وآخرون -رحمهم اللَّه تعالى-.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه، ويَفدِي. ذكره وليّ الدين (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الأرجح؛ عملاً بظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): دلّ الحديث على أنه لا يجوز لبس الخفّين مقطوعين إلا عند فقد النعلين، وهو الأصحّ عند أصحاب الشافعيّ، وبه قال مالك، والليث، وكذا قال الحنابلة: لو لبس واجد النعل خفًّا مقطوعًا تحت الكتب لزمته الفدية.
وذهب بعض الشافعيّة إلى جواز لبسه مع وجودهما؛ لأنه صار في معناهما، وهو قول أبي حنيفة، أو بعض أصحابه، حكاه ابن عبد البرّ، وابن العربيّ عن أبي حنيفة، وحكاه المحبّ الطبريّ عن بعض أصحابه. وحكي عن أبي حنيفة نفسه موافقة مالك، والجمهور.
وقال ابن العربيّ: والذي أقول: إنه إن كشف الكتب لبسهما إن لم يجد نعلين، وإن وجد النعلين لم يجز لبسهما، حتى يكون كهيئة النعل لا يستران من ظاهر الرجل شيئًا انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذكره ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): هذا الحكم خاصّ بالرجل، أما المرأة فلها لبس الخفّين مطلقًا.
قال ابن المنذر: وبه قال كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم انتهى. لكن في "سنن أبي داود": أن ابن عمر كان يصنع ذلك -يعني يقطع الخفّين- للمرأة المحرمة، ثم حدّثته صفيّة بنت أبي عُبيد أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - حدّثتها: أن رسول اللَّه ﷺ قد كان رخّص للنساء في الخفّين، فترك ذلك.
قال ابن عبد البرّ: لا يقول به أحد من أهل العلم فيما علمت، وهذا إنما كان من ورع ابن عمر، وكثرة اتباعه، فاستعمل ما حفظ على عمومه حتى بلغه فيه الخصوص انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 12567
٣٨ - (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَلْبَسَ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القفّازان" -بضم القاف، وتشديد الفاء تثنية قُفّاز، بوزن تُفّاح: شيء تتخذه نساء الأعراب، ويُحشَى بقطن، يُغطّي كفّي المرأة، وأصابعها. وزاد بعضهم: وله أزرار على الساعدين، كالذي يلبسه حامل البازي. قاله في "المصباح المنير".
وقال في "الفتح": القفّاز: ما تلبسه المرأة في يدها، فيغطّي أصابعها، وكفّيها عند معاناة الشيء، كغَزْلٍ ونحوه، وهو لليد كالخفّ للرجل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٨١ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَجُلاً قَامَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ, فِي الإِحْرَامِ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ (١) , وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ, وَلَا الْخِفَافَ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَهُ نَعْلَانِ, فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ, أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ, وَلَا يَلْبَسْ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ, مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ, وَلَا الْوَرْسُ, وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ, وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاري، وقد تقدّم البحث فيه غير مرّة، فما بقي إلا البحث فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول:
(مسألة): اختلف أهل العلم في لبس المرأة القفّازين:
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: وأما القفّازان، فاختلفوا فيهما أيضًا:
روُي عن سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه كان يُلبس بناته، وهنّ محرمات القفّازين. ورخّصت فيهما عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أيضًا. وبه قال عطاء، والثوريّ، ومحمد بن الحسن. وهو أحد قولي الشافعيّ. وقد يشبه أن يكون مذهبَ ابن عمر؛ لأنه كان يقول: إحرام المرأة في وجهها.
وقال مالك: إن لبست المرأة قفّازين افتدت. وللشافعيّ قولان في ذلك: أحدهما تفتدي، والآخر لا شيء عليها.
قال أبو عمر: الصواب عندي قول من نهى المرأة عن القفّازين، وأوجب عليها الفدية؛ لثبوته عن النبيّ ﷺ انتهى كلام أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
стр. 12568
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا، إلا قوله: "وأوجب عليها الفدية؛ لثبوته عن النبيّ ﷺ "، فأين النصّ الذي يوجب الفدية؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٣٩ - (التَّلْبِيدُ عِنْدَ الإِحْرَامِ)
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: "التلبيد": مصدر لبّد، يقال: لبّدَ الشيءَ تلبيدًا: ألزق بعضه ببعض، حتى صار كما اللَّبْد (١)، ولبّد الحاجّ شعره بخطميّ، ونحوه كذلك حتى لا يتشعّث. قاله في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٨٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ, قَالَتْ: قُلْتُ: لِلنَّبِيِّ ﷺ , يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا, وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ , قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي, فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أُحِلَّ مِنَ الْحَجِّ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسي، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (عبيد اللَّه بن عمر) بن حفص بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عثمان المدني، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥.
٤ - (نافع) العدي مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) هو: عبد اللَّه ﵄ ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ﵄ ٣٩/ ٥٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنّف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه
стр. 12569
مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابية، والأخ عن شقيقته. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنها (قَالَتْ: قُلْتُ: لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) زاد في الرواية الآتية -٦٧/ ٢٧٨١ - من طريق مالك، عن نافع: "بعمرة"، أي بجعل نسكهم عمرة بأمره ﷺ لهم بذلك، كما سيأتي.
وحكى الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- عن ابن وهب أنه رواه عن مالك بهذه الزيادة، وأنه رواه بدونها القعنيّ، ويحيى بن بُكير، وأبو مصعب، وعبد اللَّه يوسف، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال: والمعنى واحد عند أهل العلم، قال: ولم يختلف الرواة عن مالك في قوله:
"ولم تحلّ أنت من عمرتك"، قال: وزعم بعض الناس أنه لم يقل أحدٌ في هذا الحديث عن نافع: "ولم تحلّ أنت من عمرتك" إلا مالك وحده. قال: وقد رواها غير مالك عبيد اللَّه بن عمر، وأيوب السختيانيّ، وهؤلاء هم حفّاظ أصحاب نافع، والحجة فيه على من خالفهم. ورواه ابن جريج، عن نافع، فلم يقل: "من عمرتك"، وزيادة مالك مقبولة؛ لحفظه، وإتقانه، لو انفرد بها، فكيف وقد تابعه من ذكرنا. قال: وما أعلم أحدًا في قديم الدهر، ولا حديثه ردّ حديث حفصة هذا بأن مالكًا انفرد بقوله: "من عمرتك" إلا هذا الرجل انتهى كلام ابن عبد البرّ بمعناه.
قال الحافظ وليّ الدين: وذكر بعضهم أن هذا الذي أشار إليه ابن عبد البرّ هو الأصيليّ، ورواية عبيد اللَّه بن عمر هذه رواها مسلم، وابن ماجه، وفيها: "من عمرتك"، ورواها البخاريّ بدون قولها: "من عمرتك"، ولفظ الشيخين فيها: "فلا أحلّ حتى أحلّ من الحجّ"، وفي لفظ المسلم: "حتى أنحر"، كرواية مالك، وكذا في رواية ابن ماجه. وروايةُ ابن جريج أخرجها مسلم، وأخرج البخاريّ مثلها من طريق موسى بن عقبة، عن نافع. وذكر البيهقيّ رواية موسى بن عقبة، ثم قال: وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، لم يذكر فيه العمرة. واللَّه أعلم.
وفيه إشارة إلى الاختلاف في ذكر هذه اللفظة، ففيه ميلٌ لما تقدّم من الأصيليّ. وفي رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أن حفصة قالت … فجعله من مسند ابن عمر، وكذا في "صحيح مسلم" من طريق عبيد اللَّه بن عمر. وفي حديث الباقين عن ابن عمر، عن حفصة. وفي رواية موسى بن عقبة، وابن
стр. 12570
جريج حدثتني حفصة انتهى كلام وليّ الدين (١).
وقال في "الفتح": ولم يقع في رواية مسلم قوله: "بعمرة"، وذكر ابن عبد البرّ أن أصحاب مالك ذكرها بعضهم، وحذفها بعضهم.
واستُشكل كيف حلّوا بعمرة مع قولها: "ولم تحلّ من عمرتك"؟.
والجواب أن المراد بقولها: "بعمرة" أي إن إحرامهم بعمرة كان سببًا لسرعة حلّهم. انتهى (٢).
وقال وليّ الدين: [إن قلت]: ما معنى قوله: "بعمرة"، وكيف يلتئم هذا مع قوله بعده: "من عمرتك"، كيف يحلّ بعمرة، ويحلّ منها؟.
[قلت]: الصحابة ﵃ حلّوا بعمرة، فإنهم فسخوا الحجّ إليها، فأتوا بأعمالها، وتحلّلوا منها, ولولا ذلك لاستمرّوا على الإحرام، حتى يأتوا بأعمال الحجّ، فكان إحرامهم بعمرة سبباً لسرعة حلّهم، وأما هو ﷺ ، فإنه أدخل العمرة على الحجّ، فلم يُفده الإحرام بالعمرة سرعةَ الإحلال؛ لبقائه على الحجّ، فشارك الصحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجّ، وفسخهم له، وهذا الذي ذكرته من إدخاله العمرة على الحجّ هو المعتمد. وعكس الخطابيّ ذلك، فقال في الكلام على هذا الحديث: هذا يُبيّن لك أنه كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها الحجّ، فصار قارنًا. ثم حكى الاتفاق على جواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، والخلاف في إدخالها على الحجّ، منعه مالك، والشافعيّ، وأجازه أصحاب الرأي. هذا كلامه.
ومن يمنع إدخال العمرة على الحجّ يُجيب عن هذا الحديث على ما قرّرته أولاً بأن هذا من خصوصيّات هذه الحجّة، فقد وقعت فيها أمورٌ غريبة. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: منع إدخال العمرة على الحجّ بعد صحته منه ﷺ لا وجه له، وسيأتي تحقيق القول فيه، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَلَمْ تحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟) يجوز في "تحلّ"، وفي قوله الآتي: "فلا أحلّ" فتح أوّله، وضمّه، على أنه ثلاثيّ، ورباعيّ، وهما لغتان فيه، والفتح أوفق لقولها: "حَلُّوا". قاله وليّ الدين (٤). وفي "المصباح": وحلّ المحرمُ حِلاًّ بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ
стр. 12571
بالألف مثلُهُ، فهو مُحلّ، وحِلٌّ أيضًا تسميةً بالمصدر، وحلالٌ أيضًا انتهى.
ولفظ البخاريّ: "ولم تحلل" بالفكّ، قال في "الفتح": بكسر اللام الأولى، أي لم تحلّ، وإظهار التضعيف لغة معروفة انتهى.
(قَالَ) ﷺ (إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي) -بتشديد الباء الموحّدة، وبالدال المهملة- أي شعر رأسي، وتلبيد الشعر أن يُجعَل فيه شيء من صمغ، أو نحوه عند الإحرام لينضمّ الشعر، ويلتصق بعضه ببعض؛ احترازًا عن تعطّفه، وتقمّله، وإنما يَفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام. وفي هذا الحديث استحبابه، والمعنى فيه الإبقاء على الشعر، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وأصحابه (١).
(وَقلَّدْتُ هَدْيِي) بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان. وتقليده أن يُعلَّق عليه شيئًا يُعرف به كونه هديًا، فإن كان من الإبل والبقر استُحبّ تقليده بنعلين، من النعال التي تُلبس في الرجلين، في الإحرام، ويستحبّ التصدّق بهما عند ذبح الهدي، وإن كان من الغنم استُحبّ تقليده بخُرَب القِرَب -بضمّ الخاء المعجمة، وفتح الراء- وهي عراها، وآذانها، وبالخيوط المفتولة، ونحوها.
وقد اتفق العلماء على استحباب سوق الهدي، وعلى استحباب تقليد الإبل، والبقر، واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، والجمهور، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يستحبّ (٢). وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(فَلَا أُحِلُّ) تقدّم ضبطه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، أو من الإحلال، ثلاثيًّا، ورباعيًّا (حَتَّى أُحِلَّ مِنَ الْحَجِّ) وفي رواية مالك الآتية: "حتى أنحر". أي فلا أتحلل من الإحرام حتى أفرغ من عمل الحجّ بنحر الهدي يوم النحر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠/ ٢٦٨٢ و ٦٧/ ٢٧٨١ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٣٦٦٢ و ٦٦/ ٣٧٦٢. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٦٦ و ١٦٩٧ و ١٧٢٥ وفي "المغازي" ٤٣٩٨ وفي "اللباس"
стр. 12572
٥٩١٦ (م) في "الحجّ" ١٢٢٩ (د) في "المناسك" ١٨٠٦ (ق) في "المناسك" ٣٠٤٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٨٩٣ و ٢٥٩٨٧ (الموطأ) في "الحجّ" ٨٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب التلبيد، وقد سبق معناه. (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وقد سبق معناه أيضًا. (ومنها): مشروعية سؤال الرعية رئيسهم عن فعله، إذا خفي عليهم وجهه.
(ومنها): أنه يدلّ على أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته حتى يحلّ من الحجّ، ويفرغ منه؛ لأنه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وأخبر أنه لا يحلّ حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما، ويؤيّده قوله في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "فأمر من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ"، والأحاديث بذلك متضافرة.
وأجاب بعض المالكيّة، والشافعيّة عن ذلك بأن السبب في عدم تحللَّه من العمرة كونه أدخلها على الحجّ. وهو مشكل عليه؛ لأنه يقول: إن حجه كان مفردًا. وقال بعض العلماء: ليس لمن قال: كان مفردًا عن هذا الحديث انفصال؛ لأنه إن قال به استشكل عليه كونه علّل عدم التحلّل بسوق الهدي؛ لأن عدم التحلّل لا يمتنع على من كان قارنًا عنده. قاله في "الفتح" (١).
(ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه ﷺ كان في حجة الوداع متمتّعًا لكونه أقرّ على أنه محرم بعمرة، والتمتّع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ. وطَعْنُ من طعن في قوله: "من عمرتك" غيرُ ملتفت إليه كما تقدّم، لكن هذا التمسّك ضعيف، فإنه لو لم يكن إلا هذا اللفظ لاحتمل التمتّع، والقران، فتعيّن بقوله ﷺ في رواية عبيد اللَّه بن عمر: "حتى أحلّ من الحجّ" أنه كان قارنًا، وهو في "الصحيحين" كما تقدّم. قاله وليّ الدين (٢).
(ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه ﷺ كان قارنًا، وهو متمسّكٌ قويّ. قال الحافظ وليّ الدين: وما أدري ما يقول من ذهب إلى التمتّع، هل يقول: استمرّ على العمرة خاصّةً، ولم يُحرم بالحجّ أصلاً، فيكون لم يحجّ في تلك السنة، وهذا لا يقوله أحد، أو أدخل عليها الحجّ، فصار قارنا، وصحّ ما قاله هؤلاء، فإن للقران حالتين:
стр. 12573
إحداهما: أن يحرم بالنسكين ابتداء. والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، وقوده في رواية عبيد اللَّه بن عمر: "حتى أحلّ من الحجّ" صريح في أنه كان قارنًا، وقولها: "من عمرتك" أي العمرة المضمومة إلى الحجّ.
قال النوويّ في "شرح مسلم": هذا دليل للمذهب الصحيح المختار أنه ﷺ كان قارنا في حجة الوداع انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: الذاهبون إلى الإفراد أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
(أحدها): أنها أرادت بالعمرة مطلق الإحرام. روى البيهقيّ بإسناده عن الشافعيّ أنه قال: فإن قيل: فما قول حفصة للنبيّ ﷺ : "ما شأن الناس حلّوا, ولم تحلل من عمرتك؟ ". قيل: أكثر الناس مع النبيّ ﷺ لم يكن معه هديٌ، وكانت حفصة معهم، فأمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة، ويحلّوا، فقالت: لم تحلل الناس، ولم تَحْلِل من عمرتك، يعني إحرامك الذي ابتدأته، وهم بنيّة واحدة -واللَّه أعلم- فقال: "لبْدت رأسي، وقلّت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر بدني"، يعني -واللَّه أعلم- حتى يحلّ الحاجّ؛ لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًّا، وهذا من سعة لسان العرب الذي يكاد يعرف بالجواب فيه انتهى كلامه.
(ثانيها): أنها أرادت بالعمرة الحجّ؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصدًا. (ثالثها): أنها ظنّت أنه معتمر. (رابعها): أن معنى قولها: "من عمرتك" أي لعمرتك بأن تفسخ حجّك إلى عمرة كما فعل غيرك. قال النوويّ في "شرح مسلم" بعد ذكره هذه الأجوبة: وكلّ هذا ضعيف، والصحيح ما سبق -يعني القرآن. ذكره وليّ الدين (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يُهِلُّ مُلَبِّدًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يهلّ ملبّدًا" -بضمّ الياء، من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية. و"التلبيد" أن يُجعل في رأسه صمغًا، أو غيره ليتلبّد شعره، أي يلتصق بعضه ببعض، فلا يتخللَّه غبار، ولا يصيبه الشعث، ولا القمل، وإنما يفعله من يطول مكثه في الإحرام.
стр. 12574
فجملة "يُهلّ" حال من المفعول، و"ملبّدًا" حال من فاعل "يهلّ".
ولأبي داود، والحاكم من طريق نافع، عن ابن عمر "أنه ﷺ لبّد رأسه بالعسل". قال ابن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين. ويحتمل أنه بكسر المعجمة، وسكون المهملة، وهو ما يُغسل به الرأس، من خطميّ، أو غيره. قال الحافظ: ضبطناه في روايتنا في "سنن أبي داود" بالمهملتين انتهى (١).
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٤٠/ ٢٦٨٣ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٣٦٦٣. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٤٠ و ١٥٤٩ و"اللباس" ٥٩١٤ و ٥٩١٥ (د) في "المناسك" ١٧٤٧ (ق) في "المناسك" ٣٠٤٧ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٩٧٨ و ٦١١١.
ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
٤٠ - (إِبَاحَةِ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ)
٢٦٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ, حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ, وَعِنْدَ إِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ بِيَدَيَّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٢/ ٢.
٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي الأثرم، أبو محمد المكّي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه رواية
стр. 12575
تابعي عن تابعيّ، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية عروة عنها: "كنت أطيّب رسول اللَّه ﷺ ".
قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: حقيقة قولها: "كنت أطيب الخ" تطييب بدنه، ولا يتناول ثيابه، وقد دلّ على اختصاص ذلك ببدنه الرواية التي فيها: "حتى أجد وبيص الطيب في رأسه، ولحيته". وقد اتفق الشافعيّة على أنه لا يستحبّ تطييب الثياب عند إرادة الإحرام، وشذّ المتولي، فحكى قولاً باستحبابه، وصححه في "المحرّر"، و"المنهاج". وفي جوازه خلاف عندهم، والأصحّ الجواز، فإذا قلنا بجوازه، فنزعه، ثم لبسه، ففي وجوب الفدية وجهان، صحح البغويّ وغيره الوجوب انتهى كلام وليّ الدين.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا دليل على منع تطييب الثياب عند الإحرام، والأعجب تصحيح البغويّ وجوب الفدية؛ فأين الدليل على ذلك من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع؟ واللَّه تعالى أعلم.
(عِنْدَ إِحْرَامِهِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ) أي وقت إرادته الإحرام (وَعِنْدَ إِحْلَالِهِ) أي عند إرادة إحلاله (قَبْلَ أَنْ يُحِلِّ) بضم أوله، وفتحه، من الإحلال، أو الحِلّ، كما تقدّم. أي قبل أن يحلّ كلّ الحلّ بالطواف، والمراد قبل أن يطوف بالبيت، ففي رواية القاسم عنها: "قبل أن يطوف بالبيت". وفي رواية عروة: "بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت" (بيَدَيَّ) متعلَّق بـ "طيّبتُ". زاد في رواية عروة: "طيباً لا يُشبه طيبكم". وفي رواية له: "بأطيب ما أجد"، وفي أخرى: "بطيب فيه مسك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: هذا الحديث لم يُختلف فيه عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، والأسانيد متواترة به، وهي صحاح. وقال الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر جُمَل من طرقه عن عائشة: ما نصّه: فهذه آثار
стр. 12576
متواترة، متظاهرة، رواه عنها عروة، والقاسم، وسالم بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وعمرة، ومسروق، وعدقمة، والأسود، ورواه عن هؤلاء الناسُ الأعلام انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه في "كتاب الغسل"- ١٣/ ٤١٧ و ٤١/ ٢٦٨٥ و ٢٦٨٦ و ٢٦٨٧ و ٢٦٨٨ و ٢٦٨٩ و ٢٦٩٠ و ٢٦٩١ و ٢٦٩٢ و ٢٦٩٣ و ٢٦٩٤ و ٢٦٩٥ و ٢٦٩٦ و ٢٦٩٧ و ٢٦٩٨ و ٢٦٩٩ و ٢٧٠٠ و ٢٧٠١ و ٢٧٠٢ و ٢٧٠٣ و ٤٢/ ٢٦٩٥ و ٢٦٩٦ و ٢٦٩٧ و ٢٦٩٨ و ٢٦٩٩ و ٢٦٧٠٠ و ٢٧٠١ و ٢٧٠٢ و ٢٧٠٣ و ٢٧٠٤ و ٢٧٠٥ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٣٦٦٤ و ٣٦٦٥ و ٣٦٦٦ و ٣٦٦٧ و ٣٦٦٨ و ٣٦٦٩ و ٣٦٧٠ و ٣٦٧١ و ٣٦٧٢ و ٤٢/ ٣٦٧٣ و ٣٦٧٤ و ٣٦٧٥ و ٣٦٧٦ و ٣٦٧٧ و ٣٦٧٨ و ٣٦٧٩ و ٣٦٨٠ و ٣٦٨١ و ٣٦٨٢ و ٣٦٨٣ و ٣٦٨٤ و ٣٦٨٥.
وأخرجه (خ) في "الغسل" ٢٦٧ و ٢٧٠ و ٢٧١ وفي "الحجّ" ١٥٣٨ و ١٥٣٩ وفي "اللباس" ٥٩١٨ و ٥٩٢٣ و (م) في "الحجّ" ١١٨٩ و ١١٩٠ و ١١٩١ و ١١٩٢ و (د) في "المناسك" ١٧٤٥ و ١٧٤٦ و (ت) في "الحج" ٩١٧ (ق) في "المناسك" ٢٩٢٦ و ٢٩٢٧ و ٢٩٢٨ و ٣٠٤٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٩١ و ٢٣٦١٤ و ٢٤٢٤٠ و ٢٤٢٦٠ و ٢٤٤١٣ و ٢٤٤٤٥ و ٢٤٤٦٢ و ٢٤٧٥٩ و ٢٤٨٧٤ و ٢٤٨٩٣ و ٢٤٩٤٨ و ٢٤٩٩٥ و ٢٥٠٥٨ و ٢٥٠٧٤ و ٢٥١٩٥ و ٢٥٢٢٤ و ٢٥٢٤٧ و ٢٧٦٥٦ و ٢٥٢٨٩ و ٢٥٣٢٤٦ و ٢٥٤٠٢ و ٢٥٤٧٥ و ٢٥٤٨٦ و ٢٥٥٤٦٧ و ٢٥٥٤٩ و ٢٥٥٩٨ و ٢٥٦٣٠ و ٢٥٧٧٤٠ و ٢٥٨٦٤ (الدارميّ) في المناسك" ١٨٠١ و ١٨٠٢ و ١٨٠٣ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٢٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إباحة الطيب للمحرم عند إرادة إحرامه (ومنها): أنه لا بأس باستدامة الطيب بعد الإحرام، ولا يضرّ بقاء لونه، ورائحته، وإنما يحرم في الإحرام ابتداؤه، وهو قول الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): استحباب الطيب بعد التحلّل الأول قبل الطواف. وقد نصّ عليه الشافعيّ، وتابعه أصحابه. (ومنها): استحباب الطيب مطلقًا؛ لأنه إذا فُعل في هذه الحالة التي من
стр. 12577
شأنها الشعث، فغيرها أولى. (ومنها): مشروعيّة خدمة المرأة زوجها.
(ومنها): أنه استُدلّ بقولها: "كنت أطيّب" على أن "كان" لا تقتضي التكرار؛ لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرّة واحدة، وقد صرّحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع. كذا استدلّ به النوويّ في "شرح مسلم". وتُعُقّب بأن المدّعَى تكراره إنما هو التطيّب، لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرّر التطيّب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرّة واحدة، ولا يخفى ما فيه. وقال النوويّ في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكرارًا، ولا استمرارًا. وكذا قال الفخر في "المحصول". وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدنا من قولهم: "كان حاتم يَقري الضيف" أن ذلك كان يتكرّر منه.
وقال جماعة من المحقّقين: إنها تقتضي التكرار ظهورًا، وقد تقع قرينة تدلّ على عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيّب لو تكرّر منه فعل الإحرام لما اطّلعت عليه من استحبابه لذلك، على أن هذه اللفظة لم تتّفق الروايات عنها عليها، فقد حُذفت في أكثر الطرق (١). واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استُدلّ به على حلّ الطيب وغيره، من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمرّ امتناع الجماع، ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دالّ على أن للحجّ تحلّلين، فمن قال: إن الحلق نسك، كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعيّة يوقّف استعمال الطيب وغيره من المحرّمات المذكورة عليه. ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته رمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي، والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: "قبل أن يطوف بالبيت". قال النوويّ في "شرح المهذّب": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بان الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهي رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): طهارة المسك، وهو مجمع عليه، إلا في قول شاذّ، لا يُعتدّ به. (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطيب عند الإحرام:
ذهب الجمهور إلى استحباب التطيّب عند إرادة الإحرام، ولو بقي لونه ورائحته بعد الإحرام.
وممن قال بذلك الأئمةُ: أبو حنيفة، والشافعيّ،، وأبو يوسف، وأحمد بن حنبل، وحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقّاص، وابن الزبير، وابن عبّاس، وإسحاق، وأبي
стр. 12578
ثور، وأصحاب الرأي. وحكاه الخطّابيّ عن أكثر الصحابة. وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن جعفر، وعائشة، وأمّ حبيبة، وعروة بن الزبير، والقاسم ابن محمد، والشعبيّ، والنخعيّ، وخارجة بن زيد، ومحمد بن الحنفيّة، قال: واختُلف في ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير. وقال به الثوريّ، والأوزاعيّ، وداود. وحكاه النوويّ عن جمهور العلماء من السلف والخلف، والمحدّثين، والفقهاء، وعدّ منهم غير من قدّمنا معاوية، وحكاه ابن قُدامة عن ابن جريج. قال ابن المنذر: وبه أقول.
وذهب مالك إلى منع أن يتطيّب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء، ولا فدية عليه. وحكى الشيخ أبو الظاهر قولاً بوجوب الفدية، وعلّله بأن بقاء الطيب كاستعماله. وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيّب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده. وحكاه صاحب "الهداية" من الحنفيّة عن الشافعيّ، ولا يُعرف ذلك في مذهبه. وحكى ابن المنذر عن عطاء كراهة الطيب قبل الإحرام. وحكاه النوويّ عن الزهريّ. قال القاضي عياض: وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة، والتابعين.
وقال ابن عبد البرّ: وممن كره الطيب للمحرم قبل الإحرام عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد اللَّه بن عمر، وعثمان بن أبي العاصي، وعطاء، وسالم بن عبد اللَّه، على اختلاف عنه، والزهريّ، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، على اختلاف عنهم. وهو اختيار أبي جعفر الطحاويّ؛ إلا أن مالكًا كان أخفّهم في ذلك قولاً، ذكر ابن عبد الحكم عنه، قال: وترك الطيب عند الإحرام أحبّ إلينا انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": والذي في "الصحيح" عن ابن عمر أنه قال: ما أحبّ أن أُصبح محرمًا أنضخ طيبًا"، وليس في هذا التصريح بالمنع منه انتهى.
وتأول هؤلاء حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا على أنه تطيّب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، قالوا: ويؤيّد هذا قولها في الرواية الأخرى في "صحيح مسلم": "طيّبتُ رسول اللَّه ﷺ عند إحرامه، ثم طاف على نسائه، ثم أصبح محرمًا". فظاهره أنه إنما تطيّب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، لا سيّما، وقد نُقل أنه كان يتطهّر من كلّ واحدة قبل الأخرى، فلا يبقى مع ذلك طيب، ويكون قولها: "ثم أصبح ينضخ طيبًا"، أي قبل غسله. وقد ثبت في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان ذَرِيرةً، وهي فُتاةُ قصب طيب، يُجاء به من الهند، وهي مما يذهبه الغسل. قالوا: وقولها: "كأني انظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول اللَّه ﷺ ، وهو محرم"، المراد منه أثره، لا جرمه. هذا كلام المالكية.
стр. 12579
قال النوويّ: ولا يوافق عليه، بل الصواب ما قاله الجمهور: إن الطيب مستحبّ للإحرام؛ لقولها: "طيبته لحرمه"، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام، لا للنساء، ويعضده قولها: "كأني انظر إلى وَبيص الطيب". والتأويل الذي قالوه غير مقبول لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه انتهى.
وقال ابن عبد البرّ على لسان الذاهبين إلى استحباب الطيب للإحرام: لا معنى لحديث ابن المنتشر -يعني الذي فيه: "ثم طاف على نسائه" - لأنه ليس ممن يعارض به هؤلاء الأئمة، لو كان ما كان في لفظه حجة؛ لأن قوله: "طاف على نسائه" يحتمل أن يكون طوافه لغير جماع؛ ليعلّمهنّ كيف يُحرمن، وكيف يعملن في حجّهنّ، أو لغير ذلك، والدليل على ذلك ما رواه منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول اللَّه ﷺ بعد ثلاث، وهو محرم". قالوا: والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة عنه، عن أبيه، عن عائشة، فقال فيه: "فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا، ينضخ طيبًا". قالوا: والنضخ في كلام العرب: اللطخ، والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ذكر هذا كله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: واحتجّ المالكيّة بأمور:
(منها): أنه ﷺ اغتسل بعد أن تطيّب، لقوله في رواية ابن المنتشر المتقدّمة في "الغسل": "ثم طاف بنسائه، ثم أصبح محرمًا". فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته ﷺ أن يغتسل عند كلّ واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر. ويردّه قوله في الرواية الماضية أيضًا: "ثم أصبح محرمًا، ينضخ طيبًا"، فهو ظاهر في أن نضخ الطيب -وهو ظهور رائحته- كان في حال إحرامه. ودعوى بعضهم أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه، ينضخ طيبًا، ثم أصبح محرمًا خلافُ الظاهر، ويردّه قوله في رواية الحسن بن عبيد اللَّه، عن إبراهيم عند مسلم: "كان إذا أراد أن يُحرم يتطيّب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه، ولحيته بعد ذلك". وللنسائيّ (١)، وابن حبّان: "رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث، وهو محرم".
وقال بعضهم: إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيّب الذي تطيّب به، فزال، وبقي
стр. 12580
أثره، من غير رائحة. ويردّه قول عائشة: "ينضخ طيبًا". وقال بعضهم: بقي أثره، لا عينه، قال ابن العربيّ: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت انتهى. وقد روى أبو داود، وابن أبي شيبة، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: "كنّا نضمّخ وجوهنا بالمسك المطيّب قبل أن نحرم، ثم نحرم، فنعرق، فيسيل على وجوهنا، ونحن مع رسول اللَّه ﷺ ، فلا ينهانا". فهذا صريحٌ في بقاء عين الطيب، ولا يقال: إن ذلك خاصّ بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين.
وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة له، تمسّكًا برواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: "بطيب لا يشبه طيبكم"، قال بعض رواته: تعني لا بقاء له.
أخرجه النسائيّ -٤١/ ٢٦٨٨ - . ويردّ هذا التأويل ما في الذي قبله. ولمسلم من رواية منصور بن زاذان، عن عبد الرحمن بن القاسم: "بطيب فيه مسك"، وله من طريق الحسن بن عبيد اللَّه، عن إبراهيم: "كأني انظر إلى وبيص المسك". وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه: "بأطيب ما أجد". وللطحاويّ، والدارقطنيّ من طريق نافع، عن ابن عمر، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "بالغالية الجيّدة". وهذا يدلّ على أن قولها: "بطيب، لا يُشبه طيبكم" أي أطيب منه، لا كما فهمه القائل: تعني ليس له بقاء.
وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه ﷺ ، قاله المهلّب، وأبو الحسن القصّار، وأبو الفرج من المالكيّة. قال بعضهم: لأن الطيب من دواعي النكاح، فنَهَى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه، ففعله. ورجحه ابن العربيّ بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح. وقد ثبت عنه أنه قال: "حُبّب إليّ النساء والطيب". أخرجه النسائيّ من حديث أنس ﵁.
وتُعُقّب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس. وقال المهلّب: إنما خُصّ بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي. وتُعقّب بأنه فرع ثبوت الخصوصيّة، وكيف بها؟. ويردّها حديث عائشة بنت طلحة المتقدّم. ورَوَى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "طيّبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم"، وبقولها: "طيّبت رسول اللَّه ﷺ بيديّ هاتين". أخرجه الشيخان من طريق عمر بن عبد اللَّه بن عروة، عن جدّه، عنها، وعند البخاريّ من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: "وأشارت بيديها".
واعتذر بعض المالكيّة بأن عمل أهل المدينة على خلافه. وتُعُقب بما رواه النسائيّ،
стр. 12581
من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لَمّا حجّ، جمع ناسًا من أهل العلم، منهم القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم، وعبد اللَّه ابنا عبد اللَّه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيّب قبل الإفاضة، فكلّهم أمر به.
فهؤلاء فقهاء أهل المدينة، من التابعين، قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدّعي مع ذلك العمل على خلافه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما تقدّم من التحقيقات أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز استعمال الطيب عند إرادة الإحرام، ولو كان يبقى أثره بعد الإحرام هو الحقّ؛ لكونه سنة ثابتة عن رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): دلّ الحديث على إباحة التطيّب بعد رمي جمرة العقبة، والحلق، وقبل طواف الإضافة، وهو المراد بالطواف هنا، وإنما قلنا: بعد رمي جمرة العقبة والحلق؛ لأنه ﷺ رتّب هذه الأفعال يوم النحر هكذا، فرمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن التطيّب كان بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: "قبل أن يطوف بالبيت".
قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا مذهب الشافعيّ، والعلماء كافّة، إلا مالكًا، فكرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث، وكذا حكاه القاضي عياض عن عامّة العلماء.
وقال الترمذيّ في "جامعه": رُوي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: حَلّ كلّ شيء إلا النساء، والطيب. وقد ذهـ ب بعض أهل العلم إلى هذا، من أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم، وهو قول أهل الكوفة انتهى.
وهذا الذي حكاه عن أهل الكوفة ليس بمعروف عنهم، وفي كتب الحنفية كـ"الهداية"، وغيرها الجزم بحلّ الطيب قبل الطواف.
ثم إن مالكًا مع قوله باستمرار تحريم الطيب يقول: إنه لا فدية عليه لو تطيّب، بخلاف الصيد، فإنه ممنوع منه عنده قبل الطواف كالطيب عنده، ومع ذلك فيقول بلزوم الفدية لو اصطاد، وهو محتاج إلى الفرق بينهما.
وحُكي عن بعض أهل الكوفة القول بتحريم الطيب قبل الطواف، وبلزوم الفدية لو
стр. 12582
تطيّب، وهو القياس، أعني لزوم الفدية على القول بالتحريم، وبالفدية يقول الشافعية تفريعًا على قول شاذّ، حكاه بعضهم أن الطيب يستمرّ تحريمه إلى أن يطوف، وأنكر جماعة منهم هذا القول، وقطعوا بجوازه. واللَّه أعلم. قاله وليّ الدين (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من جواز الطيب قبل الطواف؛ لصحّة حديث الباب بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): استدلّ بقولها: "لحِلّه قبل أن يطوف" على أنه حصل له التحلّل قبل الطواف. قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا متّفق عليه، ويوافقه كلامه في "شرح المهذّب"، فإنه أورد فيه من "سنن أبي داود" حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: "فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صِرْتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به". وقال: إنه حديث صحيح. ثم حكى عن البيهقيّ أنه قال: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به. ثم قال النوويّ: فيكون الحديث منسوخًا، دلّ الإجماع على نسخه، فإن الإجماع لا يَنسخ، ولا يُنسخ، لكن يدلّ على ناسخ.
قال وليّ الدين: وكذا قال البيهقيّ في "الخلافيّات": يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار صار منسوخًا، ويستدلّ بالإجماع في جواز لبس المخيط بعد التحلّل الأول على نسخه انتهى.
لكن الخلاف في ذلك موجود، قال ابن المنذر في "الإشراف" لَمّا حكى الخلاف فيما أُبيح للحاجّ بعد الرمي، وقبل الطواف: وفيه قول خامس، وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. وقال عروة بن الزبير: من أخّر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفر، فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة. وقد اختلف فيه عن الحسن البصريّ، وعطاء، والثوريّ انتهى كلام وليّ الدين.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - الذي أشار إليه هو ما أخرجه أبو داود في "سننه"، ولفظه:
١٩٩٩ - حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين -المعنى واحد- قالا: حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، حدثنا أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة، عن أبيه، وعن أمه زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، يحدثانه جميعا ذاك عنها، قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول اللَّه ﷺ ، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة، ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمَّصَين، فقال رسول اللَّه ﷺ لوهب: "هل
стр. 12583
أفضت أبا عبد اللَّه؟ "، قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه، قال ﷺ : "انزع عنك القميص"، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول اللَّه؟، قال: "إن هذا يوم رُخَّصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تَحِلُّوا -يعني من كلّ ما حُرِمتُم منه، إلا النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، فإن رجاله كلهم، معرفون، قد أخرجوا لهم في الصحيح، فابن إسحاق من رجال البخاريّ، وأبو عبيدة روى عنه جماعة، وهو من رجال مسلم، والباقون لا يسأل عنهم، وابن إسحاق، وإن كان مدلّسًا، إلا أنه صرّح هنا بالتحديث، فزالت العلّة، فوجب القول به.
والذين لم يقولوا بهذا الحديث لم يتعلّقوا بشيء يُعتدُّ به، وغاية ما تعلّقوا به هو دعوى النسخ بالإجماع، وقد عرفت أن هذه الدعوى باطلة، حيث ثبت خلاف جماعة، كأبي قلابة، وابن الزبير، والحسن البصريّ، وعطاء، والثوريّ، على خلاف عن هؤلاء الثلاثة، فأين الإجماع المزعوم؟.
والحاصل أنه ليس لترك العمل بهذا الحديث عذرٌ مقبولٌ، فالحقّ أن من أمسى، قبل أن يطوف بالبيت عاد محرمًا، فيجب عليه أن لا يتلبّس بشيء من محظوراة الإحرام حتى يطوف بالبيت، كما قال النبيّ ﷺ لهذين الصحابيين: "صرتم حرمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا بالبيت"، وهذا مما غفل عنه كثير من أهل العلم، فضلاً عن العوامّ، فينبغي إفشاؤه حتى يعلمه العوامّ، فيعملوا به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قال وليّ الدين: وإذا قلنا بقول الجمهور، فاختلف العلماء في كيفية ذلك التحلّل، فقال ابن حزم الظاهريّ: حلّ من كلّ وجه، وليس للحجّ إلا تحلّل واحد، فيباح له سائر المحرّمات على المحرم، إلا الجماع، فإنه مستمرّ التحريم إلى أن يطوف طواف الإفاضة، وليس ذلك لأنه بقي عليه شيء من إحرامه، بل انقضى إحرامه كلّه، ولكن الجماع محرّم على من هو في الحجّ، وإن لم يكن مُحْرِمًا.
وسبقه إلى ذلك الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين، من الشافعيّة، فقال: ليس للحجّ إلا تحلّل واحد، فإذا رمى جمرة العقبة زال إحرامه، وبقي حكمه حتى يحلق، ويطوف، كما أن الحاثض إذا انقطع دمها زال الحيض، وبقي حكمه، وهو تحريم وطئها، حتى تغتسل. حكاه عنه صاحبه القاضي أبو الطيّب، وقال: هذا غلطٌ؛ لأن الطواف أحد أركان الحجّ، فكيف يزول الإحرام، وبعض الأركان باق، وهذان القائلان، وإن اتفقا
стр. 12584
على تحلّل واحد، فقد اختلفا في ذلك التحلّل، فقال الشيخ أبو حامد: هو بما سنحكيه بعد هذا عن الشافعيّة. وقال ابن حزم: هو دخول وقت الرمي بطلوع الشمس يوم النحر، فإذا دخل وقت الرمي حلّ المحرم، سواء رمى، أو لم يرم؛ لأنه ﷺ صحّ عنه جواز تقديم الطواف، والذبح، والرمي، والحلق بعضها على بعض، فإذا دخل وقتها بطل الإحرام، وإن لم يفعل شيئًا منها، وسبقه إلى ذلك أبو سعيد الإصطخريّ، من أئمّة الشافعيّة، فقال: إذا دخل وقت الرمي حصل التحلّل الأول، وإن لم يرم. وحكى صاحب "التقريب" وجهًا شاذًّا أنا إذا لم نجعل الحلق نسكًا حصل التحلّل الأول بمجرّد طلوع الفجر يوم النحر، وقائلا هذين القولين لا يوافقان ابن حزم على أن للحجّ تحلّلاً واحدًا، فمقالته مركّبة من أمرين، قال بكلّ منهما بعض الشافعيّة، ولا نعلم له سلفًا في مجموع مقالته. واللَّه أعلم.
وقال جمهور الفقهاء، من أصحاب المذاهب الأربعة: للحجّ تحلّلان، ثم اختلفوا في أمرين:
(أحدهما): فيما يحصل به التحلّل الأول، فقالت الشافعيّة: إن قلنا: إن الحلق نسك، وهو الصحيح المشهور، حصل التحلّل الأول بفعل أمرين من ثلاثة أمور: وهي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل اثنين منها، أيّ اثنين كانا، حصل التحلّل الأول.
وإن قلنا: إن الحلق ليس نسكًا، حصل التحلّل الأول بواحد من الرمي، والطواف، فأيهما فعله أوّلاً حلّ التحلّل الأول، وعند أصحابنا يجوز تقديم بعض هذه الأمور على بعض، وترتيبها بتقديم الرمي، ثم الحلق، ثم الطواف (١) مستحبّ فقط، قالوا: ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فات الرمي، ولزمه دم، ويصير كأنه رمى بالنسبة لحصول التحلّل به، والأصحّ عند الرافعيّ، والنوويّ أنه يتوقّف تحلّله على الإتيان ببدله، لكن نصّ الشافعيّ على خلافه. وحكى الرافعيّ وجهًا شاذًّا أنه يحصل التحلّل الأول بالرمي وحده، أو الطواف وحده، ولو قلنا: الحلق نسك.
وقالت الحنابلة: يحصل التحلّل الأول بالرمي، والحلق. وقالت المالكيّة: للحجّ تحلّلان، يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة، والآخر بطواف الإفاضة، ولو قدّم طواف الإفاضة على جمرة العقبة، قال مَالك، وابن القاسم: يجزئه، وعليه هدي. وعن مالك أيضًا: لا يجزئه، وهو كمن لم يُفِضْ. وقال أصبغ: أحبّ إليّ أن يعيد الإفاضة، وهو
стр. 12585
في يوم النحر آكد.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول مالك، وابن القاسم المذكور مما لا يلتفت إليه؛ لمخالفته النصّ الصحيح الصريح، حيث إنه ﷺ سئل عن تقديم بعض هذه الأفعال على بعضها، فقال: "افعل ولا حرج"، فكيف يقال: لا يجزئه، أو يجزئه، ولكن عليه هديّ، هذا شيء عجيب. واللَّه تعالى أعلم.
وقالت الحنفيّة: إن التحلّل الأول بالحلق خاصّة، دون الرمي، والطواف، فليسا من أسباب التحلّل، وفرقوا بأن التحلّل هو الجناية في غير أوانها، وذلك مختصّ بالحلق، وأما ذبح الهدي، فليس مما يتوقّف عليه التحلّل، إلا أن الحنفيّة، والحنابلة قالوا: إن المتمتع إذا كان معه هديٌ لا يحلّ من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد خالفهم الجمهور في ذلك.
وقال الترمذيّ في "جامعه" في الكلام على هذا الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم، يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر، وذبح، وحلق، أو قصر، فقد حلّ له كلّ شيء، حرم عليه إلا النساء، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": فيه نظر من حيث إن المذكورين لا يتوقّف عندهم التحلّل الأول بالذبح، ثم حكى مقالة أبي حنيفة، وأحمد في المتمتّع الذي ساق الهدي، وقد تقدّمت انتهى.
وقال الإسنويّ في "المهمّات": اتفق الأصحاب على أنه لا مدخل للذبح في التحلّل.
قال وليّ الدين: يشكل على ذلك ما أجاب به أصحابنا من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في "الصحيح": من أحرم بعمرة، وأهدى، فلا يحلّ حتى ينحر هديه، فقالوا: تقديره: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحجّ، ولا يحلّ حتى ينحر هديه. قال: وممن ذكره النوويّ، وقال: ولا بدّ من هذا التأويل انتهى. ومقتضاه أن الحاجّ لا يحلّ حتى ينحر هديه.
وفي سنن الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رميتم، وحلقتم، وذبحتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء". لكنه حديث ضعيف، مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومع ذلك فاضطرب في إسناده، ولفظه، ورواه أبو داود بلفظ: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حلّ له كلّ شيء، إلا النساء". ومقتضى كلام النوويّ في "شرح المهذّب" أن في رواية أبي داود ذكر الحلق أيضًا, وليس كذلك.
стр. 12586
(الأمر الثاني): فيما يحلّ بالتحلّل الأول، وقد اتفق هؤلاء على أنه يحلّ به ما عدا الجماع، ومقدّماته، وعقد النكاح، والصيد، والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحلّ الجماع، واختلفوا في بقيّة هذه الأمور:
فقال الشافعيّة يحلّ الصيد، والطيب، واختلفوا في عقد النكاح، والمباشرة فيما دون الفرج، وفيه قولان للشافعيّ، أصحّهما التحريم، كذا صححه النوويّ، ونقله عن الأكثرين، وذكر الرافعيّ أن القائلين به أكثر عددًا، وقولهم أوفق لظاهر النصّ في "المختصر"، لكنه صحّح في "الشرح الصغير" الحلّ، واقتضى كلامه في "المحرّر" التفصيل بين المسألتين، فصرّح بإباحة عقد النكاح بالأول، وجعل المباشرة داخلة فيما يحلّ بالثاني. وكلام الحنابلة موافق للمرجّح عندنا، وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية في "المحرّر": ثم قد حلّ من كلّ شيء، إلا النساء، وعنه يحلّ إلا الوطء في الفرج.
وكذا مذهب الحنفيّة، قال صاحب "الهداية": وقد حلّ له كلّ شيء، إلا النساء، ثم قال: ولا يحلّ الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافًا للشافعيّ، فنصب الخلاف معه على أحد قوليه. وأما عقد النكاح فهو جائزٌ عندهم في الإحرام.
وقال المالكيّة: يستمرّ تحريم النساء، والصيد، والطيب، إلا أنهم أوجبوا في الصيد الجزاء، ولم يوجبوا في الطيب الفدية، كما تقدّم.
قال ابن حزم: وهذا عجيب، فإن احتجّوا بالأثر الوارد في تطييب النبيّ ﷺ قبل أن يطوف بالبيت قلنا: لا يخلو هذا الأثر من أن يكون صحيحًا، ففرض عليكم ألا تخالفوه، وقد خالفتموه، أو غير صحيح، فلا تراعوه، وأوجبوا الفدية على من تطيّب، كما أوجبتموه على من تصيّد.
وقال ابن عبد البرّ: راعى مالك الاختلاف في هذه المسألة، فلم ير الفدية على من تطيّب بعد رمي جمرة العقبة، وقبل الإفاضة. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بادّعاء خصوصية النبيّ ﷺ بذلك.
والجواب عنه: الأصل التشريع، وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس ثَمّ دليل على ذلك.
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاجّ بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد اللَّه بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، والنخعيّ، وعبد اللَّه بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء. وروينا ذلك عن ابن عباس. وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء، إلا النساء، والطيب.
стр. 12587
وقال مالك: له كلّ شيء، إلا النساء، والطيب، والصيد. وقد اختلف فيه عن إسحاق، فذكر إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء، والصيد. ثم قال: وفيه قول خامس، فذكر كلامه المتقدّم، وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت. ذكره وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بتصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن القول الخامس الذي ذكره ابن المنذر هو الراجح؛ لصحة حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - المتقدّم، فقد تقدّم أن الحديث صحيح كما قال النوويّ وغيره، ولكنهم اعتلّوا لعدم العمل به بعلة غير مقبولة، فوجب العمل به، كما أوضحته سابقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,,, بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ,,, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ, وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وهذا الإسناد هو أصحّ أسانيد عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٦ - (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ, وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ (٢) ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ، والحديث مُتَّفق عليه، كما سبق آنفًا، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٧ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ, وَلِحِلِّهِ بَعْدَ مَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهَم رجال الصحيح، غير
стр. 12588
شيخه، وهو ثقة، فإنه من رجال الترمذيّ، والمصنّف.
و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "لحرمه، ولحِلّه": أي لإحرامه، وإحلاله.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: يقال: حرمه: بضمّ الحاء، وكسرها لغتان، ومعناه لإحرامه. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: قيّدناه عن شيوخنا بالوجهين، قال: وبالضمّ قيّده الخطّابيّ، والهرويّ، وخطّأ الخطّابيّ أصحاب الحديث في كسره، وقيّده ثابت بالكسر، وحكى عن المحدّثين الضمّ، وخطّأهم فيه، وقال: صوابه الكسر، كما قال "لِحِلّه" انتهى. كلام النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي في "النهاية" لابن الأثير، و"لسان العرب" لابن منظور: أن الحُرْم بالضم بمعنى الإحرام، وأما الحِرْم بالكسر، فهو الرجل المحرم، ولم يذكروا جواز الكسر بمعنى الإحرام فليُحَرَّرْ. والحديث متّفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٨ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ, أَبُو عُمَيْرٍ, عَنْ ضَمْرَةَ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لإِحْلَالِهِ, وَطَيَّبْتُهُ لإِحْرَامِهِ, طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا", تَعْنِي لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عيسى بن محمد" بن إسحاق، أبو عُمير ابن النحّاس -بمهملتين- الرَّمْليّ، ويقال: اسم جدّه عيسى، ثقة فاضل، من صغار [١٠].
قال إبراهيم بن الجنيد: سئل ابن معين عن أبي عمير ابن النحّاس؟ فقال: ثقة، من أحفظ الناس لحديث ضمرة. وقال أبو زرعة: كان ثقة، رِضًا. وقال أبو حاتم: كان من عُبّاد المسلمين، كان يطلب العلم وعلى ظهره خُرَيقة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال الحضرميّ: مات سنة (٢٥٦) وروى أبو طاهر بإسناد له، عن عمرو بن دُحيم أنه مات في رجب سنة (٢٧٦) قال في "التهذيب": وهذا وَهَم. وقال مسلمة بن قاسم: توفي سنة (٢٥٨) وهو ثقة.
روى عنه أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وروى عنه المصنّف برقم -٢٦٨٨ و ٣٨٧٧ و ٥٧٣٦.
و"ضمرة" بن ربيعة، أبو عبد اللَّه الفلسطينيّ،، دمشقيّ الأصل، صدوق يهم قليلاً [٩].
стр. 12589
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: رجل صالحٌ، صالح الحديث، من الثقات المأمونين، لم يكن بالشام رجلٌ يشبهه، وهو أحبّ إلينا من بقيّة. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال آدم بن أبي إياس: ما رأيت أحدًا أعقل لما يخرج من رأسه منه.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا خيرًا، لم يكن هناك أفضل منه. مات في أول رمضان سنة (٢٠٢) وكذا أرّخه ابن يونس، وقال: كان فقيههم في زمانه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الساجيّ: صدوق يهم، عنده مناكير. وقال العجليّ: ثقة. وروى ضمرة عن الثوريّ، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر: "من ملك ذا رَحِمٍ مَحْرَم، فهو عتيق". أنكره أحمد، وردّه ردًّا شديدًا، وقال: لو قال رجل: إن هذا كذب لما كان مخطئًا. وأخرجه الترمذيّ، وقال: لا يُتابع ضمرة عليه، وهو خطأ عند أهل الحديث.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد" والباقون إلا مسلمًا، وروى له المصنّف برقم ٢٦٨٨ و ٣١٧٦ و ٣٨٧٧ و ٤٧٣٠ و ٤٨٠٥ و ٥٧٣٦.
وقوله: "تعني ليس له بقاء" هكذا فسّره بعض الرواة، ولم يُعلم التفسير ممن هو؟، وهذا التفسير غير صحيح، لمنافاته لسياق رواياتها المختلفة، كقولها: "كأني انظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول اللَّه ﷺ "، وكقولها: "بطيب فيه مسك"، وقولها: "بأطيب الطيب"، وغير ذلك، بل الصحيح في تفسيره، كما يدلّ عليه سياق الروايات أنه أطيب من طيبكم، وأحسن، وقد تقدّم نحو هذا في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "تعني ليس له بقاء". يحتمل أن الضمير لطيب الناس، أي طيبكم الذي تستعملونه عند الإحرام ليس له بقاء، بخلاف طيّب رسول اللَّه ﷺ ، فهو كان باقيًا بعد الإحرام، كما سيجيء. أو لطيب رسول اللَّه ﷺ ، والتفسير على زعم الراوي، وإلا فقد تبيّن خلافه، وهي أرادت بقولها: "ليس يشبه طيبكم" أي كان أطيب من طيبكم، أو نحو هذا، لا ما فهم الراوي، واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول أشبه بمقضى سياق رواياتها، وأقرب إلى الصواب. والحديث صحيح الإسناد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: "بِأَطْيَبِ الطِّيبِ, عِنْدَ حُرْمِهِ, وَحِلِّهِ").
стр. 12590
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "محمد ابن منصور"، وهو الجوّاز المكيّ فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عروة بن عثمان" بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، أخو هشام، ثقة [٦].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال يعقوب بن شيبة: كان من خطباء الناس، وعلمائهم، وكان أصغر من هشام، لكنه مات قبله. وقال مصعب: أمه أم يحيى بنت الحكم بن أبي العاص، عمة عبد الملك بن مروان، وكان من وجوه قريش، وساداتهم. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات قبل الأربعين ومائة. وقال الواقديّ: مات في أول خلافة أبي جعفر. مات سنة (١٣٦). وقيل: سنة (١٣٧). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وروى له المصنّف برقم -٢٦٨٩ و ٢٦٩٠ و ٥٠٧٤. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام عليه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٩٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ, بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان" التُّجِيبيّ -بضمّ المثنّاة، وكسر الجيم، بعدها تحتانيّة، ثم موحّدة- أبي عبد اللَّه المصريّ، ثقة [١١].
قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن يونس: كان فقيهًا، من جلساء ابن وهب، وكان عالمًا بالشعر والأدب، وأخبار الناس. يقال: كان مولده سنة (١٧١)، مات في حبس ابن المدبّر لخراج كان عليه، في شوّال سنة (٢٥٠).
وقال مسلمة بن القاسم الأندلسيّ: كان كثير الحديث، تفقّه للشافعيّ، وصحبه، وكان عنده مناكير، مات بمصر في السجن سنة (٢٥١).
وذكره الدارقطنيّ في الرواة عن الشافعيّ، وابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان قديم الموت، روى عنه يعقوب بن سفيان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي تقدم في تاريخ وفاته هو الذي ذكره في "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، وذكر في "التقريب" أنه مات سنة (٢٦٥) وله (٩٤) سنة، وهذا محل نظر، فليُتَأَمَّل. واللَّه تعالى أعلم.
انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، روى عنه في سبعة مواضع برقم ٢٦٩٠ و ٣٠٩٨ و ٢١٣٢ و ٣٣٧٤ و ٣٣٨٨ و ٣٦١٩ و ٣٨٣٢.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام عليه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 12591
٢٦٩١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ, لِحُرْمِهِ, وَلِحِلِّهِ, وَحِينَ يُرِيدُ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ").
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥، فإنه من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
و"ابن إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ.
وقوله: "وحين يريد أن يزور البيت". قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أن الواو زائدة، أي ولحلّه حين يريد الخ، أو التقدير: وكان لحلّه حين يريد أن يزور الخ. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو بمعنى قولها في الحديث التالي: "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت، فما قاله السنديّ حسن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٩٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: قَالَتْ: عَائِشَةُ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ, وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ, بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإ سناد كلهم رجال الصحيح، و "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرقّيّ البغداديّ. و"منصور": هو ابن زذان الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ الثقة الثبت العابد.
وقوله: "فيه مسك" فيه طهارة المسك، وهو متّفق عليه، إلا قولاً شاذًّا، كما تقدّم.
والحديث أخرجه مسلم، وقد مرّ الكلام عليه. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٩٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ -يَعْنِي الْعَدَنِيَّ- عَنْ سُفْيَانَ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) إِسْحَاقُ -يَعْنِي الأَزْرَقَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) سُفْيَانُ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ, فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ").
стр. 12592
وقًالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْر فِي حَدِيثِهِ: "وَبِيصِ طِيبِ الْمِسْكِ، فِي مَفْرِقِ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن نصر": هو النيسابوريّ الزاهد المقرئ الحافظ الفقيه الثقة، من أفراد المصنّف.
و"عبد اللَّه بن الوليد" بن ميمون، الأمويّ مولاهم أبو محمد المكيّ المعروف بالعدنيّ، صدوق، ربما أخطأ، من كبار [١٠].
قال حرب، عن أحمد: سمع من سفيان، وجعل يُصحح سماعه، ولكن لم يكن صاحب حديث، وحديثه حديث صحيح، وكان ربما أخطأ في الأسماء، وقد كتبت عنه أنا كثيرًا. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: لا أعرفه، لم أكتب عنه شيئًا. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن عديّ: روى عن الثوريّ "جامعه"، وقد روى عن الثوريّ غرائب غير "الجامع"، وعن غير الثوريّ، وما رأيت في حديثه شيئًا منكرًا فأذكره. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. ونقل الساجيّ أن ابن معين ضعّفه. وقال البخاريّ: مقارب. وقال العقيليّ: ثقة معروف. وقال الأزديّ: يَهِم في أحاديث، وهو عندي وسطٌ. وقال الدارقطنيّ: ثقة مأمون.
علّق عنه البخاريّ، وأخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف. وله عنده حديثان فقط، هذا برقم (٢٦٩٣)، وحديث رقم (٤٩١٢) "قَطَعَ أبو بكر في مِجَنٍّ قيمته خمسة دراهم".
و"إسحاق الأزرق": هو ابن يوسف المخزوميّ الواسطيّ الثقة. و"سفيان": هو الثوريّ. و"الحسن بن عبيد اللَّه": هو النخعيّ، أبو عروة الكوفيّ الثقة الفاضل. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعيّ.
وقولها: "كأني انظر الخ" أرادت بذلك قوة تحققها لذلك، بحيث إنها لشدّة استحضارها له كأنها ناظرة إليه.
وقولها: "وبيص" بالموحدة المكسورة، وآخره صاد مهملة: هو البريق وزنًا ومعنًى.
وقال الإسماعيليّ: إن الوبيص زيادة على البريق، وأن المراد به التلألؤ، وأنه يدلّ على وجود عين قائمة، لا الريح فقط انتهى (٢).
وقولها: "في مفرق": بفتح الميم، وكسر الراء: هو المكان الذي يُفرق فيه الشعر في وسط الرأس.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق الكلام عليه، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٩٤ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنْ
стр. 12593
مَنْصُورٍ, قَالَ: قَالَ: لِي إِبْرَاهِيمُ, حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ, عَنْ عَائِشَةَ, ﵂, قَالَتْ: "لَقَدْ كَانَ يُرَى وَبِيصُ الطِّيبِ, فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ").
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، و"سفيان": هو الثوريّ. و"منصور": هو ابن المعتمر.
وقولها: "في مفارق" جمع مفرق، قيل: إنما ذكرته بصيغة الجمع تعميمًا لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر. والحديث متّفق عليه، كما مرّ الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٢ - (مَوْضِعُ الطِّيبِ)
٢٦٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ, فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وأبي داود، وهو ثقة.
و" جرير": هو ابن عبد الجميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. وفي الإسناد ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض، وكلهم كوفيّون.
وقوله: "وبيص" بفتح الواو، وكسر الموحّدة، بعدها ياء تحتانيّة، ثم صاد مهملة: هو البريق. وقال الإسماعيليّ: وبيص الطيب تلألؤه، وذلك لعين قائمة، لا للريح فقط (١).
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٩٦ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ, فِي أُصُولِ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ").
стр. 12594
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ.
والحديث متّفق عليه، وقد مرّ تمام البحث فيه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٩٧ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,,,, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,,,, قَالَتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ, فِي مَفْرِقِ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض، والثلاثة الأولون بصريون، والباقون كوفيون، إلا عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. و"الحَكَم": هو ابن عتيبة. وسبق الكلام على الحديث وهو متّفق عليه. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٩٨ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ- عَنْ شُعْبَةَ,,, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,,, قَالَتْ: "لَقَدْ رَأَيْتُ وَبِيصَ الطِّيبِ, فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والثلاثة الأولون بصريون، والباقون كوفيون تابعيّون، و"سليمان": هو الأعمش الآتي في السند التالي. والحديث تقدّم البحث فيه، وهو متّفق عليه، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٦٩٩ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ, فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يُهِلُّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو مسلسل بالكوفيين، وثلاثة منهم تابعيون. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم البحث فيه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ , وَقَالَ هَنَّادٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ, ادَّهَنَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُهُ (١) , حَتَّى أَرَى وَبِيصَهُ فِي رَأْسِهِ, وَلِحْيَتِهِ").
стр. 12595
تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ، وَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ,، عَنْ عائِشَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"أبو الأحوص": هو سلاّم بن سليم الحنفيّ الكوفيّ. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن اللَّه السبيعيّ الكوفيّ.
وقوله: "وقال هناد الخ" غرضه بيان اختلاف شيخيه في لفظي: "النبيّ"، و"رسول اللَّه". وهذا من شدة احتياط المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث يراعي ألفاظ شيوخه إذا اختلفوا، وإن كان ذلك لا يؤثّر في تغيير المعنى، وإبدال لفظ النبيّ بالرسول، وعكسه فيه خلاف بين أهل الحديث، والأصحّ جواز تبديل أحدهما بالآخر كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَجَازَ أَنْ يُبْدَلَ بِالنَّبِيَّ … رَسُولُهُ وَالْعَكْسُ فِي الْقَوِيِّ
وقوله: "تابعه إسرائيل" الضمير لأبي الأحوص، أي تابع إسرائيلُ بنُ يونس بن أبي إسحاق أبا الأحوص في رواية هذا الحديث، عن أبي إسحاق، ولكنه خالفه في السند، فجعله عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فأدخل عبد الرحمن بن الأسود واسطة بين أبي إسحاق، والأسود.
ورواية إسرائيل أخرجها الشيخان، ورواية أبي الأحوص تفرّد بها المصنّف، وقد تابع أبا الأحوص شريك بن عبد اللَّه النخعي، كما سيأتي بعد حديثين -٢٧٠٣.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان الاختلاف الواقع في إسناد هذا الحديث، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، فإن إسرائيل، وإن كان يقدّم في حديث جدّه أبي إسحاق؛ لإتقانه، ولذا أخرجها الشيخان، إلا أن أبا الأحوص ثقة حافظ، وتابعه عليه شريك، فيحمل على أن أبا إسحاق كان يرويه بالطريقين، حيث سمعه عن الأسود بواسطة ابنه عبد الرحمن، ثم سمعه منه، فكان يحدّث به بالوجهين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وروية إسرائيل التي أشار إليها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هي التي ساقها هنا بقوله:
٢٧٠١ - (أَخْبَرَنَا (١) عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ إِسْرَائِيلَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , بِأَطْيَبِ مَا كُنْتُ أَجِدُ, مِنَ الطِّيبِ, حَتَّى أَرَى وَبِيصَ الطِّيبِ, فِي رَأْسِهِ,
стр. 12596
وَلِحْيَتِهِ, قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"عبدة بن عبد اللَّه": هو الصفّار الخزاعيّ البصريّ. و"يحيى ابن آدم": هو أبو زكريا الأمويّ مولاهم الكوفيّ الحافظ الفاضل. والحديث متّفق عليه، كما مرّ بيانه.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٢ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) سُفْيَانُ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "لَقَدْ رَأَيْتُ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بَعْدَ ثَلَاثٍ").
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن يزيد": هو عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم، نسب لجدّ، وهو دمشقيّ صدوق، من أفراد المصنّف.
و"عطاء بن السائب"، وإن كان من رجال البخاريّ، إلا أنه اختلط، فلا يقبل حديثه إلا عن طريق من روى عنه قبل الاختلاط، وقد جمعتهم بقولي:
يَا أَيُّها الطَّالِبُ لِلْفَائِدَةِ … اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّه لِلسَّعادَةِ
أَنَّ عَطَاء ابْنَ سَائِبِ خَلَطْ … فَبِالرُّوَاةِ الأَخْذُ وَالرَّدُّ انْضَبَطْ
فَمَا رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ … زُهَيْرُ إِسْرَائِيلُ قُلْ مَرْضِيُّ
أَيوبُ زَائِدَةُ وَابْنُ زَيْدِ … كَذَا وَرَدُّ غَيْرِهِمْ ذُو أَيْدِ (٢)
وَابْنُ عُيَينَةَ لَدَى ابْنِ رَجَبِ … ذُكِرَ مَقْبُولاً فَخُذْهُ تُصِبِ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا رَى ابْنُ سَلَمَهْ … وَرَجَّحِ الْوَقْفَ تَكُنْ ذَا مَكْرَمَهْ
وَهَكَذَا حَرَّرَهُ الأَعْلَامُ … فَاحْفَظ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمامُ (٣)
فالراوي عنه هنا هو سفيان بن عيينة، والأرجح أنه ممن سمع قبل الاختلاط، فقد رَوَى الحميديّ، عن سفيان، قال: كنت سمعت من عطاء السائب قديمًا، ثم قدم علينا قدمة، فسمعته يحدّث ببعض ما كنت سمعته منه، فيخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته. فهذا يدلّ على أن ابن عيينة إنما يحدّث عنه بما سمعه قبل الاختلاط.
стр. 12597
وقال أبو داود: قال أحمد: سماع ابن عيينة مقارب -يعني عن عطاء بن السائب- سمع منه بالكوفة. انتهى. وهذا أيضًا دليل على أن الإمام أحمد يرى أن سماع ابن عيينة قبل الاختلاط.
والحاصل أن روايته هنا مقبودة فالحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) شَرِيكٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: "كُنْتُ أَرَى وَبِيصَ الطِّيبِ, فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بَعْدَ ثَلَاثٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شريك": هو ابن عبد اللَّه النخعيّ القاضي الكوفيّ. وقولها: "بعد ثلاث" أي بعد ثلاث ليال، وهو كناية عن طول مكثه معه، فهو صريح في جواز التطيّب بما يبقى بعد الإحرام، ولو وقتًا طويلاً، والحديث فيه شريك متكلم فيه، وأبو إسحاق مختلط، لكنه صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٤ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ, عَنِ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ؟ , فَقَالَ: لأَنْ أَطَّلِيَ بِالْقَطِرَانِ, أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَقَالَتْ: "يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, لَقَدْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَيَطُوفُ فِي نِسَائِهِ, ثُمَّ يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح.
و"إبراهيم بن محمد بن المنتشر": هو الهمدنيّ الكوفيّ الثقة. و"أبوه": هو محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمدانيّ الكوفيّ الثقة.
وقوله: "لأن أطلي" يقال: طَلَيته بالطين، وغيره طَلْيًا، من باب رَمَى: إذا لطخته، واطّليت على افتعلتُ: إذا فعلت ذلك بنفسك، ولا يُذكر معه المفعول.
وهنا يحتمل أن يكون ثلاثيًّا مبنيًّا للمفعول، أو للفاعل، ويقدّر مفعوله: أي نفسي، ويحتمل أن يكون من باب الافتعال، فالطاء مشدّدة، وهي مبدلة من تاء الافتعال، كما قال ابن مالك في "خلاصته":
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالاً بَقِي
واللام في "لأن" لام الابتداء مفتوحة، والمصدر المؤوّل مبتدأ خبره قوله: "أحبّ".
وقوله: "بالقطران" قال الفيّوميّ: هو ما يتحلّل من شجر الأَبْهَل، ويُطلَى به الإبل،
стр. 12598
وغيرها. وقَطْرَنتها: إذا طليتها به، وفيه لغتان: فتح القاف، وكسر الطاء، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾، والثانية: كسر القاف، وسكون الطاء
انتهى.
وقول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن الخ". تعني ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وإنما استرحمت له، إشعارًا بأنه قد سها فيما قاله، إذ لو استحضر فعل النبيّ ﷺ لم يقل ذلك. قاله في "الفتح" (١).
وقولها: "فيطوف في نسائه". قال الإسماعيليّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يراد به الجماع، وأن يراد به تجديد العهد بهنّ انتهى.
وقولها: "ينضخ طيبًا". بفتح أوله، وبفتح الضاد المعجمة، وبالخاء المعجمة. قال الأصمعيّ: النضخ -بالمعجمة- أكثر من النضح -بالمهملة-. ويسوّى بينهما أبو زيد.
وقال ابن كيسان: إنه بالمعجمة لما ثخُنَ، وبالمهملة لما رَقّ. وظاهره أن عين الطيب بقيت بعد الإحرام، قال الإسماعيليّ: بحيث صار كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء انتهى (٢). والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في "كتاب برقم ١٣/ ٤١٧" وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تزدد علماً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٥ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ وَكِيعٍ, عَنْ مِسْعَرٍ, وَسُفْيَانَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, يَقُولُ: لأَنْ أُصْبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ, أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا, أَنْضَحُ طِيبًا, فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ, فَأَخْبَرْتُهَا بِقَوْلِهِ, فَقَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَطَافَ فِي نِسَائِهِ, ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وسفيان": هو الثوريّ، وهو بالجرّ عطف على "مسعر"، فكلاهما يروي عنه وكيع والحديث متفق عليه، كما مر بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12599
٤٣ - (الزَّعْفَرَانُ لِلْمُحْرِمِ)
أي حكم استعمال الزعفران للرجل المحرم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهره أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن النهي عن تزعفر الرجل خاصّ بالمحرم، جمعًا بينه، وبين أدلة إباحة التزعفر، لكن الذي يظهر لي، أن النهي على إطلاقه؛ لأن أحاديث النهي أرجح، وأقوى، فتقدّم على أحاديث الإباحة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ , أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم، ابن عليه، أبو بشر البصريُّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عبد العزيز) بن صُهَيب البُنَاني البصري، ثقة [٤] ١٨/ ١٩.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٣٨) من رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بالبصريين غير شيخه، فمروزي ثم نيسابوري، وفيه أنس ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أنس) بن مالك الأنصاريّ النجّاريّ الخادم - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "نَهى النَّبِيُّ ﷺ ، أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ) أي يستعمل الزعفران في بدنه، أو مطلقًا، وهو الأولى، للرواية الآتية -٧٣/ ٥٢٥٧ - في "كتاب الزينة" من طريق زكريا بن يحيى بن عُمارة الأنصاريّ، عن عبد العزيز، بلفظ: "أن يُزعفر الرجلُ جلده". فدلّ على أن النهي في
стр. 12600
البدن، لا في الثوب.
وقيّد بالرجل في رواية إسحاق، عن إسماعيل ابن عليّة، ورواية شعبة، عن إسماعيل الآتية بعده مطلقة، ولفظه: "نهى عن التزعفر". قال الحافظ: وكأنه اختصره، وإلا فقد رواه عن إسماعيل فوق عشرة من الحفّاظ، مقيّدًا بالرجل. ويحتمل أن يكون إسماعيل اختصره لَمّا حدّث به شعبة، والمطلق محمول على المقيّد انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣/ ٢٧٠٦ و ٢٧٠٧ و ٢٧٠٨ وفي "الزينة" ٧٣/ ٥٢٥٦ و ٥٢٥٧ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٣٦٨٦ و ٣٦٨٧ و ٣٦٨٨ وفي "الزينة" ٤٢/ ٩٤١٤. وأخرجه (خ) في "اللباس" ٥٨٤٦ (م) في "اللباس والزينة" ٢١٠١ (د) في "الترجّل" ٤١٧٩ (ت) في "الأدب" ٢٨١٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٥٦٧ و ١٢٥٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): اختلف أهل العلم في النهي عن التزعفر للرجل:
ذهب الشافعيّ، وأبو حنيفة إلى منع الرجل عن التزعفر مطلقًا حلالاً كان، أو محرمًا.
وذهب مالك، وجماعة إلى جواز لبس المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم فقط.
قال "الفتح": وقد نقل البيهقيّ عن الشافعيّ، أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكلّ حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله. قال: وأُرَخَّصُ في المعصفر؛ لأنني لم أجد أحدًا يحكي عنه إلا ما قال عليّ: "نهاني، ولا أقول: نهاكم". قال البيهقيّ: قد ورد ذلك عن غير عليّ، وساق حديث عبد اللَّه بن عمرو، قال: رأى عليّ النبيّ ﷺ ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما". أخرجه مسلم، وفي لفظ له: فقلت: أغسلهما؟، قال: "لا، بل أحرقهما". قال البيهقيّ: فلو بلغ ذلك الشافعيّ لقال به، اتباعًا للسنّة، كعادته. وقد كره المعصفر جماعة من السلف، وممن قال بكراهته
стр. 12601
من أصحابنا -يعني الشافعيّة- الْحَليمِيُّ، ورخّص فيه جماعة، والسنة أولى بالاتباع انتهى. واللَّه أعلم.
ورخّص مالك في المعصفر، والمزعفر في البيوت، وكرهه في المحافل.
وقال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: أجاز مالك، وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصّة. وحمله الشافعيّ، والكوفيّون على المحرم وغير المحرم.
وحديث ابن عمر ﵄ في الصبغ يدلّ على الجواز، فإن فيه أن النبيّ ﷺ كان يصبغ بالصفرة. وأخرج الحاكم من حديث عبد اللَّه بن جعفر، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران. وفي سنده عبد اللَّه بن مصعب الزبيريّ، وفيه ضعف. وأخرج الطبرانيّ، من حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن رسول اللَّه ﷺ صبغ إزاره، ورداءه بزعفران. وفيه راو مجهول. ومن المستغرب قول ابن العربيّ: لم يرد في الثوب الأصفر حديث، وقد ورد فيه عدّة أحاديث، كما ترى. قال المهلّب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عبّاس ﵁ في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قاله في "الفتح" (١).
وقال العلاّمة المباركفوريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأحوذيّ": والحديث دليل لأبي حنفية، والشافعيّ، ومن تبعهما في تحريم استعمال الرجل الزعفران في ثوبه، وبدنه، ولهما أحاديث أخر صحيحة.
ومذهب المالكيّة أن الممنوع إنما هو استعماله في البدن، دون الثوب. ودليلهم ما أخرجه أبو داود، عن أبي موسى، مرفوعًا: "لا يقبل اللَّه صلاة رجل في جسده شيء من خلوق". فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد.
وأجيب عن حديث أبي موسى هذا بأن في سنده أبا جعفر الرازيّ، وهو متكلّم فيه، وأحاديث النهي عن التزعفر مطلقًا أصحّ، وأرجح.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأيضًا على تقدير صحّته، فاستدلالهم بالمفهوم، وأحاديث النهي منطوقة، فتقدّم عليه. واللَّه أعلم.
قال: فإن قلت: قد ثبت في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، وبه أثر صفرة، فسأله رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره أنه تزوّج امرأة … الحديث، وفي رواية: "وعليه ردع زعفران"، فهذا الحديث يدلّ على جواز
стр. 12602
التزعفر، فإنه ﷺ لم يُنكر على عبد الرحمن بن عوف، فكيف التوفيق بين حديث أنس هذا، وبين حديثه المذكور في الباب، وما في معناه؟.
قلت: أشار البخاريّ إلى الجمع بأن حديث عبد الرحمن للمتزوّج، وأحاديث النهي لغير المتزوّج، حيث ترجم بقوله: "باب الصفرة للمتزوّج".
وقال الحافظ: إن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، قال: ورجّحه النوويّ. وأجيب عن حديث عبد الرحمن بوجوه أخرى ذكرها الحافظ في "الفتح" في "باب الوليمة ولو بشاة"، من "كتاب النكاح".
فإن قلت: روى الشيخان عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أن رجلا قال: يا رسول اللَّه ما يلبس المحرم من الثياب؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يلبس القمص … الحديث، وفيه: ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسّه زعفران، أو ورس".
فيستفاد من ظاهر هذا الحديث جواز لبس المزعفر لغير الرجل المحرم؛ لأنه قال ذلك في جواب السؤال عما يلبس المحرم، فدلّ على جوازه لغيره.
قلت: قال العراقيّ: الجمع بين الحديثين أنه يُحتمل أن يقال: إن جواب سؤالهم انتهى عند قوله: "أسفل من الكعبين"، ثم استأنف بهذا, ولا تعلّق له بالمسؤول عنه، فقال: "ولا تلبسوا شيئًا من الثياب إلى آخره" انتهى.
قال المباركفوريّ: والأولى في الجواب أن يقال: إن الجواز للحلال مستفاد من حديث ابن عمر بالمفهوم، والنهي ثابت من حديث أنس بالمنطوق، وقد تقرّر أن المنطوق مقدّم على المفهوم.
فإن قلت: روى النسائيّ من طريق عبد اللَّه بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فقيل له؟، فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يصبغ. قلت: عبد اللَّه بن زيد صدوق، فيه لين، وأصله في "الصحيح"، وليس فيه ذكر الصفرة انتهى كلام المباركفوريّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بتحريم المزعفر للرجل، محرمًا، أو غير محرم، هو الأرجح عندي؛ لحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، فإنه نصّ في ذلك، وكذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتقدّم، فإنه ظاهر فيه، حيث أمره النبيّ ﷺ بحرقه بالنار، ولم يسمح له في غسله، فلو جاز لبسه لما شدّد عليه مثل هذا التشديد، وكذلك حديث عليّ ﵁: "نهاني رسول اللَّه ﷺ عن
стр. 12603
خاتم الذهب، وعن لبوس القسيّ، والمعصفر … " الحديث. وغير ذلك من الأحاديث.
والحاصل أن أحاديث النهي أرجح، فتقدّم على أحاديث الإباحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٧ - (أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ بَقِيَّةَ, عَنْ شُعْبَةَ,, قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّزَعْفُرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "كثير بن عُبيد": هو الْمذحِجيّ، أبو الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرئ الثقة. و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ، وهو وإن كان صدوقًا، إلا أنه مدلس تدليس التسوية، لكنه تابعه آدم بن أبي إياس عند الترمذيّ في "كتاب الأدب" رقم ٢٨١٥ - ، فرواه عن شعبة، عن إسماعيل به، فالحديث صحيح.
[تنبيه]: رواية شعبة عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن عليّة، من رواية الأكابر عن الأصاغر، كما قاله الحافظ (١). واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أشار في هامش "الهنديّة" أنه يوجد في بعض النسخ "عن سعيد" بدل "عن شعبة" وهو تصحيف بلا شكّ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ", قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي لِلرِّجَالِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح"حماد": هو ابن زيد. والإسناد من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٣٩) من رباعيات الكتاب.
وقوله: "يعني للرجال" هكذا هو عند مسلم في "صحيحه",ولعلّ حمادًا -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لم يتيقن لفظة "للرجال"، فأدخل كلمة "يعني" تورّعًا، وإلا فقد ثبتت اللفظة من رواية إسماعيل ابن عليّة، عن عبد العزيز، عند المصنّف في حديث أول الباب، ومن رواية عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز، عن البخاريّ في "صحيحه" رقم ٥٨٤٦ ولفظه: "نهى النبيّ ﷺ أن يتزعفر الرجل". ورواية الترمذيّ من طريق قتيبة، وعبد الرحمن بن مهديّ، كلاهما عن حماد بن زيد ليس فيها كلة "يعني"، ولفظه: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن
стр. 12604
التزعفر للرجال". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٤ - (فِي الْخَلُوقِ لِلْمُحْرِمِ)
٢٧٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , وَقَدْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ, وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ, وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِخَلُوقٍ, فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ, فَمَا أَصْنَعُ؟ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ (١)» , قَالَ: كُنْتُ أَتَّقِي هَذَا, وَأَغْسِلُهُ, فَقَالَ: «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ, فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن منصور": وهو الجوّاز المكيّ فإنه من أفراد المصنّف وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و "عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "وعليه مقطّعات" قال النوويّ: بفتح الطاء المشدّدة، وهي الثياب المخيطة.
وقال في "النهاية": أي ثياب قصار؛ لأنها قطعت عن بلوغ التمام. وقيل: المقطّع من الثياب، كلّ ما يفصل، ويخاط، من قميص، وغيره، وما لا يقطّع منها كالأُزُر، والأردية انتهى (٢).
وقال السنديّ: المقطّع من الثياب المفصّل على البدن، أي الذي يفصّل أوّلاً على البدن، ثم يخاط، من قميص، وغيره (٣).
وقوله: "متضمّخ" بالضاد، والخاء المعجمتين: أي متلطّخ. وقوله: "بخلوق" -بفتح الخاء المعجمة، آخره قاف: طيّب معروف، مركّب، يتّخذ من الزعفران وغيره (٤).
وقوله: "ما كنت صانعًا في حجك؟! الأول استفهام، فلذا أجابه بقوله. "أتقي هذا الخ"، والثاني أمر له بأن يصنع في عمرته ما كان يصنعه في حجه. وهذا يدلّ على أن الرجل كان يعلم محظورات الحجّ، وإنما يجهل محظورات العمرة.
стр. 12605
قال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا يقتضي أنه ﷺ علم من حال السائل أنه عالم بما يفعل في الحجّ، وإلا فلا يصحّ أن يقول له ذلك؛ لأنه إذا لم يعلم ما يفعل الحاجّ لم يمكنه أن يمتثله المعتمر انتهى.
وقال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: كأنهم كانوا في الجاهليّة يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام، إذا حجّوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبر النبيّ ﷺ أن مجراهما واحد انتهى (١).
والحديث متّفق عليه، وتقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في باب "الجبّة في الإحرام" -٢٩/ ٢٦٦٨ - فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧١٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ, يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ, وَهُوَ بِالْجِعِرَّانَةِ, وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ, وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ, وَأَنَا كَمَا تَرَى, فَقَالَ: «انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ, وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ, وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجَّتِكَ, فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم" وهو المعروف أبوه بابن عليّة، دمشقيّ ثقة، فإنه من أفراد المصنّف. و"قيس بن سعد": هو أبو عبد الملك المكيّ الثقة.
وقوله: "وهو مصفّر" بتشديد الفاء المكسورة: أي مستعمل للصفرة في لحيته، وتلك الصفرة هي الخلوق. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٥ - (الْكُحْلُ لِلْمُحْرِمِ)
أي هذا باب في ذكر الحديث الدّالّ على بيان حكم استعمال الكحل للمحرم، وهو المنع، إلا للضرورة كالرَّمَدِ، فيستعمل الصبر، ونحوه من الأدية التي ليس فيها طيب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.