الباب الماضي.
والحاصل أن الأولى أن لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال؛ اتباعًا لما ثبت من فعله ﷺ ، وأما عدم إجزائه قبل الزوال فمحلّ نظر، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢٢ - (النَّهْيُ عَنْ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)
٣٠٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, عَلَى حُمُرَاتٍ, يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا, وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ, لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١١] ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد بن أبي عمران ميمون الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت إمام فقيه [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢.
٥ - (الحسن العُرَنيّ) -بضم العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون- هو: ابن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ ثقة، أرسل عن ابن عباس [٤].
قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: صدوقٌ ليس به بأس، إنما يقال: إنه لم يسمع من أبن عباس. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وقال أحمد ابن حنبل: الحسن العُرَنيّ لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. وحديثه عند البخاريّ مقرون بغيره. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند
стр. 13337
المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم -٢٢٢/ ٣٠٦٥ و ٢٣١/ ٣٠٨٥ و ٢٣/ ٥١٩٩.
٦ - (ابن عبّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: سلمة، عن الحسن، وهو من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب) تصغير أغلمة، والمراد الصبيان، ولذا صغّرهم، وهو بالنصب بدل من الضمير في "بعثنا"، وقال القاري: نصبه على الاختصاص، أو على إضمار "أعني"، أو عطف بيان لضمير "بعثنا".
قال في "النهاية": "أُغَيلمة" تصغير أَغْلِمة، جمع غُلام في القياس، ولم يَرِد في جمعه أَغْلِمَة، وإنما قالوا: غِلْمَة، ومثله أُصَيبية، تصغير صِبْيَة، ويريد بالأغيلمة الصبيانَ، ولذلك صغّرهم انتهى (١).
وقالط الخطّابيّ: هو تصغير الغِلْمَة، وكان القياس غُلَيمة، لكنهم ردّوه إلى أَفْعِلَة، فقالوا: أُغَيلمة، كما قالوا: أُصيبية، في تصغير صِبْية. وقال الجوهريّ: الغلام جمعه أَغْلِمَة، وإن كانوا لم يقولوه (عَلَى حُمُرَاتٍ) جمع مؤنث سالم لحُمُر، متعلّق بحال محذوف، أي حال كوننا راكبين على حمرات (يَلْطَحُ) بفتح الياء التحتيّة، والطاء المهملة، بعدها حاء مهملة- من اللطح، وهو الضرب الخفيف. قال أبو داود في "سننه": اللَّطْحُ: الضرب الليّن. وقال في "النهاية": هو الضرب الخفيف بالكفّ، وليس بالشديد (٢) (أَفْخَاذَنَا) بفتح الهمزة، جمع فخذ (وَيَقُولُ: "أُبيْتِيَّ) بضم الهمزة، وفتح الموحّدة، وسكون المثنّاة التحتانيّة، ثم نون مكسورة، ثم ياء مشدّدة.
قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختُلف في صيغتها، ومعناها، فقيل: إنه تصغير أَبْنَى، كأَعْمَى، وأُعَيمَى، وهو اسم مفرد، يدلّ على الجمع. وقيل: إن ابنًا
стр. 13338
يُجمع على أبناء مقصورًا، وممدودًا. وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عُبيد: هو تصغير بَنِيَّ، جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظة في الحديث أُبَيْنِيّ، بوزن سُرَيْجِيّ، وهذه التقديرات على اختلاف الروايات انتهى (١).
وقال الحافظ السيوطيّ في "شرحه" لهذا الكتاب بعد نقل كلام صاحب "النهاية": قال ابن الحاجب في "أماليه": قوله ﷺ : "أُبيني لا ترموا جمرة العقبة … "، الأولى أن يقال: إنه تصغير بَنِيّ مجموعًا، وكان أصل "بنيّ" بُنيّون، أضفته إلى ياء المتكلّم، فصار بُنَيّويَ في الرفع، وبُنيي في النصب والجرّ، فوجب أن تُقلب الواو ياء، وتُدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربيّ، وكذلك النصب والجرّ، ولذلك كان لفظ "ضاربيّ" في الأحوال الثلاث سواءً، كرهوا اجتماع الياءات، والكسرة، فقلبوا اللام إلى موضع الفاء، فصار أُبينيّ، وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء، وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال في قلب الواو المضمومة همزة، وهو جائزٌ قياسًا، وهذا أولى من قول من يقول: إنه تصغير أبناء، رُدّ إلى الواحد، وروعي مشاكلة الهمزة؛ لأنه لو كان تصغيره لقيل: أُبَيْنَاي، ولم يُردّ إلى الواحد؛ لأن أفعالاً من جمع القلّة، فتصغّر من غير ردّ، كقولك: أُجيمال، وهو أيضًا أولى من قول من قال: إنه جمع أبنا، مقصورًا على وزن أَفعَل، اسم جمع للأبناء، صُغّر، وجمع بالواو والنون؛ لأنه لا يعرف ذلك مفردًا، فلا ينبغي أن يُحمل الجمع عليه، ولأنه لا يُجمَع أفعل اسمًا جمع التصحيح انتهى ما كتبه السيوطيّ في "شرحه" (٢).
(لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، حَتَى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) فيه دليلٌ على أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس، وإن كان الرامي ممن أُبيح له التقدّم إلى منى، وأُذن له في عدم المبيت بالمزدلفة، لكن الأرجح أن هذا محمول على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى الآتية قريبًا التي تبيح الرمي قبله، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان، تتعلّقان بحديث الباب:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
[فإن قلت]: قد تقدّم أن الحسن الْعُرَنيّ لم يسمع من ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى
стр. 13339
عنهما، كما سبق في ترجمته، فكيف يصحّ مع هذا الانقطاع؟.
[قلت]: إنما صحّ بمجموع طرقه المتعدّدة، فقد رواه البخاريّ في "التاريخ الصغير"، وأحمد، والترمذيّ، والطحاويّ من طريق مقسم، عن ابن عبّاس بمعناه، وزيادة ونقص، وصحّحه الترمذيّ وغيره.
وقال الحافظ في "الفتح": بعد ذكر حديث الباب: هو حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والطحاويّ، وابن حبّان، من طريق الحسن العرَنيّ عن ابن عباس، وأخرجه الترمذيّ، والطحاويّ من طريق الحكم، عن مقسم، عنه. وأخرجه أبو داود من طريق حبيب، عن عطاء (١)، وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، ومن ثمّ صححه الترمذيّ، وابن حبّان انتهى. وقد تقدّم تخريجه في - ٢٠٨/ ٣٠٣٣ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أول وقت الرمي:
اعلم أنهم اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة للضعفة، وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه:
فذهبت أسماء بنت أبي بكر، وعكرمة، وخالد، وطاوس، والشعبيّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، إلى أن أول الوقت الذي يجزىء فيه رمي جمرة العقبة، هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستُدلّ لهم بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي في الباب التالي، وحديثها عند أبي داود بإسناد صحيح، قالت: أرسل النبيّ ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون عندها رسول اللَّه (٢) ﷺ . ويعتضد بما رواه الخلّال من طريق سليمان ابن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: قدّمني رسول اللَّه ﷺ فيمن قدّم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. كذا ذكره ابن القيّم.
وذهب جماعة إلى أن أول وقته بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحبّ بعد طلوع الشمس، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس، وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، واستدلّ لهم بما رواه الطحاويّ بسنده عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يُفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا إلا مصبحين، وفي رواية أن رسول اللَّه ﷺ بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار
стр. 13340
حتى تصبحوا.
وذهب النخعيّ، ومجاهد، والثوريّ، وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدىء من بعد طلوع الشمس، فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس. واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور في الباب، قالوا. إذا كان من رُخّص له مُنع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخّص له أولى.
وذهب بعضهم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو اختيار ابن القيّم. واستدلّ لذلك بما تقدّم عن أسماء - رضي اللَّه تعالى - عنها - أنها رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، وقالت: إن رسول اللَّه ﷺ أذن في ذلك للظعن، والحديث في "الصحيحين".
فهذا صريح في أنها رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وقد صرّحت بأنه ﷺ أذن في ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور. واستدلّ لذلك أيضًا بحديث ابن عمر عند الشيخين أنه كان يقدّم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون اللَّه ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدَم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول اللَّه ﷺ .
وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل النبيّ ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر؛ لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح ما ذهب إليه الأولون من جواز الرمي قبل طلوع الشمس، ويُحمَل حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين أحاديث أسماء، وعائشة، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم - المتقدّمة، فالمستحبّ أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، ولو رمى قبله أجزأه؛ لهذه الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٦٦ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَدَّمَ أَهْلَهُ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ).
стр. 13341
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو الثوريّ. و"حبيب": هو ابن أبي ثابت. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
والحديث صحيح، ولا يضرّه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وإن وُصف بالتدليس؛ لتعدد طرقه، كما مرّ في الحديث الماضي، فيتقوّى بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢٣ - (الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ للِنِّسَاءِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن النهي الوارد في حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضي من الرمي قبل طلوع الشمس خاصّ بغير النساء؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، لكن قدمتُ أن الأولى الجمع بين الحديثين بحمل النهي على الاستحباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٦٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيُّ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ, عَنْ خَالَتِهَا عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ إِحْدَى نِسَائِهِ, أَنْ تَنْفِرَ مِنْ جَمْعٍ, لَيْلَةَ جَمْعٍ فَتَأْتِىَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, فَتَرْمِيَهَا, وَتُصْبِحَ فِي مَنْزِلِهَا, وَكَانَ عَطَاءٌ يَفْعَلُهُ حَتَّى مَاتَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عبد الأعلى بن عبد الأعلى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦.
٣ - (عبد اللَّه بن عبد الرحمن) بن يعلى بن كعب الطائفيّ، أبو يعلى الثقفيّ، صدوق يخطىء، ويَهِم [٧].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ليس بِقويّ، لين
стр. 13342
الحديث، بابهُ طلحة بن عمرو، وعبد اللَّه بن المؤمّل، وعُمر بن راشد. وقال النسائيّ: ليس بذاك القويّ، ويُكتب حديثه. وقال عثمان الدراميّ، عن ابن معين: ضعيف. وقال في موضع آخر: صُويلح. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال البخاريّ: مقارب الحديث. وحكى ابن خلفون أن ابن المدينيّ وثّقه. وقال ابن عديّ: يروي عن عمرو بن شعيب، أحاديثه مستقيمة، وهو ممن يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: طائفيّ يُعتبر به. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم حديثًا واحدًا: "كاد أمية أن يسلم"، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنف حديث الباب فقط، وابن ماجه.
٤ - (عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشيّ المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه التيمية، أم عمران المدنيّة، وهي بنت أم كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -، ثقة [٣] ٥٦/ ١٩٤٧.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن عبد الرحمن، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَمَرَ إِحْدَى نِسَائِهِ) يحتمل أن تكون سودة - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنْ تَنْفِرَ مِنْ جَمْعٍ) أي من المزدلفة إلى منى (لَيْلَةَ جَمْعٍ) أي الليلة العاشرة من ذي الحجة، وهي ليلة النحر (فَتَأْتِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَتَرْمِيَهَا، وَتْصْبِحَ فِي مَنْزِلِهَا) فيه جواز الرمي قبل طلوع الشمس، وقد تقدم بيان الخلاف فيه في الباب الماضي (وَكَانَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح (يَفْعَلُهُ) أي ما ذكر من التقدّم ليلاً، والرمي قبل الصباح (حَتَّى مَاتَ) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا حسن من أجل الكلام في عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفيّ، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -، أخرجه هنا -٢٢٣/ ٣٠٦٧ - وفي "الكبرى" ٢٢٨/ ٤٠٧٢. واللَّه تعالى أعلم
стр. 13343
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢٤ - (الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَسَاءِ)
٣٠٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُسْأَلُ أَيَّامَ مِنًى, فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» , فَسَأَلَهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ , قَالَ: «لَا حَرَجَ» , فَقَالَ رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ , قَالَ: «لَا حَرَجَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (خالد) بن مهران الحذّاء، أبو المنازل -بفتح الميم، وقيل: بضمها- البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧/ ٦٣٤.
٤ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، بربريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (ابن عبّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول (أيَّامَ مِنًى، فَيَقُولُ: "لَا حَرَجَ) أي لا ضيق عليك في ذلك (فَسَأَلَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ في شرح حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما -: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد، ولا على اسم أحد ممن سال في هذه القصّة، قال: وهم
стр. 13344
جماعة، لكن في حديث أسامة بن زيد عند الطحاويّ وغيره: "كان الأعراب يسألونه"، وكأن هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم. انتهى (١).
(فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟) وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، عنه: "أن رسول اللَّه ﷺ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجلٌ: لم أشعُر، فحلقت، قبل أن أذبح … ".
قال في "الفتح" قوله: "لم أشعر" أي لم أفطن، يقال: شعرت بالشيء شعورًا: إذا فطِنت له. وقيل: الشعور العلم. ولم يفصح في رواية مالك بمتعلّق الشعور، وقد بينه يونس عند مسلم، ولفظه: "لم أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرتُ قبل أن أرمي"، وقال آخر: "لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر"، وفي رواية ابن جريج: "كنت أحسب أن كذا قبل كذا". وقد تبيّن ذلك في رواية يونس، وزاد في رواية ابن جريج: "وأشباه ذلك". ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ عند مسلم: "حلقت قبل أن أرمي"، وقال آخر: "أفضت إلى البيت قبل أن أرمي". وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا.
فحاصل ما في حديث عبد اللَّه بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، والأوليان في حديث ابن عباس أيضًا، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس أيضًا السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاويّ، وفي حديث عليّ عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطحاويّ السؤال عن الرمي، والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي علّقه البخاريّ، ووصله ابن حبان، وغيره السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف (٢).
(قَالَ: "لَا حَرَجَ") وفي رواية البخاريّ: "اذبح، ولا حرج" أي لا ضيق عليك في ذلك. (فَقَالَ: رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟) أي دخلت في المساء، وهو يُطلق على ما بعد الزال إلى أن يشتدّ الظلام (قَالَ: "لَا حَرَجَ") أي لا ضيق عليك في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 13345
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٢٤/ ٣٠٦٨ - وفي "الكبرى" ٢٢٩/ ٤٠٧٣. وأخرجه (خ) في "العلم" ٨٤ و"الحج" ١٧٢١ و ١٧٢٢ و ١٧٢٣ و ١٧٢٤ و ١٧٢٥ و"الأيمان والنذور" ٦٦٦٦ (م) في "الحج" ١٣٠٧ (د) في "المناسك" ١٩٨٣ (ق) في "المناسك"٣٠٤٩ و ٣٠٥٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الرمي بعد المساء. (ومنها): أن أعمال يوم النحر الأربعة مرتّبة، إذ لو لم تكن مرتّبة لا معنى للسؤال عن تقديم بعضها على بعض، وترتيبها رمز إليه بعضهم بقوله: "رَذَ حَط"، فالراء الرمي، والذال الذبح، والحاء الحلق، والطاء الطواف. (ومنها): جواز تقديم الحلق قبل الذبح، وإن كان في الترتيب أن يقدّم الذبح على الحلق. (ومنها): أن التَّرْتِيب بين أعمال يوم النحر مستحبّ، لا حرج على من قدم شيئًا على آخر، ولا فدية على القول الراجح، كما سيأتي قريبًا. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من تعليم أمته أحكام دينهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. (ومنها): اهتمام الصحابة ﵃ في تعلّم أحكام دينهم من النبيّ ﷺ ، ولا سيما أعمال الحجّ، كما حثّهم النبيّ ﷺ عليه بقوله: "لتأخذوا عني مناسككم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تقديم أعمال يوم النحر بعضها على بعض:
(اعلم): أن وظائف يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، كما تقدم الرمز إليه بـ"رذ حط".
وفي حديث أنس في "الصحيحين": "أن النبيّ ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها، ثم أتى منزله بمنى، فنحر، وقال للحالق: خذ"، ولأبي داود: "رمى، ثم نحر، ثم حلق".
وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، إلا أن ابن الجهم المالكيّ استثنى القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف، كأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخّر فيها الحلق عن الطواف. وردّ عليه النوويّ بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك.
واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، فأجمعوا على الإجزاء في ذلك، كما
стр. 13346
قاله ابن قُدامة في "المغني"، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع.
وقال القرطبيّ: رُوِيَ عن ابن عباس، ولم يثبت عنه أن من قدّم شيئًا على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعيّ، وأصحاب الرأي انتهى.
قال الحافظ: وفي نسبة ذلك إلى النخعيّ، وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك، إلا في بعض المواضمع كما سيأتي.
قال: وذهب الشافعيّ، وجمهور السلف، والعلماء، وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز، وعدم وجوب الدم؛ لقوله للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن اسم الضيق يشملهما. قال الطحاويّ: ظاهر الحديث يدلّ على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيًا، أو جاهلاً، وأما من تعمّد المخالفة، فتجب عليه الفدية.
وتُعُقّب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبيّنه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة، ولا يجوز تأخيره.
وقال الطبريّ: لم يُسقط النبيّ ﷺ الحرج، إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحجّ، كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه جاهلاً، أو ناسيًا، لكن يجب عليه الإعادة، والعجب ممن يحمل قوله: "ولا حرج" على نفي الإثم فقط، ثم يخصّ ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض من تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج.
وأما احتجاج النخعيّ، ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: فمن حلق قبل الذبح أهراق دمًا عنه. رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح.
فقد أجيب عنه بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحلّ ذبحه فيه، وقد حصل، وإنما يتمّ ما أراد أن لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا.
واحتجّ الطحاويّ أيضًا بقول ابن عباس: "من قدّم شيئًا من نسكه، أو أخّره، فليهرق لذلك دما"، قال: وهو أحد من روى أن لا حرج، فدلّ على أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط.
وأجيب بأن الطرق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، فإن ابن أبي شيبة أخرجها، وفيها إبراهيم بن مهاجر، وفيه مقال، وعلى تقدير الصحة، فيلزم من يأخذ بقول ابن
стр. 13347
عباس أن يوجب الدم في كلّ شيء من الأربعة المذكورة، ولا يخصّه بالحلق قبل الذبح، أو قبل الرمي.
وقال ابن دقيق العيد: منع مالك، وأبو حنيفة تقديم الحلق على الرمي والذبح؛ لأنه حينئذ يكون حلقًا قبل وجود التحلّلين، وللشافعيّ قول مثله، وقد بني القولان له على أن الحلق نسكٌ، أو استباحة محظور، فإن قلنا: إنه نسك جاز تقديمه على الرمي وغيره؛ لأنه يكون من أسباب التحلّل. وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فلا، قال: وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلّل؛ لأن النسك ما يثاب عليه، وهذا مالك يرى أن الحلق نسك، ويرى أنه لا يقدّم على الرمي مع ذلك.
وقال الأوزاعيّ: إن أفاض قبل الرمي أهراق دمًا. وقال عياض: اختلف عن مالك في تقديم الطواف على الرمي، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجب عليه إعادة الطواف، فإن توجّه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم. قال ابن بطال: وهذا يخالف حديث ابن عباس، وكأنه لم يبلغه انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تقديم بعض أعمال يوم النحر على بعض، وعدم وجوب الفدية في ذلك هو الحقّ؛ لظاهر الأحاديث، والذين أوجبوا الفدية، أو الإعادة لبعضها فليس عندهم حجة مقنعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): زاد في حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - في آخره عند البخاريّ: "فما سُئل عن شيء قُدّم، ولا أخر، إلا قال: "افعل، ولا حرج". وفي رواية لمسلم، وأحمد: "فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما يُنسى، أو يُجهل، من تقديم لعض الأمور على بعض، أو أشباهها، إلا قال: "افعلوا ذلك، ولا حرج".
واحتُجّ به على أن الرخصة تختصّ بمن نسي، أو جهل، لا بمن تعمّد، قال صاحب "المغني": قال الأثرم، عن أحمد: إن كان ناسيًا، أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فلا؛ لقوله: "لم أشعُر". وأجاب بعض الشافعيّة بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو، كالترتيب بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي (١)، وأما ما وقع في حديث أسامة بن شريك، فمحمول على من سعى بعد
стр. 13348
طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف، أي طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد، وعطاء، فقالا: لو لم يطف للقدوم، ولا لغيره، وقدّم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه. أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه.
وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دلّ على وجوب اتباع الرسول في الحجّ بقوله: "خذوا عني مناسككم". وهذه الأحاديث المرخّصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: "لم أشعر"، فيختصّ الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحجّ. وأيضًا فالحكم إذا رُتّب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز اطراحه، ولا شكّ أن عدم الشعور وصف مناسبٌ لعدم المؤاخذة، وقد عُلّق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسّك بقول الراوي: "فما سئل عن شيء قُدّم الخ" فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مُراعى. فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلّق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدلّ على أحد الخاصّين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد. انتهى كلام ابن دقيق العيد بتصرّف (١)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: عندي أنّ قولَ الجمهور بعدم وجوب الترتيب بين الأعمال الأربعة هو الحقّ؛ لإطلاق الأحاديث، وأما قول السائل: "لم أشعُر" فلا يقيّد إطلاق النصّ، ولا سيما بعض الأحاديث ليس فيه هذا القيد، كحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب، وحديث أسامة بن شريك عند أبي داود بإسناد صحيح، ولفظه: "قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجا، فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول اللَّه، سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا، أو أخرت شيئا، فكان يقول: "لا حرج لا حرج، إلا على رجل، اقترض عرضَ رجل مسلم، وهو ظالم، فذلك الذي حَرِجَ، وهلك".
فإنه ظاهر في أن أسامة ﵁ سمع الناس يسألون النبيّ ﷺ ، ولم يقيّده بمن نسي، أو جهل، كما هو نصّ حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
والحاصل أن الأرجح جواز تقديم بعض الأعمال على بعضها يوم النحر، مطلقًا، سواء كان نسيانًا، أم عمدًا؛ لظاهر الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13349
٢٢٥ - (رَمْيُ الرُّعَاةِ)
٣٠٦٩ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ, أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا, وَيَدَعُوا يَوْمًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢ - (محمد بن المثنَى) العنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزمن، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٣ - (سفيان) بن عُيينة المذكور قبل بابين.
٤ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] مات سنة (١٣٥هـ) وهو ابن سبعين سنة، تقدم في - ١١٨/ ١٦٣.
٥ - (أبوه) أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يُكنى أبا محمد، ثقة عابد [٥] مات سنة (١٢) وقيل: غير ذلك، تقدم في ١١٨/ ١٦٣.
٦ - (أبو البدّاح) -بفتح الموحّدة، وتشديد المهملة،، وآخره مهملة- ابن عاصم بن عديّ الْبَلَويّ، من بَلِيّ بن الحاف بن قضاعة، حليفُ الأنصار، يقال: اسمه عديّ، ثقة [٣].
روى عن أبيه. وعنه ابنه عاصم، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعبد الملك بن اْبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال ابن سعد عن الواقديّ: أبو البدّاح لقب غلب عليه، ويُكنى أبا عمرو، توفّي سنة (١١٠هـ) في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن (٨٤) سنة، وكان ثقة، قليل الحديث. وقيل: مات سنة (١١٧) وقيل: (١١٩). وحكى ابن عبد البر أن له صحبة. قال الحافظ: وهو غلط. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (أبوه) عاصم بن عديّ بن الْجَد -بالجيم- ابن العجلان بن حارثة بن ضُبيعة العجلاني القُضَاعيّ، أخو معن ابن عديّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عمرو، حليف الأنصار. شهد أحدًا، وكان رسول اللَّه ﷺ استعمله على أهل قباء، وأهل العالية، فلم يشهد بدرًا، وضرب له بسهمه، وهو الذي أمره عويمر العجلانيّ أن يسأل له عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً. روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه سهل بن سعد، وعامر الشعبيّ، وابنه
стр. 13350
أبو البدّاح بن عاصم بن عديّ. قال ابن حبّان: مات في ولاية معاوية، وهو ابن (١١٥) سنة. وقال ابن سعد، وأبو عليّ بن السكن: مات سنة (٤٠هـ). ويقال: إن عاصم بن عديّ العجلانيّ غير عاصم والد أبي البَدّاح، وكذا فرّق بينهما أبو القاسم البغويّ. روى له الأربعة حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي البدّاح، وأبيه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه الثاني أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فا لأول مروزيّ، والثاني بصريّ، وسفيان فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن عن أبيه مرّتين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي البَدَّاح بْنِ عَدِيٍّ) البَلَويّ العجلانيّ (عَنْ أَبِيهِ) عاصم بن عديّ البلويّ العجلانيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، رَخَّصَ) أي جوّز، وأباح (لِلرُّعَاةِ) جمع راع، أي الجماعة الذين يرعون الإبل. وفي الرواية التالية: "رخّص للرعاة في البيوتة" أي رخّص لهم في البيتوتة خارج منى، أو في ترك البيتوتة، والمعنى أباح لهم ترك المبيت بمنى ليالي أيام التشريق؛ لكونهم مشغولين برعي الإبل، وحفظها، فلو أخذوا بالْمُقام والبيتوتة بمنى ضاعت أموالهم. قال الباجيّ: قوله: "رخّص" يقتضي أن هناك منعًا خُصّ هذا منه؛ لأن لفظ الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخصّ من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذرًا في الكون مع الظهر الذي لا بدّ من مراعاته، والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يقتضي أن هناك منعًا إلخ" فيه نظر، إذ مجرد الاحتمال في مثل هذا لا يكفي، فلابد من نهي صريح عن المبيت بغير منى حتى نقول بوجوبه. وقد أجاد أبو محمد بن حزم ﵀ حيث قال: ومن لم يبت ليالي منى بمنى فقد أساء، ولا شيء عليه، إلا الرعاء، وأهل السقاية، فلا نكره لهم المبيت في غير منى، بل للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، ثم أورد حديث الباب، ثم قال:
[فإن قيل]: إن إذنه للرعاء، وترخيصه لهم، وإذنه للعباس دليل على أن غيرهم بخلافهم. [قلنا]: لا، وانما كان يكون هذا لو تقدم منه ﵇ أمر بالمبيت والرمي فكان يكون هؤلاء مُسْتَثْنَينَ من سائر من أمروا، وأما إذا لم يتقدم منه ﵇ أمر فنحن ندري أن هؤلاء
стр. 13351
ماذون لهم، وليس غيرهم مأمورًا بذلك، ولا منهيًا، فهم على الإباحة. انتهى "المُحَلَّى" جـ٧ ص١٨٤ - ١٨٥. وهو بحث نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا) أي يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم، فيبيتوا عندها، ويدعوا يوم النفر الأول، ثم يأتوا في اليوم الثالث، فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني، مع رمي اليوم الثالث.
وفيه تفسير ثانِ، وهو أنهم يرمون جمرة العقبة، ويدَعُون رمي اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من أيام التشريق، فيرمون ما فاتهم، ثم يرمون عن ذلك اليوم، كما تقدّم، وكلاهما جائز. أفاده في "نيل الأوطار" (١).
فال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التفسير الثاني هو الذي تؤيّده الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عاصم بن عديّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢٥/ ٣٠٦٩ و٣٠٧٠ - وفي "الكبرى" ٢٣٠/ ٤٠٧٤ و٤٠٧٥ وأخرجه (د) في، "المناسك" ١٩٧٥ و ١٩٧٦ (ت) في "الحج" ٩٥٤و٩٥٥ (ق) في "المناسك" ٣٠٣٤٩ و ٣٠٥٠ و ٣٠٣٧ (الموطأ) في "الحج" ٩٣٥ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- بعد إيراده حديث الباب: ما نصّه: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول اللَّه ﷺ لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار، فيما نُرَى -واللَّه اْعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه، ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفْرُ، فقد فَرَغُوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفْر الآخر، ونفروا انتهى (٢).
وقال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمون فيه، فكان مالك يقول: يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من
стр. 13352
الغد، وذلك يوم النفْرِ الأول، يرمون لليوم الذي مضى، ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنه لا يقضي أحدٌ شيئًا حتى يجب عليه. وقال الشافعيّ نحوًا من قول مالك. وقال بعضهم: هم بالخيار، إن شاءوا قدّموا، وإن شاءوا أخّروا. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه بعضهم من التخيير بين التقديم، والتأخير هو الأرجح؛ لظاهر الحديث، فإن الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا صريحة في ذلك؛ ولفظها: "يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعده يجمعونهما في أحدهما". والمعنى أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة كسائر الحجاج، فلا يُرخّص لهم بتركه، أو تأخيره إلى يوم آخر. وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر، وهما الحادي عشر، والثاني عشر، فيُرخص لهم أن يجمعوهما في يوم واحد، فيرمون في اليوم الأول الذي يلي يوم النحر، جمع تقديم، أو يرمون في اليوم الثاني الذي هو يوم النفر الأول، جمعَ تأخير.
والحاصل أنهم بالخيار، إن شاءوا رموا يوم القَرّ له، ولما بعده؛ تقديمًا، وإن شاءوا أخّروا، فرموا يوم النَّفْر الأول ليومين تأخيرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ, يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ, وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ, يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى": هو القطّان. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة.
وقوله: "في البيتوتة" أي في شأنها، أو في تركها.
وقوله: "يرمون يوم النحر" جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، تقديره: ما هو ترخيصه في البيتوتة، فأجاب بقوله: يرمون يوم النحر الخ. ويحتمل أن يكون حالاً من "الرعاة". واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "واليومين الخ" بالنصب عطفًا على "يوم النحر". وقوله: "يجمعونهما" جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13353
٢٢٦ - (الْمَكَانُ الَّذِي تُرْمَى مِنْهُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ)
٣٠٧١ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي مُحَيَّاةَ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ- قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ, مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ, قَالَ: فَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي, ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا, وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ, رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو المحيأَ) -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانيّة، وآخره هاء- يحيى ابن يعلى بن حَرْمَلَة التيميّ الكوفيّ، ثقة [٨].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال مطيّن: مات سنة (١٨٠ هـ) وهو ابن (٩٦) سنة فيما أُخبِرتُ. روى له مسلم، والترمذيّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٣ - (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢.
٤ - (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] مات سنة (٨٣ هـ) وتقدم في ٣٧/ ٤١.
٥ - (عبد اللَّه بن مسعود) الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ-) النخعيّ، أنه (قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى، وليست من منى، بل هي حدّ منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبيّ ﷺ الأنصار
стр. 13354
عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمُجتَمَع الحصى، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها، يقال: تجمّر بنو فلان: إذا اجتمعوا. وقيل: إن العرب تسمّي الحصى الصغار جمارًا، فسمّيت تسمية الشيء بلازمه. وقيل: لأن آدم، أو إبراهيم ﵉ لما عرض له إبليس، فحصبه، جَمّر بين يديه، أي أسرع، فسمّيت بذلك (١) (مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ) مخالفين للسنة (قَالَ) عبد الرحمن (فَرَمَى عَبْدُ اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - (مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) أي من أسفله؛ اتباعًا للسنة، كما بينه بقوله (ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - (مِنْ هَهُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) يعني النبيّ ﷺ . وفي الرواية التالية "رمى عبد اللَّه الجمرة بسبع حصيات، جعل البيت عن يساره، وعرفة عن يمينه". وفي رواية البخاريّ: " جعل البيت عن يساره، ومنًى عن يمينه".
وفي رواية الترمذيّ من طريق أبي صخرة، عن عبد الرحمن بن يزيد: "لما أتى عبد اللَّه جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة". قال الحافظ: والذي قبله هو الصحيح، وهذا شاذّ، في إسناده المسعوديّ، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعيّ من الشافعيّة بأنه يستقبل الجمرة، ويستدبر القبلة. وقيل: يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه. وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف في الأفضل (٢).
قال ابن المنيّر: خَصّ عبد اللَّه سورة البقرة بالذكر لأنها التي ذُكر فيها الرمي، فأشار إلى أن فعله ﷺ مبيّنٌ لمراد كتاب اللَّه تعالى.
قال الحافظ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحجّ مذكورٌ فيها، فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك، منبّهًا بذلك على أن أفعال الحجّ توقيفيّةٌ.
وقيل: خصّ البقرة بذلك؛ لطولها، وعظم قدرها، وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يُشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 13355
حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخبرجه هنا -٢٢٦/ ٣٠٧١ و ٣٠٧٢ و ٣٠٧٣ و ٣٠٧٤ - وفي "الكبرى" ٢٣١/ ٤٠٧٦ و ٤٠٧٧ و ٤٠٧٨ و ٤٠٧٩. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٧٤٧ و ١٧٤٨ و ١٧٤٩ و ١٧٥٠ (م) في "الحجّ" ١٢٩٦ (د) في "المناسك" ١٩٧٤ و ٣٠٣٠ (ت) في "الحجّ" ٩٠١ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٥٣٨ و ٣٧٣١ و ٣٨٦٤ و ٣٩٣١ و ٤٠٧٨ و ٤١٠٦ و ٤١٣٩ و ٤٣٤٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان المكان الذي تُرمَى منه جمرة العقبة، وهو بطن الوادي، وقد بين في الرواية التالية صفته إذا رمَى، وهو أن يجعل البيت عن يساره، وعرفة عن يمينه. (ومنها): جواز الحلف للتأكيد، وإن لم يُستحلف. (ومنها): أن الرمي يكون بسبع حصيات، لا بأقلّ من ذلك، وسيأتي بيان الخلاف في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز قول: "سورة البقرة"، وما نُقل عن الحجّاج بن يوسف، كما سيأتي قريبًا، فمن أخطائه، فلا يلتفت إليه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من مراعاة أحوال النبيّ ﷺ في كلّ حركةٍ، وهيئةٍ، ولا سيّما في أعمال الحجّ. (ومنها): مشروعيّة التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن من لم يكبّر، فلا شيء عليه.
[فائدة]: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، عن أبيه في هذا الحديث، عن ابن مسعود ﵁ أنه لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال: "اللَّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا". قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٢ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ, وَمَالِكُ بْنُ الْخَلِيلِ, قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنِ الْحَكَمِ, وَمَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ الْجَمْرَةَ, بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ, وَعَرَفَةَ عَنْ يَمِينِهِ, وَقَالَ هَا هُنَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا, قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْصُورٌ, غَيْرَ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
стр. 13356
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه:
١ - (مالك بن الخليل) الأزدي اليحمديّ، أبي غَسَّان البصريّ، قيل: إن اسم جدّه بشر بن نَهِيك، صدوق، من كبار [١١].
قال النسائيّ، ومسلمة: لا بأس به، وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث يعلى بن أمية برقم -٤٧٦٣ - "يعضّ أحدكم أخاه، كما يعضّ البكر … ".
و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم البصريّ الحافظ.
وقوله: "ومنصور" بالجرّ عطفًا على "الحكم"، فما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطه بالرفع ضبطَ قلم، غلطٌ، فليُتنبّه. ومنصور: هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو النخعيّ.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: ما أعلم الخ" أراد به أن ذكر "منصور" في هذا السند تفرّد به ابن أبي عديّ من بين من رواه عن شعبة، فإنهم رووه، عنه عن الحكم فقط.
وقوله: "منصور" هكذا نسخ "المجتبى" بدون "عن"، والظاهر أنه مجرور على الحكاية، وذكره الحافظ المزيّ في "تحفة الأشراف" -٧/ ٨٢ نقلاً عن المصنّف بلفظ "عن منصور". واللَّه تعالى أعلم
وقوله: "غير" بالنصب صفة لـ"أحدًا".
ثم إن غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام -واللَّه أعلم- بيان الاختلاف في ذكر "منصور" في السند، ولا يعني بذلك تضعيف الحديث، كما لا يخفى.
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ مُغِيرَةَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ, رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, مِنْ بَطْنِ الْوَادِي, ثُمَّ قَالَ: هَهُنَا, وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"مجاهد بن موسى": هو الخُتّليّ البغداديّ. و"هشيم": هو ابن بشير الواسطيّ. و"مغيرة": هو ابن مقسم الضبّيّ الكوفيّ. وإبراهيم": هو النخعيّ.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 13357
٣٠٧٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: لَا تَقُولُوا: سُورَةُ الْبَقَرَةِ, قُولُوا: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ, فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ, أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ, حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ, وَاسْتَعْرَضَهَا -يَعْنِي الْجَمْرَةَ- فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, وَكَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ, فَقُلْتُ: إِنَّ أُنَاسًا يَصْعَدُونَ الْجَبَلَ, فَقَالَ: هَهُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ, رَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ رَمَى).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ. و"ابن أبي زائدة": هو يحيى بن زكريا. وقوله: "سمعت الحجاج" هو ابن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم المبير، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة (٩٥هـ).
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يقصد الأعمش الرواية عنه، فلم يكن بأهل لذلك، وإنما أراد أن يحكي القصّة، ويوضّح خطأ الحجاج فيها بما ثبت عمن يُرجع إليه في ذلك، بخلاف الحجاج، وكان يرى إضافة السورة إلى الاسم، فردّ عليه إبراهيم النخعيّ بما رواه عن ابن مسعود من الجواز انتهى.
وقوله: "فاستعرضها": أي أتاها من جانبها عَرْضًا. قاله ابن الأثير (٢).
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, وَذَكَرَ آخَرَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، محمد ابن آدم الجهنيّ المصّيصيّ، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وقد وثّقه هو، وغيره. و"عبد الرحيم": هو ابنُ سليمان المروزيّ، ثم الكوفيّ الثقة. و"عبيد اللَّه بن عمر": هو العمريّ الثبت المدنيّ.
وقوله: "وذكر آخر" الضمير الفاعل لعبد الرحيم: أي ذكر عبد الرحيم رجلاً آخر قبل عبيد اللَّه، قلت: لم أعرفه.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدم تخريجه في - ٥١/ ٢٤٠ - ووجه مناسبته للباب أن الحديث مختصر من حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل الذي فيه بيان محلّ رمي
стр. 13358
جمرة العقبة، وسيأتي ذلك في الباب التالي، ولفظه: "رمى من بطن الوادي". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى,, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْمِى الْجِمَارَ, بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يحيى": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢٧ - (عَدَدُ الْحَصَى الَّتِي يُرْمَى بِها الْجِمَارُ)
قوله: "يُرمى" بالبناء للمجهول، و"الجمار" بالرفع نائب فاعله.
٣٠٧٧ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ, بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا, حَصَى الْخَذْفِ, رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي, ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، إبراهيم بن هارون البلخيّ العابد، فإنه من أفراده،، وأخرج له الترمذيّ في "الشمائل"، وقد وثّقه المصنّف، وقال مرّة: لا بأس به.
وقوله: "عند الشجرة" هذا يدلّ على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة. وقد روى ابن أبي شيبة، عن الثقفيّ، عن أيوب، قال: "رأيت القاسم، وسالمًا، ونافعًا، يرمون من الشجرة". ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود: "أنه كان إذا جاوز الشجرة رمى العقبة من تحت غصن من أغصانها".
وقوله: "حصى الخذف" على حذف مضاف، أي مثل حصى الخذف، أي الرمي.
стр. 13359
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٣٠٧٨ - (أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ, قَالَ: قَالَ: مُجَاهِدٌ, قَالَ: سَعْدٌ: رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ, مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ, فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"يحيى بن موسى": هو الكوفيّ الثقة، الملقّب بـ"ختّ". و"ابن أبي نجيح": هو عبد اللَّه بن أبي نَجِيح يسار المكيّ الثقة. و"سعد": هو ابن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢٢٧/ ٣٠٧٨ - وفي "الكبرى" ٢٣٢/ ٤٠٨٣. وأخرجه أحمد في "مسند العشرة" ١٤٤٢، قال: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا ابن أبي نجيح، قال: سألت طاوسا عن رجل رمى الجمرة، بست حصيات؟ فقال: ليُطعِم قبضة من طعام، قال: فلقيت مجاهدا، فسألته؟ وذكرت له قول طاوس، فقال: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، أما بلغه قول سعد بن مالك، قال: رمينا الجمار، أو الجمرة، في حجتنا مع رسول اللَّه ﷺ ، ثم جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميت بست، ومنا من قال: رميت بسبع، ومنا من قال: رميت بثمان، ومنا من قال؟ رميت بتسع، فلم يروا بذلك بأسا.
وفيه تصريح ابن أبي نجيح، بسماعه من مجاهد، فانزاحت عنه تهمة التدليس. والحديث يدلُّ على عدم وجوب سبع حصيات، لكن سيأتي الجواب عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ, يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ, فَقَالَ: مَا أَدْرِي رَمَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِتٍّ, أَوْ بِسَبْعٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"أبو مِجْلَز" بكسر الميم، وسكون الميم-: هو لاحق بن حُميد السَّدُوسيّ البصريّ الثقة.
والحديث صحيح الإسناد، لكنه غريب لمخالفته لما صحّ عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من قوله: إنه ﷺ رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا-٢٢٧/ ٣٠٧٩ - وفي "الكبرى" ٢٣٢/ ٤٠٨٤.
стр. 13360
وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩٧٧ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٥١٢. واللَّه تعالى أعلم.
[مسالة]: في اختلاف أهل العلم في وجوب الرمي بسبع حصيات:
ذهب أكثر العلماء إلى أن رمي الجمرة لا بدّ أن يكون بسع حصيات، وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بستّ فلا شيء عليه، وبه قال أحمد، وإسحاق، واحتُجَّ لهم بحديثي سعد بن أبي وقّاص، وابن عباس ﵃ المذكورين في الباب.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أن الواجب السبع، كما صحّ عن النبيّ ﷺ ، من حديث ابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم ﵃.
وأجيب عن حديث سعد ﵁ بأنه ليس مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ ، وعن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه ورد على الشكّ من ابن عباس، وشكّ الشاكّ لا يقدح في جزم الجازم، وقد ثبت لدينا أن ﷺ أنه رماها بسبع حصيات، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم".
ثم إن الجمهور -فيما حكاه القاضي عياض- ذهبوا إلى أنه إن رماها بأقلّ من سبع حصيات، لزمه دم، وهو قول مالك، والأوزاعيّ. وذهب الشافعيّ، وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مدًّا من طعام، وفي اثنتين مدّين، وفي ثلاث فأكثر دمًا. وللشافعيّ قول آخر أن في الحصاة ثلث دم، وله قول آخر أن في الحصاة درهمًا. وذهب أبو حنيفة، وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث، فعليه دم، وإن ترك أقلّ من نصفها، ففي كلّ حصاة نصف صاع. وعن طاوس: إن رمى ستًا يُطعم تمرة، أو لقمة.
وذكر الطبريّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهنّ بعد أن يكبّر عند كلّ جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، كما جُعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد. وذكر يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز، والنوى يُسَبَّح به؟ قال: حسن. قد كانت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات.
وقال الحكم، وحماد: من نسي جمرة، أو جمرتين، أو حصاتين يُهريق دمًا. وقال عطاء: من نسي شيئًا من رمي الجمار، فذكر ليلاً، أو نهارًا، فيلزمه ما نسي، ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق، فِعليه دم، وهو قول الأوزاعيّ. وقال مالك: إن نسي حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمي، ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة.
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في كلٍّ مرّةً واحدةً، فقال الشافعىّ: لا يجزيه، إلا
стр. 13361
عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًّا. وقال عطاء: تجزيه عن السبع. وهو قول أبي حنيفة، كما في سياط الحدّ سوطًا سوطًا، ومجتمعة، إذا علم وصول الكلّ إلى بدنه.
قال العينيّ: هذا الذي ذُكر عن أبي حنيفة ذَكَره صاحب "التوضيح"، وذكر في "المحيط": ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رَمْيةً واحدةً، فهي بمنزلة حصاة، وكان عليه أن يرمي ستّ مرات. قال: العمدة في النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الرمي بسبع حصيات واجب؛ لثبوته عنه ﷺ قولاً وفعلاً، وأما ما ذكروه من إيجاب دم أو نحوه في ترك شيء منه، فيحتاج إلى دليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢٨ - (التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ)
٣٠٨٠ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ , فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي, حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه هارون ابن إسحاق، فإنه من رجال الأربعة، وقد وثّقه هو وغيره.
و"حفصٌ": هو ابن غياث بن طلق النخعيّ الكوفيّ القاضي الثقة الفقيه.
و"عليّ بن الحسين": هو المعروف بـ"زين العابدين" الثقة الثبت العابد الفقيه الفاضل المشهور، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، وهو والد محمد الباقر الراوي عنه في هذا السند، وتقدّم في ٧٨/ ٩٥.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه في -٢٠٤/ ٣٠٢١، ودلالته على الترجمة واضحة، فإن قوله: "يكبّر مع كلّ حصاة" صريح في استحباب التكبير مع رمي كلّ
стр. 13362
حصاة. قال في "الفتح": وأجمعوا على أن من لم يكبّر، فلا شيء عليه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢٩ - (قَطْعُ الْمُحْرِمِ التَّلْبِيَةَ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ)
٣٠٨١ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ خُصَيْفٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَمَا زِلْتُ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي, حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, فَلَمَّا رَمَى قَطَعَ التَّلْبِيَةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هناد بن السريّ) المذكور قبل بابين.
٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (خُصيف (٢) بن عبد الرحمن) أبو عون الجزريّ، صدوق سيّىء الحفظ، وخلط بآخره، ورمي بالإرجاء [٥] ٩٥/ ١٣٥٣.
٤ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١.
٦ - (الفضل بن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٧/ ٦٥٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير خصيف، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَباسٍ) - رضي اللَّه
стр. 13363
تعالى عنهما (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) -بكسر الراء، وسكون الدال المهملة-: هو الراكب خلف الر اكب، كالمُرْتَدِف، والرَّدِيف، والرُّدَافَى. قاله في "القاموس" (فَمَا زِلْتُ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي) حال من المفعول، أي حال كونه ملبيًا (حَتَّى رَمَى جَمْرةَ الْعَقَبَةِ، فَلَمَّا رَمَى قَطَعَ التَّلْبيَةَ) هذا ظاهر في أن وقت قطع التلبية هو تمام رمي جمرة العقبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده خُصيف بن عبد الرحمن، وهو مختلف فيه؟.
[قلت]: قد رواه ابن خزيمة في "صحيحه" بإسناد آخر صحيح، كما سيأتي قريبًا، وأيضا له شواهد من حديث ابن مسعود ﵁، وغيره، فهو صحيح، وقد سبق تخريجه في -٢٠٤/ ٣٠٢١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي تُقطع فيه التلبية:
ذهب الجمهور إلى ما دلّ عليه حديث الباب، فقالوا: يستمرّ على التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، وبعدها يشرع في التحلّل، روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه كان يقول: "التلبية شعار الحجّ، فإذا كنت حاجًّا، فلَبِّ حتى بدء حلّك، وبدء حلّك أن ترمي جمرة العقبة". وروى سعيد بن منصور، من طريق ابن عباس، قال: "حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يُلبّي حتى رمى جمرة العقبة". وباستمرارها قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأتباعهم.
وذهبت طائفة إلى أن المحرم يقطع التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة.
وذهبت طائفة إلى أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف. رواه ابن المنذر-، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ ﵃، وبه قال مالك، وقيّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعيّ، والليث، وعن الحسن البصريّ مثله، لكن قال: "إذا صلّى الغداة يوم عرفة"، وهو بمعنى الأول. وقد روى الطحاويّ بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "حججت مع عبد اللَّه، فلما أفاض إلى جمع جعل يلبّي، فقال رجل: أعرابّي هذا؟، فقال عبد اللَّه: أنسي الناس، أم ضلّوا؟ "، وأشار الطحاويّ إلى أن كلّ من رُوي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها
стр. 13364
للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع في ذلك بين ما اختلف من الآثار.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي ذهب إليه الجمهور من استمرار التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة هو الحقّ؛ لصحة الأحاديث بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم أيضًا، في أنه هل تقطع التلبية مع أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟:
ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب أحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى الثاني، ويدلّ لهم حديث الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب، قال الإمام ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديث عن محمد بن حفص الشيبانيّ، عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضل، قال: "أفضت مع النبيّ ﷺ في عرفات، فلم يزل للبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبّر مع كلّ حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاةٌ" (١): ما نصّه: فهذا الخبر يصرّح أنه قطع التلبية مع آخر حصاة، لا مع أولها. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أحمد، وبعض الشافعيّة من أن قطع التلبية عند تمام الرمي هو الحقّ؛ لصحة حديث الفضل ﵁ المذكور عند ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٨٢ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ, عَنْ مُجَاهِدٍ, وَعَامِرٍ, وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء بن هلال": هو أبو عمرو الرّقيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف.
و"حسين": هو ابن عيّاش بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجَدّائيّ، ثقة [١٠] ٥/ ١٤٨٤ من أفراد المصنّف أيضًا.
و"أبو خيثمة": هو زُهير بن معاوية بن حُدَيج الحافظ الثبت الكوفيّ.
وقوله: "عن مجاهد، وعامر، عن سعيد بن جبير الخ" هكذا نسخ "المجتبى"، وأما
стр. 13365
في "الكبرى"، فنصّه هكذا: "حدثنا خُصيف، عن مجاهد، وسعيد بن جبير الخ" بإسقاط "وعامر"، وعطف "سعيد" على "مجاهد"، وهو الموافق للسند السابق، فإن مجاهدًا هناك يرويه عن ابن عباس مباشرة.
وذكر في هامش "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى-" - ٨/ ٢٦٧ - ٢٦٩ - في ترجمة "عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس": ما نصّه: وقع في هذا الإسناد في "المجتبى"، وكذلك في "كتاب أبي القاسم بن عساكر" هكذا: "عن خصيف، عن مجاهد وعامر، عن سعيد بن جُبير. وقال أبو القاسم في آخره: كذا في "كتابي" "خصيف، عن مجاهد وعامر"، قال: وفي رواية ابن حيّويه: "خصيف، عن مجاهد، وعطاء، وسعيد"، وهو الصواب انتهى. قلت: وكذا في رواية ابن الأحمر أيضًا على الصواب انتهى ما في هامش "تحفة الأشراف".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر هذا الكلام يدلّ على أن قوله: "وعامر" مصحّف من عطاء، وهو ابن أبي رباح، وأن "عن" في قوله: "عن سعيد" مصحّفة عن الواو، فسعيد عطف على مجاهد، وعطاء، فالثلاثة كلهم يروون عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
أما كون "عامر" مصحّفًا، فإن لم يثبت الحديث من رواية خصيف عن الشعبيّ، وهو عامر، فصحيح، وأما تصحيف "عن" عن الواو فهو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٨٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ, خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ, أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي, حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. وغير:
١ - (عليّ بن معبد) بن شدّاد الرَّقيّ، نزيل مصر، ثقة فقيه، من كبار [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة. وذكر ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. وقال ابن يونس: مروزيّ الأصل، قَدِمَ مصر مع أبيه، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وروى عن محمد بن الحسن "الجامع الكبير"، و"الصغير"، وحدّث بمصر، وتُوفّي بها لعشر بقين من رمضان سنة (٢١٨هـ). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
стр. 13366
و"موسى بن أعين": هو الجزريّ مولى قريش، أبو سعيد الثقة العابد [٨] ١١/ ٤١٥.
و"عبد الكريم الجزريّ": هو ابن مالك الخِضْرَمي (١) الثقة [٦] ٩٦/ ٢٨٥٢.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٣٠ - (الدُّعَاءُ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ)
٣٠٨٤ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ, الَّتِي تَلِى الْمَنْحَرَ -مَنْحَرَ مِنًى- رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ, ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا, فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ, رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو, يُطِيلُ الْوُقُوفَ, ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ, فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ, ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ, فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ, رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو, ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ, فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا".
قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمًا يُحَدِّثُ بِهَذَا, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (العباس بن عبدالعظيم العنبريّ) أبو الفضل البصريّ، الثقة الحافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩.
٢ - (عثمان بن عمر) العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، الثقة [٩] ١٥١/ ١١١٨.
٣ - (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١.
٥ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر العدويّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه
стр. 13367
تعالى عنهما ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: بَلَغَنَا) أي بواسطة سالم، عن أبيه، كما سيصله في آخر الحديث (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، "كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، الَّتِي تَلِي الْمَنْحَرَ) أي محلّ نحر البدن، وهي الجمرة الدنيا -بضم الدال، وتكسر- أي القريبة إلى جهة مسجد الخيف، وهي أقرب الجمرات من منى، وأبعدها من مكة، وهي أول الجمرات التي تُرمى من ثاني يوم النحر (مَنْحَرَ مِنًى) بالنصب على البدلية لـ"المنحر" (رَمَاهَا بسَبْع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ) جملة في محلّ النصب على الحال من الفاعل (كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) متَعلّقَ بـ"يكبّر"، يعني أنه يقرُن كلَّ حصاة يرميها بتكبيرة (ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا) وفي رواية البخاريّ: "ثم يتقدم حتى يُسهل" و"يسهل" -بضم أوله-: أي يقصد السهل من الأرض، وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. وقال الكرماني: يُسهل: أي ينزل إلى السهل من بطن الوادي، يقال: أسهل القوم: إذا نزلوا من الجبل إلى السهل (١) (فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبلَةِ) كلام إضافيّ وقع حالاً (رَافِعًا يَدَيْهِ) منصوب على الحال، وكذا جملة قوله (يَدْعُو) وقوله (يُطِيلُ الْوُقُوفَ) فهي أحوال متدخلة، أو مترادفة.
(ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ) وهي الجمرة الوُسْطَى (فَيَرْمِيهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ، كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاة، ثمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ) بكسر الشين المعجمَة، أي جهة الشمال (فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) أي بعد الانتهاء من رميها، يعني أنه لا يشتغل بالدعاء بعد رمي جمرة العقبة.
(قَالَ الزهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمًا) أي ابن عبد اللَّه بن عمر (يُحَدِّثُ بِهَذَا) الحديث (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) قال الحافظ
стр. 13368
رحمه اللَّه تعالى: هو بالإسناد المصدّر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصولٌ، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا في جواز ذلك. وأغرب الكرمانيّ، فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهريّ، ولا يصير بما ذكره آخرًا مسندًا؛ لأنه قال: يحدّث بمثله، لا بنفسه. كذا قال، وليس
مراد المحدّث بقوله في هذا "بمثله"، إلا نفسه، وهو كما لو ساق المتن بإسناد، ثم عقّبه بإسناد آخر، ولم يُعد المتن، بل قال: "بمثله". ولا نزاع بين أهل الحديث في الحكم بوصل مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال: "بمعناه"، خلافا لمن يمنع الرواية بالمعنى.
وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيليّ عن ابن ناجية، عن محمد بن المثنّى، وغيره، عن عثمان بن عمر، وقال في آخره: "قال الزهريّ: سمعت سالمًا يُحدّث بهذا الحديث، عن أبيه، عن النبي ﷺ "، فعرف أن المراد بقوله: "مثله" نفسه، وإذا تكلّم المرء في غير فنّه أتى بهذه العجائب انتهى كلام الحافظ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اعترضه العينيّ بما لا طائل تحته، بل هو على عادته المستمرّة مجرّد تعصّب، قاتل اللَّه التعصّب.
والحاصل أن ما قاله الحافظ رحمه اللَّه تعالى من كون حديث الباب متّصلاً بنفس هذا السند، هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يَفْعَلُهُ) أي يفعل ما ذُكر من الرمي بسبع حصيات، والتكبير مع كل حصاة، والوقوف طويلاً، مستقبل القبلة، والدعاء، ورفع اليدين فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢٣٠/ ٣٨٤ - وفي "الكبرى" ٢٣٥/ ٤٠٨٩. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٧٥١ و ١٧٥٣ (ق) في "المناسك" ٣٠٣٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٣٦٨ (الدارميّ) في "المناسك" ١٩٠٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان استحباب الدعاء عند الجمرتين: الأولى، والثانية. (ومنها): استحباب التكبير عند رمي كلّ حصاة، وقد
стр. 13369
أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوريّ، فقال: يُطعم، وإن جبره بدم أحبّ إليّ. قاله في "الفتح" (١). (ومنها): أن الرمي يكون بسبع حصيات، لا بأقلّ من ذلك، كما تقدّم البحث عنه قبل بابين. (ومنها): استحباب استقبال القبلة بعد الرمي، والقيام طويلاً، وقد وقع تفسيره، فيما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء: "كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة" (٢).
وكان ابن مسعود ﵁ يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرّتين. وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه كان يقف قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين. وعن أبي مِجلز، قال: كان ابن عمر يشبُر ظله ثلاثة أشبار، ثم يرمي، وقام عند الجمرتين قدر قراءة سورة يوسف. وكان ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - يقف بقدر قراءة سورة من المئين. (٣).
(ومنها): استحباب التباعد عن موضع الرمي عند القيام للدعاء، حتى لا يُصيبه رمي غيره. (ومنها): استحباب رفع اليدين في حال الدعاء. (ومنها): ترك الدعاء، والقيام عند جمرة العقبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: لا نعلم لما تضمّنه حديث ابن عمر هذا مخالفًا، إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرتين، إلا ما حكاه ابن القاسم، عن مالك انتهى.
وردّه ابن الْمُنَيّر بأن الرفع لو كان هنا سنّة ثابتةً ما خفي عن أهل المدينة. قال الحافظ: -رحمه اللَّه تعالى-: وغفل -رحمه اللَّه تعالى- عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة، من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة، من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة، ثم الشام في زمانه، فمَنْ علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ واللَّه المستعان. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تعقبٌ جميل، وردّ نبيل (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13370
٢٣١ - (بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ)
٣٠٨٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ, فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ, إِلاَّ النِّسَاءَ, قِيلَ وَالطِّيبُ؟ , قَالَ: أَمَّا أَنَا, فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَتَضَمَّخُ بِالْمِسْكِ, أَفَطِيبٌ هُوَ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) بن بَحْر بن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة إمام [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة فقيه إمام [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢.
٥ - (الحسن الْعُرَنيّ) ابن عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [٤] ٢٢٢/ ٣٠٦٤.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا، فإن الحسن العرنيّ لم يسمع عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، والصحابيّ، فبصريون. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم المجموعون في قولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةِ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّار كَذَا … ابْنُ المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
стр. 13371
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما من العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث":
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَر وَعَمْرِو … وَابْنُ الزبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودِ لَهُمْ عَبَادِلَة … وَغلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وهو من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:
الْمُكْثِرُون فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ … أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
فَأَنَسْ، فَزَوْجَةُ النَّبِيِّ ثُمَّ … الْبَحْرُ جَابِرٌ يَلي الْخُدْرِي يُتِمُّ
وكلّ هذا تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة يوم النحر (فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) أي كلُّ شيء حرُم عليه بالإحرام، ومنه الحلق (إِلَّا النِّسَاءَ) بالنصب على الاستثناء، أي وطئًا، ومباشرةً، ولمسًا بشهوة، وعقدَ نكاح حتى يطوف طواف الإفاضة. والحديث يدلّ على أنه يحلّ للمحرم برمي جمرة العقبة كلّ محظورات الإحرام، إلا الوطىء، ودواعيه، وإن لم يحلق، وفيه خلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى (قِيلَ) وفي رواية أحمد: "فقال رجل: والطيب يا أبا العباس"؟. وفي رواية له: "سئل ابن عباس عن الرجل، إذا رمى الجمرة أيتطيّب؟ فقال: أما أنا … " (١) (وَالطِّيبُ؟) مبتدأ خبره محذوف، أي ما حكمه؟، أيحلّ بعد الرمي، أم لا؟ (قَالَ) ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَمَّا أَنَا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَتَضَمَّخُ) أي يتلطّخ (بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ هُوَ؟) أراد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بهذا بيان كون الطيب مباحًا بعد الرمي، بذكر دليله، يعني أن المسك طيب بلا شكّ، وقد تضَمّخ به رسول اللَّه ﷺ ، فيكون الطيب حلالاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
стр. 13372
[فإن قلت]: في سنده انقطاعٌ؛ لأن الحسن العرنيّ لم يسمع من ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما قاله أحمد، وغيره، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد تقدّم للمصنّف في - ٤١/ ٢٦٨٧ - حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "طيّبت رسول اللَّه ﷺ لحرمه، حين أحرم، ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة، قبل أن يطوف بالبيت". وأخرجه أحمد في "مسنده" ٦/ ٢٤٤ - بإسناد صحيح عن عائشة عنها، ولفظه: قالت: "طيّبتُ رسول اللَّه ﷺ بيدي بذَريرة لحجة الوداع، للحلّ والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت".
وأخرج البيهقيّ في "سننه" - ٥/ ١٣٥ - بإسناد صحيح من طريق معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: "إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات، وذبحتم، وحلقتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء والطيب". قال سالم: وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "حلّ له كلّ شيء إلا النساء"، قال: وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنا طيّبتُ رسول اللَّه ﷺ ، يعني لحلّه".
ثم روى البيهقيّ من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، قال: قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنا طيّبتُ رسول اللَّه ﷺ لحلّه، وإحرامه، قال سالم: وسنة رسول اللَّه ﷺ أحقّ أن يُتّبع".
والحاصل أن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح بما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٢٣١/ ٣٠٨٥ - وفي "الكبرى" ٢٣٦/ ٤٠٩٠. وأخرجه (ق) في "المناسك" ٣٠٤١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما يحلّ للمحرم بعد رمي الجمار:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاجّ بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد اللَّه بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، والنخعيّ، وعبد اللَّه بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعيّ، وأحمد، واسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء، وروينا ذلك عن ابن عباس.
стр. 13373
وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء إلا النساء، والطيب. وقال مالك: له كلّ شيء إلا النساء، والطيب، والصيد. وقد اختلف فيه عن إسحاق، فذكر إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ شيء إلا النساء والصيد. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أن المحرم يحلّ له برمي جمرة العقبة كلّ شيء إلا النساء هو الحقّ؛ لصحة الأحاديث بذلك، إلا أن هذا مشروط بالطواف بالبيت قبل مساء يوم النحر، وإلا عاد محرمًا، كما كان حتى يطوف؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح، عن أم سلمة، قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول اللَّه ﷺ ، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة، ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمِّصَين، فقال رسول اللَّه ﷺ لوهب: "هل أفضت أبا عبد اللَّه؟ "، قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه، قال ﷺ : "انزع عنك القميص"، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول اللَّه؟، قال: "إن هذا يوم رُخّصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تَحِلُّوا -يعني من كلّ ما حُرِمتُم منه، إلا النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به".
فهذا الحديث صحيح صريح، في أن المحرم إنما يحلّ له كلّ شيء برمي جمرة العقبة، بشرط أن يطوف بالبيت يوم النحر، قبل أن يمسي، وإلا فقد عاد كما هو حتى يطوف، وقد تقدم دعوى بعض العلماء الذين لا يرون العمل بهذا الحديث كونه منسوخًا بالإجماع، والردّ عليهم بأنها دعوى باطلة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم من السلف، وهو الحقّ، كما تقدّم البحث عن ذلك، مطوّلاً في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في باب "إباحة الطيب عند الإحرام" - ٤١/ ٢٦٨٤ - ، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13374
٢٤ - (كِتَابُ الْجِهَادِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الجهاد" -بكسر الجيم-: أصله لغةً المشقّة، يقال: جَهَدتُ جهادًا: بلغت المشقة. وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفّار، ويُطلق أيضًا على مجاهدة النفس، والشيطان، والفسّاق، فأما مجاهدة النفس، فعلى تعلّم أمور الدين، ثم
على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يُزيّنه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفّار فتقع باليد والمال واللسان والقلب. وأما مجاهدة الفسّاق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب. وسيأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى-١٩/ ٣١٣٥ - من حديث سَبْرَة بن الفاكه ﵁ الطويل، وفيه: "ثم قعد -أي الشيطان- له في طريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جَهْدُ النفسِ والمال".
واختُلف في جهاد الكفّار، هل كان أوّلاً فرض عين، أو كفاية؟، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح الحديث الأول من الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
…
١ - (بَابُ وُجُوبِ الْجِهَادِ)
٣٠٨٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ, إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, لَيَهْلِكُنَّ, فَنَزَلَتْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] , فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) البغداديّ، ثم الطرسوسي، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
٢ - (إسحاق الأزرق) ابن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
стр. 13375
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الثقة الثبت الحجة [٥] ١٨/ ١٧.
٥ - (مسلم) بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران البطين، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة [٦] ٢٦/ ٩١٥.
٦ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٧ - (ابن عباس) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان إلى سعيد. (ومنها): أن فيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ) ببناء الفعل للمفعول، و"النبيّ" نائب فاعله، أي لما أخرجه المشركون، من أهل مكة، فهاجر إلى المدينة (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ تأسُّفًا على ما فَعَلوا. والظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - سمع هذا من أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد ذلك؛ وإلا فإنه لم يحضر هجرة النبيّ ﷺ (أَخْرَجُوا نَبيَّهُمْ) ﷺ (إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ) بفتح حرف المضارعة مبنيًّا للفاعل، من الهلاك، ثلاثيًّا، أو للمفعول من الإهلاك، أي ليُهلكنّهم اللَّه تعالى (فَنَزَلَتْ) ونائب فاعله قوله: ﴿أذن﴾ الآية، دقصد لفظه، فهو في محلّ رفع محكيّ (﴿أُذِنَ﴾) بالبناء للمفعول، أي رُخّص، وقرىء على البناء للفاعل، أي أذن اللَّه تعالى (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء، أي يقاتلهم المشركون، والمأذون فيه محذوف لدلالة المذكور، فإن مقاتلة المشركين إياهم دالّة على مقاتلهم إياهم دلالة بيّنة. وقرىء على صيغة المبنيّ للفاعل، أي يريدون أن يقاتلوا المشركين فيما سيأتي، ويَحرصون عليه، فدلالته على المحذوف أظهر (١) (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي بسبب أنهم ظلمهم المشركون بإخراجهم من بلدهم (﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾) أي هو قادرٌ على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلو جهدهم في طاعته.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما شرع اللَّه تعالى الجهاد في الوقت الأليق