المسلم أن يلتزمه، ويتمسك به، وهو الذي كان عليه السلف الصالحون من الصحابة، والتابعين، كانوا إذا وقع بينهم اختلاف في أي مسألة ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ثم يأخذون ما وافق النص، ولا يعدلون عنه، قال الله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. فنصيحتي لمقلدي المذاهب أن يقارنوا أقوال الأئمة بالنصوص الصحيحة، فيأخذوا ما اتفق معها، ولا يتجمدوا على قول إمامهم، ولا يتعصبوا له، بل التحمس يكون للحق، وهذه هي وصية الأئمة كلهم لأتباعهم كما هو مشهور في تراجمهم رحمهم الله تعالى. والله أعلم.
المسألة السابعة: في اختلاف العلماء في الخف المخرّق: قال النووي في المجموع ما حاصله: أنه الصحيح الجديد في مذهب الشافعي أنه لا يجوز المسح على الخف المخرق في محل الفرض، وبه قال معمر بن
راشد، وأحمد بن حنبل، وحكى ابنُ المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق ويزيد بن هارون، وأبي ثور: جواز المسح على جميع الخفاف، وعن الأوزاعي إن ظهرت طائفة من رجله مسح على خفيه وعلى ما ظهر من رجليه. وعن مالك ﵁: إن كان الخرق يسيرا مسح، وإن كان كثيرا لم يجز المسح. وعن أبي حنيفة وأصحابه إن كان الخرق قدر ثلاثة أصابع لم يجز المسح، وإن كان دونه جاز، وعن الحسن البصري إن ظهر أكثر من أصابعه لم يجز.
قال ابن المنذر: بقول الثوري أقول لظاهر إباحة رسول الله ﷺ المسح على الخفين قولا عاما يدخل فيه جميع الخفاف.
واحتج القائلون: بالجواز على اختلاف مذاهبهم بما احتج به ابن المنذر، وبأنه جوز المسح رخصة وتدعوا الحاجة إلى المخرق، وبأنه لا تخلو الخفاف عن الخرق غالبا، وقد يتعذر خرزه، لا سيما في السفر،
стр. 1542
فعفي عنه، للحاجة، وبأنه خف يحرم على المحرم لبسه وتجب به الفدية فجاز المسح عليه كالصحيح.
واحتج القائلون: بالمنع بأن ما انكشف من الرجل حكمه الغسل وما استتر حكمه المسح، والجمع بينهما لا يجوز فغلب حكم الغسل، كما لو انكشفت إحدى الرجلين واستترت الأخرى. اهـ كلام النووي بتغيير يسير.
وقال العلامة ابن رشد في بدايته بعد ذكر ما تقدم من الأقوال ما نصه: وقال الثوري: كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم، قلت: هذه المسألة هي مسكوت عنها فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به لبينه ﷺ وقد قال الله تعالى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، اهـ بداية ج ١ ص٢٠.
وكتب العلامة محدث العصر الألباني في رسالته (١) "إتمام النصح في أحكام المسح" كلاهما حسنا أحببت إيراده هنا لتحقيقه المسألة تَمَام تحقيق.
قال: وأما المسح على الخف، أو الجورب المخرق فقد اختلفوا فيه اختلافا كثيرا، فأكثرهم يمنع منه على اختلاف طويل بينهم تراه في مبسوطات الكتب الفقهية، والمحلى. وذهب غيرهم إلى الجواز، وهو الذي نختاره. وحجتنا في ذلك أن الأصل الإباحة، فمن منع، واشترط السلامة من الخرق، أو وضع له حدا فهو مردود، لقوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" متفق عليه. وأيضا فقد صح عن الثوري أنه قال: امسح عليها ما تعلقت به رجلك، هل كانت خفاف
المهاجرين والأنصار الا مخرقة، مشققة، مرقعة؟. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٥٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٨٣) وقال ابن حزم
стр. 1543
(٢/ ١٠٠) فإن كان في الخفين، أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولا أو عرضا فظهر منه شيء من القدم، أقل القدم أو أكثرها، فكل ذلك سواء، والمسح على كل ذلك جائز، ما دام يتعلق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوري، وداود، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، ويزيد بن هارون، ثم حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بينها من اختلاف وتعارض، ثم رد عليها، وبين أنها مما لا دليل عليها سوى الرأي وختم ذلك بقوله: لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين اللتين ليس عليهما شيء ملبوس يُمسَحُ عليه أن يغسلا، وحكمهما إذا كان عليهما شيء ملبوس أن يمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وقد علم رسول الله ﷺ إذ أمر بالمسح على الخفين وما يلبس في الرجلين ومسح على الجوربين أن من الخفاف والجوارب وغير ذلك مما يلبس على الرجلين المخرقَ خرقا فاحشا أو غير فاحش. وغير المخرق، والأحمر والأسود والأبيض والجديد والبالي، فما خص ﵇ بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكم ذلك في الدين يختلف لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمله رسول الله ﷺ المفترض عليه البيان، حاشاه من ذلك فصح أن حكم ذلك المسح على كل حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطبنا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته (ص ١٣) ويجوز على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره وعلى الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكنا وهو قديم قولي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء.
قلت: ونسبه الرافعي في شرح الوجيز (٢/ ٣٧٠) للأكثرية، واحتج
стр. 1544
له بأن لقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة، فوجب أن يمسح.
ولقد أصاب ﵀. اهـ كلام العلامة الألباني.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا تحقيق نفيس حقيق بالقبول، وما عداه قول لا يؤيده منقول، والحاصل أن الراجح جواز المسح على جميع أنواع الخف، سالمها، ومخرقها، لعموم الأدلة في الجميع، والله أعلم.
المسألة الثامنة: في اشتراط الطهارة في لبس الخف.
قال العلامة ابن رشد في بدايته ص (٢١، ج ١): وأما شرط المسح على الخفين، فهو أن تكون الرجلان طاهرتين يطهر الوضوء، وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافا شاذا. وقد روي عن ابن القاسم عن مالك ذكره ابن لبابة في المنتخب، وإنما قال به الأكثر لثبوته في حديث المغيرة، وغيره، إذ أراد ينزع الخف عنه، فقال ﵊: "دعهما، فإني أدخلتهما، وهما طاهرتان"، والمخالف
حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية.
واختلف الفقهاء من هذا الباب فيمن غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أتم وضؤه هل يمسح عليهما؟ فمن لم ير أن الترتيب واجب، ورأى أن الطهارة تصح لكل عضو قبل أن تكمل الطهارة لجميع الأعضاء قال بجواز ذلك، ومن رأى أن الترتيب واجب وأنه لا تصح طهارة العضو إلا بعد طهارة جميع الأعضاء لم يُجزْ ذلك، وبالقول الأول قال أبو حنيفة، وبالقول الثاني قال الشافعي، ومالك إلا أن مالكا لم يمنع ذلك من جهة الترتيب، وإنما منعه من جهة أنه يرى أن الطهارة لا توجد للعضو إلا بعد كمال جميع الطهارة، وقد قال ﵊ "وهما طاهرتان"
стр. 1545
فأخبر عن الطهارة الشرعية. وفي بعض روايات حديث المغيرة "إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما" وعلى هذه الأصول يتفرع فيمن لبس أحد خفيه بعد أن غسل إحدى رجليه، وقبل أن يغسل الأخرى، فقال مالك: لا يمسح على الخفين لأنه لابس للخف قبل تمام الطهارة، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثوري والمزني والطبري، وداود: يجوز له المسح، وبه قال جماعة من أصحاب مالك: منهم مطرف، وغيره، وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد غسل الرجل الثانية ثم لبسها جاز له المسح اهـ كلام ابن رشد.
قال الجامع عفا الله عنه: والراجح عندي قول من اشترط لبسهما على طهر كامل لظاهر قوله: "وهما طاهرتان"، والله أعلم.
المسألة التاسعة: في نواقض مسح الخف: قال ابن رشد في بدايته ج ١ ص ٢٢: فأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم أجمعوا على أنها نواقض الوضوء، واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ قال قوم: إن نزعه وغسل قدميه فطهارته باقية، وإن لم يغسلهما وصلى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممن قال بذلك مالك، وأصحابه، والشافعي، وأبو حنيفة، إلا أن مالكا رأى أنه إن أخر ذلك استأنف الوضوء على رأيه في وجوب الموالاة. وقال قوم: طهارته باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء وليس عليه غسل، وممن قال بهذا القول داود، وابن أبي ليلى: وقال الحسن بن حي: إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته، وبكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين، وهذه المسألة هي مسكوت عنها، يعني أنه لم يرد نص بتبيينها- وسبب اختلافهم هل المسح على الخفين هو أصل بذاته في الطهارة، أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين؟ فإن قلنا: هو أصل
стр. 1546
بذاته فالطهارة باقية وإن نزع الخفين، كمن قطعت رجلاه بعد غسلهما، وإن قلنا: إنه بدل، فيحتمل أن يقال: إذا نزع الخف بطلت الطهارة، وإن كنا لا نشترط الفور، ويحتمل أن يقال: إن غسلهما أجزأت الطهارة إذا لم يشترط الفور. وأما اشتراط الفور من حيث نزع الخف فضعيف، وإنما هو شيء يتخيل. فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الباب. اهـ كلام ابن رشد ﵀.
وكتب العلامة الألباني في الرسالة المتقدمة ما نصه:
اختلف العلماء أيضا فيمن خلع الخف ونحوه بعد أن توضأ ومسح عليه على أقوال ثلاثة: الأول: أن وضوءه صحيح ولا شيء عليه. الثاني: أن عليه غسل رجليه فقط. الثالث: أن عليه إعادة الوضوء. وبكل من هذه الأقوال: قد قال به طائفة من السلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢١٠/ ٨٠٩ - ٨١٣) وابن أبي شيبة (١٨٧ - ١٨٨) والبيهقي (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
ولا شك أن القول الأول هو الأرجح؛ لأنه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك، كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها كما تقدم، ويترجح على القولين الآخرين بمرجح آخر بل مرجحين: الأول: أنه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، فقد قدمنا بالسند الصحيح عنه ﵁ أنه أحدث، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم خلعهما، ثم صلى. والآخر موافقته للنظر الصحيح، فإنه لو مسح على رأسه ثم حَلَق لم يجب عليه أن يعيد المسحَ بَلْهَ الوضوء، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في اختياراته ص ١٥: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل
стр. 1547
قدميه، وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور، وهو مذهب ابن حزم أيضا فراجع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف فإنه نفيس (المحلى ٢/ ١٠٥) وأما ما رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٧) والبيهقي (١/ ٢٨٩) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ في- الرجل يمسح على خفيه، ثم يبدو له أن ينزع خفيه قال: يغسل قدميه. ففيه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرا، وكان يدلس. وروى البيهقي عن أبي بكرة نحوه. ورجاله ثقات غير علي بن محمَّد القرشي، فلم أعرفه. ثم روى عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: "المسح على الخفين ثلاثة أيام وليالها للمسافر ويوما وليلة للمقيم ما لم يخلع". وقال: تفرد به عمر بن رديح وليس بالقوي.
قلت: هذه الزيادة "ما لم يخلع" منكرة لتفرد هذا الضعيف بها، وعدم وجود الشاهد لها. اهـ كلام المحقق الألباني.
قال الجامع عفا الله عنه:
كلام العلامة الألباني هذا في غاية الحسن، والتحقيق. والله أعلم.
المسألة العاشرة: في مذاهب العلماء في انتهاء مدة المسح هل ينقض أم لا؟
كتب العلامة الألباني في رسالته أيضا ما نصه:
انتهاء المدة هل ينقض الوضوء؟ للعلماء في ذلك أقوال أشهرها قولان في مذهب الشافعي. الأول: يجب استئناف الوضوء. الثاني: يكفيه غسل القدمين. والثالث: لا شيء بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث، قاله النووي ﵀ قلت: وهذا القول الثالث أقواها. وهو الذي اختاره النووي خلافا لمذهبه أيضا، فقال: - رحمه
стр. 1548
الله - (١/ ٥٢٧) وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتادة، وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود.
قلت: وحكاه الشعراني في الميزان (١/ ١٥٠) عن الإمام مالك، وحكى النووي عنه غيرَه فليحقق. وهو الذي ذهب إليه ابن تيمية تبعا لابن حزم، وذكر هذا -يعني ابن حزم- في القائلين به إبراهيم النخعي وابنَ أبي ليلي، ثم قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره، لأنه ليس في شيء من الأخبار أن الطهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها بانقضاء وقت المسح، وإنما نهى النبي ﵇ عن أن يمسح أحد أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم. فمن قال غير هذا فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقَوَّلَ رسولَ الله ﷺ ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهمًا فلا شيء عليه، ومن فعل ذلك عامدًا بعد قيام الحجة عليه فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلا الحدث، وهذا قد صحت طهارته، ولم يحدث فهو طاهر، والطاهر يصلي ما لم يحدث أو ما لم يأت نص جلي في أن طهارته انتقضت وإن لم يحدث، وهذا الذي انقضى وقت مسحه لم يحدث، ولا جاء نص في أن طهارته انتقضت، لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها، فهو طاهر يصلي حتى يحدث فيخلع خفيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضأ، ثم يستأنف المسح توقيتا آخر وهكذا أبدا وبالله تعالى التوفيق. اهـ كلام العلامة الألباني حفظه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الذي اختاره هؤلاء الأئمة: ابن المنذر وابن حزم، والنووي، وابن تيمية، وحققه الألباني، هو الراجح عندي لوضوح دليله، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1549
١٠٠ - صِفَةُ الوُضُوءِ مِنْ غيْر حَدَثٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كيفية الوضوء من غير أن يحصل للشخص ما يوجب الوضوء، بل أراد تجديده، لكونه عبادة موجبة لمحو الذنوب والخطايا كما تقدم ذلك في حديث عبد الله الصنابحي في الباب (٨٥)، في (ح ١٠٣) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضاء العبد المؤمن
فتمضض … " الحديث. فإنه عام يدخل فيه المحدث وغيره.
وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية آخر الباب إن شاء الله تعالى.
١٣٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أُتِيَ بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ كَفًّا فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ فَضْلَهُ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ هَذَا، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ وَهَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ.
стр. 1550
رجال الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد -بموحدة وراء مصغرا- الجَرْمي بفتح الجيم صدوق من الحادية عشرة.
وفي تهذيب التهذيب (ج ٨/ ص ١٢٠): عمرو بن يزيد أبو يزيد (١) الجرمي البصري، روى: عن أمية بن خالد، وبهز بن أسد، وأبي داود الطيالسي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ومحمد بن أبي عدي، وسيف بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن مهدي، وغندر، وروح بن عبادة، وغيرهم. وعنه النسائي وأبو حاتم وأبو بكر البزار، وأحمد بن حماد بن سفيان، وأبو بكر محمَّد بن الحسن بن مكرم، وعُمر بن محمَّد ابن بجير، وعبد الله بن محمَّد بن ناجية، وأحمد بن محمَّد بن الجهم، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب. اهـ تهذيب التهذيب. تفرد به المصنف.
٢ - (بهز بن أسد) العمي (٢) أبو الأسود البصري ثقة، ثبت، من التاسعة، مات بعد المائتين، وقيل: قبلها. تقدم في ٢٤/ ٢٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، الثقة، الحجة من -٧ - ، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عبد الملك بن ميسرة) الهلالي أبو زيد، العامري، الكوفي الزرّاد. وثقه ابن معين، وابن خراش، والنسائي، وأبو حاتم، وابن حبان، وابن سعد، والعجلي، وابن نمير، وذكره البخاري فيمن مات في العشر الثاني من المائة الثانية. وفي "ت" ثقة من الرابعة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
стр. 1551
٥ - (النَّزَّال بن سَبْرَة) -بفتح المهملة، وسكون الموحدة الهلالي الكوفي، ثقة من الثانية، وقيل: إن له صحبة.
وفي تهذيب التهذيب: مختلف في صحبته. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، ويقال: مرسل، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وسراقة ابن مالك وأبي مسعود الأنصاري. وعنه عبد الملك بن ميسرة الزرَّاد (١) والشعبي، وإسماعيل بن رجاء، والضحاك بن مزاحم. قال العجلي: كوفي تابعي، ثقة، من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وكذا ابن سعد، وقال: كان ثقة، وله أحاديث، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: النزال ثقة لا يسأل عنه، وقال: وقال أبي: لا بأس به. وقال الحاكم عن الدارقطني: تابعي كبير. وقال ابن عبد البر: ذكروه فيمن رأى النبي ﷺ ولا أعلم له رواية إلا عن علي، وابن مسعود، وهو معدود في كبار التابعين. أخرج له الترمذي في الشمائل، والباقون سوى مسلم.
٦ - (علي) بن أبي طالب رضي الله عن. تقدمت ترجمته في ٤٧/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسيات المصنف.
ومنها أن رواته كلهم ثقات إلا شيخه فقال في التقريب: صدوق، ووثقه المصنف كما تقدم قريبًا.
ومنها أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون.
ومنها أن فيه رواية صحابي، عن صحابي إن صحت صحبة النزال،
стр. 1552
وإلا فرواية تابعي، عن تابعي، وهما عبد الملك، والنزال، وهذا هو الذي مال إليه الحافظ في الإصابة (ج ٣ ص ٥٢٣) حيث قال بعد ذكر الخلاف المتقدم في صحبته: والمعروف أنه مخضرم اهـ.
ومنها أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع.
شرح الحديث
(عن النزال بن سبرة قال: رأيت عليا ﵁ صلى الظهر) وعند ابن حبان: قال: صليت مع علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- الظهر ثم انطلق إلى مجلس له كان يجلسه في الرَّحْبَة فقعد،
وقعدنا حوله، حتى حضرت العصر .... (ثم قعد لحوائج الناس) أي لينظر في مهماتهم من تعليم أمور الدين، وإصلاح ذات البَيْن، وفصل الخصومات، ونحو ذلك.
والحوائج: جمع حاجة على غير قياس. وذكر الأصمعي أنه مولد، والجمع حاجات، وحَاجٌ ذكره في الفتح ج ١٢ ص ١٨٧.
وقال في اللسان ج ٢ ص ٢٤٢: الحاجة والحائجة: المَأْرَبَةُ، معروفة.
قال: وجمع الحاجة حَاجٌ، وحِوَج -يعني بكسر ففتح- وجمع الحائجة: حوائج. وقال الأزهري: الحاجُ -يعني بتخفيف الجيم- جمع الحاجة، وكذلك الحوائج، والحاجات.
وقال غيره: وجمع الحاجة: حاجٌ، وحاجات، وحوائج على غير قياس كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكره، ويقول: هو مولد، قال الجوهري: وإنما أنكره لخروجه عن القياس، وإلا فهو كثير في كلام العرب. قال ابن برّي: إنما أنكره الأصمعي لخروجه عن قياس جمع حاجة، قال: والنحويون يزعمون أنه جمع لواحد لم ينطق به، وهو حائجة. قال: وذكر بعضهم أنه سمع حائجة لغة في الحاجة، قال:
стр. 1553
وأما قوله: إنه مولد فإنه خطأ منه؛ لأنه قد جاء ذلك في حديث سيدنا رسول الله ﷺ ، وفي أشعار العرب الفصحاء.
وذكر ابن السكيت في كتابه الألفاظ باب الحوائج: يقال في جمع حاجة حاجات، وحاج، وحوَج، وحوائج. وقال سيبويه في كتابه، في ما جاء فيه تَفَعَّل، واستفعل بمعنى، يقال: تنجز فلان حوائجه، واستنجز حوائجه. وذهب قوم من أهل اللغة إلى أن حوائج يجوز أن يكون جمع حوجاء، وقياسها حواج، مثل صَحَار، ثم قدمت الياء على الجيم، فصار حوائج، والمقلوب في كلام العرب كثير. والعرب تقول: بُدَاءَاتُ حوائجك، في كثير من كلامهم. وكثيرا ما يقول ابن السكيت: إنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والرواحات، وإنما غَلَّطَ الأصمعيَّ (١) في هذه اللفظة كما حكى عنه حتى جعلها مولدة كونها خارجة عن القياس؛ لأن ما كان على مثل الحاجة مثل غارة وحارة لا يجمع على غوائر وحوائر، فقطع بذلك على أنها مولدة، غير فصيحة، على أنه قد حكَى الرقاشي، والسجستاني عن عبد الرحمن، عن الأصمعي، أنه رجع عن هذا القول، وإنما هو شيء كان عرض له
من غير بحث، ولا نظر، قال: وهذ الأشبه به لأن مثله لا يجهل ذلك إذ كان موجودا في كلام النبي ﷺ ، وكلام العرب الفصحاء، وكأن الحريري لم يمر به إلا القول الأول عن الأصمعي، دون الثاني. والله أعلم. اهـ لسان.
(فلما حضرت العصر) أي حضر وقت صلاتها (أتي) بالبناء للمجهول، أي جاءه الناس (بتور) بفتح التاء وسكون الواو. قال في اللسان ج ٤ ص ٩٦: التَّور من الأواني: مذكر، قيل: هو عربي، قيل: دخيل. قال الأزهري: التور: إناء معروف تذكّره العرب، تشرب فيه. اهـ لسان.
стр. 1554
(من ماء) بيان للتور؛ لأنه إناء يحتمل أن يكون ظرفا للماء وغيره، فبين أن مظروفه الماء (فأخذ) علي ﵁ (منه) أي من الماء الذي في التور (كفا) أي مقدار ملاء الكف. قال في المصباح: الكف من الإنسان وغيره: أنثى، قال ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كف مُخَضَّب فَعَلَى مَعنَى ساعد مُخَضَّب، وجمعها كفوف وأكف: مثل فلس وفلوس، وأفلس. وقال الأزهري: الكف: الراحة مع الأصابع، سميت بذلك؛ لأنها تكف الأذى عن البدن اهـ ج ٢ ص ٥٣٦.
(فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه) أي بعد المضمضة، والاستنشاق، لما يأتي، وفي رواية عند البخاري "ثم أتي بماء فشرب، وغسل وجهه، ويديه، وذكر رأسه، ورجليه" قال الحافظ: في الفتح ج ١٢ ص ١٨٧: كذا هنا وفي رواية بهز: "فأخذ منه كفا فمسح وجهه، وذراعيه، ورأسه، ورجليه" وكذلك عند الطيالسي: "فغسل وجهه، ويديه، ومسح على رأسه ورجليه" ومثله في رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي، ويؤخذ منه أنه في الأصل: ومسح على رأسه ورجليه، وأن آدم توقف في سياقه، فعبر بقوله: وذكر رأسه ورجليه. ووقع في رواية الأعمش "فغسل يديه، ومضمض، واستنشق، ومسح بوجهه، وذراعيه، ورأسه" وفي رواية علي بن الجعد، عن شعبة عند الإسماعيلي: "فمسح بوجهه، ورأسه، ورجليه" ومن رواية أبي الوليد عن شعبة ذكر الغسل، والتثليث في الجميع، وهي شاذة مخالفة لرواية أكثر أصحاب شعبة، والظاهر أن الوهم فيها من الراوي عنه أحمد بن إبراهيم الواسطي شيخ الإسماعيلي فيها فقد ضعفه الدارقطني. والصفة التي ذكرها هي صفة إسباغ الوضوء الكامل، وقد ثبت في آخر الحديث قول علي: "وهذا وضوء من لم يحدث" كما سيأتي بيانه. اهـ فتح.
стр. 1555
(ثم أخد فضله) أي ما بقي من الماء الذي توضأ منه.
قال المجد: الفَضلة -يعني بفتح الفاء-: البقية، كالفَضل -أي بالفتح- والفُضالة بالضم، وقد فَضَل كنصر وحَسب اهـ "ق" ص ١٣٤٨، وفي المصباح ج ٢ ص ٤٧٥: فضل فضلا من باب قتل: بقي، وفي لغة: فَضلَ يَفضَل من باب تعب، وفَضُل يفضُل بالضم لغة ليست بالأصل، ولكنها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم نَعمَ يَنعُم، ونَكلَ يَنكُل، وفي المعتل: دِمتَ تَدُوم، ومتَّ تموُت. اهـ.
والمعنى: أن عليا ﵁ أخذ ما بقي في الإناء من وَضوئه (نشرب) منه حال كونه (قائما)، هذا هو المحفوظ في الروايات كلها من أن شربه كان بعد الفراغ من الوضوء. ووقع في رواية عند البخاري: أنه شرب مرتين، مرة قبل الوضوء، ومرة بعده، قال الحافظ: والذي وقع هنا من ذكر الشرب مرة قبل الوضوء ومرة بعد الفراغ منه لم أره في غير رواية آدم. اهـ فتح ج ١٢ ص ١٨٧.
(وقال) علي ﵁ بعد شربه قائما (إن ناسا يكرهون هذا) أي الشرب حال القيام. ولفظ البخاري إن ناسا يكرهون الشرب قائما. ولفظ ابن حبان الإنكار على من يكره الشرب قائما لثبوته من فعله ﷺ كما بينه بقوله: (وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله) أي الشرب قائما، بعد الوضوء على الكيفية المذكورة، وعند البخاري "وإن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعت"، قال الحافظ: أي من الشرب قائما، وصرح به الإسماعيلي في روايته فقال: "شرب فضلة وضوئه قائما كما شربت" ولأحمد، ورأيته من طريقين آخرين عن علي "أنه شرب قائما فرأى الناس كأنهم أنكروه فقال: ما تنظرون؟ إن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا، وإن شربت قاعدًا فقد رأيته يشرب قاعدًا. اهـ فتح ج ١٢ ص ١٨٧.
стр. 1556
واستدل بهذا الحديث على جواز الشرب قائمًا، وقد عارضته أحاديث صحيحة صريحة في النهي عنه وقد مر تحقيق الكلام في هذه المسألة في باب ٧٩/ ٩٦ فأرجع إليه تزدد علمًا.
(و) قال علي ﵁ (هذا) أي الوضوء على هذه الكيفية (وضوء من لم يحدث) أي لم يحصل منه ما يوجب الوضوء من النواقض.
وحاصل المعنى: أن الاكتفاء بكف من ماء للمضمضة، والاستنشاق، ومسح الوجه واليدين، والرأس، والرجلين، لمن أراد تجديد الوضوء من غير أن يحدث، وأما وضوء المحدث فيحتاج إلى تعميم جميع ما
يغسل بالماء. قال السندي: ولعل ما جاء من مسح الرجل من بعض الصحابة إن صح محله غير حالة الحدث. اهـ ج ١ ص ١٦. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي ﵁ هذا أخرجه البخاري في الصحيح، إلا أنه ليس فيه قول علي ﵁: "وهذا وضوء من لم يحدث" قال الحافظ بعد ذكر أن هذه الزيادة وقعت في رواية النسائي والإسماعيلي: وهي على شرط الصحيح. اهـ فتح ج ١٢ ص ١٨٧.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٠٠/ ١٣٠ وفي الكبرى ١٣٣ - بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه (خ) فأخرجه في الأشربة (١٦/ ١) عن أبي نعيم عن مسعر،
стр. 1557
وفي (١٦/ ٢) عن آدم، عن شعبة- كلاهما عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن علي ﵁.
وأما أبو داود: فأخرجه فيه أيضا عن مسدد، عن يحيى، عن مسعر- بقصة الشرب خاصة.
وأخرجه (ت) في الشمائل (٣٢/ ٤) عن أبي كريب ومحمد بن طريف، كلاهما عن محمَّد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الملك به أفاده المزي ج ٧ ص ٤٥٢ وأخرجه ابن خزيمة ج ١ ص ١٢، وابن حبان ج ٢ ص ١٩٧. وأخرجه أحمد، وأبو داود الطيالسي كما في الفتح ج ١٢ ص ١٨٧.
المسألة الرابعة: في بعض فوائده: يستفاد من هذا الحديث أن الإمام ينبغي له أن يتفرغ في بعض الأوقات لقضاء حوائج الناس وأن يجلس في مكان ظاهر بحيث لا يخفى على الغريب، ومشروعية تجديد الوضوء من غير أن يحدث، وأن صفة وضوئه يخالف صفة وضوء من أحدث، وهي الاكتفاء بمسح أعضائه، وجواز الشرب قائمًا، وقد مر تحقيقه، واستحباب الشرب من فضل وضوئه. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه، توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1558
١٠١ - الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الوضوء عند إرادة كل صلاة.
١٣١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ذَكَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِإِنَاءٍ صَغِيرٍ فَتَوَضَّأَ. قُلْتُ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّى الصَّلَوَاتِ مَا لَمْ نُحْدِثْ، قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني، البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٥ تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث بن عُبيد بن سُليم الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ١٨٦ ومولده سنة ١٢٠ تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي البصري -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عمرو بن عامر) الأنصاري الكوفي، ثقة، من الخامسة.
стр. 1559
٥ - (أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي الجليل، ﵁. تقدم في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
منها أنه من خماسياته.
ومنها أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم بصريون إلا عمرو بن عامر، فإنه كوفي.
ومنها أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
"تنبيه" قال في المنهل ج ٢ ص ١٦٢ وقد اختلف المحدثون في عمرو ابن عامر الراوي في هذا السند، فصرح المصنف -يعني أبا داود- أنه البجلي، ويؤيده قول شيخه -محمَّد بن عيسى- هو أبو أسد بن عمرو، فإن والد أسد بن عمرو بجلي، والذي في الترمذي أنه الأنصاري، قال بسنده: ثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري قال: سمعت أنس بن مالك، وذكر الحديث وهذا هو الظاهر وذلك أن عمرو ابن عامر الأنصاري من الطبقة الخامسة، ومن شيوخه أنس بن مالك، ومن تلامذته شعبة، والثوري، وشريك. روى له الجماعة ووثقه أبو حاتم، والنسائي، وابن حبان، وعمرو بن عامر البجلي من الطبقة السادسة، ومن كان منها لم يثبت لقاؤه أحدا من الصحابة، ولم يذكر أن من شيوخه أنسًا.
قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عمرو بن عامر البجلي: وذكر الآجري، عن أبي داود الذي يروي عن أنس هو والد أسد بن عمرو، وكذا قال ابن عساكر في الأطراف في الرواة عن أنس عمرو بن عامر الأنصاري والد أسد بن عمرو فكأنه تبع في ذلك أبا داود، وذلك وهم فإن والد أسد بجلي، وهو متأخر عن طبقة الأنصاري، وعليه فإن
стр. 1560
كان عمرو بن عامر هذا بجليا فلا يصح قوله: سألت أنس بن مالك لأنه لم يلق أنسا، وسبب الخطأ في هذا أن المصنف ذكر الحديث بسنده عن محمَّد بن عيسى، عن شريك، وشريك سيىء الحفظ، كثير الوهم والخطأ، فنعت عمرو بن عامر بالبجلي خطأ منه ولم يتنبه لذلك محمَّد بن عيسى والمصنف. اهـ المنهل.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن قال الحافظ بعد نقل ما تقدم: قلت: مثل أبي داود لا يرد قوله بلا دليل. اهـ تت ج ٨ ص ٦٠.
وقال في الفتح ج ١ ص ٣٧٨: وعمرو بن عامر كوفي أنصاري، وقيل: بجلي، وصحح المزي أن البجلي راو آخر غير هذا الأنصاري. اهـ.
قلت: الذي يترجح عندي: هو ما صححه المزي. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ (أنه ذكر أن النبي ﷺ أتي) بالبناء للمفعول (بإناء صغير، فتوضأ) من الماء الذي في ذلك الإناء.
قال عمرو بن عامر الأنصاري (قلت) لأنس (أكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة؟) أي مفروضة، قاله في الفتح. (قال) أنس (نعم) قال في القاموس: ونعم: بفتحتين، وقد تكسر العين، ونَعَام، عن المعافى بن زكريا: كلمة كبلى إلا أنه في جواب الواجب. اهـ ص ١٥٠٢.
وقال الفيومي: وقولهم في الجواب: نعم معناها التصديق إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، والوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم قال سيبويه: نعم: عدَة وتصديق. قال ابن بَابَ شَاذ: يريد أنها عدة في الاستفهام، وتصديق للإخبار، ولا يريد اجتماع الأمرين فيها في كل حال.
قال النَّيليُّ: وهي تُبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب، أو نفي،
стр. 1561
لأنها وضعت لتصديق ما تقدم من غير أن ترفع النفي وتبطله، فإذا قال القائل: ما جاء زيد، ولم يكن قد جاء، وقلت في جوابه: نعم، كان التقدير نعم ما جاء، فصدقت الكلام على نفيه، ولم تبطل النفي، كما تبطله "بلى"، وإن كان قد جاء: قلت في الجواب: بلى، والمعنى: قد جاء، فنعم تبقي النفي على حاله ولا تبطله، وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولو قالوا: نعم كان كفرا، إذ معناه نعم لست بربنا لأنها لا تزيل النفي بخلاف بلى، فإنها للإيجاب بعد النفي. اهـ المصباح ج ٢ ص ٦١٤ والمعنى هنا: نعم كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة.
قال الحافظ: ما حاصله أي لكل صلاة مفروضة، زاد الترمذي من طريق حميد، عن أنس "وطاهرًا أو غير طاهر". وظاهره أن تلك كانت عادته، لكن حديث سويد يدل على أن المراد الغالب، قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح، لحديث بريدة، يعني الذي أخرجه مسلم أنه ﷺ "صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد"، وأن عمر سأله، فقال: "عمدا فعلته"، وقال: ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا، ثم خشي أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز، قلت: وهذا أقرب، وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان فإنه كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمان اهـ فتح ج ١ ص ٣٧٨.
قال الجامع عفا الله عنه: وحديث سويد الذي أشار إليه الحافظ هو ما أخرجه البخاري في الطهارة ٥٣/ ١ والمصنف فيه ١٢٤/ ١٨٦، وابن ماجه فيه ٦٦/ ٥، ولفظ البخاري قال: "خرجنا مع رسول الله عام خيبر، حتي إذا كنا بالصهباء صلى لنارسول الله ﷺ العصر، فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا، وشربنا، ثم قام النبي ﷺ إلى الغرب، فمضمض، ثم صلى لنا المغرب، ولم يتوضأ".
стр. 1562
وقال السندي ما نصه: قوله: يتوضأ لكل صلاة، أي يعتاد ذلك، وإن كان يجمع بين الصلاتين وأكثر بوضوء واحد أيضا. ويحتمل أن جواب أنس حسبما اطلع عليه، ولعله لم يطلع على خلافه وإن كان
ثابتا. اهـ ج ١ ص ٨٥.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي هو ما قال الحافظ: إنه الأقرب، وهو أنه فعله لبيان الجواز. والله أعلم.
قال عمرو لأنس (فأنتم؟) زاد الترمذي: "ما كنتم تصنعون؟ " والخطاب للصحابة (قال) أنس ﵁: (كنا) معاشر الصحابة (نصلي الصلوات) المتعددة، لا جميع صلوات اليوم، ويحتمل المعنى الثاني؛ لأن القضية جزئية. قاله السندي ج ١ ص ٨٥ وقال في المنهل: ولعل ذلك كان يقع منهم أحيانا، وإلا فقد ثبت أنهم يتوضئون لكل صلاة تحصيلا للفضيلة. اهـ ج ٢ ص ١٦٣.
(ما) مصدرية ظرفية (لم نحدث) أي مدة عدم حصول شيء ينافي صحة الصلاة من البول والغائط ونحوهما منا
(قال) أنس: (وقد كنا نصلي الصلوات بوضوء) واحد.
قال الجامع عفا الله عنه:
جملة "قال" الثانية ليست عند غير المصنف، وهي مؤكدة للجملة الأولى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري.
стр. 1563
المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف: أخرجه هنا: ١٠١/ ١٣١ بهذا السند فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم.
أخرجه (خ د ت ق). فأخرجه (خ) في الطهارة ٥٦/ ١ عن مسدد، عن يحيى -، و ٥٦/ ١ عن محمَّد بن يوسف- كلاهما عن سفيان الثوري، عن عمرو بن عامر الأنصاري، عن أنس ﵁.
وأخرجه (د) في الطهارة أيضا ٦٦/ ١ عن محمَّد بن عيسى، عن شريك، عن عمرو، عن أنس. نحوه.
وأخرجه (ت) في الطهارة ٤٤/ ٢ عن ابن بشار، عن يحيى، وعبد الرحمن، كلاهما، عن سفيان، عن عمرو، عن أنس، وقال: صحيح.
وأخرجه (ق) في الطهارة: ٧٢/ ١ عن سويد بن سعيد، عن شريك، نحوه. أفاده المزي، تحفة ج ١ ص ٢٩٢. وأخرجه الطحاوي، والبيهقي. أفاده في المنهل ج ٢ ص ١٦٥.
المسألة الرابعة: في فوائد هذا الحديث:
منها: مشروعية الوضوء لكل صلاة، طاهرا، وغير طاهر.
ومنها: جواز أداء صلوات كثيرة بوضوء واحد.
ومنها: أن فيه دلالة على وجوب الوضوء عند الحدث لمن يريد الصلاة
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في وجوب الوضوء لكل صلاة:
وقد اختلفوا في ذلك: فذهبت طائفة من الظاهرية، والشيعة إلى وجوب الوضوء لكل صلاة في حق المقيمين دون المسافرين، واحتجوا بحديث بريدة بن الحصيب ﵁ الآتي.
стр. 1564
وذهبت طائفة إلى أن الوضوء واجب لكل صلاة مطلقا، ولو من غير حدث، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي موسى، وجابر بن عبد الله، وعَبيدَة السلماني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، والحسن، وحكى ابن حزم في كتاب الإجماع هذا المذهب عن عمرو بن عبيد.
وقال النووي في شرح مسلم: وحكى أبو جعفر الطحاوي، وأبو الحسن بن بطال في شرح صحيح البخاري عن طائفة من العلماء أنهم قالوا: يجب الوضوء لكل صلاة، وان كان متطهرا واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وما أظن هذا المذهب يصح، ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة. انتهى. وروينا عن إبراهيم النخعي أنه لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات.
ومذهب أكثر العلماء من الأئمة، وأكثر أصحاب الحديث، وغيرهم أن الوضوء لا يجب إلا من حدث، واستدلوا بالأحاديث الصحيحة، كحديثي (١) الباب، وحديث سويد المتقدم، وفي معناها أحاديث كثيرة، كحديث الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة، وسائر الأسفار، والجمع بين الصلوات الفائتة يوم الخندق، وغير ذلك. (وأما) الآية الكريمة: فالراد بها -والله أعلم- إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون. واستدل الدارمي على ذلك بقوله ﷺ لا وضوء إلا من حدث. وحكى الشافعي عمن لقيه من أهل العلم أن التقدير: إذا قمتم من النوم.
فإن قلت: ظاهر الآية يقتضي التكرار؛ لأن الحكم المذكور، وهو قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ معلق بالشرط، وهو إذا قمتم إلى الصلاة، فيقتضي
стр. 1565
تكرار الحكم عند تكرر الشرط، كما هو القاعدة عندهم: قلنا: المسألة مختلف فيها، والأكثر على أنه لا يقتضيه لفظًا.
وقال الزمخشري: فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلنا: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملا للمحدثين وغيرهم: لهؤلاء على وجه الوجوب، ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا؛ لأن تناول الكلمة الواحدة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية.
وقال الطحاوي ﵀ قد يجوز أن يكون وضوءه ﷺ لكل صلاة على ما روى بريدة لإصابة الفضل، لا لأنه كان واجبا عليه. اهـ.
ويدل عليه ما رواه هو، وابن أبي شيبة من حديث أبي غطيف الهذلي، قال: صليت مع عبد الله بن عمر ﵄ الظهر فانصرف في مجلس في داره فانصرفت معه حتى إذا نودي بالعصر دعا بوضوء، فتوضأ، ثم خرج، وخرجت معه فصلى العصر ثم رجع إلى مجلسه، ورجعت معه، حتى إذا نودي بالمغرب دعا بوضوء، فتوضأ، فقلت: له أي شيء هذا يا أبا عبد الرحمن، الوضوء عندكم صلاة؟ فقال، وقد فطنت لهذا مني؟: ليست بسنة، إن كان لكافيا وضوئي لصلاة الصبح، صلواتي كلها ما لم أحدث، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات"، ففي ذلك رغبت، يا ابن أخي.
قال الجامع:
حديث ابن عمر هذا ضعفه العلماء لأن في سنده عبد الرحمن الإفريقي ضعيف، وأبا غطيف مجهول. انظر الترمذي مع شرحه جـ ١ ص ١٩٣.
стр. 1566
وقال الطحاوي: وقد روى أنس بن مالك ما يدل على ما ذكرنا، فأخرج حديث أنس المذكور في الباب، ثم قال: فهذا أنس قد علم حكم ما ذكرنا من فعل رسول الله ﷺ ، ولم ير ذلك فرضا. اهـ أي بل كان ذلك لإصابة الفضل، وإلا لما وسعه، ولا غيره أن يخالفوه.
وقال ابن شاهين: لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة والتابعين كانوا يعمدون الوضوء لكل صلاة إلا ابن عمر. وفيه نظر؛ لأنه روى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين: "كان الخلفاء
يتوضؤون لكل صلاة" وفي لفظ: "كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، يتوضؤون لكل صلاة".
وقال بعضهم: يمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ، ويكون الأمر في حق المحدثين على الوجوب، وفي حق غيرهم. للندب، لكن قد علمت أن هذا لا يصح لما تقدم من أنه يكون من باب الالغاز. ذكره العيني في شرح البخاري. اهـ. المنهل ج ٢ ص ١٦٣ - ١٦٥ بتغيير يسير.
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من مجموع ما تقدم أن المذهب القوي هو ما عليه الجمهور من أنه لا يجب الوضوء إلا من حدث، وأما التجديد من دون حدث فمن باب الاستحباب؛ لأن الوضوء عبادة
مطلوبة لتكفير الذنوب، ولا يختص ذلك بالمحدث فقط، لعموم الدليل كما تقدم في حديث عبد الله الصنابحي الباب ٨٥ حديث ١٠٣.
"تنبيه" حديث "الوضوء على الوضوء نور على نور" قال الحافظ المنذري: لا يحضرني له أصل من حديث النبي ﷺ ، ولعله من كلام بعض السلف اهـ. ترغيب ج ١ ص ٩٩. وقال الحافظ العراقي: لم أجد له أصلا اهـ وقال الحافظ: هو حديث ضعيف رواه رزين في مسنده. وقال السبكي لم أجد له إسنادًا. ذكره في تخريج أحاديث الإحياء ج ١ ص ٣٠٢.
стр. 1567
المسألة السادسة: قال الإمام النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا: ويستحب تجديد الوضوء، وهو أن يكون على طهارة، ثم يتطهر ثانيًا من غير حدث، وفي شرط استحباب التجديد أوجه:
أحدها: أنه يستحب لمن صلى به صلاة سواء أكانت فريضة أم نافلة.
الثاني: لا يستحب إلا لمن صلى فريضة.
الثالث: يستحب لمن فعل به ما لا يجوز إلا بطهارة كمس المصحف، وسجود التلاوة.
الرابع: يستحب، وإن لم يفعل به شيئا أصلا بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء زمن يقع بمثله تفريق، ولا يستحب تجديد الغسل على المذهب الصحيح المشهور، وحكى إمام الحرمين وجها أنه يستحب، وفي استحباب تجديد التيمم وجهان أشهرهما لا يستحب. اهـ كلام النووي. ج ٣ ص ١٧٧.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي استحباب تجديد الوضوء، وإن لم يفعل به شيئًا أصلا لإطلاق الدليل كما تقدم تحقيقه في حديث الصنابحي. والله أعلم.
المسألة السابعة: أنه قد وردت أحاديث في الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده:
منها حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما قال الحافظ المنذري: ولا علة له سوى وهم أبي بلال الأشعري. (١)
стр. 1568
ورواه ابن حبان في صحيحه من غير طريق أبي بلال، وقال في أوله: "سددوا وقاربوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة … " الحديث. ورواه ابن ماجه أيضا من حديث ليث وابن أبي سليم- عن مجاهد،
عن عبد الله بن عمرو.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك". رواه أحمد بإسناد حسن.
ومنها حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: "أصبح رسول الله ﷺ يوما فدعا بلالا، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ إنني دخلت البارحة الجنة، فسمعت خشخشتك (١) أمامي؟ " فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده. فقال رسول الله ﷺ : "بهذا". رواه الترمذي، وأحمد وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي. اهـ الترغيب والترهيب ج ١ص ٨٦ - ٨٧. بزيادة من تعليق الألباني.
١٣٢ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ فَقَالَ: "إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ".
стр. 1569
رجال الإسناد: خمسة
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي، أبو هاشم، طوسي الأصل، يلقب دَلُّوَيْه، وكان يغضب، ولقبه أحمد "شعبة الصغير" ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين وله ٨٦ سنة، أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وابن ماجه. وفي "تت": قال أبو إسحاق الأصفهاني: ليس على بسيط الأرض أحد أوثق من زياد بن أيوب. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. قال صاحب الزهرة: روى عنه البخاري حديثين.
٢ - (ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري، ثقة حافظ، من الثامنة، مات سنة ١٩٣، وهو ابن ٨٣. تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة: كيسان السختياني، بفتح المهلملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة ١٣١، وله ٦٥ سنة. تقدم في ٤٢/ ٤٨.
٤ - (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، بالتصغير، زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، ويقال أبو محمَّد التيمي المكي، كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا له. قال ابن سعد: ولاه ابن الزبير قضاء الطائف، وكان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: مكي تابعي ثقة. وقال ابن حبان في الثقات: أدرك ثمانين من الصحابة. وفي "ت" أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة، فقيه، من الثالثة. مات سنة -١١٧ - أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ترجمان القرآن ﵄ تقدم في ٢٧/ ٣١
стр. 1570
لطائف الإسناد
منها أنه من خماسيات المصنف.
ومنها أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم بصريون إلا زيادا فبغدادي، وابن أبي مليكة فمكي.
ومنها أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: أيوب، عن ابن أبي مليكة.
ومنها أن صحابيه هو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وقد تقدم غير مرة
ومنها أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄ (أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء) قال في المصباح: والخلاء بالمد مثل الفضاء، والخلاء أيضا: المتوضأ. اهـ. ومثله في (ق) لكن تعقبه الشارح بقوله: فيه نظر، فإن الخلاء في الأصل مصدر، ثم استعمل في المكان الخالي، ثم في المتخذ لقضاء الحاجة لا للوضوء. وقد مر الكلام فيه في الباب ١٨ - فانظره هناك (فقرب إليه) بتضعيف العين، والبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (طعام) بوزن كلام: اسم لما يؤكل. أفاده في المصباح. والمعنى أنهم قدموا إليه ﷺ شيئا مما يؤكل (فقالوا) له (ألا) هي هنا للعرض لأن من معانيها العرض والتحضيض، ومعناهما: طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث، وتختص ألا هذه بالفعلية نحو "ألا تحبون أن يغفر الله لكم" "ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم". انظر مغني اللبيب ج ١ ص ٦٦. (نأتيك بوضوء) بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به. قاله في المصباح (فقال) ﷺ لهم (إنما أمرت بالوضوء) بضم الواو لأنه اسم للفعل (إذا قمت إلى الصلاة) أي إنما أمرني الله تعالى بالوضوء عند إرادة القيام لأداء الصلاة.
стр. 1571
قال السندي رحمه الله تعالى: والظاهر أن المراد وضوء الصلاة، لا غسل اليدين، والمراد بالأمر أعم من أمر الوجوب والندب، والقصر إضافي، أي ما أمرت بالوضوء عند الطعام، لا أمر ندب، ولا أمر وجوب فلا يشكل الحديث بالوضوء لطواف، أو لمس مصحف. اهـ ج ١ ص ٨٥.
قال الجامع:
هذا الكلام في غاية من الحسن، وسيأتي الكلام في حكم الوضوء عند الطواف، ومس المصحف في محله، إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حدثنا ابن عباس صحيح.
المسألة الثانية: في بيان موضعه من هذا الكتاب: هذا الحديث ليس له ذكر في هذا الكتاب إلا في هذا الموضع.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول.
أخرجه (د ت): فأخرجه أبو داود في الأطعمة ١١ - عن مسدد.
وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع، كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄. أفاده في تحفة ج ٥ ص ٤٣.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث أن البول والغائط ونحوهما من نواقض الوضوء، وأن الإنسان لا يؤمر بالوضوء إلا عند إرادة الصلاة، وهذا هو الواضح من الحديث، كما قدمنا ولهذا أتى به المصنف في هذا الباب، وأخرجه أبو داود، والترمذي، في الأطعمة، استدلالا به على عدم مشروعية غسل اليدين قبل الطعام، وكأنهما حملا الوضوء على الوضوء اللغوي، ولكن الظاهر صنيع المصنف. والله أعلم.
وقد قدمنا تحقيق الخلاف في حكم الوضوء عند القيام للصلاة في الحديث السابق فارجع إليه. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
стр. 1572
١٣٣ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، قَالَ: "عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري، أبو قُدَامة السرخسي، نزيم نيسابور، ثقة مأمون سني، من العاشرة، مات سنة ٢٤١ تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد بن فروخ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة، التميمي، أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، من كبار التاسعة، مات سنة ١٩٨ وله ٧٨. تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الحجة المثبت الكوفي من -٧ - تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (علقمة بن مرثد) بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلثة، الحضرمي، أبو الحارث الكوفي قال أحمد: ثبت في الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. ووثقه النسائي، وابن حبان، ويعقوب بن سفيان، وقال خليفة: مات في آخر ولاية خالد القسري على العراق. وفي "ت" ثقة من السادسة. أخرج له الجماعة.
стр. 1573
٥ - (ابن بريدة) هو سليمان بن بريدة بن الحصيب، الأسلمي، المروزي قاضيها، وثقه ابن معين، وأبو حاتم. قال مسلم في الطبقة: مات هو وأخوه في يوم واحد، وولدا في يوم واحد. وفي "ت" ثقة من الثالثة، مات سنة ١٠٥، وله ٩٠ سنة (م ٤).
٦ - (بريدة) بن الحُصَيب، بمهملتين، مصغرًا، بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، أبو عبد الله، وقيل غير ذلك. أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد خيبر، وفتح مكة، واستعمله النبي ﷺ على صدقات قومه، وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو، فمات بها. روى عن النبي ﷺ . وعنه ابناه عبد الله، وسليمان، وعبد الله بن أوس الخزاعي، والشعبي، والمليح بن أسامة، وغيرهم. توفي سنة -٦٣ - أخرج له الجماعة.
لطائف الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين نيسابوري وهو شيخه، وبصري، وهو يحيى، وكوفي، وهو سفيان، ومروزيين: وهما سليمان وأبوه بريدة، فإنه مدني، ثم بصري، ثم مروزي. وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث
(عن ابن بريدة) سليمان (عن أبيه) بريدة بن الحصيب ﵁ (قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة) أي مفروضة، يعني طاهرا أو غير طاهر كما تقدم في حديث أنس (فلما كان يوم الفتح) "كان" هنا يحتمل أن تكون تامة "ويوم" فاعلها، أي فلما جاء يوم الفتح، ويحتمل أن تكون ناقصة واسمها محذوف أي فلما كان الزمن يوم الفتح. والمراد بيوم الفتح يوم فتح مكة المكرمة الذي حصل به أعظم فتوح الإسلام، وأعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه، واستبشر به أهل السماء، ودخل الناس في دين الله أفواجا وكان ذلك في السنة الثامنة
стр. 1574
من الهجرة، كما هو معروف في التواريخ والسير (صلى) رسول الله ﷺ (الصلوات) زاد الترمذي "كلها"، وعند أبي داود: "خمس صلوات"، وعندهما "ومسح على خفيه" (بوضوء واحد) على خلاف عادته الغالبة، فإنه كان يتوضأ لكل صلاة، كما تقدم في حديث أنس ﵁، ولذا استغرب عمر ﵁ هذا الفعل منه كما بينه قوله (فقال له عمر) بن الخطاب ﵁ (فعلت شيئا لم تكن تفعله) هو تأديته ﷺ الصلوات الخمس بوضوء واحد.
وقال السندي: أي لم تكن تعتاده، وإلا فقد ثبت أنه كان يفعله قبل ذلك أحيانا، وقد فعله بالصهباء أيام خيبر حين طلب الأزواد، فلم يوت إلا بالسويق. اهـ ج ١ ص ٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن عمر وضي الله عنه لم يشهد ذلك، أو نسيه فأطلق النفي. والله أعلم.
(قال) ﷺ (عمدا فعلته يا عمر) أي فعلت جمع الصلوات بوضوء واحد متعمدا لا ساهيا، لبيان الجواز.
قال السندي: لما كان وقوع غير المعتاد يحتمل أن يكون عن سهو دفع ذلك الاحتمال ليعلم أنه جائز له ولغيره. اهـ ج ١ ص ٨٦.
وقال القاري في شرح المشكاة: الضمير راجع للمذكور، وهو جمع
الصلوات الخمس بوضوء واحد، والمسح على الخفين، وعمدا تمييز، أو حال من الفاعل، فقدم اهتماما بشرعية المسألتين في الدين واختصاصهما ردًا لزعم من لا يرى المسح على الخفين. وفيه دليل على أن من يقدر أن يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا تكره صلاته، إلا أن يدافعه الأخبثان كذا ذكره الشراح. لكن رجوع الضمير إلى مجموع الأمرين يوهم أنه لم يكن يمسح على الخفين قبل الفتح، والحال أنه ليس كذلك، فالوجه أن يكون الضمير راجعا إلى الجمع فقط، أي جمع الصلوات بوضوء واحد. انتهى كلامه. اهـ تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٩٤.
стр. 1575
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة ﵁ أخرجه مسلم في صحيحه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه من هذا الكتاب: أخرجه المصنف هنا -١٠١/ ١٣٢ - وفي الكبرى -٨٩/ ١٣٤ - بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول.
أخرجه (م د ت ق) فأما مسلم فأخرجه في الطهارة ٢٥/ ١ عن محمَّد ابن عبد الله بن نمير، عن أبيه، و٢٥/ ١ عن محمَّد بن حاتم، عن يحيى ابن سعيد.
وأما أبو داود: فأخرجه في الطهارة ٦٦ عن مسدد، عن يحيى.
وأما الترمذي: فأخرجه في الطهارة أيضا -٥٥ - عن محمَّد بن بشار، عن ابن مهدي ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه رضي لله عنه.
وأما ابن ماجه: فأخرجه في الطهارة أيضا -٧٢/ ٣ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمَّد، كلاهما عن وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان نحوه. أفاده في التحفة ج ٢ ص ٦٩.
وأخرجه البيهقي والطحاوي قاله في المنهل ج ٢ ص ١٦٨.
المسألة الرابعة: ذكر أبو عيسى الترمذي في جامعه أنه وقع في هذا الحديث اختلاف، ودونك عبارته بزيادة من شرحه تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٩٤، ١٩٥:
قال: وروى هذا الحديث علي بن قادم، عن سفيان الثوري، وزاد فيه "توضأ مرة مرة"، قال: وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضا عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة" ورواه وكيع، عن سفيان، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.
стр. 1576
قال: ورواه عبد الرحمن بن مهدي، وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا أصح من حديث وكيع. أي هذا المرسل الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة بدون ذكر "عن أبيه" أصح من حديث وكيع الذي رواه عن سفيان، عن محارب مسندا بذكر "عن أبيه" ووجه كون المرسل أصح لأن رواته أكثر.
"تنبيه" اعلم أن سفيان روى هذا الحديث عن شيخين: علقمة بن مرثد، ومحارب بن دثار، واختلاف أصحاب سفيان في روايته مرسلا، ومسندا أنما هو في روايته عن محارب، لا في روايته عن علقمة، فإن أصحابه لا يختلفون في روايته عن علقمة في الإسناد والإرسال، بل كلهم متفقون في روايته مسندا. انتهى تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٩٥.
قال الجامع: رواية المصنف، ومسلم من طريق علقمة، فلا كلام فيها والله أعلم.
المسألة الخامسة: في فوائد هذا الحديث:
من فوائده: أنه يدل على جواز تأدية الصلوات المفروضة بوضوء واحد وعلى أنه ﷺ كان يواظب قبل هذا على الوضوء لكل صلاة، عملا بالأفضل، وعلى جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة الشرعية؛ لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنه، وقد تكون عمدا لمعنى خفي على المفضول فيستفيده، وعلى أنه ينبغي للمسئول إجابة السائل. أفاده في المنهل ج ٢ ص ١٦٨.
وأما اختلاف العلماء في حكم المسألة: فقد تقدم في المسائل التي في آخر حديث أنس ﵁ في أول الباب فارجع إليه. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1577
١٠٢ - بَابُ النَّضْحِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نضح المتوضئ فرجه بالماء، والنضح: بفتح فسكون: الرَّشّ: قال في المصباح: نضحت الثوب نضحا من باب ضرب ونفع، وهو البل بالماء والرش "وينضح من بول الغلام" أي يرش، ونضح الفرس: عَرقَ، ونضح العَرَق: خرج، وانتضح البول على الثوب: تَرَشَّشَ، ونضح البعيرُ الماء: حمله من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سمي ناضحا؛ لأنه ينضح العطش، أي يبله بالماء الذي يحمله هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير، وإن لم يحمل الماء، وفي حديث "أطعمه ناضحك" أي بعيرك، والجمع نواضح، "وفيما سقي بالنضح": أي بالماء الذي ينضحه الناضح، ونضحت القربةُ نضحًا من باب نفع: رشحت.
هذا كله بالحاء المهملة، وأما إذا كان بالخاء المعجمة فهو أبلغ منه.
قال في المصباح: نَضَخْت الثوب -يعني بالمعجمة- نضخًا من بابي ضرب ونفع: إذا بَلَلْتَهُ أكثر من النضح، فهو أبلغ منه، وغيث نضاخ: أي كثير غزير، وعين نضاخة: أي فوارة غزيرة. وقال الأصمعي: لا يتصرف فيه بفعل، ولا باسم فاعل. وقال أبو عبيد: أصابني نضخ من كذا، ولم يكن فيه فَعَل، ويَفعَل منسوب إلى أحد. اهـ.
وقال في اللسان: النضح يعني بضاد معجمة فحاء مهملة: الرش نضح عليه الماء ينضح نضحا إذا ضربه بشيء فأصابه منه رشاش. ونضح عليه الماءُ: ارتش وقال الأصمعي: نضحت عليه الماء نضحا، وأصابه نضح من كذا. وحكى الأزهري عن الليث: النضح -أي بالحاء المهملة -كالنضخ- أي بالمعجمة- ربما اتفقا، وربما اختلفا.
стр. 1578
ويقولون: النضح -بالمهملة- ما بقي له أثر كقولك: على ثوبه نضح دم والعين تنضح بالماء نضحا: إذا رأيتها تفور، وكذلك تنضخ -أي بالمعجمة- وقال أبو زيد: يقال: نَضَخَ عليه الماء ينضخ، فهو ناضخ، وقال الأصمعي: لا يقال من الخاء فعلت، إنما يقال: أصابه نضخ من كذا، وقال أبو الهيثم: قول أبي زيد أصح، والقرآن يدل عليه، قال الله تعالى: ﴿﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]، فهذا يشهد به. يقال: نضخ عليه الماء؛ لأن العين النضاخة هي الفعالة، ولا يقال لها: نضاخة حتى تكون ناضخة، قال ابن الفرج: سمعت جماعة من قيس يقولون: النضح والنضخ واحد، وقال أبو زيد: نضحته ونضخته بمعنى واحد، قال: وسمعت الغنوي يقول: النضح والنضخ، وهو فيما بَانَ أثره وما رَقَّ، بمعنى. قال: وقال الأصمعي: النضح الذي ليس بينه فُرَج، والنضخ أرق منه، وقال أبو ليلى: النضح، والنضخ ما رقّ، وثخن بمعنى واحد. اهـ لسان.
وقال المباركفوري: المراد بالنضح ها هنا أن يأخذ قليلا من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. وقد نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه، كذا في النهاية.
١٣٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ بِهَا هَكَذَا.
وَوَصَفَ شُعْبَةُ: نَضَحَ بِهِ فَرْجَهُ، فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ فَأَعْجَبَهُ.
стр. 1579
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ السُّنِّيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ ﵁.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري، بصري، يكنى أبا مسعود، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٨. س. تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد بن الحارث) بن عُبيد بن سُليم الهجيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة ١٨٦، ومولده سنة ١٢٠. تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام العلم البصري من -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب، بمثناة ثقيلة (١) ثم موحدة، الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من طبقة الأعمش، مات سنة ١٣٢. تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (مجاهد) بن جبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة مات سنة إحدى -أو اثنتين، أو ثلاث، أو أربع- ومائة، وله ٨٣ سنة (ع) تقدم في ٢٧/ ٣٠.
٦ - (الحكم) بن سفيان، وقيل: سفيان بن الحكم، قيل له صحبة، لكن في حديثه اضطراب (د س ق).
وفي تهذيب التهذيب: الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم، عن النبي ﷺ في نضح الفرج بعد الوضوء وعنه مجاهد، وقد اختلف عليه
стр. 1580
فيه: قيل: عنه عن الحكم، أو ابن الحكم عن أبيه. وقيل عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل: عن الحكم غير منسوب عن أبيه، وقيل: عن رجل من ثقيف، عن أبيه. هذه أربعة أقوال. وقيل: عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان من غير ذكر عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف يقال له: الحكم، أو أبو الحكم، وقيل: عن ابن الحكم، أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل: عن الحكم بن سفيان، أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن رجل من ثقيف، وهذه ستة أقوال ليس فيها عن أبيه.
قال البخاري: قال بعض ولد الحكم بن سفيان: انه لم يدرك النبي ﷺ . قال الحافظ: قلت: وقال الخلال عن ابن عيينة: الحكم ليست له صحبة. وكذا نقله الترمذي في العلل عن البخاري. وقال ابن أبي حاتم: في العلل عن أبيه: الصحيح الحكم بن سفيان، عن أبيه: وكذا قال الترمذي في العلل عن البخاري، والذهليُّ، عن ابن المديني، وصحح إبراهيم الحربي، وأبو زرعة، وغيرهما أن للحكم صحبة فالله أعلم، وفيه اضطراب كثير. اهـ تت ج ٢ ص ٤٢٦.
وقال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب ج ١ ع ٣١٨: الحكم بن سفيان الثقفي، ويقال: ابن الحكم- روى حديثه منصور عن مجاهد، فاختلف أصحاب منصور في اسمه، وهو معدود في أهل الحجاز، له حديث واحد في الوضوء مضطرب الإسناد، يقال: إنه لم يسمع من النبي ﷺ ، وسماعه منه عندي صحيح لأنه نقله الثقات، منهم الثوري، ولم يخالفه من هو في الحفظ، والإتقان مثله، قال ابن إسحاق هو الحكم ابن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب الثقفي. اهـ كلام ابن عبد البر.
وقال الحافظ في الإصابة ج ١ ص ٣٤٤: الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي،