← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15436–15475 · переход к 15441.

стр. 15436

وروي عن سعد، وابن مسعود، وابن عمر ﵃ أن البذر من العامل، ولعلّهم أرادوا أنه يجوز أن يكون من العامل، فيكون كقول عمر ﵁، ولا يكون قولاً ثالثًا. والدليل على صحّة ما ذكرنا قول ابن عمر ﵄: دفع رسول اللَّه ﷺ إلى يهود خيبر نخل خيبر، وأرضها، على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول اللَّه ﷺ شطر ثمرها، وفي لفظ: على أن يعملوها، ويزرعوها, ولهم شطر ما يَخرُج منها. أخرجهما البخاريّ. فجعل عملها من أموالهم، وزرعَهَا عليهم، ولم يذكر شيئًا آخر، وظاهره أن البذر من أهل خيبر، والأصل المعوّل عليه في المزارعة قصّة خيبر، ولم يذكر النبيّ ﷺ أن البذر على المسلمين، ولو كان شرطًا لما أخلّ بذكره، ولو فعله النبيّ ﷺ ، وأصحابه لنُقِل، ولم يجز الإخلال بنقله. ولأن عمر ﷺ فعل الأمرين جميعًا، فإن البخاريّ روى عنه أنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. فظاهر هذا أن ذلك اشتهر، فلم يُنكَر عليه، فكان إجماعًا. [فإن قلت]: فهذا بمنزلة بيعتين في بيعة، فكيف يفعله عمر ﵁؟. [قلنا]: يحتمل أنه قال ذلك ليُخيّرهم في أيّ العقدين شاؤوا، فمن اختار عقدًا عقده معه معيّنًا، كما لو قال في البيع: إن شئت بعتكه بعشرة صحاح، وإن شئت بأحد عشر مكسّرة، فاختار أحدهما، فعقد البيع معه عليه معيّنًا. ويجوز أن يكون مجيئه بالبذر، أو شروعه في العمل بغير بذر، مع إقرار عمر ﵁ له على ذلك، وعلمه به، جرى مجرى العقد، ولهذا رُوي عن أحمد صحّة الإجارة فيما إذا قال: إن خطته رُوميًّا، فلك درهم، وإن خطته فارسيًّا ذلك نصف درهم. قال: وما ذكره أصحابنا من القياس يُخالف ظاهر النصّ، والإجماع اللذين ذكرناهما، فكيف يُعمل به؟، ثم هو منتقضٌ بما إذا اشترك مالان، وبدن صاحب أحدهما. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي صحّحه ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- من جواز كون البذر من صاحب الأرض، أو العامل، هو الصواب، لظاهر حديث قصّة خيبر المتقدّم، كما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (وَلِلْمُزَارعِ رُبُعُ) بضمتين، وتسكن الثانية تخفيفًا (مَا يُخْرِجُ) بضمّ أوله مبنيًّا للفاعل من الإخراج رباعيّا (اللَّهُ مِنْهَا).

стр. 15437

وحاصل معنى كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: هذه كيفيّة كتابة المزارعة التي شُرط فيها أن يكون البذر والنفقة على صاحب الأرض، وما يستحقّه المزارع عند إنتهاء عمله في تلك الأرض أن يأخذ ربع ما أخرج اللَّه تعالى من تلك الأرض، وثلاثة أرباع الخارج يكون لصاحب الأرض. ثم ذكر -رحمه اللَّه تعالى- نصّ الكتابة، فقال: (هَذَا) مشيرًا إلى ما كُتِبَ من العقد (كِتَابٌ) أي مكتوب من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول (كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) المراد به المزارع، ونسبه إلى جدّه ليتميّز عَمَّن يوافقه في اسمه، واسم أبيه. وفي بعض النسخ إسقاط لفظة "ابن فلان" (فِي صِحَّةِ مِنْهُ) أي كتبه في حال صحّة جسمه، لا في مرضه (وَجَوَازِ أَمْر) وفي بعض النسخ: "وصحة أمره" بالضمير، أي وفي حال كون أمره نافذًا في أمواله كلّه، واحترز بذلك عن أن يكون صبيًّا، أو مريضاً (لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) المراد به صاحب الأرض (إِنَّكَ دَفَعْتَ إِلَيَّ، جَمِيعَ أَرْضِكَ الَّتِى بِمَوْضِعِ كَذَا، فِي مَدِينَةِ كَذَا، مُزَارَعَةً) منصوب على أنه مفعول من أجله، أي لأجل التعامل بالزراعة (وَهِيَ الأَرْضُ الَّتِى تُعرَفُ بِكَذَا) أي مسمّيًا لها باسمها الذي تُعرف به لئلا تلتبس بغيرها من أراضيه، فيقع النزاع بينهما (وَتجْمَعُهَا حُدُود أَرْبَعَةٌ، يُحِيطُ بِهَا كُلِّهَا) بالجرّ تأكيدٌ للضمير المجرور (وَأَحَدُ تِلْكَ الحُدُودِ بِأَسْرِه) بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة-: أي جميعه (لَزِيقُ كَذَا) أي متّصل بكذا من المكان (وَالثَّاني) أي لزيق كذا أيضًا (وَالثَّالِثُ) أي لزيق كذَا (وَالرَّابعُ) أي لزيق كذا أيضًا (دَفَعْتَ) بالبناء للفاعل، والتاء ضمير المخاطب، وهو صاحب الأرض (إِلَيَّ جَمِيعَ أَرْضِكَ هَذِهِ، الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَاب، بِحُدُودِهَا) متعلقة بـ "المحدودة" (المُحِيطَةِ بِهَا) بالجرّ صفة "حدودها" (وَجَمِيعِ حُقُوقِهَا) أيَ كلّ ما تستحقه من المرافق، وهي التي بَيَّنَهَا بما عطفه عطفَ مفصّل على مجملِ بقوله (وَشِرْبِهَا) بكسر المعجمة، وسكون الراء: هو النصيب من الماء (وَأَنْهَارِهَا) جمع نَهر بفتحتين، مثلُ سبب وأسباب، ويقال: النفي -بفتح، فسكون- فيُجمع على نُهُرٍ بضمتين، وأَنهُر، وهو الماء الجاريّ المتّسع (وَسَوَاقِيهَا) جمع ساقية: وهو النهر الصغير (أَرْضًا بَيْضَاءَ) قال ابن منظور: وأرضٌ بيضاء: مَلْساء، لا نبات فيها، كأن النبات كان يسوّدها. وقيل: هي التي لم توطأ. ولْال أيضًا: البيضاء الخراب من الأرض؛ لأنه يكون أبيض، لا غرس فيه، ولا زرع. انتهى. فيكون قوله (فَارِغَةٌ، لَا شَيْءَ فِيهَا، مِنْ غَرْسٍ، وَلَا زَرْعٍ) مفسرًا لمعنى قوله: أرضا بيضاء (سَنَةً تَامَّةً، أَوَّلُهَا مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا) مُسْتَهَلُّ الشهر بَضم الميم، بصيغة اسم المفعول: أوله، يقال: أُهِلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه، واستُهِلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يُجيز بناءه للفاعل، وهَلَّ، من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر. قاله الفيّوميّ (مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَآخِرُهَا

стр. 15438

انْسِلَاخُ شَهْرِ كَذا) أي انتهاؤه، وسَلْخُ الشهرِ: آخره (مِنْ سَنَةِ كَذَا، عَلَى أَنَّ أَزرَعَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَرْضِ الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الكِتَابِ) أي التي ذُكرت حدودها في كتاب العقد (الْمَوْصُوفِ) بالجر صفة بعد صفة للأرض (مَوْضِعُهَا) بالرفع على أنه نائب فاعل للموصوف (فِيهِ) متعلق بالموصوف (هَذِهِ السَّنَةَ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ "أزرِع" (المُؤَقَّتَةَ فِيهَا، مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ، وَبَدَا لِي) أي ظهر، وتيسّر لي (أَنْ أزرَعَ فِيهَا، مِنْ حِنْطَةِ، وَشَعِير، وَسَمَاسِمَ) جمع سِمْسِم بكسر المهملتين، وسمون الميم بينهما: حبٌّ معروف (وَأُرْزٍ) فيه لغات: أحدها: أُرْزٌّ كقُفْل، والثانية: أُرُزٌ بضمّ الراء أيضًا للإتباع، مثلُ عُسْرٍ وعُسُرٍ. والثالثة: ضم الهمزة والراء، وتشديد الزاي. والرابعة: فتح الهمزة، مع التشديد. والخامسة: رُزٌّ من غير همز، وزانُ قُفْل. قاله الفيّوميّ (وَأَقطَانٍ) بفتح الهمزة، جمع قُطن، مثل قفل وأقفال، ويقال فيه القُطُن بضمتين، وتخفيف النون، والْقُطُنّ بتشديد النون أيضًا (وَرِطَابٍ) بكسر الراء: جمع رَطبَة، مثل كَلْبة وكِلاب، والرَّطبَةُ: القَضْبَة خاصّة (وَبَاقِلَّا) وزان فَاعَلا، يُشدَّد، فيُقصرُ، وُيخفَّفُ، فيُمدّ، والواحدة: باقلّاة بالوجهين (وَحِمَّصِ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم، مكسورة أيضًا عند البصريين، ومفتوحة عند الكوفيين: حبٌّ؛ معروف. قاله الفيّوميّ (وَلُوبْيَا) بضمّ اللام، وكسر الموحّدة، بينهما واو ساكنة، وقبل الألف ياء تحتانيّة، يمدّ، وُيقصر، مذكّرٌ: نبات معروفٌ (وَعَدَسٍ) بفتحتين، واحدته عَدَسَةٌ: حبّ معروف (وَمَقَاثِي) بفتح الميم: جمع مَقثَأَة: أي محلّ قثّاء، قال في "القاموس": القِثّاء بالكسر، والضمّ: معروف، أو الخيار، وأقثَأَ المكانُ: كثُر به، وأقثأ القومُ كثُر عندهم، والْمَقْثَأَة، وتُضم ثاؤه: موضعه. انتهى (وَمَبَاطِيخَ) جمع مَبْطَخَة: موضع البِطِّيخ، قال في "القاموس": الْبِطِّيخُ -بالكسر- من اليَقْطين الذي لا يعلو، ولكن يذهب على وجه الأرض، واحدته بهاء، والْمَبْطَخَةُ، وتُضمّ الطاء: موضعه. انتهى (وَجَزَرٍ) بفتحتين، قال في "القاموس": الجَزَر بالتحريك: أُرُومة (١) تُؤكلُ، معرَّبة، وتُكسر الجيم، واحدتها بالهاء. انتهى (وَشَلْجَمٍ) قال ابن منظور: قال الجوهريّ: الشَّلْجَم -بفتح، فسكون-: نبت معروف، قال الراجز: تَسألُنِي بِرَامَتَيْنِ شَلْجَمَا … لَوْ أَنَّهَا تَطْلُبُ شَيْئًا أَمَمَا وقال في "التهذيب": المأكول يقال له: سَلْجَم- بالمهملة- ولا يقال له: شَلْجَم بالشين المعجمة-، ولا ثَلْجم -بالثاء المثلّة- وأنشد ابن بَريٍّ لأبي الزحف: هَذَا وَرَبِّ الرَّقِصَاتِ الرُّسَّمِ … شِعْرِي وَلَا أُحْسِنُ أَكلَ السَّلْجَمِ

стр. 15439

قال: ومنهم من يتكلّم به بالشين المعجمة، وُيروَى الرجزُ بالسين والشين، قال: والصواب بالسين المهملة. وقال أبو حنيفة -يعني الدَّينوريّ-: السَّلْجَم معرّبٌ، وأصله بالشين، والعرب لا تتكلّم به إلا بالسين، قال: وكذا ذكره سيبويه. انتهى (١). (وَفُجْلٍ) بضمّ، فسكون، وزان قُقل: بَقلَةٌ معروفة. وعن ابن دُريد: ليس بعربيّ صحيح، قال: وأحسب اشتقاقه من فَجِلَ فَجَلًا، من باب تَعِب: إذا غَلُظ، واسترخى. قاله الفيّوميّ (وَبَصَلٍ) بفتحتين: معرف، الواحدة: بَصَلَةٌ، مثلُ قَصَب وقَصَبَة (وَثُومٍ) بالضمّ، واحدته ثُومة. قال في "القاموس": الثوم: بُستانيّ، وبَري، وُيعرف بثوم الحية، وهو أقوى، وكلاهما مُسخِّنٌ مُخرِجٌ للنفْخِ، والدّود، مُدرّ جدًّا، وهذا أفضل ما فيه، جيّدٌ للنسيان، والرَّبْوِ، والسُّعال المزمِن، والطِّحال، والخاصرة، والقَولَنْج، وعِرْقِ النَّسَا، ووجع الوَرِكِ، والنّقْرِسِ، ولَسْعِ الهوَامّ، والحيّات، والعقارب، والْكلْب الْكَلِب، والعطش الْبَلْغَميّ، وتقطير البولَ، وتصفية الحلق، بَاهِيّ جَذّاب، ومشويّهُ لوجع الأسنان المتأكِّلَة، حافظٌ صحّةَ المَبْرُودين، والمشايخ، ردِيء للبواسير والزَّحِير، والخنازير، وأصحاب الدّقّ، والْحَبَالَى، والمرضعات، والَصُّداع، إصلاحُهُ: سَلْقُهُ بماء ومِلْح، وتطجينه بدهن لَوْز، وإتباعه بمصذ رُمانةٍ مُرّةٍ. انتهى. (وَبُقُولِ) بالضمّ: جمع بَقْل بفتح، فسكون: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض. قاله ابن فارس (٢)، فيكون عطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ (وَرَيَاحِينَ) بفتح الراء: جمع رَيحان: نبتٌ طيّب الرائحة، أو كلُّ نبت كذلك، أو أطرافه، أو ورقه. قاله في "القاموس"، والمعنى الأول، والثاني هو المناسب هنا (وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ جمَيعِ الْغَلَّاتِ) بتشديد اللام: جمع غَلّة، وهي كلُّ شيء يحصلُ من رَيْعِ الأَرض، أو أجرتها، ونحو ذلك. قاله الفيّوميّ. والمعنى الأول هو المناسب هنا (شِتَاءً وَصَيْفًا) منصوبان على الظرفيّة، متعلّقان بـ "أزرع" المتقدِّم (ببُزُورِكَ، وَبَذْرِكَ) الجار والمجرور متعلّق بـ " أزرع" أيضًا. و"البزور" بالضم جمع بِزر بكَسر، فسكون، وتفتح الباء، قال الفيّوميّ: بِزْرُ البَقْلِ ونحوه بالكسر، والفتح لغة فيه، قال ابن السّكّيت: ولا تقوله الفصحاء إلا بالكسر، فهو أفصح. قال: قال بعضهم: البذر في الحبوب، كالحنطة والشعير، والبِزْرُ في الرياحين، والبقول، وهذا هو المشهور في الاستعمال. ونُقل عن الخليل: كلّ حبّ يُبذر، فهو بَذرٌ، وبِزْرٌ. انتهى. وفي "القاموس": البَزرُ -بالفتح، ويُكسر-: كلُّ حبّ يُبزر للنبات، جمعه بُزور. و"البَذْرُ": هو ما عُزل للزراعة من الحبوب. انتهى.

стр. 15440

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويتحصّل مما ذُكر أن البزر والبذر بمعنى واحد، أو البذر بالذال لما يؤكل، كالحنطة والشعير، والبزر بالزاي لما لا يؤكل، كالرياحين. واللَّه تعالى أعلم. (وَجَمِيعُهُ) أي ما ذُكر مما يُزرع في تلك الأرض (عَلَيْكَ دُونِي، عَلَى أَنْ أَتَوَلَّى ذَلِكَ بِيَدِي، وَبِمَنْ أَرَدْتُ مِنْ أَعْوَانِي، وَأُجَرَائِي) بضمّ الهمزة: جمع أَجير بفتحها (وَبَقَرِي، وَأَدَوَاتِي) وفي بعض النسخ: "وأداتي" بالإفراد" (وآتي) هكذا في النسخة الهندية، وعليها يكون فعلا مضارعًا لأتى، يقال: أَتَى الأمرَ: فَعَلَهُ. قاله في "القاموس". ووقع في النسخ المطبوعة "وإلى" بلفظ "إلى" الجارة، ولا يظهر لي معناه، ولعله من التصحيفات. (زِرَاعَةَ ذَلِكَ، وَعِمَارَتَهُ) بالكسر: أي تعميره (وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ نَمَاؤُهُ، وَمَصْلَحَتُهُ، وَكِرَابَ أَرْضِهِ) بكسر الكاف، يقال: كربتُ الأرضَ، من باب قتل كِرابًا بالكسر: قلبتها للحرث (وَتَنقِيَةَ حَشِيشِهَا) والحشيش: اليابس من النبات، فعيل بمعنى فاعل. وقال الفارابيّ: الحشيش: اليابس من الكلأ، قالوا: ولا يقال للرَّطْب حَشيش. قاله في "المصباح". ومعنى تنقية الحشيش إزالتها من الأرض، حتى تكون صالحة للزراعة (وَسَقْيَ مَا يُحْتَاجُ) بالبناء للمفعول (إِلَى سَقيهِ، مِمَّا زُرِعَ) بالبناء للمفعول أيضًا (وَتَسْمِيدَ مَا يُحْتَاجُ إِلَى تَسْمِيدِهِ) أي إصلاحه، يقالَ: سَمَّدتُ الأرض تسميدًا: أصلحتها بالسَّمَاد، وهو بوزن سَلام: ما يُصلح به الزرع، من تُراب، وسِرْجين. قاله الفيّوميّ (وَحَفْرَ سَوَاقِيهِ وَأَنْهارِهِ، وَاجْتِنَاءَ مَا يُجْتَنَى مِنْهُ) أي اقتطاف ما كان صالحاً لاقتطافه من الثمار (وَالْقِيَامَ بحَصَادِ مَا يُحْصَدُ مِنْهُ، وَجَمْعِهِ) أي في بَيْدره، وهو الموضع الذي تُداس فيه الحبوب (وَدِيَاسَةِ مَا يُدَاسُ مِنْهُ) قال الفيّوميّ: دارس الرجلُ الحنطةَ يدوسها دَوْسًا، ودِياسًا، مثل الدِّراس، من كلام العرب، ومنهم من يقول: هو مجاز، وكأنه مأخوذ من داس الأرضَ دَوسًا: إذا شدّد وطأه عليها بقدمه. انتهى (وَتَذْرِيَتِهِ) أي تنقيته من التبن، يقال: ذرّيتُ الطعام تذريةً: إذا خلّصته من تبنه. وذَرَتِ الريحُ الشيءَ بالتخفيف تَذرُوه ذَرْوًا: نَسَفته، وفرّقته (بنَفَقَتِكَ) متعلق ب "آتي" المتقدم (عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ دُونِي) يعني أن النفقة على ما ذكر يكون علَى صاحب الأرض، لا على المزارع، وإنما هو عليه العمل فقط، كما بيّنه بقوله (وَأَعْمَلَ فِيهِ كُلِّهِ بِيَدِي، وَأَعوَاني دُونَكَ، عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُخْرِجُ اللَّه ، من ذَلِكَ كُلِّهِ، فِي هَذِهِ المُدّةِ الْمَوْصُوفَةِ، في هَذَا الْكِتَاب مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَلَكَ) أعاد الجارّ والمجرور تأكيدًا؛ لطول الفصل، وقوله (ثَلَاَثةَ أَرْبَاعِهِ) بالنصب اسم "أن" (بِحَظِّ أَرْضِكَ) أي هذا بسبب نصيب أرضك، أي بأجرتها (وَشِرْبِكَ) بكسر الشين، وسكون الراء: النصيب من الماء (وَبَذْرِكَ، وَنَفَقَاتِكَ، وَلِى الرُّبُعُ البَاقِي مِنْ جمَيعِ ذَلِكَ،

стр. 15441

بِزِرَاعَتِي، وَعَمَلِي, وَقِيَامِي، عَلَى ذَلِكَ بِيَدِي، وَأَعْوَانِي، وَدَفَعْتَ إِلَيَّ جَمِيعَ أَرْضِكَ، هَذِهِ الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِجَمِيعِ حُقُوقِهَا، وَمَرَافِقِهَا، وَقَبَضْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْكَ, يَوْمَ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا, مِنْ سَنَةِ كَذَا، فَصَارَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي يَدِي، لَكَ لَا مِلْكَ لِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِبَةَ) بفتح الطاء المهملة، وكسر اللام: بمعنى الطّلَب، قال الفيّوميّ: الطلاب، مثل كتاب: ما تطلبه من غيرك، وهو مصدر في الأصل، تقول: طالبته مطالبة، وطِلَابًا، من باب قاتل، والطَّلِبَةُ وزانُ كَلِمة، والجمع طَلِبات مثله. انتهى (إِلاَّ هَذِهِ المُزَارَعَةَ الْمَوْصُوفَةَ، فِي هَذَا الكِتَاب) يعني أنه لا حقّ له في المطالبة إلا ما يتعلّق بحقوق المزارعة التي وصفها في كتابةَ العقد (فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُسَمَّاةِ فِيهِ، فَإِذَا انْقَضَتْ, فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إِلَيْكَ، وَإِلَى يَدِكَ، وَلَكَ أَنْ تُخْرِجَنِي بَعْدَ انْقِضَائِهَا مِنْهَا، وَتُخْرِجَهَا مِنْ يَدِي، وَيَدِ كُلِّ مَنْ صَارَتْ لَهُ فِيهَا يَدٌ بِسَبَبِي) يعني أعوانه الذين ذكر قبل هذا أنه يستعين بهم، من الأعوان، والأُجراء (أَقَرَّ فُلَاَنٌ) أي المزارع (وَفُلَانٌ) أي صاحب الأرض (وَكُتِبَ) بالبناء ليمفعول (هَذَا الْكِتَابُ نُسْختَينِ) أي كتابين، يقال: كتاب منسوخ، ومُنتسخٌ: منقول، والنسخة الكتاب المنقول، والجمع نُسَخٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، وكتب القاضي نسختين بحكمه: أي كتابين. قاله الفيّوميّ. فقوله: "وكتب هذا الكتاب نُسخين" يحتمل أن يكون إخبارًا، فيكون من تتمة كتابة العقد، ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى الإنشاء، فكأنه قال: وليُكتب هذا الكتاب نسختين، فيكون من كلام المصنّف، والأول أقرب، وإنما يكتب كذلك؛ ليكون عند كلّ من صاحب الأرض، والمزارع نسخة منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ الأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما حدّث بما يدلّ على أن المزارعة كانت في عهد النبيّ ﷺ على جزء مشاع، مشترك بين المتعاقدين، وهو ما دلّ عليه حديثه الأول، والثاني، فان في الأول أنه ﷺ دفع خيبر إلى يهود على أنَّ له نصف ما يخرج منها، وفي الثاني أنه دفعها لهم على أن له نصف

стр. 15442

ثمرتها، والثاني مفسّر للأول؛ لأن ما يخرج منها هو الثمر. ثم أخبر ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بأن المزارع كانت تكرى على عهد رسول اللَّه ﷺ على شرط مجهول، وذلك أن يكون لصاحب الأرض ما ينبت على الربيع، وهو النهر الصغير, وعلى طائفة من التبن. وهذا يخالف قصَّة خيبر، فإنها كانت أجرتها معلومة لا تؤذي إلى تفضيل أحدهما على الآخر، بخلاف هذا، فإنه مما يؤدّي إلى النزاع، وهو الذي كان سبباً للنهي عن المزارعة، كما سبق في حديث زيد بن ثابت ﵁، فإنه ﷺ لَمّا جاءه الرجلان، وقد اقتتلا، قال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع ". لكن هذا يمكن توجيهه بأن يقال: حديث ابن عمر الأخير كان قبل النهي، بدليل الأحاديث الأخرى، كحديث زيد ﵁ المذكور، وغيره، فتكون أحاديث الإباحة متأخّرة عن أحاديث النهي، كما تقدّم بيان ذلك، مستوفي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٩٥٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: الأَرْضُ عِنْدِي مِثْلُ مَالِ الْمُضَارَبَةِ, فَمَا صَلُحَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ, صَلُحَ فِي الأَرْضِ, وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ, لَمْ يَصْلُحْ فِي الأَرْضِ, قَالَ: وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ إِلَى الأَكَّارِ, عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِنَفْسِهِ, وَوَلَدِهِ, وَأَعْوَانِهِ, وَبَقَرِهِ, وَلَا يُنْفِقَ شَيْئًا, وَتَكُونَ النَّفَقَةُ كُلُّهَا مِنْ رَبِّ الأَرْضِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عمرو بن زُرارة) أبو محمد الكلابيّ النيسابوريّ، ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨. ٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم ابن عُليّة البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (ابن عون) هو عبد اللَّه بن عون، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٢٩/ ٣٣. ٤ - (محمد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. واللَّه تعالى أعلم. شرح الأثر عن عبد اللَّه بن عون أنه (قال: كَانَ مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ الإمام المشهور -رحمه اللَّه تعالى- (يَقُولُ: الأَرْضُ) المراد الأرض التي تدفع لمن يعمل فيها مزارعة (عِنْدِي مِثْلُ مَالِ المُضَارَيَةِ) هي في اللغة مفاعلة من الضرب، وهو السير في الأرض للتجارة، وشرعًا دفع مال لمن يتّجر فيه، فيكون له سهم معلوم من الربح. أفاده في "النهاية" (فَمَا صَلُحَ) بفتح اللام، من باب قعد، وصلاحًا أيضًا، وصَلُح بضم اللام لغة،

стр. 15443

وصلَح يصلَح بفتح اللام فيهما لغة ثالثة: وهو خلاف فسد (فِي مَالِ المضَارَبَةِ، صَلُحَ فِي الأَرْضِ) يعني أن المال الذي يصلح لعقد المضاربة يصلح أيضًا لعقد المزارعة، فيجوز أن يكون كراء للمزارع. ويحتمل أن يكون المعنى أن شروط المزارعة كشروط المضاربة، فما يصلح لأن يكون شرطًا في المضاربة صلح أن يكون شرطًا في المزارعة. واللَّه تعالى أعلم. (وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِي مَالِ المُضَارَبَةِ، لَمْ يَصلُحْ فِي الأَرْضِ) بأن يكون مجهولاً، كأن يقول: لك جزء من الربح، ولم يعينه (قَالَ) ابن عون (وَكَانَ) محمد بن سيرين (لَا يَرَى بَأسًا أَنَّ يَدْفَعَ أَرْضَهُ إِلَى الأَكَّضارِ) أي الحراث، وهو بفتح الهمزة، وتشديد الكاف، صيغة مبالغة، من الأَكْر، وهو الحرث، والجمع أَكَرَةٌ بوزن كفَرَة، يقال: أرت الأرضَ أَكْرًا، من باب ضرب: حَرَثتها. أفاده الفيّوميّ (عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَعْوَانِهِ، وَبَقَرِهِ، وَلَا يُنْفِقَ شَيْئًا، وَتَكُونَ النَّفَقَةُ كُلُّهَا مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ) وهذا هو الذي تقدّم للمصنّف في صفة كتابة عقد المزارعة. وما قاله ابن سيرين -رحمه اللَّه تعالى- قد قاله كثير من التابعين، وقد نقل البخاريّ في "صحيحه"، جملة من القائلين بذلك، فقال -رحمه اللَّه تعالى-: "باب المزارعة بالشطر، ونحوه": وقال قيس بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرةٍ، إلا يزرعون على الثلث والربع. وزارع عليّ، وسعد بن مالك، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل عليّ، وابن سيرين. وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع. وعامل عمرُ الناسَ على إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما، فينفقان جميعًا، فما خرج فهو بينهما. ورأى ذلك الزهري. وقال الحسن: لا بأس أن يُجتنَى القطن على النصف. وقال إبراهيم، وابن سيرين، وعطاء، والحكم، والزهري، وقتادة: لا بأس أن يُعطِي الثوبَ بالثلث، أو الربع، ونحوه. وقال معمر: لا بأس أن تكون الماشية على الثلث، والربع إلى أجل مسمى. انتهى (١). وقال الحافظ عند ذكر أثر عمر ﵁: في إيراد البخاريّ هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة، والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه للشافعيّة، والوجه الآخر أنهما مختلفان، فالمزارعة في الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من

стр. 15444

المالك، والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل، وقد أجازهما أحمد في رواية, ومن الشافعيّة ابن خُزيمة، وابن المنذر، والخطّابيّ، وقال ابن سُريج لجواز المزارعة، وسكت عن المخابرة، وعكسه الجوريّ من الشافعيّة، وهو المشهور عن أحمد. وقال الباقون: لا يجوز واحد منهما، وحملوا الآثار الواردة في ذلك على المساقاة. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الأرجح هو ما عليه الأولون، من جواز المزارعة مطلقًا، سواء كان البذر من صاحب الأرض، أو من العامل؛ لحديث قصَّة خيبر المتّفق عليه، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وأثر ابن سيرين -رحمه اللَّه تعالى- هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا ٣/ ٣٩٥٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, ﵄, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ, نَخْلَ خَيْبَرَ, وَأَرْضَهَا, عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ, وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (محمد بن عبد الرحمن) بن غَنَج -بفتح الغين المعجمة، والنون، بعدها جيم- ويقال: ابن يزيد بن غَنَج المدنيّ، نزيل مصر، مقبول [٧]. قال الميمونيّ، عن أحمد: شيخٌ مُقارب الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا أعلم أحدًا روى عنه إلا الليث. وقال أبو داود: ابن غَنَج رجل من أهل المدينة كان بمصر، روى عنه الليث نحو ستّين حديثًا. وقال ابن حبّان في "الثقات": حدّث عن نافع بنسخة مستقيمة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب، وله عند المصنّف حديث آخر،-٥٧/ ٤٦٠٧ - حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أنهم كانوا يبتاعون على عهد رسول اللَّه ﷺ في أعلى السوق جزافًا، فنهاهم … " الحديث.

стр. 15445

٤ - (نافع) العدويّ، مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه فبلغلانيّ، والليث، فمصريّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ، دَفَعَ إِلَى يهُودِ خَيْبَرَ، نَخلَ خَيبَرَ، وَأَرْضَهَا) أي بعد أن فتحها سنة سبع من الهجرة (عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) قال القرطبيّ: يعني به النفقة فيما تحتاج الثمرة إليه، من نفقة الأُجراء، والدّواب، والعلوفة، والآلات، والأجرفي العزاف، والجداد، وغير ذلك مما يذهب بذهاب المساقاة، وأما ما يبقى بعدها، كبناء حائط، أو حفر بئر، أو نحوه، فلا يلزم العامل. انتهى (١) (وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) أي نصفه، فشطر كلّ شيء: نصفه. قاله الفيّوميّ. وفيه بيان الجزء المزارع عليه، من نصف، أو ربع، أو غيرهما من الأجزاء المعلومة، فلا تجوز على مجهول، كقوله: على أن لك بعض ما يخرج منها، واتفق المجوّزون للمزارعة أنها تجوز بما اتّفق عليه المتعاقدان، من قليل، أو كثير. والحديث مختصر، وقد ساقه الشيخان بطوله، ولفظ البخاريّ: من طريق عبيد اللَّه ابن عمر، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر ﵄، أخبره: أن النبيّ- ﷺ ، عامل خيبر بشطر ما يخرج منها، من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه، مائة وسق ثمانون وسق تمر، وعشرون وسق شعير، فقسم عمر خيبر، فخَيَّر أزواج النبي ﷺ ، أن يُقْطِعَ لهنّ من الماء والأرض، أو يُمضِيَ لهن، فمنهن من اختار الأرض، ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة اختارت الأرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 15446

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٩٥٦ و ٣٩٥٧ و ٣٩٥٨ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٣ و ٤٦٦٤. وأخرجه (خ) في "الإجارة" ٢٢٨٦ و"المزارعة" ٢٣٢٨ و ٢٣٢٩ و ٢٣٣١ و ٢٣٣٨ و"الشركة" ٢٤٩٩ و"الشروط" ٢٧٢٠ و"فرض الخمس" ٣١٥٢ و"المغازي" ٤٢٤٨ (م) في "المساقاة" ١٥٥١ (د) في "الخراج" ٣٠٠٨ و"البيوع" ٣٤٠٨ و ٣٤٠٩ (ت) في "الأحكام" ١٣٨٣ (ق) في "الأحكام" ٢٤٦٧ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٦٤٩ و ٤٧١٨ و ٤٩٢٧ (الدارمي) في "البيوع" ٢٦١٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): جواز المزارعة، قال في "الفتح": هذا الحديث عمدة من أجاز المزارعة، والمخابرة؛ لتقرير النبيّ ﷺ لذلك، واستمراره على عهد أبي بكر ﵁ إلى أن أجلاهم عمر ﵁. انتهى. (ومنها): جواز المساقاة في النخل، والكرْم، وجميع الشجر الذي من شأنه أن يُثمر بجزء معلوم، يُجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور، وخصّه الشافعيّ في الجديد بالنخل والكرم، وألحق المقل بالنخل لشبهه به، وخصّه داود بالنخل. وقال أبو حنيفة، وزفر: لا يجوز بحال؛ لأنها إجارة بثمرة معدومة، أو مجهولة. وأجاب من جوّزه بأنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه، فهو كالمضاربة؛ لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدوم، ومجهول، وقد صح عقد الإجارة، مع أن المنافع معدومة، فكذلك هنا، وأيضًا فالقياس في إبطال نصّ، أو إجماع مردود. وأجاب بعضهم عن قصّة خيبر بأنها فُتحت صُلحًا، وأُقِرّوا على أن الأرض ملكهم بشرط أن يُعطوا نصف الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية، فلا يدلّ على جواز المساقاة. وتُعُقب بأن معظم خيبر فتح عنوة، وبأن كثيرًا منها قُسم بين الغانمين، وبأن عمر ﵁ أجلاهم منها، فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها. (ومنها): أنه استدلّ به من أجاز المساقاة في جميع الثمار، وهو المذهب الراجح؛ لأن في بعض طرقه: "بشطر ما يخرُج منها من نخل، وشجر"، وفي رواية حماد بن سلمة، عن عبيد اللَّه بن عمر في حديث الباب: "على أن لهم الشطر من كلّ زرع، ونخل، وشجر"، وهو عند البيهقيّ من هذا الوجه.

стр. 15447

(ومنها): أن قوله: "بشطر ما يخرج" يدلّ على أنه لا تجوز المزارعة، والمساقاة، إلا على جزء معلوم، لا مجهول. (ومنها): أنه يدلّ على جواز كون البذر، من أحد المتعاقدين، إما صاحب الأرض، أو العامل؛ لعدم تقييده بشيء من ذلك في هذا النص. واحتجّ من منع كونه من العامل بأن العامل حينئذ كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئةً، وهو لا يجوز. وأُجيب بأنه مستثنىً من النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئةً، جمعًا بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما. (ومنها): أنه يدلّ على جواز دفع النخل مساقاة، والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون للمالك أن يُخرج العامل متى شاء، وعلى ذلك ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال: ١٧ - (باب إذا قال ربّ الأرض: أُقرّك ما أقرّك اللَّه، ولم يذكر أجلاً معلومًا، فهما على تراضيهما"، ثم أخرج بسنده من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵄، أجلى اليهود والنصارى، من أرض الحجاز، وكان رسول اللَّه ﷺ ، لَمّا ظهر على خيبر، أراد أخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها, للَّه ولرسوله ﷺ ، وللمسلمين، وأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول اللَّه ﷺ ؛ ليُقِرَّهم بها، أن يَكْفُوا عملها, ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "نُقِرُّكم بها على ذلك، ما شئنا"، فَقَرَّوا بها، حتى أجلاهم عمر، إلى تَيْمَاء، وأريحاء (١) وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة، والمزارعة. وقال أبو ثور: إذا أطلقا حُمل على سنة واحدة. وعن مالك: إذا قال: ساقيتك كلّ سنة بكذا جاز، ولو لم يذكر أمدًا، وحمل قصّة خيبر على ذلك (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الأرجح؛ لظاهر النصّ المذكور، والحمل الذي ذكره مالك -رحمه اللَّه تعالى- فيه بُعْدٌ، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٥٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ, نَخْلَ خَيْبَرَ, وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا بِأَمْوَالِهِمْ, وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , شَطْرَ ثَمَرَتِهَا).

стр. 15448

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/ ٢٩٤٤ من أفراد المصنّف. و"شعيب بن الليث": هو أبوعبد الملك الفهميّ مولاهم المصريّ، ثقة نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦، والباقون تقدّموا في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٥٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يَقُولُ: كَانَتِ الْمَزَارِعُ, تُكْرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الأَرْضِ مَا عَلَى رَبِيعِ السَّاقِي مِنَ الزَّرْعِ, وَطَائِفَةً مِنَ التِّبْنِ, لَا أَدْرِي كَمْ هُوَ؟). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي. وقوله: "تُكرى" بالبناء للمفعول: أي تؤاجرُ. وقوله: "على ربيع الساقي" الربيع بفتح، فكسر: هو النهر الصغير, وجمعه أربعاء، وأربعة، مثلُ نَصِيب وأنصباء، وأنصبة. والمراد "الساقي" هنا الماء الذي يسقي الزرع، فتكون إضافة "ربيع" إليه بمعنى اللام، أي الربيع الذي يجري فيه الماء الذي يسقي الأراضي الزراعية. واللَّه تعالى أعلم. ثم إن هذه الكيفيّة التي ذكرها ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في هذا الحديث من عقد المزارعة، هو النوع الذي جاء النهي بسببه في حديث زيد بن ثابت، رافع بن خديج، وغيرهما, ولعل ابن عمر أراد بهذا الإخبار بما كان عليه عمل الناس قبل النهي، يعني أن الناس كانوا أوّلًا يتعاملون هكذا، ثم جاء النهي عن هذه الكيفيّة التي تؤدّي إلى الخصام والنزاع، وأجيز التعامل بما لا يؤدّي إلى هذا، وهو ما عامل عليه النبيّ ﷺ أهل خيبر، كما سبق في روايتي ابن عمر ﵄ اللتين قبل هذا، وهو أن يكون الكراء جزءًا مشاعًا، كنصف ما يخرج من الأرض، أو ثلثه، أو ربعه، أو نحو ذلك، أو يكون بأجرة معلومة، كأن يؤاجرها بما سمّاه من دراهم، أو دنانير، أو طعام من غير ما يخرج منها، فهذا جائز، كما سبق بحثه مستوفىً. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٣/ ٣٩٥٩ - وفي "الكبرى" ٤٦٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٦٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ, قَالَ: كَانَ عَمَّايَ يَزْرَعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ, وَأَبِي شَرِيكَهُمَا, وَعَلْقَمَةُ

стр. 15449

وَالأَسْوَدُ, يَعْلَمَانِ, فَلَا يُغَيِّرَانِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شريك": هو ابن عبد اللَّه القاضي الكوفيّ. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ. وقوله: "كان عمّاي يزرعان" الظاهر أن أحد عمّيه هو عبد الرحمن بن يزيد، ولا أدري من هو الآخر؟. وقوله: "وأبي شريكهما" مبتدأ وخبر، والجملة حاليّة. وقوله: "وعلقمة، والأسود يعلمان، فلا يُغيران" يعني أن علقمة عمّ الأسود، والأسود كانا يعلمان مزارعة عمي عبد الرحمن، ولا ينكران عليهما؛ لكونهما يريان جوازه. ثم يحتمل أن يكون مراده بالأسود هو الأسود بن هلال المحاربيّ الكوفيّ المخضرم، ويحتمل أن يكون غيره، ولا يريد به أباه الأسود بن يزيد؛ لأنه ذكره شريكًا لهما. والأثر هذا مقطوعٌ ضعيف الإسناد؛ لأن في إسناده شريكًا، وهو متكلّم فيه، وأبا إسحاق، وهو مدلسٌ، وقد عنعنه، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٣/ ٣٩٦٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ, قَالَ: قَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ خَيْرَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ, أَنْ يُؤَاجِرَ أَحَدُكُمْ أَرْضَهُ, بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"المعتمر": هو ابن سليمان التيميّ. و"معمر": هو ابن راشد. و"عبد الكريم": هو ابن مالك الجَزَريّ. وقوله: "والورق" بكسر الراء، وتسكّن للتخفيف: النّقْرة (١) المضروبة، ومنهم من يطلق، فيقول: الورِق: هي النّقرة مضروبة كانت، أم غير مضروبة. والأثر موقوف صحيح الإسناد، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٣/ ٢٩٦١ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٦٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا, بِاسْتِئْجَارِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا

стр. 15450

غير مرّة. و" جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو النخعيّ. وقوله: "البيضاء": هي الخالية من الزراعة، والأشجار. والأثر صحيح مقطوع، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣/ ٣٩٦٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ شُرَيْحًا, كَانَ يَقْضِي فِي الْمُضَارِبِ إِلاَّ بِقَضَاءَيْنِ, كَانَ رُبَّمَا قَالَ لِلْمُضَارِبِ: بَيِّنَتَكَ عَلَى مُصِيبَةٍ, تُعْذَرُ بِهَا, وَرُبَّمَا قَالَ لِصَاحِبِ الْمَالِ: بَيِّنَتَكَ أَنَّ أَمِينَكَ خَائِنٌ, وَإِلاَّ فَيَمِينُهُ بِاللَّهِ مَا خَانَكَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن زُرارة": هو أبو محمد النيسابوريّ الثقة الثبت المذكور في أول الباب. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختيانيّ، و"محمد": هو ابن سيرين. و"شُريحٌ": هو ابن الحارث النخعيّ القاضي المشهور، أبو أُميّة الكوفيّ الثقة المخضرم الفقيه [٢] ٥١/ ٣٣١٢. وقوله: "لم أعلم شُريحًا الخ": يعني أن شُريحًا القاضي -رحمه اللَّه تعالى- كان إذا تخاصم المتعاقدان مضاربةً، بأن ادّعى المضارب هلاك شيء من مال المضاربة، يقضي بينهما بأحد قضاءين، إما أن يقول للمضارب: بيّنتك، أي أحضِرْ شُهودًا يشهدون لك على أن المال أصابته آفة، فتلف، فيكون لك عذر بذلك، وإما أن يقول لصاحب المال بينتك على أن المضارب الذي ائتمنته خانك، وإن لم يكن لك شهود بذلك، ذلك أن تحلّفه باللَّه أنه ما خانك في أمانته. وقوله: "إلا بقضاءين" هكذا نسخ "المجتبى"، بصيغة التثنية، والذي في "الكبرى": "بقضاء بين" -بفتح الموحّدة، وتشديد التحتانيّة، آخره نون-، صفة لـ"قضاء"، أي يقضي بينهما بقضاء واضح. ولما في "المجتبى" أيضًا - إن صحّت الرواية به- وجه صحيح أيضًا، كما أسلفته آنفًا، وذلك أن يكون المعنى أنه يقضي بين الخصمين في المضاربة بأحد القضاءين: إما بالبينة، وإما بيمين المضارب. واللَّه تعالى أعلم. ومناسبة أثر شُريح هذا للمزارعة، تَشَابُهُ كلّ من المزارعة والمضاربة في كون كلّ منهما إجارة ببعض ما يتحصّل من العمل، كما تقدّم في أثر ابن سيرين أول الباب.

стр. 15451

وهذا الأثر صحيح مقطوع، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٣/ ٣٩٦٣ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٧٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٦٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ طَارِقٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, قَالَ: لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ, بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ). قَالَ: الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شريك": هو ابن عَبد اللَّه النخعيّ القاضى تقدّم قريبًا. و"طارق": هو ابن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٢/ ٣٨٩٠. والأثر في سنده شريكٌ، وقد تقدّم الكلام فيه قريبًا، وهو من أفراد المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، أخرجه هنا ٣/ -٣٩٦٤ وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المر جع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (وَقَالَ إِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ, مَالاً قِرَاضًا, فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا, كَتَبَ: هَذَا كِتَابٌ, كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ, طَوْعًا مِنْهُ, فِي صِحَّةٍ مِنْهُ, وَجَوَازِ أَمْرِهِ, لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ, أَنَّكَ دَفَعْتَ إِلَيَّ, مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا, مِنْ سَنَةِ كَذَا عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ, وُضْحًا, جِيَادًا, وَزْنَ سَبْعَةٍ, قِرَاضًا, عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ, وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ, عَلَى أَنْ أَشْتَرِىَ بِهَا مَا شِئْتُ مِنْهَا, كُلَّ مَا أَرَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ, وَأَنْ أُصَرِّفَهَا وَمَا شِئْتُ مِنْهَا, فِيمَا أَرَى أَنْ أُصَرِّفَهَا فِيهِ, مِنْ صُنُوفِ التِّجَارَاتِ, وَأَخْرُجَ بِمَا شِئْتُ مِنْهَا, حَيْثُ شِئْتُ, وَأَبِيعَ مَا أَرَى أَنْ أَبِيعَهُ, مِمَّا أَشْتَرِيهِ بِنَقْدٍ, رَأَيْتُ أَمْ بِنَسِيئَةٍ, وَبِعَيْنٍ رَأَيْتُ, أَمْ بِعَرْضٍ, عَلَى أَنْ أَعْمَلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَأْيِي, وَأُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ رَأَيْتُ, وَكُلُّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ, مِنْ فَضْلٍ وَرِبْحٍ, بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي دَفَعْتَهُ الْمَذْكُورِ إِلَيَّ, الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ, فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نِصْفَيْنِ, لَكَ مِنْهُ النِّصْفُ, بِحَظِّ رَأْسِ مَالِكَ, وَلِيَ فِيهِ النِّصْفُ تَامًّا, بِعَمَلِي فِيهِ, وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ وَضِيعَةٍ, فَعَلَى رَأْسِ الْمَالِ, فَقَبَضْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ, الْوُضْحَ الْجِيَادَ, مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا, فِي سَنَةِ كَذَا, وَصَارَتْ لَكَ فِي يَدِي, قِرَاضًا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ, أَقَرَّ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطْلِقَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ, وَيَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ, كَتَبَ: وَقَدْ نَهَيْتَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ, وَأَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ). قَالَ: الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الكلام الذي ذكره المصنّف في كيفيّة عقد المضاربة له، وليس من كلام سعيد بن المسيّب، ولذلك لم يذكره في "الكبرى"، مع أنه ذكر أثر سعيد المذكور.

стр. 15452

فقوله (وَقَالَ) ملحقٌ من الراوي عن المصنّف، والظاهر أنه ابن السنّيّ؛ لأنه المشهور برواية "المجتبى"، والضمير الفاعل للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (إِذَا دَفَعَ زجُلٌ إِلَى رَجُلِ مَالاً قِرَاضًا) بكسر القاف، من المقارضة: وهي المضاربة، يقال: قارضت فلانًا قِراضًا، من باب قاتل: أي دفعتُ إليه مالاً ليتجر فيه، ويكون الربح بينكما على ما تشترطان، والوضيعةُ على المال. وقال الأزهريّ في "التهذيب": القراض في كلام أهل الحجاز: المضاربةُ. قال الزمخشريّ: أصلها من القَرْض في الأرض، وهو قطعها بالسير فيها، وكذلك هي المضاربة أيضًا من الضرب في الأرض. أفاده في "لسان العرب" (١). (فَأَرَادَ أن يَكتُبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا كَتَبَ) وقوله (هَذَا كِتَابٌ) مفعول "كتب"، لقصد لفظه، وقوله (كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) في محلّ رفع صفة "كتابٌ" (طَوْعًا مِنْهُ) أي في حال كونه طائعًا، لا مكرها (فِي صِحَّةٍ مِنْهُ) أي ليس في مرض موته (وَجَوَازِ أَمْرِهِ) أي في حال نفوذ أمره، وهو مؤكد لقوله: "طوعًا"، وفي صحّة منه"؛ إذ لا يصحّ أمره في حال إكراهه، وحال مرض موته. ويحتمكل أن يكون إشارة إلى رُشده في التصرّف بأن يكون بالغًا عاقلاً. واللَّه تعالى أعلم. (لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) متعلّق بـ "كتبه" (أنَّكَ) يحتمل فتح الهمزة، بتقدير جارّ، أي بأنك الخ، ويحتمل كسرها، مفعول به لـ "كتب" محكيّ لقصد لفظه أيضًا (دَفَعْتَ إِلَيَّ مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا) بنصب "مستهلّ على الظرفية لـ "دفعت" (مِنْ سَنَةِ كَذَا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وُضْحًا) -بضمّ الواو، وسكون الضاد المعجمة- هكذا مضبوطًا بالقلم، ومعناه الصحاح، لكن الذي في "القاموس"، أنه بفتحتين، فقد ذكر ما حاصله: "الوَضَحُ محرّكةً: الدرهم الصحيح، وجمعه أوضاح، ونحوه في "اللسان"، وأما جمعه بضمّ، فسكون، أو بضمتين، فلم يذكر فيهما. فاللَّه تعالى أعلم (جِيَادًا) بكسر الجيم، وتخفيف التحتانيّة، جمع جيّد بفتح الجيم، وتشديد التحتانيّة، قال الفيّوميّ: وأما جاد المتاع يجود، فقيل: من باب قال، وقيل: من باب قرُب، والْجُودة منه بالضمّ، والفتح، فهو جيّد، وجمعه جِيادٌ. انتهى (وَزْنَ سَبْعَةٍ) منصوب على الظرفيّة، أي موزونًا بسبعة مثاقيل. [فائدة]: قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الدرهم الإسلاميّ: اسم للمضروب من الفضّة، وهو معرّب، وزنه فِعْلَلٌ بكسر الفاء، وفتح اللام في اللغة المشهورة، وقد تكسر هاؤه، فيقال: دِرْهِمٌ، حملًا على الأوزان الغالبة. والدرهم ستّة دَوَانقَ، والدرهم

стр. 15453

نصف دينار وخمسه، وكانت الدراهم في الجاهليّة مختلفةٌ، فكان بعضها خفافًا، وهي الطبريّةُ، كلّ درهم منها أربعة دوانيق، وهي طَبَريّةُ الشام، وبعضها ثقالَا، كلُّ درهم ثمانية دوانيق، وكانت تُسمّى العَبْديّة، وقيل: البَغلِية، نسبة إلى ملك، يقال له: رأس البَغل، فجُمِع الخفيفُ والثقيلُ، وجُعِلا درهمين، متساوفي، فجاء كلُّ درهم ستة دوانيق. ويقال: إن عمر ﵁ هو الذي فعل ذلك؛ لأنه لَمّا أراد جِبَايةَ الْخَراج، طلب بالوزن الثقيل، فصَعُب على الرعيّة، وأراد الجمع بين المصالح، فطلب الْحُسّاب، فخلطوا الوزنين، واستخرجوا هذا الوزن. وقيل: كان بعض الدراهم وزن عشرين قيراطًا، وتسمّى وزن عشرةٍ، وبعضها وزن خمسة، وبعضها وزن اثني عشر، وتُسمّى وزنَ ستة، فَجَمَعُوا من الأوزان الثلاثة هذا الوزن، فكان ثُلُثَها، ويُسمّى وزنَ سبعة؛ لأنك إذا جمعت عشرة دراهم من كلّ صنف، كان الجميع أحدًا وعشرين مثقالًا، وثلثُ الجميع سبعةُ مثاقيل. انتهى. المقصود من كلام الفيّوميّ (١). (قِرَاضًا عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَأَدَاءِ الأمَانَةِ، عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَ بِهَا) أي بالعشرة الآف (مَا شِئْتُ مِنْهَا) الظاهر أن "ما" بدل من الضمير المجرور بالباء، أي بما شت من تلك الدراهم (كُلَّ) بالنصب على المفعولية، وهو مضاف إلى (مَا أَرَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَأَنْ أُصَرِّفَهَا، وَمَا شِئْتُ مِنْهَا فِيمَا أَرَى أَنْ أُصَرِّفَهَا فِيهِ، مِنْ صُنُوفِ التِّجَارَاتِ) أي من أنواع التجارات (وَأَخْرُجَ بِمَا شِئْتُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُ) أي أخرج إلى البلدان النائية بمبلغ من تلك الدارهم (وَأَبِيعَ مَا أَرَى أَنْ أَبيعَهُ مِمَّا أَشْتَرِيهِ بِنَقْدٍ) بفتح، فسكون: خلاف النسيئة (رَأَيْتُ أَمْ بنَسِيئَةٍ) أي بتأجيل ثمن (وَبِعَيْنٍ) أي بالدراهم، والدنانير، وهو خلاف العرض (رَأَيْتُ أَمْ بِعَرْضٍ) بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ: العرضُ المتاع، قالوا: والدراهم، والدنانير عينٌ، وما سواهما عَرْضٌ، والجمع عُرُوض، مثلُ فلس وفُلُوس. وقال أبو عُبيد: الْعُرُوض: الأمتعة التي لا يدخلها كيلٌ، ولا وزنٌ، ولا تكون حيوانًا، ولا عَقَارًا. انتهى. (عَلَى أَنْ أَعْمَلَ فِي جمَيع ذَلِكَ كُلِّهِ برَأيِي وَأُوَكلَ فِي ذَلِكَ مَنْ رَأَيْتُ) أي من رأيته صالحًا للبيع والشراء (وَكُلُّ) مبتدأ، مضاَف إلى قوله (مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ) أي في العمل المذكور من البيع والشراء بالطرق المذكور (مِنْ فَضْلٍ وَرِبْحٍ) بيان لـ "ما" (بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي دَفَعْتَهُ المذكُورِ إِلَيَّ) جارّ ومجرورٌ متعلق بـ "دفعته"، وقوله: "المذكور معترض بيان العامل والمعمول، وهو صفة لـ "رأس المال"، وكذلك قوله (المُسَمَّى مَبْلَغُهُ في هَذَا

стр. 15454

الْكِتَاب) أي وهو عشرة آلاف درهم. وقوله (فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) خبر "كلّ"، ودخول الفاء في الخَبر جائز؛ لما في المبتدإ من معنى العموم (نِصْفَيْنِ) منصوب على الحال، أي مقسمًا على نصفين (لَكَ مِنْهُ النصْفُ بحَظِّ رَأْسِ مَالِكَ) أي بسبب ما دفعته من رأس المال الذي حصل منه ذلك الربح (وَلِي فِيهِ النِّصْفُ تَامًّا بِعَمَلي فِيهِ) يعني أنه يستحق نصف الربح الآخر بسبب عمله بالتجارة حتى حصل منه هذا الربح (وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ وَضيعَةٍ) -بفتح الواو، وكسر الضاد المعجمة-: الخسارة (فَعَلَى رَأْسِ الْمَالِ) يعني أنه إذا حصلت خسارة تكون على رأس المال خاصّةً، ليس على العامل منها شيء؛ وذلك لأن الوضعية عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مُختصّ بملك ربّ المال، لا شيءَ للعامل فيه، فيكونَ نقصه من ماله، دون غيره، وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن ربّ الأرض، والشجر يُشارك العامل فيما يحدُث من الزرع والثمر، وإن تَلِف الشجر، أو هلك شيء من الأرض بغَرَقٍ، أو غيره لم يكن على العامل شيء (١). (فَقَبَضْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَم الْوُضْحَ الْجِيَادَ، مُسْتهَلّ شَهرِ كَذَا، فِي سَنَةِ كَذَا، وَصَارَتْ لَكَ فِي يَدِي قِرَاضًا) أي مضاربة (عَلَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ، أَقرَّ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) كناية عن صاحب المال، والمضارب، يعني أنه أقرّ بما في هذا الَكتاب كلّ واحد منهما (وَإذَا أَرَادَ أنْ لَا يُطْلِقَ لَهُ) ثبتت كلمة "لا" في النسخة الهندية، وهو الصواب، وسقطت من كثير من نسخ "المجتبى"، وهو غلطٌ فاحش، يَفسُدُ به المعنى، فتنبْه (أَنْ يَشتَرِيَ وَيَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ كَتَبَ: وَقَد نَهْيْتَني أَنْ أَشْتَرِيَ وَأَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ) يعني أن صاحب المال إذا أراد أن لا يُطلق للمضارب العمل، بل أراد أن يقيّده بنوع خاصّ من البيع والشراء، كان يريد منعه من البيع بالنسيئة، كَتَب المضارب في كتابة العقد قوله: "وقد نهيتني الخ؛ ليتمكّن أن يُلزمه به لو خالف بعد ذلك، فقوله: "وقد نهيتني الخ مفعول "كتَبَ" لقصد لفظه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". …

стр. 15455

٤ - (شَرِكَةُ عِنَانٍ بَيْنَ ثَلَاَثةٍ) أي هذا كتابة عقد شركة عنان بين ثلاثة أشخاص. و"الشرِكة" -بفتح الكاف، وكسر الراء، ويجوز تسكينها، معِ فتح المعجمة، وكسرها، ففيها ثلاث لغات، وهي في اللغة: مصدر شَرِكته في الأمر أشْرَكه، من باب تَعِبَ شَرِكًا، وشَرِكَةٌ، وزانُ كَلِم، وكَلِمَةٍ: إذا صرت له شَريكًا، وجمع الشريك شُرَكاء، وأَشْرَاك. وشرعًا: هي اجتماع في استحقاق، أو تصرّف. وقال في "الفتح": الشركة -بفتح المعجمة، وكسر الراء، وبكسر أوله، وسكون الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يُفتح أوله مع ذلك، فتلك أربع لغات، وهي شرعًا: ما يحدُث بالاختيار بين اثنين، فصاعدًا من الاختلاط لتحصيل الربح، وقد تحصُل بغير قصد، كالإرث. انتهى (١). و"العِنَانُ" -بكسر العين المهملة، ونونين خفيفتين، بينهما ألف، وشرِكة العنان هي أن يُخرج كلّ واحد من الشريكين، دنانير، أو دراهم مثل ما يُخرج صاحبه، ويخلطاها، ويأذن كلّ واحد منهما لصاحبه بأن يتجر فيه، ولا خلاف بين الفقهاء في جوازه، وأنهما إن ربِحا في المالين فبينهما، وإن وُضِعا فعلى رأس مال كلّ واحد منهما. وقيل: شركة العنان هي شرِكة في شيء خاصٍ، دون سائر أموالهما، كأنه عنّ لهما شيء، أي عَرَضَ، فاشترياه، واشتركا فيه، قال النابغة الجَعديّ: وَشَارَكْنَا قُرَيشًا فِي تُقَاهَا … وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ بِمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي هِلَالٍ … وَمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي أَبَانِ وقيل: شركة العنان أن يكونا سواءً في الْغَلَق، وأن يتساوى الشريكان فيما أخرجاه، من عين، أو ورِق، مأخوذ من عِنَان الدّابّة؛ لأن عنان الدّابّة طاقتان متساويتان. قال الجعد يمدح قومه، ويفتخر: وَشَارَكْنَا قُرَيشًا فِي تُقَاهَا ..... البيتين. أي ساويناها, ولو كان من الاعتراض لكان هِجَاءً. وسُمّيت هذه الشركة شركة عنان لمعارضة كلّ واحد منهما صاحبه بمال مثل ماله، وعمله فيه مثل عمله بيعًا وشراءً، يقال: عانّه عِنَانًا، ومُعانّةٌ، كما يقال: عارضه معاضةً وعِرَاضًا. أفاده ابن منظور -رحمه

стр. 15456

اللَّه تعالى- (١). وقال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: معنى شركة العنان أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما، والربحُ بينهما، وهي جائزة بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وإنما اختُلِف في بعض شروطها، واختُلف في علّة تسميتها شركة العنان، فقيل: سُمّيت بذلك لأنهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سوّيا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإن عِنَانيهما يكونان سواءً. وقال الفراء: هي مشتقّة من عَنَّ الشيءُ إذا عَرَضَ، يقال: عنْت لي حاجةٌ: إذا عرضت، فسُمّيت الشركة بذلك؛ لأن كلّ واحد منهما عنّ له أن يُشارك صاحبه. وقيل: هي مشتقّة من المُعَانَنَة، وهي المعارضة، يقال: عانَنْتُ فلانًا: إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله، فكلّ واحد من الشريكين مُعارضٌ لصاحبه بماله وفِعاله. وهذا يرجع إلى قول الفرّاء. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وتقييده بالثلاثة ليس لنفي ما عداه، بل لبيان أنه كما يجوز أن يشترك اثنان، كذلك يجوز أن يكونوا أكثر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ((٣) - هَذَا مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ, فِي صِحَّةِ عُقُولِهِمْ, وَجَوَازِ أَمْرِهِمُ, اشْتَرَكُوا شَرِكَةَ عِنَانٍ, لَا شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ بَيْنَهُمْ, فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ, وُضْحًا جِيَادًا, وَزْنَ سَبْعَةٍ, لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ, خَلَطُوهَا جَمِيعًا, فَصَارَتْ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ, فِي أَيْدِيهِمْ مَخْلُوطَةً, بِشَرِكَةٍ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا, عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ, وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ, مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, وَيَشْتَرُونَ جَمِيعًا بِذَلِكَ, وَبِمَا رَأَوْا مِنْهُ اشْتِرَاءَهُ بِالنَّقْدِ, وَيَشْتَرُونَ بِالنَّسِيئَةِ عَلَيْهِ, مَا رَأَوْا أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ, وَأَنْ يَشْتَرِىَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَتِهِ, دُونَ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ, وَبِمَا رَأَى مِنْهُ, مَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ مِنْهُ بِالنَّقْدِ, وَبِمَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ عَلَيْهِ بِالنَّسِيئَةِ, يَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُجْتَمِعِينَ, بِمَا رَأَوْا, وَيَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا بِهِ, دُونَ صَاحِبِهِ بِمَا رَأَى, جَائِزًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى نَفْسِهِ, وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ, فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ, وَفِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ, كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ الآخَرَيْنِ, فَمَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ, مِنْ قَلِيلٍ, وَمِنْ كَثِيرٍ, فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ, وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا, وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ, مِنْ فَضْلٍ, وَرِبْحٍ, عَلَى رَأْسِ مَالِهِمُ الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ, فَهُوَ بَيْنَهُمْ

стр. 15457

أَثْلَاثًا, وَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَضِيعَةٍ, وَتَبِعَةٍ فَهُوَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا, عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمْ. وَقَدْ كُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ, ثَلَاثَ نُسَخٍ مُتَسَاوِيَاتٍ, بِأَلْفَاظٍ وَاحِدَةٍ, فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ, وَفُلَانٍ, وَفُلَانٍ وَاحِدَةٌ وَثِيقَةً لَهُ, أَقَرَّ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ). شرح كتاب العقد المذكور: قوله: (هَذَا) إشارة إلى كتاب العقد (مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فِي صِحَّةِ عُقُولِهِم، وَجَوَازِ أَمْرِهِمُ) أي ليسوا مجانين، ولا صبيانًا حتى تمنع تصرّفاتهم (اشْتَرَكُوا شَرِكَةَ عَنَانٍ) تقدّم تفسيرها قريبًا (لَا شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ) سيأتي تفسيرها قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (بَينَهُم) متعلّق بـ "شركة" (فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَم، وُضْحًا) بضمّ، فسكون: أي صحاحًا، وتقدّم الكلام عليه في شرح عقد المضاربة، وأن هذه اللفظة لم أجدها في كتب اللغة التي عندي، وإنما ذكروا وَضَحًا بفتحتين، وجمعه أوضاح (جِيَادًا، وَزْنَ سَبْعَةٍ) أي كلّ عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، كما تقدّم بيانه (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، خَلَطُوهَا جَمِيعًا، فَصَارَتْ هَذِه الثَّلَاِثِينَ أَلْفَ دِرْهَمْ، فِي أَيْدِيِهمْ مَخْلُوطَةً، بِشَرِكةٍ) أي بسبب اشتراك (بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِتَقوَى اللَّهِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم، إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) يعني أن كلّ واحد من الشركاء الثلاثة يؤدّي ما ائتُمن عليه إلى صاحبيه (وَيَشْتَرُونَ جَمِيعًا بِذَلِكَ) المال الذي جعلوه رأس مالهم في هذه الشركة (وَبِمَا رَأَوْا مِنْهُ اشْتِرَاءَهُ بِالنَّقْدِ) هو خلاف النسية (وَيَشْتَرُونَ بِالنَّسِيئَةِ عَلَيْهِ) أي بتأخير وقت دفعه (مَا رَأَوْا أن يَشتَرُوا من أَنوَاع التجَارَاتِ، وَأَنْ يَشتَرِيَ كُل وَاحِدِ مِنْهُم عَلَى حِدَتِهِ) بكسر الحاء المهملة، وفتح الدالَ: أي منفردًا، يقال: وحَدَ يَحِدُ حِدَةً، من باب وَعَدَ: انفرد بنفسه، فهو وَحَدٌ بفتحتين، وكسرُ الحاء لغة. ووَحُدَ بالضمّ وَحَادةً، ووَحْدَةً، فهو وَحِيدٌ كذلك، وكلُ شيء على حِدَةِ: أي متميِّزٌ عن غيره. قاله الفيّوميّ (دُونَ صَاحِبِهِ) هكذا النسخ بالإفراد، وكان الأولى "صاحبيه", لأنهما اثنان، وأجيب بأنه مفرد مضاف، فيعمّ، فيجوز إطلاقه على الاثنين (بذَلِكَ) المال كلّه (وَبمَا رَأَى مِنْهُ) أي ببعضه (مَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ مِنْهُ بالنَّقْدِ، وَبِمَا رَأَى اشتِرَاءَهُ عَلَيْهِ بالنَّسِيئَةِ، يَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُجْتَمِعِينَ، بمَا رَأَوا، وَيَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا بِهِ، دُونَ صَاحِبهِ) بالإفراد، وتقدّم آنفًا توجيهه (بِمَا رَأَى، جَائِزًا) منصوب على الحال، وفي نسخة بالَرفع، على أنه خبر لمقدّر، أي هذا جائزٌ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيهِ، فِيمَا اجتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَفِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ) الظاهر أن "كلّ" بالرفع على الفاعلية لـ"انفردوا"، فيكون من باب "أكلوني البراغيث"، ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف: أي جائز له، فتكون الجملة مؤكّدة لما قبلها (دُونَ الآخَرَيْنِ،

стр. 15458

فَمَا لَزِمَ) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ (كُلَّ واحدٍ مِنْهُم فِي ذَلِكَ، مِنْ قَلِيلِ، وَمِنْ كَثِيرٍ) أي من الغرامات، والضمانات بسبب البيع والشراء (فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهمْ جمِيعًا، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، مِنْ فَضْلِ، وَرِبْحٍ) عطف تفسير لـ"فضل" (عَلَى رَأسِ مَالِهِمُ المُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الكِتَابِ) أي وهو ثلاثون ألف درهم (فَهُوَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا) أَي يقسم بينهم بالسويّة؛ لتساويهم فيَ رأس المال والعمل (وَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَضِيعَةٍ) أي خسارة (وَتَبِعَةٍ) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وكسر الموحّدة، بوزن كلمة: ما تطلُبُه من ظُلَامة، ونحوها، فيكون عطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاص (فَهُوَ عَلَيْهِم أَثْلَاثًا) أي لأن الغُرْم بالغُنْم، فإنهم لما استووا في الربح، لزم استواؤهم في الغرامات (عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمْ) فإن كلّ واحد منهم كان له ثلث المبلغ. (وَقَد كُتِبَ هَذَا الكِتَابُ، ثَلَاثَ نُسَخِ مُتَسَاوِيَات، بِألفَاظٍ وَاحِدَةٍ، فِي يَدِ كُل واحدٍ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَاحِدَةٌ وَثِيقَةٌ لَهُ) أي عهد موثّق، أي محكم له من صاحبيه، قال في "اللسان": الوثيقة في الأمر: إحكامه، والأخذ بالثقة، والجمع الوثائق. انتهى. (أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) أي الشركاء الثلاثة الذين جرى بينهم كتابة هذه الوثيقة. واللَّه تعالى أعلمِ بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (شَرِكَةُ مُفَاوَضةٍ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُهَا): قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى: "شركة المفاوضة": أن يشترك اثنان في كلّ شيء في أيديهما، أو فيما يستفدانه فيما بعدُ. أفاده ابن منظور. وقال الفيّوميّ: شرِكة المفاوضة أن يكون جميع ما يملكانه بينهما. انتهى. وإنما قال: "على مذهب من يُجيزها"؛ لأن هذه الشركة قد اختلف فيها العلماء. قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وأما شركة المفاوضة، فنوعان: [أحدهما]: أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان، والوجوه، والأبدان، فيصحّ ذلك؛ لأن كلّ نوع منها يصحّ على انفراده، فصحّ مع غيره. و [الثاني]: أن يُدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكلّ واحد منهما من ميراث، أو يجده من ركاز، أو لقطة، ويلزم كلّ واحد منهما ما يلزم الآخر، من أرش جناية، وضمان غصب، وقيمة مُتلَف، وغَرَامة الضمان، أو كفاله، فهذا فاسدٌ، وبهذا قال الشافعيّ. وأجازه الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وحُكي ذلك عن مالك. وشَرَط أبو حنيفة لها شُروطًا، وهي أن يكونا حرّين مسلمين، وأن يكون مالهما في

стр. 15459

الشركة سواءً، وأن يُخرجا جميع ما يملكانه من جنس الشركة، وهو الدارهم والدنانير. انتهى المقصود من كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] , هَذَا مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ, بَيْنَهُمْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ, فِي رَأْسِ مَالٍ, جَمَعُوهُ بَيْنَهُمْ, مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ, وَنَقْدٍ وَاحِدٍ, وَخَلَطُوهُ, وَصَارَ فِي أَيْدِيهِمْ مُمْتَزِجًا, لَا يُعْرَفُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ, وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ, وَحَقُّهُ سَوَاءٌ, عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ, وَفِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ سَوَاءً, مِنَ الْمُبَايَعَاتِ, وَالْمُتَاجَرَاتِ, نَقْدًا وَنَسِيئَةً, بَيْعًا وَشِرَاءً, فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ, وَفِي كُلِّ مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ, مُجْتَمِعِينَ بِمَا رَأَوْا, وَيَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ, بِكُلِّ مَا رَأَى, وَكُلِّ مَا بَدَا لَهُ, جَائِزٌ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ, عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, وَعَلَى أَنَّهُ كُلُّ مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, عَلَى هَذِهِ الشَّرِكَةِ, الْمَوْصُوفَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ, مِنْ حَقٍّ, وَمِنْ دَيْنٍ, فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسَمِّينَ مَعَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ, وَعَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ, فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ, الْمُسَمَّاةِ فِيهِ, وَمَا رَزَقَ اللَّهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا, عَلَى حِدَتِهِ, مِنْ فَضْلٍ, وَرِبْحٍ, فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ, وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نَقِيصَةٍ, فَهُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ, وَقَدْ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ, وَفُلَانٍ, وَفُلَانٍ, وَفُلَانٍ, كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسَمِّينَ, فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَهُ, وَكِيلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ, بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ, وَالْمُخَاصَمَةِ فِيهِ, وَقَبْضِهِ, وَفِي خُصُومَةِ كُلِّ مَنِ اعْتَرَضَهُ بِخُصُومَةٍ, وَكُلِّ مَنْ يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ, وَجَعَلَهُ وَصِيَّهُ فِي شَرِكَتِهِ, مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ, وَفِي قَضَاءِ دُيُونِهِ, وَإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ, وَقَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, مَا جَعَلَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ, أَقَرَّ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ). شرح هذا العقد قوله: (قَالَ: اللَّهُ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾) ذكر الآية الكريمة؛ استدلالًا على وجوب الوفاء بالعهد الذي يجري بين الشركاء (هَذَا مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، بَيْنَهُمْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، فِي رَأسِ مَالٍ، جَمَعُوهُ بَيْنَهُمْ، مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَنَقْدٍ وَاحِدٍ، وَخَلَطُوهُ، وَصَارَ فِي أَيْدِيهِمْ مُمْتَزِجًا) أي مختلطا (لَا يُعْرَفُ) بالبناء للمفعول (بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ) وقوله (وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ) مبتدأ خبره "سواء (مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَحَقُّهُ سَواءٌ، عَلَى أن يَعْمَلُوا في ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي كلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ سَوَاءً،

стр. 15460

مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، وَالْمُتَاجَرَاتِ) عطف تفسير لما قبله (نَقْدًا وَنَسِيئَة، بَيْعًا وَشِرَاءً، فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي كلّ مَا يَتَعَاطاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ, مُجْتَمِعِينَ بِمَا رَأَوْا، وَيَعْمَلَ كُلّ واحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، بِكُلِّ مَا رَأَى، وَكُلِّ مَا بَدَا لَهُ) أي ظهر من المصلحة (جَائِزٌ) أي ثابت، ولازم (أَمْرُهُ في ذَلِكَ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) يعني أن كلّ واحد من الشركاء لو فعل شيئًا مما ذكر من البيع نقدًا، أو نسيئة، والشراء كذلك، ونحو ذلك لزم الآخرين، وليس لهم أن يعترضوا على شيء من ذلك (وَعَلَى أنَّهُ) الضمير للشأن، تُفَسِّرُهُ الجملة بعده، (كُلُّ مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى هَذهِ الشَّركَةِ، الْمَوْصُوفَةِ في هَذَا الكِتَاب، مِنْ حَقٍّ، وَمِنْ دَينِ، فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ أَصْحَابهِ الْمُسَمَّينَ مَعَهُ فِي هَذَا الكَتَابِ، وَعَلَى أَنَّ جمَيعَ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، المُسَمَّاةِ فِيهِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا) أَي الشركة (عَلَى حِدَتِهِ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبح، فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نَقِيصَةٍ) أي نقص، مثل الغرامات (فَهُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ، وَقَد جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ من فُلَانِ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، كُلّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ المُسَمَّينَ، فِي هَذَا الكِتَابِ مَعَهُ، وَكِيلَهُ فِي المطَالَبَةِ، بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ، وَالْمُخَاصَمَةِ فِيهِ، وَقَبْضِهِ، وَفِي خُصُومَةِ كُلِّ مَنِ اعْتَرَضَهُ بخُصُومَةٍ، وَكُلِّ مَن يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ، وَجَعَلَهُ وَصِيَّهُ فِي شَرِكَتِهِ، مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ) هذا يدلّ عَلى أن الشركة لا تبطل بموت أحد الشركاء، والمشهور عند الفقهاء أنها تبطل بالموت، وبالجنون، ونحو ذلك، فليُتأمّل (وَفِي قَضَاءِ دُيُونه، وَإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ، وَقَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَا جَعَلَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ٥ - (بَابُ شَرِكَةِ الأَبْدَانِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: شَرِكةُ الأبدان أصلها شَرِكةٌ بالأبدان، لكن حُذفت الباء، ثم أُضيفت؛ سُمِّيت بذلك لأنهم بذلوا أبدانهم في الأعمال؛ لتحصيل المكاسب. قاله في "المصباح المنير". وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: معنى شرِكة الأبدان أن يشترك اثنان، أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصُّنّاع، يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق اللَّه تعالى، فهو بينهم، وإن اشتركوا فيما يكسبون من المباح، كالحطب، والحشيش،

стр. 15461

والثمار المأخوذ من الجبال، والمعادن، والتلَصُّص على دار الحرب، فهذا جائز، نصٌّ عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم مال، مثلُ الصيّادين، والنقّالين، والحمّالين. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٩٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا, وَعَمَّارٌ, وَسَعْدٌ, يَوْمَ بَدْرٍ, فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ, وَلَمْ أَجِئْ أَنَا, وَلَا عَمَّارٌ بِشَيْءٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (أبو عُبيدة) بن عبد اللَّه بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٥٥/ ٦٢٢. ٦ - (عبد اللَّه) بن مسعود الهذليّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة، ولم يسمع من أبيه، ففي الإسناد انقطاع. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: اشْتَرَكتُ أَنَا، وَعَمَّارٌ) هو ابن ياسر الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَسَعْدٌ) الظاهر أنه ابن أبي وقاص ﵁ (يَوْمَ بَدْرٍ) الظاهر أن المراد يوم وقعة بدر، ويحتمل أن يكون المراد زمن

стр. 15462

بدر، ووقعة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة يوم سابع عشر رمضان (فَجَاءَ سَعْدٌ) ﵁ (بِأَسِيرَينِ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا، وَلَا عَمَّارٌ بِشَيْءٍ) استدلّ بهذا على جواز شركة الأبدان، وهي أن يشترك العاملان فيما يعملانه، فيوكّل كلّ واحد منهما صاحبه أن يتقبّل العمل، ويعمل عنه في قدر معلوم، مما استؤجر عليه، ويُعيّنان الصنعة، وقد ذهب إلى صحّتها مالك بشرط اتحاد الصنعة، وإلى صحّتها ذهب أبو حنيفة، وأصحابه. وقال الشافعيّ: شركة الأبدان كلها باطلة؛ لأن كلّ واحد منهما متميّز ببدنه، ومنافعه، فيختصّ بفوائده، وهذا كما لو اشتركا في ماشيتيهما، وهي متميّزة ليكون الدرّ والنسلُ بينهما، فلا يصحّ. وأجابت الشافعيّة عن هذا الحديث بأن غنائم بدر كانت لرسول اللَّه ﷺ يدفعها لمن يشاء، وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة وغيره، ممن قال: إن الوكالة في المباحات لا تصحّ. أفاده الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ للانقطاع بين أبي عُبيدة، وأبيه؛ لأن الراجح أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولأن فيه عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلّس. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٣٩٦٥ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧١. وأخرجه (د) في "البيوع" ٢٣٨٨ (ق) في "التجارات" ٢٢٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, فِي عَبْدَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ, كَاتَبَ أَحَدُهُمَا, قَالَ: جَائِزٌ إِذَا كَانَا مُتَفَاوِضَيْنِ, يَقْضِي أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: "متفاوضين" المفاوضة: المساواة، والمشاركة، وهي مفاعلة من التفويض،

стр. 15463

كأن كلّ واحد منهما رَدَّ ما عنده إلى صاحبه، وتفاوض الشريكان في المال: إذا اشتركا فيه أجمع. قاله ابن الأثير (١). والظاهر أن العبدين كان متعاقدين شركة المفاوضة، وهذا محمول على أن سيّدهما أذن لهما في ذلك. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "يقضي الخ" الظاهر أن معناه: إذا كان يؤدي أحدهما عن الآخر بدل الكتابة، ولفظ "الكبرى": "يقضي أحدهما على الآخر في الإجارات". والأثر هذا صحيح مقطوع، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أخرجه هنا-٦/ ٣٩٦٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٧٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦ - (تَفَرُّقُ الشُّرَكَاءِ , عَنْ شَرِكَتِهِمْ) أي هذا بيان عقد تفرّق الشركاء عن شرِكتهم. وهذا هو الذي في النسخة الهنديّة، وفي بعض النسخ: "عن شركهم" بحذف التاء، وقد تقدّم أنه لغة في الشركة، ووقع في النسخة المصريّة: "عن شريكهم" بالياء، مع حذف التاء، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (هَذَا كِتَابٌ, كَتَبَهُ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ, بَيْنَهُمْ, وَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ, لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, الْمُسَمِّينَ مَعَهُ, فِي هَذَا الْكِتَابِ, بِجَمِيعِ مَا فِيهِ, فِي صِحَّةٍ مِنْهُ, وَجَوَازِ أَمْرٍ, أَنَّهُ جَرَتْ بَيْنَنَا مُعَامَلَاتٌ, وَمُتَاجَرَاتٌ, وَأَشْرِيَةٌ, وَبُيُوعٌ, وَخُلْطَةٌ, وَشَرِكَةٌ فِي أَمْوَالٍ, وَفِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ, وَقُرُوضٌ, وَمُصَارَفَاتٌ, وَوَدَائِعُ, وَأَمَانَاتٌ, وَسَفَاتِجُ, وَمُضَارَبَاتٌ, وَعَوَارِي, وَدُيُونٌ, وَمُؤَاجَرَاتٌ, وَمُزَارَعَاتٌ, وَمُؤَاكَرَاتٌ, وَإِنَّا تَنَاقَضْنَا, عَلَى التَّرَاضِي مِنَّا جَمِيعًا بِمَا فَعَلْنَا, جَمِيعَ مَا كَانَ بَيْنَنَا, مِنْ كُلِّ شَرِكَةٍ, وَمِنْ كُلِّ مُخَالَطَةٍ كَانَتْ, جَرَتْ بَيْنَنَا, فِي نَوْعٍ مِنَ الأَمْوَالِ, وَالْمُعَامَلَاتِ, وَفَسَخْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ, فِي جَمِيعِ مَا جَرَى بَيْنَنَا, فِي جَمِيعِ الأَنْوَاعِ, وَالأَصْنَافِ, وَبَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ, نَوْعًا نَوْعًا, وَعَلِمْنَا

стр. 15464

مَبْلَغَهُ, وَمُنْتَهَاهُ, وَعَرَفْنَاهُ عَلَى حَقِّهِ وَصِدْقِهِ, فَاسْتَوْفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا جَمِيعَ حَقِّهِ, مِنْ ذَلِكَ أَجْمَعَ, وَصَارَ فِي يَدِهِ, فَلَمْ يَبْقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا, قِبَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, الْمُسَمِّينَ مَعَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ, وَلَا قِبَلَ أَحَدٍ بِسَبَبِهِ, وَلَا بِاسْمِهِ حَقٌّ, وَلَا دَعْوَى, وَلَا طَلِبَةٌ, لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا, قَدِ اسْتَوْفَى جَمِيعَ حَقِّهِ, وَجَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ, مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ, وَصَارَ فِي يَدِهِ مُوَفَّرًا. أَقَرَّ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَفُلَانٌ). شرح كتابة تفرّق الشركاء عن شركتهم (هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَهُ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَاقٌ، بَيْنَهُمْ، وَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم، لِكُلِّ وَاحِدٍ من أَصْحَابِهِ، المسَمَّينَ مَعَهُ، فِي هَذَا الكِتَاب، بِجَمِيعِ مَا فِيهِ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمر، أنَّهُ جَرَتْ بَيْنَنَا مُعَامَلَاتْ) وقوله (وَمُتَاجَرَاتٌ) وما بعده من عطف المفسّر على المفسّر؛ لأن المعاملات تعمّها كلها (وَأَشْرِيَةٌ) جمع شراء، كبناء وأبنية، وإنما جمعه، وإن كان المصدر لا يُجمع، نظرًا إلى أنواعه، فإنه أنواع، كالشراء نقدًا، أو نسيئة، أو مرابحة، أو تولية، أو وضيعة، أو نحو ذلك، وكذلك في قوله (وَبُيُوعٌ) وقوله (وَخُلْطَةٌ) بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام: اسمِ من الاختلاط، والمراد به هنا: الاشتراك، فيكون قوله (وَشَرِكَةٌ) عطف تفسير له (في أمْوَالٍ، وَفِي أَنوَاع مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَقُرُوضٌ) قَرض، كفلس وفُلُوس: وهو: ما تُعطيه غيرك من المال، لتُقضاه. قاله الفيّوميّ (وَمُصَارَفَاتٌ) بضمّ أوله مفاعلة من الصرف، وهو بيع الأثمان بعضها ببعض (وَوَدَائِعُ، وَأَمَانَاتٌ) من عطف العامّ على الخاص (وَسَفَاتِجُ) بفتح أوله: جمع سُفْتَجة، بضمّ السين، وقيل: بفتحها، وأما التاء، فمفتوحة فيهما، فارسيّ مُعَرَّبٌ، وفسّرها بعضهم، فقال: هي كتابُ صاحب المال لوكيله أن يدفع مالاً قرضًا، يأمَنُ به خَطَرَ الطريق. قاله الفيّوميّ. والمراد هنا التعامل بالسفاتج (وَمُضَارَبَاتٌ، وَعَوَارِي) بفتح العين المهملة، وتخفيف آخره، وُيشدّد، وهو الأصل: جمع عاريّة بتشديد الياء، وتخفّف قليلاً. قال الفيّوميّ: أصل العارية فَعَليّة بفتح العين، قال الأزهريّ: نسبة إلى العارة، وهي اسم من الإعارة، يقال: أعرته الشيء إعارةً، وعَارَةً، مثلُ أطعته إطاعةً، وطاعةً، وأجبته إجابة، وجابة. قال: وقد تُخفّف العاريّة في الشعر، والجمع الْعَوَاريُّ بالتخفيف، وبالتشديد على الأصل. انتهى (وَدُيُونٌ، وَمُؤَاجَرَاتٌ، وَمُزَارَعَاتٌ، وَمُؤَاكَرَاتٌ) من الكراء، وهو الأجرة (وَإِنَّا تَنَاقَضْنَا) أي نقضنا، وفسخنا عقد الشركة (عَلَى الترَاضِي مِنَّا جميعًا بِمَا فَعَلْنَا، جَمِيعَ مَا كَانَ بَيْنَنَا) بنصب "جميع" على أنه مفعول "تناقضنا" (مِنْ كُلِّ شَرِكَةٍ، ومنْ كُلِّ مُخَالَطَةٍ كَانَتْ، جَرَتْ بَيْنَنَا، فِي نَوْعٍ مِنَ الأَمْوَالِ، وَالْمُعَامَلَاتِ) وقوله (وَفَسَخْنَا ذَلِكَ كُلهُ) جملة معطوفة على "تناقضنا" للتؤكيد (فِي جَمِيعِ مَا جَرَى بَيْنَنَا، فِي

стр. 15465

جمِيع الأنْوَاعِ، وَالأَصْنَافِ، وَبَيَّنَّا ذَلِكَ كُلهُ، نَوْعًا نَوْعًا، وَعَلِمْنَا مَبلَغَهُ، وَمُنْتَهَاهُ، وَعَرَفْنَاهُ عَلَىَ حَقهِ وَصِدْقِهِ، فَاسْتوفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا جَمِيعَ حَقهِ، مِنْ ذَلِكَ أَجمَعَ، وَصَارَ فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَبقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة بوزن عِنَب: أي جِهَة (كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، الْمُسَمَّينَ مَعَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَلَا قِبَلَ أَحَدٍ بسَبَبهِ، وَلَا بِاسْمِهِ) مؤكّد لما قبله (حَقٌّ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِبَةٌ) بفتح، فَكسر: بمعنى الطَلبَ (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا، قَدِ اسْتَوفَى جَمِيعَ حَقهِ، وَجَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ، مِنْ جَمِيع ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَارَ فِي يَدِهِ مُوَفَّرًا) أي كاملاً تامَّا (أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) يعني أن جميع الشركاء أقرُّوا بما كُتب في هذا الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٧ - (تَفَرُّقُ الزَّوْجَيْنِ , عَنْ مُزَاوَجَتِهِمَا) أي هذا صورة كتابة تفرّق الزوجين عن نكاحهما، فالمزاوجة: بمعنى الزَّواج، أي النكاح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. هَذَا كِتَابٌ, كَتَبَتْهُ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ, فِي صِحَّةٍ مِنْهَا, وَجَوَازِ أَمْرٍ, لِفُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ, إِنِّي كُنْتُ زَوْجَةً لَكَ, وَكُنْتَ دَخَلْتَ بِي, فَأَفْضَيْتَ إِلَيَّ, ثُمَّ إِنِّي كَرِهْتُ صُحْبَتَكَ, وَأَحْبَبْتُ مُفَارَقَتَكَ, عَنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ مِنْكَ بِي, وَلَا مَنْعِي لِحَقٍّ وَاجِبٍ لِي عَلَيْكَ, وَإِنِّي سَأَلْتُكَ عِنْدَمَا خِفْنَا, أَنْ لَا نُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ, أَنْ تَخْلَعَنِي, فَتُبِينَنِي مِنْكَ بِتَطْلِيقَةٍ, بِجَمِيعِ مَالِي عَلَيْكَ, مِنْ صَدَاقٍ, وَهُوَ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا, جِيَادًا, مَثَاقِيلَ, وَبِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا, جِيَادًا, مَثَاقِيلَ, أَعْطَيْتُكَهَا عَلَى ذَلِكَ, سِوَى مَا فِي صَدَاقِي, فَفَعَلْتَ الَّذِي سَأَلْتُكَ مِنْهُ, فَطَلَّقْتَنِي تَطْلِيقَةً بَائِنَةً, بِجَمِيعِ مَا كَانَ بَقِيَ لِي عَلَيْكَ, مِنْ صَدَاقِي الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ, فِي هَذَا الْكِتَابِ, وَبِالدَّنَانِيرِ الْمُسَمَّاةِ فِيهِ, سِوَى ذَلِكَ, فَقَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ, مُشَافَهَةً لَكَ, عِنْدَ مُخَاطَبَتِكَ إِيَّايَ بِهِ, وَمُجَاوَبَةً عَلَى قَوْلِكَ, مِنْ قَبْلِ تَصَادُرِنَا, عَنْ مَنْطِقِنَا ذَلِكَ,

стр. 15466

وَدَفَعْتُ إِلَيْكَ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّنَانِيرِ, الْمُسَمَّى مَبْلَغُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ, الَّذِي خَالَعْتَنِي عَلَيْهَا وَافِيَةً, سِوَى مَا فِي صَدَاقِي, فَصِرْتُ بَائِنَةً مِنْكَ, مَالِكَةً لأَمْرِي, بِهَذَا الْخُلْعِ, الْمَوْصُوفِ أَمْرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ, فَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيَّ, وَلَا مُطَالَبَةَ, وَلَا رَجْعَةَ, وَقَدْ قَبَضْتُ مِنْكَ, جَمِيعَ مَا يَجِبُ لِمِثْلِي, مَا دُمْتُ فِي عِدَّةٍ مِنْكَ, وَجَمِيعَ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ, بِتَمَامِ مَا يَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي مِثْلِ حَالِي, عَلَى زَوْجِهَا الَّذِي يَكُونُ فِي مِثْلِ حَالِكَ, فَلَمْ يَبْقَ لِوَاحِدٍ مِنَّا قِبَلَ صَاحِبِهِ حَقٌّ, وَلَا دَعْوَى, وَلَا طَلِبَةٌ, فَكُلُّ مَا ادَّعَى وَاحِدٌ مِنَّا قِبَلَ صَاحِبِهِ, مِنْ حَقٍّ, وَمِنْ دَعْوَى, وَمِنْ طَلِبَةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ, فَهُوَ فِي جَمِيعِ دَعْوَاهُ مُبْطِلٌ, وَصَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ أَجْمَعَ بَرِىءٌ, وَقَدْ قَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا, كُلَّ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ صَاحِبُهُ, وَكُلَّ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ, مِمَّا وُصِفَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مُشَافَهَةً, عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُ, قَبْلَ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنْطِقِنَا, وَافْتِرَاقِنَا عَنْ مَجْلِسِنَا, الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا فِيهِ, أَقَرَّتْ فُلَانَةُ, وَفُلَانٌ). شرح كتاب عقد تفرّق الزوجين المذكور (قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ذكره الآية استدلالاً على أن تفرّق الزجين بالخلع مشروع بنصّ كتاب اللَّه . قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: قال طائفة من السلف، وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجّوا بهذه الآية، قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدّليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابنُ عبّاس، وطاوس، والحسن، والجمهور، حتى قال مالك، والأوزاعيّ: لو أخذ منها شيئًا، وهو مضارّ لها وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيًا، قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند إلاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب "الاستذكار" له عن بكر بن عبد اللَّه المزنيّ إلى أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، ورواه ابن جرير عنه، وهذا قول ضعيف، ومأخذ مردود على قائله. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم البحث عن هذه المسألة في محلّها، من

стр. 15467

"كتاب الطلاق" مستوفًى، بحمد اللَّه تعالى، وحسن توفيقه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَتهُ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فِي صِحَّةٍ مِنْهَا، وَجَوَازِ أَمْرٍ، لِفُلَانِ بْنِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، إِنِّي كُنْتُ زَوْجَةً لَكَ، وَكُنْتَ دَخَلتَ بِي، فَأَفْضَيْتَ إِلَيَّ) كناية عن جماعها، يقال: أفضى إلى امرأته: إذا باشرها، وجامعها، وأما أفضاها بدون حرف جرّ، فمعناه جعل مسلكيها بالافتضاض واحدًا. وقيل: جعل سبيل الحيض والغائط واحدًا، فهي مُفضاة. قاله الفيّوميّ (ثُمَّ إِنِّي كَرِهْتُ صُحْبَتَكَ، وَأَحْبَبْتُ مُفَارَقَتَكَ، عَنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ مِنْكَ بِي، وَلَا مَنْعِي لِحَق وَاجِبٍ لِي عَلَيْكَ، وَإنِّي سَأَلْتُكَ عِنْدَمَا خِفْنَا، أَنْ لَا نُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ،) أي ما حدّه اللَّه على كلّ واحد من الزوجين من الحقوق (أَنْ تَخْلَعَنِي) بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح (فَتُبينَنِي) بضمّ أوله من الإبانة رباعيًّا (مِنْكَ بِتَطْلِيقَةٍ، بِجَمِيعِ مَالي عَلَيْكَ، مِنْ صَدَاقٍ) أيَ بكونه عوضًا على ذلك (وَهُوَ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا، جِيادًا، مَثَاقِيلَ، وَبكَذَا وَكَذَا دِينَارًا، جيَادًا، مَثَاقِيلَ، أَعْطَيتُكَهَا عَلَى ذَلِكَ، سِوَى مَا فِي صَدَاقِي، فَفَعَلْتَ الَّذِي سَأَلْتُكَ مِنْهُ، فَطَلَّقْتَنِي تَطْلِيقَةً بَائِنَة، بجَمِيعِ مَا كَانَ بَقِيَ لِي عَلَيْكَ، مِنْ صَدَاقِي المُسَمَّى مَبلَغُهُ، فِي هَذَا الكِتَاب، وَبِالدَّنَانِيرِ المُسَمَّاةِ فِيهِ، سِوَى ذَلِكَ، فَقَبِلتُ ذَلِكَ مِنْكَ، مُشَافَهَةً لَكَ، عِنْدَ مُخَاطَبَتِكَ إيَّايَ بِهِ، وَمُجَاوَبَةٌ عَلَى قَوْلِكَ، مِنْ قَبْلِ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنطِقِنَا ذَلِكَ) أي تراجعنا عن محلّ نطقَنا، والمراد: قبل قيامهما وتفرّقهما عن مجلسهما ذلك. واللَّه تعالى أعلم (وَدَفَعْتُ إِلَيْكَ جمَيعَ هَذِهِ الدَّنَانِيرِ، الْمُسَمَّى مَبلَغُهَا فِي هَذَا الْكِتَاب، الَّذِي) هكذا النسخ، وكان الأولى أن يقول: "التي"؛ لأنه صفة للدنانير، أو يذكر الضَمير في قوله (خَالَعْتَنِي عَلَيْهَا) فيقول: عليه، فيعود إلى المبلغ (وَافِيةٌ، سِوَى مَا في صدَاقي، فَصِرْتُ بَائِنَة مِنْكَ، مَالِكَةٌ لِأَمْرِي، بِهَذَا الخُلعِ، الْمَوْصُوفِ أَمْرُهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، فَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيَّ، وَلَا مُطَالَبَةَ، وَلَا رَجعَةَ، وَقَد قَبَضْتُ مِنْكَ، جَمِيعَ مَا يَجِبُ لِمِثليَ، مَا دُمْتُ فِي عِدَّةٍ مِنْكَ) أرادت به ما يجب لها من نفقة العدّة (وَجَمِيعَ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ، بِتَمَام مَا يَجِبُ لِلمُطَلَّقَةِ الَّتِى تكُونُ فِي مِثلِ حَالي، عَلَى زَوْجِهَا الَّذِي يَكُونُ فِي مِثْلِ حَالِكَ، فَلمْ يبْقَ لِوَاحِدٍ مِنَّا قِبَلَ صَاحِبِهِ حَقٌّ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِبَةٌ) بفتح، فكسر: أيَ مطالبة (فَكُلُّ مَا ادَّعَى وَاحِدٌ مِنَّا قْبَل صَاحِبِهِ، مِنْ حَقٍّ، وَمِنْ دَعْوى، وَمِنْ طَلبَة بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهُوَ فِي جَمِيع دَعوَاهُ مُبْطِلٌ) أرادت بذلك الدعوى المتعلقة بالزوجية (وَصَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ أَجْمَعَ) توكيدَ لاسم الإشارة، مجرور بالفتحة؛ للعلميّة ووزن الفعل؛ لأن ألفاظ التوكيد معارف للعلميّة الجنسيّة، كما هو مقرّر في محلّه (بَرِيءٌ، وَقَدْ قَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ منَّا، كُلَّ مَا أَقرَّ لَهُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكُلَّ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ، مِمَّا وُصِفَ فِي هَذَا الكِتَابِ مُشَافَهَةً، عِنْدَ

стр. 15468

مُخَاطَبَتِهِ إيَّاهُ، قَبْلَ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنْطِقِنَا) وقوله (وَافْتِرَاقِنَا عَنْ مَجْلِسِنَا الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا فِيهِ) تفسير لما قبله، من قولها: قبل تصادرنا عن مطقنا (أَقَرَّتْ فُلَانَةُ، وَفُلَانٌ) تعني أن المرأة الطالبة للخلع أقرّت بما اشتمل عليه هذا الكتاب، وأقرّ بقبول ذلك الزوج المخالع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٨ - (الْكِتَابَةُ) قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: يقال: كاتبتُ العبدَ مُكاتبةً، وكتابًا، من باب قاتل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]، وكتبنا كتابًا في المعاملات، وكتابة بمعنى، وقول الفقهاء: "باب الكتابة" فيه تسامحٌ؛ لأن الكتابة اسم المكتوب، وقيل: للمكاتبة كتابةٌ تسميةٌ باسم المكتوب، مجازًا، واتساعًا؛ لأنه يُكتَب في الغالب للعبد على مولاه كتابٌ بالعتق عند أداء النجوم، ثم كثُر الاستعمال حتى قال الفقهاء للمكاتبة: كتابة، وإن لم يُكتب شِيء. قال الأزهريّ: وسُمّيت المكاتبة كتابةً في الإسلام، وفيه دليلٌ على أن هذا الإطلاق ليس عربيًّا، وشذّ الزمخشريّ، فجعل المكلاتبة، والكتابة بمعنًى واحد، ولا يكاد يوجد لغيره ذلك، ويجوز أنه أراد الكتاب، فطغا القلم بزيادة الهاء. قال الأزهريّ: الكتاب، والمكاتبة أن يُكاتِبَ الرجلُ عبدَهُ، أو أمته على مال منجَّمٍ، ويَكتُب العبدُ عليه أنه يَعتِقُ إذا أدَّى النجوم. وقال غيره بمعناه، وتكاتبا كذلك، فالعبدُ مكاتبٌ؛ بالفتح، اسم مفعول، وبالكسر اسم فاعل؛ لأنه كاتب سيّده، فالفعل منهما، والأصل في باب المفاعلة أن يكون من اثنين، فصاعدًا، يفعل أحدهما بصاحبه ما يفعل هو به، وحينئذ، فكل واحد فاعلٌ ومفعول من حيث المعنى. انتهى كلام الفيّوميّ (١). (قَالَ اللَّهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] , هَذَا كِتَابٌ, كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ, فِي صِحَّةٍ مِنْهُ, وَجَوَازِ أَمْرٍ, لِفَتَاهُ النُّوبِيِّ, الَّذِي يُسَمَّى فُلَانًا, وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مِلْكِهِ وَيَدِهِ, إِنِّي كَاتَبْتُكَ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ, وُضْحٍ

стр. 15469

جِيَادٍ, وَزْنِ سَبْعَةٍ, مُنَجَّمَةٍ عَلَيْكَ, سِتُّ سِنِينَ مُتَوَالِيَاتٍ, أَوَّلُهَا مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا, مِنْ سَنَةِ كَذَا, عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إِلَيَّ هَذَا الْمَالَ, الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي نُجُومِهَا, فَأَنْتَ حُرٌّ بِهَا, لَكَ مَا لِلأَحْرَارِ, وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ, فَإِنْ أَخْلَلْتَ شَيْئًا مِنْهُ عَنْ مَحِلِّهِ, بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ, وَكُنْتَ رَقِيقًا, لَا كِتَابَةَ لَكَ, وَقَدْ قَبِلْتُ مُكَاتَبَتَكَ عَلَيْهِ, عَلَى الشُّرُوطِ الْمَوْصُوفَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ, قَبْلَ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنْطِقِنَا, وَافْتِرَاقِنَا عَنْ مَجْلِسِنَا, الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا ذَلِكَ فِيهِ, أَقَرَّ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ). شرحِ كتاب عقد الكتابة المذكور (قَالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]) قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: هذا أمر من اللَّه تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يُكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حِيلةٌ، وكسبٌ يؤدّي إلى سيّده المال الذي شارطه على أدائه. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد، واستحباب، لا أمر تحتّم وإيجاب، بل السيّد مخيّرٌ إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه. رُوي ذلك عن الشعبيّ، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، ومقاتل بن حيّان. وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيّد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب، أخذا بظاهر هذا الأمر. وقال البخاريّ: وقال روح، عن ابن جُريج: قلت لعطاء: أواجبٌ عليّ إذا علمت له مالاً أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وقال عمرو ابن دينار: قلت لعطاء: أتأثُره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسًا ﵁ المكاتبة، وكان كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى، فضربه بالدِّرَّة، ويتلو عمر ﵁: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فكاتبه، هكذا ذكره البخاريّ معلّقًا، ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وأخرج ابن جرير بسند صحيح، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكّأ عليه، فقال له عمر لتكاتبنّه. قال. وهذا هو القول القديم للشافعيّ، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب. وكذا قال مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، وغيرهم. واختار ابن جرير القول بالوجوب؛ لظاهر الآية. انتهى كلام ابن كثير باختصار (١).

стр. 15470

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن القول بالوجوب هو الأرجح، كما اختاره ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-؛ لأن الأمر في الآية للوجوب؛ إذ لا صارف لها عنه إلى الاستحباب، لا من نصّ، ولا من إجماع، فهي على الوجوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ اختلفوا في المراد بالخير، فقال بعضهم: أمانةً. وقال بعضهم: صدقًا. وقال بعضهم: مالاً. وقال بعضهم: حِيلةً وكسبًا. وروى أبو داود في "المراسيل"، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: "إن علمتم فيهم حرفةً، ولا تُرسلوهم كلًّا على الناس" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التفسير الأخير هو الأقرب عندي، وإن كان الحديث مرسلاً. واللَّه تعالى أعلم. (هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرٍ، لِفَتَاهُ) الفتى: العبد، وجمعه في القلّة فِتْيةٌ، وفي الكثرة فِتيانٌ، والأمة فتاةٌ، وجمعها فتياتٌ، والأصل فيه أن يقال للشاب الْحَدَثِ فَتى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخًا، مجازًا تسميةً باسم ما كان عليه. قاله الفيّوميّ (النُّوبِيِّ) بضمّ النون: نسبة إلى بلاد واسعة للسودان، بجنوب الصّعيد، منها بلال الحبشيّ ﵁، قاله في "القاموس. وأراد به هنا توضيح نسبة العبد المكاتب، لا لزوم كونه نوبيًا (الَّذِي يُسَمَّى فُلَانًا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مِلْكِهِ وَيَدِهِ، إِنِّي كَاتَبْتُكَ عَلَى ثَلَاثَةِ آلافِ دِرْهَم، وُضْح جِيَادٍ، وَزْنِ سَبْعَةٍ) أي كلّ عشرة منها وزن سبعة مثاقيل (مُنَجَّمَةً عَلَيْكَ) أي مقَطّعة نَجْمًا نجمًا، قال في "اللسان": قال في "التهذيب": والنجوم وظائف الأشياء، وكلُّ وظيفة نَجْمٌ، والنجم الوقت المضروب، وبه سُمّي المنجّم، ونَجّمتُ المالَ: إذا أدّيته نُجُومًا، قال زُهير في ديات جُعلت نُجُومًا على العاقلة [من الطويل]: يُنَجِّمُهَا قَومٌ لِقَوْمٍ غرَامَةً … وَلَمْ يُهْرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمِ قال: تنجيمُ الدين هو أن يُقَدْر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة، مُشاهرةٌ، أو مساناةٌ، ومنه تنجيم المكاتب، ونُجوم الكتابة، وأصله أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر، ومَساقطها مواقيتَ حلول ديونها وغيرها، فتقول: إذا طلع النجم حلّ عليك مالي، أي الثريّا، وكذلك باقي المنازل، فلما جاء الإسلام جعل اللَّه تعالى الأهلّة مواقيت لما يحتاجون إليه من معرفة أوقات الحجّ، والصوم، ومَحِلّ الديون، وسَمَّوْها

стр. 15471

نُجومًا، اعتبارًا بالرسم القديم الذي عرفوه، واحتذاءً حَذْوَ ما أَلِفُوه. انتهى المقصود من "اللسان". (سِتَّ سِنِينَ) منصوب على الظرفية متعلق بـ "منجّمَة"، وهذا أيضًا إنما ذُكر لبيان لزوم تحديد المدة في العقد، لا لزوم تعيين ستّ سنين (مُتَوَالِيَاتٍ، أَوَّلُهَا مُسْتَهَلُّ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا، عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إِلي هَذَا المَالَ، المسمى مَبلَغُهُ في هَذَا الكتَاب في نُجُومِهَا) أي في أوقاتها المنجّمة، أي المقطّعة (فَأَنْتَ حُرٌّ بَها, لَكَ مَا لِلأَحْرَارِ، وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَخْلَلْتَ شَيْئًا مِنْهُ , عَنْ مَحِلِّهِ) بكسر الحاء المَهملة: أي أجله المضروب له (بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ، وَكُنْتَ رَقِيقًا، لَا كِتَابَةَ لَكَ، وَقَدْ قَبِلْتُ مُكَاتَبَتَكَ عَلَيْهِ، عَلَى الشُّرُوطِ الْمَوْصُوفَةِ فِي هَذَا الْكِتَاب، قَبْلَ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنْطِقِنَا، وَافْتِرَاقِنَا عَنْ مَجْلِسِنَا، الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا ذَلِكَ فِيهِ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ) يعني المولى المكاتِب، والعبدَ المكاتَب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٩ - (تَدْبِيرٌ) أي هذا كتاب عقد تدبير العبد. و"التدبير": مصدر دبرّ الرجل عبده تدبيرًا: إذا علّق عتقه على موته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (هَذَا كِتَابٌ, كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ, لِفَتَاهُ الصَّقَلِّيِّ, الْخَبَّازِ, الطَّبَّاخِ, الَّذِي يُسَمَّى فُلَانًا, وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مِلْكِهِ وَيَدِهِ, إِنِّي دَبَّرْتُكَ لِوَجْهِ اللَّهِ , وَرَجَاءِ ثَوَابِهِ, فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي, لَا سَبِيلَ لأَحَدٍ عَلَيْكَ بَعْدَ وَفَاتِي, إِلاَّ سَبِيلَ الْوَلَاءِ, فَإِنَّهُ لِي وَلِعَقِبِي مِنْ بَعْدِي, أَقَرَّ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ, بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ طَوْعًا, فِي صِحَّةٍ مِنْهُ, وَجَوَازِ أَمْرٍ مِنْهُ, بَعْدَ أَنْ قُرِئَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْهِ, بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ, الْمُسَمِّينَ فِيهِ, فَأَقَرَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ, وَفَهِمَهُ, وَعَرَفَهُ, وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ, وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا, ثُمَّ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ عَلَيْهِ, أَقَرَّ فُلَانٌ الصَّقَلِّيُّ الطَّبَّاخُ, فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ, أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ حَقٌّ, عَلَى مَا سُمِّىَ, وَوُصِفَ فِيهِ). قوله: (لِفَتَاهُ الصَّقَلِّيِّ): ضبطه في "القاموس": بكسرات، مشدّد اللام، ونصّه: وصِقِلِّيَةُ بكسرات مُشدّدة اللام: جزيرة بالمغرب. انتهى. وضبطه في "لُبّ اللباب"

стр. 15472

بفتحتين: وقال: نسبة إلى جزيرة صَقَليّة في بحر الروم (١). وقوله: "وَرَجَاءِ ثَوَابِهِ": أي أنه لا يريد عوضًا على عتقه، مثل ما تقدّم في الكتابة. وقوله: "فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ": كناية عن المولى. وتمام شرح هذا العقد يُعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ١٠ - (عِتْقٌ) أي هذا كتاب عقد عتق العبد. (هَذَا كِتَابٌ, كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ, طَوْعًا فِي صِحَّةٍ مِنْهُ, وَجَوَازِ أَمْرٍ, وَذَلِكَ فِي شَهْرِ كَذَا, مِنْ سَنَةِ كَذَا, لِفَتَاهُ الرُّومِىِّيِّ, الَّذِي يُسَمَّى فُلَانًا, وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مِلْكِهِ وَيَدِهِ, إِنِّي أَعْتَقْتُكَ, تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ , وَابْتِغَاءً لِجَزِيلِ ثَوَابِهِ, عِتْقًا بَتًّا, لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ, وَلَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْكَ, فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ, وَالدَّارِ الآخِرَةِ, لَا سَبِيلَ لِي, وَلَا لأَحَدٍ عَلَيْكَ, إِلاَّ الْوَلَاءَ, فَإِنَّهُ لِي, وَلِعَصَبَتِي مِنْ بَعْدِي). قوله: "لِفَتَاهُ الرُّوميِّ: أي المنسوب إلى الرُّوم: جِيل من ولد الروم بن عيصو. قاله في "القاموس". وقوله: "عِتْقًا بَتًّا" بفتح الموحّدة، وتشديد التاء الفوقانيّة: أي مقطوعًا. وقوله: "لا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ" بفتح الميم، وسكون المثلّثة، وتشديد ياء النسبة: أي لا رجوع فيه، فيكون مبيّنًا لمعنى البتّ، ويكون قوله:، وَلَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْكَ" عطف تفسير له. وقول: "وَلِعَصَبَتِي مِنْ بَعْدِي" يعني أن ولاءه يرثه منه عصبته الذين يرثون ماله. وتمام شرح العقد المذكور يُعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". …

стр. 15473

٣٦ - (كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ) أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدّالة على أحكام المحاربة، هكذا ترجم في النسخة الهنديّة، وترجم في النسخ المطبوعة، "كتاب تحريم الدم"، والأُولى أَولى. و"المحاربة": مصدر حاربه: إذا قاتله، والحربُ المقاتلة، والمنازلة، ولفظها أُنثَى، يقال: قامت الحرب على ساق: إذا اشتدّ الأمر، وصَعُبَ الخلاصُ، وقد تذكّرُ؛ ذَهَابًا إلى معنى القتال، فيقال: حربٌ شديدٌ، وتصغيرها حُريبٌ، والقياس بالهاء، وإنما سقطت كيلا يلتبس بمصغَّر الْحَرْبة التي هي كالرمح. ودار الحرب: بلاد الكفّار الذين لا صلح لهم مع المسلمين. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب ١ - (تَحْرِيمِ الدَّمِ) أي هذا بابَ ذكر الأحاديث الدّالّة على تحريم إراقة دم المسلم بغير حقّ. ٣٩٦٧ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ سُمَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ, حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, فَإِذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا, وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا, وَأَكَلُوا ذَبَائِحَنَا, فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ, وَأَمْوَالُهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هارون بن محمد بن بكّار بن بلال) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] ١٢٨/ ١٠٩١. ٢ - (محمد بن عيسى بن سُميع) -بالتصغير-: هو الأمويّ مولاهم، الدمشقيّ، صدوقٌ يُخطىء، وُيدلّس، ورُمي بالقدر [٩] ٢٤/ ١٦٦٣. ٣ - (حُميد الطويل) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يُدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٧) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه دمشقيين، وبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15474

شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفي رواية للبخاريّ تصريح حميد الطويل بالتحديث، ولفظه: قال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا حميد، حدثنا أنس، عن النبيّ ﷺ . وقال علي بن عبد اللَّه، حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا حميد، قال: سأل ميمون بن سياه، أنس بن مالك، قال: يا أبا حمزة ما يُحرِّم دمَ العبد وماله؟ فقال: "من شهد أن لا إله إلا اللَّه، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم". قال في "الفتح": لَمّا لم يكن في قول حميد: "سأل ميمون بن سياه أنسًا" التصريح بكونه حضر ذلك عقبه بطريق يحيى بن أيوب التي فيها تصريح حُميد بأن أنسًا حدّثهم؛ لئلا يُظنّ أنه دلّسه، ولتصريحه أيضًا بالرفع، وإن كان للأخرى حكمها. وقد روينا طريق يحيى بن أيوب موصولةً في "الإيمان" لمحمد بن نصر، ولابن منده، وغيرهما، من طريق ابن أبي مريم المذكور. وأعلّ الإسماعيليّ طريق حميد المذكورة، فقال: الحديث حديث ميمون، وحُميد إنما سمعه منه، واستدلّ على ذلك برواية معاذ بن معاذ، عن حميد، عن ميمون، قال: سألتُ أنسًا، قال: وحديث يحيى بن أيوب لا يُحتجّ به -يعني في التصريح بالتحديث- قال: لأن عادة البصريين، والشاميين ذكر الخبر فيما يروونه. قال الحافظ: هذا التعليل مردودٌ، ولو فُتح هذا الباب لم يوثق برواية مدلّس أصلاً، ولو صرّح بالسماع، والعمل على خلافه، ورواية معاذ لا دليل فيها على أن حميدًا لم يسمعه من أنس؛ لأنه لا مانع أن يسمعه من أنس، ثم يستثبت فيه من ميمون؛ لعلمه بأنه كان السائلَ عن ذلك، فكان حقيقًا بضبطه، فكان حُميد تارةً يُحدِّث به عن أنس لأجل العلوّ، وتارة عن ميمون؛ لكونه ثبته فيه، وقد جرت عادة حميد بهذا، يقول: حدّثني أنسٌ، وثبّتني فيه ثابت، وكذا وقع لغير حُميد. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول: أي أمرني اللَّه؛ لأنه لا أمر لرسول اللَّه ﷺ إلا اللَّه، وقياسه في الصحابيّ، إذا قال: أُمرتُ، فالمعنى أمرني رسول اللَّه ﷺ ، ولا يحتمل أن يُريد أمرني صحابيّ آخر؛ لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا

стр. 15475

يحتجّون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعيّ احتمل، والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك، فُهم منه أنّ الآمر له هو ذلك الرئيس. قاله في "الفتح" (١). (أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ) هذه الرواية مفسّرة للروايات الآتية بلفظ: "أمرت أن أُقاتل الناس"، فالمراد بالناس هو المشركون (حَتَّى يَشْهَدُوا) [إن قيل]: جَعْلُ غاية المقاتلة وجودَ ما ذُكر في هذا الحديث، يقتضي أن من شهد الشهادتين، وأتى بهذه الأمور المذكورة، فقد حرم دمه، وماله، ولو جحد سائر الأحكام الشرعيّة. [أُجيب]: بأن الشهادة بالرسالة تتضمّن التصديق بما جاء به، مع أن نصّ الحديث بقوله: "إلا بحقّها"، وفي رواية: "إلا بحقّ الإسلام" يدخل فيه جميع أحكام الشريعة. وحكمة الاقتصار على ما ذكر أن من يقرّ بالتوحيد من أهل الكتاب، وإن صلُّوا، واستقبلوا، وذبحوا، لكنهم لا يُصلُّون مثل صلاتنا, ولا يستقبلون قبْلتنا، ومنهم من يذبح لغير اللَّه تعالى، ومنهم من لا يأكل ذبيحتنا, ولهذا قال: "وأكل ذبيحتنا"، والاطلاع على حال المرء في صلاته، وأكله يمكن بسرعة في أول يوم، بخلاف غير ذلك من أمور الدين. أفاده في "الفتح" (٢). (أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإذَا شَهِدُوا أن لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا) أي صلّوا كما نصلي نحن، فـ "صلاتنا" منصوب بنزع الخافض، وهو في نفس الأمر صفة لمصدر محذوف، أي صلّوا صلاة كصلاتنا (وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا) إنما ذكر استقبال القبلة، وإن كانت الصلاة متضمّنةٌ له، مشروطةً به؛ لأن القبلة أعرف من الصلاة، فإن كلّ أحد يَعرف قبلته، وإن كان لا يعرف صلاته؛ ولأن من أعمال صلاتنا ما هو موجود في صلاة غيرنا، كالقيام، والقراءة، واستقبالُ قبلتنا مخصوص بنا. (وَأَكَلُوا ذَبَائِحَنَا) جمع ذبيحة، وفي رواية البخاريّ: "وذبحوا ذبيحتنا" أي ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا. قال في "عمدة القاري": ثم لَمّا ذكر من العبادات ما يُميّز المسلم من غيره -يعني الصلاة- أعقبه بذكر ما يُميّزه عادةً وعبادةٌ، فقال: "وأكلوا ذبيحتنا"، فإن التوقّف عن أكل الذبائح كما هو من العادات، فكذلك هو من العبادات الثابتة في كلّ ملّة. قال الطيبيّ: وأقول -واللَّه أعلم-: إذا أُجري الكلام على اليهود، سَهُل تعاطى عطف الاستقبال على الصلاة بعد الدخول فيها، ويعضده اختصاص ذكر الذبيحة؛ لأن اليهود
следующие страницы →