← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

بعضهم له باتفاق العلماء، وإن قال بعضهم قولا، ولم يقل بعضهم بخلافه، ولم ينتشر، فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه. والنصوص في العناية بأقوال الصحابة أوفر من أن تحصر، نقول هذا تمهيدا للأقوال المأثورة في المسح على الجوربين في كتاب السنن لأبي داود وغيره، فإنها حجة في هذا الباب على كل من خالف كيف كان حالها، لأنها على ما فصله ابن تيمية، وقرره الأصوليون- إما منتشرة غير منكرة وما كان كذلك فهو حجة باتفاق، وإما أنها قال بها بعضهم ولم ينتشر ما يخالفه، والجمهور يحتجون بذلك، وقد علم أنه ليس ثَمَّ مخالف فينتشر قوله إذ لم يرد عنهم فيه إلا رفعه إلى النبي ﷺ ، أو عملهم به على ما عرفت من روايات متعددة. ومن الجلي في باب الأحكام أن حكما بلغ عدد رواته والقائلين به والعاملين به ستة عشر لو كانوا من طبقة غير الصحابة لما توقف في قبوله فكيف وكلهم من طبقة الصحابة عليهم رحمة الله ورضوانه. هذا كله على فرض أنه لم يرو في الباب- أي باب المسح على الجوربين إلا قولهم فقط، وإلا فقد قدمنا ما رُوي فيه من الأحاديث التي هي الحجة في هذا الباب والمرد عند التنازع (وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل). وإنما هذه الجملة ينبغي أن ينتبه لها الذين يأبون إلا التقليد ليعلموا أن من آثر التقليد فالأحرى به تقليد الصحابة لأنهم الأعلم، وأجمع الأصوليون على أنه يقدم. في باب التقليد- الأعلم. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: فلا يدرى ما عذر المقلد في ترجيح أقوال غير الصحابة على أقوالهم، فكيف إذا منع الأخذ بقول الصحابة، فكيف إذا صار يرمي بالابتداع من عمل بها؟ لا جرم أنه أخذ بالمَثَل

стр. 1507

المشهور: رمتني بدائها، وانسلت اهـ. وأما شبهة عدم الوثوق بما يؤثر مذهبا للصحابة إذ لم يدون مذهبهم فأوهى من بيت العنكبوت، لأن كلامنا فيما نقل عنهم في الكتب الموثوق بها المتداولة في الأيدي من كتب السنة، والفقه، لا سيما الصحيحان وكتب السنن، فقد حفظت من الزيادة والنقص بقوة العناية بها شرحا وضبطا ووفرة النسخ المخطوطة المعلم عليها بسماعات الحفاظ في معظم المكتبات مما لا يوجد نظيره في كتب أئمة الفقه المشهورة مذاهبهم. ولا ريب أن ذلك من معجزات الرسول ﷺ إذ قيض الله لسنته من حفظها كما فعل ذلك بتنزيله الكريم، وله الحمد والمنة. على أن المعول عليه منذ انتشر التأليف والتصنيف هو النقل عن الموجود الذي تثق به النفس -سواء كان مقابلا كله على أصله أو لا- ما دام يغلب على الظن صحته ويطمئن له القلب، هو المسمى بالوجادة ولذا اعترض الإمام المقبلي في العلم الشامخ على تصريحهم بعدم اعتماد الوجادة بأن هذا يناقضه، إذ هو أي قولهم المذكور- وجادة ليس إلا، قال: وأما الوثوق فهو شرط في كل طريق اهـ. بل على الوجادة المذكورة اعتماد القضاة والمفتين، والمستنبطين، إذ يتعذر إسناد كل كتاب إلى مؤلفه وضبطه عنه بالسماع والقراءة في كل الطبقات، على أن كتب الحديث وجد فيها من الضبط، والتلقي، والشرح لها، وتعداد نسخها المصححة تفاخرا بقراءتها وتشرفا بسماعها وتلقيها والإجازة لها ما لم يوجد عشر عشره في مؤلفات الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو أريد نسخ كتاب من مؤلفات الأئمة، أو طبعه يحول دون الظفر بنسخ كاملة منه ما يحول، ولا يرى غالبا بعد التنقيب إلا أجزاء متفرقة أو نسخة مخرومة، مع أن حق مقلدة أئمتها أن ينسخوا

стр. 1508

منها في كل قرن الألوف وأن يخدموها بالقراءة والإقراء والنشر والشروح ولقد حرصت مرة على أن أظفر بنسخة مخطوطة من رسالة الإمام الشافعي، أو بشرح لها لأقابل بها المطبوعة وأنسخ الشرح فلم أجد لها من أثر في مكتبة من مكاتب القطر الشامي، أين هذا من من نسخ كتب الصحيحين والسنن المخطوطة التي ملأت منها مكاتب الدنيا، ولا يعيي الظفر بجيداتها على طالب ما. أفليس الوثوق إذن بكتب السنة وما فيها من المرفوع والموقوف (وهو أقوال الصحابة وفتاويهم) أقوى في النفس من غيرها؟ اللهم فَبَلَى. ومما يؤيد ما قدمنا في الوجادة ما في تدريب الراوي للسيوطي شرح تقريب النواوي في أواخر بحث الصحيح (١) وعبارته: عن الإمام ابن برهان في الأوسط ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صح عنده النسخة جاز له العمل بها وإن لم يسمع، وحكى الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، وأنه لا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها. وقال إلكيا الطبري في تعليقه: من وجد حديثا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في جواب سؤال: وأما الاعتماد في كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها، والاستناد إليها؛ لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو، واللغة، والطب، وسائر العلوم، لحصول الثقة بها وبُعْد التدليس اهـ. فتأمل أقوال الأئمة علي اعتماد ما في كتب الفقه، وغيرها تعلم أنه إذا

стр. 1509

وجد فيها نقل عن صحابي، أو حكايته مذهب له أنه يوثق به، ويعمل به بلا ارتياب، ويكون أولى من غيره في باب التقليد لمن شاءه، فافهم، ولا تكن أسير التقليد. من روي عنه المسح على الجوربين من التابعين لا يخفى أنه إذا لم يوجد في مسألة أثر مرفوع، ولا موقوف، ووجد للتابعين قول، أو فتوى في شأنها كان ذلك مما يعتبر، أو يؤثر لا سيما في باب تقليد الأعلم والأفضل عند المقلدة، وقد روى محمَّد بن سعد أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تفتي به الناس، أشيء سمعته، أم رأيك؟ فقال الحسن: لا والله ما كل ما نفتي به سمعناه، ولكن رأينا لهم خير من رأيهم لأنفسهم اهـ. وقد روي عن التابعين في المسح على الجوربين عدة آثار: أخرج الإمام ابن حزم ﵁ في كتابه "المحلى" عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، قال: الجوربان بمنزلة الخفين في المسح، وعن ابن جريج، قلت لعطاء: أيمسح على الجوربين قال: نعم امسحوا عليهما مثل الخفين وعن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا. وعن الفضل بن دكين قال: سمعت الأعمش وسئل عن الجوربين: أيمسح عليهما من بات فيهما؟ قال: نعم. وعن قتادة عن الحسن وخلاس بن عمرو أنهما كانا يريان الجوربين في المسح بمنزلة الخفين، ثم عدّ من التابعين سعيد بن جبير ونافعا (ثم قال ابن حزم): وهو قول سفيان الثوري، والحسن بن حي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي (الظاهري) وغيرهم اهـ.

стр. 1510

بيان أقوال الفقهاء المشهورين في المسح على الجوربين مذهب المالكية في المسح على الجوربين قال الإمام ابن القاسم في المدونة: كان مالك يقول في الجوربين يكونان على الرجل وأسفلهما جلد مخروز، وظاهرهما جلد مخروز: أنه يمسح عليهما. ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما. قال ابن القاسم: وقوله الأول أحب إلى إذا كان عليهما جلد كما وصفت لك. اهـ قال ابن يونس: وهو أي قول مالك الأول- الصواب؛ لأنه إذا كان عليه جلد مخروز يبلغ الكعبين فهذا كالخف (نقله المواق في التاج والإكليل). وفي اختيار ابن القاسم القول الذي رجع عنه إمامه مالك، وتصريحه بأنه أحب إليه. وقول ابن يونس: إنه الصواب أكبر اعتبار في أن أصحاب الأئمة، كانوا يتجافون التقليد البحت، ولا يعولون إلا على الدليل، ويصبح ذلك مذهبا لهم في الحقيقة. وهكذا كان أمر صاحبي أبي حنيفة معه. وهكذا أصحاب الشافعي، فإن المزني كثيرا ما ينفرد بقول عن أستاذه الشافعي. وقد نقل النووي في آخر شرح خطبة المهذب عن إمام الحرمين أن المزني إذا انفرد برأي، فهو صاحب مذهب وقد اختار كثير من أصحاب الشافعي بعض مسائله التي رجع عنها، وأفتوا بها بعده. قال إمام الحرمين: المرجوع عنه ليس مذهبا للراجع، فإذا علمت حال القديم، ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله، وهم مجتهدون فأفتوا به اهـ فتأمل قوله: وهم مجتهدون، تعلم غلط ما يهرف به البعض من أنهم مجتهدون في المذهب، لا مطلقًا، فإنهم مجتهدون على الإطلاق، وليس كل مجتهد ذا أتباع، ومذهب مدون، على أنه لو خرج على قواعد الإمام لم يكن مذهبا له. قال الإمام النووي: وقد سبق اختلافهم في أن المخرج هل ينسب إلى الشافعي؟ والأصح أنه لا ينسب اهـ.

стр. 1511

ما روي عن الإمام الشافعي، وأصحابه في المسح على الجوربين قال الإمام الترمذي في سننه (في باب المسح على الجوربين والنعلين) ما مثاله: وهو (أي المسح على الجوربين) قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وإن لم يكونا منعلين، إذا كانا ثخينين اهـ. ومعلوم أن الإمام الترمذي روى عن أصحاب الإمام الشافعي، ولذا قال في آخر كتابه السنن: ما كان فيه من قول الشافعي فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمَّد الزعفراني، عن الشافعي، وما كان من الوضوء، والصلاة، فحدثنا به أبو الوليد المكي، عن الشافعي، ومنه ما حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يوسف بن يحيى القرشي البويطي، عن الشافعي، وذكر فيه أشياء عن الربيع، عن الشافعي، وقد أجاز لنا الربيع ذلك، وكتب به إلينا اهـ. وقال الإمام الشيرازي في المهذب: وإن لبس جوربا جاز المسح عليه بشرطين: أحدهما: أن يكون صفيقا، لا يشف. والثاني: أن يكون منعلا. قال شارحه النووي وهكذا قطع به جماعة منهم الشيخ أبو حامد، المحاملي، وابن الصباغ، وغيرهم، ونقل المزني أنه لا يمسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدي القدمين، ثم قال النووي والصحيح، بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب القفال وجماعات من المحققين أنه إن أمكن متابعة المشي جاز كيف كان، وإلا فلا. اهـ.

стр. 1512

مذهب الحنفية قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع: وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين، أو منعلين يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء، لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين، لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز. ورُويَ أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس منه. فاستدلوا به على رجوعه، ثم قال: احتج أبو يوسف، ومحمد بحديث المغيرة بن شعبة "أن النبي ﷺ توضأ ومسح علي الجوربين"، ولأن الجواز في الخف لرفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع، وهذا المعنى موجود في الجورب اهـ. مذهب الحنابلة في الإقناع وشرحه: ويصح المسح على جورب صفيق أو غيره وإن كان غير مجلد أو منعل، أو كان من خرق وأمكنت متابعة المشي عليه. ثم قال: وحديث المغيرة "مسح ﷺ على الجوربين والنعلين" يدل على أنهما كانا غير منعلين؛ لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين؛ لأنه لا يقال: مسح على الخف ونعله اهـ. ما قاله الإمام ابن رشد المالكي قال ﵀ في كتابه (بداية المجتهد): واختلفوا في المسح على الجوربين، وسبب اختلافهم اختلافُهُم في صحة الآثار الواردة عنه ﵊ أنه مسح على الجوربين، والنعلين، واختلافهم أيضا هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها، ولا يتعدى بها محلها، فمن لم يصح عنده الحديث، أو لم يبلغه، ولم ير القياس على الخف قصر المسح عليه، ومن صح عنده الأثر، وجواز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين اهـ.

стр. 1513

عادة ابن رشد في كتابه المذكور إيضاح مدارك المجتهدين، إلا أن كل مسألة تعددت فيها الدارك وتشعبت عنها الأقوال فالحق في واحد منها قطعا، وهو ما صح برهانه، وقوي مدركه. وقد صح البرهان هنا في المسح على الجوربين، وقوي مدركه بما نقلناه قبل، وننقله بعد، ولذا قال الإمام النووي في حديث صوم ست من شوال في مسلم في رده على الإمام مالك في كراهتها ما مثاله: إذا ثبتت السنة تترك، لترك بعض الناس، أو أكثرهم أو كلهم لها اهـ. وهكذا يقال في المسح على الجوربين ولا يترك بعد ثبوته لخلاف من خالف، ولقياس من قاس لأنه لا اجتهاد في مقابلة نص ونبرأ إلى الله من دفع النصوص بالأقيسة والآراء. قال الإمام ابن القيم: من لم يقف مع النصوص، فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول هذا قياس، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه، ويقول هذا تخصيص، ومرة يترك النص جملة، ويقول: ليس العمل عليه. أو يقول هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول. ثم قال: ونحن نرى أنه كلما اشتد توغل الرجل في القياس اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس، فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه، فالسنن والآثار عند الآرائيين، والقياسيين خاوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها، وولايتها، لها الاسم، ولغيرها الحكم، وإلا فلماذا ترك حديث المسح على الجوربين (إلى آخر ما قاله، وعدده فانظره) أي مع أنه ثبت في السنة بل اقتضاه القياس أيضا كما ستراه في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

стр. 1514

مذهب الظاهرية قال الإمام ابن حزم نور الله مرقده في كتابه المحلى: اشتراط التجليد لا معنى له؛ لأنه لم يأت به قرآن، ولا سنة، ولا قياس، ولا قول صاحب، والمنع من المسح على الجوربين خطأ لأنه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وخلاف الآثار، ولم يخص ﵇ في الأخبار التي ذكرنا خفين من غيرهما اهـ. يؤيده أن كل المروي في المسح على الجوربين مرفوعا إلى النبي ﷺ ليس فيه قيد ولا شرط، ولا يفهم ذلك لا من منطوقه، ولا من مفهومه، ولا من إشارته، وجلي أن النصوص تحمل على عمومها إلى ورود مخصص، وعلى إطلاقها حتى يأتي ما يقيدها، ولم يأت هنا مخصص ولا مقيد لا في حديث ولا أثر، هذا أولا، وثانيا قدمنا أن الإمام أبا داود روى في سننه عن عدة من الصحابة المسح على الجوربين مطلقا غير مقيد كما قدمناه وهكذا كل من نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين المسح على الجوربين لم يروه بقيد ولا شرط مما يدل على أن تقييده لم يكن معروفا في عصرهم التي هي خير القرون، وثالثا الجورب بين بنفسه في اللغة والعرف، كما نقلنا معناه عن أئمة اللغة، والفقه، ولم يشترط أحد في مفهومه، ومسماه نعلا ولا ثخانة. وإذا كان موضوعه في الفقه، واللغة مطلقا، فيصدق بالجورب الرقيق، والغليظ وغيره، والله أعلم. ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قال ﵀ في فتاويه: يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة، أو لم تكن في أصح قولي العلماء، ففي السنن "أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه" وهذا الحديث إذا ثبت

стр. 1515

فالقياس يقتضي ذلك، فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف، وهذا من جلود، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة، فلا فرق بين أن يكون جلودا، أو قطنا، أو كتانا، أو صوفا، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، فهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قويا، بل يجوز المسح على ما يبقى، وما لا يبقى. وأيضا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقا بين المتماثلين، وهذا خلاف العدل، والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة وما أنزل الله به من كتبه وأرسل به رسله، ومن فرق يكون هذا ينفذ الماء منه، وهذا لا ينفذ منه فقد ذكر فرقا طرديا عديم التأثير، ولو قال قائل: يصل الماء إلى الصوت أكثر من الجلد، فيكون المسح عليه أولى للصوق الطهور به أكثر كان هذا الوصف أولى بالاعتبار من ذلك الوصف وأقرب إلى الأوصاف المؤثرة، وذلك أقرب إلى الأوصاف الطردية وكلاهما باطل، وخروق الطعن لا تمنع جواز المسح ولو لم تستر الجوارب إلا بالشد جاز المسح عليها، وكذلك الزربول الطويل الذي لا يثبت بنفسه، ولا يستر إلا بالشد اهـ. قال ﵀ في فتوى أخرى: يجوز المسح على الزربول الذي يغطي الكعبين إذا ثبت بنفسه بلا شراع، وإن كان لا يثبت إلا بالتزرير أو السيور يجوز المسح عليه أيضا، فإنه يستر محل الفرض بنفسه، وهكذا الجورب الذي لا يثبت إلا بالخيوط، ولو ثبت بشيء منفصل عنه كالجورب الذي لا يثبت إلا بالنعل فإنه يجوز المسح عليه سواء كان من لبد، أو قطن، أو كتان أو جلود، ولا حاجة إلى اعتبار شروط لا أصل لها في الشرع، ويعود على مقصود الرخصة بالإبطال اهـ. وقال أيضا

стр. 1516

في فتوى أخرى: يجوز المسح على اللفائف (١) وهو أن يلف على الرجل لفائف من البرد، أو خوف الحفاء، أو من جراح بها، ونحو ذلك، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر إما بإصابة البرد، أو التأذي بالحفاء وإما التأذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين، والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى اهـ. وقال في خلال فتوى له: معلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب وهي العمائم ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز، فأهل الشام والروم ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا، وهذا من أهل الحجاز، ثم قال: فإن منعوا من المسح عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا. اهـ. كلامه ﵀. الخاتمة لا يخفى أن الرخص المأثورة عن النبي ﷺ هي نعمة عظمى في كل حال، وعلى أي حال، وإنما يظهر تمام نعمة تشريعها في بعض الأحوال مثل رخصة المسح علي الجوربين في أيام البرد، وأوقات السفر، وحالات المرض، أو تشقق القدم، أو قشف الرجلين أو تورمهما مما يعرض، كما أمر النبي ﷺ السَّريِّة الذين شكوا إليه ما أصابهم من البرد أن يسمحوا على العصائب والتساخين كما قدمنا، وقال من صحب عكرمة ﵁ إلى واسط: ما رأيته غسل رجليه، إنما يمسح عليهما حتى خرج منها. رواه ابن جرير في تفسيره، وتقدم عن البدائع للقاساني أن أبا حنيفة ﵁ رجع إلى قول أبي يوسف ومحمد في المسح

стр. 1517

على الجوربين في آخر عمره، وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أنهى الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه اهـ. ورجوع أبي حنيفة ﵁ من فضله وانصافه، وللمجتهدين من تغير الاجتهاد والرجوع إلى ما فيه قوة وسداد ما عرف عنهم أجمعين وعد من مناقبهم، ومن أكبر العبر في هذه القصة قصة رجوع الإمام أبي حنيفة أن يرجع إمام، ويصرح برجوعه، ويأبى ألد الخصوم الرجوع، للحق، ولو تلي عليه من البراهين ما يلين له الحديد، ويصدع الجلاميد. ولا غَرْوَ فالأئمة المجتهدون لهم من اللطف، والكمال ومحاسن الأخلاق، والإنصاف، والاعتراف بالحق ما سارت به الركبان. وليعتبر أيضا بالإمام الشافعي لما رحل من العراق إلى مصر، وأعاد البحث في مذهبه القديم كيف رجع عن كثير من مسائله، وعد ذلك من أسمى فضائله، وسبب ذلك التقوى وإيثار الأخرى فإنها تَزعُ المتقي عن إيثار الهوى والدنيا. وهكذا فعل الإمام أبو حنيفة في رجوعه إلى القول بالمسح على الجوربين. وقد يظن قوم أن التشدد في العزائم ومجافاة الرخص من التقوى، وحاشا لله، كيف وقد قال ﷺ : "لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع، والديار، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". رواه أبو داود. وقال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه". رواه أحمد، والطبراني، وهو حديث صحيح. وعنه ﷺ : "إن الله تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه" رواه الطبراني بإسناد ضعيف. وقال ﷺ : "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته". رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي، عن ابن عمر. وقال ﷺ : "هلك المتنطعون".

стр. 1518

رواه مسلم. نعم يوجد من خيار العباد ذوي الجد والاجتهاد من لا يأخذ إلا بالعزائم، لا زهدا في المأثور، ولا رغبة عن المرخص فيه المبرور، بل تربية للنفس على الأفضل، وأخذا بها إلى الأمثل، والأكمل، وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتياط، والخروج من الخلاف إيثارا لما يكون فيه إجماع وائتلاف. وأصله في السنة "أن النبي ﷺ كان يقوم الليل حتى تورم قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبد شكورا"؟. جعلنا الله من عباده الشاكرين، وفقهنا في الدين، وحشرنا مع الذين أنعم عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين والحمد الله رب العالمين. اهـ ما كتبه العلامة محمَّد جمال الدين القاسمي ﵀، ببعض زيادة مما كتبه العلامة الألباني، وهو بحث منقح وتدقيق مصحح، لا يحتاج إلى تعليق، ولا يقبل الاستدراك والتشقيق عند من له إنصاف وتحقيق، والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1519

٩٨ - بابُ التَّوْقِيتِ فِي المسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ للْمسَافِرِ أي هذا باب ذكر ما يدل على التوقيت في المسح على الخفين للمسافر من الحديث. والتوقيت: مصدر وقَّت الشيء: إذا جعل له حدّا. قال في المصباح: الوقت مقدار من الزمان مفروض لأمر مّا، وكل شيء قدرت له حينا فقد وقته توقيتا، وكذلك ما قدرت له غاية، والجمع أوقات، وَوَقَّتَ الله الصلاة توقيتا، وَوَقَتَهَا يَقتها من باب وعد: حدد لها وقتا، ثم قيل لكل شيء محدود موقت ومؤقت. اهـ باختصار. وإنما قدم التوقيت للمسافر موافقة للحديث حيث قدم التوقيت له على التوقيت للمقيم. ١٢٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، قَالَ: رَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ. ١٢٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، وَزُهَيْرٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ عَنِ

стр. 1520

الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى خِفَافِنَا، وَلَا نَنْزِعَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ، إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ. رجال الإسنادين الإسناد الأول: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد، أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت ١٠ تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة بن ميمون الهلالي مولاهم، الكوفي ثم المكي الثقة حجة ٨ تقدم في ١/ ١. ٣ - (عاصم) بن بَهْدَلَة (١)، وهو ابن أبي النجود بنون وجيم الأسدي مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، من السادسة، قال ابن سعد: كان ثقة، إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه. وقال أحمد: كان رجلا صالحا قارئًا للقرآن، وكان خيرًا ثقة. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال العجلي: كان صاحب سنة وقراءة، وكان رأسا في القراءة. وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: محله الصدق صالح الحديث. وقال النسائي: لا بأس به. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب، وهو ثقة. وقال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء. مات سنة ١٢٨ (ع). ٤ - (زر) بكسر أوله، وتشديد الراء بن حُبيش بمهملة وموحدة

стр. 1521

ومعجمة مصغرًا ابن حُبَاشَة -بضم المهلمة بعدها موحدة، ثم معجمة- ابن أوس بن بلال، وقيل: هلال. أبو مريم. ويقال: أبو مطرف الكوفي مخضرم أدرك الجاهلية. وثقه ابن معين، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. مات سنة ١ أو ٢ أو ٨٣، وهو ابن ١٢٧ سنة (ع). وفي (ت) ثقة جليل مخضرم. ٥ - (صفوان بن عَسَّال) بمهملة، المرادي صحابي معروف نزل الكوفة (ت س ق) وفي تهذيب التهذيب: الجَمَلي، غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وروى عنه، وسكن الكوفة، وروى عنه زر بن حبيش، وعبد الله بن سلمة المرادي، وحذيفة بن أبي حذيفة، وأبو الغريف، وعبد الله بن خليفة وغيرهم. اهـ، أخرج له الترمذي، والمصنف، وابن ماجه. الإسناد الثاني: فية عشرة ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة ٢٦١ (س). تقدم في ٣٨/ ٤٢. (الرهاوي) بضم الراء وفتح الهاء، وآخره واو: نسبة إلى مدينة من بلاد الجزيرة ينسب إليها كثير من العلماء قاله في اللباب ج ٢ ص ٤٥. ٢ - (يحيى بن أدم) بن سليمان، الكوفي، أبو زكريا، مولي بني أمية ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة، مات سنة ٢٠٣ (ع). ٣ - (سفيان الثوري) الإمام العلم الثقة الحجة تقدم غير مرة. ٤ - (مالك بن مغول) بكسر أوله، وسكون المعجمة، وفتح الواو، ابن عاصم بن غزية بن حارثة بن حديج بن بجيلة البجلي، أبو عبد الله الكوفي، قال أحمد: ثقة ثبت. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم. وفي "ت" ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة ١٥٩، على الصحيح. (ع)

стр. 1522

٥ - (زهير) بن معاوية بن حديج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة ثقة ثبت الا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخره من السابعة، مات سنة ٢، أو ٣ أو ١٧٤، وكان مولده سنة ١٠٠، (ع). تقدم ٣٨/ ٤٢. ٦ - (أبو بكر بن عياش) بتحتانية، ومعجمة ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناظ بمهملة ونون مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمَّد، أو عبد الله، أو سالم، أو شعبة، أو رؤبة أو مسلم، أو خداش، أو مطرف، أو حماد، أو حبيب، عشرة أقوال. ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة مات سنة ١٩٤، وقيل: قبل ذلك بسنة، أو سنتين، وقد قارب المائة أخرج له مسلم في المقدمة، والباقون (١). ٧ - (وسفيان بن عيينة). ٨ - وعاصم، ٩ - وزر، ١٠ - وصفوان هم الذين تقدموا في السند الأول. لطائف الإسنادين منها أن الأول: عال لأنه خماسي، والثاني نازل لأنه سداسي. ومنها أنهم ثقات غير عاصم، فصدوق له أوهام، وابن عياش، فقد ساء حفظه لما كبر. ومنها أنهم كوفيون إلا شيخيه: فقتيبة بغلاني، وأحمد رهاوي، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث الأول (عن صفوان بن عسال) المرادي الصحابي ﵁ أنه (قال رخص لنا النبي ﷺ ) أي يسر علينا. قال في المصباح: والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا: إذا يسره وسهله اهـ ج ١ ص ٢٢٤.

стр. 1523

وقال في شرح مراقي السعود: الرخصة لغة: السهولة واللين والمسامحة، واصطلاحا: الحكم المتغير من حيث تعلقه بالمكلف، من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي، كما إذا تغير من حرمة الفعل، أو الترك إلى الحل. فخرج بالتغير: ما كان باقيا على حكمه الأصلي، كالصلوات الخمس، وبالسهولة: نحو الحدود والتعازير مع تكريم الآدمي المقتضي للمنع من ذلك، وحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، وبالعذر: ما تغير إلى سهولة لا لعذر، كحل ترك تجديد الوضوء بعد حرمته، وبقيام السبب للحكم الأصلي: النسخُ، كإباحة ترك ثبات الواحد من المسلمين لعشرة من الكفار في القتال بعد حرمته، وسببها قلة المسلمين في صدر الإسلام، وقد زالت لكثرتهم بعد ذلك، وعذرها مشقة الثبات المذكور اهـ ج ١ ص ٥٦. (-إذا كنا مسافرين أن لا ننزع) يقال: نزعته من موضعه نزعا من باب ضرب: قلعته، وانتزعته مثله، قاله في المصباح. (خفافنا) بالكسر ككتاب: جمع خف بالضم، أفاده في المصباح (ثلاثة أيام ولياليهن) منصوب على الظرفية متعلق بننزع أي رخص في حالة كوننا مسافرين، في عدم نزع الخف. مقدار هذه المدة. شرح الحديث الثاني (عن زر) بكسر الزاي، ابن حبيش بالتصغير أنه (قال: سألت صفوان بن عسال) المرادي ﵁ (عن) توقيت (المسح على الحفين؟ فقال) مجيبا عن ذلك (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نمسح على خفافنا و) أن (لا ننزعها ثلاثة أيام) أي مع لياليهن، كما هو في الرواية السابقة. قال السندي: ظاهره أن اعتبار المدة من وقت اللبس، لا من وقت المسح، أو الحدث اهـ ج ١ ص ٨٤ (من غائط) متعلق بنزع، أي يأمرنا بأن لا ننزعها من هذه الأشياء الثلاثة قال في المصباح: الغائط:

стр. 1524

المُطمَئنّ (١) الواسع من الأرض، والجمع غيطان، وأغواط، وغُوط، ثم أطلق الغائط على الخارج المستقذر من الإنسان، كراهة لتسميته باسمه الخاص؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه، وقالوا: تغوط الإنسان اهـ. ج ٢ ص ٤٥٧. وقال في اللسان: الغوط أي بفتح فسكون عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمطمئن من الأرض: غائط ولموضع قضاء الحاجة غائط؛ لأن العادة أن يقضي في المنخفض من الأرض حيث هو أستر له، ثم اتسع فيه حتى صار يطلق على النجو نفسه، قال أبو حنيفة الدينوري من بواطن الأرض المنبتة الغيطان، الواحد منها غائط، وكل ما انحدر في الأرض، فقد غاط، قال: وقد زعموا أن الغائط ربما كان فرسخا كانت به الرياض ويقال: أتى فلان الغائط، والغائط: المطمئن من الأرض الواسع والتغويط: كناية عن الحدث، والغائط: اسم العذرة نفسها؛ لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان، وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط، وقضوا الحاجة، فقيل مَنْ قضى حاجته: قد أتى الغائط، يكنى به عن العذرة. اهـ ج ٧ ص ٣٦. (وبول) هو الماء الخارج من القبل، وفي المعجم الوسيط: البول: سائل تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتى تدفعه، جمعه أبوال اهـ. ص ١٧٧. يقال: بال الإنسان، والدابة، يبول، بَوْلا، ومَبَالا، فهو بائل، ثم استعمل البول في العين، وجمع على أبوال اهـ المصباح يعني أن البول مصدر استعمل استعمال الأسماء فجمع على أفعال، وقوله: في العين أي الشيء وهو الماء الخارج من القبل.

стр. 1525

(ونوم) قال في "المعجم الوسيط": النوم فترة راحة للبدن، والعقل، تغيب خلالها الإرادة، والوَعي جزئيا، أو كليا، وتتوقف فيها جزيئا الوظائف البدنية. اهـ ج ٢ ص ٩٦٥. وقوله: (إلا من جنابة) أي لكن نزعها من جنابة، فالاستثناء منقطع، أو معنى قوله: من غائط وبول ونوم: أي من كل حدث، إلا من جنابة فالاستثناء متصل أفاده السندي. وحاصل المعنى: أنه رخص لهم في المسح على الخفاف، وعدم نزعها عند الوضوء لأجل الغائط، والبول، والنوم، وأمرهم بنزعها للاغتسال من الجنابة. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث صفوان بن عسَّال رضي لله عنه المسألة الأولى: في درجته: هو حديث صحيح بشواهده، قال الحافظ في التلخيص: قال الترمذي عن البخاري: حديث حسن، وصححه الترمذي، والخطابي، ومداره عندهم على عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش عنه، وذكر ابن منده أبو القاسم أنه رواه عن عاصم: أكثر من أربعين نفسا، وتابع عاصما عليه عبد الوهاب بن بَخْت وإسماعيل بن أبي خالد، وطلحة بن مصرف، والمنهال بن عمرو ومحمد ابن سوقة، وذكر جماعة معه، ومراده أصل الحديث؛ لأنه في الأصل طويل مشتمل على التوبة، والمرء مع من أحب، وغير ذلك، لكن حديث طلحة عند الطبراني بإسناد لا بأس به، وقد روى الطبراني أيضا حديث المسح من طريق عبد الكريم أبي أمية، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زر، وعبد الكريم ضعيف، رواه البيهقي من طريق أبي روق، عن أبي الغريف، عن صفوان بن عسال ولفظه: "ليمسح أحدكم إذا كان مسافرًا على خفيه إذا أدخلهما طاهرتين ثلاثة أيام ولياليهن، وليمسح

стр. 1526

المقيم يوما وليلة" ووقع: "أو ريح"، وذكر أن وكيعا تفرد بها، عن مسعر، عن عاصم. اهـ تلخيص ج ١ ص ١٥٧. وقال العلامة المحقق الألباني في إروائه بعد ذكر من أخرجه من الأئمة ما نصه: وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال محمَّد بن إسماعيل يعني البخاري، هذا أحسن شيء في هذا الباب. قلت: وأخرجه ابن خزيمة أيضا، وابن حبان في صحيحيهما كما في نصب الراية (١/ ١٦٤، ١٨٢، ١٨٣) والحديث إنما سنده حسن عندي؛ لأن عاصمًا هذا في حفظه ضعف، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، نعم قد تابعه طلحة بن مصرف عند الطبراني في الصغير (ص ٣٩) وطلحة ثقة إلا أن الراوي عنه أبا جناب الكلبي مدلس، وقد عنعنه، وكذلك تابعه حبيب ابن أبي ثابت عند الطبراني، كما ذكره الزيلعي- ولعله في الكبير لكن الراوي عنه عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف. وخالفه المنهال بن عمرو، فقال: عن زر بن حبيش الأسدي، عن عبد الله بن مسعود قال: "كنت عند النبي ﷺ ، فجاء رجل من مراد يقال له: صفوان بن عسال فقال: يا رسول الله إني أسافر بين مكة والمدينة، فأفتني عن المسح على الخفين؟ فقال" فذكره بدون الاستثناء. قلت: فجعله من مسند ابن مسعود، وهو شاذ وفي الطريق إلى المنهال الصعق بن حزن، وهو صدوق يهم، كما قال الحافظ. وللحديث طريق آخر من رواية أبي رَوْق، عطية بن الحارث قال: ثنا أبو الغريف، عبد الله بن خليفة، عن صفوان بن عسال، دون الاستثناء أيضا. أخرجه أحمد، والطحاوي، والبيهقي، وسنده ضعيف، أبو الغريف هذا قال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وقد تكلموا فيه، وهو شيخ من نظراء أصبغ ابن نباته كما في الجرح ج ٢/ ٢/ ٢١٣، وأصبغ عنده لين الحديث. (تنبيه) ادعى ابن تيمية (١) أن لفظ (ونوم) مدرجة في هذا

стр. 1527

الحديث، وهي دعوى مردودة، فهي ثابتة عند الجميع ثبوت ما قبلها، ولم أجد من سبقه إلى هذه الدعوى على خطئها. ومن فوائد هذه الزيادة أنها تدل على أن النوم مطلقا ناقض للوضوء: كالغائط، والبول، وهو مذهب جماعة من العلماء منهم الحنابلة، وهو الصواب. انتهى كلام الألباني في إروائه ببعض اختصار ج ١ ص ١٤٠، ١٤١. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في تحقيق القول في نقض الوضوء بالنوم، وأن الراجح عدم القول بالنقض مطلقًا جمعًا بين النصوص المختلفة في الباب إن شاء الله تعالى في نواقض الوضوء. المسألة الثانيه: في المواضع التي ذكره فيها النسائي في سننه: قال أبو الحجاج المزي: حديث "أتيت صفوان بن عسّال أسأله عن المسح على الخفين" الحديث أخرجه النسائي في الطهارة (١١٤)، عن عمرو بن علي، وإسماعيل بن مسعود، كلاهما عن يزيد بن زريع، وفي (١١٣) عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، كلاهما عن شعبة وفي (٩٨/ ٢) وعن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، ومالك بن مغول، وزهير بن معاوية، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة وفي ٩٨/ ١، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة ستتهم عن عاصم، بقصة المسح، وأخرجه في التفسير في الكبرى عن محمَّد ابن النضر بن مساور، عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن زرّ، عنه. اهـ ج ٤ ص ١٩٢، ١٩٣. ببعض تصرف. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه الترمذي، وابن ماجه. فأخرجه الترمذي بطوله، وفيه قصة الهوى، وقصة باب التوبة، في الدعوات (١٠٣/ ١) عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، و ١٠٣/ ٢ عن أحمد بن عبدة الضبي، عن حماد بن زيد كلاهما عن عاصم بن أبي

стр. 1528

النجود، عن زر بن حبيش، عنه به، وقال حسن صحيح، وفي الزهد (٥٠/ ٣) عن محمود بن غيلان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عاصم ببعضه: "جاء أعرابي جَهْوَريُّ الصوت، فقال: يا محمَّد، الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب"، وفي (٥٠/ ٤) عن أحمد بن عبدة الضبي، عن حماد بهذه القصة، نحو حديث محمود، وفي الطهارة (٧١/ ٢) عن هناد، عن أبي الأحوص، عن عاصم بقصة المسح. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة (٦٢/ ٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة بقصة المسح، وفي الفتن (٢٢/ ٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم بقصة التوبة. أفاده المزي ج ٤ ص ١٩٢، ١٩٣. وأخرجه أحمد ٤/ ٢٣٩، ٣٤٠، والشافعي ١/ ٣٣، والدارقطني ٢/ ١ والطحاوي ١/ ٤٩، والطبراني ص ٥٠ والبيهقي ١/ ١١٤، و ٢٧٦ و ٢٨٢ و ٢٨٩ أفاده الألباني في الإرواء ج ١ ص ١٤٠. المسألة الرابعة: من فوائد حديث الباب سماحة الشريعة الإسلامية، وسهولتها في مواضع الحرج حيث إنها أباحت المسح على الخفين. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع ج ١ ص ٤٨٠ ما حاصله: وفي هذا الحديث فوائد: (إحداها): جواز المسح على الخف. (الثانية): أنه مؤقت (الثالثة) أن وقته للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (الرابعة) أنه لا يجوز المسح في غسل الجنابة، وما في معناه من الأغسال الواجبة والمسنونة (الخامسة) جوازه في جميع أنواع الحدث الأصغر (السادسة) أن الغائط، والبول، والنوم، ينقض

стр. 1529

الوضوء وهو محمول على نوم غير ممكن مقعدته (السابعة) أنه يؤمر بالنزع للجنابة في أثناء المدة حتى لو غسل الرجل في الخف، ثم أحدث، وأراد المسح لم يجز. وفيه غير ذلك من الفوائد. والله أعلم. اهـ كلام النووي. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في تحديد وقت المسح: قال النووي أيضاج ١ ص ٤٨٣ ما نصه: (فرع): في مذاهب السلف في توقيت مسح الخف: مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وأصحابهم، وجمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم أنه مؤقت للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة. قال أبو عيسى الترمذي: التوقيت ثلاثا للمسافر، ويوما وليلة للمقيم هو قول عامة العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وقال الخطابي: التوقيت هو قول عامة الفقهاء. قال ابن المنذر: وممن قال بالتوقيت: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو زيد الأنصاري، وشريح، وعطاء، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، وحكي أيضا عن الحسن بن صالح، والأوزاعي، وأبي ثور. وقالت طائفة: لا توقيت، ويمسح ما شاء حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، وربيعة، والليث، وأكثر أصحاب مالك، وهو المشهور عن مالك، وفي رواية عنه أنه مؤقت. وفي رواية مؤقت للحاضر دون المسافر. قال ابن المنذر: وقال سعيد بن جبير: يمسح من غدوه إلى الليل. واحتج من قال: لا توقيت بما أخرجه أبو داود وغيره عن أبي بن عمَارة ﵁ أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: "نعم" قال: يوما؟ قال: "يوما" قال: ويومين؟ قال: "ويومين"، قال: وثلاثة قال: "نعم، وما شئت" وفي رواية حتى بلغ سبعا قال رسول الله ﷺ : "نعم ما بدا لك".

стр. 1530

وبما أخرجه أبو داود أيضا من حديث خزيمة بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المسح على الخفين للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم وليلة" زاد في رواية "ولو استزدناه لزادنا". وبحديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة". وبحديث عقبة بن عامر قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة فدخلت على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السنة. وفي رواية قال: لبستهما يوم الجمعة. واليوم يوم الجمعة ثمان. قال: أصبت السنة. رواه البيهقي، وغيره. وعن ابن عمر أنه كان لا يوقت في الخفين وقتا. واحتج الجمهور بأحاديث كثيرة صحيحة في التوقيت. منها حديث علي ﵁ الآتي في الباب التالي، وهو حديث صحيح، رواه مسلم. وبحديث صفوان بن عسال المذكور في الباب وهو صحيح أيضا كما بيناه. وبحديث أبي بكرة: أن النبي كل ﷺ سئل عن المسح على الخفين؟ فقال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة"، وهو حديث حسن. قال البيهقي: قال الترمذي: قال البخاري: هو حديث حسن، وبحديث خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: "للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم" حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذي وغيرهما، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وبحديث عوف بن مالك الأشجعي "أن رسول الله ﷺ أمر في غزوة

стр. 1531

تبوك بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر وللمقيم يوم وليلة" قال البيهقي: قال: الترمذي: قال البخاري: هذا الحديث حسن، والأحاديث في التوقيت كثيرة. قال النووي: وأما الجواب عن احتجاج الأولين بحديث أبي بن عمارة فهو أنه حديث ضعيف بالاتفاق اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قال الحافظ في التلخيص ج ١ ص ١٦٢ ما معناه: حديث أبي بن عمارة رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم في المستدرك قال أبو داود: ليس بالقوي، وضعفه البخاري، فقال: لا يصح، وقال أبو داود: اختلف في إسناده، وليس بالقوي، وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: رجاله لا يعرفون، وقال أبو الفتح الأزدي: هو حديث ليس بالقائم، وقال ابن حبان: لست أعتمد على إسناد خبره، وقال الدارقطني: لا يثبت. وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافا كبيرا وقال ابن عبد البر: لا يثبت، ليس له إسناد قائم، ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه. قلت: وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات. اهـ تلخيص. قال النووي: ولو صح لكان محمولا على جواز المسح أبدا بشرط مراعات التوقيت لأنه إنما سأل عن جواز المسح، لا عن توقيته، فيكون كقوله ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو إلى عشر سنين" فإن معناه أن له التيمم مرة بعد أخرى، وإن بلغت مدة عدم الماء عشر سنين، وليس معناه أن مسحة واحدة تكفيه عشر سنين، فكذا هنا. والجواب عن حديث خزيمة أنه ضعيف بالاتفاق، وضعفه من وجهين: أحدهما: أنه مضطرب. والثاني أنه منقطع، قال شعبة: لم

стр. 1532

يسمع إبراهيم من أبي عبد الله الجَدَلي. قال البخاري: ولا يعرف للجدلي سماع من خزيمة. قال البيهقي: قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: لا يصح. ولو صح لم تكن فيه دلالة لأنه ظن أن لو استزاده لزاده، والأحكام لا تثبت بهذا. اهـ كلام النووي. ج ١ ص ٤٨٥. قال الجامع عفا الله عنه: وقد اعترض الحافظ على النووي في دعواه الاتفاق على ضعف حديث خزيمة، ونصه في التلخيص: حديث خزيمة بن ثابت "رخص رسول الله ﷺ للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، ولوا استزدناه لزادنا". رواه أبو داود بزيادته، وابن ماجه بلفظ "ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمسا" ورواه ابن حبان باللفظين جميعا. ورواه الترمذي، وغيره بدون الزيادة، قال الترمذي: قال البخاري: لا يصح عندي لأنه لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة، وذكر الترمذي أيضا عن يحيى بن معين أنه قال: صحيح. وقال ابن دقيق العيد: الروايات متضافرة متكاثرة برواية التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة. وقال ابن أبي حاتم في العلل: قال أبو زرعة: الصحيح من حديث التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة مرفوعا والصحيح عن النخعي، عن الجدلي بلا واسطة. وادعى النووي في شرح المهذب الاتفاق على ضعف هذا الحديث وتصحيح ابن حبان له يرد عليه مع نقل الترمذي عن ابن معين أنه صحيح أيضا كما تقدم، والله أعلم. "تنبيه" رواية النخعي ليس فيها الزيادة المذكورة، وقال في الإمام: أصح طرقه رواية زائدة سمعت منصورا يقول: كنا في حجرة إبراهيم النخعي، ومعنا إبراهم التيمي، فذكرنا المسح على الخفين، فقال

стр. 1533

التيمي: ثنا عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجَدلي، عن خزيمة. فذكره بتمامه. أخرجها البيهقي، ورواها حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، بلا زيادة الاستزادة. أخرجه الطبراني. اهـ كلام الحافظ. ج ١ ص ١٦١. قال النووي: وأما حديث أنس فضعيف، رواه البيهقي وأشار إلى تضعيفه. وأما الرواية عن عمر، فرواها البيهقي، ثم قال: قد روينا عن عمر التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين بلغه التوقيت عن النبي ﷺ ، وإما أن يكون قوله الموافق للسنة الصحيحة المشهورة أولى، والمروي عن ابن عمر يجاب عنه بهذين الجوابين. والله أعلم. اهـ كلام النووي ج ١ ص ٤٨٥. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح مذهب من يقول بالتوقيت، لقوة دليله. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1534

٩٩ - التَّوْقيتُ فِي المَسْحِ عَلَى الخُفيَّيْنِ أي هذا باب يذكر فيه الحديث الدال على مشروعية تحديد المسح على الخفين للمقيم. وتقدم الكلام على معنى التوقيت في الباب السابق. ١٢٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (٢) الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، يَعْنِى فِي الْمَسْحِ. ١٢٩ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتِ: ائْتِ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي. فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ يَمْسَحَ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثًا.

стр. 1535

رجال الإسنادين أما الإسناد الأول: ففيه ثمانية ١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن مَخْلد الحنظلي أبو محمَّد المروزي المعروف بابن راهويه ثقة حجة، ١٠ تقدم ٢/ ٢. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني ثقة ٩، تقدم في ٦١/ ٧٧. ٣ - (الثوري) سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي الإمام العلم الحجة ٧ تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (عمرو بن قيس المُلَائي) بضم الميم، وتخفيف اللام، والمد، أبو عبد الله. الكوفي وثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وأبو زرعة، والعجلي، وقال: من كبار الكوفيين متعبد. وقال ابن حبان: كان من ثقات أهل الكوفة ومتقنيهم، وعباد أهل بلده وقرائهم. وفي "ت" ثقة متقن عابد، من السادسة، مات سنة بضع وأربعين ومائة. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، الباقون. وقوله (الملائي): نسبة إلى الملاءة التي تستتر بها النساء. قال السمعاني: وظني أن هذه النسبة إلى بيعها (١).اهـ اللباب ج ٣ ص ٢٧٧. ٥ - (الحكم بن عتيبة) بالمثناة، ثم الموحدة مصغرا، أبو محمَّد الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ١١٣ أو بعدها وله- نيف وستون سنة تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٦ - (القاسم بن مخيمرة) بالمعجمة مصغرا، أبو عروة الهمداني بفتح فسكون الكوفي نزيل الشام، وثقه ابن سعد، وابن معين، والعجلي، وابن خراش، وغيرهم. وفي "ت" ثقة فاضل. من الثالثة، مات سنة مائة. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون.

стр. 1536

٧ - (شريح بن هانئ) بن يزيد الحارثي المذحجي أبو المقدام الكوفي مخضرم ثقة قتل مع ابن أبي بكرة بسجستان. تقدم في ٨/ ٨. ٨ - (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي أحد الخلفاء الأربعة ﵁ تقدمت ترجمته ٧٤/ ٩١. لطائف هذا الإسناد منها أنه من ثمانياته. ومنها أن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا إسحاق فمروزي، وعبد الرزاق فصنعاني. ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين يروى بعضهم، عن بعض: وهم الحكم، والقاسم، وشريح. ومنها بأن فيه الإخبار، والإنباء (١)، والعنعنة، والقول. رجال الإسناد الثاني: سبعة ١ - (هناد بن السري) بن مصعب، أبو السري، الزاهد، الكوفي ثقة ١٠، تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمَّد بن خازم بمعجمتين- الضرير الكوفي، عمي وهو صغير، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة ١٩٥ - وله -٨٢ - سنة، وقد رمي بالإرجاء، تقدم في ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي، الكاهلي، أبو محمَّد، الكوفي، ثقة حافظ من -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨. وأما (٤) و (٥) و (٦) فقد سبق ذكرهم في السند السابق. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين رضي لله عنها، تقدمت ترجمتها في ٥/ ٥.

стр. 1537

لطائف هذا الإسناد منها أنه من سباعياته، وأن رجاله كلهم ثقات، أجلاء، وأنهم كوفيون إلا عائشة ﵁، فمدنية. ومنها أنه أعلى من السند الأول لأنه سباعي بخلاف الأول، فثماني. ومنها أن فيه رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض وهم الأعمش، والحكم، والقاسم، وشريح. ومنها أن فيه الإخبار، والعنعنة، والقول. شرح الحديث الأول (عن علي ﵁ أنه (قال: جعل رسول الله ﷺ ) أي قدر مدة المسح (للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) وجعل مدة المسح (يوما وليلة للمقيم) قال المصنف، أو أحد الرواة مفسرا لهذا الحديث (يعني) أي يقصد علي ﵁ بقوله: جعل رسول الله ﷺ الخ (في المسح) أي تقدير مدة المسح. وحاصل معنى الحديث: أن رسول الله ﷺ وقت مدة المسح للمسافر بثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم بيوم وليلة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث الثاني (عن شريح) بصيغة التصغير. (بن هانئ) الحارثي الكوفي التابعي، أنه (قال: سألت عائشة) أم المؤمنين ﵂ قال المجد: رضي عنه، وعليه، يرضى، رضًا ورضْوانا -يعني بالكسر فيهما- ويضمان، ومرضاة: ضد سخِط، فهو راض، ورضيّ ورَض اهـ "ق" باختصار، ومعنى ﵂: قبل عملها وجازاها عليه. (عن المسح على الخفين) أي عن حكمه، أو عن مدته (فقالت) مرشدة إلى الأعلم به (ائت عليا، فإنه) الفاء للتعليل، أي لأنه (أعلم

стр. 1538

بذلك) أي بحكم المسح، أو مدته (مني) وفيه أنه ينبغي للعالم إذا سئل عن مسألة، وهناك من هو أعلم بالحكم منه أن يرشد السائل إليه، نصيحة له؛ لأن الدين النصيحة. قال شريح: (فأتيت عليا، فسألته عن) حكم (المسح) أو عن وقته (فقال) مجيبا عن المسألة: (كان رسول الله ﷺ : يأمرنا) أي أمر إباحة لا إيجاب (أن يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثًا) أي من الأيام والليالي، وإنما ذَكَّرَ ثلاثا مع أن اليوم مُذكَّر؛ لأن محل وجوب التأنيث مع المذكر والتذكير مع المؤنث إذا ذكر المعدود بعد اسم العدد، فأما إذا حذف كما في هذا المحل، وكما في حديث "وأتبعه ستا من شوال"- أو قدم كما في قولك: مسائل تسع، ورجال تسعة جاز الوجهان، كما نقله النووي عن النحاة. انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ج ٢ ص ١٣٥. وبالله التوفيق. مسائل تتعلق بحديث علي ﵁ المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند الصنف: أخرجه هنا ٩٩/ ١٢٨ - ، ١٢٩ - بهذين الإسنادين، وفي الكبرى ١٣١ بالإسناد الثاني. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم. أخرجه مسلم في الطهارة (٢٤/ ١) عن إسحاق، عن عبد الرزاق عن الثوري عن عمرو بن قيس، وفي (٢٤/ ٢) عن إسحاق، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة.، و (٢٤/ ٣) عن زهير بن حرب، عن أبي معاوية، عن الأعمش- ثلاثتهم عن الحكم، عن القاسم به. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة (٨٦/ ١) عن محمَّد بن بشار بندار، عن غندر، عن الحكم، عن القاسم، به. أفاده المزي في الأطراف ج ٧ ص ٣٨٤، ٣٨٥. وأخرجه أحمد.

стр. 1539

المسألة الرابعة: في فوائد هذا الحديث: من فوائده: مشروعية المسح على الخفين، وتحديد وقته، وكونه ثلاثا للمسافر، ويوما وليلة للمقيم، وسؤال أهل العلم فيما يجهله من أمور الدين، وإرشاد العالم السائل إلى من هو أعلم بالفتوى منه لأن ذلك من النصيحة، لحديث مسلم أنه ﷺ قال: "الدين النصحية ثلاثا". المسألة الخامسة: أنه تقدم في الباب السابق تحقيق الخلاف في توقيت المسح وعدمه. وأن الجمهور على التوقيت، وهو الحق. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وثبت التوقيت عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة والمغيرة، وأبي زيد الأنصاري: هؤلاء من الصحابة. وروي عن جماعة من التابعين: منهم شريح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الأحوط عندي؛ لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة والجماعة، واطمأنت النفس إلى اتفاقهم، فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة ثلاثة أيام ولياليها، فالواجب لحى العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يُجمعُوا على المسح، ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر، ولا فوق اليوم للمقيم اهـ التمهيد ج ١١ ص ١٥٣. وقال الشوكاني بعد ما ذكر ما تقدم من الأقوال: فالحق توقيت المسح بالثلاث للمسافر، واليوم والليلة للمقيم. اهـ نيل ج ١ ص ٢٧٦. قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن الراجح هو ما عليه الجمهور

стр. 1540

لقوة الدليل، كما أسلفت في الباب السابق. والله أعلم. المسألة السادسة: في اختلاف العلماء في ابتداء مدة المسح: قال النووي في المجموع ج ١ ص ٤٨٦: ماحاصله: مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وجمهور العلماء، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وداود: أن ابتداء المدة من أول حدث بعد لبس الخف، فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إن كان مسافرا انقضت المدة، ولم يجز المسح بعد ذلك حتى يستأنف لبسها على طهارة، وما لم يحدث لا تحسب المدة، فلو بقي بعد اللبس يوما على طهارة اللبس، ثم أحدث استباح بعد الحدث يوما وليلة إن كان حاضرا، وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافرًا. وقال الأوزاعي، وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد، وداود، وهو المختار الراجح دليلا، واختاره ابن المنذر، وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁، وحكى الماوردي، والشاشي عن الحسن البصري أن ابتداءها من اللبس. واحتج القائلون من حين المسح بقوله ﷺ "يمسح المسافر ثلاثة أيام"، وهي أحاديث صحاح، كما سبق، وهذا تصريح بأنه ثلاثة ولا يكون ذلك إلا إذا كانت المدة من المسح. واحتج القائلون: من أول الحدث بعد اللبس برواية رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرزي في حديث صفوان "من الحدث إلى الحدث" وهي زيادة غريبة ليست ثابتة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه النووي ﵀ مع مخالفته لمذهبه هو عين التحقيق من هذا الإمام المحقق الجليل، حيث دار مع الدليل أينما دار، وما تجمد على المذهب، وهذا هو الذي يجب على

стр. 1541

المسلم أن يلتزمه، ويتمسك به، وهو الذي كان عليه السلف الصالحون من الصحابة، والتابعين، كانوا إذا وقع بينهم اختلاف في أي مسألة ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ثم يأخذون ما وافق النص، ولا يعدلون عنه، قال الله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. فنصيحتي لمقلدي المذاهب أن يقارنوا أقوال الأئمة بالنصوص الصحيحة، فيأخذوا ما اتفق معها، ولا يتجمدوا على قول إمامهم، ولا يتعصبوا له، بل التحمس يكون للحق، وهذه هي وصية الأئمة كلهم لأتباعهم كما هو مشهور في تراجمهم رحمهم الله تعالى. والله أعلم. المسألة السابعة: في اختلاف العلماء في الخف المخرّق: قال النووي في المجموع ما حاصله: أنه الصحيح الجديد في مذهب الشافعي أنه لا يجوز المسح على الخف المخرق في محل الفرض، وبه قال معمر بن راشد، وأحمد بن حنبل، وحكى ابنُ المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق ويزيد بن هارون، وأبي ثور: جواز المسح على جميع الخفاف، وعن الأوزاعي إن ظهرت طائفة من رجله مسح على خفيه وعلى ما ظهر من رجليه. وعن مالك ﵁: إن كان الخرق يسيرا مسح، وإن كان كثيرا لم يجز المسح. وعن أبي حنيفة وأصحابه إن كان الخرق قدر ثلاثة أصابع لم يجز المسح، وإن كان دونه جاز، وعن الحسن البصري إن ظهر أكثر من أصابعه لم يجز. قال ابن المنذر: بقول الثوري أقول لظاهر إباحة رسول الله ﷺ المسح على الخفين قولا عاما يدخل فيه جميع الخفاف. واحتج القائلون: بالجواز على اختلاف مذاهبهم بما احتج به ابن المنذر، وبأنه جوز المسح رخصة وتدعوا الحاجة إلى المخرق، وبأنه لا تخلو الخفاف عن الخرق غالبا، وقد يتعذر خرزه، لا سيما في السفر،

стр. 1542

فعفي عنه، للحاجة، وبأنه خف يحرم على المحرم لبسه وتجب به الفدية فجاز المسح عليه كالصحيح. واحتج القائلون: بالمنع بأن ما انكشف من الرجل حكمه الغسل وما استتر حكمه المسح، والجمع بينهما لا يجوز فغلب حكم الغسل، كما لو انكشفت إحدى الرجلين واستترت الأخرى. اهـ كلام النووي بتغيير يسير. وقال العلامة ابن رشد في بدايته بعد ذكر ما تقدم من الأقوال ما نصه: وقال الثوري: كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم، قلت: هذه المسألة هي مسكوت عنها فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به لبينه ﷺ وقد قال الله تعالى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، اهـ بداية ج ١ ص٢٠. وكتب العلامة محدث العصر الألباني في رسالته (١) "إتمام النصح في أحكام المسح" كلاهما حسنا أحببت إيراده هنا لتحقيقه المسألة تَمَام تحقيق. قال: وأما المسح على الخف، أو الجورب المخرق فقد اختلفوا فيه اختلافا كثيرا، فأكثرهم يمنع منه على اختلاف طويل بينهم تراه في مبسوطات الكتب الفقهية، والمحلى. وذهب غيرهم إلى الجواز، وهو الذي نختاره. وحجتنا في ذلك أن الأصل الإباحة، فمن منع، واشترط السلامة من الخرق، أو وضع له حدا فهو مردود، لقوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" متفق عليه. وأيضا فقد صح عن الثوري أنه قال: امسح عليها ما تعلقت به رجلك، هل كانت خفاف المهاجرين والأنصار الا مخرقة، مشققة، مرقعة؟. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٥٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٨٣) وقال ابن حزم

стр. 1543

(٢/ ١٠٠) فإن كان في الخفين، أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولا أو عرضا فظهر منه شيء من القدم، أقل القدم أو أكثرها، فكل ذلك سواء، والمسح على كل ذلك جائز، ما دام يتعلق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوري، وداود، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، ويزيد بن هارون، ثم حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بينها من اختلاف وتعارض، ثم رد عليها، وبين أنها مما لا دليل عليها سوى الرأي وختم ذلك بقوله: لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين اللتين ليس عليهما شيء ملبوس يُمسَحُ عليه أن يغسلا، وحكمهما إذا كان عليهما شيء ملبوس أن يمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وقد علم رسول الله ﷺ إذ أمر بالمسح على الخفين وما يلبس في الرجلين ومسح على الجوربين أن من الخفاف والجوارب وغير ذلك مما يلبس على الرجلين المخرقَ خرقا فاحشا أو غير فاحش. وغير المخرق، والأحمر والأسود والأبيض والجديد والبالي، فما خص ﵇ بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكم ذلك في الدين يختلف لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمله رسول الله ﷺ المفترض عليه البيان، حاشاه من ذلك فصح أن حكم ذلك المسح على كل حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطبنا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته (ص ١٣) ويجوز على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره وعلى الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكنا وهو قديم قولي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء. قلت: ونسبه الرافعي في شرح الوجيز (٢/ ٣٧٠) للأكثرية، واحتج

стр. 1544

له بأن لقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة، فوجب أن يمسح. ولقد أصاب ﵀. اهـ كلام العلامة الألباني. قال الجامع عفا الله عنه: هذا تحقيق نفيس حقيق بالقبول، وما عداه قول لا يؤيده منقول، والحاصل أن الراجح جواز المسح على جميع أنواع الخف، سالمها، ومخرقها، لعموم الأدلة في الجميع، والله أعلم. المسألة الثامنة: في اشتراط الطهارة في لبس الخف. قال العلامة ابن رشد في بدايته ص (٢١، ج ١): وأما شرط المسح على الخفين، فهو أن تكون الرجلان طاهرتين يطهر الوضوء، وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافا شاذا. وقد روي عن ابن القاسم عن مالك ذكره ابن لبابة في المنتخب، وإنما قال به الأكثر لثبوته في حديث المغيرة، وغيره، إذ أراد ينزع الخف عنه، فقال ﵊: "دعهما، فإني أدخلتهما، وهما طاهرتان"، والمخالف حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية. واختلف الفقهاء من هذا الباب فيمن غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أتم وضؤه هل يمسح عليهما؟ فمن لم ير أن الترتيب واجب، ورأى أن الطهارة تصح لكل عضو قبل أن تكمل الطهارة لجميع الأعضاء قال بجواز ذلك، ومن رأى أن الترتيب واجب وأنه لا تصح طهارة العضو إلا بعد طهارة جميع الأعضاء لم يُجزْ ذلك، وبالقول الأول قال أبو حنيفة، وبالقول الثاني قال الشافعي، ومالك إلا أن مالكا لم يمنع ذلك من جهة الترتيب، وإنما منعه من جهة أنه يرى أن الطهارة لا توجد للعضو إلا بعد كمال جميع الطهارة، وقد قال ﵊ "وهما طاهرتان"

стр. 1545

فأخبر عن الطهارة الشرعية. وفي بعض روايات حديث المغيرة "إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما" وعلى هذه الأصول يتفرع فيمن لبس أحد خفيه بعد أن غسل إحدى رجليه، وقبل أن يغسل الأخرى، فقال مالك: لا يمسح على الخفين لأنه لابس للخف قبل تمام الطهارة، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثوري والمزني والطبري، وداود: يجوز له المسح، وبه قال جماعة من أصحاب مالك: منهم مطرف، وغيره، وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد غسل الرجل الثانية ثم لبسها جاز له المسح اهـ كلام ابن رشد. قال الجامع عفا الله عنه: والراجح عندي قول من اشترط لبسهما على طهر كامل لظاهر قوله: "وهما طاهرتان"، والله أعلم. المسألة التاسعة: في نواقض مسح الخف: قال ابن رشد في بدايته ج ١ ص ٢٢: فأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم أجمعوا على أنها نواقض الوضوء، واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ قال قوم: إن نزعه وغسل قدميه فطهارته باقية، وإن لم يغسلهما وصلى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممن قال بذلك مالك، وأصحابه، والشافعي، وأبو حنيفة، إلا أن مالكا رأى أنه إن أخر ذلك استأنف الوضوء على رأيه في وجوب الموالاة. وقال قوم: طهارته باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء وليس عليه غسل، وممن قال بهذا القول داود، وابن أبي ليلى: وقال الحسن بن حي: إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته، وبكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين، وهذه المسألة هي مسكوت عنها، يعني أنه لم يرد نص بتبيينها- وسبب اختلافهم هل المسح على الخفين هو أصل بذاته في الطهارة، أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين؟ فإن قلنا: هو أصل
следующие страницы →