معترض من وجهين: أما أوّلاً: فليست هذه القصّة شبيهة بهذه القصّة، حتى يُفسّر صاحبها بها. وأما ثانيًا: ففي الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأن من يقول: أتيت النبيّ ﷺ لا يُتخيّل فيه أنه صاحب ابن وهب، صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر، وافق اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه، والفرض أنه لم يثبت؛ لأنه انقلب على شيخنا، وإنما الذي في "الشفاء" سواد بن عمرو، وقيل: سوادة بن عمرو، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في "مصنّفه"، والبغويّ في "معجم الصحابة". وروى الطحاويّ من طريق أبي حفص بن عمرو، عن يعلى أنه مرّ على النبيّ ﷺ ، وهو متخلّق، فقال: "ألك امرأة؟ "، قال: لا، قال: "اذهب فاغسله". فقد يَتَوهّم من لا خبرة له أن يعلي بن أميّة هو صاحب القصّة، وليس كذلك، فإن رواي هذا الحديث يعلي بن مرّة الثقفيّ، وهي قصّة أخرى، غير قصّة صاحب الإحرام.

стр. 12545

نعم روى الطحاويّ في موضع آخر أن يعلي بن أميّة صاحبُ القصّة، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا عبد الرحمن هو ابن زياد الوضّاحيّ، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلاً يقال له: يعلي بن أمية أحرم، وعليه جبّة، فأمره النبيّ ﷺ أن ينزعها". قال قتادة: قلت لعطاء: إنما كنّا نرى أن نشقّها، فقال عطاء: إن اللَّه لا يُحبّ الفساد. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (قَدْ أَحرَمَ فِي جُبَّةِ) يعني أنه لابسها، وفي رواية للبخاريّ: "وعليه جبّة". وفي الرواية الآتية ٤٤/ ٢٧٠٩ - من طريق عمرو، عن عطاء: "وعليه مقطّعات"، قال النووي: بفتح الطاء المشدّدة، وهي الثياب المخيطة. وقال في "النهاية": أي ثياب قصارٌ؛ لأنها قطعت عن بلوغ التمام. وقيل: المقطّع من الثياب: كلّ ما يفصل، ويُخاط من قميص، وغيره، وما لا يقطّع منها كالأزُر، والأردية انتهى. (بِعُمْرَةٍ، مُتَضَمِّخٌ بطِيبٍ) بالضاد، والخاء المعجمتين: أي متلوّثٌ به، مكثرٌ منه، يقال: تضمّخ بالطيب: إَذا تلطّخ، وتلوّث به. وفي رواية عمرو: "وهو متضمّخٌ بخلوق". وفي الرواية الآتية من طريق قيس بن سعد، عن عطاء: "وهو مصفّرٌ لحيته، ورأسه". أي وهو بتشديد الفاء المكسورة، أي مستعملٌ للصفرة في لحيته، وتلك الصفرة هي الْخَلُوق (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدْ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ؟) زاد في رواية لمسلم: "بعد ما تضمّخ بطيب"، وفي رواية له: "عليه جبّة، وعليها خَلُوقٌ". وهو بفتح الخاء المعجمة: نوع من الطيب، يُعمل فيه زعفران (إِذْ أُنْزِلَ) وفي نسخة: "إذ نزل"، وفي أخرى: "يُنزل" (عَلَيْهِ الْوَحْيُ) أي حامله، وهو جبريل ﵇ (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَغِطُّ) بفتح أوله، كسر الغين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة: أي ينفخ. يقال: غطّ النائم يَغِطّ، من باب ضرب: إذا تردّد نَفَسه صاعدًا إلى حَلْقه، حتّى يسمعه مَنْ حولَه. أفاده في "المصباح". وفي رواية الشيخين: "فنظرت إليه، له غطيطٌ، قال: وأحسبه قال: كغطيط الْبَكْر". الغطيط: هو صوت النائم، أو المغمى عليه الذي يُردّده مع نفسه. و"البكر" -بفتح، فسكون-: هو الفَتِيّ من الإبل. (لِذلِكَ) أي لنزول الوحي، وسببه هو شدّة الوحي، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. وثبت في "صحيح البخاريّ عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت: "ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصَم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقًا"

стр. 12546

(فَسُرِّيَ عَنْهُ) -بضمّ السين، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، أي أُزيل ما به، وكشف عنه شيئًا بعد شيء (فَقَالَ) ﷺ ("أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَألَنِي آنِفًا؟ ") بالمدّ، والقصر، ككتف، وقرىء بهما قوله تعالى ﴿قَالَ: آنِفًا﴾ [سورة محمد ﷺ : ١٦] أي مذ ساعة، أي في أوّل وقت يقرُبُ منّا. قاله في "القاموس" (فَأُتيَ بِالرَّجُلِ، فَقَالَ) ﷺ (أمَّا الْجُبَّةُ فَاخْلَعْهَا) وفي رواية: "فانزعها"، أي اقلعها فورًا، وأخرجها (وَأَمَّا الطَّيبُ فَاغْسِلْهُ) وفي رواية الشيخين: "فاغسله ثلاث مرّات". قال القاضي عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبيّ ﷺ ، فيكون نصًّا في تكرار الغسل. ويحتمل أنه من كلام الصحابيّ، وأنه ﷺ أعاد لفظ "اغسله" ثلاث مرّات على عادته أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاث مرَّات لتُفهم انتهى. وفي رواية للبخاريّ: قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرّات؟، فقال: نعم. قال الحافظ: القائل هو ابن جريج، وهو دالّ على أنه فهم من السياق أن قوله: "ثلاث مرَّات" من لفظ النبيّ ﷺ ، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابيّ، وأنه ﷺ أعاد لفظة "اغسله" مرّة، ثم مرّة على عادته أنه كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتُفهم عنه. نبّه عليه عياضٌ انتهى. وفي رواية أبي داود، والبيهقيّ: "أمره أن ينزعها نزعًا، ويغتسل مرَّتين، أو ثلاثاً". قال النوويّ: إنما أمره بالثلاث مبالغة في إزالة لونه، وريحه، والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرّة كفت، ولم تجب الزيادة، ولعلّ الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيّده قوله: "متضمّخٌ". قال القاضي: ويحتمل أنه قال له ثلاث مرَّات: "اغسله"، فكرّر القول ثلاثًا. والصواب ما سبق. واللْه أعلم. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: صوّب النوويّ كون "ثلاث مرات" من لفظ النبيّ ﷺ ، وهو الحقّ، فعلى هذا ففي قوله: "فإن حصلت بمرة كفت، ولم تجب الزيادة" نظر لا يخفى، بل الظاهر لزوم الثلاث، عملاً بظاهر الأمر، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية عمرو المذكورة: "ما كنت صائغًا في حجّك؟ "، قال: كنت أتّقي هذا، وأغسله، فقال: "ما كنت صائغًا في حجك، فاصنعه في عمرتك". وهذا يدلّ على أن ذلك الرجل كان يعرف أعمال الحجّ قبل ذلك. قال ابن العربيّ: كأنهم كانوا في الجاهليّة يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجّوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبيّ ﷺ أن مجراهما واحد.

стр. 12547

وقال ابن المنيّر في "الحاشية": قوله: "اصنع": معناه اترك؛ لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة، وهي أن الترك فعل. قال: وأما قول ابن بطّال: أراد الأدعية، وغيرها مما يشترك فيه الحجّ والعمرة، ففيه نظر؛ لأن التروك مشتركة، بخلاف الأعمال، فإن في الحجّ أشياء زائدة على العمرة، كالوقوف، وما بعده. وقال النوويّ كما قال ابن بطّال، وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختصّ به الحجّ. وقال الباجيّ: المأمور به غير نزع الثوب، وغسل الخلوق؛ لأنه صرّح له بهما، فلم يبق إلا الفدية. قال الحافظ: كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبيّن من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم، والنسائيّ من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، في هذا الحديث: فقال: "ما كنت صانعًا في حجك؟ "، قال: أنزع هذه الثياب، وأغسل عنّي هذا الخلوق، فقال: "ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك" انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي دلّت عليه هذه الرواية هو التفسير الصحيح لقوله ﷺ : "واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك"؛ لأن هذه الرواية بينت الاختصار الواقع في الحديث، فما قاله كلّ من ابن المنيّر، وابن بطّال، والنوويّ، والباجيّ، من التفسير مبنيَّ على عدم انتباههم إلى هذه الرواية الموضحة للمراد من الحديث. والحاصل أنه ﷺ سأله عما كان يصنع في حجه بالنسبة للجبة، والخلوق، فكأنه قال له: ماذا تصنع إذا أحرمت بالحجّ، وعليك جبة، وخلوق؟، فقال أُبعدهما عنّي بالنزع، والغسل، فقال: "ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك"؛ أي لأنه لا فرق بينهما في هذا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا") أمرٌ له بتجديد إحرامه بالعمرة، أي جدّد إحرامك بالعمرة، بعد أن تخلع الجبّة، وتغسل الطيب. (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- ("ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا"، مَا) وفي نسخة: "لا" (أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، غيرَ نُوحِ بنِ حَبِيبٍ) يعني أن هذه الجملة مما تفرّد بها نوح ابن حبيب على غيره ممن روى الحديث عن يحيى بن سعيد. فقوله: "ثم أحدِث إحرامًا" مبتدأ محكيّ لقصد لفظه، وجملة "ما أعلم الخ" خبره. و"غير" بالنصب بدلٌ من "أحدًا" (وَلَا أَحْسِبُهُ مَحْفُوظًا) أي لا أظنّ هذا الكلام محفوظًا عن النبيّ ﷺ . غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام إعلال الزيادة المذكورة بتفرّد نوح بن حبيب بها، فإن سائر الحافّاظ ما ذكروها. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، وهو المستعان،

стр. 12548

وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث يعلي بن أميّة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٩/ ٢٦٦٨ و ٤٤/ ٢٧٠٩ و ٢٧١٠ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٦٤٨ و ٤٤/ ٣٦٨٩ و ٣٦٩٠. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٧٨٩ و ١٨٤٨ و"المغازي" ٤٣٢٩ و"فضائل القرآن" ٤٩٨٥ (م) في "الحجّ" ١١٨٠ وفي "القسامة" ١٦٧٤ (د) في "المناسك" ١٨١٩ (ت) في "الحجّ" ٨٣٥ (ق) في "الديات" ٢٦٥٦ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٧٤٨٨ و ١٧٥٠٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم لبس الجبّة في حالة الإحرام، وهو ما بيّنه في الحديث، وذلك وجوب نزعه في الحال. (ومنها): أن بعض الأحكام ثبت بالوحي، وإن لم يكن مما يتلى، لكن وقع في "الأسط" للطبرانيّ أن الذي نزل على النبيّ ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية. (ومنها): أن النبيّ ﷺ لم يكن يحكم بالاجتهاد، إلا إذا لم يحضره الوحي. (ومنها): أن المفتي، والحاكم إذا لم يعرفا الحكم أمسكا عنه حتى يتبيّن لهما. (ومنها): أنه استدلّ به من منع استدامة الطيب بعد الإحرام؛ للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وأجاب الجمهور بأن قصّة يعلى كانت بالجعرانة، كما ثبت في هذا الحديث، وهي سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها طيّبت رسول اللَّه ﷺ بيديها عند إحرامه، كما سيأتي -٤١/ ٢٦٨٤ - وكان ذلك في حجة الوداع، سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من الأمر. وبأن المأمور بغسله في قصّة يعلى إنما هو الخلوق، لا مطلق الطيب، فلعلّ علّة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا، محرمًا، وغير محرم. وفي حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "ولا يلبس -أي المحرم- من الثياب شيئًا مسّه زعفران". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "ولم يُنْهَ إلا عن الثياب المزعفرة"، والأصح ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد بسط في المسألة في الباب المذكور، إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 12549

(ومنها): أن من أصابه طيّب في إحرامه، ناسيًا، أو جاهلاً، ثم علم، فبادر إلى إزالته، فلا كفّارة عليه، وهو المذهب الراجح. وسيأتي أيضًا بيان الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن من أحرم وهو لابس مخيطًا، كالجبة، والقميص، جهلاً، أو نسيانًا لزمه نزعه، وليس عليه تمزيقه، ولا شقّه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا يلزمه دم، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء فيمن أحرم، وعليه جبّة، أو قيمص، هل ينزعه، أو يشقّه؟: ذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى أنه ينزعه، ولا يشقّه. وهو قول عطاء، وطاوس، وبه قال مالك، وأصحابه، والشافعيّ، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، والثوريّ، وسائر فقهاء الأمصار، أصحاب الرأي والآثار. وذهبت طائفة إلى أنه لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال، بل يشقّه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطّى رأسه، وذلك لا يجوز. وممن قال بذلك الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وأبو قلابة، وسعيد بن جبير، على اختلاف عنه. وروي عن عليّ نحوه. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- (١): وحجّتهم ما رواه عبد الرزّاق، عن داود بن قيس، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لَبيبة، أنه سمع ابني جابر بن عبد اللَّه، يحدّثان عن أبيهما ﵁، قال: بينما النبيّ ﷺ جالسٌ مع أصحابه شقّ قميصه، حتى خرج منه، فقيل له؟، فقال: "واعدتهم يقلّدون هديي اليوم، فنسيت". ورواه أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن عبد الملك، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ ، وزاد: "فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي". وكان بعث ببُدّنه، وأقام بالمدينة. واحتجّ الجمهور بحديث يعلي بن أميّة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب. قال أبو عمر: ولا خلاف بين أهل الحديث أنه حديث صحيح، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء ضعيفٌ لا يُحتجّ به. وهو مردود أيضًا بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول اللَّه ﷺ ، ثم يقلّده، ويبعث به،

стр. 12550

ولا يحرم عليه شيء، أحلّه اللَّه له، حتى ينحر الهدي". متّفق عليه (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب ما قاله الجمهور، من أن من أحرم جاهلاً، أو ناسيا بقيمص، أو جبة، أو نحوهما عليه نزعه، نزعًا معتادًا, ولا يشقّه، ولا يخرقه؛ لحديث يعلى - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا، وأما ما احتجّ به المخالفون فمما لا يُلتفت إليه؛ لعدم صحته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في لزوم الفدية من لبس ناسيًا أو جاهلاً: ذهب الأئمة: عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، --رحمهم اللَّه تعالى-- إلى أن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه، كالقميص، والجبة، والقباء، ونحوها جاهلاً، أو ناسيًا، فبادر إلى نزعه، لا فدية عليه. وذهب الإمام أبو حنيفة، والمزنيّ في رواية عنه إلى أنه يلزمه إذا غطّى رأسه متعمّدًا، أو ناسيًا يومًا إلى الليل، فإن كان أقلّ من ذلك، فعليه صدقة يتصدّق بها. وذهب الإمام مالك إلى الفرق بين من بادر، فنزع، فلم يوجب عليه الفدية، وبين من تمادى وطال لبسه، فأوجبها عليه (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح عندي؛ لحديث يعلى - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، حيث لم يأمره النبيّ ﷺ بالفدية، ولو كانت الفدية لازمة له لبيّنها له النبيّ ﷺ , لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٠ - (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْقَمِيصِ لِلْمُحْرِمِ) ٢٦٦٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ

стр. 12551

اللَّهِ ﷺ , مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا (١) الْقُمُصَ, وَلَا الْعَمَائِمَ, وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْبَرَانِسَ, وَلَا الْخِفَافَ, إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ, فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ, وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ, وَلَا الْوَرْسُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٣٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة، وقد تقدّم أيضًا أنه أصحّ الأسانيد مطلقًا، على ما ذهب إليه الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائل قبل باب. ودلالته على الترجمة واضحة. وقوله: "القمص": بضمّتين، جميع قميص. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣١ - (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ فِي الإِحْرَامِ) ٢٦٧٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ, إِذَا أَحْرَمْنَا؟ , قَالَ: «لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ» -وَقَالَ عَمْرٌو مَرَّةً أُخْرَى-: «الْقُمُصَ, وَلَا الْعَمَائِمَ, وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْخُفَّيْنِ, إِلاَّ أَنْ لَا يَكُونَ لأَحَدِكُمْ نَعْلَانِ, فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ, وَلَا زَعْفَرَانٌ»). "عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ الحافظ الحجة. والكلام على الحديث كالكلام في سابقه. وقوله: "زعفران". قال الحافظ السيوطيّ: منصرف؛ لأنه ليس فيه إلا الألف، والنون فقط انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12552

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٢ - (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ لِمَنْ لَا يَجِدُ الإِزَارَ) ٢٦٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ, وَهُوَ يَقُولُ: "السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الإِزَارَ, وَالْخُفَّيْنِ لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ, لِلْمُحْرِمِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الجَهْضَمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٢/ ٢. ٣ - (عمرو) بن دينار الأثرم الجُمَحِيّ، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (جابر بن زيد) الأزدي، أبو الشعثاء البصري، ثقة فقيه [٣] ١٤٦/ ٢٣٦. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١ - واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخه فبغلاني، وعمرو فمكي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه ابن عباس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ) أي بعرفة، ففي الرواية الآتية في "كتاب الزينة" من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أنه سمع النبيّ ﷺ يقول بعرفات … " الحديث (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (السَّرَاوِيلُ) مبتدأ على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، أي لبس السراويل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَمَا يَلى الْمُضَافَ يأْتِي خَلَفًا … عَنْهُ فِي الإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا

стр. 12553

وخبره قوله (لِمَنْ لَا يَجِدُ الإِزَارَ) يعني أنه يجوز لبس السراويل لمن لا يجد الإزار. وقد أخذ بظاهره الإمامَ أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فجوّز لبس السراويل من غير قطع، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة، وهو الحقّ؛ لقوّة دليله، كما سيأتي في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. والمراد بعدم وجدان الإزار أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده في ذلك الموضع، أو لعدم بذل المالك إياه، أو لعجزه عن الثمن إن باعه، أو الأجرة إن آجره. وهكذا المراد في عدم وجدان النعلين. (وَالْخُفَّيْنِ لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ) هكذا نسخ "المجتبى"، ووقع في "الكبرى": "والخفّان" بالألف، وهوَ الظاهر؛ لأنه مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور بعده. وما هنا يُخرّج على مذهب الكوفيين القائلين بجواز حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه على حاله من الجرّ، وقاسوه في الاختيار، وحكوا عن العرب: "أطعمونا لحمًا سمينًا، شاةٍ" بجر "شاة"، أي لحم شاة. ولا يجيزه البصريون إلا في الضرورة الشعريّة، كقوله: الآكِلُ الْمَالَ الْيَتِيمِ بَطَرَا أي مال اليتيم. قاله السيوطيّ في "همع الهوامع" (١). وإنما كان هذا قليلاً لأن شرطه أن يكون معطوفًا على مماثل، كقوله: أكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا … وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارًا أي وكلّ نار. وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: وَرُبَّمَا جَرُّوا الذِي أَبْقَوْا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلاً لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ وقوله (لِلْمُحْرِمِ) متعلّق بمحذوف خبرِ لمبتدإ مقدّر، أي وهذا الحكم كائنٌ للمحرم. ولفظ "الكبرى": "المحرم". أي يعني المحرم، كما بينته رواية مسلم بلفظ: "يعني المحرم". يعني أن جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفّين لمن لم يجد النعلين للمحرم فقط، وأما غيره فلا يشترط في جواز لبسه ذلك عدم وجدان الإزرار، والنعلين، بل يجوز له اللبس مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12554

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢/ ٢٦٧١ و ٢٦٧٢ و ٣٣/ ٢٦٧٣ و ٣٧/ ٢٦٧٩ وفي "الزينة" ١٠٠/ ٥٣٢٥ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٣٦٥١ و ٣٦٥٢ و ٣٣/ ٣٦٥٣ و ٣٧/ ٣٦٥٩ و ٩٨/ ٩٦٦٤ و ٩٩/ ٩٦٧٥. وأخرجه (خ) في "الحجّ " ١٧٤٥ و ١٨٤١ و ١٨٤٣ و"اللباس" ٥٨٠٤ و ٥٨٥٣ (م) في "الحجّ" ١١٧٨ (د) في "المناسك" ١٨٢٩ (ت) في "الحجّ" ٨٣٤ (ق) في "المناسك" ٢٩٣١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٥١ و ١٩٢٠ و ٢٠١٦ و ٢٥٢٢ و ٢٥٧٨ و ٣١٠٥ (الدارمي) في "المناسك" ١٧٩٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار: ذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز لبس السراويل مطلقًا، وذهب الجمهور إلى جوازه لمن لا يجد الإزار، وهو الحقّ. قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يبلغ ذلك مالكًا، فأنكره، ففي "الموطّإ": أنه سئل عما ذُكر عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل"، فقال مالك: لم أسمع بهذا, ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن، كما استثنى في الخفّين. وبه قال أبو حنيفة، كما حكاه ابن المنذر، والخطّابيّ. قال ابن عبد البرّ: وقال عطاء بن أبي رباح، والشافعيّ، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود: إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس السراويل، ولا شيء عليه. وحكاه النوويّ عن الجمهور. قال: ولا حجة في حديث ابن عمر؛ لأنه ذكر فيه حالة وجود الإزار، وذكر في حديثي ابن عباس، وجابر ﵃ حالة العدم، فلا منافاة. واللَّه تعالى أعلم. قال وليّ الدين: لم يأمر بقطع السراويل عند الإزار، كما في الخفّ، وبه قال أحمد، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة. وقال إمام الحرمين، والغزاليّ: لا يجوز لبس السراويل على حاله، إلا إذا لم يتأتّ فتقه، وجعله إزارًا، فإن تأتّى ذلك لم يجز لبسه، وإن لبسه لزمته الفدية. وقال الخطّابيّ: يُحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يشقّ السراويل، ويتّزر به.

стр. 12555

قال الخطابيّ: والأصل في المال أن تضييعه محرّم، والرخصة إذ جاءت في لبس السراويل، فظاهرها اللبس المعتاد، وستر العورة واجبٌ، فإذا فتق السراويل، واتّزر به، لم تستتر العورة، فأما الخفّ، فإنه لا يغطّي عورةً، وإنما هو لباس رفق، وزينة، فلا يشتبهان، قال: ومرسل الإذن في لباس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة اهـ انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح هو ما عليه الجمهور، من جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار بدون قطع، أو فتق، وأنه لا فدية عليه؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب، وكذا حديث جابر ﵁ عند مسلم، فقد أباح الشارع لبسه بدون أن يأمر بقطعه، كما أمر في الخفّ، ولم يأمر بالفدية، فجاز لبسه كما هو، ولا تجب الفدية بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٧٢ - (أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا, فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ, وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ, فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ»). "أبو بن محمد الوزّان": هو أبو محمد الرّقّيّ، ثقة [١٠] ٢٨/ ٣٢. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختياني. والحديث متَّفّقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٣ - (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَنْتَقِبَ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في نسخة: "أن تَتَنَقَّبَ". يقال: انَتَقَبَتِ المرأةُ، وتنقّبت: غطّت وجهها بالنقاب. وهو القِنَاع الذي تجعله المرأة على مارن أنفها، تستر به

стр. 12556

وجهها. وهو على وجوه: فإذا أدنته إلى عينها، فهو الْوَصْوَصَة، فإن أنزلته دون ذلك إلى الْمَحْجِرِ (١)، فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف، فهو اللَّفَام (٢). أفاده في "اللسان". و"الحرام" في الأصل مصدر حَرُم الشيءُ؛ ولذا وُصفت به المرأة هنا؛ لأنه يستوي في الوصف بالمصدر الذكر والأنثى، والواحد، وغيره، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرَا … فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا فالحرام بمعنى المحرمة، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول؛ للمبالغة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٧٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَامَ رَجُلٌ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ, فِي الإِحْرَامِ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ, وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْعَمَائِمَ, وَلَا الْبَرَانِسَ, وَلَا الْخِفَافَ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ, فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ, مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ, مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ, وَلَا الْوَرْسُ, وَلَا تَنْتَقِبُ (٣) الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ, وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٣٦) من راعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع للمصنف من الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة. وقوله: "ما أسفل من الكعبين" يحتمل أن تكون "ما" زائدة، والظرف متعلّق بـ "يلبس". ويحتمل أن تكون موصولة، والظرف صلتها، وهي بدل من "الخفّين". والحديث مُتَّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله، ولنتكلّم الآن على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): أنه اختُلف في قوله: "ولا تنتقب المرأة الخ" هل هو مرفوع، أم من كلام ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، مشيرًا إلى هذا الاختلاف: ١٨٣٨ - حدثنا عبد اللَّه بن يزيد، حدثنا الليث، حدثنا نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، ﵄، قال: قام رجل، فقال: يا رسول اللَّه، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في

стр. 12557

الإحرام؟، فقال النبيّ ﷺ : "لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، إلا أن يكون أحد ليست له نعلان، فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران، ولا الورس، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين". تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق "في النقاب، والقفازين"، وقال عبيد اللَّه: "ولا ورسٌ"، وكان يقول: "لا تتنقب المحرمة، ولا تلبس القفازين". وقال، مالك عن نافع، عن ابن عمر: "لا تتنقب المحرمة". وتابعه ليث بن أبي سليم. انتهى. قال في "الفتح": قوله: وقال عبيد اللَّه": يعني أن عبيد اللَّه المذكور خالف المذكورين قبلُ في رواية هذا الحديث عن نافع، فوافقهم على رفعه إلى قوله: "زعفران، ولا ورس"، وفصل بقية الحديث، فجعله من قول ابن عمر. وقوله: "وقال مالك الخ" والغرض أن مالكًا اقتصر على الموقوف فقط، وفي ذلك تقويةٌ لرواية عبيد اللَّه، وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النهي عن النقاب، والقفّازين مفردًا، مرفوعًا, وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة عند أحمد، وأبي داود، والحاكم، قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر بلفظ: "أنه سمع رسول اللَّه ﷺ ينهى النساء في إحرامهنّ عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب". وقال في "الاقتراح": دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة. وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا، وكان مع أحدهم زيادة قُدّمت، ولا سيّما إذا كان حافظًا, ولا سيما إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإن عبيد اللَّه بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف، فرفعه، فقد شذّ بذلك، وهو ضعيف. وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف، فإنه من التصرّف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة، فقدّم وأخّر؛ لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم، فهو أولى، أشار إلى ذلك الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ". انتهى المقصود من "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن قوله: "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس

стр. 12558

القفّازين" مختلف في رفعه إلى النبيّ ﷺ ، أو أنه من كلام ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما، والذي مال إليه الحافظ العراقيّ، وتبعه الحافظ أن الأرجح الوقف. لكن الذي يظهر أن البخاريّ يصحح الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق الليث، عن نافع، مرفوعًا، ثم ذكر أنه تابع نافعا موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة -وهو ابن أخي موسى بن عقبة- وجويرية بن أسماء، وابن إسحاق كلهم عن نافع في رفع النقاب والقفّازين، ثم ذكر مخالفة عبيد اللَّه لهم بوقفه، وأتبعه بأن مالكًا ذكر الانتقاب فقط موقوفًا، فظاهر هذا أنه يرى أن الرفع صحيح، لاتفاق هؤلاء الثقات، وأن هذا الخلاف لا يضرّهم. وأيضًا فقد صرّح الترمذيّ بصحّة الحديث، فقال: حديث حسن صحيح، وكذا الحافظ أبو عمر، فقال في "الاستذكار": قال أبو عمر: قد روي عن النبيّ ﷺ أنه نهى المرأة الحرام عن النقاب، والقفّازين. روى الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام رجل، فذكر رواية البخاريّ السابقة. قال أبو داود: روى هذا الحديث حاتم ابن إسماعيل، ويحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، كما رواه الليث. ورواه أبو قُرّة موسى بن طارق، عن موسى بن عقبة، عن نافع، موقوفًا على ابن عمر. قال أبو عمر: رفعه صحيحٌ، رواه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا. ورواه ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا أيضًا انتهى كلام أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بهذا أن الذين رفعوه أكثر، وهم الليث بن سعد، ومحمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة. وعبيد اللَّه، وإن كان أحفظ الحديث نافع من غيره، فاتفاق هؤلاء على الرفع يقدّم على وقفه؛ لأن الرفع معه زيادة علم، وأيضًا أن من وقف لا يعارض من رفع؛ لأن الرافع نقل الرواية, والواقف نقل الفتوى، ولا تنافي بينهما؛ لأن العالم يروي الحديث أحيانًا، ويفتي بمقتضى ما رواه أحيانًا. والحاصل أن حديث: "ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفّازين" صحيح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن للمرأة المحرمة لبس القميص، والدرع، والسراويلات، والْخُمُر، والخفاف. قال وليّ الدين: فدلّ النهي عن الانتقاب على تحريم ستر الوجه بما يُلاقيه، ويمسّه،

стр. 12559

دون ما إذا كان متجافيًا عنه. وهذا قول الأئمة الأربعة، وبه قال الجمهور. وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ رخّص فيه -يعني النقاب- ثم قال: وكانت أسماء بنت أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهما - تُغطّي وجهها، وهي محرمة. وروينا عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها قالت: المحرمة تُغطّي وجهها، إن شاءت. وقال ابن عبد البرّ: وعلى كراهة النقاب للمرأة جهور علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، من فقهاء الأمصار أجمعين، إلا شيء رُوي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تُغطّي وجهها، وهي محرمة، وعن عائشة أنها قالت: تُغطّي المرأة وجهها إن شاءت. وروي عنها أنها لا تفعل، وعليه الناس انتهى (١). وقال أبو محمد ابن حزم: ما حاصله: تلبس المرأة ما شاءت من كلّ ما ذكرنا أنه لا يلبسه الرجل، وتغطي رأسها، إلا أنها لا تنتقب أصلاً، لكن إما أن تكشف وجهها، وإما أن تُسدل عليه ثوبًا من فوق رأسها، فذلك لها إن شاءت انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من نهي المرأة عن الانتقاب، وعدم تغطية وجهها إلا بما كان متجافيًا هو الحقُّ. والحاصل أن المرأة لا يجوز لها أن تنتقب، سواء كانت حرّة، أو أمة، ويجوز لها أن تُسدل على وجهها من فوق رأسها شيئًا متجافيًا يستر وجهها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم ستر الرجل وجهه: ذهب الشافعيّ، وأحمد، والجمهور -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أنه يجوز للمحرم ستر وجهه، ولا فدية عليه، وفيه آثارٌ عن الصحابة ﵃ لظاهر قوله ﷺ : "ولا تنتقب المرأة"، فإنه يدلّ على أن هذا خاصّ بالمرأة، دون الرجل، وهو مقتضى ما ذكره أول الحديث فيما يتركه المحرم، فإنه لم يذكر منه ساتر الوجه. وذهب أبو حنيفة، ومالك -رحمهما اللَّه تعالى- إلى منعه كالرأس، وهو رواية عن أحمد، وقالوا: إذا حرم على المرأة ستر وجهها مع احتياجها إلى ذلك، فالرجل أولى بتحريمه، وتمسّكوا أيضًا بقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: "ولا تخمّروا رأسه، ولا وجهه". وأجاب الجمهور عنه بأن النهي عن تغطية وجهه إنما كان لصيانة رأسه، لا لقصد كشف وجهه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن المتمسّكين بهذا الحديث، وهم الحنفيّة، والمالكيّة لا يقولون ببقاء أثر الإحرام بعد الموت، لا في الرأس، ولا في الوجه،

стр. 12560

والجمهور يقولون: لا إحرام في الوجه في حقّ الرجل، فحينئذ لم يقل بظاهره أحد منهم، ولا بدّ من تأويله، على أن المالكيّة قالوا: إنه لا فدية في تغطية المحرم وجهه، إلا في رواية ضعيفة جزم بها ابن المنذر عن مالك. قاله وليّ الدين (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي أنه يحرم على الرجل تغطية وجهه، كما يحرم عليه تغطية رأسه؛ لحديث "ولا تخمّروا وجهه، ورأسه"، وسيأتي في -٤٧/ ٢٧١٣ - أن زيادة "وجهه" زيادة محفوظة، خلافًا لمن أعلها بالشذوذ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٤ - (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْبَرَانِيسِ فِي الإِحْرَام) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "البرانيس" جمع بُرْنُس: بضمَ، فسكون، وهو كلّ ثوب رأسه منه، ملتزق به، من درّاعة، أو جبّة، أو ممطر، أو غيره. وقال الجوهريّ: هي قلنسوة طويلة، كان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البرس -بكسر الباء-وهو القطن، والنون زائدة. وقيل: إنه غير عربيّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٧٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ (٣) , وَلَا الْعَمَائِمَ, وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْبَرَانِسَ, وَلَا الْخِفَافَ, إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ, فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ, وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ, وَلَا الْوَرْسُ»). هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا قبل ثلاثة أبواب، وتقدّم الكلام عليه مُستوفًى هناك. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٧٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ- عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ,

стр. 12561

عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ, إِذَا أَحْرَمْنَا؟ , قَالَ: «لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ (١) , وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْعَمَائِمَ, وَلَا الْبَرَانِسَ, وَلَا الْخِفَافَ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ, فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ, أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا, مَسَّهُ وَرْسٌ, وَلَا زَعْفَرَانٌ»). قال الجامع عفا الَله تعالى عنه: هذا الحديث متّفق عليه، و"محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عُليّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"عمر بن نافع": هو ولد نافع شيخه هنا العدويّ، مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة [٦] ٦٠/ ١٧٧٠. [تنبيه]: قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" -٢/ ٣٣٥ - : عمر بن نافع، وأبو بكر بن نافع، وعبد اللَّه بن نافع، إخوة ثلاثة، وعبد اللَّه بن نافع ليس بثقة، ونافع مولى عبد اللَّه بن عمر ثقة حافظ انتهى. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وتقدم الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٤ - (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ (٢) فِي الإِحْرَامِ) (*) ٢٦٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: نَادَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ, فَقَالَ: مَا نَلْبَسُ إِذَا أَحْرَمْنَا؟ , قَالَ: «لَا تَلْبَسِ الْقَمِيصَ, وَلَا الْعِمَامَةَ, وَلَا السَّرَاوِيلَ, وَلَا الْبُرْنُسَ, وَلَا الْخُفَّيْنِ, إِلاَّ أَنْ لَا تَجِدَ نَعْلَيْنِ, فَإِنْ لَمْ تَجِدِ النَّعْلَيْنِ, فَمَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو الأَشعث": هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق ١٣٨/ ٣١٩. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، في -٢٨/ ٢٦٦٧. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12562

٢٦٧٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ, أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: نَادَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ, فَقَالَ: مَا نَلْبَسُ إِذَا أَحْرَمْنَا؟ , قَالَ: «لَا تَلْبَسِ الْقَمِيصَ (١) , وَلَا الْعَمَائِمَ, وَلَا الْبَرَانِسَ, وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْخِفَافَ, إِلاَّ أَنْ لَا يَكُونَ نِعَالٌ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِعَالٌ, فَخُفَّيْنِ, دُونَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ, أَوْ زَعْفَرَانٍ, أَوْ مَسَّهُ وَرْسٌ, أَوْ زَعْفَرَانٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي، "وابن عون": هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب المذكور في السند السابق [٥] ٢٩/ ٣٣. وقوله: "إلا أن لا يكون نعال"، "يكون" هنا تامة، وكذا "يكن" بعدها, ولذا لم تحتج إلى خبر، بل اكتفت بمرفوعها، كما قال الحريريّ في "ملحته": وإنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ والمعنى هنا: إلا أن لا يوجد نعال. وقوله: "فخفّين" بالنصب مفعول لمحذوف دلّ عليه السابق، أي فالبَسْ خفّين، وهو جواب الشرط. وقوله: "أو مسّه ورس الخ" الظاهر أن "أو" للشكّ من الراويّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٥ - (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْخُفينِ فِي الإِحْرَامِ) ٢٦٧٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَلْبَسُوا فِي الإِحْرَامِ الْقَمِيصَ (٣) , وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْعَمَائِمَ, وَلَا الْبَرَانِسَ, وَلَا الْخِفَافَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا، و"ابن

стр. 12563

أبي زائدة": هو يحيى بن زكريا الكوفيّ الحافظ الثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٦ - (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الْخُفَّينِ فِي الإِحْرَامِ لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) ٢٦٧٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا, فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ, وَإِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ, فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ, وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ»). "عمرو": هو ابن دينار. [تنبيه]: قوله: "وليقطعهما الخ" هذه الزيادة ليست في "الكبرى"، وإنما هي في "المجتبى" فقط في رواية إسماعيل، عن يزيد بن زريع. وليست في رواية حماد بن زيد، عن عمرو، ولا في رواية إسماعيل ابن علية، عن أيوب المتقدّمتين في ٣٢/ ٢٦٧١ و ٢٦٧٢. والظاهر أنها غلط من النساخ، فإن سند "الكبرى" هو السند هنا، ويدلّ على ذلك صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورد الحديث مستدلاً به على جواز لبس الخفين في الإحرام لمن لا يجد النعلين، ثم ترجم بعده ترجمة "قطعهما أسفل من الكعبين" ليدلّ على أن حديث ابن عباس هذا مطلق يُقيّده حديث ابن عمر المذكور في الباب التالي، فلو كان حديث ابن عباس فيه ذكر القطع، لما احتاج للترجمة الثانية، وإيراد حديث آخر فيها. وعلى تقدير صحة النسخة فالزيادة في حديث ابن عبّاس شاذًة من غير شكّ؛ لأنها تفرّد بها إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زيع، وقد خالفه فيها صالح بن حاتم بن وردان، وهو ثقة احتجّ به مسلم، فقال: نا يزيد بن زريع، وساقه، ولم يذكر تلك الزيادة. أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" (١)، وتابع يزيد بن زيع إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب، كما سبق للمصنّف في -٣٢/ ٢٦٧٢ - ورواه جميع الثقات عن عمرو بن دينار،

стр. 12564

وهم حماد بن زيد، وشعبة، وابن عيينة، والثوريّ، وهشيم، وابن جريج، كلهم عن عمرو بن دينار، ولم يذكروا فيه تلك الزيادة (١). بل زاد ابن جريج زيادة أخرى تبطل تلك الزيادة، فقد قال في روايته: قلت: لم يقل: "ليقطعهما"؟ قال: لا. أخرجه الدارميّ، والطحاويّ، وأحمد ١/ ٢٢٨. والقائل: "قلت" هو إما عمرو بن دينار، وإما ابن جريج، وأيهما كان فعمرو بن دينار على علم بأنه ليس في حديث ابن عباس: "وليقطعهما"، فهو دليل قاطع على أنها غلط. وأيضًا مما يوهنها قول أبي داود بعد أن ساق الحديث: هذا حديث أهل مكة، ومرجعه إلى البصرة، إلى جابر بن زيد، والذي تفرّد به منه ذكر السراويل، ولم يذكر القطع في الخفّ انتهى. وهذا أيضًا مما يؤيّد القطع بكونها غلطًا. والحاصل أن زيادة القطع في حديث ابن عباس المذكور في الباب لا صحّة لها أصلاً، والذي أراه أنها ممن بعد المصنّف من رواة "المجتبى"، بدليل عدم وجودها في "الكبرى" مع كون السند واحدًا، وبدليل إيراد المصنّف حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما - بعد الترجمة التالية، إشارة إلى أن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مطلق، يُقيّد بحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. فقول التركماني في "الجوهر النقيّ" هذا إسناد جيد ليس بجيّد، وكذا قول وليّ الدين العراقيّ: "بإسناد صحيح" ليس بصحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٧ - (قَطْعُهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) ٢٦٩٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ النَّعْلَيْنِ, فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ, وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرَقيّ. والحديث متّفق عليه، وقد مرّ شرحه، والكلام على مسائله، غير مرّة، ولنتكلّم هنا على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو قطع الخفين من أسفل الكعبين، وفيه مسائل:

стр. 12565

(المسألة الأولى): الحديث يدلّ على أن من لم يجد نعلين يجوز له لبس الخفّين بشرط قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعين، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه جواز لبسهما بحالهما عند فقد النعلين، ولا يجب قطعهما. واستدلّ له بحديث ابن عباس، وجابر ﵃: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفّين"، وهما في "الصحيح"، وليس فيهما ذكر القطع، وزعم أصحابه أن حديث ابن عمر المصرّح بقطعهما منسوخ، وقالوا: قطعهما إضاعة مال. وقال عمرو ابن دينار: ولا أدري أيّ الحديثين نسخ الآخر، انظروا أيهما قبلُ. وقال الجمهور يجب حمل حديث ابن عباس، وجابر على حديث ابن عمر؛ لأنهما مطلقان، وفي حديث ابن عمر زيادة لم يذكراها يجب الأخذ بها. قال الشافعيّ: ابن عمر، وابن عباس، كلاهما صادقٌ حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يؤدّه الآخر، إما عزب عنه، وإما شكّ فيه، فلم يؤدّه، وإما سكت عنه، وإما أدّاه فلم يُؤَدَّى عنه، لبعض هذه المعاني اختلفا انتهى. وقولهم: إنه إضاعة مال مردود، فإن الإضاعة إنما تكون في المنهيّ عنه، وأما ما ورد به الشرع فهو حقّ يجب الإذعان له. واللَّه أعلم. وحكى الخطّابيّ، عن عطاء بن أبي رباح أنه لا يقطعهما؛ لأن في قطعهما إفسادًا، ثم قال: يشبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، قال: والعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلّت سنة لم تبلغه. وقال ابن العربيّ: أما عطاء فيهم في الفتوى، وأما أحمد فعلى صراط مستقيم، قال: وهذه القولة لا أراها صحيحة، فإن حَمْلَ المطلق على المقيّد أصل أحمد انتهى. ذكره وليّ الدين (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الراجح حمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وهو أن من لم يجد نعلين لبس الخفّين، ولكن يقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين، فبهذا يُجمَع بين الحديثين، وهو الطريق الذي يحصل به العمل بالحديثين، فيكون أولى من إبطال أحدهما بدعوى النسخ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): ظاهر الحديث أنه إذا فقد النعلين، ولبس الخفّين مقطوعين أسفل من الكفين، لم تلزمه فدية، إذ لو كانت لازمة لبيّنها النبيّ ﷺ ، وهذا موضع بيانها، وهو من جهة المعنى واضح، فإنه لم يرتكب محظورًا، وبهذا قال مالك، والشافعيّ،

стр. 12566

وآخرون -رحمهم اللَّه تعالى-. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه، ويَفدِي. ذكره وليّ الدين (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الأرجح؛ عملاً بظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): دلّ الحديث على أنه لا يجوز لبس الخفّين مقطوعين إلا عند فقد النعلين، وهو الأصحّ عند أصحاب الشافعيّ، وبه قال مالك، والليث، وكذا قال الحنابلة: لو لبس واجد النعل خفًّا مقطوعًا تحت الكتب لزمته الفدية. وذهب بعض الشافعيّة إلى جواز لبسه مع وجودهما؛ لأنه صار في معناهما، وهو قول أبي حنيفة، أو بعض أصحابه، حكاه ابن عبد البرّ، وابن العربيّ عن أبي حنيفة، وحكاه المحبّ الطبريّ عن بعض أصحابه. وحكي عن أبي حنيفة نفسه موافقة مالك، والجمهور. وقال ابن العربيّ: والذي أقول: إنه إن كشف الكتب لبسهما إن لم يجد نعلين، وإن وجد النعلين لم يجز لبسهما، حتى يكون كهيئة النعل لا يستران من ظاهر الرجل شيئًا انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذكره ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): هذا الحكم خاصّ بالرجل، أما المرأة فلها لبس الخفّين مطلقًا. قال ابن المنذر: وبه قال كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم انتهى. لكن في "سنن أبي داود": أن ابن عمر كان يصنع ذلك -يعني يقطع الخفّين- للمرأة المحرمة، ثم حدّثته صفيّة بنت أبي عُبيد أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - حدّثتها: أن رسول اللَّه ﷺ قد كان رخّص للنساء في الخفّين، فترك ذلك. قال ابن عبد البرّ: لا يقول به أحد من أهل العلم فيما علمت، وهذا إنما كان من ورع ابن عمر، وكثرة اتباعه، فاستعمل ما حفظ على عمومه حتى بلغه فيه الخصوص انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 12567

٣٨ - (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَلْبَسَ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القفّازان" -بضم القاف، وتشديد الفاء تثنية قُفّاز، بوزن تُفّاح: شيء تتخذه نساء الأعراب، ويُحشَى بقطن، يُغطّي كفّي المرأة، وأصابعها. وزاد بعضهم: وله أزرار على الساعدين، كالذي يلبسه حامل البازي. قاله في "المصباح المنير". وقال في "الفتح": القفّاز: ما تلبسه المرأة في يدها، فيغطّي أصابعها، وكفّيها عند معاناة الشيء، كغَزْلٍ ونحوه، وهو لليد كالخفّ للرجل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٨١ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً قَامَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ, فِي الإِحْرَامِ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ (١) , وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْخِفَافَ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَهُ نَعْلَانِ, فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ, أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا يَلْبَسْ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ, مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ, وَلَا الْوَرْسُ, وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ, وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاري، وقد تقدّم البحث فيه غير مرّة، فما بقي إلا البحث فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول: (مسألة): اختلف أهل العلم في لبس المرأة القفّازين: قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: وأما القفّازان، فاختلفوا فيهما أيضًا: روُي عن سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه كان يُلبس بناته، وهنّ محرمات القفّازين. ورخّصت فيهما عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أيضًا. وبه قال عطاء، والثوريّ، ومحمد بن الحسن. وهو أحد قولي الشافعيّ. وقد يشبه أن يكون مذهبَ ابن عمر؛ لأنه كان يقول: إحرام المرأة في وجهها. وقال مالك: إن لبست المرأة قفّازين افتدت. وللشافعيّ قولان في ذلك: أحدهما تفتدي، والآخر لا شيء عليها. قال أبو عمر: الصواب عندي قول من نهى المرأة عن القفّازين، وأوجب عليها الفدية؛ لثبوته عن النبيّ ﷺ انتهى كلام أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 12568

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا، إلا قوله: "وأوجب عليها الفدية؛ لثبوته عن النبيّ ﷺ "، فأين النصّ الذي يوجب الفدية؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣٩ - (التَّلْبِيدُ عِنْدَ الإِحْرَامِ) قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: "التلبيد": مصدر لبّد، يقال: لبّدَ الشيءَ تلبيدًا: ألزق بعضه ببعض، حتى صار كما اللَّبْد (١)، ولبّد الحاجّ شعره بخطميّ، ونحوه كذلك حتى لا يتشعّث. قاله في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٨٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ, قَالَتْ: قُلْتُ: لِلنَّبِيِّ ﷺ , يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا, وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ , قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي, فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أُحِلَّ مِنَ الْحَجِّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسي، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبيد اللَّه بن عمر) بن حفص بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عثمان المدني، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) العدي مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) هو: عبد اللَّه ﵄ ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ﵄ ٣٩/ ٥٨٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنّف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه

стр. 12569

مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابية، والأخ عن شقيقته. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنها (قَالَتْ: قُلْتُ: لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) زاد في الرواية الآتية -٦٧/ ٢٧٨١ - من طريق مالك، عن نافع: "بعمرة"، أي بجعل نسكهم عمرة بأمره ﷺ لهم بذلك، كما سيأتي. وحكى الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- عن ابن وهب أنه رواه عن مالك بهذه الزيادة، وأنه رواه بدونها القعنيّ، ويحيى بن بُكير، وأبو مصعب، وعبد اللَّه يوسف، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال: والمعنى واحد عند أهل العلم، قال: ولم يختلف الرواة عن مالك في قوله: "ولم تحلّ أنت من عمرتك"، قال: وزعم بعض الناس أنه لم يقل أحدٌ في هذا الحديث عن نافع: "ولم تحلّ أنت من عمرتك" إلا مالك وحده. قال: وقد رواها غير مالك عبيد اللَّه بن عمر، وأيوب السختيانيّ، وهؤلاء هم حفّاظ أصحاب نافع، والحجة فيه على من خالفهم. ورواه ابن جريج، عن نافع، فلم يقل: "من عمرتك"، وزيادة مالك مقبولة؛ لحفظه، وإتقانه، لو انفرد بها، فكيف وقد تابعه من ذكرنا. قال: وما أعلم أحدًا في قديم الدهر، ولا حديثه ردّ حديث حفصة هذا بأن مالكًا انفرد بقوله: "من عمرتك" إلا هذا الرجل انتهى كلام ابن عبد البرّ بمعناه. قال الحافظ وليّ الدين: وذكر بعضهم أن هذا الذي أشار إليه ابن عبد البرّ هو الأصيليّ، ورواية عبيد اللَّه بن عمر هذه رواها مسلم، وابن ماجه، وفيها: "من عمرتك"، ورواها البخاريّ بدون قولها: "من عمرتك"، ولفظ الشيخين فيها: "فلا أحلّ حتى أحلّ من الحجّ"، وفي لفظ المسلم: "حتى أنحر"، كرواية مالك، وكذا في رواية ابن ماجه. وروايةُ ابن جريج أخرجها مسلم، وأخرج البخاريّ مثلها من طريق موسى بن عقبة، عن نافع. وذكر البيهقيّ رواية موسى بن عقبة، ثم قال: وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، لم يذكر فيه العمرة. واللَّه أعلم. وفيه إشارة إلى الاختلاف في ذكر هذه اللفظة، ففيه ميلٌ لما تقدّم من الأصيليّ. وفي رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أن حفصة قالت … فجعله من مسند ابن عمر، وكذا في "صحيح مسلم" من طريق عبيد اللَّه بن عمر. وفي حديث الباقين عن ابن عمر، عن حفصة. وفي رواية موسى بن عقبة، وابن

стр. 12570

جريج حدثتني حفصة انتهى كلام وليّ الدين (١). وقال في "الفتح": ولم يقع في رواية مسلم قوله: "بعمرة"، وذكر ابن عبد البرّ أن أصحاب مالك ذكرها بعضهم، وحذفها بعضهم. واستُشكل كيف حلّوا بعمرة مع قولها: "ولم تحلّ من عمرتك"؟. والجواب أن المراد بقولها: "بعمرة" أي إن إحرامهم بعمرة كان سببًا لسرعة حلّهم. انتهى (٢). وقال وليّ الدين: [إن قلت]: ما معنى قوله: "بعمرة"، وكيف يلتئم هذا مع قوله بعده: "من عمرتك"، كيف يحلّ بعمرة، ويحلّ منها؟. [قلت]: الصحابة ﵃ حلّوا بعمرة، فإنهم فسخوا الحجّ إليها، فأتوا بأعمالها، وتحلّلوا منها, ولولا ذلك لاستمرّوا على الإحرام، حتى يأتوا بأعمال الحجّ، فكان إحرامهم بعمرة سبباً لسرعة حلّهم، وأما هو ﷺ ، فإنه أدخل العمرة على الحجّ، فلم يُفده الإحرام بالعمرة سرعةَ الإحلال؛ لبقائه على الحجّ، فشارك الصحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجّ، وفسخهم له، وهذا الذي ذكرته من إدخاله العمرة على الحجّ هو المعتمد. وعكس الخطابيّ ذلك، فقال في الكلام على هذا الحديث: هذا يُبيّن لك أنه كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها الحجّ، فصار قارنًا. ثم حكى الاتفاق على جواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، والخلاف في إدخالها على الحجّ، منعه مالك، والشافعيّ، وأجازه أصحاب الرأي. هذا كلامه. ومن يمنع إدخال العمرة على الحجّ يُجيب عن هذا الحديث على ما قرّرته أولاً بأن هذا من خصوصيّات هذه الحجّة، فقد وقعت فيها أمورٌ غريبة. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: منع إدخال العمرة على الحجّ بعد صحته منه ﷺ لا وجه له، وسيأتي تحقيق القول فيه، إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَمْ تحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟) يجوز في "تحلّ"، وفي قوله الآتي: "فلا أحلّ" فتح أوّله، وضمّه، على أنه ثلاثيّ، ورباعيّ، وهما لغتان فيه، والفتح أوفق لقولها: "حَلُّوا". قاله وليّ الدين (٤). وفي "المصباح": وحلّ المحرمُ حِلاًّ بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ
следующие страницы →