الصدفي صاحب تاريخ المصريين -وأبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل الخولاني العروضي الخشاب المصري.
- وأبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي الدمشقي.
س:- وابنه: أبو موسى، عبد الكريم بن النسائي.
- وأبو الفتح، عبيد الله بن جعفر بن أحمد بن عاصم الدمشقي ويعرف بـ (ابن الرواس).
س:- وعلي بن أبي جعفر أحمد الطحاوي، الماضي أبوه.
- وعلي بن محمَّد بن أحمد بن إسماعيل الطبري.
- وأبو القاسم، علي بن يعقوب بن إبراهيم بن أبي العقب الهمداني الدمشقي.
- وأبو طالب، عمر بن الربيع بن سليمان المصري.
- وأبو بشر، محمَّد بن أحمد بن حماد الدولابي، وهو من أقرانه.
- وأبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن خالد بن يزيد الأعدالي المصري.
- ومحمد بن أحمد بن قطن الطحاوي، أخذ عنه القراءة.
- وأبو بكر، محمَّد بن أحمد الحداد المصري، الفقيه.
- وأبو الحسن، محمَّد بن أحمد الرافقي.
- ومحمد بن جعفر بن هشام بن ملاس النميري.
- وأبو بكر، محمَّد بن داود بن سليمان الزاهد.
-[ومحمد بن سعد السعدي الباوردي].
стр. 142
س:- وأبو الحسن، محمَّد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوري.
- وأبو بكر، محمَّد بن علي بن الحسن بن أحمد التنيسي النقاش.
- وأبو جعفر، محمَّد بن عمرو بن موسى بن محمَّد بن حماد العُقيلي المكي الحافظ.
- وأبو الطيب، محمَّد بن الفضل بن العباس.
س:- ومحمد بن القاسم بن محمَّد بن سيار القرطبي الأندلسي.
- وأبو بكر محمَّد بن القاسم بن أحمد المصري الزاهد الصوفي ويعرف بوليد.
- وأبو بكر، محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن إبراهيم القرقساني.
- وأبو بكر محمَّد بن معاوية الأندلسي ابن الأحمر.
- وأبو بكر، محمَّد بن موسى بن يعقوب بن المأمون الهاشمي.
- ومحمد بن نصر المروزي.
- وأبو علي، محمَّد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي.
- وأبو الحسن، محمَّد بن هاشم المصري، أحد الخيار من العلماء، وممن امتنع من الانتصاب للتحديث.
- وأبو عبد الله، محمَّد بن يعقوب بن يوسف الشيباني الحافظ، ولعرف بـ (ابن الأخرم).
- ومنصور بن إسماعيل الفقيه المصري.
- وأبو بكر، الوليد وهو محمَّد بن القاسم الماضي.
- وأبو عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني في صحيحه.
стр. 143
- ويعقوب بن المبارك المصري.
- وأبو القاسم، يوسف بن يعقوب السُّوسي.
* وبالسند الماضي إلى أبي عبد الرحمن النسائي (١) قال:
أخبرنا واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فُضيل، وأخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا مُحاضر، كلاهما -واللفظ للأول- عن عاصم بن سليمان -هو الأحول- عن عبد الله بن الحارث، قال: كان إذا قيل لزيد بن أرقم ﵁: (حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، يقول: لا أحدثكم إلا ما كان رسول الله ﷺ حدثنا به، ويأمر أن نقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والبُخل والجُبْن، والهَرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير مَنْ زكّاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها).
أخبرنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن -هو ابن مهدي- قال: حدثنا سفيان -هو الثوري- عن منصور، عن الشعبي، عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: "بسم الله، رب أعوذ بك من أن أزلّ أو أضلَّ، أو أظلمَ أو أُظْلَمَ أو أجهَل أو يُجْهَلَ عَلَيَّ".
نقلته من خط العلامة عبد العزيز بن عمر بن محمَّد بن فهد الهاشمي وفي آخره بخطه: "وانتهى في حادي عشري شوال سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة بمكة المشرفة، مع احتياجي فيه لتتمات،
стр. 144
وإن كان فيه لجمهور الناس أوفر كفاية.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم تسليمًا كثيرا آمين".
انتهت رسالة الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى بلفظها.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 145
المسألة السادسة عشرة في الكلام على كتاب تقريب التهذيب
اعلم أنه لما كان المرجع الأساسي لتراجم الرجال في هذا الشرح هو تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر لاختصاره، واحتفاله، ولا أعدل عنه غالبا إلا في أول الترجمة للتوسع في معرفة الراوي إذ تدعو الحاجة إليه: فأكتبه من تهذيب التهذيب كان بيان مصطلحاته من اللوازم المتعينة، لئلا يكون مَن يطالع هذا الشرح في حَيْرَة من الرموز الموجودة فيه، والطبقات، فدونك: ما كتبه في خطبة كتابه.
قال رحمه الله تعالى:
أما بعد: فإني لما فرغت من تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، الذي جمعت فيه مقصود التهذيب لحافظ عصره أبي الحجاج المزي من تمييز أحوال الرواة المذكورين فيه، وضممت إليه مقصود إكماله للعلامة علاء الدين مغلطاي، مقتصرا منه على ما اعتبرته عليه، وصححت من مظانه، من بيان أحوالهم أيضا، وزدت عليهما في كثير من التراجم ما يتعجب من كثرته لديهما، ويستغرب خفاؤه عليهما: وقع الكتاب المذكور من طلبة الفن موقعا حسنًا عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز ثلث الأصل، "والثلث كثير"، فالتمس مني بعض الإخوان أن أجَرّد له الأسماء خاصة، فلم أوثر ذلك لقلة جدواه، على طالبي هذا الفن، ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته، وأسعفَهُ بطَلبَته، على وجه يُحصِّل مقصودَه بالإفادة، ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة، وهي أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدلَ ما وُصف به، بألخص عبارة، وأخلص إشارة، بحيث لا تزيد كل ترجمة علي سطر واحد غالبا، ويجمع اسم الرجل، واسم أبيه
стр. 146
وجدّه، ومنُتهى أشهر نسبته ونسبه، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم، بحث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه.
وباعتبار ما ذكرت انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثني عشر مرتبة، وحَصْرُ طبقاتهم في اثنتي عشرة طبقة.
فأما المراتب:
فأولها: الصحابة، فأصرح بذلك لشرفهم.
الثانية: من أكد مدحه إما بأفعل، كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة لفظًا، كثقة ثقة، أو معنى كثقة حافظ.
الثالثة: من أفرد بصفة كثقة، أو متقن، أو ثبت، أو عدل.
الرابعة: من قصر عن الثالثة قليلًا، وإليه الإشارة بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلًا، وإليه الإشارة بصدوقٍ سيء الحفظ، أو صدوق يهمِ، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة. ويلتحق بذلك من رُمِيَ بنوعٍ من البدعة كالتشيع، والقدر، والنصب، والإرجاء، والتَّجَهُّم (١) مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يوجد فيه ما يترك
стр. 147
حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ مقبول حيث يُتَابَع، وإلا فَلَين الحديث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ مستور، أو مجهول الحال.
الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ ضعيف.
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق وإليه الإشارة بلفظ مجهول.
العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإليه الإشارة بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.
الحادية عشرة: من اتهم بالكذب. الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذب والوضع.
وأما الطبقات:
فالأولى: الصحابة علي اختلاف مراتبهم، وتمييزُ من ليس له منهم الا مجرد الرؤية من غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين. كابن المسيب، فإن كان مخضرما صرحت بذلك.
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها، جُلُّ روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري، وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى منهم الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش.
стр. 148
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة لكن لم يثبت لهم لقاءُ أحد من الصحابة، كابن جريج.
السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين كمالك والثوري.
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم كابن عيينة، وابن علية.
التاسعة: الطبقة الصغري من أتباع التابعين كيزيد بن هارون والشافعي، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين، كأحمد ابن حنبل.
الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي، والبخاري.
الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع، كالترمذي.
وألحقت بها باقي شيوخ الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلا، كبعض شيوخ النسائي، وذكرت وفاة من عَرَفتُ وفاته منهم، فإن كان من الأولى والثانية فهم قبل المائة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة فهم بعد المائة، وان كان من التاسعة إلى آخر الطبقات فهم بعد المائتين، ومن نَدَرَ عن ذلك بينته، وقد اكتفيت بالرقم على أول اسم كل راو، إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة:
فللبخاري في صحيحه (خ) فإن كان حديثه عنده معلقا (خت) وللبخاري في الأدب المفرد (بخ)، وفي خلق أفعال العباد (عخ)، وفي جزء القراءة (ز) وفي رفع اليدين (ي) ولمسلم: (م) وفي مقدمة صحيحه (مق)، ولأبي داود (د)، وفي المراسل له: (مد)، وفي فضائل الأنصار (صد)، وفي الناسخ (خد)، وفي القدر (قد)، وفي التفود (ف)، وفي المسائل (ل)، وفي مسند مالك (كد)، وللترمذي: (ت)، وفي
стр. 149
الشمائل له (تم)، وللنسائي (س)، وفي مسند علي له (عس)، وفي مسند مالك (كن) وفي كتاب عمل اليوم والليلة (سي) وفي خصائص علي (ص) ولابن ماجه: (ق) وفي التفسير له: (فق)، فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة أكتفي برقمه، ولو أخرج له في غيرها، وإذا اجتمعت فالرقم (ع) وأما علامة (٤) فهي لهم سوى الشيخين، ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه (تمييز) إشارة إلى أنه ذكر ليتميَّز عن غيره، ومن ليست عليه علامة نبه عليه: وترجم قبل، أو بعد. اهـ ما كتبه الحافظ في خطبة التقريب.
قال الجامع عفا الله عنه: من عادة الحافظ في ذكر الوفيات أنه يحذف المائة ويذكر ما دونها كما أشار إليه قَبْلُ فمثلا يقول: فلان من السادسة مات سنة ثلاثين، أي سنة مائة وثلاثين، أو من السابعة مات سنة خمس وأربعين، أي ومائة، أو فلان من العاشرة مات سنة ثلاثين، أي سنة مائتين وثلاثين، وهكذا، فينبغي التنبه لذلك.
هذا من حيث توضيح اصطلاحه، وأما أنا فلا أقتصر بذكر التفاصيل أذكره مع المائة، أو المائتين، زيادة في الإيضاح. والله ولي التوفيق.
"إن اريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 150
الخاتمة في بيان منهج هذا الشرح ومصطلحاته
اعلم أن منهج هذا الشرح كما يلي:
١ - كتابة ترجمة المصنف بابا أو كتابا أو غيرهما، ثم شرح تلك الترجمة.
٢ - كتابة الحديث سندًا ومتنًا.
٣ - الكلام على تراجم رجال ذلك الإسناد.
٤ - ذكر لطائف ذلك الإسناد.
٥ - شرح ذلك المتن، وأكتب له عنونا: "شرح الحديث".
٦ - مسائل تتعلق بذلك الحديث.
وتتنوع تلك المسائل بحسب متعلقات الحديث:
١ - الأولى: في درجة ذلك الحديث.
٢ - المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، في الكتابين الصغرى، والكبرى، وهذه المسألة ربما أضمها مع التي بعدها اختصارًا.
٣ - بيان من أخرجه من أصحاب الأصول، وقد أذكر غيرهم أحيانا.
٤ - بيان فوائد ذلك الحديث.
٥ - ذكر مذاهب العلماء إن كان هناك اختلاف في حكم ذلك الحديث، ثم ترجيح الراجح منها بما يقترن معها من الدليل القوي.
ثم إذا بقي هناك أمور لها تعلق بذلك الحديث فأذكرها بمسألة سادسة، فسابعة، فثامنة، وهَلُّمَّ جرَّا، وربما يغير هذا الأسلوب بزيادة أو نقص لسبب ما.
стр. 151
وأما مصطلحات هذا الشرح فكما يلي:
(ق) إشارة إلى القاموس المحيط في اللغة لمجد الدين محمَّد بن يعقوب
الفيروز أبادي اللغوي (ت ٨١٧) هـ (تاج) إشارة إلى تاج العروس شرح القاموس للعلامة السيد محمَّد مرتضى الزبيدي المتوفى سنة ١٣٠٥، (المصباح) هو المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للعلامة اللغوي أحمد بن محمَّد بن علي المقري (ت ٧٧٠).
(لسان) هو لسان العرب للعلامة اللغوي أبي الفضل جمال الدين محمَّد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري (ت ٧١١).
(ت) إشارة إلى تقريب التهذيب المتقدم ذكره
(تت) إشارة إلى تهذيب التهذيب.
(صه) إشارة إلى خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي المتقدم.
(فتح) هو فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ.
(عمدة) هو عمدة القارئ للعلامة العيني المتقدم.
(اهـ) إشارة إلى انتهاء الكلام المنقول من شخص، أو كتاب، وهي مختصرة من انتهى.
وإذا قلت: قال فلان، أو انتهى كلام فلان، فهو مما نقل باللفظ غالبا.
وإذا قلت: أفاده فلان. فهو مما نقل بالمعنى كذلك.
وتوجد أرقام عند ذكر من أخرج الحديث، أو عند إحالة الكلام إلى باب آخر تقدم للمصنف، أو يأتي هكذا ١/ ١ مثلا، فالأرقام التي قبل الخط الفاصل جهة اليمين للباب، والأرقام التي بعده جهة اليسار
للحديث، وقد أترك رقم الباب. وربما يوجد بعض اصطلاحات تحتاج إلى التوضيح، وسأوضحها في هامش الشرح إن شاء الله تعالى.
стр. 152
تنبيه: ومما التزمته غالبا في هذا الشرح أن ما كان مرتبا على حروف المعجم كأسماء الرجال مثل التقريب، وأصله، والخلاصة، وككتب اللغة، مثل المصباح و (ق) واللسان لا أذكر رقم صفحاته اكتفاء بكونه مرتبا على الحروف، فلا يصعب مراجعته، وبالتالي توفيرا للوقت، وأما ما كان غير مرتب كسائر شروح الأحاديث، وكتب الفقه، وغيرها فلا أترك ذلك، إما في أول الكلام، وهو قليل، وإما في آخره، وهو الكثير، إلا نسيانا. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
فصل في ذكر أسانيدي إلى الإمام النسائي رحمه الله تعالى في هذا الكتب
اعلم: أنه جرت عادة المحدثين قديما وحديثا أن يسوقوا أسانيدهم إلى أصحاب الكتب في أول شروعهم فيها قراءة، أو شرحًا أو غير ذلك.
قال إمام هذه الصناعة في المتأخرين، وحذام المحدثين لدى المحققين الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني [٧٧٣ - ٨٥٢ هـ] رحمه الله تعالى في أول شرحه العديم النظير "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" ما نصه: وقد رأيت أن أبدأ الشرح بأسانيدي إلى الأصل بالسماع، أو بالإجازة، وأن أسوقها على نمط مخترع، فإني سمعت بعض الفضلاء يقول: الأسانيد أنساب الكتب، فأحببت أن أسوق هذه الأسانيد مساق الأنساب، فساق رحمه الله تعالى أسانيده إلى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في جامعه الصحيح.
قال الجامع: فأقول اقتداء بأئمة هذا الشأن: أخبرني بسنن الإمام الحافظ الجهبذ الناقد أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر
стр. 153
النسائي ﵀ من طريق الحافظ أبي بكر بن السني مشايخ كثيرون، بعضهم قراءة مني عليه لبعضها وإجازة لباقيها، وبعضهم سماعا لبعضها بقراءة غيري عليه، وإجازة لباقيها، وبعضهم إجازة لكلها:
فمنهم والدي العلامة الفقيه الأصولي علي بن آدم بن موسي الإثيوبي المتوفى يوم الخميس ثاني عشر رمضان سنة ١٤١١ هـ، عن نيف وثمانين سنة رحمه الله تعالى، أخبرني بها إجازة (ح) والعلامة المقرئ حياة ابن الشيخ علي الدَّرِّي، كلاهما، عن العلامة المقرئ كبير أحمد الدَّوَّويّ، عن العلامة عبد الجليل بن يحيى بن بشير الدُّلتي، عن أبيه يحيى، عن أبيه بشير، عن المفتي داود بن أبي بكر الدُّوَّوي، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن السيد أحمد بن محمَّد بن مقبول الأهدل، عن خاله عماد الدين يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر بن علي البطاح الأهدل، عن عمه يوسف بن محمَّد البطاح الأهدل، عن السيد طاهر بن حسين الأهدل، عن الحافظ عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني، عن الحافظ شمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن السخاوي، عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن البرهان إبراهيم بن أحمد التنوخي، عن أحمد بن أبي طالب الحجار، عن عبد اللطيف بن محمَّد بن علي القُبيطي، عن أبي زرعة طاهر بن محمَّد المقدسي، عن أبي محمَّد عبد الرحمن بن أحمد الدُّوني، عن القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق المعروف بابن السني الدينوري، عن المؤلف الحافظ أبي عبد الرحمن النسائي رحمهم الله تعالى.
(ح) وأخبرنا بها سماعا لبعضها بقراءة غيري، وإجازة لباقيها شيخي العلامة محمَّد بن رافع بن بُصَيْري الإثيوبي، عن شيخه محمَّد بن محمَّد ابن أمين خير الباكستاني نزيل مكة، عن محمَّد بن يحيى الكاندهلوي،
стр. 154
عن رشيد أحمد الكنكوهي، عن عبد الغني المجددي، عن الشاه محمَّد ابن إسحاق الدهلوي المكي، عن عبد العزيز الدهلوي، عن والد الشاه ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، عن أبي طاهر محمَّد بن إبراهيم الكردي المدني، عن أبيه إبراهيم بن حسن الكردي المدني، عن أحمد بن محمَّد القُشاشي، عن أحمد بن عبد القدوس الشناوي، عن شمس الدين محمَّد بن أحمد الرملي، عن القاضي زكريا الأنصاري، عن عز الدين عبد الرحيم بن محمَّد المعروف بابن الفرات، عن أبي حفص عمر بن الحسن المراغي، عن أبي الحسن فخر الدين علي بن أحمد المعروف بابن البخاري، عن أبي المكارم أحمد بن محمَّد اللبَّان، عن أبي علي حسن بن أحمد الحَدَّاد، عن أحمد الكسار، بسنده المذكور. رحمهم الله تعالى.
(ح) وأخبرني بها قراءة لأول حديث منها، واجازة للباقي المسند الكبير الشيخ محمَّد بن يس بن محمَّد بن عيسى الفاداني، عن عمر بن حمدان المحرسي، عن السيد محمَّد علي بن ظاهر الوتري، عن عبد الغني الدهلوي، بسنده المذكور.
(ح) وأخبرنا بها إجازة شيخي العلامة محمَّد زين بن الشيخ محمَّد يس الإتيوبي الدَّاني، عن العلامة المفتي محمَّد سراج بن محمَّد سعيد الأنِّي، عن الشيخ محمَّد الحلبي، والشيخ محمَّد السَّمَلُّوطي كلاهما عن البرهان إبراهيم السقا الأزهري، عن ولي الله ثعيلب، عن الشهاب أحمد النخلي، عن شمس الدين محمَّد بن علاء الدين البابلي، عن سالم بن محمَّد السنهوري، عن نجم الدين محمَّد بن أحمد الغَيْطيّ، عن البرهان إبراهيم التنوخي بسنده المذكور في سند والدي رحمهم الله تعالى.
стр. 155
(ح) وأخبرنا بها قراءة لبعضها، وإجازة لباقيها الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمني، عن السيد محمَّد بن يحيى دوم الأهدل، عن السيد محمَّد بن عبد الرحمن الأهدل، عن العلامة محمَّد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل، عن عمه الحسين بن عبد الباري الأهدل، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن والده سليمان بن يحيى، عن صفي الإسلام أحمد شريف مقبول الأهدل، عن خاله عماد الدين يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن العلامة عبد الله بن سالم البصري، عن العلامة محمَّد بن علاء الدين البابلي، عن الشيخين: أحمد بن خليل السبكي، وأبي النجا سالم بن محمَّد السنهوري، كلاهما عن النجم الغيطي بسنده المذكور. رحمهم الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: ولي أسانيد متنوعة تتصل بالإمام النسائي رحمه الله تعالى غير هذه، تركت ذكرها اختصارا.
وبالأسانيد المذكورة إلى الإمام النسائي قال رحمه الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
افتتح رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة اتباعا للنبي ﷺ حيث كان يصَدِّر بها كُتُبَه إلى الملوك، وغيرهم، وكتبه في القضايا، كما ثبت ذلك في قصة هرقل، وقصة صلح الحديبية، وغيرهما مما أخرجه الشيخان، وغيرهما. وموافقة للكتاب العزيز حيث إن الصحابة رضوان الله عليهم افتتحوا كتابة الإمام الكبير بها، وتبعهم على ذلك جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة، ومن لا يقول به.
وقال إمام المفسرين أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري ﵀ في تفسيره جـ ١ ص ٥: ما نصه:
стр. 156
إن الله تعالى ذكرُه، وتقدست أسماؤه، أدَّبَ نبيه محمدا ﷺ بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدَّبه به من ذلك، وعلمَه إياه منه لجميع خلقه سنة يَسْتَنُّون بها، وسبيلا يتبعونه عليها في افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم، وكتبهم، وحاجاتهم. اهـ.
مسائل تتعلق بالبسملة
المسألة الأولى: إنما عدلت عن الاحتجاج بما اشتهر الاحتجاج به -ولا سيما عند المتأخرين من المصنفين- على استحباب البسملة، وهو حديث: "كل أمر ذي بال، لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر" وفي رواية "لا يبدأ بالحمد لله" وفي رواية "بالحمد، فهو أقطع" وفي رواية "أجذم" وفي رواية "لا يبدأ فيه بذكر الله". روى كلها الحافظ عبد القادر الرهاوي ﵀ في شرح الأربعين من حديث أبي هريرة ﵁ -كما قال النووي ﵀ في شرح مسلم جـ ١ ص ٤٣ - إلى ما ذكرته، لكون الحديث ضعيفًا جدًا.
قال الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في تخريج أحاديث الكشاف جـ ١ ص ٢٢ - ٢٤:
روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث كعب بن مالك.
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه في النكاح من حديث قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ﷺ :"كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" انتهى (١).
стр. 157
ورواه ابن حبان في صحيحه في موضعين منه في النوع الثاني والتسعين من القسم الأول، وأعاده في النوع السادس والستين من القسم الثالث بالإسناد المذكور، ولفظه: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع".
ورواه الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه، في كتاب الأدب، وفي مسنده، وكذلك رواه البزار في مسنده، وقال: لا نعلمه روي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. انتهى.
ورواه الدارقطني في سننه، في أوائل كتاب الصلاة، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، في الباب الثالث والثلاثين، عن الحاكم بسنده إلى قرة بن عبد الرحمن به سواء، ولفظه: "كل أمر لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع". ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده كذلك، ولفظه: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع"، وهي رواية الدارقطني، وأحمد، والنسائي.
والحديث فيه روايات: فروي "كل أمر"، وروي "كل كلام" وهي رواية عند أحمد والنسائي، وروي "لم يبدأ" وقد تقدم، وروي "لم يفتتح" وهي عن أحمد أيضا، وروي "بحمد الله"، وقد تقدم، وروي "بذكر الله" وقد تقدم، وروي "فهو أقطع" وقد تقدم، وروي "فهو أبتر" وقد تقدم، وروي "فهو أجذم" وروي "فهو أكتع" بالكاف، رواه الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده: حدثنا بقية بن الوليد، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، أكتع" قال بقية: والأكتع: الذي ذهبت أصابعه، وبقي كفه. انتهى بحروفه، وهذا معضل.
وفي رواية أخرى، رواه الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي في كتابه
стр. 158
"الجامع لآداب الراوي والسامع": من حديث مبشر بن إسماعيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع". انتهى.
وهذا الحديث أعلّ من وجهين:
الأول: أنه قد روي مرسلًا، أخرجه كذلك أبو داود والنسائي، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ ، ليس فيه أبو هريرة، قال النسائي: والمرسل أولى بالصواب. انتهى.
الثاني: في إسناده قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل المعافري، وفيه مقال. قال الحاكم في مستدركه في أواخر الصلاة: وقد استشهد مسلم ﵀ بقُرة بن عبد الرحمن في موضعين من صحيحه. انتهى.
أما حديث كعب بن مالك فرواه الطبراني في معجمه: حدثنا أحمد ابن المعلى الدمشقي، حدثنا عبد الله بن يزيد الدمشقي، حدثنا صدقة بن عبد الله، عن محمَّد بن الوليد الزُّبيْدي، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع". انتهى. انظر تخريج أحاديث الكشاف للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٢٢ - ٢٤.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح جـ ٩ ص ٨٥، في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: آية ٦٤]، في الكلام على حديث هرقل عند قوله: "فهذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم" قال النووي: فيه استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، ويحمل قوله في حديث أبي هريرة: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" أي بذكر الله، كما جاء في رواية أخرى فإنه روي على أوجه "بذكر الله"،
стр. 159
"ببسم الله الرحمن الرحيم"، "بحمد الله"، وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام، ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد، بل بالبسملة. انتهى.
قال الحافظ: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في صحيحه وصححه ابن حبان أيضا، وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته فالرواية المشهورة فيه بلفظ "حمد الله" وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النووي وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية. اهـ.
وقد حقق الكلام على هذا الحديث المحدث الكبير الشيخ الألباني -جزاه الله خيرًا- في أول إروائه فأجاد، وأفاد، فقال:
١ - حديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" رواه الخطيب، وعبد القادر الرهاوي ص ٥ ضعيف جدا. وقد رواه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ١/ ٦ من طريق الحافظ الرهاوي بسنده، عن أحمد بن محمَّد بن عمران: حدثنا محمد بن صالح البصري -بها- حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، حدثنا يعقوب ابن كعب الأنطاكي، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا به، إلا أنه قال: "فهو أقطع" وهذا سند ضعيف جدا، آفته ابن عمران هذا، ويعرف بابن الجندي، ترجمه الخطيب في تاريخه ٥/ ٧٧، وقال: كان يضعف في روايته، ويطعن عليه في مذهبه -يعني التشيع- قال الأزهري: ليس بشيء، وقال الحافظ في اللسان: وأورد ابن الجوزي في الموضوعات في فضل علي حديثا بسند رجاله ثقات إلا الجندي، فقال: هذا موضوع ولا يتعدى الجندي.
ثم رواه السبكي من طريق خارجة بن مصعب، عن الأوزاعي به إلا أنه قال: "بحمد الله" بدل "بسم الله الرحمن الرحيم"، وخارجة هذا قال الحافظ: متروك وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه.
стр. 160
وقد خالفه والذي قبله محمَّد بن كثير المصيصي، فقال في إسناده: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة به، باللفظ الثاني: "بحمد الله" رواه السبكي ص ٧، من طريق أبي بكر الشيرازي في كتاب الألقاب، والمصيصي هذا ضعيف؛ لأنه كثير الغلط، كما قال الحافظ. والصحيح عن الزهري مرسلًا، كما قال الدارقطني، وغيره. وقد روي موصولا من طريق قُرة عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة باللفظ الثاني.
ومما سبق يتبين أن هذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف جدًا، فلا تغتر بمن حسنه مع الذي بعده فإنه خطأ بيِّن ولئن كان اللفظ الآتي يحتمل التحسين فهذا ليس كذلك، لما سبق في سنده من الضعف الشديد كما رأيت.
وقال: ٢ - حديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع"، وفي رواية "بحمد الله"، وفي رواية "بالحمد"، وفي رواية "فهو أجذم". رواها الحافظ الرهاوي في الأربعين له ص ٥ ضعيف.
رواه ابن ماجه، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "بالحمد أقطع" ورواه ابن حبان في صحيحه من هذا الوجه بالرواية الثانية "بحمد الله" كما في طبقات السبكي ١/ ٤، ورواه الدارقطني في سننه ص ٨٥ بلفظ "بذكر الله أقطع" ورواه أبو داود في سننه ٤٨٤٣، بلفظ "بالحمد فهو أجذم"، وقال: رواه يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلًا. يشير إلى أن الصحيح فيه مرسل. وهو الذي جزم به الدارقطني كما نقله السبكي، وهو الصواب؛ لأن هؤلاء الذين أرسلوه أكثر، وأوثق من قرة، وهو ابن عبد الرحمن المعافري المصري، بل إن هذا فيه ضعف من قبل حفظه، ولذلك لم يحتج به مسلم، وإنما أخرج له في
стр. 161
الشواهد. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس بقوي. وقول السبكي فيه: هو عندي في الزهري ثقة ثبت، فقد قال الأوزاعي: ما أحد أعلم بالزهري منه. وقال يزيد بن السمط: أعلم الناس بالزهري قرة بن عبد الرحمن. فهو بعيد عن الصواب؛ لأنه مخالف لأقوال الأئمة المذكورين فيه، واعتماده في ذلك على ما نقله عن الأوزاعي مما لا يجدي؛ لأن المراد من قول الأوزاعي المذكور أنه أعلم بحال الزهري من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، كما قال الحافظ ابن حجر في التهذيب، قال: وهذا هو اللائق.
ومما يدلك على ضعفه -زيادة على ما تقدم- اضطرابه في متن الحديث، فهو تارة يقول: "أقطع" وتارة "أبتر" وتارة "أجذم" وتارة "يذكر الحمد لله"، وأخرى يقول "بذكر الله".
ولقد أضاع السبكي جهدا كبيرا في محاولته التوفيق بين هذه الروايات، وإزالة الاضطراب عنها، فإن الرجل ضعيف كما رأيت، فلا يستحق حديثه مثل هذا الجهد، وكذلك لم يحسن صنعا حين ادعى أن
الأوزاعي تابعه، وأن الحديث يَقْوَى بذلك؛ لأن السند إلى الأوزاعيّ ضعيف جدا كما تقدم في الحديث الذي قبله، فمثله لا يستشهد به، كما هو مقرر في مصطلح الحديث.
وقد رواه أحد الضعفاء الآخرين، عن الزهري بسند آخر، أخرجه الطبراني من طريق عبد الله بن يزيد: حدثنا صدقة بن عبد الله، عن محمَّد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه مرفوعا. وهذا سند ضعيف، صدقة هذا ضعيف، كما قال الحافظ في التقريب، وقد خالف قرة إسناده كما ترى، فلا يصح أن
стр. 162
تجعل هذه المخالفة سندا في تقوية الحديث كما فعل السبكي، بينما هي تدل على ضعفه لاضطراب هذين الضعيفين فيه على الزهري كما رواه الآخرون من الضعفاء عن الزهري بإسناد آخر، ذكرته في الحديث الذي قبله.
وجملة القول أن الحديث ضعيف، لاضطراب الرواة فيه على الزهري، وكل من رواه عنه موصولا ضعيف، أو السند إليه ضعيف، والصحيح عنه مرسلا كما تقدم عن الدارقطني وغيره، والله أعلم. اهـ انظر إرواء الغليل جـ ١ ص ٢٩ - ٣٢.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الأكثرين على تضعيف الحديث، فقد قال الدارقطني ﵀: تفرد به قرة عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأرسله غيره، عن الزهري، عن النبي ﷺ وقرة ليس بقوي في الحديث. ورواه صدقة عن محمَّد بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولا يصح الحديث، وصدقة، ومحمد بن سعيد ضعيفان، والمرسل هو الصواب، انظر سنن الدراقطني جـ ١ هـ ٢٩٩.
وقد تقدم تضعيف الأئمة لقرة هذا، فقد قال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وعنه: كان يتساهل في السماع، وفي الحديث، وليس بكذاب، وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها
مناكير، وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس بقوي، وقال أبو داود: في حديثه نكارة.
وأما ما قاله يزيد بن السمط: كان الأوزاعي يقول: ما أحد أعلم بالزهري من قرة بن عبد الرحمن. فقد تعقبه ابن حبان في الثقات -كما في تهذيب التهذيب جـ ٨ ص ٣٧٣ - بقوله: هذا الذي قاله يزيد ليس بشيء يحكم به على الإطلاق، وكيف يكون قرة أعلم الناس بالزهري،
стр. 163
وكل شيء روى عنه ستون حديثًا، بل أعلم الناس بالزهري مالك، ومعمر، ويونس، والزُّبيدي، وعقيل، وابن عيينة، هؤلاء أهل الحفظ، والإتقان والضبط اهـ.
وأورد ابن عدي كلام الأوزاعي من رواية رجاء بن سهل، عن أبي مسهر، ولفظه: ثنا يزيد بن السمط، قال: ثنا قرة، قال: لم يكن للزهري إلا كتاب فيه نَسَبُ قومه، وكان الأوزاعي يقول: ما أحد أعلم بالزهري من ابن حيوئيل، فيظهر من هذه القصة أن مراد الأوزاعي أنه أعلم بحال الزهري من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق، والله أعلم. انظر تهذيب التهذيب جـ ١ ص ٣٧٣ - ٣٧٤.
والحاصل أن قرة ضعفه الجمهور، ولم يوجد له توثيق صريح، إلا أن ابن عدي قال: لم أر له حديثًا منكرا جدا، وأرجوا أنه لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات، مع التعقب المذكور. فتفرده بوصل هذا الحديث، واضطرابه ومخالفته للثقات: يونسَ، وعقيلَ بن خالد، وشعيبَ بن أبي حمزة، وسعيدَ بن عبد العزيز، فكلهم رووه عن الزهري مرسلا، يدل على وَهمه، فروايته منكرة، وقد عرفت بطلان دعوى متابعة الأوزاعي، وغيره له، فيما تقدم. فالصحيح أن الحديث ضعيف جدا، فتصحيح التاج السبكي، وتحسين غيره له مما لا يلتفت إليه، فتفطن، وهذا كله بلفظ "الحمد لله" وأما بلفظ البسملة فواه بمرة، لأن في سنده أحمد بن محمَّد بن عمران وهو متهم، مع المخالفة للثقات، بل حكم بعضهم (١) فيه بالوضع، وإن كان فيه نظر. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 164
المسألة الثانية: إن قال قائل: لمَ لَمْ يفتتح النسائي ﵀ سننه بخطبة تنبئ عن مقصوده، مشتملة على الحمد والشهادة؟.
فالجواب عنه: أنه ترك ذلك اتباعا للسنة حيث كانت كتب رسول الله ﷺ إلى الآفاق مفتتحة بالبسملة دون غيرها -كما تقدم شرح ذلك في المسألة السابقة-.
وأيضًا: أن ذلك عرف طارئ التزمه المتأخرون، فقد استحسنوا ابتداء مؤلفاتهم بالبسملة، والحمدلة، والصلاة على النبي ﷺ ، ومدح الفن، وذكر الباعث، وتسمية الكتاب، وبيان كيفية العمل فيه من التبويب، والتفصيل، وغير ذلك، وأما المتقدمون فلا يوجد ذلك في مؤلفاتهم إلا بعضه عند بعضهم، كما فعل مسلم ﵀ في صحيحه فجرى المصنف ﵀ على عمل المتقدمين هنا، وفي الكبرى لموافقته السنة، فلم يذكر إلا البسملة.
وقد ذكر الحافظ في الفتح جوابًا عن البخاري رحمه الله تعالى فقال:
وقد اعتُرض على المصنف -يعني البخاري- لكونه لم يفتتح بخطبة تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة امتثالا لقوله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" وقوله: "كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء" أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁.
والجواب عن الأول: أن الخطبة لا يتحتم فيها سياق واحد يمتنع
العدول عنه، بل الغرض منها الافتتاح بما يدل على المقصود، وقد صدر الكتاب بترجمة بدء الوحي، وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية، فكأنه يقول: قصدت جمع وحي السنة المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسن عملي فيه من قصدي "وإنما
стр. 165
لكل امرئ ما نوى" فاكتفى بالتلويح عن التصريح، وقد سلك هذه الطريقة في معظم تراجم هذا الكتاب على ما سيظهر بالاستقراء.
والجواب عن الثاني: أن الحديثين ليسا على شرطه، بل في كل منهما مقال، سلمنا صلاحيتهما للحجية، لكن ليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معا، فلعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة؛ لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله، وقد حصل بها، ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الفلق: آية ١]، فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة، والاقتصار عليها، لا سيما وحكاية ذلك من جملة ما تضمنه هذا الباب، بل المقصود بالذات من أحاديثه.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: (فلعله حمد وتشهد نطقا .. إلخ) فيه تكلف لا يخفى، بل الجواب الصحيح هو ما أشار إليه بقوله: ويؤيده .. إلخ، فالأولى أن يقال: إنما ترك ذلك تأسيا، ويؤيد ذلك -كما قال- وقوع كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون الحمدلة، وغيرها، كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وكما في حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحديبية، وغير ذلك من الأحاديث، وهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب دون الرسائل والوثائق، فكأن المصنف لما لم يفتتح كتابه بخطبة أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم لينتفعوا بما فيه تعلما وتعليما.
وقد أجاب من شرح هذا الكتاب -يعني صحيح البخاري- بأجوبة أخرى فيها نظر:
стр. 166
منها: أنه تعارض عند الابتداء بالتسمية والحمدلة، فلو ابتدأ بالحمدلة لخالف العادة، أو بالتسمية لم يعدّ مبتدئا بالحمدلة، فاكتفى بالتسمية. وتعقب بأنه لو جمع بينهما لكان مبتدئا بالحمدلة بالنسبة إلى ما بعد التسمية، وهذه هي النكتة في حذف العاطف، فيكون أولى لموافقته الكتاب العزيز، فإن الصحابة افتتحوا كتابة الإمام الكبير بالتسمية والحمدلة وتلوها، وتبعهم على ذلك جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة، ومن لا يقول ذلك.
ومنها: أنه راعى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: آية١] فلم يقدم على كلام الله ورسوله شيئا، واكتفى بها عن كلام نفسه. وتعقب بأنه كان يمكنه أن يأتي بلفظ الحمد من كلام الله تعالى، وأيضا فقد قدم الترجمة وهي من كلامه على الآية، وكذا ساق السند قبل لفظ الحديث، والجواب عن ذلك بأن الترجمة والسند، وإن كانا متقدمين لفظا لكنهما متأخران تقديرا فيه نظر.
وأبعد من هذا كله قول من ادعى أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة، فحذفها بعض من حمل عنه الكتاب، وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره كما في الموطأ وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، وأبي داود في السنن، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة، أفيقال في كل من هؤلاء: إن الرواة عنه حذفوا ذلك؟! كلا، بل يحمل ذلك من صنيعهم، على أنهم حمدوا لفظا، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي ﷺ إذا كتب الحديث، ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا
стр. 167
ذلك مختصا بالخطب دون الكتب، كما تقدم، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حمد، وتَشَهَّد، كما صنع مسلم. والله أعلم بالصواب. اهـ فتح جـ ١ ص ١٣ - ١٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاعتراض، والجواب عنه عجيب -ولا سيما من مثل الحافظ ﵀ لأنه مبني على ما جرى عليه عرف المتأخرين -كما قدمنا- وعمل المتقدمين هو الجاري على ما ثبت في السنة، حيث كانت كتبه ﷺ مبتدأة بالبسملة فقط، فهل مَن كان عمله
على وفق السنة يعترض عليه، ويتكلف في الجواب، والاعتذار عنه؟! إن هذا لشيء عجيب!!.
وبالجملة فهؤلاء الأئمة ممن ذكرهم الحافظ وغيرهم، هم القدوة في هذا الشأن، فلا ينبغي الاعتراض عليهم بما عمله المتأخرون، وأما حديث: "كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء" فهو صريح في الخطبة، كخطبة الجمعة، والعيدين، والكسوف، ونحوها، وليست كتب العلم مرادة به، بدليل ما تقدم أن كتبه ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا خالية عن ذلك، فتبصر. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
المسألة الثالثة: قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان كله شعرا، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزهري، قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم"، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: هو المختار. اهـ فتح جـ ١ ص ١٤.
وقال الملا علي القاري رحمه الله تعالى في شرح المشكاة جـ ١
стр. 168
ص ٣٧: والأحسن التفصيل، بل هو الصحيح، فإن الشعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فيصان إيراد البسملة في الهجويات، والهذيان، ومدائح الظلمة، ونحوها. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القاري رحمه الله تعالى هو الأولى عندي، ولعل ما روي عن الشعبي والزهري رحمهما الله تعالى محمول على هذا، فمرادهما الشعر القبيح، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
ويوجد في النسخة المصرية بعد البسملة ما نصه:
(وصلى اللهُ عَلى سَيِّدنَا مُحَمَّد، وآله، وسَلَّمَ)
وليس موجودًا في النسخة الهندية، ولعله ملحق ممن بعد المصنف ولكني أشرحه احتياطًا، فأقول قوله: (وصلى الله) جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى.
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح المهذب: أصل الصلاة في اللغة الدعاء، هذا قول جمهور العلماء من أهل اللغة وغيرهم، وقال الزجاج: أصلها اللزوم، قال الأزهري، وآخرون: الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء. اهـ المجموع جـ ١ ص ٧٥.
وقال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه جـ ٩ ص ٦١٠ بنسخة الفتح: قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة الدعاء.
وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه جـ ٢ ص ٦١٠ - بشرح تحفة الأحوذي-: وروي عن سفيان الثوري، وغير واحد من
стр. 169
أهل العلم، قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار اهـ، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره جـ ٣ ص ٥٠٣: وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.
وقد رد العلامة ابن القيم ﵀ على من فسر الصلاة بالرحمة، وبالغ في ذلك في كتابه "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" فراجعه ص ٨٣ - ٩١.
(على سيدنا) متعلق بصَلَّى، قال الفيومي ﵀: وسيد القوم رئيسهم، وكرمهم، والسيد المالك، وأصله سَويد، وزان كَريم، فاستثقلت الكسرة على الواو، فحذفت، فاجتمعت الواو وهي ساكنة، والياء، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وقيل: أصله فَيْعل -بسكون الياء، وكسر العين- وهو مذهب البصريين، والأصل سَيْود، وقيل: بفتح العين، وهو مذهب الكوفيين، لأنه لا يوجد فَيْعل بكسر العين في الصحيح، إلا صَيقل اسم امرأة، والعَليل محمول على الصحيح، فتعين الفتح قياسا على عَيطَل، وكذلك ما أشبهه (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن السيد يطلق على الذي يفوق قومه، ويرتفع قدره عليهم، ويطلق على الزعيم والفاضل، ويطلق على الحليم الذي لا يستفزُّه غضبه، ويطلق على الكريم، وعلى المالك، وعلى الزوج، وقد جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق السيد على أهل الفضل.
فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ صعد بالحسن بن علي ﵄ المنبر، فقال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"
стр. 170
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ ﵁: "قوموا إلى سيدكم" وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ .. الحديث. فقال رسول الله ﷺ : "انظروا إلى ما يقول سيدكم".
وأما ما في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح عن بريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم " فيجمع بينه وبين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلا خيِّرًا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كانا فاسقًا أو متهما في دينه، أو نحو ذلك كره أن يقال له: سيد. اهـ كلام النووى في أذكاره بتغيير يسير ص ٣٢١ - ٣٢٢.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد:
اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: يا سيدنا، قال: "السيد الله ﵎". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم"، وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء: السيد أحَدُ ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي سيد كندة، ولا يقال: المَلَكُ سيد البشر، قال: وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وهذا فيه نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو في منزلة المالك، والمولى، والرب، لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق. انتهى. انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص ٧٣٨ - ٧٣٩.
стр. 171
قال الجامع عفا الله عنه: والصواب أن لفظ "السيد" يجوز إطلاقه على الله تعالى، لحديث أبي داود المذكور، وهو حديث صحيح، ويجوز إطلاقه على المخلوق إذا لم يكن فاسقا، للأحاديث المتقدمة في
كلام النووي.
وأما نهيه ﷺ عن قولهم "يا سيدنا" فهو من باب التحذير عن الغُلُوّ في المدح، فالحديث صريح في ذلك، فقد أخرج أبو داود بسند جيد، وصححه غير واحد -كما قال في الفتح جـ ٥ ص ١٧٩ - عن عبد الله بن الشِّخِّير ﵁، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله ﵎" قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم" أو "بعض قولكم، ولا يَستَجْريَنَّكم الشيطان" (١).
(محمَّد) هو علم نبينا ﷺ ، وهو أشرف أسمائه، منقول من اسم مفعول حُمِّدَ، وهو يتضمن الثناء على المحمود، وإجلاله وتعظيمه ومحبته، وهو عَلَم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه ﷺ ، وإن كان علما محضا في حق غيره. وهذا شأن أسماء الله تعالى، وأسماء كتبه، وأسماء نبيه ﷺ هي أعلام دالة على معان هي أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ الوصفيةَ، فهو ﷺ محمود عند الله، وعند ملائكته، وعند إخوانه من المرسلين، وعند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم عنادا، وقد اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإنه محمَّد، وأحمد، وأمته الحامدون، وصلاته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، وبيده لواء الحمد يوم القيامة، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون. وقد أجاد في
стр. 172
هذا الباب العلامة ابن القيم ﵀ فأفاد. انظر جلاء الأفهام ص ٩٢ - ١٠٨.
(وآله) اختلف في أصله، فقيل: أهل، قلبت الهاء همزة ثم سهلت، ولهذا إذا صغر رد إلى الأصل، فقالوا: أهيل، وقيل: أصله أوَل، من آل يؤول: إذا رجع، سمي بذلك من يؤول إلى الشخص، ويضاف إليه، ولا يضاف إلا إلى معظم، فلا يقال: آل الحجام، ولا آل الإسكاف، بخلاف أهل، ولا يضاف أيضا إلى غير العاقل، ولا إلى الضمير عند أكثر، وجوزه بعضهم بقلة.
واختلف في المراد بالآل هنا، فقيل: من حرمت عليه الصدقة، وهو نص الشافعي ﵀، واختاره الجمهور، ورجحه السخاوي، قال: ويؤيده قوله ﷺ : "إنا آل محمَّد لا تحل لنا الصدقة" وقوله: "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمَّد"، وقال أحمد ﵀: المراد في حديث التشهد أهل بيته.
وقيل: المراد أزواجه وذريته، وقيل: ذرية فاطمة، وقيل: جميع قريش، وقيل: جميع أمة الإجابة. قال ابن العربي ﵀: مال إلى ذلك مالك، واختاره الأزهري، وحكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية، ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: آية ٣٤]، أفاده الحافظ السخاوي ﵀ في القول البديع ص ٨٨ - ٨٩.
(وسلم) أي عليه. فمتعلقه محذوف بدليل ما قبله، قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى: واختلف في معنى السلام، فقيل: السلام الذي هو اسم من أسماء الله تعالى عليك، وتأويله لا خلوت من
стр. 173
الخيرات، والبركلات، وسلمت من المكاره، والآفات، إذ كان اسم الله إنما يذكر توقعا لاجتماع معاني الخير والبركة فيها، وانتفاء عوارض الخلل والفساد عنها، ويحتمل أن يكون بمعنى السلام، أي ليكن قضاء الله عليك السلام، وهو السلامة كالَمقَام والمَقَامة، والمَلام والمَلامة، أي يسلمك الله من الملام والنقائص. فهذا قلت: اللهم سلم على محمَّد، فإنما تريد به: اللهم اكتب لمحمد في دعوته، وأمته، وذكره السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على ممر الأيام علوّا، وأمته، تكاثرا، وذكره ارتفاعا. قاله البيهقي. انتهى، القول البديع في الصلاة والسلام على الحبيب الشفيع ص ٧٥.
وسيأتي مزيد بسط، وتحقيق لمعنى الصلاة والسلام على النبي ﷺ وما يتعلق بذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
(قَالَ الشَّيْخُ العَالمُ الرَّبَّانِّي الرُّحْلَةُ الحَافظُ الحُجَّةُ الصَّمَدانيُّ، أبو عَبْد الرَّحمَن أحْمَدُ بْنُ شُعَيْب بْن عَلىِّ بْن بَحْر النَّسائيُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالى)
الظاهر أن هذه العبارة ليست للمصنف، وإنما هي ممن روى الكتاب عنه، أو ممن بعدهم.
(الشيخ) ومثله الشّيخُونُ: من استبانت فيه السنن، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره، أو إلى الثمانين. جمعه: شُيُوخ -بالضم- وشِيُوخ -بالكسر- وأشياخ، وشِيَخَةٌ -كعنبة-، وشِيْخةٌ، بكسر فسكون، وشيخان -بالكسر- ومَشْيخَة -بالفتح- ومِشيخة -بالكسر- ومَشيُخاء، ومشيُخاء، ومشايخ. وتصغيره: شُييخ -بالضم- وشييخ -بالكسر- وشُويخ قليلة. اهـ "ق".
قال بعضهم: الشيخ في الأصل ضد الشاب، ثم استعير للأستاذ، أو للمرشد، لعلاقة التشبيه في العظمة. اهـ.
стр. 174
(الإمام) قال الفيومي ﵀: الإمام: العالم المقتدى به، ومن يؤتم به في الصلاة، ويطلق على الذكر والأنثى، قال بعضهم: وربما أنت إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة، وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم لا صفة، اهـ المصباح جـ ١ ص ٢٣.
وفي "ق" وشرحه: الإمام بالكسر: كل ما ائتمَّ به قوم، من رئيس أو غيره، جمعه: إمام بلفظ الواحد، وأيمة بقلب الهمزة ياء لثقلها، وأئمة بهمزتين شاذ. اهـ.
والمراد به هنا: العالم الذي يُقتَدَى به في العلم.
(العالم) أي المتصف بالعلم، وهو كما في المصباح: اليقين، يقال: علم يعلَم: إذا تيقَّن.
(الرباني) قال في "ق" وشرحه: الرباني: العالم المُعَلّم الذي يَغذُو الناس بصغار العلوم قبل كبارها. وقال محمَّد ابن الحنفية لما مات عبد الله ابن عباس ﵄: مات اليوم رباني هذه الأمة. وروي عن علي رضي الله أنه قال: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهَمَجٌ (١) رعاع (٢) أتباع كل ناعق (٣)، والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو العالم العامل المعلم، أو العالي الدرجة في العلم. وقيل: الرباني: المُتَألِّه العارف بالله تعالى، منسوب إلى الربَّان، وفعلان يُبنَى من فعل مكسور العين كثيرًا، كعطشان، وسكران،
стр. 175
ومن فَعَلَ مفتوح العين قليلًا، كَنعْسان، أو منسوب إلى الرب، أي الله ، بزيادة الألف والنون للمبالغة. وقال سيبويه: زادوا ألفا، ونونا في الرباني، إذا أرادوا تخصيصا بعلم الرب، دون غيره، كأن معناه صاحب علم الرب دون غيره من العلوم، ونونه كلحْياني، وشَعْراني، ورَقَبَاني: إذا خُصَّ بطول اللحية، وكثرة الشَّعَر، وغلظ الرَّقبة، فهذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شَعَري، وإلى الرقبة قالوا: رقبي، وإلى اللحية، قالوا: لحْييّ. والرباني: الموصوف بعلم الرب، وفي التنزيل: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. اهـ ببعض اختصار جـ ١ ص٢٦٠.
وقال البخاري ﵀ في كتاب العلم من صحيحه تعليقا: وقال ابن عباس ﵁: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ حلماء فقهاء.
(الرُّحْلة) -بالضم- أي العالم الكبير الذي يُرحل إليه لجاهه، أو علمه، قاله في "تاج". وفي المصباح: وقال أبو زيد: الرِّحلة -بالكسر- اسم من الارتحال، والرُّحلة -بالضم-: الشيء الذي يرحل إليه، يقال: قَرُبت رحْلَتنا -بالكسر- أنت رُحلتنا -بالضم- أي المقصد الذي يقصد. اهـ ج ١ ص ٢٢٢.
والمراد به هنا: العالم الذي ترحل إليه طلبة العلم من أقطار الأرض لأخذ العلوم منه.
(الحافظ) اسم فاعل من حَفظَ، من باب عَلمَ، يقال: حفظت المال، وغيره، حفظا: إذا منعته من الضياع، والتلف، وحفظته: صنته عن الابتذال. قاله في المصباح جـ ١ ص ١٤٢.
والحافظ من الألقاب التي يطلقها المحدثون على العلماء بالحديث، وقد بينه الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀، لما سئل عن الحد الذي إذا
стр. 176
انتهى إليه جاز أن يطلق عليه لفظ الحافظ، فقال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم، وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب اهـ.
ودونه المُحَدث، ودون المحدث المُسندُ -بكسر النون- وفوق الكل أمير المؤمنين، إذ هو لقب لم يَظفَر به إلا الأفذاذ النوادر الذين هم أئمة هذا الشأن، كشعبة، والثوري، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، ومن المتأخرين كالحافظ ابن حجر، وأضرابهم، إلى هذا أشار الحافظ السيوطي ﵀ في ألفية المصطلح، حيث قال:
وذَا الحَديث وَصَفُوا فاختَصَّا … بحَافظ كَذا الخطيبُ نَصَّا
وهو الذي إليه في التَّصحيحِ … يُرجعُ والتَّعْديل والتَّجْريحِ
أنْ يحفَظَ السُّنةَ ما صحَّ وَمَا … يَدري الأسَانيدَ ومَا قَد وَهمَا
فيه الرواةُ زائدًا أو مُدرَجَا … ومَا به الإعلالُ فيها نُهِجَا
يَدري اصطلاح القَوم والتَّمَيُّزَا … بينَ مَراتب الرِّجال مَيَّزَا
في ثقة والضُّعْف والطِّبَاق … كَذَا الخطيب حَدَّ للإطلاقِ
وصرَّحَ المزيُّ أنْ يكونَ مَا … يَفُوتُه أقلَّ ممَّا عَلِمَا
ودونَهُ مُحدِّثٌ أنْ تُبْصرَه … من ذاكَ يَحْوي جُمَلا مُسْتَكْثَرَه
ومَن على سَمَاعه المجرَّد … مُقتصرٌ لا علمَ سمْ بالمُسْندِ
وبأمير المؤمنين لقَّبُوا … أئمةَ الحَديث قدما نَسَبُوا
(الحُجة) -بالضم- هو في الأصل: الدليل، والبرهان، والجمع حُجَج، مثل غُرفة، وغُرَف، أي العالم الذي يجعل حجة وبرهانا في الحديث لطلاب الحديث.
стр. 177
(الصمداني) أي المنسوب إلى الصَّمَد، وهو الله تعالى، انتساب الطالب إلى المطلوب؛ لأن الصمد من معانيه الذي يُصمد إليه في الحوائج، أي يقصد، وقيل: السيد المطاع الذي لا يُقضَى دونه أمر. وقيل: الذي لا يَطعَم، وقيل: السيد الذي قد انتهى سؤدده. اهـ "ق" و "تاج" جـ ٢ ص ٤٠١.
(أبو عبد الرحمن) بالرفع بدل من الشيخ، أو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هو (أحمد) بالرفع بدل عن مما قبله، أو خبر لمحذوف، ويحتمل النصب مفعولا لفعل محذوف، أي أعني (بن شعيب بن علي ابن بحر) "بن" صفة لأحمد، أو بدل، أو عطف بيان، ويحتمل قطعه، كسابقه (النسائي) يحتمل الرفع، والنصب كسابقه ﵀ تعال) جملة دعائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ومقول "قال" قوله: "تأويل قول الله " إلخ.
стр. 178
١ - تأويل قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: الآية ٦]
تأويل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
أي هذا باب تذكر فيه الأحاديث المفسرة لهذه الآية الكريمة، فإن الأحاديث المذكورة في باب الطهارة مفسرة لآية الوضوء لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فما نقل عن النبي ﷺ قولا أو فعلا أو غيرهما تبيين لها ولبعضهم (من الكامل):
فَهوَ المفسِّرُ للكتاب وَإنَّمَا … نَطَقَ النبيُّ لنَا به عَنْ ربِّهِ
والتأويل: مصدر أوَّلَ الكلامَ: يقال: أول الكلام تأويلا، وتأوله: دبَّره وقدَّره، وفسَّره. اهـ ق وقال في التاج ٧/ ٢١٥: وظاهر كلام المصنف أن التأويل والتفسير واحد، وفي العباب: التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقال غيره: التفسير: شرح ما جاء مجملا من القصص في الكتاب الكريم، وتقريب ما تدل عليه ألفاظه الغريبة، وتبيين الأمور التي أنزلت بسببها الآية، وأما التأويل: فهو تبيين معنى المتشابه، والمتشابهُ: هو ما لم يقطع بفحواه من غير تردد فيه وهو النص. وقال الراغب: التأويل: ردُّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، قولا أو فعلا، وفي جمع الجوامع: هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حُمل لدليل فصحيح، أو لما يُظَنّ دليلًا ففاسد، أو لا بشيء فلعب، لا تأويل، قال ابن الكمال: التأويل: صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى تحتمله، إذا كان المحتمل الذي تُصرَف إليه موافقا للكتاب والسنة،
стр. 179
كقوله: "يخرج الحي من الميت" إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تأويلا (١) أو إخراج للمؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل كان تأويلا، وقال ابن الجوزي: التفسير: إخراج الشيء من معلوم الخفاء إلى مقام التجلي، والتأويل: نقل الكلام عن موضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقال بعضهم: التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل: رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر. اهـ تاج
ولشيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة الحَمَويّة كلام نفيس في هذا الموضوع، وحاصل ما قاله رحمه الله تعالى: أن لفظ التأويل يستعمل في ثلاث معان:
أحدها: -وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله- صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به.
الثاني: أن التأويل هو التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: واختلف علماءُ التأويل.
الثالثه: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ٥٢] فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد: هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء، والجنة والنار، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد له أبواه وإخوته قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: آية ١٠٠]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا، اهـ كلام شيخ الإسلام باختصار. الحموية ص ٣٧.
стр. 180
قال الجامع عفا الله عنه: والمناسب هنا في كلام النسائي من هذه المعاني: هو التفسير، يعني أن كل ما يأتي من الأحاديث في الوضوء تفسير للآية الكريمة، فهي مفسَّرة وموضَّحَة بالأحاديث. والله أعلم.
شرح الآية الكريمة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ أي إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبب عن السبب كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: آية ٩٨].
﴿إلى الصلاة﴾ يتناول سائر الصلوات من المفروضات والنوافل لأن الصلاة اسم للجنس، فاقتضى أن يكون من شرط الصلاة الطهارة أيّ صلاة كانت، فالآية موافقة لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" وسيأتي
البحث عنه ١٠٤/ ١٣٩، إن شاء الله تعالى.
﴿فاغسلوا﴾: أمر للجمع المذكر الحاضرين، وتدخل فيه النساء لأنهن شقائق الرجال، والغسل بالفتح والضم مصدرا غَسَلَ يغسل، من باب ضَرَبَ يضرب، وقيل الغسل بالفتح مصدر، وبالضم اسم للاغتسال، وهو في الشرع إمرار الماء علي الموضع إذا لم يكن فيه نجاسة، وإلا فغسلها إزالتها. أفاده العيني. وقال الشوكاني: وقد اختلف أهل العلم هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكفي إمرار الماء، والخلاف في ذلك معروف، والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل كان معتبرا وإلا فلا، قال في شمس العلوم: غسل الشيء غَسْلا إذا أجرى عليه الماء، ودلكه انتهى. اهـ فتح القدير ٢/ ١٧.
﴿وجوهكم﴾: جمع وَجْه، مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة، وحدُّ طولا من مبتدأ سَطح الجبهة إلى منتهى اللحْيين، وهما عظما