(قَالَ) أبو سعيد ﵁ (وَمَا هِيَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ) ﷺ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") هكذا مكررًا مرتين، وهو كذلك، ولكن في "الكبرى" مكرّرٌ ثلاث مرّات.
وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد، وتعظيم شأنه، فإن قوله: "من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا" مشتملٌ على جميع ما أمر اللَّه به، ونهى عنه، ومنه الجهاد، وكذا إبهامه بقوله: "وأخرى"، وإبرازه في صورة البشارة؛ ليسأل عنها، فيجاب بما يجاب؛ لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس، وكذا تكراره بقوله: "الجهاد في سبيل اللَّه، الجهاد في سبيل اللَّه". ونظير هذا الحديث قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصفّ:١٠ - ١٣]. أفاده القاري (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٨/ ٣١٣٢ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٣٣٩. وأخرجه (م) في "الجهاد" ١٨٨٤ (د) ١٥٢٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان درجة المجاهد في سبيل اللَّه ، وأنه يُرفع مائة درجة، بعد ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض. (ومنها): بيان فضل الرضا باللَّه تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، حيث إن من اتّصف به وجبت له الجنّة. (ومنها): فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، حيث يرفع المجاهد هذه الدرجات العالية بسببه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٣٣ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ, عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ, وَآتَى الزَّكَاةَ, وَمَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا, كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ, هَاجَرَ, أَوْ مَاتَ فِي مَوْلِدِهِ» , فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, أَلَا نُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ, فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟ , فَقَالَ:
стр. 13477
«إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ, بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ, أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ, وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ, وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ, وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي, مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ, وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ, ثُمَّ أُحْيَا, ثُمَّ أُقْتَلُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن محمد بن بَكَار بن بِلال) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] ١٢٨/ ١٠٩١.
٢ - (محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع) -بالتصغير-: الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، صدوق يخطىء، ويدلس، ورمي بالقدر [٩] ٢٤/ ١٤٤٣.
٣ - (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] ٢٩/ ٩٢٠.
٤ - (بُسر بن عُبيد اللَّه) الحضرميّ الشاميّ، ثقة حافظ [٤] ١١/ ٧٦٠.
٥ - (أبو إدريس الْخَوْلانيّ) عائذالله بن عبد اللَّه، وُلد في حياة النبيّ ﷺ يوم حُنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة (٨٠) وكان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء [٢] ٧٢/ ٨٠.
٦ - (أبو الدرداء) عُويمر بن زيد بن قيس- على المشهور- الصحابيّ الشهير ﵁ ٤٨/ ٨٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وشيخ شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ) أي أدّاها مراعيًا آدابها، وخشوعها (وَآتى الزَّكَاةَ) أي أعطاها لمستحقّها (وَمَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ) أي ثابتًا عليه بمقتضى وعده (أَنَّ يَغفِرَ لَهُ) في تأويل المصدر اسم "كان" مؤخّرًا (هَاجَرَ، أَوْ مَاتَ فِي مَوْلِدِهِ) أي سواء خرج من بلده إلى المدينة، أم لم يهاجر، بل عاش في محلّ ولادته، ووطنه، ثم مات فيه.
والمعنى أنه لا يختلف حاله مهاجرًا، وغير مهاجر، بل يغفر اللَّه تعالى ذنوبه في كلتا الحالتين؛ لقيامه بما أوجب اللَّه تعالى عليه، إذ الهجرة ليست واجبة بعد فتح مكّة، كما قال ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة".
стр. 13478
وهذا الحديث نظير حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الهجرة، فقال: "ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ "، قال: نعم، قال: "فتعطي صدقتها؟ "، قال: نعم، قال: "فهل تَمْنَح منها شيئا؟ "، قال: نعم، قال: "فتحلُبُها يوم وِرْدِها؟ "، قال: نعم، قال: "فاعمل من وراء البحار، فإن اللَّه لن يَتِرَك من عملك شيئًا". متّفق عليه، وسيأتي للمصنّف في "كتاب الأيمان والنذور" برقم -٣٨٧٦. إن شاء اللَّه تعالى.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": ما لفظه: "هَاجِرًا -بصيغة اسم الفاعل- ومات في مولده"، بالواو، وهو تصحيف، والصواب: "هَاجَرَ" -بصيغة الماضي- "أو مات في مولده" بـ"أو"، كما في "النسخة الهنديّة" و"السنن الكبرى"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُخْبِرُ بِهَا) أي بهذه البشرى (النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟) الفعل منصوب بـ"أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة (فَقَالَ) ﷺ (إِنَّ لِلْجَنَّةِ، مِائَةَ دَرَجَة، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبيلِهِ) هذا الكلام علة لمحذوف، أي لا تخبروهم بهذه الفضيلة؛ لأنه ليس المطلوب المغَفرة فقط، بل تحصيل الدجات العالية أيضًا مطلوب، والإخبار بمثل هذا الخبر ربّما يؤدي إلى قصر الهمّة على تحصيل المغفرة، وهو يُفضي إلى الحرمان عن الدرجات المطلوبة، فلا ينبغي الإخبار بهذا، ثم أكّد ذلك بقوله (وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) كأنه ﷺ يقول: أنا مع أنه حصل لي المغفرة قطعًا، أريد أن أجاهد في سبيل اللَّه تعالى لتحصيل الدرجات العالية، فكيف حال غيري (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُم عَلَيْهِ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنَّ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي) أي فيوجب ذلك مشيهم معي على أرجلهم، وفيه من المشقّة عليهم ما لا يخفى (مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ) هي قطعة من الجيش تنفرد بالغزو، قال في "النهاية": يبلغ أقصاها أربعمائة. وقال في "المحكم": ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة. وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة، وسميت بذلك؛ لأنهم خلاصة العسكر، وخيارهم، وقيل: غير ذلك (١)، كما تقدّم.
والمعنى ما تخلّفت عن السريّة بعد خروجها، بل أخرج معها كلما خرجت
(وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول، ويجوز فيه الفتح على البناء للفاعل. قاله وليّ الدين (٢) (ثُمَّ أُقْتَلُ) بضم الهمزة بالبناء للمفعول، لا غير. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون ذاك قبل قوله تعالى: ﴿وَاَللهُ
стр. 13479
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية. ويحتمل أن يكون بعده، لجواز تمنّي المستحيل، كما في "ليت الشباب يعود يوما" انتهى (١).
وفيه تعظيم أمر الجهاد، ورفقه ﷺ بأمته، ورأفته بهم، وأنه يترك بعض أعمال البرّ خشية أن يتكلّفوه، فيشقّ عليهم، وهو أصل في الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه، والمشقّة عنهم. وفيه أنه إذا تعارضت المصالح بُدىء بأهمّها. وفيه أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين، حتى في زمنه ﷺ ، وهو الأصحّ، وقيل: كان في زمنه فرض عين، وعلى القول بأنه فرض كفاية قد يتعيّن لعارض، كما تقدّم البحث عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي الدرداء هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١٨/ ٣١٣٣ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٣٤٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩ - (مَا لِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ، وَجَاهَدَ؟)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل أن تكون "ما" هنا موصولة، أي هذا باب ذكر الدليل على الثواب الذي أُعدّ لمن أسلم الخ. ويحتمل أن تكون استفهاميّة، أي أيُّ شيء من الثواب ثبت لمن أسلم الخ؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣١٣٤ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا زَعِيمٌ -وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ- لِمَنْ آمَنَ بِي, وَأَسْلَمَ, وَهَاجَرَ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ, وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ, وَأَنَا زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِي, وَأَسْلَمَ, وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ, وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ, وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ, مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَلَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا, وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا, يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ»).
стр. 13480
رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١ - (عمرو بن مالك الْجَنْبِي) -بفتح الجيم، وسكون النون، بعدها موحّدة-: وهو أبو عليّ الهمدانيّ المصريُّ ثقة [٣] ٤٨/ ١٢٨٤.
و٢ - (فَضَالة بن عُبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاريّ الأوسيّ، أول ما شَهِد أحدٌ، ثم نزل دمشق، وولي قضاءها، ومات ﵁ سنة (٥٨) وقيل: قبلها، ٤٨/ ١٢٨٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وعمرو بن مالك. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْن مَالِك الْجَنْبِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنا زَعِيمٌ) بفتح الزاي، وكسر المهملة (وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: أي الكفيل. قال ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى-: الزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، قال: ويشبه أن تكون هذه اللفظة: "الزعيم الحميل" من قول ابن وهب، أُدرِج في الخبر انتهى (١) (لِمَنْ آمَنَ بِي) أي بقلبه، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ"زعيم" (وَأَسْلَمَ) أي بظاهره (وَهَاجَرَ) إلى المدينة (بِبَيْتٍ) متعلّق بـ"زعيم" أيضًا، وفي بعض النسخ: "يبيت" بصيغة المضارع في المواضع الأربعة (فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) -بفتحتين-: هو ما حولها، خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول الْمُدُن، وتحت القلاع. قاله ابن الأثير (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المراد هنا ما حول الجنّة الداخليّ، لا الخارجيّ؛ لأن أهل الجنّة لا يكنون خارجها، فليُتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
(وَببَيت فِي وَسَطِ الْجنَّةِ) بفتح السين، وتسكن، كما تفيده عبارة "المصباح" (وَأَنا زَعِيمٌ لَمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَببَيْتِ فِي وَسَطِ الْجنَّةِ، وَبِبَيْتِ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ) -بضمّ، فتح- جمع غُرْفة -بضمّ، فسَكون-: هي الْعُليّةُ، وجمع الجمع غُرَفات -بفتح الراء عند قوم، وهو تخفيف عند آخرين، وتضمّ
стр. 13481
الراء للإتباع، وتسكّن حملاً على لفظ الواحد (١) (مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي ما ذُكر من الإيمان باللَّه، والإسلام، والجهاد في سبيله (فَلَمْ يَدَعْ) أي لم يترك (لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا) أي محلّ طلب، يعني أنه ما من مكان يُطلب فيه الخير إلا حضره، وطلب فيه الخير، وأخذ منه حظّه (وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا) أي ولم يترك مكانًا يُهرب إليه من الشرّ، ويُلجأ إليه، ويُعتصم به للخلاص منه إلا هرب إليه، واعتصم به (يَمُوتُ حَيثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ) يعني أنه في أي مكان مات، سواء مات في بيته، وبين عشييرته، أو مات خارجًا في سبيل اللَّه، فإن له ما ذُكر من غرف الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث فَضَالة بن عُبيد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٩/ ٣١٣٤ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٣٤١. وأخرجه الطبرانيّ ١٨/ ٨٠١ والبيهقيّ ٦/ ٧٢ والحاكم، وصححه على شرط مسلم ٢/ ٦١ و ٧١ ووافقه الذهبيّ مع أن عمرو بن مالك الْجَنْبيّ لم يخرّج له مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٣٥ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ, هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ, عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لاِبْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ, فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلَامِ, فَقَالَ: تُسْلِمُ, وَتَذَرُ دِينَكَ, وَدِينَ آبَائِكَ, وَآبَاءِ أَبِيكَ, فَعَصَاهُ, فَأَسْلَمَ, ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ, فَقَالَ: تُهَاجِرُ, وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ, وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ, كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ, فَعَصَاهُ, فَهَاجَرَ, ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ, فَقَالَ تُجَاهِدُ, فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ, فَتُقَاتِلُ, فَتُقْتَلُ, فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ, وَيُقْسَمُ الْمَالُ, فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ» , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ , أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ, وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ , أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ, وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ, أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ, أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ, كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزجانيّ الثقة الحافظ رُمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
стр. 13482
٢ - (أبو النضر هاشم بن القاسم) البغداديّ، الملقّب قيصر، ثقة ثبت [٩] ٧١/ ٢٤٠٧.
٣ - (أبو عَقيل عبد اللَّه بن عَقيل) الثقفيّ الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوق [٨].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال عثمان الدارميّ عنه، وزاد: لا بأس به. وقال الغلابيّ، عن ابن معين: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال أبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: أثنى عليه أحمد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وليس له عند أبي داود إلا تغيير عمر اسم الأجدع إلى عبد الرحمن.
٤ - (موسى بن المسيّب) ويقال: موسى بن السائب الثقفيّ، أبو جعفر الكوفيّ البزّاز، صدوق، لا يلتفت إلى الأزديّ في تضعيف [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: موسى بن السائب، هو أبو جعفر ما أعلم إلا خيرًا. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: موسى بن المسيّب صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الأزديّ: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٥ - (سالم بن أبي الْجَعْد رافع) الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، كان يرسل كثيرًا [٣] ٦١/ ٧٧.
٦ - (سَبْرَة بن فاكه) ويقال: ابن أبي الفاكه، ويقال: ابن الفاكهة، ويقال: ابن أبي الفاكهة المخزوميّ، أو الأسديّ، صحابيّ نزل الكوفة، له عن النبيّ ﷺ حديث الباب (١). وعنه سالم بن أبي الجعد، وعُمارة بن ثابت، وفي إسناد حديثه اختلاف. روى له المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فدمشقي، وأبا النضر، فبغداديّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13483
شرح الحديث
(عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ) جمع قلّة لطريق. قال في "القاموس": والطريق معروف، ويؤنّث، جمعه أَطْرُقٌ، وطُرُقٌ -بضمتين- وأَطْرِقَاءُ، وأطرِقَةٌ -بكسر الراء فيهما- وجمع جمعه طُرُقَات انتهى (١). وقال في "النهاية": هي جمع طريق على التأنيث؛ لأن الطريق يذكّر، ويؤنّث، فجمعه على التذكير أَطْرِقةٌ، كرَغِيفٍ وأرغِفَة، وعلى التأنيث أَطْرُقٌ، كيمين وأَيْمُن انتهى (٢) (فَقَعَدَ لَهُ بطَرِيقِ الْإسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ) استفهام بتقدير همزة الاستفهام، وهو للإنكار، أي أتسلمَ (وَتَذَرُ) أي تترك (دِينَكَ، وَدِينَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ أَبيكَ) وفي بعض النسخ: "وآباء آبائك" (فَعَصَاهُ) أي خالف الشيطان (فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطًرِيقِ الْهِجرَةِ، فَقَالَ: تُهاجِرُ) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ، كسابقه (وَتَدَعُ) أي تترك (أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ) أي الأرض التي ولدت، وعشت عليها، والسماء التي استظللت بها طول حياتك (وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ) أي صفت من خرج عن وطنه إلى دار الغربة (كَمَثَلِ الْفَرَس فِي الطْوَلِ) -بكسر الطاء المهملة، وفتح الواو- ويقال فيه: "الطِّيل" - بالياء أيضًا (٣) -: هو الْحَبْلُ الطويل الذي يشدّ أحد طرفيه في وَتَد، أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس؛ ليدور فيه، ويرعى، ولا يذهب لوجهه، وهذا من كلام الشيطان، ومقصوده أن المهاجر يصير كالمقيّد في بلاد الغربة، لا يدور إلا في بيته، ولا يُخالطه إلا بعض معارفه، فهو كالفرس في طِوَلٍ، لا يدور، ولا يرعَى، إلا بقدره، بخلاف أهل البلاد في بلادهم، فإنهم مبسوطون، لا ضيق عليهم، فأحدهم كالفرس المرسل (٤) (فَعَصَاهُ، فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بطَرِيقِ الْجَهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ، فَهُو) أي الجهاد المفهوم من "تجاهد" (جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ) بفتح الجيم-: بمعنى المشقّة والتعب، والمراد بالمال الْجِمَال، والعبيد، ونحوهما، أو المال مطلقًا، وإطلاق الجهد للمشاكلة، أي تنقيصٌ، وإضاعةٌ له. أفاده السنديّ (فَتُقَاتِلُ) بالبناء للفاعل، أي تقاتل الكفار (فَتُقْتَلُ) بالبناء للمفعول، أي يقتلك العدوّ (فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، أي يزوّج امرتك غيرك من الرجال، أو تتزوج هي زوجًا آخر (وَيُقْسَمُ الْمَالُ) بالبناء للمفعول، أي
стр. 13484
يقتسم الورثة مالك الذي تركته (فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَنْ فَعَلَ ذَلِك) فيه حذف الفاء مع ما عطفت، كما قال أبن مالك في "الخلاصة":
وَالْفَاءُ قَدْ تحُذَفُ مَعْ مَا عَطَفَتْ … وَالْوَاوُ إِذْ لَا لَبْسَ وَهْيَ انْفَرَدَتْ
كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. أي فأفطر فعليه عدة الخ.
والتقدير هنا: أي فمات، كما بينته رواية ابن حبّان، ولفظه: "فمن فعل ذلك، فمات كان حقًّا … ".
والمعنى: أن من فعل ما تقدّم من مخالفة الشيطان في الإسلام، والهجرة، والجهاد، فمات (كَانَ حَقًّا) أي ثابتًا بمقتضى الوعد السابق (عَلَى اللَّه ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) أي دخولاً أوليًّا، وإلا فمجرّد إيمانه يَستحقّ به الجنّة (وَمَنْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول. ولابن حبّان: "أو قتل" (كَانَ حَقًا عَلَى اللَّهِ ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإنْ غَرِقَ) بكسر الراء، من باب تَعِب (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَؤ وَقَصَتهُ دَابَّتُهُ) من باب وعد: أي رمت به، ودقّت عنقه. قاله الفيّوميّ (كانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) هذه الْجُمَلُ من قوله: "وإن غرِقَ من باب التفصيل بعد الإجمال، بيّن بها بعض أسباب الموت، والمراد تعميم أحوال الموت، أي سواء كان موته بالقتل، أو الغرق، أو بوقص دابته، أو غير ذلك من أسباب الموت، فإن اللَّه يدخله الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث سَبْرَة بن فاكه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١٩/ ٣١٣٥ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٣٤٢. أخرجه أحمد في "مسند المكيين" ١٥٥٢٨ والطبرانيّ ٦٥٥٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13485
٢٠ - (بَابُ فَضْل مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينِ فِي سَبِيلِ الَلهِ -)
٣١٣٦ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ, يَا عَبْدَ اللَّهِ, هَذَا خَيْرٌ, فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, مَا عَلَى الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا مِنْ ضَرُورَةٍ, هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ , قَالَ: «نَعَمْ, وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف في "كتاب الصيام" برقم -٤٣/ ٢٢٣٨ - وتقدّم شرحه مستوفًى، وكذا الكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد.
ورجاله كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبيد اللَّه بن سعيد بن ابراهيم": هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠.
و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
و"أبوه": هو إبراهيم سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
و"صالح": هو ابن كيسان، المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٤] ٣٢/ ٣١٤.
و"حُميد بن عبد الرحمن" بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
وقوله: "من أنفق زوجين في سبيل اللَّه" أي تصدّق به في الجهاد، كما هو المتبادر، وهو الذي قصده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في إيراده هنا، ففيه أن الإنفاق في الجهاد له هذا الفضل العظيم، حيث يُنادى في الآخر بـ"يا عبد اللَّه هذا خير". ويحتمل أن يكون المراد بـ"سبيل اللَّه" وجوه الخير مطلقًا، والأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "هذا خير" أي العمل الذي عملته خيرٌ لك، تشريفًا وتعظيمًا لعمله، أو هذا الباب الذي تُدعى إليه خيرٌ لدخولك منه تعظيمًا له.
стр. 13486
وقوله: "ما على أحد الخ" أي ليس له ضرورة إلى أن يُدعى من جميع الأبواب، إذ الباب الواحد يكفي لدخول الجنّة. وتمام شرح الحديث تقدّم بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١ - (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)
٣١٣٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, أَنَّ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ, أَخْبَرَهُمْ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ, قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ, وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ, وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ, فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ , قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا, فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الجملي المرادي، أبو عبد اللَّه الأعمى، ثقة عابد، ورمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم [٢] ٢/ ٢.
٦ - (أبو موسى الأشعريّ) عبد اللَّه بن قيس الصحابى الشهير ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13487
شرح الحديث
عن أبي وائل، أنه (قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم ابن حضّار - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيُّ) قال الحافظ: هذا يدلّ على وَهَم ما وقع عند الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي موسى أنه قال: يا رسول اللَّه، فذكره، فإن أبا موسى، وإن جاز أن يُبهم نفسه، لكن لا يصفها بكونه أعرابيًّا، وهذا الأعرابيّ يصلح أن يفسر بلاحق بن ضُمَيرة، وحديثه عند أبي موسى المدينيّ في "الصحابة" من طريق عُفَير ابن مَعْدَان، سمعت لاحق بن ضُميرة الباهليّ، قال: وفدت على النبيّ ﷺ ، فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر، فقال: "لا شيء له … " الحديث، وفي إسناده ضعف، وروينا في "فوائد أبي بكر بن أبي الحديد" بإسناد ضعيف، عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول اللَّه كلّ بني سلمة يُقاتل، فمنهم من يُقاتل رياء … الحديث. فلو صحّ لاحتمل أن يكون معاذٌ أيضًا سأل عما سأل عنه الأعرابيّ؛ لأن سؤال معاذ خاصّ، وسؤال الأعرابيّ عامّ، ومعاذ أيضًا، لا يقال له: أعرابيّ، فيحمل على التعدد (١) (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِل) وفي رواية للبخاريّ من طريق منصور، عن أبي وائل: "فقال: ما القتال في سبيل اللَّه؟، فإن أحدنا يقاتل … " (لِيُذكَرَ) بالبناء للمفعول، أي ليذكره الناس فيما بينهم بالشجاعة. وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي وائل: "ويقاتل شجاعةً" (وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ) بالبناء للفاعل، من باب تَعِب، أي ليصيب غنيمةً (وُيقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ) ببناء "يُرَى" للمفعول، و"مكانه" مرفوع على أنه النائب عن الفاعل. وفي رواية الأعمش: "ويقاتل رياء"، فمرجع قوله: "يقاتل ليُذكَر" إلى السمعة، ومرجع قوله: "ويقاتل ليُرى مكانه" إلى الرياء، وكلاهما مذموم، وزاد في رواية منصور والأعمش: "ويقاتل حميّة" أي لمن يُقاتِلُ لأجله من أهل، أو عشيرة، أو صاحب، وزاد في رواية منصور: "ويقاتل غضبًا" أي لأجل حظّ نفسه، ويحتمل أن يفسّر القتال للحميّة بدفع المضرّة، والقتال غضبًا بجلب المنفعة.
فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكلّ منها يتناوله المدح والذّمّ، فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات، ولا بالنفي. قاله في "الفتح" (٢).
(فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟) "من" استفهاميّة خبره الجار والمجرور بعده، أي فأيّ المقاتلين
стр. 13488
المذكورين يوصف بأنه قاتل في سبيل اللَّه؟ (قَالَ) ﷺ (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كلِمَةُ اللَّهِ) أي دعوته إلى الإسلام. وقيل: هي قوله: "لا إله إلا اللَّه" (هِيَ) ضمير فيه تأكيد كلمة اللَّه تعالى في العلو (الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبيلِ اللَّه ) "فهو" مبتدأ، والجارّ والمجرور خبره، الجملة خبر "من"، وإنما دخلت الفاء لتضمّن "من" معنى الشرط (١).
وقال في "الفتح": المرادب "كلمة اللَّه" دعوة اللَّه إلى الإسلام. ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل اللَّه إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة اللَّه فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة أخلّ بذلك. ويحتمل أن لا يدخل إذا حصل ضمنًا، لا أصلاً ومقصودًا، وبذلك صرّح الطبريّ، فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضرّه ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن روى أبو داود، والنسائيّ من حديث أبي أمامة ﵁ بإسناد جيّد، قال: "جاء رجلٌ، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال: لا شيء له"، فأعاده ثلاثًا، كلّ ذلك يقول: لا شيء له، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه".
ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معًا على حدّ واحد، فلا يخالف المرجّح أوّلاً، فتصير المراتب خمسًا: أن يقصد الشيئين معًا. أو يقصد أحدهما صِرْفًا. أو يقصد أحدهما، ويحصل الآخر ضِمْنًا. فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمنًا، وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان.
وهذا ما دلّ عليه حديث أبي موسى ﵁. ودونه أن يقصدهما معًا، محذورٌ أيضًا، على ما دلّ عليه حديث أبي أمامة ﵁. والمطلوب أن يقصد الإعلاء صِرْفًا. وقد يحصل غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضًا.
قال ابن أبي جمرة: ذهب المحقّقون إلى أنه إذا كان الباعث الأولُ قصد إعلاء كلمة اللَّه لم يضرّه ما انضاف إليه انتهى.
ويدلّ على أن دخول غير الإعلاء ضمنًا لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعثَ الأصليَّ ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد اللَّه بن حوالة ﵁ قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ على أقدامنا لنغنم، فرجعنا، ولم نغنم شيئًا، فقال: اللَّهمّ لا تكلهم إليّ … " الحديث.
وفي إجابة النبيّ ﷺ بما ذُكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كلمه ﷺ ؛ لأنه
стр. 13489
لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل اللَّه احتمل أن يكون ما عدا ذلك كلّه في سبيل اللَّه، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع، عَدَلَ به عن الجواب عن ماهيّة القتال إلى حال المقاتل، فتضمّن الجواب وزيادة.
ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "فهو" راجعًا إلى القتال الذي في ضمن "قاتل"، أي فقتاله في سبيل اللَّه.
واشتمل طلب إعلاء كلمة اللَّه على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض أعدائه، وكلّها متلازمة.
والحاصل مما ذُكر أن القتال منشؤه القوّة العقليّة، والقوّةُ الغضبيّة، والقوّة الشهوانيّة، ولا يكون في سبيل اللَّه إلا الأول.
وقال ابن بطّال: إنما عدل النبيّ ﷺ عن لفظ جواب السائل؛ لأن الغضب والحميّةَ قد يكونان للَّه، فعدل النبيّ ﷺ عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد دفع الإلباس، وزيادة الإفهام (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢١/ ٣١٣٧ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٣٤٤. وأخرجه (خ) في "العلم" ١٢٣ و"الجهاد والسير" ٢٨١٠ و"فرض الخمس" ٣١٢٦ و"التوحيد" ٧٤٥٨ (م) في "الجهاد" ١٩٠٤ (د) في "الجهاد" ٢٥١٧ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٤٦ (ق) في "الجهاد" ٢٧٨٣ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٩٩٩ و ١٩٠٩٩ و ١٩١٣٤ و ١٩٢٤٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من قاتل لتكون كلمة هي العليا. (ومنها): أن فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيّة الصاحة، فهو شاهد لحديث: "إنما الأعمال بالنيات … " الحديث. (ومنها): أن الإخلاص شرط في العبادة، فمن كان له الباعث على العمل هو الأمر الدنيويّ، فلا شكّ في بطلان عمله،
стр. 13490
ومن كان الباعث الدينيّ أقوى، فقد حكم الحارث المحاسبيّ بإبطال العمل؛ تمسّكًا بهذا الحديث، وخالفه الجمهور، فقالوا: العمل صحيح. (ومنها): أن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل اللَّه يختصّ بمن قاتل لإعلاء كلمة اللَّه تعالى. (ومنها): أن هذا من جوامع كلمه ﷺ ؛ لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى السؤال مع الزيادة عليه. (ومنها): ما أعطي النبيّ ﷺ من الفصاحة، وجوامع الكلم؛ لأنه أجاب السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله، لا بلفظه، من أجل أن الغضب والحميّة قد يكون للَّه ، وقد يكون لغرض دنيويّ، فأجابه ﷺ بالمعنى مختصرًا، إذ لو ذهب يقسم وجوه الغضب لطال ذلك، ولخشي أن يلبس عليه. (ومنها): جواز السؤال عن العلّة. (ومنها): أن العلم يتقدّم العمل. (ومنها): ذمّ الحرص على الدنيا. (ومنها): ذمّ القتال لحظّ النفس في غير طاعة اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢ - (مَنْ قَاتَلَ لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ)
٣١٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ, مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ, حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ, مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ: «أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَي لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ, فَأُتِيَ بِهِ, فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ, فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ , قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ, حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ, قَالَ: كَذَبْتَ, وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ, لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِىءٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ, فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ, حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ, وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ, وَعَلَّمَهُ, وَقَرَأَ الْقُرْآنَ, فَأُتِيَ بِهِ, فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ, فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ , قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ, وَعَلَّمْتُهُ, وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ, قَالَ: كَذَبْتَ, وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ, لِيُقَالَ: عَالِمٌ, وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ, لِيُقَالَ: قَارِئٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ, فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ, حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ, وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ, وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ, فَأُتِيَ بِهِ, فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ, فَعَرَفَهَا, فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ, تُحِبُّ -قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:
стр. 13491
وَلَمْ أَفْهَمْ "تُحِبُّ", كَمَا أَرَدْتُ- أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا, إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ, قَالَ: كَذَبْتَ, وَلَكِنْ لِيُقَالَ: إِنَّهُ جَوَادٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ, فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ, فَأُلْقِىَ فِي النَّارِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث المذكور في الباب الماضي.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلّس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (يونس بن يوسف) بن حِمَاس -بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة- الليثي المدني، ثقة عابد [٦] ١٩٤/ ٣٠٠٣.
٥ - (سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل فقيه، من كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الأسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وابن جريج، فمكيّ. (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة. وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من رروى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَار) أبي أيوب المدنيّ، أخي عطاء بن يسار، أنه (قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنه، أي تفرّقوا بعد اجتماعهم عنده ليسمعوا أحاديثه (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ، مِنْ أُهْلِ الشَّامِ) هو ناتل -بالنون في أوّله، وبعد الألف تاء مثنّاة فوق- ابن قيس الحزاميّ الشاميّ، من أهل فلسطين، وهو تابعيّ، وكان أبوه صحابيًّا، وكان ناتل كبير قومه (أَيُّها الشَّيْخُ، حَدِّثني حَدِيثًا سَمِعْتَهُ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: "أَوَّلُ النَّاس) ولمسلم: "إن أولَ الناس … " (يُقْضَى) بالبناء للمفعول (لَهُمْ) أي عليهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَلَاَثةٌ) أي ثلاثة أصناف، لا ثلاثة أشخاص (رَجُلٌ اسْتُشهِدَ) أي أحد الثلاثة رجل، استُشهد، بالبناء للمفعول (فَأُتِيَ بهِ) بالبناء للمفعول أيضًا (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء (نِعَمَهُ) أي النعم التي أنعم اللَّه تعالى بها عليه، من صحّة، وأموال، وغيرهما (فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء (قَالَ) أي اللَّه تعالى لذلك الرجل
стр. 13492
(فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أي أيّ شيء عملت بتلك النعم؟ (قَالَ) ذلك الرجل (قَاتَلْتُ فِيكَ) أي في طلب مرضاتك، ورجاء مثوبتك (حَتَّى استُشهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي حتى قتلتُ شهيدًا صورةً في اعتقاد الناس، وإلا فليس شهيداً حقيقة (قَالَ) اللَّه تعالى الذي يعلم السرّ وأخفى لَمّا علم سوء نيته، وخُبث طويّته (كَذَبْتَ) بتخفيف الذال المعجمة، أي كذبت في دعواك أنك استُشهدت فيّ، وزاد في رواية الترمذيّ الآتي في المواضع الثلاثة: "وتقوله الملائكة: كذبتَ" (وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ، لِيُقَالَ) أي ليتحدّث الناس، ويقولوا (فُلَانٌ جَرِيءٌ) بالهمز، فعيلٌ بمعنى فاعل، من جرُؤَ جراءة، كشَجُعَ شَجَاعَةً وزنًا ومعنى، أي قالت ليقول الناس: إنك شُجاع (فَقَدْ قِيلَ) أي قال الناس ذلك، واستوفيت ما طلبتَ، فلا أجر لك عندي. وهذا مبنيّ على أن العادة حصول هذا القول، وإلا فحَبَط العمل لا يتوقّف على هذا القول، بل يكفي فيه أن ينوي الرياء. واللَّه تعالى أعلم (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، أي ثم بعد أن قال اللَّه تعالى له: إن ما كنت تطلبه من الناس قد حصل لك، أمر ملائكته أن يدخلوه النار، جزاء سوء فعله، فسحبوه، أي جرّوه إلى أن قذفوه في النار.
(وَرَجُلٌ) أي الثاني رجلٌ (تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) لنفسه (وَعَلَّمَهُ) للناس (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فأُتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء (نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء (قَالَ) اللَّه تعالى له (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ) بتخفيف الذال (وَلَكِنَّكَ تَعَلَمْتَ الْعِلْمَ، لِيُقَالَ: عَالِمٌ) خبر لمحذوف، أي هو، أو أنت، وكذا قوله الآتي: "قارىء" (وَقَرَأْتَ القُرْآنَ، لِيُقَالَ: قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، كما تقدّم (وَرَجُلٌ) أي والثالث رجل (وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بتشديد السين المهملة، من التوسيع، وقوله (وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ) بيان لمعنى التوسيع (فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيل، تُحِبُّ- قَالَ: أبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (وَلَمْ أَفْهَمْ "تُحِبُّ"، كَمَا أَرَدْتُ-) يعني أن لفظ "تحُبْ" ما فهمتها من شيخي محمد بن عبد الأعلى -رحمه اللَّه تعالى- حين أخبرنا به، كما ينبغي، وهذا من ورع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، ودقّة نقله لما سمعه، فقد يبيّن ما لم يسمعه واضحًا من لفظ شيخه أنه لم يفهمه، وإن لم يترتّب على ذلك شيء من المحظور، وقد ذكرها مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" عن شيخه يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن خالد بن الحارث، بدون شكّ (أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا) بالبناء للمفعول (إِلاَّ أَتفَقْتُ فِيهَا لَكَ) أي لابتغاء مرضاتك، وطلب مثوبتك (قَالَ) اللَّه تعالى (كَذَبْتَ) بالتخفيف (وَلَكِنْ لِيُقَالَ: إِنَّهُ جَوَادٌ) أي لكن أنفقت
стр. 13493
ليقول الناس: إنك جواد (فَقَدْ قِيلَ) أي تحدّث الناس بذلك، كما أردت (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ") ببناء الأفعال للمفعول، زاد في رواية الترمذيّ الآتي: "ثم ضرب رسول اللَّه ﷺ على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق اللَّه تُسْعَر بهم النار يوم القيامة".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبى هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ساقه الترمذيّ في "جامعه" مطوّلاً، فقال:
٢٣٨٢ - حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا حَيْوَة بن شُرَيح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد، أبو عثمان المدائني، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شُفَيًّا الأَصْبَحِيَّ، حدثه، أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل، قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت، وخلا، قلت له: أنشدك بِحَقِّ وبِحَقِّ لَمّا حدثتني حديثا سمعته، من رسول اللَّه ﷺ ، عَقَلْتَهَ وعلمته، فقال أبو هريرة: أَفْعَلُ، لأُحدثَنَّك حديثًا، حدثنيه رسول اللَّه ﷺ ، عقلته وعلمته، ثم نَشَغَ (١) أبو هريرة، نَشْغَةً، فمكث قليلا، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثًا، حدثنيه رسول اللَّه ﷺ ، في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة، نَشْغَة أخرى، ثم أفاق، فمسح وجهه، فقال: لأحدثنك حديثا، حدثنيه رسول اللَّه ﷺ ، وأنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغة أخرى، ثم أفاق، ومسح وجهه، فقال: أفعل لأحدثنك حديثا، حدثنيه رسول اللَّه ﷺ ، وأنا معه في هذا البيت، ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خَارًّا على وجهه، فأسندته عليّ طويلا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول اللَّه ﷺ :
"إن اللَّه ﵎، إذا كان يومُ القيامة، ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكلُّ أمة جاثية، فأول من يدعو به، رجل جمع القرآن، ورجل يَقتَتِل في سبيل اللَّه، ورجل كثير المال، فيقول اللَّه للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟، قال: كنت أقوم به آناء الليل، وآناء النهار، فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول اللَّه: بل أردت أن يقال: إن فلانا قارئ، فقد قيل ذاك، ويُؤْتَى بصاحب المال، فيقول اللَّه له: ألم أُوَسِّعْ عليك، حتى لم أَدَعْكَ، تحتاج إلى أحد؟، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِلُ
стр. 13494
الرحم، وأتصدق، فيقول اللَّه له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقول اللَّه تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك، ويُؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيل اللَّه، فيقول اللَّه له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك، فقاتلت، حتى قتلتُ، فيقول اللَّه تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبتَ ويقول اللَّه: بل أردت أن يقال: فلان جَرِيءٌ، فقد قيل ذاك، ثم ضَرَبَ رسولُ اللَّه ﷺ على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة، أول خلق اللَّه، تُسْعَرُ بهم النارُ يوم القيامة.
وقال الوليد، أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم، أن شُفَيًّا، هو الذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم، أنه كان سَيّافًا لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا، عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بَكَى معاوية بكاء شديدا، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرّ، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللَّه ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب انتهى. وصححه ابن خُزيمة، وابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢/ ٣١٣٨ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٣٤٥. وأخرجه (م) في "الجهاد" ١٩٠٥ (ت) في "الزهد" ٢٣٨٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٠٧٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وعيد من قاتل ليُقال: فلان جريء. (ومنها): أن فيه دليلاً على تغليظ تحريم الرياء، وشدّة عقوبته. (ومنها): الحثّ على لزوم الإخلاص في الأعمال، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. (ومنها): أن فيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، إنما هي لمن أراد به وجه اللَّه تعالى. (ومنها): أن الثناء الوارد على العلماء
стр. 13495
والمنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك كله ابتغاء وجه اللَّه تعالى، مخلصًا، لا يشوبه شيء من الرياء والسمعة، ونحو ذلك.
[تنبيه]: إنما كان هؤلاء الثلاثة أول خلق اللَّه تعالى تُسعر بهم النار -واللَّه تعالى أعلم- لكون هذه العبادات رفيعة القدر عند اللَّه تعالى، فإنه لا يخفى تنويه اللَّه تعالى في محكم كتابه، بفضل الجهاد، ورفع منزلة العلماء، على سائر الناس، وتخصيص المنفقين في سبيله بالدرجات العلى، فلما لم يَبتغ أصحابها بها وجه اللَّه تعالى الذي عظّم شأنها، ورفع قدرها، والذي يجازي عليها بما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل طلبوا بها العاجل، وآثروا الفاني على الباقي، جازاهم اللَّه تعالى بأن جعلهم أول من تُسعر بهم النار؛ إذ العقاب على قدر عظم الْجُرْم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٣ - (مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَمْ يَنْوِ إِلاَّ عِقَالاً)
٣١٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ جَبَلَةَ بْنِ عَطِيَّةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ, وَلَمْ يَنْوِ إِلاَّ عِقَالاً, فَلَهُ مَا نَوَى»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (جَبَلَة بن عطيّة) الفِلَسطينيّ، ثقة [٦].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
стр. 13496
٥ - (يحيى بن الوليد بن عُبَادة بن الصامت) الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، مقبول [٤]. روى عن جدّه، وعنه جبلة بن عطيّة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: مجهول. وذكر ابن حبّان في "صحيحه" أنه ابن أخي عبادة بن الصامت، وأنه يحيى بن الوليد بن الصامت. قال الحافظ: وفيما قاله نظر، تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. قال سعيد بن عُفير: كان طوله عشرة أشبار ﵁. تقدّمت ترجمته في ٦/ ٤٦١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير جبلة بن عطية، ويحعى بن الوليد، فقد تفرد بهما المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى حماد. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ جَدِّهِ) عبادة بن الصامت ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ) موصولة، أو شرطيّة مبتدأ (غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّه، وَلَمْ يَنْوِ) جملة فعلية في محلّ نصب على الحال (إِلَّا عِقَالاً) -بكسر العين المهملة، وتخفيف القاف-: هو الحبل، جمعه عقلٌ -بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، يقال: عَقَلْتُ البعيرَ عقْلاً، من باب ضرب، وهو أن تَثنَيَ وَظِيفَهُ مع ذراعه، فتشُدّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل. أفاده الفيّوميّ. وقوله (فَلَهُ مَا نَوَى) خبر "من"، ودخلت الفاء في حال كونها موصولة؛ لأن فيها معنى الشرط.
يعني أن ثوابه من ذلك الغزو هو العقال فقط، سواء حصل له، أو لم يحصل.
وفيه تعظيم شأن الإخلاص في الجهاد، وأن من أراد بجهاده عَرَض الدنيا ليس له إلا ذلك.
قال الطيبيّ: هو مبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة، بل ينبغي أن بكون خالصًا للَّه تعالى، غير مشوب بأغراض دنيويّة، كقوله ﷺ : " وإنما لكلّ إمرىء ما نوى" انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13497
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسن.
[فإن قيل]: كيف يكون حسنًا، وفي إسناده يحيى بن الوليد مجهول؟.
[قلت]: إنما حسّنّاه لشواهده، فإن حديثي الباب الماضي، والباب التالي، ونحوهما تشهد له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وهو مما تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٣/ ٣١٣٩ و ٣١٤٠ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٤٣٤٦ و ٤٣٤٧. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢١٨٤ و ٢٢٢٢١ و ٢٢٢٨٢ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤١٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٤٠ - (أَخْبَرَنِي (١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ جَبَلَةَ بْنِ عَطِيَّةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ غَزَا, وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلاَّ عِقَالاً, فَلَهُ مَا نَوَى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هارون بن عبد اللَّه" أبو موسى الحمال البغداديّ الثقة الحافظ [١٠] ٥٠/ ٦٢. و"يزيد بن هارون" الواسطيّ الثقة الثبت العابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
والحديث حسن، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٤ - (مَنْ غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ)
٣١٤١ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ هِلَالٍ الْحِمْصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ, عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً, غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ, مَا لَهُ؟ , فَقَالَ
стр. 13498
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَىْءَ لَهُ» , فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَيْءَ لَهُ» , ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ, إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا, وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عيسى بن أبي عيسى بن هلال) بن يحيى الطائىِّ (١). وقيل: السَّلِيحيّ -بفتح المهملة، وكسر اللام، والمهملة- الحمصيّ المعروف بـ"ابن البرّاد"، وسَلِيح بطن من قُضَاعة، صدوق [١١].
قال المصنّف: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أغرب. وعدّه ابن القطّان فيمن لا يُعرف حاله. قال الحافظ: فما أصاب، فقد ذكره النسائيّ في أسماء شيوخه، وقال: لا بأس به. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، روى عنه المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (محمد بن حِمْيَر) السَّلِيحيّ الحمصيّ، صدوق [٩] ٢١/ ٥٣٥.
٣ - (معاوية بن سلّام) أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
٤ - (عكرمة بن عَمّار) أبو عمّار العجليّ اليماميّ، البصريّ الأصل، صدوق يَغلَط في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] ٥٧/ ١٢٩٩.
٥ - (شدّاد أبو عمّار) ابن عبد اللَّه القرشيّ الدمشقيّ، ثقة يُرسل [٤] ٨١/ ١٣٣٧.
٦ - (أبو أمامة) صُديّ -بصيغة التصغير- ابن عَجْلان الصحابيّ الشهير، سكن الشام، ومات بها سنة (٨٦) وقد تقدّمت ترجمته في - ١٠٨/ ١٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِليِّ) صُديّ بن عجلان ﵁، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (رَجُلاً، غَزَا يَلْتَمِسُ) أي يطلب (الأَجْرَ) أي الثواب من عند
стр. 13499
اللَّه تعالى (وَالذِّكْرَ) أي ذكر الناس له بالشجاعة (مَالَهُ؟) أي أيّ شيء من الأجر له، هل يحصل له الأجر الذي أراده من اللَّه تعالى، أم ليس له منه شيء؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا شَيْءَ لَهُ) أي ليس له شيء من الأجر؛ لتشريكه في نيّته (فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي أعاد المسألة الرجل السائل على النبيّ ﷺ ؛ للتأكّد من هذا الأمر العظيم (يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا شَيْءَ لَهُ) أي يجيبه ﷺ بأنه لا شيء من الأجر الذي أشرك معه قصد الذكر بين الناس (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقبَلُ مِنَ العَمَلِ، إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا) من شوائب الأعراض النفسيّة (وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي طُلب بذلك العمل وجهه .
وهذا الحديث يدلّ على أن المؤمن لا يُقبل منه عمل صالح إذا لم يقصد به وجه ربّه ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
فإن كان هذا شأن المؤمن، فماذا يكون حال الكافر بربه، إذا لم يخلص له في عمله؟ الجواب في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وعلى افتراض أن بعض الكفّار يقصدون بعملهم الصالح وجه اللَّه تعالى على كفرهم، فإن اللَّه تعالى لا يُضيع ذلك عليهم، بل يُجازيهم عليها في الدنيا، وبذلك جاء النصّ الصريح عن رسول اللَّه ﷺ ، وهو قوله ﷺ : "إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً، يُعطى بها -وفي رواية "يثاب عليها الرزق في الدنيا- ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها". رواه مسلم ٨/ ١٣٥ وأحمد ٣/ ١٢٥.
وهذه هي القاعدة في هذه المسألة أن الكافر يجازى على عمله الصالح شرعًا في الدنيا، فلا تنفعه حسناته في الآخرة، ولا يُخفّف عنه العذاب بسببها، فضلاً عن أن ينجو منه.
وهذا في حسنات الكافر الذي يموت على كفره، كما هو ظاهر الحديث، وأما إذا أسلم، فإن اللَّه ﵎ يكتب له كلّ حسناته التي كان عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة، كما جاء بذلك أحاديث كثيرة، كحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ مرفوعًا: "إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، كتب اللَّه له كلّ حسنة كان أزلفها، ومُحيت عنه كلّ سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسيّئة بمثلها إلا أن يتجاوز اللَّه عنها". حديث صحيح، أخرجه مالك في "الموطإ"، والنسائيّ، والبيهقيّ في "شُعَب الإيمان".
стр. 13500
ولا يعارض ما ذُكر ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ ذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضَاح من نار، يبلغ كعبيه، يَغلِي منه دماغه"؛ لأن ذلك بسبب شفاعة النبيّ ﷺ ، لا بعمله، ويؤيّده قوله ﷺ : "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". رواه مسلم، وهو مخصوص من عموم قوله تعالى في الكفّار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدّثّر: ٤٨] (١).
والحاصل أن ذلك من خصائص النبيّ ﷺ ، فهو بشفاعته، لا بعمله الصالح، فلا يعارض النصوص المتقدّمة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي أمامة الباهليّ ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٢٤/ ٣١٤١ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٤٣٤٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٥ - (ثَوَابُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقَةِ)
٣١٤٢ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: سَمِعْتُ حَجَّاجًا, أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ, أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُمْ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ , مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ, فُوَاقَ نَاقَةٍ, وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ, وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ, مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ صَادِقًا, ثُمَّ مَاتَ, أَوْ قُتِلَ, فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ, وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ, أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً, فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ, لَوْنُهَا كَالزَّعْفَرَانِ, وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ, وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ, فَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ»).
стр. 13501
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨ من أفراد المصنّف.
٢ - (حجاج) بن محمد الأعور المصّيصي، ثقة ثبت، اختلط في آخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المذكور قبل بابين.
٤ - (سليمان بن موسى) الأشدق الدمشقيّ، صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل [٥] ٧/ ٥٠٤.
٥ - (مالك بن يُخَامر) -بضمّ أوله، وفتح المعجمة- هكذا ضبطه الخزرجيّ في "الخلاصة". وضبطه الحافظ في "التقريب" -بفتح التحتانيّة، والمعجمة، وكسر الميم- فليُحرّر. ويقال: ابن أُخَامر السكسكيّ الألهانيّ الحمصيّ، صاحب معاذ ﵁ مخضرم، ويقال له صحبة.
قال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء اللَّه تعالى. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو نُعيم: ذكره بعضهم في الصحابة، ولا يثبت. وأرسل عن النبيّ ﷺ حديث: "الدَّيْنُ شَيْنٌ فِي الدِّينِ". قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٧٠) وقال غيره: سنة (٧٢). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٦ - (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا، وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام، والقرآن، ومات ﵁ بالشام سنة (١٨)، وقد تقدّمت ترجمته في ٤٢/ ٥٨٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أن فيه مِصّيصيّين، وهما يوسف، وحجاج، ومكيّا، وهو ابن جُريج، ودمشقيّين، وهم الباقون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سليمان بن موسى أنه (قال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي لأجل إعلاء كلمته (مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) بيان "من قاتل"، بيّن فيه أن شرط الحصول
стр. 13502
على الأجر المذكور أن يكون المقاتل مسلمًا، وهو الشرط الأساسيّ في حصول الثواب على أيّ عمل صالح (فَوَاقَ نَاقَةٍ) -بضمّ الفاء، وفتحها-: قدر ما بين الْحَلَبتين من الراحة؛ لأنها تُحلب، ثم تترك سُويعة تُرضِع الفصيلَ لتُدِرَّ، ثمّ تُحلَبَ. وقيل: يحتمل ما بين الغداة إلى المساء، أو ما بين أن تُحلَبَ في ظرف، فيمتلىء، ثم تُحلب في ظرف آخر. أو ما بين جرّ الضرع إلى جرّه مرّةً أُخرى، وهو أليق بالترغيب في الجهاد (١). قال أبو البقاء: في نصب "فواق" وجهان: أحدهما أن يكون ظرفًا، تقديره وقتَ فواق، أي وقتًا مقدّرًا بذلك. الثاني: أن يكون جاريًا مجرى المصدر، أي قتالاً مقدّرًا بفواق انتهى (٢).
(وَجَبَتْ) أي ثبتت (لَهُ الْجَنَّةُ) أي يدخلها أوّلاً (وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ) أي القتل في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى (مِن عِنْدِ نَفْسِهِ) أي مخلصًا في سؤاله من قلبه، وقوله (صَادِقًا) بمنزلة التأكيد لما قبله (ثُمّ مَاتَ) أي بأيّ سبب كان، ولو على فراشه (أَوْ قُتِلَ) أي في غير المعركة (فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ) بالبناء للمفعول (جَرْحًا) بفتح الجيم مصدر جرح، من باب نَفَعَ، وبضمها اسم منه (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني أن العدوّ جرحه (أَوْ نُكِبَ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي أصيب بحادثة، كأن تصاب رجله بالحجارة، فتَدمى (نَكْبَةً) -بفتح النون-: المصيبة، جمعها نَكَبات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. وقال ابن الأثير: النَّكْبَة هي ما يصيب الإنسان من الحوادث. قال: ومنه الحديث "أنه نكبت إصبعه" أي نالتها الحجارة (٣).
قال القاري: "أو" للتنويع، قيل: الجرح، والنكبة كلاهما واحد. وقيل: الجرح ما يكون من فعل الكفّار، والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابّته، أو وقوع سلاح عليه. قال: هذا هو الصحيح. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعْ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ (٤)
(فَإِنَّها) أي النكبة التي فيها الجراحة (تجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال الطيبيّ: قد سبق شيئان: الجرح، والنكبة، وهي ما أصابه في سبيل اللَّه من الحجارة، فأعاد الضمير إلى النكبة؛ دلالة على أن حكم النكبة إذا كانت بهذه المثابة، فما ظنّك بالجرح بالسنان، والسيف؟، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية
стр. 13503
[التوبة:٣٤] انتهى. قال القاري: أو يقال: إفراد الضمير باعتبار أن مؤدّاهما واحدٌ، وهي المصيبة الحادثة في سبيل اللَّه انتهى (١) (كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ) بتقديم الزاي المعجمة، على الراء المهملة: أي تظهر، وتتصوّر كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا. قال الطيبيّ: الكاف زائدة، و"ما" مصدريّةٌ، والوقت مقدّرٌ، يعني حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته انتهى.
قال القاري: والأظهر أن الكاف غير زائدة، والمراد أن الجراحة، والنكبة تكون يوم القيامة، مثلَ أكثر ما وُجد في الدنيا انتهى (لَوْنَهُا كَالزَّعْفَرَانِ، وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ) كلّ منهما فيه تشبيه بليغ (وَمَنْ جُرِحَ جَرْحًا) هكذا رواية المصنّف هنا، وفي "الكبرى" " جُرح جرحًا" بالجيم، والذي في رواية أبي داود: "ومن خَرَج به خُرَاج" بالخاء المعجمة، والراء المهملة، والْخُرَاج بضمّ المعجمة: ما يخرج في البدن من القروح والدماميل.
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُهَدَاءِ) -بفتح الباء، وتُكسر-: أي ختمهم. يعني علامة الشهداء، وأمارتهم؛ ليُعلَم أنه سعى في إعلاء الدين، ويُجازَى جزاء المجاهدين. قال الطيبيّ: ونسبة هذه القرينة مع القرينتين الأوليين الترقّي في المبالغة، من الإصابة بآثار ما يُصيب المجاهد مى سبيل اللَّه من العدوّ تارة، ومن غيره أُخْرَى، وطورًا من نفسه انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاذ بن جبل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥/ ٣١٤٢ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٤٣٤٩. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٤١ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٥٤ و ١٦٥٧ (ق) في "الجهاد" ٢٧٩٢ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٥٠٩ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٣٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فى فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من قاتل في سبيل فُوَاقَ ناقة، وهو وجوب الجنة له. (ومنها): أن من سأل اللَّه تعالى الشهادة مخلصًا بلّغه اللَّه تعالى درجتها، وإن لم يُقتل في المعركة. (ومنها): فضل الجرح، والنكبة في سبيل
стр. 13504
اللَّه تعالى. (ومنها): أن من جُرح في سبيل اللَّه يُختم عليه بخاتم الشهداء، حتى يوافي به يوم القيامة، وعليه ذلك الطابع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٦ - (ثَوَابُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ -)
وفي نسخة: "باب من رمى بسهم الخ".
٣١٤٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ صَفْوَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ, عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ, أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: يَا عَمْرُو, حَدِّثْنَا حَدِيثًا, سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى, كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى, بَلَغَ الْعَدُوَّ, أَوَلَمْ يَبْلُغْ, كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ, وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً, كَانَتْ لَهُ فِدَاءَهُ مِنَ النَّارِ, عُضْوًا بِعُضْوٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (بقيّة) بن الوليد الكَلاعيّ الحمصيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (صفوان) بن عمرو بن هَرِم السكسكيّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [٥] ١١٢/ ٢٠٥٣.
٤ - (سُليم بن عامر) الْكَلَاعيّ الْخَبَائريّ، أبو يحيى الحمصيّ، ثقة [٣] ٣٥/ ٥٧٢.
٥ - (شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ) -بكسر المهملة، وسكون الميم- الكنديّ الشاميّ، مختلف في صحبته، والأكثرون على أن له صحبة، وجزم ابن سعد بأن له وفادة، ثم شهد القادسيّة، وفتح حمص، وعمل عليها لمعاوية، ومات سنة (٤٠) أو بعدها ١/ ١٤٣١.
стр. 13505
٦ - (عَمْرو بْنُ عَبَسَةَ) -بموحّدة، ومهملتين، مفتوحات- ابن عامر بن خالد السُّلَميّ، أبو نَجِيح، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر بعد أُحُد، ثم نزل الشام-١٠٨/ ١٤٧ - . واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وابو داود، وابن ماجه، وبقية أخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي، إن ثبتت صحبة شرحبيل، كما هو قول الأكثرين، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ) الكنديّ الشاميّ (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) السُّلَميّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَا عَمْرُو، حَدِّثْنَا حَدِيثًا، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) زاد في الرواية الآتية بعد حديثين من طريق خالد بن زيد، عن شُرَحبيل بن السِّمْط: "ليس فيه نسيانٌ ولا تنقّصٌ" (قَالَ) عمرو بن عبسة ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) أي مارس الجهاد حتى يشيب طائفة من شعره. ويحتمل أن يكون المراد بـ"سبيل اللَّه" الإسلام، ويؤيّده رواية: "من شاب في الإسلام شيبةً"، والأول أظهر (كَانَتْ) أي الشيبة (لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، بَلَغَ الْعَدُوَّ) بتخفيف اللام من "بلغ"، وضميره للسهم، أو بتشديدها، والضمير لـ"من"، والمفعول الثاني محذوفٌ، أي سهمه، والأول أقرب (أَوْ لَمْ يَبْلُغْ، كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ) أي كان ثوابه كثواب عتق رقبة، وقد بين ثوابه العتق بقوله (وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة مُؤْمِنَة، كَانَت) تلك الرقبةْ (لَهُ فِدَاءَهُ مِنَ النَّارِ) أي ينجو بسببها من دخول النار، لا أنها تكون تدخل النار بدلاً عنه، واللَّه تعالى أعلم (عُضْوًا بعُضْوٍ) منصوب على الحال، كقولهم: باع يدًا بيد، أي مناجزةً، والتقدير هنا: أي مُقَابَلاً كلّ عضو منه بكلّ عضو منه. قال ابن ما لك في "الخلاصة":
وَيَكثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرِ وَفِي … مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلَا تَكَلُّفِ
كَبِعْهُ مُدًّا بِكَذَا يَدًا بِيَدْ … وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَدًا أَيْ كَأَسَدْ
ولفظ "الكبرى": "عضوٌ بعضو"، بالرفع: أي يفدى عضوٌ منه بعضو منه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في "سننه" من طريق معدان بن أبي طلحة الْيَعْمَريّ،
стр. 13506
عن أبي نَجِيح السُّلَمِيّ -وهو عمرو بن عَبَسَة المذكور- قال: حاصرنا مع رسول اللَّه ﷺ بقصر الطائف، قال معاذ -يعني ابن هشام الدستوائيّ-: سمعت أبي يقول. بقصر الطائف، بحصن الطائف كلّ ذلك، فسمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "من بلغ بسهم في سبيل اللَّه ، فله درجة … وساق الحديث.
وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما، فإن اللَّه جاعل وقاءَ كلِّ عظم من عظامه، عظما من عظام مُحَرِّره من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة، فإن اللَّه جاعل وقاءَ كلّ عظم من عظامها، عظما من عظام محررها من النار، يوم القيامة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن عَبَسَةَ صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده بقية، وهو معروف بالتدليس، والتسوية، وقد عنعنه؟.
[قلت]: لم ينفرد بقية بروايته، فقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالسند التالي لهذا، والسند الثالث، وكلاهما صحيحان. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦/ ٣١٤٣ و ٣١٤٦ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٣٥٠ و ٤٣٥٣. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٣٩٦٥ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٣٥ و ١٦٣٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من رمى بسهم في سبيل اللَّه ، وهو أنه كثواب عتق رقبة، سواء بلغ السهم إلى العدوّ، أم لم يبلغ. (ومنها): فضل من شاب شيبة في سبيل اللَّه تعالى، حيث تكون له نورًا يوم القيامة. (ومنها): فضل من أعتق رقبة مؤمنةً، وهو أنها تكون فداءً له من النار، يُفدى كلّ عضو منه بكلّ عضو منها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ, عَنْ أَبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ, فَهُوَ لَهُ
стр. 13507
دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ» , فَبَلَّغْتُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا, قَالَ: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (١) ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ, فَهُوَ عِدْلُ مُحَرَّرٍ»).
قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"هشام": هو الدستوائيّ. و"سالم بن أبي الجعد" رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ الثقة. و"معدان بن أي طلحة" ويقال: ابن طلحة اليعمريّ الشاميّ الثقة [٢] ١٧/ ٧٠٨. و"أبو نَجيح" -بفتح النون، وكسر الجيم- هو عمرو بن عَبَسَة الصحابيّ المذكور في السند السابق. و"السُّلَميّ" -بضم السين المهملة، واللام-.
وقوده: "من بلغ بسهم" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أنه مخفّف، والباء للتعدية إلى المفعول الثاني، والأول محذوفٌ، أي بلَغَ الكافرَ بسهم، أي من أوصل سهمًا إلى كافر. ويحتمل أنه مشدّد، من التبليغ، والباء زائدة، وبالتشديد قد ضُبِط في بعض النسخ انتهى.
وقوله: "فبلّغت" هنا بتشديد اللام- و"ستة عشر" مفعوله: أي أوصلتها.
وقوله: "من رمى بسهم" أي وإن لم يُبلغه، فهو ترقّ من الأعلى، ويجوز عكسه، بمعنى من بَلغ إلى مكانِ سَهمَه يكون له درجة، وإن لم يرم، وإن رمى يكون له كذا. ذكره في "المجمع"، والمعنى الثاني مبنيّ على التخفيف، فهو الوجه. وقوله: "تَرَقّ من الأعلى" بعيد، والأقرب تنزّلٌ من الأعلى، والوجه الثاني غير مناسب؛ لحديث كعب الآتي، فليتأمّل. قاله السنديّ (٢).
والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ, قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ: يَا كَعْبُ حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَاحْذَرْ, قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ, فِي سَبِيلِ اللهِ, كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» , قَالَ لَهُ: حَدِّثْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , وَاحْذَرْ, قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ارْمُوا مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بِسَهْمٍ, رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً» , قَالَ ابْنُ النَّحَّامِ: "يَا رَسُولَ اللهِ, وَمَا الدَّرَجَةُ؟ , قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أُمِّكَ, وَلَكِنْ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ»).
стр. 13508
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن العلاء) أبو كريب الهدماني الكوفي، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧.
٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الزهريّ، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] ٢١/ ٣٠.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ ورع عارف بالقراءة، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (عمرة بن مرّة) الجملي المرادي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء [٥] ٧١/ ٢٦٥.
٥ - ("كعب بن مرّة) وقيل: مرّة بن كعب البَهْزيّ السُّلَميّ، سكن البصرة، ثم الأردن. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه شُرحبيل بن السمط، وأبو الأشعث الصنعانيّ، وجبير بن نُفير، وأسامة ابن خُريم، وسالم بن أبي الجعد، وقيل: لم يسمع منه، وعبد اللَّه بن شَقيق، وقال: مرّة بن كعب، وغيرهم. قال ابن عبد البرّ: والأكثرون يقولون: كعب بن مرّة، له أحاديث مَخْرجها عن أهل الكوفة، يَروونها عن شُرحبيل، عنه، وأهل الشام، يرون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل، عن عمرو بن عَبَسَة، فاللَّه أعلم.
وكذا قال ابن السكن، وزاد: زعم بعضهم أنهما اثنان -يعني الذي سكن البصرة، وروى عنه البصريون غير الذي سكن الشام. مات كعب بالأردن سنة (٥٧)، وقيل: سنة (٥٩).
روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقيان تقدما في الحديث السابق. واللَّه تعالى أعلم.
لطالف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى الصحابي، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، إلى شُرَحْبيل. وفيه أربعة من التابعين الثقات يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، وعمرو، وسالم، وشُرحبيل، أو ثلائة من التابعين، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة شُرَحبيل. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ) الكنديّ الشاميّ، أنه (قَالَ: لِكَعْب بْنِ مُرَّةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنه (يَا كَعْبُ، حَدِّثنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاحْذَرْ) أي من الزيادة في الحديث، ولو
стр. 13509
سهوًا (قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ) ليس في "الكبرى" لفظ: "في الإسلام" (فِي سَبِيلِ اللهِ) قال الطيبيّ: معناه من مارس المجاهدة حتى يشيب طاقة من شعره، فله ما لا يوصف من الثواب، دلّ عليه تخصيص ذكر النور، والتنكير فيه، قال: ومن روى: "في الإسلام" بدل "في سبيل اللَّه" أراد بالعامّ الخاصّ، أو سمّى الجهاد إسلامًا؛ لأنه عموده، وذروة سنامه انتهى (١) (كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي كانت الشعرة ضياء، ومَخلَصًا عن ظلمات الموقف، وشدائده. قال المناويّ: أي يصير الشعر نفسه نورًا يهتدي به صاحبه، والشيب، وإن كان ليس من كسب العبد لكنه إذا كان بسبب، من نحو جهاد، أو خوف من اللَّه ينزّل منزلة سعيه انتهى (٢) (قَالَ: لَهُ: حَدِّثْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاحْذَرْ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمُوا) أي ارموا بالسهم إلى العدو (مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بسَهْمٍ، رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً"، قَالَ: ابْنُ النَّحَّامِ) لعله عبد اللَّه بن النَّحَام الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، له ترجمة في "الإصابة" جـ٦ ص ٢٢٨ - ٢٢٦ روى أبو نعيم، من طريق عُبيد بن آدم ابن أبي إياس، عن أبيه، عن الربيع بن صَبِيح (٣)، عن الحسن، عن عبد اللَّه بن النحّام، قال: دخلت على رسول اللَّه ﷺ وأنا أبيض الرأس واللحية، فقال لي: "إن اللَّه يحاسب الشيخ حسابًا يسيرًا" (يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الدَّرَجَةُ؟، قَالَ: "أَمَا إِنَّهَا) أي الدرجة (لَيْسَتْ بعَتَبَةِ أُمِّكَ) أي ليس ارتفاع الدرجة العالية عن الدرجة مثل ارتفاع درجة بيت أمك (وَلَكِنْ) ارتفاع (مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَينِ مِائَةُ عَامٍ) أي مسيرة مسافة مائة عام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
حديث كعب مرّة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦/ ٣١٤٥ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٣٥٢. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٣٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدًا
стр. 13510
-يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ, أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيَّ- يُحَدِّثُ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ, قَالَ: قُلْتُ: يَا عَمْرُو بْنَ عَبَسَةَ, حَدِّثْنَا حَدِيثًا, سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَيْسَ فِيهِ نِسْيَانٌ, وَلَا تَنَقُّصٌ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ, فَبَلَغَ الْعَدُوَّ, أَخْطَأَ, أَوْ أَصَابَ, كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ, وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً, كَانَ فِدَاءُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ, مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ, وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ, كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (المعتمر) بن سليمان بن طرخان البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٢ - (خالد بن زيد أبو عبد الرحمن الشاميّ) ويقال: ابن يزيد، وهو وَهَمٌ. لا بأس به [٦].
قال أبو حاتم: ما به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف بحديث الباب فقط. والباقون تقدّموا في أول حديث الباب، وثانيه.
وقوله. "فبلغ العدو" أي وصل إلى مكانه.
وقوله: "كان فداء كلّ عضو منه" "فداءُ" بالرفع اسم "كان"، وهو مضاف إلى "كلِّ عضوٍ. وضمير "منه" لـ"من أعتق". وقوله: "عضوًا" بالنصب على أنه خبر "كان". وضمير "منه" للرقبة، بتأويلها بالشخص، أو بالإنسان. وقوله: "من نار جهنّم" متعلّق بـ"فداء".
والحديث صحيح، وتمام شرحه، والكلام على مسائله تقدما في الحديث المذكور أول الباب، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ, عَنِ الْوَلِيدِ, عَنِ ابْنِ جَابِرٍ, عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ الأَسْوَدِ, عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ , يُدْخِلُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ, بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ, صَانِعَهُ, يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ, وَالرَّامِيَ بِهِ, وَمُنَبِّلَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان) المذكور أول الباب.
٢ - (الوليد) بن مسلم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
٣ - (ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الدارانيّ، ثقة [٧]
стр. 13511
٤٥/ ٥٩٥.
٤ - (أبو سلّام الأسود) ممطور الحبشيّ، ثقة يُرسل [٣] ٢/ ١٣٧٠.
٥ - (خالد بن يزيد) ويقال: ابن زيد الجهنيّ، مقبول [٣].
روى عن عقبة بن عامر في فضل الرمي، وعنه أبو سلام الحبشي، على اختلاف فيه على يحيى بن أبي كثير، فقال مرة: عبد اللَّه بن زيد، وفرق البخاري، وأبو حاتم، وغيرهما بينه وبين خالد بن زيد بن خالد الجهني، الذي يروي عن أبيه في اللقطة، ويروي عنه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وذكر الخطيب أنه وهم وأن الصواب أنهما واحد، ولم يأت على ذلك بحجة، إلا أنه روى حديث الرمي رواية أبي سلام، عن خالد بن زيد الجهني، وليس في ذلك ما يمنع كونهما اثنين، ويؤيد ذلك أن في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، عن أبي داود، وفي رواية النسائي: خالد بن يزيد بزيادة ياء في أوله، وكذا وقع عند ابن ماجه من طريق إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر، في حديث النذر، فلو لم يكونا اثنين ما اختلف في اسم أبي هذا؛ لأن زيد بن خالد الجهني الصحابي لم يختلف فيه، وقال ابن عساكر في حرف العين: عبد اللَّه بن زيد، ويقال: ابن يزيد، ويقال: خالد بن زيد القاص الأزرق الدمشقي، قاص مسلمة بن عبد الملك، روى عن عقبة بن عامر، وعوف بن مالك، وعنه بكير بن الأشج، ويعقوب بن الأشج، وأبو سلام الحبشي، وغيرهم، ثم روى من حديث بكير ابن الأشج، ويزيد بن خصيفة، عن عبد اللَّه بن زيد، عن عوف بن مالك، حديث: "لا يقص إلا أمير"، ثم روى من حديث يحيى بن أبي كثير وغيره، عن أبي سلام، عن عبد اللَّه بن زيد الأزرق، عن عقبة بن عامر في الرمي، ثم حكى قول البخاري في التفريق بينهما، ثم قال: وعندي أنهما واحد، والقول في هذا كالقول مع الخطيب، فإن الراوي عن عوف بن مالك، لا خلاف أن اسمه عبد اللَّه، وإنما وقع خلاف في اسم أبيه، فقال عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج: زيد، وقال ابن لهيعة في روايته عن بكير، ويزيد بن خصيفة: يزيد، وقول عمرو بن الحارث أولى؛ فإنه أحفظ وأقوى. وخالد بن زيد بن خالد الجهني ذكره ابن حبّان في "الثقات" (١). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بحديث الرمي فقط.
٦ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهني الصحابيّ الشهير، تولّى إمرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلاً، مات ﵁ في قرب (٦٠) وتقدّمت ترجمته في ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13512
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ، يُدْخِلُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجنَّةَ، بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ) أي سبب رميه على الكفّار (صَانِعَهُ) بالنصب بدل بعض من "ثلاثة"، ويجوز قَطعه (يَحْتَسِبُ) في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه محتسبًا، يقال: احسب الأجر على اللَّه. أي ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الْحِسْبَةُ -بالكسر-. قاله الفيّوميّ (فِي صُنْعِهِ) -بضم الصاد المهملة، وسكون النون- وفي بعض النسخ: "في صنعته"، وهو للمرة من الصنع، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ"يحتسب"، وقوله (الْخَيْرَ) بالنصب مفعول "يحتسب (وَالرَّامِيَ بِهِ) أي الشخص الذي يرمي بذلك النبل احسابًا أيضًا (وَمُنَبِّلَهُ) أي المحسب أيضًا، وهو اسم فاعل من نَبَّلَه -بالتشديد، أو من أنبله: إذا ناوله ليرمي به. والمراد من يقوم بجنب الرامى، أو خلفه، يُناوله النبلَ واحدًا بعد واحدٍ، أو يردّ عليه النبل المرْميَّ به. ويحتمل أن يكّون المراد من يُعطي النَّبْلَ من ماله؛ تجهيزًا للغازي، وإمدادًا له.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن يحمل على ما يعمّ الجميع؛ لأن اللفظ يحتمل الكلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لأن في سنده، الوليد بن مسلم مدلّس، وقد عنعنه، وفيه خالد بن يزيد مجهول العين، لم يرو عنه إلا أبو سلّام الأسود، ولذا قال عنه في "التقريب": مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦/ ٣١٤٧ وفي "كتاب الخيل" ٨/ ٣٥٧٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٣٥٤ و"الخيل" ٩/ ٤٤٢٠. وأخرجه (م) في "الجهاد" ١٩١٩ (د) في "الجهاد" ٢٥١٣ (ق) في "الجهاد" ٢٨١٤ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٨٤٩ و ١٦٨٧٠ و ١٦٨٨٤ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13513
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٧ - (بَابُ مَنْ كُلِمَ فِي سَبِيلِ اللهِ -)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في بعض النسخ: "ثواب من كُلم الخ". و"كُلِمَ" بالبناء للمفعول، مخفّف اللام، كجُرِحَ وزنًا ومعنًى، أي هذا باب ذكر الحديثين الدالّين على فضل من جُرِحَ في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب
٣١٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا, اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ, وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الثقة الفقيه [٥] ٧/ ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدني الثقة الثبت [٣] ٧/ ٧.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. ومنها: أن فيه مكيّينِ، وهما الأَوَّلان، ومدنيينَ، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه من لُقّبٌ بصورة الكنية، وهو أبو الزناد، وكنيته أبو عبد الرحمن، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يُكْلَمُ) -بضمّ أوله،
стр. 13514
وسكون الكاف، وفتح اللام، مبنيًّا للمفعول، أي لا يُجرحُ (أَحَدٌ) قيَده في رواية همّام، عن أبي هريرة بالمسلم، فهذا الفضل خاصّ بالمسلمين؛ لأن من قاتل في كفره لا يُسمّى مقاتلاً في سبيل اللَّه تعالى، كما قيّده بقوله (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) جملة معترضةٌ، قصد بها التنبيه على شرطيّة الإخلاص في نيل هذا الثواب، فهذا الثواب إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا. قال النووي: قالوا: وهذا الفضل، وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفّار، إلا أنه يدخل فيه من خرج في سبيل اللَّه في قتال البغاة، وقُطّاع الطريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم (١).
وكذا قال ابن عبد البرّ: إن مخرج الحديث في قتال الكفّار، ويدخل فيه بالمعنى هذه الأمور، واستشهد على ذلك بقوله ﷺ : "من قُتل دون ماله فهو شهيد".
لكن تَعَقَّبَ هذا كلّه وليُّ الدين بقوله: وقد يُتَوَقَّفُ في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل؛ لإشارة النبيّ ﷺ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك في قوله: "واللَّه أعلم بمن يُكلم في سبيله"، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه اللَّه، إنما يقصد صون ماله، وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطبع، لا بدّاعية الشرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأيّ بذل بذل نفسه فيه للَّه تعالى حتى يستحقّ هذا الفضل، واللَّه أعلم انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله وليّ الدين فيه نظر؛ لأن الذي يقاتل دون ماله لا يستبعد أن يخلص نيته فيه للَّه تعالى، لإن اللَّه تعالى شرع صون المال، وحفظه؛ فإذا قاتل لأجل ذلك فقد حصل قتاله للَّه تعالى.
لكن عندي توقّفٌ في صحّة قياس الأشياء المذكورة في كلام النوويّ وغيره؛ إذ قتال الكفّار له المكانة العليا، فلا يستقيم إلحاق غيره به في خصوصيته، فالذي يظهر أن هذا الفضل مخصوص بمن قاتل الكفّار. واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ) -بضمّ الجيم- (يَثْعَبُ دَمًا) بفتح أوله، وسكون المثلّثة، وفتح العين المهملة، آخره موحّدة: أي يَجري متفجّرًا، أي كثيرًا، قال النوويّ: وهو بمعنى الرواية الأخرى: "يتفجّر دمًا" انتهى. قال السنديّ: وكلام بعضهم يقتضي أنه بالبناء للمفعول: أي يسيل انتهى (٣).
стр. 13515
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي اقتضاه كلام هذا البعض هو الذي تقتضيه عبارة المجد في "القاموس"، ونصّه: ثَعَبَ الماءَ والدمَ، كمنع: فَجَرَه، فانثَعَبَ انتهى. ونحوه في "لسان العرب" لابن منظور (١).
(اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) في رواية همّام: "والعَرْف" -بفتح المهملة، وسكون الراء، بَعدها فاء، وهو الرائحة، وتقدّم -٢٥/ ٣١٤٢ - من حديث معاذ بن جبل ﵁، مرفوعًا: "من جُرح جرحًا في سبيل اللَّه، أو نُكب نَكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك". وعُرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختصّ بالشهيد، بل هي حاصلة لكلّ من جُرِح.
ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله، لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة، وسيلان الدم يزول، ولا ينفي أن يكون له فضلٌ في الجملة، لكن الظاهر أن الذي "يجيء يوم القيامة يَثعَبُ دمًا" من فارق الدنيا، وجرحه كذلك، ويؤيّده ما وقع في حديث معاذ المذكور: "عليه طابَعُ الشهداء"، وقوله: كأغزر ما كانت" لا ينافي قوله: "كهيئتها"؛ لأن المراد لا ينقص شيئًا بطول العهد. قاله في "الفتح".
وقال الحافظ وليّ الدين: وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يُستشهد، أو تبرأ جراحته؛ لقوله: "كلّ كَلْم".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أنه أعمّ، فيشمل من استُشهد، ومن برىء جرحه، فمات بعد ذلك؛ عملاً بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهدٌ بفضيلته ببذله نفسه في طاعة اللَّه تعالى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧/ ٣١٤٨ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٥٣٥٥. وأخرجه (خ) في