سائر أعضائه منها، وكذا الكلام في ذكر الوجه في سبيل اللَّه. أفاده العينيّ (١).
وفي رواية للبخاريّ: "ما اغبرت قدما عبد"، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة ﵁: "ساعة من نهار".
(فِي سَبيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى، فـ"في" بمعنى اللام، أو بسبب إعلاء كلمةَ اللَّه تعالى، فـ"في" بمعنى الباء السببية، وهذا كلّه إذا كان المراد بـ"سيل اللَّه" جهاد الكفّار، وهو المتباردر إلى الذهن.
وقد حمله الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" على عموم أنواع الطاعات، ولذلك ترجم في "كتاب الجمعة" - "باب المشي إلى الجمعة"، ثم أورد حديث أبي عبس هذا، عملاً بعموم اللفظ، ولأن راوي الحديث استدلّ به على ذلك (٢).
وقال ابن الأثير: وسبيل اللَّه عام يقع على كلّ عمل خالص، سُلك به طريق التقرّب إلى اللَّه تعالى بأداء الفرائض، والنوافل، وأنواع التطوّعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه انتهى (٣).
(فَهُوَ) أي ذلك الشخص (حَرَامٌ عَلَى النَّارِ) يعني أنه لا يدخل النار. وفي رواية للبخاريّ: "ما اغبرّت قدما عبد في سبيل اللَّه، فتمسّه النار". والمعنى أن المسّ ينتفي بوجود الغبار المذكور، وفي ذلك إشارة إلى عظيم قدر التصرّف في سبيل اللَّه، فإذا كان مجرّد مسّ الغبار للقدم يحرّم عليها النار، فكيف بمن سعى، وبذل جهده، واستنفد وسعه؟.
وللحديث شواهد: منها: ما أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن أبي الدرداء، مرفوعًا: "من اغبرّت قدماه في سبيل اللَّه باعد اللَّه منه النار مسيرة ألف عام للراكب المستعجل". وأخرج ابن حبّان من حديث جابر ﵁ أنه كان في غَزَاة، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول، فذكر نحو حديث أبي عبس، قال: فتواثب الناس عن دوابّهم، فما رئي أكثر ماشيًا من ذلك اليوم. قاله في "الفتح" (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي عبس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.
стр. 13442
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٩/ ٣١٧ - وفي " الكبرى" ٩/ ٤٣٢٤. وأخرجه (خ) في "الجمعة" ٩٠٧ و"الجهاد والسير" ٢٨١١ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٣٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ١٥٥٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من اغبرّت قدماه في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): أن "سبيل اللَّه" يعمّ جميع فعل الطاعات، كما هو رأي الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث إن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - استدلّ بهذا الحديث على فضل المشي إلى الجمعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠ - (ثَوَابُ عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -)
٣١١٧ - (أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ, قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَيْرٍ الرُّعَيْنِيَّ, يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ التُّجِيبِيَّ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا رَيْحَانَةَ, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حُرِّمَتْ عَيْنٌ عَلَى النَّارِ, سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عصمة بن الفضل) أبو الفضل النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقة [١١] ٩/ ١٦١٧ من أفراد المصنّف، وابن ماجه.
٢ - (زيد بن الْحُباب) أبو الحسين الْعُكْليّ الخراسانيّ الأصل نزيل الكوفة، صدوق يُخطىء [٩] ٣٣/ ٣٧.
٣ - (عبد الرحمن بن شُرَيح) بن عُبيد اللَّه بن محمود الْمَعَافريّ -بفتح الميم، والمهملة- أبو شُريح الإسكندرانيّ، ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه [٧].
стр. 13443
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. زاد أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان كخير الرجال. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وضعَّفه ابن سعد وحده، فقال: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: لا أظنه أدرك شَرَاحيل. وقال ابن يونس: توفّي بالإسكندرية سنة (١٦٧) وكان له عبادة وفضل. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم - ٣١١٧ و ٣١٦٢ و ٣١٦٣ و ٣١٦٧.
٤ - (محمد بن شُمَير) -بالتصغير-، ويقال: بالمهملة- الرُّعينيّ (١)، أبو الصبّاح المصريّ، مقبول [٦].
روى عن أبي عليّ التُّجيبيّ، ويقال: الْجَنْبيّ، ويقال: الهَمْدَانيّ. وروى عنه أبو شُرَيح عبد الرحمن بن شُريح. وقال أبو حاتم، وابن يونس: روى عن أبي عليّ الهمْدانيّ. وصحّح البخاريّ في "تاريخه" أنه محمد بن شُمير، وقال: سمع أبا عليّ الْهَمْدَانيّ. ولما ذكره ابن حبّان قال: روى عنه المصريّون. وجزم ابن القطّان بأن عبد الرحمن بن شُريح تفرّد بالرواية عنه، وأنه لا يُعرف، وذكر أنه وقع عند النسائيّ محمد بن سُمير -بالمهملة-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: وقع عند النسائيّ بالمهملة فيه نظر؛ لأن نسخ "المجتبى" كلها، و"الكبرى" التي بين يديّ إنما هو بالشين المعجمة، حتى إن الذين يكتبون بالهامش اختلاف النسخ لم يشيروا إلى وجود نسخة بالمهملة أصلاً. فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وحكى عبدالغنيّ فيه الوجهين. وقال ابن حبّان في "الثقات": محمد بن سُمير، ويقال: شُمير، ويقال: شِمْر. انتهى. تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وله عنه في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٥ - (أبو عليّ التُّجِيبيّ) عمرو بن مالك الهمدانيّ المصريّ، ثقة [٣] ٤٨/ ١٢٨٤. [تنبيه]: قوله: "التُّجيبيّ" هكذا عند المصنّف هنا، وفي "الكبرى" بالتاء المثناة فوقُ، فجيم، فمثناة تحتانية، فموحّدة- والذي في كتب الرجال "الْجَنْبيّ " -بجيم مفتوحة، فنون ساكنة، فموحّدة- والأولى نسبة إلى قبيلة من كندة، وإلى محلّة بمصر. قال في "اللباب": هذه القبيلة نزلت مصر، وبالفسطاط محلة تنسب إليهم، يقال لها: تُجيب (٢).
стр. 13444
والثانية نسبة إلى قبيلة من اليمن. قاله في "اللبّ" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن لم يكن ما هنا تصحيفًا عن الْجَنْبيّ، يمكن أن يكون أبو عليّ هذا جَنْبِيًّا، نزل تجُيب بمصر هو، أو أحد أجداده، فنسب إليها، فيكون جنبيًّا نسبًا، وتُجيبيًّا نسبةً. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (أبو رَيْحانة) شَمْعُون بن زيد خُنَافَة الأزديّ، حليف الأنصار، ويقال: مولى رسول اللَّه ﷺ ، صحابِيٌّ، شَهِدَ فتح دمشق، وكان مُرَابطًا بعسقلان، ويقال: إنه والد رَيَحْانة سُرّيّة النبيّ ﷺ ، وقال ابن الْبَرْقيّ: أبو ريحانة الأزديّ كان سكن بيت المقدس، له خمسة أحاديث. وذكره ابن يونس فيمن قدم مصر، قال: ويقال في اسمه: شَمْغُون - بالغين -يعني المعجمة-وهو أصحّ عندي. قال ضمرة بن ربيعة، عن فروة الأعمى مولى سعد بن أُميّة: ركب أبو رَيحانة البحر، وكان يَخيط فيه بإبرة معه، فسقطت إبرته في البحر، فقال: عزمت عليك يا ربّ إلا رددت عليّ إبرتي، فظهرت حتى أخذها. قال: واشتدّ عليهم البحر ذات يوم وهاج، فقال: اسكن أيها البحر، فإنما أنت عبدٌ مثلي، قال: فسكن حتى صار كالزيت. وقال ابن حبّان: أبو ريحانة شمعون، وقيل: اسمه عبد اللَّه بن النضر، والأول أصحّ، وهو حليف حضرموت. وقال ابن عبد البرّ: كان من بني قُريظة، وكانت ابنته ريحانة سُرية رسول اللَّه ﷺ ، وكان من الفضلاء الزاهدين إنتهى. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٣١١٨ و ٥٠٩١ و ٥١١٠ و ٥١١١ و ٥١١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير محمد بن شُمير، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه، فنيسابوري، ثم بغدادي، وزيد، فخراساني، ثم كوفي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ) الْمَعافريّ الإسكندرانيّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَيْر الرُّعَينيَّ) أبا الصبّاح المصريّ (يقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَليٍّ التُّجيبِيَّ) عمرو بن مالك (أَنَّهُ سَمِعَ أبَا رَيْحَانَةَ) شمعون بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "حُرْمَتْ) بالبناء للمفعول، يحتمل أن يكون من حرّمتُ الشيءَ تحريمًا، ويحتمل أن
стр. 13445
يكون من حَرَمت فلانًا الشيء أَحْرِمه، من باب ضرب، يتعدّى إلى مفعولين، حَرِمًا - بفتح الحاء، وكسر الراء- وحِرْمانًا (عَيْنٌ عَلَى النَّارِ، سَهِرَتْ) بكسر الهاء، يقال: سَهِرَ، من باب فرح: إذا لم يَنَمْ (فِي سَبيلِ اللَّهِ ") أي لإعلاء كلمة، سواء كان السهر في حراسة الجيش، أو الثغور، أو في المسير إلى محلّ المعركة، أو في غير ذلك.
والحديث اختصره المصنّف، وقد أخرجه أحمد في "مسنده" مطوّلاً، فقال:
١٦٧٦٢ - حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح، قال: سمعت محمد بن سمير الرعيني، يقول: سمعت أبا عامر التجيبي- قال أبي: وقال غيره: الجنبي، يعني غير زيد أبو علي الجنبي- يقول: سمعت أبا ريحانة، يقول: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شَرَف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد، حتى رأيت من يَحفِر في الأرض حفرة، يدخل فيها، يُلقي عليه الْحَجَفَة -يعني الترس- فلما رأى ذلك رسول اللَّه ﷺ من الناس، نادى: "من يَحرُسنا في هذه الليلة؟ وأدعو له بدعاء"، يكون فيه فضل، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول اللَّه، فقال: "ادنه"، فدنا، فقال: "مَن أنت؟ "، فَتَسَمَّى له الأنصاريّ، ففتح رسول اللَّه ﷺ بالدعاء، فأكثر منه، قال أبو ريحانة: فلما سمعتُ ما دعا به رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: أنا رجل آخر، فقال: "ادنه"، فدنوت، فقال: "من أنت؟ "، قال: فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء، هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال: "حرمت النار على عين دمعت، أو بكت من خشية اللَّه، وحرمت النار على عين، سَهِرَت في سبيل اللَّه"، -أو قال-: "حرمت النار على عين أخرى ثالثة"، لم يسمعها محمد بن سُمَير، وقال غيره -يعني غير زيد- أبو علي الجنبي. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي ريحانة - رضي اللَّه تعالى - تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا - ١٠/ ٣١١٨ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٤٣٢٥. وهو صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ وفيه محمد بن شُمير، لم يرو عنه غيرُ عبد الرحمن بن شُريح، فهو مجهول العين؟.
[قلت]: الحديث له شاهد من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، فقال:
٣١١٨ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعيب بن رُزيق أبو شيبة، حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال:
стр. 13446
سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية اللَّه، وعين باتت تحرس في سبيل اللَّه".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان، وأبي ريحانة، وحديث ابن عباس حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق انتهى. فهذا حديث صحيح يشهد لحديث أبي ريحانة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، فيصحّ به.
والحديث أخرجه أيضًا (أحمد) في "مسند الشاميين"١٦٧٦٢ (الدارميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقِي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١ - (فَضْلُ غَدْوَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -)
٣١١٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْغَدْوَةُ, وَالرَّوْحَةُ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ , أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا, وَمَا فِيهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار الخزاعيّ البصريّ، كوفي الأصل الثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠.
٢ - (حسين بن عليّ) الجعفيّ الكوفيّ العابد الثقة المقرىء [٩] ٧٤/ ٩١.
٣ - (زائدة) بن قُدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة [٧] ٧٤/ ٩١.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الكوفي الثقة الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (أبو حازم) سلمة بن دينار التمّار المدنيّ الزاهد [٥] ٤٠/ ٤٤.
٦ - (سَهْل بْن سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم في ٤٠/ ٧٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13447
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبصريّ، وأبي حازم، وسهل فمدنيان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْغَدْوَةُ) بفتح الغين المعجمة، وسكون الدال المهملة: المرّة الواحدة من الغدو، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه (وَالرَّوْحَةُ) بفتح الراء، وسكون الواو أيضًا المرّة الواحدة، من الرّوَاح، وهو الخروج في أيّ وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (فِي سَبِيلِ اللَّه ) أي في جهاد الكفّار؛ لإعلاء كلمة اللَّه (أَفْضَلُ) ولفظ مسلم: "خيرٌ" (مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا) قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذا الحديث أن فضل الغدوة، والروحة في سبيل اللَّه، وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلّها لو ملكها إنسانٌ، وتُصوّر تنعّمه بها كلها؛ لأنه زائلٌ، ونعيم الآخرة باق. قال القاضي -رحمه اللَّه تعالى-: وقيل: في معناه، ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خير من الدنيا وما فيها، لو ملكها إنسانٌ، وملك جميع ما فيها، وأنفقه في أمور الآخرة. قال هذا القائل: وليس تمثيل الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه. واللَّه أعلم انتهى (١).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح قوله: "رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا، وما عليها … الحديث: ما حاصله: فيه وجهان:
[أحدهما]: أن يكون من باب تنزيل المغيّب منزلة المحسوس، تحقيقًا له، وتثبيتًا في النفوس؛ فإن ملك الدنيا، ونعيمها، ولذاتها محسوسةً مستعظمة في طباع النفوس، فحقّق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط، وهو من المغيّبات خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذّات الدنيا.
[والثاني]: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث، وما في معناه على أن هذا الذي رُتّب عليه الثواب خير من الدنيا كلها، لو أُنفقت في طاعة اللَّه تعالى، وكأنه قصد بهذا أن تحصل الموازنة بين ثوابين أُخرويّين؛ لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى، ولو على سبيل التفضيل (٢).
стр. 13448
قال الحافظ: ويؤيّد الثاني ما رواه ابن المبارك في "كتاب الجهاد" من مرسل الحسن، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ جيشًا، فيهم عبد اللَّه بن رواحة، فتأخّر ليشهد الصلاة مع النبيّ ﷺ ، فقال له النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غَدْوتهم". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١١/ ٣١١٩ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٣٢٦. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٧٩٤ و ٢٨٩٢ و "الرقاق" ٦٤١٥ (م) في "الجهاد" ١٨٨١ و ١٨٨٢ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٤٨ (ق) في "الجهاد" ٢٧٥٦ (أحمد) في "مسند المكيين" ١٥١٣٢ و"باقي مسند الأنصار" ٢٢٣٣٧ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٣٩٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل غدوة في سبيل اللَّه . (ومنها): بيان فضل الروحة أيضًا. (ومنها): أن فيه تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنّة قدر يسير فقد حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبّه هذا المتأخّر أن هذا القدر اليسير من الجنّة أفضل من جميع ما في الدنيا. قاله في "الفتح" (٢).
(ومنها): أن الدنيا كلها لا توازي شيئًا قليلاً من نعيم الآخرة؛ وفي الحقيقة أنه لا مقابلة بينهما إلا من باب المجاز، إذ الدنيا بغيضة عند اللَّه تعالى، بل هي ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه تعالى، وما والاه، وعالمًا، أو متعلّمًا، والآخرة كلها محبوبة للَّه تعالى، دار جزاء عباده المؤمنين الأبرار، فلا خير في الدنيا من حيث هي دنيا، ثم إن نعيم الجنّة خير من نعيم الدنيا من جهة أنه نعيم غير منغّص بالزوال، ولا بمعاداة الرجال، ولا بالأمراض والأسقام، ولا بالسآمة والمنام، ولا بالهموم والأكدار، ولا
стр. 13449
بالأضداد والأغيار، بل هي دار أفراح، وأنوار، وسرور متصل وقرار، جعلنا اللَّه تعالى بفضله من أهل تلك الدار، إنه واسع الفضل والكرم العزيزُ الغفّار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - (فَضْلُ الرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -)
٣١٢٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ الْمَعَافِرِيُّ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٢ - (أبوه) عبد اللَّه بن يزيد، أبو عبد الرحمن المقرىء المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز الثقة الفاضل [٩] ٤/ ٧٤٦.
٣ - (سعيد بن أبي أيوب) مِقْلاص، أبو يحيى المصريّ الثقة الثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨٠.
٤ - (شُرحبيل بن شريك المعافريّ) الأَجْرَويّ، أبو محمد المصريّ، ويقال: شُرَحْبيل بن عمرو بن شريك، صدوق [٦].
قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو الفتح الأزديّ: شُرحبيل بن شريك ضعيف.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى ابن ماجه، إلا أن أبا داود سمّاه في روايته "شرحبيل بن يزيد"، قاله في حديثه عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد اللَّه بن عمرو: "ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت تِرْياقًا". قاله أبو داود عن عبيد اللَّه القواريريّ، عن المقرىء، عن سعيد بن أبي أيوب، عنه. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وغير واحد، عن المقرىء، فقالوا: شُرَحْبيل بن شَرِيك على الصواب.
стр. 13450
قال الحافظ: أخشى أن يكون شُرحبيل بن يزيد تصحيفًا من شَرَاحيل بن يزيد؛ لأنه أيضًا مَعَافريّ، ويروي عن عبد الرحمن بن رافع وغيره، ويروي عنه سعيد بن أبي أيوب وغيره، ومن الجائز أن يكون الحديث عندهما جميعًا، فأما شُرحبيل بن يزيد، فإن كان محفوظًا، فلا يُدرَى من هو؟ انتهى. وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم ٣٢٣٢ "إن الدنيا كلها متاع .. " الحديث.
٥ - (أبو عبد الرحمن الحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ المصريّ الثقة [٣] ٦٠/ ١٣٠٣.
٦ - (أبو أيوب الأنصاريّ) خالد بن زيد بن كُليب - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم في ٢٠/ ٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به المصنّف، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه، فمكّيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ (الْحُبُليّ) بضم الحاء المهملة، والباء الموحّدة، بعدها لام: نسبة إلى حي من اليمن من الأنصار، يقال لهم: بنو الْحُبُلَى. قاله في "اللباب" (١) (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأنْصَارِيَّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّه- ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ") قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "أو" هنا للتقسيم، لا للشكّ، ومعناه أن الغدوة، يحصل بها هذا الثواب العظيم، وكذا الروحة، والظاهر أنه لا يختصّ ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكلّ غَدْوة، أو رَوْحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوة، أو روحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمّى غدوة، وروحةً في سبيل اللَّه. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي أيوب الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 13451
أخرجه المصنّف هنا -١٢/ ٣١٢٠ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٣٢٧. وأخرجه (م) في "الجهاد" ١٨٨٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٠٧٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ, عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ, وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد اللَّه بن المبارك) المروزي الإمام الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٢ - (محمد بن عجلان) المدنيّ، صدوق [٥] ٣٦/ ٤٠.
٣ - (سعيد المقبريّ) ابن كيسان المدني، ثقة فقيه [٣] ٩٥/ ١١٧. والباقون تقدّموا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن عجلان، وابن المبارك مروزي، والباقيان مكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "ثَلَاَثةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ ) أي واجب عليه بمقتضى وعده السابق (عَوْنُهُ) أي إعانته، وأفرد الضمير باعتبار لفظ "ثلاثة"، فإنه مفرد اللفظ، وفي رواية الترمذيّ: "عونهم"، وهو واضح.
قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقّة التي تفدح الإنسان، وتقسم ظهره، لولا أن اللَّه تعالى يعينه عليها، لا يقوم بها، وأصعبها العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبلّيّة المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيميّة النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعفّ، وتداركه عون اللَّه تعالى ترقّى إلى منزلة الملائكة، وأعلى عليين انتهى (١).
(الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه (وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ)
стр. 13452
أي إعفاف نفسه، وكفّها عن الزنا وغيره من المحرّمات (وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ) أي أداء بدل كتابته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسنٌ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٢/ ٣١٢١ و"النكاح" ٥/ ٣٢١٩ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٣٢٨ و ٥/ ٥٣٢٦. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٥٥ (ق) في "كتاب الأحكام" ٢٥١٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٩٣٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الروحة في سبيل اللَّه ، ووجه الاستدلال منه أن من خرج روحة في سبيل اللَّه تعالى من جملة المجاهدين في سبيله؛ لأن من خرج من بيته قاصدًا الجهاد فهو في سبيل اللَّه تعالى حتى يرجع إلى بيته، سواء قصر سفره، أم طال. (ومنها): فضل الناكح الذي ينكح ليعف نفسه عن المحرّمات، فإن اللَّه تعالى يعينه على مُؤَن النكاح الحلال الذي يؤدّي غرضه، وهذا بمعنى قوله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [النور: ٣٢]. (ومنها): فضل المكاتب الذي يسعى لأداء بدل الكتابة إلى مولاه، حيث إن اللَّه تعالى يعينه على أداء ما عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٣ - (بَابٌ الْغُزَاةُ وَفْدُ اللَّهِ تَعَالَى)
٣١٢٢ - (أَخْبَرَنَا (١) عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ مَخْرَمَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ,
стр. 13453
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي, وَالْحَاجُّ, وَالْمُعْتَمِرُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في -٤/ ٢٦٢٥ - وتقدّم شرحه، وتخريجه هناك، وللَّه الحمد والمنّة.
ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عيسى بن إبراهيم" المثروديّ الغافقيّ المصريّ، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة، من صغار [١٠] ٣١/ ٨١٩.
و"مخرمة": هو ابن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ.
وقوله: "وفد اللَّه ثلاثة" أي السائرون إلى اللَّه تعالى القادمون عليه من جملة المسافرين ثلاثة أصناف، شبه هؤلاء الثلاثة بالوفد الذين يَفِدون إلى الملوك والأمراء، فيُتحفون بالجوائز العظيمة، ويُكرمون بالعطايا الجسيمة، وللَّه المثل الأعلى، فيكرم هؤلاء بكرامة ليس بعدها كرامة، بجنات عدن، فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهم الفائزون الفوزَ الأبديَّ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]. اللَّهم اجعلنا من وفدك الموفّقين، الذين تكرمهم بجنّات النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٤ - (بَابُ مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ)
٣١٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ, لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ, وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ, بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ, أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ, الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ, مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ, أَوْ غَنِيمَةٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الْجَمَلي المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
стр. 13454
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصري، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ الفقيه المصريّ، صاحب مالك، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٥ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٦ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هدا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصريّ حافظ فقيه، (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، (ومنها) أن هذا الإسناد أحد الأسانيد التي قيل فيها: إنها من أصح أسانيد أبي هريرة ﵁. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ: تكَفَّلَ اللَّهُ ) وفي الرواية التالية: "انتدب اللَّه"، وفي الرواية الثالثة: "وتوكّل اللَّه". قال في "الفتح": وقد اختلفت الطرق عن أبي هريرة ﵁ في سياقه، فرواه مسلم من طريق الأعرج عنه بلفظ: "تكفّل اللَّه لمن جاهد في سبيله لا يُخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق كلمته"، وهو كذلك عند البخاريّ في "كتاب الخمس" من طريق أبي الزناد، وكذلك أخرجه مالك في "الموطإ" عن أبي الزناد في "كتاب الخمس"، وأخرجه الدراميّ من وجه آخر عن أبي الزناد بلفظ: "لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل اللَّه، وتصديق كلماته"، نعم أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث ابن عمر، فوقع في روايته التصريح بأنه من الأحاديث الإلهية، ولفظه: "عن رسول اللَّه ﷺ فيما يحكي عن ربّه، قال: أيّما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيلي ابتغاء مرضاتي، ضمنت له إن رجعته أن أرجعه بما أصاب من أجر، أو غنيمة … " الحديث، ورجاله ثقات، وأخرجه الترمذيّ من حديث عبادة بلفظ: "يقول اللَّه : المجاهد في سبيلي هو عليّ ضامن، إن رجعته
стр. 13455
رجعته بأجرٍ، أو غنيمة … " الحديث، وصححه الترمذيّ.
وقوله: "تضمن اللَّه، وتكفّل اللَّه، وانتدب اللَّه" بمعنى واحد، ومحصّله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه ، وقد عبّر اللَّه بتفضّله بالثواب بلفظ الضمان، ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئنّ به نفوسهم انتهى (١).
(لِمَنْ جَاهَد) متعلّق بـ"تكفّل" (فِي سَبيلِهِ) أي لأجل إعلاء كلمته (لَا يُخْرِجُهُ إِلا الْجِهَادُ فِي سَبيلِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهو نصّ صريحٌ على اشتراط خلوص النيّة للَّه تعَالى في الجهاد (وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ) أي كلمة الشهادتين، فيعادي من أباهما، وقيل: تصديق كلام اللَّه تعالى بما للمجاهدين من عظيم الثواب (٢) (بِأنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) أي بغير حساب، ولا عذاب، أو المراد أن يُدخله الجنّة ساعة موته، كما ورد: "أن أرواح الشهداء تَسْرَح في الجنّة"، وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد، والراجع سالمًا؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنّة، ومحصّل الجواب أن المراد بدخول الجنّة دخول خاصّ. قاله في "الفتح".
وقال القاضي عياض يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية. وفي الحديث: "أرواح الشهداء في الجنّة"، ويحتمل أن يكون دخوله الجنّة عند دخول السابقين والمقرّبين بلا حساب، ولا عذاب، ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفّرة لذنبه، كما صرّح به في الحديث الصحيح انتهى (٣) (أَوْ يَرُدَّهُ) بالنصب عطفًا على "يُدخلَهُ" (إِلَى مَسْكَنِهِ) بفتح الكاف وكسرها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، وقوله (الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ) تأكيد لما جُبل عليه الإنسان من محبّة الوطن (مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ") أي مع أجر خالص إن لم يغنم، أو مع غنيمة خالصة معها أجرٌ، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجرٌ، وليس ذلك مرادًا، بل المراد، أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يَغنم؛ لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه، وأتمّ أجرًا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحًا في نفي الجميع.
стр. 13456
وقال الكرمانيّ: معنى الحديث أن المجاهد إما يُستَشهَد أو لا، والثاني لا ينفكّ من أجرٍ، أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما، فهي قضيّةٌ مانعةُ الخلوّ، لا الجمع، وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن "أو" بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البرّ، والقرطبيّ، ورجّحها التوربشتيّ، والتقدير: "بأجر وغنيمة". وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، رواه كذلك عن يحيى بن يحيى، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد. وقد رواه جعفر الفريابيّ، وجماعة عن يحيى بن يحيى، فقالوا: "أجر، أو غنيمة" بصيغة "أو". وقد رواه مالك في "الموطإ" بلفظ: "أو غنيمة"، ولم يختلف عليه إلا في رواية يحيى بن بُكير عنه، فوقع فيه بلفظ: "وغنيمة"، ورواية يحيى بن بكير، عن مالك فيها مقال.
ووقع عند النسائيّ من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة بالواو أيضًا، وكذا من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر في "الفتح" أن رواية النسائيّ-١٤/ ٣١٢٤ - من طريق الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، و-١٤/ ٣١٢٣ - من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة بالواو، لكن نسخ "المجتبى" التي بين يديّ كلها، ونسخة "الكبرى" من الطريقين بـ"أو"، لا بالواو، ولعله وجد ما ذكره في بعض النسخ، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وكذلك أخرجه أبو داود باسناد صحيح، عن أبي أمامة بلفظ: "بما نال من أجر وغنيمة"، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأنّ "أو" في هذا الحديث بمعنى الواو كما هو مذهب نحاة الكوفيين، لكن فيه إشكال صعب لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكلّ من رجع، وقد لا يتّفق ذلك، فإن كثيرًا من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فرّ منه الذي ادعى أن "أو" بمعنى الواو وقع في نظيره؛ لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم على أنها بمعنى الواو أن كلّ غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معًا.
وقد روى مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "ما من غازية تغزو في سبيل اللَّه، فَيُصيبون الغنيمة إلا تعجّلُوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يُصيبوا غنيمة تمّ لهم أجرهم". وهذا يؤيّد التأويل الأول، وأن الذي يغنم يرجع بأجر، لكنّه أنقص من أجر من لم يغنم، فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا، وتمتّعه به بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقّة، كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول خبّاب
стр. 13457
في الحديث المتفق عليه: "فمنّا من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا … " الحديث.
واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لما يدلّ عليه أكثر الأحاديث، وقد اشتهر تمدّح النبيّ ﷺ بحلّ الغنيمة، وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدّح بها. وأيضًا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً، مع أن أهل بدر أففل بالاتفاق. وسبق إلى هذا الإستشكال ابن عبد البرّ، وحكاه عياضٌ، وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعّف حديث عبد اللَّه بن عمرو؛ لأنه من رواية حميد بن هانىء، وليس بمشهور. وهذا مردود؛ لأنه ثقة يحتجّ به عند مسلم، وقد وثّقه النسائيّ، وابن يونس، وغيرهما، ولا يُعرف فيه تجريح لأحد.
ومنهم: من حمل نقص الأجر على غنيمة أُخذت على غير وجهها، وظهورُ فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في ردّه؛ إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر، ولا أقلّ منه.
ومنهم: من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده، وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضًا. وفيه نظرٌ؛ لأن صدر الحديث مصرّحٌ بأن المقسّم راجع إلى من أخلص؛ لقوله في أوله: "لا يُخرجه إلا إيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي".
وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما، واستعمالهما على وجههما. ولم يُجب عن الإشكال المتعلّق بأهل بدر.
وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ على القياس؛ لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقّة فيما كان أجره بحسب مشقّته؛ إذ للمشقّة دخولٌ في الأجر، وإنما المشكل العمل المتّصل بأخذ الغنائم، يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابون عليها.
فيمكن أن يُجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئيّة على بعض؛ لأن أخذ الغنائم أول ما شُرع كان عونًا على الدين، وقوّةً لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى، يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو.
وأما الجواب عمن استشكل ذلك بحال أهل بدرٍ، فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يرد فيهم نصّ أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من كونه مغفورًا لهم، وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون
стр. 13458
وراءهم مرتبة أخرى.
وأما الاعتراض بحِلّ الغنائم فغير وارد، إذ لا يلزم من الحلّ ثبوت وفاء الأجر لكلّ غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة، واستلاءها (١) من الكفّار يُحَصِّل الثواب، ومع ذلك فمع صحّة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة، وصحّة القدح بأخذها لا يلزم من ذلك أن كلّ غاز يحصل له من أجر غَزَاته نظير من لم يغنم شيئًا البتّة.
قال الحافظ: والذي مثّل بأهل البدر أراد التهويل، وإلا فالأمر على ما تقرّر أخيرًا بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجرًا مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم، كمن شهد أُحدًا لكونهم لم يغنموا شيئًا، بل أجر البدريّ في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فُرض أن أجر البدريّ بغير غنيمة ستمائة، وأجر الأُحُديّ مثلاً بغير غنيمة مائة، فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد اللَّه بن عمرو، كان للبدريّ لكونه أخذ الغنيمة مائتان، وهي ثلث الستمائة، فيكون أكثر أجرًا من الأُحُديّ.
وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبيّ ﷺ في قتال الكفّار، وكان مبدأ اشتهار الإسلام، وقوّة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعًا، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل. واللَّه أعلم.
واختار ابن عبد البرّ أن المراد بنقص أجر من غنم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على مافاته من الغنيمة، كما يؤجر من أُصيب بماله، فكان الأجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر، ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد اللَّه بن عمرو الذي تقدّم ذكره.
وذَكَرَ بعض المتأخّرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد اللَّه بن عمرو حكمة لطيفة بالغةً، وذلك أن اللَّه أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات: دنيويتان، وأخرويّة، فالدنيويتان السلامة، والغنيمة، والأخرويّة دخول الجنّة، فإذا رجع سالمًا غانمًا، فقد حصل له ثلثا ما أُعدّ اللَّه له، وبقي له عند اللَّه الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه اللَّه عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوّضتك عنه ثوابًا، وأما الثواب المختصّ بالجهاد فهو حاصل للفريقين معًا، قال: وغاية ما فيه عدّ ما يتعلّق بالنعمتين الدنيويتين أجرًا بطريق المجاز. واللَّه أعلم. ذكر هذا
стр. 13459
التحقيق بطوله "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٤/ ٣١٢٣ و ٣١٢٤ و ٣١٢٥ و ١٦/ ٣١٢٨ "كتاب الإيمان وشرائعه" ٢٤/ ٥٠٣٠ و ٥٠٣١ و"الكبرى" ١٢/ ٤٣٣٠ و ٤٣٣١ و ٤٣٣٢ و"كتاب الإيمان وشرائعه" ٢٤/ ١١٧٦٠ و ١١٧٦١. وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٣٦ و"الجهاد" ٢٧٨٧ و ٢٧٩٧ و ٢٩٧٢ و"فرض الخمس" ٣١٢٣ و"التوحيد" ٧٤٥٧ (م) في "الجهاد" ١٨٧٦ (ق) في "الجهاد" ٢٧٥٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧١١٧ و ٨٩٢٣ و ١٠٠٣٥ (الموطأ) في " الجهاد" ٩٧٤ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٣٩١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (٢):
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ما تكفّل اللَّه لمن يجاهد في سبيله. (ومنها): اشتراط إخلاص النية للحصول على هذا الفضل العظيم، فمن لم يبتغ بجهاده وجهه لا ينال فضل المجاهد في سبيله. (ومنها): عظم ثواب من لم يغنم في جهاده، حيث إنه يحصل الأجر كاملاً، بخلاف من غَنِمَ، فإنه ينقص من أجره ما حصل له من الغنيمة. (ومنها): أن الفضائل لا تدرك دائمًا بالقياس، بل هي بفضل اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه استعمال التمثيل في الأحكام. (ومنها): أن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها، وإنما تحصل بالنيّة الخالصة إجمالاً وتفصيلاً. واللَّه تعالى أعلم بالصو اب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٢٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ, مَوْلَى بْنِ أَبِي ذُبَابٍ, سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «انْتَدَبَ اللَّهُ , لِمَنْ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِهِ, لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الإِيمَانُ بِي, وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِي, أَنَّهُ ضَامِنٌ
стр. 13460
حَتَّى أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ, بِأَيِّهِمَا كَانَ, إِمَّا بِقَتْلٍ, أَوْ وَفَاةٍ, أَوْ أَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ, نَالَ مَا نَالَ (١) مِنْ أَجْرٍ, أَوْ غَنِيمَةٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"لليث": هو ابن سعد. و"سعيد": هو المقبريّ. و"عطاء ابن ميناء": هو أبو معاذ المدنيّ، صدوق [٣] ٥٢/ ٩٦٧.
وقوله: "انتدب اللَّه": أي تكفّل اللَّه. وقيل: سارع بثوابه، وحسن جزائه. وقيل: بمعنى أجاب إلى المراد، ففي "الصحاح": ندبت فلانًا، فانتدب: أي أجاب إليه.
وقوله: "لا يُخرجه إلا إيمان بي" فيه التفات، وفيه انتقالٌ من ضمير الحضور إلى ضمير الغيبة. وقال ابن مالك: فيه حذف القول، والاكتفاء بالمقول، وهو سائغ شائعٌ سواء كان حالاً، أو غير حال، فمن الحال قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ﴾ [غافر: ٧]، أي قائلين ربنا، وهذا مثله، أي قائلاً لا يُخرجه إلخ. قاله في "الفتح" (٢).
وقال السنديّ: قوله: "لا يُخرجه إلا إيمان بي": هذا من كلامه تعالى، فلا بدّ من تقدير القول ههنا، أي قائلاً: لا يُخرجه، وهو حال من فاعل "انتدب"، أو تقدير ما يؤدّي مؤدّاه أول الكلام، والمعنى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول حاكيًا عن اللَّه انتدب، أو يقول: قال اللَّه تعالى: انتدب اللَّه، ونحو ذلك، فيكون من باب وضع الظاهر موضع الضمير) وأصله انتدبتُ، وهذا في كلامه تعالى كثير، ويكون قوله: إلا الإيمان بي من باب الالتفات انتهى كلام السنديّ.
وفيه دليلٌ على أنه لا يحصل هذا الثواب إلا لمن صحّت نيّته، وخلصت من شوائب إرادة الأغراض الدنيويّة، فإنه ذُكر بصيغة النفي والإثبات المقتضيين للحصر. قاله ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
وقوله: "إنه ضامنٌ" أي ذلك الخارج ذو ضمان، أو مضمون. قال ابن دقيق العيدقيل: إن فاعلاً هنا بمعنى مفعول، كما قيل: في ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، أي مدفوق، ومرضيّة، على احتمال هاتين اللفظتين لغير ذلك. وقد يقال: إن "ضامنا" بمعنى ذي ضمان، كلابن، وتامر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما نُسب إليه لتعلّقه به، والعرب تضيف لأدنى ملابسة انتهى (٤).
стр. 13461
وقوله: "حتى أدخله الجنّة" بضم أوله، من الإدخال.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٢٥ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ, وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ (١) فِي سَبِيلِهِ (٢) , بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ (٣) , فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ, أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ, أَوْ غَنِيمَةٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو ابن عثمان، ووالده عثمان بن سعيد الحمصيّان، فقد تفرّد بهما المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وهما ثقتان.
و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة.
وقوله: "واللَّه أعلم بمن يجاهد في سبيل اللَّه": إنما أتى بهذه الجملة المعترضة إشارة إلى أن الأجر إنما هو لمن أخلص جهاده للَّه تعالى، لا لمن يظهر منه عند الناس أنه مجاهد، وليس عند اللَّه بمجاهد.
وقوله: "كمثل القائم الصائم" وفي الرواية الآتية -١٦/ ٣١٢٨ - : "كمثل الصائم القائم الراكع الساجد". ولمسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: "كمثل الصائم القائم القانت بآيات اللَّه، لا يفتر من صلاة، ولا صيام". وفي "الموطإ"، وابن حبّان: "كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام، ولا صلاة حتى يرجع". ولأحمد، والبزّار من حديث النعمان بن بشير، مرفوعًا: "مثل المجاهد في سبيل اللَّه كمثل الصائم نهاره، والقائم ليله".
وشبّه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل اللَّه في نيل الثواب في كلّ حركة وسكون؛ لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة، فأجره مستمرّ، وكذلك المجاهد لا تَضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب؛ لما تقدّم من حديث: "إن المجاهد لتَسْتَنُّ فرسه، فيُكتب له حسنات"، وأصرح منه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا
стр. 13462
يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ الآيتين [التوبة: ١٢٠] (١).
وقوله: "وتوكّل اللَّه إلخ" هو بمعنى "تكفّل اللَّه"، و"انتدب اللَّه" في الروايتين السابقتين.
وقوله: "بأن يتوفّه، فيُدخله الجنّة" أي بغير حساب ولا عذاب، أو المراد أن يدخله الجنّة ساعةَ موتِهِ، كما ورد "أن أرواح الشهداء، تسرح في الجنّة". وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالمًا؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنّة، ومُحَصَّلُ الجواب أن المراد بدخول الجنّة دخول خاصّ. قاله في "الفتح".
وقوله: "أو يَرْجعه": أي يرُدّه. وهو بفتح حرف المضارعة، من رجع، وهو يتعدّى، ويلزم، يقال: رجع من سفره، وعن الأمر يَرجع رَجْعًا، ورُجُوعًا، ورُجْعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السّكّيت: هو نقيض الذَّهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة الْفُصْحَى، فيقال: رجعته عن الشيء، وإليه، ورجعتُ الكلام وغيره: أي رددتُه، وبها جاء القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]. وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف. قاله الفيّوميّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إذا عرفت هذا، فالمناسب هنا المتعدّي؛ لعمله في ضمير "المجاهد"، وهو منصوب عطفًا على "يدخله". واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "بما نال" الباء بمعنى "مع"، أي مع ما نال.
والحديث متّفق عليه، وسبق تخريجه في الحديث الأول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٥ - (بَابُ ثَوَابِ السَّرِيَّةِ الَّتِي تُخْفِقُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السريّة" -بفتح السين، وكسر الراء، وتشديد الياء-: هي طالْفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعَث إلى العدو، وجمعها السرايا، سُمّوا
стр. 13463
بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصةَ العسكر، وخيارهم، من الشيء السّريّ، وهو النفيس. وقيل: سُمّوا بذلك لأنهم يَنفُذُون سرًّا وخُفيةً، وليس بالوجه؛ لأن لام السرّ راء، وهذه ياء. قاله ابن الأثير (١).
و"تُخفق" بضم حرف المضارعة، من الإخفاق، رباعيًّا. قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قال أهل اللغة: الإخفاق أن يغزوا، فلا يغنموا شيئًا، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل فقد أخفق، ومنه أخفق الصائد: إذا لم يقع له صيد انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣١٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ, وَذَكَرَ آخَرَ, قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىَّ, يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً, إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَىْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ, وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ, فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً, تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد"، ٢ - و "أبوه" تقدّما قبل بابين.
٣ - (حيوة) بن شُريح بن صفواب التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبت فقيه زاهد [٧] ١٧/ ٤٧٨.
[تنبيه]: قوله: "وذكر آخر" الضمير لعبد اللَّه بن يزيد، أي ذكر عبد اللَّه بن يزيد في هذا السند مع حيوة رجلاً آخر، والظاهر أنه ابن لهيعة؛ لأن المصنّف لا يصرّح باسمه؛ لضعفه عنده كما تقدم البحث فيه مستوفى في مقدمة هذا الشرح. واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (أبو هانىء الخَوْلانيّ) حُميد بن هانىء المصريّ، لا بأس به [٥] ٤٨/ ١٢٨٤.
٥ - (أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المصريّ المذكور قبل بابين.
٦ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرد به هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه،
стр. 13464
وشيخ شيخه، فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي عبد الرحمن الحبليّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) ابن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَا مِنْ غَازِيَةٍ) "من" زائدة، و"غازية" صفة لموصوف محذوف، تقديره: ما من جماعة، أو سريّة، أو طائفة غازية (تَغْزُو) أعاد الضمير هنا مؤنثًا، مفردًا نظرًا للفظ "غازية" (فِي سَبِيلِ اللَّه) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةَ) أعاد الضمير هنا مذكّرًا جمعًا؛ نظرًا لمعنى "غازية"؛ لأنها بمعنى " جماعة"، أو طائفة، أو سريّة، كما سبق آنفًا (إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ) بكسر الخاء المعجمة (وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَة، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ") قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: إِنَّ الصواب في معنى الحديث أن الغُزاةَ إذا سَلِموا، أو غَنِموا يكون أجرهم أقلّ من أجر من لم يَسلَم، أو سَلِمَ، ولم يَغنَم، وأن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم، فقد تعجّلوا ثلُثي أجرهم المترتّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله: "منا من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهَدبها". أي يجتنيها، فهذا الذي ذكرناه هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريحٌ صحيحٌ يُخالف هذا، فتعيّن حمله على ما ذكرنا انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم استشكال بعضهم هذا الحديث بأنه يخالف حديث أبي هريرة ﵁ السابق في الأبواب الماضية، وفيها: "أو أرجعه بما نال من أجر، أو غنيمة"، حيث إن ظاهره يدلّ على أن الأجر تامّ، لا نقص فيه، سواء كان معه غنيمة، أم لا؟. وتقدّم الجواب عنه مفصّلاً مطوّلاً في شرح الحديث المذكور، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٥/ ٣١٢٦ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٣٣٣. وأخرجه (م) في
стр. 13465
"الجهاد" ١٩٠٦ (د) في "الجهاد" ٢٤٩٧ (ق) في "الجهاد" ٢٧٨٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٥٤١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب السريّة التي تغزو، ولا تغنَم، وذلك أنه يعطى لها أجرها كاملاً، من غير أن يَنقص شيئًا. (ومنها): من غزا، وغنم له ثلث الأجر، وتكون الغنيمة مقابلة بثلثي الأجر. (ومنها): أن فيه رفعًا لهمة المجاهد عن أن يخطر في باله حصول شيء من الغنيمة، حيث إنه ينقص به أجره الأخرويّ، وأهمّ ما عند العاقل آخرته، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]، وقال : ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ الآية [النحل: ٩٦]، وقال : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٢٧ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ , قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي, خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ, ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي, ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أَرْجَعَهُ, إِنْ أَرْجَعْتُهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ, أَوْ غَنِيمَةٍ, وَإِنْ قَبَضْتُهُ غَفَرْتُ لَهُ, وَرَحِمْتُهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
و"حجّاج": هو ابن المنهال الأنماطيّ، أبو محمد السلميّ مولاهم، البصريّ، ثقة فاضل [٩] ١٩/ ٩٠١.
و"يونس": هو ابن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩.
و"الحسن": هو البصريّ. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١٥/ ٣٩٢٧ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٣٣٤. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٩٤١.
وقوله: "في سبيل اللَّه" فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: "في سبيلي".
стр. 13466
وقوله: "ابتغاء مرضاتي " منصوب على أنه مفعول من أجله، أي لأجل طلب رضاي.
وقوله: "أن أرجعه إن أرجعته": "أن" الأولى مفتوحة مصدريّة، والفعل بضم أوله من الإرجاع رباعيًّا بدليل ما بعده، ويحتمل أن يكون بفتحه ثلاثيًّا، وهو الأفصح كما تقدّم البحث عنه، وهو في تأويل المصدر مفعول "ضمن"، و"إن" الثانية مكسورة؛ لأنها شرطيّة، وجملة الشرط معترضة بين العامل، وهو "أرجعه"، ومعموله، وهو قوله: "بما أصاب الخ". وهذا الوجه هو الواضح، وفي بعض النسخ حذف "أن أرجعه"، وفي بعضها: ما لفظه: "أرجعته، أرجعنه"، وكلها لا وجه لها، إلا بتكلّف. ونصّ "الكبرى": "ضمنت له إن أرجعته، أن أرجعه بما أصاب الخ"، وعليه فـ"إن" الأولى شرطيّة، و"أن" الثانية مصدريّة، وهو واضح.
وتمام شرح الحديث يعلم من شرح حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - السابق في -١٤/ ٣١٢٣ فإنه بمعناه، فليُراجَع هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٦ - (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
وفي نسخة: "مثل المجاهدين في سبيل اللَّه".
٣١٢٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْخَاشِعِ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "مثل المجاهد الخ" المراد ما دام في الجهاد.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل باب ١٤/ ٣١٢٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13467
"إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧ - (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يعدل" بكسر الدال، من باب ضرب: أي يماثله، يقال: عَدَلتُ هذا بهذا عَدلاً، من باب ضَرَبَ: إذا جعلته مثله، قائمًا مَقَامه، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وعِدْلُ الشيء بالكسر مثله من جنسه، أو مِقْدارِهِ، وبالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية [المائدة: ٩٥]. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣١٢٩ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ, أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ, يَعْدِلُ الْجِهَادَ, قَالَ: «لَا أَجِدُهُ, هَلْ تَسْتَطِيعُ, إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ, تَدْخُلُ مَسْجِدًا, فَتَقُومُ لَا تَفْتُرُ, وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟» , قَالَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَمة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت سني [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": "حماد" بدل "عفّان"، وهو غلط فاحش، والصواب ما هنا، وهو الذي في النسخة "الهندية"، و "تحفة الأشراف" ٩/ ٤٣٦. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (همّام) بن يحيى العَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧] ٥/ ٤٦٥.
٤ - (محمد بن جُحَادة) -بضم الجيم، وتخفيف المهملة-: هو الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقة [٥] ٤٨/ ١٧٣٦.
٥ - (أبو حَصِين) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: هو عثمان بن عاصم بن
стр. 13468
حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ، ربما دلّس [٤] ١٠٢/ ١٥٢.
[تنبيه]: هذا الضبط الذي ذكرته في "أبي حَصِين" هو الصواب، فما وقع في نسخ "المجتبى المطبوعة من ضبطه بالقلم بضم الحاء، وفتح الصاد، مصغّرًا، فغلطٌ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ذكوان) أبو صالح السمّان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه قال (جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، يَعْدِلُ) بكسر الدال، كما تقدّم تحقيقه في شرح الترجمة (الْجِهَادَ) بالنصب مفعول به لما قبله (قَالَ: "لَا أَجِدُهُ) هذا جواب من النبيّ ﷺ ، أي لا أجده مع أنك تستطيعه. وقوله (هَلْ تَسْتَطِيعُ) كلام مستأنف، ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه بلفظ: "قيل: ما يعدِلُ الجهاد؟، قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرّتين، أو ثلاثة، كلّ ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مثلُ المجاهد في سبيل اللَّه … " الحديث. وأخرج الطبرانيّ نحو هذا الحديث من حديث سَهْل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، وقال في آخره: "لم يبلغ العشر من عمله" (إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ، تَدْخُلُ مَسْجِدًا، فَتَقُومُ) أي بالصلاة (لَا تَفْتُرُ) من باب نصر: أي تديم القيامَ من غير فُتُور، والجملة فى محلّ نصب على الحال.
يعني لا تنقطع عن الصلاة، بل تصلّي بالاستمرار ليلاً ونهارًا، والمراد الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، فلا يشمل أوقات النهي، فتنبّه (وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟ ") أي في وقت الإفطار، وهو الليل، وليس المراد أن يواصل الصوم ليلاً ونهارًا، بل المراد وقت الصوم، وهو النهار، وكذا لا يشمل الأو قات التي نُهي الصوم فيها، كأيام العيد، واللَّه تعالى أعلم (قَالَ) ذلك السائل (مَن يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟) "من" استفهاميّة، والاستفهام إنكاريّ، أي لا أحد يستيطع ما ذكرته، من مواصلة القيام، والصيام دائمًا. وفي رواية
стр. 13469
أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان: "قال: لا أستطيع ذلك".
وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل اللَّه، تقتضي أن لا يعدل الجهاد شيء من الأعمال.
لكن يعارضه ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "ما العمل في أيام، أفضلَ منها في هذه" -يعني أيام عشر ذي الحجة-، قالوا: ولا الجهاد؟، قال: "ولا الجهاد، إلا رجل خرج، يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء".
ويمكن أن يجاب بأن عموم حديث الباب خُصّ بما دلّ عليه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. أو يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصًا بمن خرج قاصدًا المخاطرة بنفسه وماله، فأصيب، كما بينه قوله: "خرج يُخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشي"، فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة.
لكن يُشكل عليه ما تقدّم في حديث أبي هريرة ﵁: "وتوكّل اللَّه للمجاهد … " الحديث.
ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولاً خاص بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجرٌ في الجملة، كما تقدّم تحقيقه في شرح حديث أبي هريرة ﵁ المذكور.
وأشدّ مما تقدّم في الإشكال ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وأحمد، وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء ﵁، مرفوعًا: "ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب، والورِقِ، وخير لكم من أن تلقَوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ "، قالو ا: بلى، قال: "ذكر اللَّه".
فإنه ظاهرٌ في أن الذكر بمجرّده أفضل، من أبلغ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق، مع ما في الجهاد، والنفقة من النفع المتعدّي. ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر هذا الاستشكال الحافظ في "الفتح"، ولم يُجب عنه.
والذي يظهر لي أن حديث الجهاد يرجح على حديث الذكر؛ لأنه متّفق عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر حديث الباب: ما نصّه: قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد لَيَستنّ في طِوَله، فيُكتب له حسنات". وقوله: "يستنّ" أي يَمْرَح بنشاط،
стр. 13470
وقال الجوهريّ: هو أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا، وقال غيره: أن يلج في عَدْوه، مقبلاً، أو مدبرًا، وفي المثَلِ: "استنّت الفصال حتى القَرْعَى" (١)، يُضرب لمن يتشبّه بمن فوقه. وقوله: "في طوله" بكسر المهملة، وفتح الواو: هو الحبل الذي تُشدّ به الدّابّة، ويُمسَك طرفه، وتُرسل في المرعى. وقوله: "فيُكتبُ له حسناتٍ" بنصب "حسنات" على أنه مفعول ثان، أي يكتب له الاستنان حسنات. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧/ ٣١٢٩ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٤٣٣٦. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٧٨٥ (م) في "الجهاد" ١٨٧٨ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦١٩ (أحمد) في باقي مسند المكثرين" ٨٣٣٥ و ٩١٩٧ و ٢٧٢٠٨ و ٩٦٠٤ و ٩٦٧٤ (الموطأ) في "الجهاد" ٩٧٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يَعدِل الجهاد في سبيل اللَّه ، ووجه ذلك أن الحديث فيه بيان أن الجهاد لا يعادله شيء من الأعمال، وهو مقيّد بما بعد الإيمان باللَّه ورسوله ﷺ ، بدليل حديث أبي ذر، وأبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتيين بعد هذا. (ومنها): ما قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: إن حديث الباب اشتمل على تعظيم أمر الجهاد؛ لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال، قد عدلها كلها الجهاد، حتى صارت جميع حالات المجاهد، وتصرّفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة، وغيرها، ولهذا قال ﷺ : "لا تستطيع ذلك". (ومنها): أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسانٌ من اللَّه تعالى لمن شاء. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا؛ لما تقدّم تقريره. وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر
стр. 13471
ودَحْضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ, عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , أَيُّ الْعَمَلِ خَيْرٌ؟ , قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ, وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ الْحَكَمِ) المصري الثقة الفقيه [١١] ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد المصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث) بن سعد إمام أهل مصر الحجة الثقة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (عبيد اللَّه بن أبي جعفر) يسار، أبو بكر المصريّ الفقيه الثقة [٥] ٨٣/ ٢٥٨٥.
٥ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٦ - (أَبو مُرَاوح) -بضمّ الميم، بعدها راء خفيفة، وكسر الواو، بعدها مهملة- اسمه سعد- الغفاريّ، أو الليثيّ المدنيّ، قيل: له صحبة، وإلا فبصريّ ثقة [٣] ٥٧/ ٢٣٠٣.
[تنبيه]: قال في "الفتح": زاد مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: "الليثيّ"، ويقال: له أيضًا: "الغفاريّ"، وهو مدنيّ، من كبار التابعين، لا يعرف اسمه، وشذّ من قال: اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يره (٢).
وقال في "الفتح" أيضًا: وفي الصحابة أبو مراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقدًا، وعزاه لأبي داود. (٣).
٧ - (أبو ذرّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عروة، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين في نسق واحد: عبيد اللَّه بن أبي جعفر،
стр. 13472
وعروة، وأبو مراوح، وقد أخرجه مسلم من رواية الزهريّ، عن حبيب مولى عروة، عن عروة، فصار عنده في الإسناد أربعة من التابعين. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": وقع في رواية الإسماعيليّ، من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام -يعني ابن عروة- أخبرني أبي، أن أبا مراوح أخبره. وذكر الإسماعيليّ عددًا كثيرًا نحو العشرين نفسًا، رووه عن هشام بهذا الإسناد، وخالفهم مالك، فأرسله في المشهور عنه، عن هشام، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ . ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ، وطائفة عنه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. ورواه سعيد بن داود، عنه، عن هشام كرواية الجماعة. قال الدارقطنيّ: الرواية المرسلة عن مالك أصحّ، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي ذَرِّ) جندب بن جُنادة - رضي اللَّه تعالى عنه -. وفي رواية يحيى بن سعيد المذكورة: "أن أبا ذرّ أخبره" (أنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، أَي الْعَمَلِ خَيْرٌ؟) وفي رواية البخاريّ: "أي العمل أفضل؟ ". أي أكثر ثوابًا عند اللَّه تعالى (قَالَ) ﷺ (إِيمَان بِاللَّهِ) ، فيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد -كما قال النوويّ- الإيمان الذي يُدخل به في ملّة الإسلام، وهو التصديق بالقلب، والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان هنا الأعمال بسائر الجوارح، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والجهاد؛ لكونه جُعل قسيمًا للجهاد. واللَّه تعالى أعلم (وَجِهَادٌ) الواو هنا بمعنى "ثُمّ"، كما قاله ابن حبّان، وهو كذلك في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا (فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي لإعلاء كلمته. وروية المصنّف هذه مختصرة، وقد رواه البخاريّ بتمامه في "كتاب العتق"، فقال: ٢٥١٨ - حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُرَاوح، عن أبي ذر، ﵁، قال: سألت النبي ﷺ ، أيُّ العمل أفضل؟، قال: "إيمان باللَّه، وجهاد في سبيله"، قلت: فأي الرقاب أفضل؟، قال: "أعلاها (٢) ثمنا، وأنفسها عند أهلها"، قلت: فإن لم أفعل؟، قال: "تعين ضائعا، أو تصنع لأخرق"، قال: فإن لم أفعل؟، قال: "تدع الناس من الشر، فإنها صدقة، تَصَدَّقُ بها على نفسك" انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13473
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي ذر - رضي اللَّه تعالى عنه - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧/ ٣١٣٠ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٤٣٣٧. وأخرجه (خ) في "العتق" ٢٥١٨ (م) "الإيمان" ٨٤ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٠٨٢٤ و ٢٠٩٣٨ و ٢٠٩٨٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يعدل الجهاد في سبيل اللَّه ، ووجه ذلك أن الحديث بين أنه لا يفضل الجهاد في سبيل اللَّه شيء بعد الإيمان باللَّه تعالى. (ومنها): فضل الإيمان باللَّه تعالى، وأنه لا عمل للعبد أفضل منه على الإطلاق. (ومنها): أن فيه بيان تفاوت الأعمال الصالحة، وأن بعضها لا يعادله شيء من الأعمال على الإطلاق، وبعضها يفضل معظم أفعال العبد.
وقد تقدّم البحث في الجمع بين الروايات المختلفة في تفضيل الأعمال بما فيه الكفاية في "كتاب الحجّ" ٤/ ٢٦٢٤ - "باب فضل الحجّ" - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٣١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ , قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ» , قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ , قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» , قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ , قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في "كتاب الحجّ" - ٤/ ٢٦٢٤ - باب "فضل الحجّ" رواه المصنف عن شيخه محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. وتقدّم هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13474
١٨ - (دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -)
٣١٣٢ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ, مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلَامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا, وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» , قَالَ: فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ, قَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ, يَا رَسُولَ اللهِ, فَفَعَلَ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ, مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ, مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ, كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» , قَالَ: وَمَا هِيَ, يَا رَسُولَ اللهِ؟ , قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الحارث بن مسكين) المصريّ الفقيه الثقة [١٠] ٩/ ٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الثقة العابد الحافظ [٩] ٩/ ٩.
٣ - (أبو هانىء) حميد بن هانىء المصري، تقدم قبل بابين.
٤ - (أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المصريّ تقدّم قبل بابين.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، غير أبي سعيد، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدري ﵁، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) سعد بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "يَا أبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا) منصوب على التمييز، أي من حيث كونُهُ ربًّا، أي من رضي بربوبيته على وفق قضائه وقدره، من خيره وشرّه، وحُلْوه، ومره (وَبِالإسْلامِ دِينًا) أي من حيث الدين، أي رضي بشرائعه، وأحكامه، من المأمورات
стр. 13475
والمنهيات (وَبِمُحَمَّدِ نَبيًّا) أي من حيث كونه رسولاً، أي رضي برسالته الموجبة لمتابعته في أقواله، وأفعاله، وأحواله.
قال صاحب "التحرير": معنى رضيتُ بالشيء، قنِعتُ به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير اللَّه تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ (١) (وَجَبَت لَهُ الْجَنَّةُ) أي ثبتت، وتحقّقت، وعبّر بالماضي مبالغةً في تحقق وقوعها.
وفيه فضل عظيم لمن اتّصف بالرضى المذكور، حيث وجبت له الجنّة، وذلك لأن رضا العبد بهذه المذكورات دليل على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة الإيمان قلبه، فتسهل عليه الطاعات، وتلذّ له، ولذلك قال ﷺ ، كما في حديث العبّاس بن عبد المطّلب - رضي اللَّه تعالى عنه - الذي أخرجه مسلم في "صحيحه": "ذاق طَعْم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولاً" (٢).
(قَالَ: فَعَجِبَ لَهَا أَبو سَعِيدٍ) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: فعجبت لها. أي عجب أبو سعَيد الخدريّ ﵁ لأجل هذه الكلمات، أو لهذه القضيّة (قَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ، بَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ) أي فأعادها ﷺ عليه مرّة ثانيةَ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأُخرَى) يحتمل أن يكون مرفوعًا، مبتدءًا خبره محذوف، أي عندي خصلة أخرى، وأن يكون مفعولاً لفعل محذوف، أي أعلّمك خصلة أخرى. وقال الطيبيّ: "أخرى" صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ، وقوله: "يُرفع" خبره، أو منصوب على إضمار فعل، أي ألا أبشّرك بشارةً أخرى، وقوله: "يُرفع" صفة، أو حال. وقيل: هناك خصلة أخرى. انتهى.
(يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (بِهَا العَبْدُ، مِائَةَ دَرَجَة فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ، كَمَا بَبنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ") قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن هذا على ظاهره، وأن الدرجات هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنّة، كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدّريّ. قال: ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعيم، وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر، ولا بصفة مخلوق، وأن أنواع ما أنعم اللَّه به عليه من البرّ والكرامة يتفاضل تفاضلاً كثيرًا، ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد. قال القاضي: والاحتمال الأول أظهر. قال النوويّ: وهو كما قال. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13476
(قَالَ) أبو سعيد ﵁ (وَمَا هِيَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ) ﷺ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") هكذا مكررًا مرتين، وهو كذلك، ولكن في "الكبرى" مكرّرٌ ثلاث مرّات.
وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد، وتعظيم شأنه، فإن قوله: "من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا" مشتملٌ على جميع ما أمر اللَّه به، ونهى عنه، ومنه الجهاد، وكذا إبهامه بقوله: "وأخرى"، وإبرازه في صورة البشارة؛ ليسأل عنها، فيجاب بما يجاب؛ لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس، وكذا تكراره بقوله: "الجهاد في سبيل اللَّه، الجهاد في سبيل اللَّه". ونظير هذا الحديث قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصفّ:١٠ - ١٣]. أفاده القاري (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٨/ ٣١٣٢ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٣٣٩. وأخرجه (م) في "الجهاد" ١٨٨٤ (د) ١٥٢٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان درجة المجاهد في سبيل اللَّه ، وأنه يُرفع مائة درجة، بعد ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض. (ومنها): بيان فضل الرضا باللَّه تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، حيث إن من اتّصف به وجبت له الجنّة. (ومنها): فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، حيث يرفع المجاهد هذه الدرجات العالية بسببه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٣٣ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ, عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ, وَآتَى الزَّكَاةَ, وَمَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا, كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ, هَاجَرَ, أَوْ مَاتَ فِي مَوْلِدِهِ» , فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, أَلَا نُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ, فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟ , فَقَالَ:
стр. 13477
«إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ, بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ, أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ, وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ, وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ, وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي, مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ, وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ, ثُمَّ أُحْيَا, ثُمَّ أُقْتَلُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن محمد بن بَكَار بن بِلال) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] ١٢٨/ ١٠٩١.
٢ - (محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع) -بالتصغير-: الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، صدوق يخطىء، ويدلس، ورمي بالقدر [٩] ٢٤/ ١٤٤٣.
٣ - (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] ٢٩/ ٩٢٠.
٤ - (بُسر بن عُبيد اللَّه) الحضرميّ الشاميّ، ثقة حافظ [٤] ١١/ ٧٦٠.
٥ - (أبو إدريس الْخَوْلانيّ) عائذالله بن عبد اللَّه، وُلد في حياة النبيّ ﷺ يوم حُنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة (٨٠) وكان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء [٢] ٧٢/ ٨٠.
٦ - (أبو الدرداء) عُويمر بن زيد بن قيس- على المشهور- الصحابيّ الشهير ﵁ ٤٨/ ٨٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وشيخ شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ) أي أدّاها مراعيًا آدابها، وخشوعها (وَآتى الزَّكَاةَ) أي أعطاها لمستحقّها (وَمَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ) أي ثابتًا عليه بمقتضى وعده (أَنَّ يَغفِرَ لَهُ) في تأويل المصدر اسم "كان" مؤخّرًا (هَاجَرَ، أَوْ مَاتَ فِي مَوْلِدِهِ) أي سواء خرج من بلده إلى المدينة، أم لم يهاجر، بل عاش في محلّ ولادته، ووطنه، ثم مات فيه.
والمعنى أنه لا يختلف حاله مهاجرًا، وغير مهاجر، بل يغفر اللَّه تعالى ذنوبه في كلتا الحالتين؛ لقيامه بما أوجب اللَّه تعالى عليه، إذ الهجرة ليست واجبة بعد فتح مكّة، كما قال ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة".
стр. 13478
وهذا الحديث نظير حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الهجرة، فقال: "ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ "، قال: نعم، قال: "فتعطي صدقتها؟ "، قال: نعم، قال: "فهل تَمْنَح منها شيئا؟ "، قال: نعم، قال: "فتحلُبُها يوم وِرْدِها؟ "، قال: نعم، قال: "فاعمل من وراء البحار، فإن اللَّه لن يَتِرَك من عملك شيئًا". متّفق عليه، وسيأتي للمصنّف في "كتاب الأيمان والنذور" برقم -٣٨٧٦. إن شاء اللَّه تعالى.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": ما لفظه: "هَاجِرًا -بصيغة اسم الفاعل- ومات في مولده"، بالواو، وهو تصحيف، والصواب: "هَاجَرَ" -بصيغة الماضي- "أو مات في مولده" بـ"أو"، كما في "النسخة الهنديّة" و"السنن الكبرى"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُخْبِرُ بِهَا) أي بهذه البشرى (النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟) الفعل منصوب بـ"أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة (فَقَالَ) ﷺ (إِنَّ لِلْجَنَّةِ، مِائَةَ دَرَجَة، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبيلِهِ) هذا الكلام علة لمحذوف، أي لا تخبروهم بهذه الفضيلة؛ لأنه ليس المطلوب المغَفرة فقط، بل تحصيل الدجات العالية أيضًا مطلوب، والإخبار بمثل هذا الخبر ربّما يؤدي إلى قصر الهمّة على تحصيل المغفرة، وهو يُفضي إلى الحرمان عن الدرجات المطلوبة، فلا ينبغي الإخبار بهذا، ثم أكّد ذلك بقوله (وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) كأنه ﷺ يقول: أنا مع أنه حصل لي المغفرة قطعًا، أريد أن أجاهد في سبيل اللَّه تعالى لتحصيل الدرجات العالية، فكيف حال غيري (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُم عَلَيْهِ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنَّ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي) أي فيوجب ذلك مشيهم معي على أرجلهم، وفيه من المشقّة عليهم ما لا يخفى (مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ) هي قطعة من الجيش تنفرد بالغزو، قال في "النهاية": يبلغ أقصاها أربعمائة. وقال في "المحكم": ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة. وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة، وسميت بذلك؛ لأنهم خلاصة العسكر، وخيارهم، وقيل: غير ذلك (١)، كما تقدّم.
والمعنى ما تخلّفت عن السريّة بعد خروجها، بل أخرج معها كلما خرجت
(وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول، ويجوز فيه الفتح على البناء للفاعل. قاله وليّ الدين (٢) (ثُمَّ أُقْتَلُ) بضم الهمزة بالبناء للمفعول، لا غير. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون ذاك قبل قوله تعالى: ﴿وَاَللهُ
стр. 13479
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية. ويحتمل أن يكون بعده، لجواز تمنّي المستحيل، كما في "ليت الشباب يعود يوما" انتهى (١).
وفيه تعظيم أمر الجهاد، ورفقه ﷺ بأمته، ورأفته بهم، وأنه يترك بعض أعمال البرّ خشية أن يتكلّفوه، فيشقّ عليهم، وهو أصل في الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه، والمشقّة عنهم. وفيه أنه إذا تعارضت المصالح بُدىء بأهمّها. وفيه أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين، حتى في زمنه ﷺ ، وهو الأصحّ، وقيل: كان في زمنه فرض عين، وعلى القول بأنه فرض كفاية قد يتعيّن لعارض، كما تقدّم البحث عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي الدرداء هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١٨/ ٣١٣٣ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٣٤٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩ - (مَا لِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ، وَجَاهَدَ؟)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل أن تكون "ما" هنا موصولة، أي هذا باب ذكر الدليل على الثواب الذي أُعدّ لمن أسلم الخ. ويحتمل أن تكون استفهاميّة، أي أيُّ شيء من الثواب ثبت لمن أسلم الخ؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣١٣٤ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا زَعِيمٌ -وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ- لِمَنْ آمَنَ بِي, وَأَسْلَمَ, وَهَاجَرَ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ, وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ, وَأَنَا زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِي, وَأَسْلَمَ, وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ, وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ, وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ, مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَلَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا, وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا, يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ»).
стр. 13480
رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١ - (عمرو بن مالك الْجَنْبِي) -بفتح الجيم، وسكون النون، بعدها موحّدة-: وهو أبو عليّ الهمدانيّ المصريُّ ثقة [٣] ٤٨/ ١٢٨٤.
و٢ - (فَضَالة بن عُبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاريّ الأوسيّ، أول ما شَهِد أحدٌ، ثم نزل دمشق، وولي قضاءها، ومات ﵁ سنة (٥٨) وقيل: قبلها، ٤٨/ ١٢٨٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وعمرو بن مالك. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْن مَالِك الْجَنْبِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنا زَعِيمٌ) بفتح الزاي، وكسر المهملة (وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: أي الكفيل. قال ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى-: الزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، قال: ويشبه أن تكون هذه اللفظة: "الزعيم الحميل" من قول ابن وهب، أُدرِج في الخبر انتهى (١) (لِمَنْ آمَنَ بِي) أي بقلبه، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ"زعيم" (وَأَسْلَمَ) أي بظاهره (وَهَاجَرَ) إلى المدينة (بِبَيْتٍ) متعلّق بـ"زعيم" أيضًا، وفي بعض النسخ: "يبيت" بصيغة المضارع في المواضع الأربعة (فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) -بفتحتين-: هو ما حولها، خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول الْمُدُن، وتحت القلاع. قاله ابن الأثير (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المراد هنا ما حول الجنّة الداخليّ، لا الخارجيّ؛ لأن أهل الجنّة لا يكنون خارجها، فليُتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
(وَببَيت فِي وَسَطِ الْجنَّةِ) بفتح السين، وتسكن، كما تفيده عبارة "المصباح" (وَأَنا زَعِيمٌ لَمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَببَيْتِ فِي وَسَطِ الْجنَّةِ، وَبِبَيْتِ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ) -بضمّ، فتح- جمع غُرْفة -بضمّ، فسَكون-: هي الْعُليّةُ، وجمع الجمع غُرَفات -بفتح الراء عند قوم، وهو تخفيف عند آخرين، وتضمّ