(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما من العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث":
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَر وَعَمْرِو … وَابْنُ الزبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودِ لَهُمْ عَبَادِلَة … وَغلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وهو من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:
الْمُكْثِرُون فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ … أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
فَأَنَسْ، فَزَوْجَةُ النَّبِيِّ ثُمَّ … الْبَحْرُ جَابِرٌ يَلي الْخُدْرِي يُتِمُّ
وكلّ هذا تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة يوم النحر (فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) أي كلُّ شيء حرُم عليه بالإحرام، ومنه الحلق (إِلَّا النِّسَاءَ) بالنصب على الاستثناء، أي وطئًا، ومباشرةً، ولمسًا بشهوة، وعقدَ نكاح حتى يطوف طواف الإفاضة. والحديث يدلّ على أنه يحلّ للمحرم برمي جمرة العقبة كلّ محظورات الإحرام، إلا الوطىء، ودواعيه، وإن لم يحلق، وفيه خلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى (قِيلَ) وفي رواية أحمد: "فقال رجل: والطيب يا أبا العباس"؟. وفي رواية له: "سئل ابن عباس عن الرجل، إذا رمى الجمرة أيتطيّب؟ فقال: أما أنا … " (١) (وَالطِّيبُ؟) مبتدأ خبره محذوف، أي ما حكمه؟، أيحلّ بعد الرمي، أم لا؟ (قَالَ) ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَمَّا أَنَا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَتَضَمَّخُ) أي يتلطّخ (بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ هُوَ؟) أراد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بهذا بيان كون الطيب مباحًا بعد الرمي، بذكر دليله، يعني أن المسك طيب بلا شكّ، وقد تضَمّخ به رسول اللَّه ﷺ ، فيكون الطيب حلالاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
стр. 13372
[فإن قلت]: في سنده انقطاعٌ؛ لأن الحسن العرنيّ لم يسمع من ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما قاله أحمد، وغيره، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد تقدّم للمصنّف في - ٤١/ ٢٦٨٧ - حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "طيّبت رسول اللَّه ﷺ لحرمه، حين أحرم، ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة، قبل أن يطوف بالبيت". وأخرجه أحمد في "مسنده" ٦/ ٢٤٤ - بإسناد صحيح عن عائشة عنها، ولفظه: قالت: "طيّبتُ رسول اللَّه ﷺ بيدي بذَريرة لحجة الوداع، للحلّ والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت".
وأخرج البيهقيّ في "سننه" - ٥/ ١٣٥ - بإسناد صحيح من طريق معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: "إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات، وذبحتم، وحلقتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء والطيب". قال سالم: وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "حلّ له كلّ شيء إلا النساء"، قال: وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنا طيّبتُ رسول اللَّه ﷺ ، يعني لحلّه".
ثم روى البيهقيّ من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، قال: قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنا طيّبتُ رسول اللَّه ﷺ لحلّه، وإحرامه، قال سالم: وسنة رسول اللَّه ﷺ أحقّ أن يُتّبع".
والحاصل أن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح بما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٢٣١/ ٣٠٨٥ - وفي "الكبرى" ٢٣٦/ ٤٠٩٠. وأخرجه (ق) في "المناسك" ٣٠٤١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما يحلّ للمحرم بعد رمي الجمار:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاجّ بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد اللَّه بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، والنخعيّ، وعبد اللَّه بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعيّ، وأحمد، واسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء، وروينا ذلك عن ابن عباس.
стр. 13373
وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء إلا النساء، والطيب. وقال مالك: له كلّ شيء إلا النساء، والطيب، والصيد. وقد اختلف فيه عن إسحاق، فذكر إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ شيء إلا النساء والصيد. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أن المحرم يحلّ له برمي جمرة العقبة كلّ شيء إلا النساء هو الحقّ؛ لصحة الأحاديث بذلك، إلا أن هذا مشروط بالطواف بالبيت قبل مساء يوم النحر، وإلا عاد محرمًا، كما كان حتى يطوف؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح، عن أم سلمة، قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول اللَّه ﷺ ، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة، ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمِّصَين، فقال رسول اللَّه ﷺ لوهب: "هل أفضت أبا عبد اللَّه؟ "، قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه، قال ﷺ : "انزع عنك القميص"، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول اللَّه؟، قال: "إن هذا يوم رُخّصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تَحِلُّوا -يعني من كلّ ما حُرِمتُم منه، إلا النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به".
فهذا الحديث صحيح صريح، في أن المحرم إنما يحلّ له كلّ شيء برمي جمرة العقبة، بشرط أن يطوف بالبيت يوم النحر، قبل أن يمسي، وإلا فقد عاد كما هو حتى يطوف، وقد تقدم دعوى بعض العلماء الذين لا يرون العمل بهذا الحديث كونه منسوخًا بالإجماع، والردّ عليهم بأنها دعوى باطلة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم من السلف، وهو الحقّ، كما تقدّم البحث عن ذلك، مطوّلاً في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في باب "إباحة الطيب عند الإحرام" - ٤١/ ٢٦٨٤ - ، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13374
٢٤ - (كِتَابُ الْجِهَادِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الجهاد" -بكسر الجيم-: أصله لغةً المشقّة، يقال: جَهَدتُ جهادًا: بلغت المشقة. وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفّار، ويُطلق أيضًا على مجاهدة النفس، والشيطان، والفسّاق، فأما مجاهدة النفس، فعلى تعلّم أمور الدين، ثم
على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يُزيّنه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفّار فتقع باليد والمال واللسان والقلب. وأما مجاهدة الفسّاق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب. وسيأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى-١٩/ ٣١٣٥ - من حديث سَبْرَة بن الفاكه ﵁ الطويل، وفيه: "ثم قعد -أي الشيطان- له في طريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جَهْدُ النفسِ والمال".
واختُلف في جهاد الكفّار، هل كان أوّلاً فرض عين، أو كفاية؟، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح الحديث الأول من الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
…
١ - (بَابُ وُجُوبِ الْجِهَادِ)
٣٠٨٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ, إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, لَيَهْلِكُنَّ, فَنَزَلَتْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] , فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) البغداديّ، ثم الطرسوسي، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
٢ - (إسحاق الأزرق) ابن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
стр. 13375
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الثقة الثبت الحجة [٥] ١٨/ ١٧.
٥ - (مسلم) بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران البطين، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة [٦] ٢٦/ ٩١٥.
٦ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٧ - (ابن عباس) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان إلى سعيد. (ومنها): أن فيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ) ببناء الفعل للمفعول، و"النبيّ" نائب فاعله، أي لما أخرجه المشركون، من أهل مكة، فهاجر إلى المدينة (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ تأسُّفًا على ما فَعَلوا. والظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - سمع هذا من أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد ذلك؛ وإلا فإنه لم يحضر هجرة النبيّ ﷺ (أَخْرَجُوا نَبيَّهُمْ) ﷺ (إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ) بفتح حرف المضارعة مبنيًّا للفاعل، من الهلاك، ثلاثيًّا، أو للمفعول من الإهلاك، أي ليُهلكنّهم اللَّه تعالى (فَنَزَلَتْ) ونائب فاعله قوله: ﴿أذن﴾ الآية، دقصد لفظه، فهو في محلّ رفع محكيّ (﴿أُذِنَ﴾) بالبناء للمفعول، أي رُخّص، وقرىء على البناء للفاعل، أي أذن اللَّه تعالى (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء، أي يقاتلهم المشركون، والمأذون فيه محذوف لدلالة المذكور، فإن مقاتلة المشركين إياهم دالّة على مقاتلهم إياهم دلالة بيّنة. وقرىء على صيغة المبنيّ للفاعل، أي يريدون أن يقاتلوا المشركين فيما سيأتي، ويَحرصون عليه، فدلالته على المحذوف أظهر (١) (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي بسبب أنهم ظلمهم المشركون بإخراجهم من بلدهم (﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾) أي هو قادرٌ على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلو جهدهم في طاعته.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما شرع اللَّه تعالى الجهاد في الوقت الأليق
стр. 13376
به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمِر المسلمون، وهم أقلّ من العُشْر بقتال الباقين لشقّ عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسولَ اللَّه ﷺ ، وكانوا نيّفًا وثمانين، قالوا: يا رسول اللَّه ألا نَميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى ليالي منى- فنقتلهم؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني لم أُومر بهذا"، فلما بَغَى المشركون، وأخرجوا النبيّ ﷺ من بين أظهرهم، وهمّوا لقتله، وشرّدوا أصحابه شَذَرَ مَذَرَ، فذهب
منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقرّوا بالمدينة وافاهم رسول اللَّه ﷺ ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومَعْقِلاً يلجئون إليه، شَرَع اللَّهُ جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أولَ ما نزل في ذلك (١).
(فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ) قال السنديّ: الظاهر أنه من كلام أبي بكر، بتقدير "قال أبو بكر"، إذ ابن عباس كان صغيرًا، ولم يكن معه ﷺ يومئذ انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ فهمًا، قد جاء مصرّحًا به عند الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-، ولفظه: "فقال أبو بكر لقد علمت أنه سيكون قتال" (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَهِيَ أَوَّلُ آيَةِ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ) قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّهَ تعالى- في "تفسيره": قال مجاهد، والضحّاك، وغير واحد من السلف، كابن عبّاس، وعروة، بن الزبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيّان، وقتادة، وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد. واستدلّ بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنيّة انتهى (٢).
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في تفسير "سورة البقرة"، في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ الآية [البقرة: ١٩٠]: ما نصّه: هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال؛ ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [فصّلت: ٣٤]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ الآية [المائدة: ١٣]، وقوله: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وما كان مثله، مما نزل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أُمر بالقتال، فنزل: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. قاله الربيعِ بن أنس وغيره. وقال أبو بكر الصديق ﵁: إن أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. والأول أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامّة، لمن قاتل، ولمن لم يقاتل من المشركين انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن أول آية نزلت في القتال آية
стр. 13377
"الحجّ" ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقتَلُونَ﴾ الآية؛ لصحة ذلك عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وهو أعلم بالتأويل، وقد وافقه الكثيرون عليه، كما سبق في كلام ابن كثير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضح ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٣٠٨٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٢٩٢. وأخرجه (ت) في "التفسير" ٣١٧١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الجهاد، ووجه دلالته على وجوبه أن الإذن الذي صُرّح به هنا هو الذي جاء في آيات أخرى بلفظ الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، ونحوها، فصريح الآية الإذن لِمَا كانوا يطلبونه من القتال، فمنعوا منه فترة من الزمن، ثم أبيح لهم، وفُرض عليهم، كما بينته رواية ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - التالية لهذا الحديث.
(ومنها): ما لحق النبيّ ﷺ من أذى المشركين بسبب دعوته إلى اللَّه . (ومنها): ما كان عليه من الصبر، وتحمّل الأذي في سبيل اللَّه . فينبغي الاقتداء به في ذلك. (ومنها): قوّة صدق أبي بكر ﵁ أن اللَّه تعالى سينتقم ممن آذى نبيّه ﷺ ، فكان كما توقّع، فأهلكوا جميعًا، إلا من -رحمه اللَّه تعالى- فدخل في الإسلام. (ومنها): وعد اللَّه تعالى بنصره عباده المؤمنين، فأنجز لهم ما وعدهم. (ومنها): أن هذه الآية هي أول آية نزلت في مشروعية القتال على الراجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الجهاد عينًا، أو كفايةً: قال في "الفتح": للناس في الجهاد حالان. إحداهما في زمن النبيّ ﷺ ، والأخرى بعده:
(فأما الأولى): فأول ما شُرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة، اتفاقًا، ثم بعد أن شُرع، هل كان فرض عين، أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعيّ. وقال الماورديّ: كان عينًا على المهاجرين، دون غيرهم، ويؤيّده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقّ كلّ من أسلم إلى المدينة؛ لنصر الإسلام. وقال السهيليّ:
стр. 13378
كان عينًا على الأنصار، دون غيرهم، ويؤيّده مبايعتهم النبيّ ﷺ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول اللَّه ﷺ ، وينصروه. فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفاية في حقّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقّ الطائفتين على التعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حقّ المهاجرين إذا أُريد قتال أحد من الكفّار ابتداءً، ويؤيّد هذا ما وقع في قصّة بدر، فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك. وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبيّ ﷺ ، دون غيرها.
والتحقيق أنه كان عينًا على من عيّنه النبيّ ﷺ في حقّه، ولو لم يخرُج.
(الحالة الثانية): بعده ﷺ ، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يَدْهَم العدوُّ، ويتعيّن على من عيّنه الإمام، ويتأدّى فرض الكفاية بفعله في السنة مرّة عند الجمهور، ومن حجّتهم أن الجزية تجب بدلاً عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرّة، اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك. وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ.
والذي يظهر أنه استمرّ على ما كان عليه في زمن النبيّ ﷺ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ئم صار إلى ما تقدّم ذكره.
والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفّار متعيّنٌ على كلّ مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. واللَّه أعلم انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي قول من قال بفرضية الجهاد على الكفاية، إلا إذا تعيّن على كلّ مكلّف، بأن هجم العدوّ، أو أمر الإمامُ شخصًا بعينه، أو جماعة بعينها؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتّفق عليه (٢): "وإذا استُنفرتم فانفروا"، فإنه صريح أنه لا يجب إلا إذا طلب الإمام النفير، أي الخروج إلى القتال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) أَبِي, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٤) الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ, وَأَصْحَابًا لَهُ, أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ, وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ, فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً, فَقَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ, فَلَا تُقَاتِلُوا» , فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ, أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ, فَكَفُّوا, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ
стр. 13379
﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ٧٧].
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بنِ الْحَسَنِ بنِ شَقِيق) المروزيّ ثقة، صاحب حديث [١١] ٢٢/ ٩٠٦. تفرّد به هو، والترمذيّ.
٢ - (أبوه) عليّ بن الحسن بن شقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] ٢٢/ ٩٠٦ من رجال الجماعة.
٣ - (الحسين بن واقد) أبو عبد اللَّه المروزيّ القاضي، ثقة، له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٤ - (عمرو بن دينار) الجُمَحي مولاهم الأثرم، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥.
٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور فى السند الماضى. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحن غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى حسين، وعمرو مكي، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -، أي من السابقين إلى الإسلام من أهل مكة (أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ) أي قبل أن يهاجروا. وهذا أيضًا مما أخذه ابن عباس من عبد الرحمن بن عوف، أو غيره ﵃، لأنه لم يحضر الواقعة (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ) أي قوّة، ومنعة، لا يتعرض لنا أحد بالأذيّة (وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم "كان" (فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً) أي بسبب تعرض قومهم الذين كانوا يُعَزّون بهم، فانقلبوا بالإذلال لهم، لدخولهم في الإسلام، لا سبب لهم إلا ذاك، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الآية [الحجّ: ٤٠].
стр. 13380
وغرض الصحابة بهذا الكلام التعريض في أن يسمح لهم بالقتال حتى يرتدع المشركون عن أذيّتهم (فَقَالَ) ﷺ (إِنِّي أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول (بالعَفْوِ) أي في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ الآية (فَلَا تُقَاتِلُوا) لعدم الأمر من اللَّه بذلك (فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى المَدِينَةِ) بتشديد الواو من التحويل، أي أمرنا بأن نتحوّل بالهجرة، إلى المدينة، فهاجرنا (أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ) ببناء الفعل للفاعل، أي أمرنا اللَّه تعالى (فَكَفُّوا) أي منعوا أنفسهم من القتال، أو امتنعوا عنه؛ لأن "كفّ" يتعدّى، ويلزم، قال الفيّومي: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب قتل: تركه، وكَفَفْته كفًّا: منعته، فَكَفَّ هو، يتعدّى، ولا يتعدّى انتهى (فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾) أي عن قتال المشركين (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾) الآية. [سورة النساء: ٧٧] فـ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلى آخر الآية مفعول "أنزل" محكيّ؛ لقصد لفظه.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: كان المؤمنون في ابتداء الإسلام، وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرّقون، ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها قلّة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوّهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دارٌ، ومنعةٌ وأنصارٌ، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودّونه جَزع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفًا شديدًا، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، أي لولا أخرت فرضه إلى مدّة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، وُيتّم الأولاد، وتَأيُّم النساء انتهى (١).
ثم إن الذين قالوا هذا الكلام فريق منهم، لا كلّهم، كما أشارت الآية إلى ذلك: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ الآية.
قال القرطبيّ في "تفسيره": وقال مجاهد: هم يهود (٢). وقال الحسن: هي في المؤمنين؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي مشركي مكة ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فهي على ما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على المخالفة. قال السدّيّ: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال، فلما فُرض كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين؛ والمعنى يخشون القتل من
стр. 13381
المشركين، كما يخشون الموت من اللَّه ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، أي عندهم، وفي اعتقادهم.
قال القرطبيّ: وهذا أشبه بسياق الآية؛ لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآية، ومعاذ اللَّه أن يصدر هذا القول من صحابيّ كريم يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر اللَّه، ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم ﵃، اللهمّ إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدّمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون، فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقّة، وتدركه فيه الشدّة. انتهى كلام القرطبيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ١/ ٣٠٨٧ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٢٩٣ وفي "التفسير" ١١١١٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوِ حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: قُلْتُ: عَنْ سَعِيدٍ؟ , قَالَ: نَعَمْ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح وَأَنْبَأَنَا (٢) أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ, قَالَا: حَدَّثَنَا (٣) ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ, وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ, وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ, أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ, فَوُضِعَتْ فِي يَدِي».
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: منا سبة هذا الحديث للترجمة غير واضحة، إذ ليس فيه ما يدلّ على وجوب الجهاد، فليتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
ورجال الإسنادين: عشرة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
стр. 13382
٣ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو القاضي المصري، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٤ - (معتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي، أبو محمد البصري، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٥ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٦ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠.
٧ - (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد ثقة، من كبار [٧] ٩/ ٩.
٨ - (الزهريّ) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٩ - (سعيد) بن المسيّب بن حزن الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] ٩/ ٩.
١٠ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن السند الأول إلى الزهريّ مسلسل بالبصريين، والثاني إليه أيضًا بالمصريين، ومنه بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهري، عن سعيد. (ومنها): أن سعيدًا من الفقهاء السبعة. وأن أبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله في السند الأول: "قال: قلت: عن سعيد؟ الخ" أي قال معمر: قلت للزهريّ، هل هذا الحديث عن سعيد بن المسيّب؟ فقال الزهريّ: نعم هو عن سعيد، حمال كونه راويًا له عن أبي هريرة ﵁. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِم) أي الكلم الجامعة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والجوامع جمع جامعة، قيل: يعني القرآن، جمع اللَّه تعالى في ألفاظ يسيرة منه معاني كثيرة، وكذلك كان ﷺ يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معاني كثيرة.
وفي "صحيح البخاري": قال أبو عبد اللَّه: "وبلغني أن جوامع الكلم أن اللَّه يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك" انتهى. وهذا التفسير منقول عن الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-، كما بينه في "الفتح" (١)،
قال: وحاصله أنه ﷺ كان يتكلّم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وجزم غير
стр. 13383
الزهريّ بأن المراد "بجوامع الكلم" القرآن بقرينة قوله: "بُعِثْتُ"، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ، واتساع المعاني انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأصحّ أن جوامع الكلم لا يختصّ بالقرآن، بل هو موجود في كلامه ﷺ ، فَمِمَّا ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، إلى غير ذلك.
ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "كلّ عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وحديث: "كلّ شرط ليس في كتاب اللَّه، فهو باطل". متّفق عليهما. وحديث أبي هريرة ﵁: "وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم". متّفق عليه. وحديث المقدام ﵁: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه … " الحديث. أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبّع.
وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرّف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تقلّ مخارج الحديث، وتتّفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أن تتّفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لأحدهم أنه واف به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلّق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما (٢) هو أحفظ منه أنه لم يوفّ بالمعنى. قاله في "الفتح" (٣).
(وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالرُّعْبِ) -بضم الراء، وسكون العين المهملة- أي الخوف.
وفي حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، المتّفق عليه، المتقدّم للمصنّف في "كتاب التيمم" رقم ٢٦/ ٤٣٢ - : "نُصرت بالرعب مسيرة شهر". وزاد في رواية أحمد من حديث أبي أمامة ﵁: "يُقذف في قلوب أعدائي". والمعنى أن اللَّه تعالى ألقى الخوف الشديد منه ﷺ في قلوب أعدائه بلا أسباب ظاهرة، وآلات عاديّة له، بل بضدّها، فإنه ﷺ كثيرًا ما يربط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكفرة مع ما عندهم من المتاع، والآلات، والأسباب في
стр. 13384
خوف شديد من بأسه ﷺ ، فلا يشكل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان ﵁ مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله ﷺ . قاله السنديّ (١).
وقال في "الفتح": قوله: "مسيرة شهر" مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدّة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: "ونُصرتُ على العدوّ بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر"، فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلده، وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال انتهى (٢). وقد تقدّم شرح حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - مستوفًى في "كتاب التميمم"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ) من الإتيان، وفي بعض نسخ البخاريّ: "أوتيت" بالواو بعد الباء، من الإيتاء، وهو الإعطاء، فتكون الباء على هذا زائدة في قوله (بمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) المراد منها ما يُفتح لأمته من بعده من الفتوح. وقيل: المعادن. وقال الخطابيّ: المراد بخزائن الأرض ما فُتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى، وقيصر، وغيرهما. ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضّة. وقال غيره: بل يُحمل على أعمّ من ذلك انتهى (٣). (فَوُضِعَتْ فِي يَدِي) وفي رواية: "في كفّي". قال القرطبيّ: هذه الرؤيا أوحى اللَّه فيها لنبيّه ﷺ أن أمته ستملك الأرض، ويتّسع سلطانها، ويظهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما علمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوته ﷺ ، ووجه مناسبة هذه الرؤيا أن من ملك مفتاح المغلق، فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه انتهى (٤).
(قَالَ أَبو هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو موصول بالسند المذكور أوّلاً (فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ) أي مات (وَأَنْتُم تَنْتَثِلُونَهَا) بمثناة، ثم نون ساكنة، ثم مثناة، بوزن تفتعلونها، أي تستخرجونها، وتنتفعون بها. وقال في "الفتح": ولبعضهم بحذف المثناة الثانية، من النَّثل -بفتح النون، وسكون المثلّثة-وهو الاستخراج، يقال: نَثَلَ كنانته - أي من باب ضرب-: استخرج ما فيها من السهام، وجِرابَه: نَفَضَ ما فيه، والبئرَ: أخرج
стр. 13385
ترابها، فمعنى تنتثلونها: تستخرجون ما فيها، وتتمتّعون به. قال ابن التين، عن الداوديّ: هذا هو المحفوظ في هذا الحديث. وقال النوويّ: يعني ما فُتح على المسلمين من الدنيا، وهو يشمل الغنائم، والكنوز، وعلى الأول اقتصر الأكثر. ووقع عند بعض رُواة مسلم بالميم بدل النون الأولى، وهو تحريف انتهى.
وفي رواية للبخاري في "كتاب الاعتصام" من "صحيحه": ما نصّة: "قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه ﷺ ، وأنتم تَلْغَثُونها، أو تَزغَثُونها، أو كلمة تشبهها". قال في "الفتح": فالأولى بلام ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ثم مثلّثة، والثانية مثلها، لكن بدل اللام راء، وهي من الرَّغْث، كناية عن سعة العيش، وأصله من رَغَثَ الجدي أمه: إذا ارتضع منها، وأرغثته هي: أرضعته، ومن ثم قيل: رُغُوث. وأما باللام، فقيل: إنه لغة فيها. وقيل: تصحيف. وقيل: مأخوذة من اللَّغِيث بوزن عَظِيم، وهو الطعام المخلوط بالشعير. ذكره صاحب "المحكم" عن ثعلب. والمراد يأكلونها كيما اتفق، وفيه بُعد. وقال ابن بطّال: وأما اللغث باللام، فلم أجده فيما تصفّحتُ من اللغة انتهى.
قال الحافظ: ووجدت في حاشية من كتابه هما لغتان صحيحان فصحيتان، معناهما الأكل بالنهم، وأفاد الشيخ مغلطاي عن كتاب "المنتهى" لأبي المعالي اللغويّ لغث طعامه، ولعث -بالغين، والعين، أي المعجمة، والمهملة-: إذا فرّقه، قال: الَّلِغيثُ ما يبقى في الكيل من الحبّ، فعلى هذا فالمعنى، وأنتم تأخذون المال، فتفرّقونه بعد أن تحوزوه، واستعار للمال ما للطعام؛ لأن الطعام أهمّ ما يُقْتَنَى لأجله المالُ، وزعم أن في بعض نسخ الصحيح، وأنتم تلعقونها -بمهملة، ثم قاف-. قال الحافظ: وهو تصحيف، ولو كان له بعض اتجاه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١/ ٣٠٨٨ و ٣٠٨٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٢٩٤ و ٤٢٩٥ و ٤٢٩٦ و ٤٢٩٧. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٩٧٧ و "التعبير" ٦٩٩٨ و ٧٠١٣ و "الاعتصام" ٧٢٧٣ (م) في "المساجد" ٥٢٣ (ت) في "السير" ١٥٥٣ (أحمد) في
стр. 13386
"مسند المكثرين" ٧٥٣١ و ٧٥٧٦ و ٨٨٩٦ و ٩٥٥٧ و ١٠١٣٩ واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما خصّ اللَّه نبيّه ﷺ بجوامع الكلم، حيث كان يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معان كثيرة. (ومنها): ما خصّه أيضًا من النصر على أعدائه بإلقاء الرعب في قلوبهم من مسافة بعيدة، فينهزمون بمجرّد سماعهم بقصده بغزوهم. (ومنها): ما أنعم اللَّه تعالى به عليه، من اتساع دينه، وانتشار أمته على مشارق الأرض ومغاربها. (ومنها): أنه ﷺ خرج من الدنيا، ولم يتناول من زخارفها شيئًا، إلا قدر الحاجة، مع أن اللَّه تعالى جعل في يده مفاتيح خزائن الأرض، بل كان ذلك لأمته بعده ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٨٩ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هارون بن سعيد) الأيليّ، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠] ٢٥/ ٢٤٨٨.
٢ - (خالد بن نزار) بن المغيرة بن سُليم الغسّانيّ مولاهم الأَيْليّ، صدوق يُخطىء [٩].
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغرب، ويُخطىء. وقال مسلمة بن قاسم: وثّقه ابن وضّاح. وقال ابن الجارود في كتاب "الآحاد": وخالد بن نزار أثبت من حَرَميّ بن عُمارة. وقال ابن سعد: مات سنة (٢٢٢). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، حديث الباب، وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "لا تُقطع اليد إلا في ثمن المِجَنّ، ثلث دينار" رقم ٤٩١٦.
٣ - (القاسم بن مبرور) الأيليّ، صدوق فقيه، من كبار [٧].
قال خالد بن نزار: قال مالك: ما فعل القاسم؟، فقلت: مات، قال: كنتُ أحسبه يكون خَلَفًا من الأوزاعيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن يونس: توفي بمكة سنة ع (٨) أو (١٠٩) وصلّى عليه الثوريّ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة خالد بن نزار، فقط.
٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ١/ ١.
والباقون تقدموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 13387
٣٠٨٩ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ, وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ, وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ, أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ, فَوُضِعَتْ فِي يَدِي»).
فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (كثير بن عُبيد) أبو الحسن المَذحِجيّ الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦.
٢ - (محمد بن حرب) الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبيديّ) -بضم الزي، مصغرًا - محمد بن الوليد، أبو الْهُذَيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٦.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٩١ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ, إِلاَّ بِحَقِّهِ, وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصَّدَفِيُّ، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٩٩.
والباقون تقدموا قريبًا، وكلهم رجال الصحيح.
والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في "كتاب الزكاة" - ٣/ ٢٤٤٣ - ودلالته على الترجمة هنا واضحة، حيث إنه دلّ على وجوب جهاد الكفّار حتى يدخلوا في الإسلام، وذلك بكلمة التوحيد، والتزام أحكام الشرع، فيكون المراد بقوله: "حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" كناية عن إظهار الإسلام، وقبوله، فيدخل فيه الشهادتان، والاعتراف بكلّ ما عُلم مجيئه ﷺ به. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13388
ثم إن قوله: "حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" إما أن يُحمل على أنه كان قبل شرع الجزية، أو على أن الكلام في العرب، وهم لا يُقبل منهم الجزية، وإلا فالقتال في أهل الكتاب يرتفع بالجزية أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ, وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ, قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ, كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ, وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ, إِلاَّ بِحَقِّهِ, وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» , قَالَ: أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ, فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ, وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا, كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا, فَوَاللَّهِ مَا هُوَ, إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ , قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ, وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٥/ ٥٦.
والباقون تقدموا قبل حديث. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله.
وقوله: "لما تُوفّي" بتشديد الفاء مبنيًّا للمفعول، وكذا قوله: "استُخلف".
وقوله: "وكفر" أي عامل معاملة من كفر، بسبب منعه الزكاة، أو لأنهم ارتدّوا بإنكار وجوب الزكاة عليهم. وقيل: إنهم حملوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] على الخصوص، بقرينة: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، فرأوا أن ليس لغيره أخذ الزكاة، فلا زكاة بعده.
وقوله: "كيف تقاتل الناس" أي من امتنع من الزكاة من المسلمين.
وقوله: "من فرق" بتشديد الراء، وتخفيفها، أي من قال بوجوب الصلاة، دون الزكاة، أو يفعل الصلاة، ويترك الزكاة.
وقوله: "فإن الزكاة حقّ المال" أشار به إلى دخولها في قوله ﷺ : "إلا بحقّه"، ولذلك رجع عمر إلى أبي بكر ﵁، وعلم أن فعله موافق للحديث، وأنه قد وُفّق به من اللَّه تعالى.
وقوله: "عناقًا" -بفتح العين المهملة، والنون، كسَحَابٍ-: هي الأنثى من ولد
стр. 13389
المعز. وهي ليست من سنّ الزكاة، فإما هو على المبالغة، أو مبنيّ على أن من عنده أربعون سَخْلَةً يجب عليه واحدة منها، وأن حول الأمهات حول النتاج، ولا يُستأنف لها حول.
وتقدّم في "كتاب الزكاة" -٣/ ٢٤٤٣ - بلفظ: "عِقَالاً" -بكسر العين المهملة- قال في "النهاية": أراد به الحبل الذي يُعقل به البعير الذي يؤخذ في الصدقة؛ لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع القبض بالرباط. وقيل: أراد ما يساوي عقالاً من حقوق الصدقة. وقيل: إذا أخذ المصدّق أعيان الإبل قيل: أخذ عقالاً، وإذا أخذ أثمانها قيل: أخذ نقدًا. وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال: أخذ المصدّق عقال هذا العام: إذا أَخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال بني فلان: إذا بُعث على صدقاتهم، واختاره أبو عُبيد، وقال: هو أشبه عندي بالمعنى. وقال الخطابيّ: إنما يُضرب المثل في مثل هذا بالأقلّ، لا بالأكثر، وليس بسائر في لسانهم أن العقال صدقة عام. وقد تقدّم تمام البحث فيه في "كتاب الزكاة".
وقوله: "ما هو إلا أن رأيت اللَّه الخ" أي ليس سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر إلا رؤيتي شرح اللَّه تعالى صدرَ أبي بكر بما ألهمه من وجه الصواب، فقال: فإن الزكاة حقّ المال الخ، فرجعت إليه؛ لوضوح الحقّ لي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٩٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُغِيرَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ح وَأَنْبَأَنَا (١) كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ, وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ, قَالَ عُمَرُ ﵁: يَا أَبَا بَكْرٍ, كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ, وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ, إِلاَّ بِحَقِّهِ, وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» , قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ, فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ, وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا (٢) , كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا, قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ, إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ , شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ, فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. -وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ-).
стр. 13390
رجال هذا الإسناد: ستة كلهم تقدّموا قريبًا غير:
١ - (أحمد بن محمد بن مغيرة) الأزديّ الحمصيّ، صدوق [١١] ٦٩/ ٨٥ من أفراد المصنّف.
و٢ - (عثمان بن سعيد) أبي عمرو الحمصيّ، ثقة عابدٌ [٩] ٦٩/ ٨٥ من أفراد المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه.
و٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥.
و٤ - (بقية) بن الوليد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
وكلهم من رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن محمد، فتفرد به، وعثمان بن سعيد، فأخرج له هو، وأبو داود، وابن ماجه، ومثله "كثير بن عُبيد" الحمصيّ المقرىء الثقة، و"بقيّة" علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعة، وهو وإن كان كثير التدليس، والتسوية، إلا أنه هنا ذكر متابعة لعثمان بن سعيد.
[تنبيه]: قوله: "واللفظ لأحمد" يعني أن سياق لفظ الحديث المذكور لشيخه أحمد ابن محمد بن مغيرة، وأما شيخه كثير بن عُبيد فرواه بالمعنى.
والحديث متّفق عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ, وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ -وَذَكَرَ آخَرَ- عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: لَمَّا جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ, فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ, كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ, وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَإِذَا قَالُوهَا, عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ, إِلاَّ بِحَقِّهَا» , قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ, وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا (١) , كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا, قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّهِ, مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى, قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ, فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (مؤمَّل بن الفضل) بن مجاهد، ويقال: ابن عُمير الحرّانيّ، أبو سعيد الجزريّ،
стр. 13391
صدوق [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة رضًا. وقال الآجريّ، عن أبي داود: أمرني النُّفيليّ أن أكتب عنه، وسألني أحمد بن حنبل عنه، وقال: زعموا أنه لا باس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (٢٢٩) وقيل: سنة (٢٣٠). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف حديث الباب، أخرجه هنا، وفي "كتاب تحريم الدم" برقم - ١/ ٣٩٧٦.
٣ - (الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة يدلس تدليس التسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
٤ - (سفيان بن عيينة) الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. والباقون تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: قوله: "وذكر آخر" هو من قول مؤمّل بن الفضل، يعني أن الوليد ذكر رجلاً آخر في السند مع شعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عُيينة شاركهما في رواية هذا الحديث عن الزهريّ، ولم أعرف الرجل المبهم.
وقوله: " جمع أبو بكر" من الجمع ثلاثيًّا: أي جمع الجيش. وفي نسخة: "أجمع" من الإجماع رباعيًّا، أي عزم.
والحديث متّفق عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ, أَبُو الْعَوَّامِ الْقَطَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ, قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ, كَيْفَ تُقَاتِلُ الْعَرَبَ, فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ». وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا, مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ, قَالَ عُمَرُ ﵁: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَأْىَ أَبِي بَكْرٍ, قَدْ شُرِحَ, عَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عِمْرَانُ الْقَطَّانُ, لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ, وَهَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ, وَالَّذِي قَبْلَهُ الصَّوَابُ, حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشار) بندار أبو بكر البصري، ثقة [١٠] ٤/ ٢٧.
٢ - (عمرو بن عاصم) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوق في حفظه شيء، من صغار [٩] ١٧/ ١٥٥٢.
٣ - (عمران، أبو العَوَّام القطّان) هو: ابن داوَر -بفتح الواو، آخره راء- البصريّ، صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج [٧] ٩/ ٤٦٦.
стр. 13392
٤ - (أنس بن مالك) الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: "فلما رأيت رأي أبي بكر الخ" هو بمعنى قوله السابق: "قد شرح صدر أبي بكر الخ، فأطلق الرأي على الصدر؛ لأن الرأي يصدر من القلب الذي محلّه الصدر. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن الخ" أشار المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام إلى أن حديث الزهريّ هذا من هذا الطريق خطأ، وإنما الصواب حديثه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة ﵁، ثم نسب الخطأ إلى عمران القطّان، لأنه ليس بالقويّ في الحديث.
والحاصل أن هذا الإسناد خطأ، وأما الحديث فصحيح، متّفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁، من الطرق التي ساقها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب، ومن غيرها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَأَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَمَنْ قَالَهَا, فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ, إِلاَّ بِحَقِّهِ, وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عُثمان بن سعيد بن كثير) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (أبوه) عثمان بن سعيد بن كثير، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥، وهو عثمان المذكور في السند الأول. والباقون تقدوا قريبًا، و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي برقم ٣٠٩١ - من هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٩٧ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَا: حَدَّثَنَا
стр. 13393
يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ حُمَيْدٍ (٢) , عَنْ أَنَسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ, وَأَيْدِيكُمْ, وَأَلْسِنَتِكُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (محمد بن إسماعيل) بن إبراهيم المعروف أبوه بـ "ابن عليّة" الدمشقيّ قاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٣ - (يزيد) بن هارون، أبو خالد الواسطيّ، ثقن متقنٌ عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٤ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٥ - (حُميد) بن أبي حميد المعروف بـ"الطويل"، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٦ - (أنس مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هدا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخيه، فالأول بغدادي، والثاني دمشقي، ويزيد، فواسطي. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢)(٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمرة مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنْسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: " جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ) أي قاتلوهم، وهو بظاهره يشمل الحرم، والأشهر الحرم، والبدء بالقتال. قال ابن الهمام: وقتال الكفّار الذين لم يُسلموا، وهم من مشركي العرب، أو لم يسلموا، ولم يُعطوا الجزية من غيرهم واجبٌ، وإن لم يبدءونا؛ لأن الأدلة الموجبة له لم تقيّد الوجوب ببدئهم؛ خلافًا لما نُقل عن الثوريّ، والزمان الخاصّ، كالأشهر الحرم، وغيرها سواءٌ؛ خلافًا لعطاء، ولقد استبعد ما عن الثوريّ، وتمسكه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩١]، فإنه لا يخفى عليه نسخه، وصريح قوله ﷺ في "الصحيحين": "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" الحديث، يوجب ابتداءهم بأدنى
стр. 13394
تأمّل، وحاصر ﷺ الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر المحرّم، أو إلى شهر. وقد استدلّ على نسخ الحرمة في الأشهر الحرم بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وهو بناء على التجوّز بلفظ: "حيث" في الزمان، ولا شكّ أنه كثير في الاستعمال. ذكره القاري (١) (بِأمْوَالِكُمْ) أي بتجهيز الغزاة (وَأَيْدِيكُمْ) أي بمباشرة القتل (وَأَلْسِنَتِكُم) أي بالدفاع عن الإسلام بذكر الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، ودحض حجج الكفار، وبالدعوة إليه بالحكمة، والموعظة الحسنة، وبالمجادلة بالحسنى، وحضّ الناس على الجهاد، وترغيبهم فيه، وبيان فضائله لهم.
وقال المنذريّ (٢): يحتمل أن يريد بقوله: "وألسنتكم" الهجاء، ويؤيّده قوله ﷺ لعمر ابن الخطّاب ﵁، لما أنكر على عبد اللَّه بن رواحة إنشاده بين يدي رسول اللَّه ﷺ في عمرة القضاء شعره في قريش، فقال ﷺ : "خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نّضحِ النَّبْل" (٣).
وقال المظهر: معنى قوله: "بألسنتكم"، أي جاهدوهم بها، بأن تذمّوهم، وتعيبوهم، وتسبّوا أصنامهم، ودينهم الباطل، وبأن تخوفوهم بالقتل، والأخذ، وما أشبه ذلك.
[فإن قلت]: هذا يخالف قول تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [الأنعام:١٠٨].
[قلت]: كان المسلمون يسبّون آلهتهم، فنهوا؛ لئلا يكون سبّهم سببًا لسبّ اللَّه تعالى، والنهي منصبّ على الفعل المعلّل، فإذا لم يؤدّ السب إلى سبّ اللَّه تعالى جاز انتهى.
وتعقّبه القاري، فقال: إنه سبب غالبيّ، وعدم كونه تسبّبًا أمر موهوم، فيتعيّن النهي، لا سيّما ومبنى الأحكام الشرعية على الأمور الأغلبية، مع أن حالة الاستواء، بل وقت الاحتمال يرجّح النهي.
نعم يمكن أن يكون النهي واردًا على أن يكون الابتداء من المؤمنين؛ لأنه ربما يكون سبّبًا لسبّهم، أما إذا كان الابتداء منهم فليس كذلك؛ لأن هذا الخوف في الذين غلب الجهل والسفه عليهم من الكفّار، أما أكثرهم، فيعظّمون اللَّه تعالى، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ
стр. 13395
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية: [يونس:١٨]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية [الزمر: ٣٨]. انتهى كلام القاري (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأولى حمل قوله ﷺ : "بألسنتكم" على الدعوة إلى الدين بإظهار محاسنه، وإقناع خصومه، والدفاع عنه بإظهار حججه، ودحض الشبه الواردة عليه من أعدائه، وأما سبّ الآلهة، فيكون عند الحاجة، كأن يسبّوا الله تعالى، أو النبيّ ﷺ ، أو القرآن، فيكون من باب المكافأة؛ حذرًا من الدخول في النهي الوارد في الآية السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٣٠٩٧ و ٤٨/ ٣١٩٣ - و"الكبرى" ٤٤/ ٤٣٩٩. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٠٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٨٣٧ و ١٢١٤٥ و ١٣٢٢٦ و"الدراميّ" في "الجهاد" ٢٤٣١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الجهاد. (ومنها): أن الجهاد يكون بالمال، وذلك بأن ينفقه في إعداد العُدّة، وتجهيز الجيوش، وباليد، وذلك بأن يقتل الكفّار بنفسه، وبالألسنة، وذلك بالدفاع عن الإسلام، وردّ أباطيل الكفار، وتفنيد آرائهم الفاسدة.
(ومنها): أن ظاهر أحاديث الباب تدلّ على وجوب قتال الكفّار من غير تقدّم دعوتهم، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاث مذاهب، حكاها المازريّ، والقاضي عياض:
(أحدها): وجوب الإنذار مطلقًا، قاله مالك بن أنس، وغيره، وهو ضعيف.
(الثاني): لا يجب مطلقًا، وهذا أضعف من الأول، بل باطلٌ.
(الثالث): يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحبّ، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصريّ، والثوريّ، والليث،
стр. 13396
والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور. قال ابن المنذر: وهو قول كثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحايث الصحيحة على معناه، فمنها حديث إغارة النبيّ ﷺ على بني المصطلق، وهم غارّون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى سبيهم. متفق عليه. (ومنها): حديث قتل كعب بن الأشرف. (ومنها): حديث قتل ابن أبي الحُقَيق، وكلاهما في "الصحيحين". أفاده النوويّ في "شرح مسلم" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الثالث هو الصحيح، كما صححه النوويّ، وغيره، لأن به تجتمع الأدلة.
وحاصله أن الكفار إن بلغتهم الدعوة، فيجوز الإغارة عليهم بلا إنذار، كما فعل النبيّ ﷺ على بني المصطلق،، وإلا فلا؛ لحديث بُريدة بن الحُصَيب ﵁ الآتي قريبًا: "وإذا لقيت عدوّك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا فاقبل منهم، وكفّ عنهم … " الحديث. فقد أمر ﷺ بالدعوة، فيحمل على من لم تبلغهم الدعوة، حتى تجمتع الأدلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ظاهر أحاديث الباب تدلّ على وجوب مقاتلة الكفّار، وإن دفعوا الجزية، لكن أخرج الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا أَمَّرَ أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه، في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيتَ عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم اللَّه الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة، والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا، فاستعن باللَّه، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة اللَّه، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة اللَّه، ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة أصحابك، فإنكم أن تُخفِروا ذممكم، وذمم
стр. 13397
أصحابكم أهون من أن تخُفِرُوا ذمةَ اللَّه، وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم اللَّه، فلا تنزلهم على حكم اللَّه، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم اللَّه، فيهم أم لا؟ ".
فهذا الحديث صريح في كونهم لا يقاتلون إذا بذلوا الجزية، وقد اختلف أهل العلم في جواز أخذ الجزية من الكفّار: فذهب مالك، والأوزاعيّ، وموافقوهما إلى جواز أخذها من كلّ كافر، عربيًا كان، أو عجميًا، كتابياً كان، أو مجوسيًّا، أو غيرهما. وذهب أبو حنيفة إلى أنها تؤخذ من جميع الكفّار إلا مشركي العرب، ومجوسهم. وذهب الشافعيّ إلى أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب، والمجوس، عربًا كانوا، أو عجمًا، واحتجّ الشافعيّ بمفهوم آية الجزية، وبحديث: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب"، وتأول حديث بُريدة على أن المراد بأخذ الجزية من أهل الكتاب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه مالك، من إطلاق جواز أخذ الجزية من جميع الكفّار، هو الأرجح؛ لإطلاق حديث بريدة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو منطوق، فيقدّم على مفهوم الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - (التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ)
٣١١٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) وُهَيْبٌ -يَعْنِي ابْنَ الْوَرْدِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ سُمَيٍّ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ مَاتَ, وَلَمْ يَغْزُ, وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ, مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عبدة بن عبدالرحيم) أبو سعيد المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٧ من أفراد المصنّف.
стр. 13398
٢ - (سلمة بن سليمان) المروزيّ، أبو سليمان، ويقال: أبو أيّوب المؤدّب، ثقة حافظ، كان يورّق لابن المبارك، من كبار [١٠].
قال أبو حاتم: من جلّة أصحاب ابن المبارك، وثقاتهم. وقال النسائيّ: ثقة. وقال أحمد بن منصور المروزيّ: حدثنا بنحو من عشرة آلاف حديث من حفظه، وقال: هل يمكن أحدًا منكم أن يقول: غلطت في شيء؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
مات سنة (١٩٦)، وقيل: (٢٠٣)، وقيل: (٢٠٤). أخرج له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٣ - (ابن المبارك) عبد اللَّه الإمام الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٤ - (وهيب بن الْوَرْد) -بفتح الواو، وسكون الراء- بن أبي الورد القرشيّ مولاهم المكيّ، أبو عثمان، أو أبو أميّة، يقال: اسمه عبد الوهاب، ووُهيب لَقَبه، ثقة عابد، من كبار [٧].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: كان من العبّاد، وله أحاديث، ومواعظ، وزهد. وقال إدريس بن محمد الرُّوذيّ: ما رأيت رجلاً أعبد منه. وقال قُتيبة، عن محمد بن يزيد بن خُنيس: كان الثوريّ إذا فرغ من الحديث قال: قوموا إلى الطبيب -يعني وُهيب بن الورد-. قال ابن المبارك: كان وُهيب يتكلّم، والدموع تقطر من عينيه. وقيل له: يجد طعم العبادة من يَعصي اللَّه تعالى؟ قال: لا، ولا من همّ بمعصية. وقال عبد اللَّه بن خُبيق، عن بشر بن الحارث: أربعة رفعهم اللَّه بطيب المطعم: وُهيب بن الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسَلْم الْخَوَّاص. وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: مكيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: وكان من العتاد المتجرّدين لترك الدنيا، مات سنة (١٥٣). روى له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٥ - (عُمَر بن محمد بن المنكدر) التيميّ المدنيّ، ثقة [٧].
قال النسائيّ: ثقة (١). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: إنه كان من العبّاد، وأنه مات من قرآن قُرىء عليه. وقال الأزديّ: في القلب منه شيء. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى "عَمْرو بن محمد بن المنكدر" بفتح
стр. 13399
العين، بدل "عُمر" بضمها، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (سُميّ) مولى أبي بكر بن الحارث المدنيّ الثقة [٦] ٢٢/ ٥٤٠.
٧ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ) أي لم يخرج للجهاد في سبيل اللَّه تعالى (وَلَمْ يُحَدِّث نَفْسَهُ بِغَزْوٍ) من التحديث، قيل: بأن يقول في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، أو المراد: ولم ينو الجهاد، وعلامته إعداد الآلات، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ الآية [التوبة: ٤٦] (مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ) -بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: أي خلق من أخلاق المنافقين. قيل: أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد.
وذكر مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد إخرج الحديث: ما نصّه: قال ابن سهم (١): قال عبد اللَّه بن المبارك: فنُرَى أن ذلك كان على عهد رسول اللَّه ﷺ انتهى (٢).
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- مفسّرًا كلام ابن المبارك هذا: ما نصّه: يعني حيث كان الجهاد واجبًا، وحمله على النفاق الحقيقيّ. ويحتمل أن يحمل على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كلّ من كان كذلك أشبه المنافقين، وإن لم يكن كافرًا. واللَّه تعالى أعلم (٣).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "نُرى" -بضمّ النون- أي نظن. وهذا الذي قاله ابن المبارك محتملٌ. وقد قال غيره: إنه عامٌ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الحديث على العموم هو الأولى؛ إذ لا دليل
стр. 13400
على تخصيصه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شُعَب النفاق. انتهى كلام النوويّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٢/ ٣٠٩٨ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٣٠٥. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٩١٠ (د) في "الجهاد" ٢٥٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تشديد الوعيد في ترك الجهاد في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها، لا يتوجّه عليه الذّم الذي يتوجّه على من مات، ولم ينوها.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكّن من الصلاة في أوّل وقتها، فأخّرها بنية أن يفعلها في أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخّر الحجّ بعد التمكّن إلى سنة أخرى، فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا؟. والأصح عندهم أنه يأثم في الحجّ، دون الصلاة؛ لأن الصلاة قريبة، فلا تنسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحجّ. وقيل: يأثم فيهما. وقيل: لا يأثم فيهما. وقيل: يأثم في الحجّ الشيخ دون الشابّ. واللَّه أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عدم الإثم فيهما هو الظاهر؛ لأنه موسع عليه في ذلك شرعًا؛ إذ الراجح أن الحجَّ على التراخي، وكذلك وقت الصلاة موسع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13401
٣ - (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ السَّرِيَّةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السّرّيّة": القطعة من الجيش، فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة؛ لأنها تَسري في خُفية، والجمع سَرَايا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة وعَطَايَا، وعَطِيّات. قاله الفيّوميّ.
وفي "القاموس": والسّريّة: من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، أو أربعمائة انتهى.
وفي "الفتح": "السريّة" من مائة إلى خمسمائة، فما زاد فمَنْسِرٌ، كمجلِسٍ، فإن زاد على ثمانمائة، فجيش، فإن زاد على أربعة آلاف فجيش جَرّار.
وفي "النهاية": "السريّة": طائفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعث إلى العدوّ، وجمعها السرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارَهم، من الشيء السَّرِيّ، وهو النفيس. وقيل: سُمّوا بذلك؛ لأنهم يَنفُذون سرًّا وخُفْية، وليس بالوجه؛ لأن لام السريّ راء، وهذه ياء انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٩٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ, عَنِ ابْنِ عُفَيْرٍ, عَنِ اللَّيْثِ, عَنِ ابْنِ مُسَافِرٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ, لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ (٢) , أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي, وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ, مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ, تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ, ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ, ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان) التجيبيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠.
٢ - (ابن عفير) هو سعيد بن كَثير بن عُفير -بالعين المهملة، والفاء، مصغّرًا- بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاريّ مولاهم، أبو عثمان المصريّ، نُسب لجدّه، صدوق عالم بالأنساب [١٠].
قال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق. وقال ابن
стр. 13402
عديّ: سعمت ابن حمّاد يقول: قال السعديّ: سعيد بن عُفير فيه غير لَوْن من البِدَع، وكان مُخَلِّطًا غير ثقة.
قال أبو أحمد بن عديّ: وهذا الذي قاله السعديّ لا معنى له، ولم أسمع أحدًا، ولا بلغني عن أحد في سعيد بن كثير بن عُفير كلام، وهو عند الناس صدوق ثقة، ولا أعرف سعيد بن عُفير غير المصريّ، ولم يُنسَب المصريّ إلى بِدَع، ولا إلى كذب. ورَوى له حديثين من رواية ابنه عُبيد اللَّه عنه، ثم قال: ولعل البلاء من عبيد اللَّه لأن سعيد بن عُفير مستقيم الحديث.
وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، لا بأس به. وقال النسائيّ: سعيد بن عُفير صالح، وابن أبي مريم أحبّ إليّ منه. وقال الحاكم: يقال: إن مصر لم تُخرِجْ أجمع للعلوم منه.
وقال ابن يونس: كان سعيد من أعلم الناس بالأنساب، والأخبار الماضية، وأيام العرب، ومآثرها، ووقائعها، والمناقب والمثالب، كان في ذلك كلّه شيئًا عجيبًا، وكان أديبًا فصيح اللسان، حسن البيان، لا تُملّ مجالسته، ولا يُنزَف علمه، وله أخبار مشهورة تركتها لشهرتها، وكان غير ظنين في جميع ذلك، ولد سنة (١٤٦)، وتوفّي سنة (٢٢٦).
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "القدر"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثُ الباب، وحديث رقم ٣٣٧٧٤ و ٣٣٨٨.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحجة المشهور [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ابن مسافر) هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ويقال: اسم جدّه ثابت بن مسافر، ويقال: غير ذلك، أبو خالد، ويقال: أبو الوليد الفَهْمِيّ، أمير مصر، صدوق [٧].
روى عن الزهريّ. وروى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب. قال ابن معين: كان على مصر، وكان عنده عن الزهريّ كتاب فيه مئتا حديث، أو ثلاثمائة، كان الليث يُحدّث بها عنه، وكان جدّه شَهِد فتح بيت المقدس مع عمر. وقال أبو حاتم: صالح.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال الذهليّ: ثبتٌ. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال الساجيّ: هو عندهم من أهل الصدق، وله مناكير. وقرنه النسائيّ في طبقات أصحاب الزهريّ بابن أبي ذئب وغيره. وقال ابن يونس: كانت ولايته على مصر سنة (١١٨) وعزل سنة (١٩) وكان ثبتًا في الحديث، يقال: توفّي سنة (١٢٧).
روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والمصنّف، وله
стр. 13403
عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واستشهد به مسلم في حديث واحد: "أرأيتكم ليلتكم هذه … " الحديث. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى ابن مسافر، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - رَأس المكثرين من الرواية روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت (وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ الفقيه الثبت الحجة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اَلله تعالى عنه - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) بفتح حرف المضارعة، من الطيب، و"أنفسهم" بالرفع على الفاعلية، أي لا تنشرح، ولا تنبسط، يقال: طابت نفسه تَطيب: انبسطت، وانشرحت (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي) أي يتأخروا عن الخروج معي (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ) من الجِمَال، والدوابّ، أي وفي مشيهم مشقّةٌ بالغة عليهم (مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ) أي ما تأخّرت، بل خرجت، ومشيت مع كلّ سرية (تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال الأولى، أي لأَحببتُ.
والنكتة في إيراد هذه الجملة عقب الجملة السابقة إرادة تسلية الخارجين في الجهاد على مرافقته لهم، وكأنه قال: الوجه الذي يسيرون له فيه من الفضل ما أتمنّى لأجله أني أُقتل مرّات، فمهما فاتكم من مرافقتي، والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله، أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. وقد خرج النبيّ ﷺ في بعض المغازي، وتخلّف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رجحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم. أفاده في "الفتح" (١).
(أَنِّي أُقْتَلُ) بالبناء للمفعول في الأفعال السبعة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: كيف ذلك مع أن الصحيح أن الكفار مخاطبون بالفروع، وقتل النبيّ كفر، فكيف يتمنّى وقوع الكفر في
стр. 13404
الوجود؟. قال: والجواب أن قتله ﷺ له اعتباران كونه كفرًا، واعتبار كونه سببًا لثواب الشهداء، وإنما تمنّاه من هذه انتهى (١).
وقال في "الفتح": استشكل بعض الشّرّاح صدور هذا التمنّي من النبيّ ﷺ مع علمه بأنه لا يقتل. وأجاب ابن التين بأن ذلك لعلّه كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية. وهو متعقّبٌ، فإن نزولها كان في أوائل ما قَدِم المدينةَ، وهذا الحديث صرّح أبو هريرة ﵁ بأنه سمعه من النبيّ ﷺ ، وإنما قَدِمَ أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة. والذي يظهر في الجواب أن تمنّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال ﷺ : "وددت لو أن موسى صبر … "، ونظائر ذلك، وكأنه ﷺ أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد، وتحريض المسلمين عليه. قال ابن التين: وهذا أشبه. قال الحافظ: وحكى شيخنا ابن الملقّن أن بعض الناس زعم أن قوله: "لوددت" مدرج من كلام أبي هريرة. قال: وهو بعيد. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٠٩٩ و ٣٠/ ٣١٥٢ و ٣١٥٣ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٣٠٦ و ٢٦/ ٤٣٥٩ و ٤٣٦٠. وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٣٦ و"الجهاد" ٢٧٩٧ و ٢٨٠٣ "التمنّي" ٧٢٢٦ و ٧٢٢٧ (م) "الإمارة" ١٨٧٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٩٨ و ٢٧٣٤٧ و ٢٧٥٤٨ و ٩١٩٢ و ١٠١٦٥ (الموطأ) في "الجهاد" ٩٩٩ و ١٠١٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الرخصة في التخلّف عن السريّة بسبب العذر. (ومنها): الحضّ على حسن النيّة. (ومنها): بيان شفقة النبيّ ﷺ على أمته، وشدّة رأفته بهم، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 13405
[التوبة:١٢٨]. (ومنها): استحباب طلب القتل في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): جواز قول: ودِدتُ حصول كذا من الخير، وإن علم أنه لا يحصل. (ومنها): ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة، أو أرجح، أو لدفع مفسدة. (ومنها): جواز تمنّي ما يمتنع في العادة. (ومنها): السعي في إزالة المكروه عن المسلمين. (ومنها): ما قيل: فيه أن الجهاد فرض كفاية، إذ لو كان على الأعيان ما تخلّف عنه أحد. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الخطاب إنما يتوجّه للقادر، وأما العاجز فمعذور، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآية [النساء: ٩٥]، وأدلّة كون الجهاد فرض كفاية تؤخذ من غير هذا انتهى. وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ)
٣١٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا, فَجِئْتُ, حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ, فَحَدَّثَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] , ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ, وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ, لَجَاهَدْتُ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ , وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي, فَثَقُلَتْ عَلَيَّ, حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَتُرَضُّ فَخِذِي, ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ: ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا, لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ, يَرْوِى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ, وَأَبُو مُعَاوِيَةَ, وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ, لَيْسَ بِثِقَةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة
стр. 13406
[١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
٢ - (بشر بن المفضّل) الرقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٢] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (عبد الرحمن بن إسحاق) القرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل البصرة، ويقال له: عَبّاد، صدوق رُمي بالقدر [٦] ١٠٠/ ٢٦١.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قريبًا.
٥ - (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس، له، ولأبيه صحبة مشهور - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، تقدّم في ٤٠/ ٧٣٤.
٦ - (مَرْوَانَ بْنُ الحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ أمير المدينة الذي صار بعد ذلك خليفة في آخر سنة (٦٤) ومات سنة (٦٥) في رمضان، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنة، ولا يثبت له صحبة، تقدّم في ١١٨/ ١٦٣.
٧ - (زيد بن ثابت) بن الضحّاك بن لَوذان الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم ﵁ مات سنة خمس، أو ثمان وأربعين. وقيل: بعد الخمسين، تقدّم في ١٢٢/ ١٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرحمن، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن تابعي، فإن سهلاً - رضي اللَّه تعالى عنه - صحابى، ومروان تابعيّ وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) كذا قال عبد الرحمن بن إسحاق، وتابعه صالح بن كيسان، كما يأتي في الرواية التالية، وخالفهما معمر، فقال: "عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت"، أخرجه أحمد. ولا يضرّ مثل هذا الاختلاف؛ لإمكان حمله على أن للزهريّ طريقين في هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) بن أبى العاص (جَالِسًا، فَجئْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فحَدَّثَنَا) قال الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث رواية رجل من الصحابة، وهو سهل بن سعد، عن رجل من التابعين، وهو مروان بن الحكم، ولم يسمع من
стр. 13407
رسول اللَّه ﷺ ، فهو من التابعين انتهى.
قال الحافظ: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة، والأولى ما قاله فيه البخاريّ: لم ير النبيّ ﷺ ، وقد ذكره ابن عبد البر في "الصحابة"؛ لأنه وُلد في عهد النبيّ ﷺ قبل عام أحد. وقيل: عام الخندق، وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة، فذكروا له ابن عمر، فقال: ليس ابن عمر بأفقه منّي، ولكنه أسنّ منّي، وكانت له صحبة. فهذا اعتراف منه بعدم صحبته، وإنما لم يسمع من النبيّ ﷺ ، وإن كان سماعه منه ممكنًا؛ لأن النبيّ ﷺ نفى أباه إلى الطائف، فلم يردّه إلا عثمان ﷺ لمّا استُخلف. وقد تقدّمت روايته عن النبيّ ﷺ في "كتاب الحجّ" في باب "إشعار الهدي" -٦٢/ ٢٧٧١ - وتقدّم هناك التنبيه على أن روايته تلك مرسلة، وباللَّه تعالى التوفيق.
(أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي رواية قَبيصة بن ذؤيب المذكورة: "كنت أكتب لرسول اللَّه ﷺ ، وفي رواية خارجة بن زيد، عن أبيه: "إني لقاعد إلى جنب النبيّ ﷺ ، إذ أوحي إليه، وغشِيَته السكينة، فوضع فخذه على فخذي، قال زيد: فلا واللَّه ما وجدت شيئًا قط أثقل منها". وفي حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ: "لما نزلت قال النبيّ ﷺ : ادع لي فلانًا، فجاءه، ومعه الدواة، واللوح، والكتف"، وفي رواية أخرى عنه: "دعا زيدًا، فكتبها".
قال الحافظ: فيجمع بينهما بأن المراد بقوله: "نزلت" كادت تنزل؛ لتصريح رواية خارجة بأن نزولها كان بحضرة زيد انتهى (١).
(فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكتُومٍ) وفي رواية قبيصة: "فجاء عبد اللَّه ابن أمّ مكتوم"، وعند الترمذيّ، من طريق الثوريّ، وسليمان التيميّ، كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء: " جاء عمرو ابن أم مكتوم"، وقد نبّه الترمذيّ على أنه يقال له: عبد اللَّه، وعمرو، وأن اسم أبيه زائدة، وأم مكتوم أمه انتهى. واسم أمه عاتكة.
وفي "التقريب": عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الأعمى الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه عبد اللَّه، ويقال: الحصين، كان النبيّ ﷺ استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقد تقدّمت ترجته في "كتاب الأذان" باب-٩/ ٦٣٧ - "المؤذنان للمسجد الواحد" (وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ) من أملّ عليه الكتاب، أي ألقى عليه ليكتب، "يقال: أمللتُ الكتابَ على الكاتب إملالاً: ألقيته عليه، وأمليته عليه -بالياء- إملاءً، والأولى لغة
стр. 13408
الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. قاله الفيّوميّ. والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه ﷺ يقرءها علي؛ لأكتبها (فَقَالَ) أي ابن أمّ مكتوم (يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجهَادَ) أي لو استطعت، وعبّر بالمضارع إشارةً إلى الاستمرار، واستحضارًا لصورة الحال. زاد في الرواية التالية: "وكان رجلاً أعمى"، وفي رواية خارجة: "فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد، ممن هو أعمى، وأشباه ذلك"، وفي رواية قبيصة: "فقال: إني أحبّ الجهاد في سبيل اللَّه، ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب بصري" (لَجَاهَدْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن فخذه ﷺ موضوعة على فخذي (فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) يعني أنه حدث في أعضائه ثقلٌ محسوسٌ، من ثقل الوحي النازل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزّمّل:٥] (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ ستُرَضُّ فَخِذِي) "أن" هنا مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والفعل بعدها مرفوع، أي أنه سترضُّ فخذي، وهو بتشديد الضاد المعجمة، أي ستُدقّ، وستكسر (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) -بضمّ المهملة، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، أي كُشف، وأزيل عنه ﷺ ، ما حلّ به من غشيان الوحي ﴿لَّا غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾) مفعول "فأنزل اللَّه "، فهو منصوب محلًّا، محكيّ لفظًا. وفي رواية قبيصة: (ثمّ قال: اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وزاد في رواية خارجة بن زيد: "قال زيدٌ بن ثابت: فواللَّه لكأني أنظر إلى مُلْحَقها عند صَدْعٍ كان في الكتف" (١).
وقوله: ﴿غير﴾ قرىء بالنصب، والرفع، وهما قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائيّ بنصبها، والباقون برفعها. وقُرىء في الشواذّ بجرّها، فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع، فعلى أنه وصفٌ لـ ﴿لقاعدين﴾، أو بدلٌ منهم، ومن جرّه، فعلى أنه وصف لـ ﴿لمؤمنين﴾، أو بدل منهم. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا) أي الذي ذُكر في هذا السند، راويًا عن الزهريّ، فـ"عبد الرحمن" مبتدأ، خبره قوله (لَيْسَ بهِ بَأْسٌ، وَعَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحارث، أبو شيبة الواسطيّ الأنصاريّ، ويقال: الكوفيّ، ابن أخت النعمان بن سعد، ضعيف من الطبقة السادسة (يَرْوِي عَنْهُ عَليُّ بْنُ
стр. 13409
مُسْهِرٍ) بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعد ما أضرّ [٨] ٥٢/ ٦٦ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠ (وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقة في حديثه عن الأعمش وحده مقال [٨] ٣/ ١٤٤٨ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ) بن حَبْتة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة، ثمّ مثنّاة، ويقال: آخره راء- أنصاريّ كوفيّ مقبول [٣] تفرّد به الترمذيّ (لَيْسَ بِثِقَةٍ) فقوله: "وعبد الرحمن الخ" مبتدأ خبره جملة "يروي الخ"، وجملة "ليس بثقة" خبر بعد الخبر، أو هي الخبر، وجملة "يروي" حال من المبتدا على رأي بعض النحاة. وقوله: "عن النعمان ابن سعد" متعلّق بمحذوف، حال من فاعل "يروي"، وهو ضمير "عبد الرحمن"، أي يروي هؤلاء عنه، حال كونه راويًا عن خاله النعمان بن سعد.
[تنبيه]: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام التمييز بين المتشابِهَينِ في الاسم، واسم الأب، حتى لا يوقع اشتباههما في الخطأ، فَيُردّ حديث صحيح، أو يُقبَل حديث ضعيف، إذ أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، كما بينه هنا، وهذا هو النوع المسمّى في مصطلح الحديث بـ"المتفق والمفترق"، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَاعْنَ بِمَا لَفْظَا وَخَطًّا يَتَّفِقْ … لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ قَدْ تَفْتَرِقْ
لَا سِيَّمَا إِنْ يُوجَدَا فِي الْعَصْرِ … وَاشْتَرَكَا شَيْخًا وَرَاوٍ فَادْرِ
ثمّ إن هذا الذي قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، من تقويته عبد الرحمن بن إسحاق الأول، وتضعيفه الثاني، قاله غيره، من أئمة الجرح والتعديل أيضًا، فأما الأول فقد وثّقه أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقد تقدّم نقل أقوالهم في - ١٠٠/ ٢٦١٨ - .
وأما الثاني، فإنه من رجال أبي داود، والترمذيّ، وليس له عند المصنّف شيء، وقد ضعّفه أحمد، وقال: ليس بشيء، منكر الحديث. وقال أيضًا: ليس بذاك، وهو الذي يُحدّث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير، والمدنيّ (١) أعجب إليّ من الواسطيّ.
وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء.، وقال ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وأبو داود، وابن حبّان: ضعيف. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بقويّ. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقال البزّار: ليس حديثه حديث حافظ. وذكره يعقوب
стр. 13410
ابن سفيان في "باب من يُرغب عن الرواية عنهم". وقال ابن عديّ: وفي بعض ما يرويه لا يُتابعه الثقات عليه. وقال العقيليّ: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: كوفيّ أصله واسطيّ، أحاديثه مناكير. وقال العجليّ: ضعيف، جائز الحديث، يُكتب حديثه (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٤/ ٣١٠٠ و ٣١٠١ و ٣١٠٢ و ٣١٠٣ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٣٠٧ و ٤٣٠٨ و ٤٣٠٩ و ٤٣١٠. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٨٣٢ و"التفسير" ٤٥٩٢ (م) في "الإمارة" ١٨٩٨ (ت) في "التفسير" ٣٠٣٣ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٠٩١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها) ة ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى على القاعدين منه. (ومنها): بيان سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نيّاتهم، إن كانت لهم نيّة صالحة، كما قال ﷺ : "ولكن جهاد ونيّة". (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفيه ردّ على من يقول: إنه كان في زمن النبيّ ﷺ فرض عين، وبعده فرض كفاية. والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شُرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] انتهى (٢). (ومنها): بيان سبب نزول الآية. (ومنها): جواز تأخير التخصيص بغير المستقلّ لمصلحة، ولازمه جواز الاستثناء المتأخّر، والجمهور على خلافه. (ومنها): مشروعية اتخاذ الكاتب، وتقريبه. (ومنها): جواز تقييد العلم بالكتابة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.