استعماله بالألف واللام للمخلوق بمعنى المالك؛ لأن اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات، وربّما جاء باللام عوضًا عن الإضافة، إذا كان بمعنى السيّد، قال الحارث بن حِلِّزَة [من الخفيف]:
فَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْ … مِ الْحِيَارَينِ (١) وَالْبَلَاءُ بَلَاءُ
وبعضهم يمنع أن يقال: هذا ربّ العبد، وأن يقول العبد: هذا ربّي، وقوله ﷺ : "حتى تلد الأمة ربّها"، حجّةٌ عليه. انتهى (٢).
(أَنْ يَزْرَعَهَا) بفتح أوله مبنيَّا للفاعل، أي يزرع أرضه بنفسه (أَوْ يُزْرِعَهَا) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول، أي يُعطيها لغيره لينتفع بزراعتها (وَكَرِهَ كِرَاءَهَا) الظاهر أنه الكراء المذكور، من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، فيكون عطفه على ما قبله للتأكيد (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) يحتمل أن يكون معطوفًا على ما قبله، فيكون المعنى: وكره المذكور، وغير ذلك، مما يُفسد العقد، كان يؤاجره على الماذيانات، وأقبال الجداول، كما سيأتي في -٣٩٢٦ - : (كان الناس على عهد رسول اللَّه ﷺ يؤاجرون على الماذيانات، وأقبال الجداول، فيسلم هذا، ويَهلك هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه".
ويحتمل أن يكون "ما سوى ذلك" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: جائزٌ، يعني أن ما سوى ما ذُكر من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، جائز أن يكون أجرة للأرض، وذلك مثل الدراهيم، والدنانير المسمّى، فيكون بمعنى قول رافع ﷺ في الرواية الآتية بعد حديثين، لَمّا سئل عن كرائها بالدينار والدرهم، قال: "ليس بها بأس بالدينار والدرهم"، وبمعنى قوله في الرواية التي بعدها: "فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به"، وأصرح منهما الرواية التي بعده: "عن حنظلة بن قيس، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كراء الأرض، قال: فقدت: أبا الذهب والورق؟، فقال: أما الذهب والورق، فلا بأس به". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خديج، عن رجل من عمومته - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
стр. 15402
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٩٣٣ و ٣٩٢٣ و ٣٩٢٤ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٢٣ و ٤٦٢٤ و ٤٦٢٥. وأخرجه (خ) في "الحرث والمزارعة" ٢٣٤٦ و ٢٣٤٧ (م) في "البيوع" ٣٩٢٢ (د) في "البيوع والإجارات" ٣٣٩٥ و ٣٣٩٦ (ق) في "الرهون" ٢٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (أَيُّوبُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ يَعْلَى) يعني أن أيوب السختيانيّ لم يسمع هذا الحديث من يعلي بن حكيم، وإنما أخذه عنه مكاتبة، وليس غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا تضعيف الحديث، بل غرضه بيان كيفيّة أخذ أيوب عن يعلي بن حكيم، وإنما بيّن ذلك؛ للاختلاف بين العلماء في جواز المكاتبة بالحديث، والصحيح صحّتها
وصورة الكتابة: أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر، أو غائب بخطّه، أو يأمر من يكتب له، وهي ضربان:
[إحداهما]: مقرونة بالإجازة، كان يقول: أجزتك ما كتبت لك، أو نحوه من العبارة، وهذه في الصحّة والقوّة، كالمناولة المقرونة بالإجازة.
[الثانية]: مجرّدة عن الإجازة، وهذه منع الرواية بها قوم، منهم: القاضي أبو الحسن الماورديّ الشافعيّ في الحاوي، والآمديّ، وابن القطّان. وأجازها كثيرون من المتقدّمين، والمتأخّرين، منهم: أيوب السختياني، ومنصور، والليث، وابن سعد، وابن أبي سَبْرة، وغير واحد من الشافعيّة، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، ويوجد في مصنّفاتهم كثيرًا: كتَبَ إليّ فلان، قال: حدّثنا فلانٌ، والمراد به هذا، وهو معمول به عندهم، معدود في الموصول من الحديث، دون المنقطع؛ لإشعاره بمعنى الإجازة، بل قال السمعانيّ: هي أقوى من الإجازة. قال الحافظ السيوطيّ: وهو المختار، بل وأقوى من أكثر صور المناولة، وفي "صحيح البخاريّ" في "الأيمان والنذور" وكتب إنّي محمد بن بشّار … وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره، وفيه، وفي "صحيح مسلم" أحاديث كثيرة بالمكاتبة في أثناء السند.
وقال البيهقيّ في "المدخل": ما معناه: في هذا الباب آثار كثيرة عن التابعين، فمن بعدهم، وكُتُبُ النبيّ ﷺ -إلى عُمّاله بالأحكام شاهدة لقولهم (١).
والحاصل أن المكاتبة بالحديث من الطرق الصحيحة المتّصلة، تجوز الرواية, والعمل بها. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15403
ثمّ ساق الرواية التي تبيّن أن أيوب السختيانيّ لم يسمع من يعلى، وإنما أخذه بالمكاتبة، فقال:
٣٩٢٣ - (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ, أَنِّي سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ, يُحَدِّثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرْضَ, نُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ, وَالرُّبُعِ, وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى).
و"محمد بن عُبيد" بن حساب -بكسر الحاء، وتخفيف السين المهملتين -الْغُبَريّ- بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة- البصريّ، ثقة [١٠].
قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال النسائيّ، ومَسلَمة: ثقة. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ابن حساب فوق الزبيريّ -يعني عبد اللَّه بن محمد بن الْمِسْوَر الزبيريّ- بكثير، ابنُ حساب عندي حجةٌ. قال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة (٢٣٨) روى عنه مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط.
و"حمّاد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو ابن أبي تميمة السختيانيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سَعيد، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ) يعني أن سعيد بن أبي عروبة مِهْران تابع أيوب في رواية هذا الحديث عن يعلي بن حكيم، كما بيّن روايته بقوله:
٣٩٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ, فَقَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ, أَنْفَعُ لَنَا, قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ, وَلَا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ, وَلَا رُبُعٍ, وَلَا طَعَامٍ مُسَمًّى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل بن مسعود": هو الجحدريّ البصريّ. و"خالد بن الحارث": هو الْهُجيميّ البصريّ. والإسناد مسلسل بالبصريين إلى يعلى.
والحديث أخرجه مسلم من طريق خالد بن الحارث، وعبد الأعلى، وعبدة كلهم، عن سعيد بن أبي عروبة، بسند المصنّف، لكن لم يسق متنه، أحاله على رواية أيوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15404
وقوله (رَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ رَافِع، فاخْتُلِف) بالبناء للمفعول (عَلَى رَبِيعَةَ) بن أبي عبد الرحمن (فِي رِوايَتِهِ) زاد في "الكبرى": "عنه فيه"، والضمير في "عنه" لحنظلة، وفي "فيه" للحديث. يعني أن حنظلة بن قيس الزُّرَقيّ روى هذا الحديث عن رافع بن خديج ﵁، ورواه عنه ربيعة الرأي، لكن الرواة اختلفوا على ربيعة فيه، فرواه عنه الليث، عن حنظلة، عن رافع، عن عمه، مرفوعًا، ورواه الأوزاعيّ، عنه، عن حنظلة، عن رافع، مرفوعًا, ولم يذكر عمه، ووافق الأوزاعيّ مالكٌ في الإسناد، وخالفه في المتن، كما سيأتي، ورواه الثوريّ، عنه، عن حنظلة، عن رافع، موقوفًا عليه، ولم يذكر أيضًا عمه.
ثم إن هذا الاختلاف لا يضرّ، أما بالنسبة للرفع والوقف، فترجّح رواية الرفع؛ لأن معها زيادة علم من ثقات حفّاظ، وأما بالنسبة لذكر عمّ رافع، وعدمه، فيُحمل على أن رافعًا، سمعه من عمّه، ثم سمعه من النبيّ ﷺ ، فكان يُحدّث عنهما, ولذلك أخرج الحديث الشيخان من رواية حنظلة، عن رافع، كما سنبيّنه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق روايات ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس، عن رافع، فقدم رواية الليث، عن ربيعة، فقال:
٣٩٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي, أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ, وَشَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ, يَسْتَثْنِي صَاحِبُ الأَرْضِ, فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ ذَلِكَ, فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ كِرَاؤُهَا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ , فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ, بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّميِّ البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (حُجَين بن المثنّى) أبو عمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ربيعة) بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ، أبو عثمان المدنيّ، المعروف بربيعة الرأي، ثقة فقيه مشهورٌ، قيل: كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] ٣٦/ ٧٢٩.
٥ - (حنظلة بن قيس) بن عمرو بن حِصْن بن خلْدة الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقة [٢].
стр. 15405
قال ابن سعد، عن الواقديّ: كان ثقة قليل الحديث. وحُكي عن الزهريّ قال: ما رأيت من الأنصار أحزّم، ولا أجود رأيًا من حنظلة بن قيس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: رأى عمر، وعثمان. وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة، جانحًا لقول الواقدي: إنه وُلد في عهد النبيّ ﷺ . روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. والباقيان تقدما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ربيعة، والليث مصريّ، والباقيان بغداديان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي) بالإفراد، وهو ظُهير بن رافع ﵁. وفي رواية البخاريّ، من طريق الأوزاعيّ، عن ربيعة: "حدّثني عَمَّاي" بالتثنية، قال الحافظ في "الفتح": هما ظُهير بن رافع، والآخر قال الكلاباذيّ: لم أقف على اسمه، وذكر غيره أن اسمه مُظَهِّر -وهو بضمّ الميم، وفتح الظاء، وتشديد الهاء المكسورة- وضبطه عبد الغنيّ، وابن ماكولا هكذا زعم بعض من صنّف في المبهمات، ورأيت في الصحابة لأبي القاسم البغويّ، ولأبي عليّ بن السكن، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن يعلي بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خَدِيج: أن بعض عمومته، قال سعيد: زعم قتادة أن اسمه مُهَير، فذكر الحديث، فهذا أولى أن يُعتمد، وهو بوزن أخيه ظُهير، كلاهما بالتصغير. انتهى (١).
(أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإكراء رباعيًّا (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ) -بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الموحّدة-: جمع رَبيع -بفتح الراء، وكسر الموحّدة: وهو النهر الصغير, والمعنى أنهم كانوا يُكرون الأرض، ويشترطون لأنفسهم ما ينبُتُ على الأنهار (وَشَيْءِ) بالجرّ عطفًا على "ما ينبت" (مِنَ الزرْعِ، يَسْتَثْني صَاحِبُ الأرْضِ) ببناء الفعل للمفعول، و"صاحب" مرفوع على الفاعليّة، ومفعوله مقدّر، وقد صُرِّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: "يستثنيه صاحب الأرض"، وهو من الاستثناء، أي يُخرجه لنفسه مما للزارع، وقال في "الفتح":
стр. 15406
وكأنه يُشير إلى استثناء الثلث، أوالربع، ليوافق الرواية الأخرى (فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، , عَنْ ذَلِكَ) قال حنظلة بن قيس (فَقُلْتُ لِرَافِعٍ) ﵁ (فَكَيْفَ كِراؤُهَا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمْ؟) أيجوز أم لا؟ (فَقَالَ: رَافِعٌ) ﵁ (ليْسَ بِهَا) أي بإجارة الأرض (بَأْسٌ، بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) في "الفتح": يحتمل أن يكون ذلك قاله رافع باجتهاده. ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه، أو عَلِم أن النهي عن كراء الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول، ونحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز الكراء بالذهب والفضّة، ويرجّح كونه مرفوعًا ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيّب، عن رافع بن خدِيج، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، وقال: إنما يَزرع ثلاثة: رجلٌ له أرضٌ، ورجلٌ مُنِح أرضًا، ورجلٌ اكترى أرضًا بذهب، أو فضة"، لكن بيّن النسائيّ من وجه آخر أن المرفوع منه النهى عن المحاقلة، والمزابنة، وأن بقيّته مدرجٌ من كلام سعيد بن المسيّب. وقد رواه مالكٌ في "الموطّإ"، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب. انتهى ما في "الفتح" (١)،
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الأرجح كون قوله: "إنما يزرع ثلاثة الخ" من كلام سعيد بن المسيّب -رحمه اللَّه تعالى-، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خَديج، عن عمّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٩٢٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٢٦. وأخرجه (خ) في "الحرث، والمزارعة" ٢٣٤٦ و ٢٣٤٧ (م) في "البيوع" ٣٩٢٦ و ٣٩٢٨ (د) في "المزارعة" ٣٣٩٢ و ٣٣٩٣ (ق) في "الرهون" ٢٤٥٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ الأَوْزَاعِيُّ) يعني أن الأوزاعيّ خالف الليث بن سعد في روايته لهذا الحديث، حيث إنه راوه عن ربيعة، عن رافع، عن عمّه، مرفوعًا، فخالفه الأوزاعيّ، فرواه عن ربيعة، عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، عن رافع بن خديج، مرفوعًا, ولم
стр. 15407
يذكر عمّه، لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث، كما تقدّم، ولذا أخرجه الشيخان من الوجهين، فأخرج البخاريّ رواية الليث بزيادة عقيه، وأخرج مسلم رواية الأوزاعيّ بإسقاطهما. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية الأوزاعيّ التي أشار إليها، فقال:
٣٩٢٦ - (أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى -هُوَ ابْنُ يُونُسَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ, قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, بِالدِّينَارِ, وَالْوَرِقِ؟ , فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ, إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , يُؤَاجِرُونَ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ, وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ, فَيَسْلَمُ هَذَا, وَيَهْلِكُ هَذَا, وَيَسْلَمُ هَذَا, وَيَهْلِكُ هَذَا, فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلاَّ هَذَا, فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ (١) , فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ, فَلَا بَأْسَ بِهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه المغيرة بن عبد الرحمن أبي أحمد الْحَرَّانيّ، من صغار [١٠] ٩٤/ ٢٠٢٥، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
وقوله: "على الماذيانات": بكسر الذال المعجمة، وحكي فتحها: مسايل المياه، مُعَرَّبة (٢). وقال ابن الأثير: هي جمع ماذِيان، وهو النهر الكبير، وليست بعربيّة، وهي سوادية. انتهى (٣). وقال الخطّابيّ: هي الأنهار، وهي من كلام المعجم، صارت دخيلًا في كلامهم. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ: الماذيانات معروفة، بكسر الذال، وقد فُتحت، وليست عربيّة، ولكنها سواديّة. وهي مسايل الماء، والمراد بها هنا: ما يَنبُتُ على شطوط الجداول، ومسايل الماء، وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورًا له، وكان منه بسبب. انتهى (٥).
وقوله: "وأقبال الجداول" بفتح الهمزة، ثم قاف، ثم موحّدة، قال في "النهاية": هي الأوائل، والرؤوس، جمع قُبْل، والقُبْل أيضًا رأس الجبل، والأَكَمَة، وقد يكون جمع قَبَل -بالتحريك- وهو الكلأ في مواضع من الأرض، والقَبَلُ أيضًا: ما استقبلك من الشيء.
стр. 15408
انتهى (١). والجداول: جمع جدول: وهو النهر الصغير.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومعنى هذا أن صاحب الأرض كان يُؤاجر أرضه بالثلث، أو بالربع، أوبأن يكون له ما يُزرع على جوانب الأنهار، والجداول، وعلى أفواهها، وكان منهم من يؤاجر أرضه بالماذيانات خاصّةٌ. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَافَقَهُ مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَلَى إِسْنَادِهِ، وَخَالَفَهُ فِي لَفْظِهِ) يعني أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة وافق الأوزاعيّ --رحمهما اللَّه تعالى-- في إسناد هذا الحديث، حيث روياه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج ﵁، لكنه خالفه في متن الحديث، والاختلاف بين المتنين واضح، كما بيّنه بما ساقه بقوله:
٣٩٢٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ رَبِيعَةَ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ, قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ؟ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, قُلْتُ: بِالذَّهَبِ, وَالْوَرِقِ؟ قَالَ: لَا, إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا, فَأَمَّا الذَّهَبُ, وَالْفِضَّةُ, فَلَا بَأْسَ). رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵁ عَنْ رَبِيعَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵁، عَنْ رَبِيعَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ) يعني أن سفيان بن سعيد الثوريّ -رحمه اللَّه تعالى- وافق الأوزاعيّ، ومالكًا في إسناد هذا الحديث، لكن خالفهما في متنه، فجعله موقوفًا على رافع ﵁، لكن الحكم في مثل هذا لمن رفع؛ لأن معه زيادة علم؛ ولأنهم أكثر. واللَّه تعالى أعلم.
ثم بيّن -رحمه اللَّه تعالى- رواية الثوريّ بقوله:
٣٩٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ وَكِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ, قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ, بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ, فَقَالَ: حَلَالٌ, لَا بَأْسَ بِهِ, ذَلِكَ فَرْضُ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. والحديث صحيح مرفوعًا، كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
стр. 15409
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، , عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَرَفَعَهُ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ , عَنْ رَبِيعَةَ) يعني أن يحيى بن سعيد الأنصاريّ تابع ربيعة بن أبي عبد الرحمن في رواية هذا الحدَيث عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، فرواه مرفوعًا، مثل رواية مالك بن أنس، عن ربيعة، وهذا مما يقوّي ترجيح الرفع أيضًا.
ثم ساق رواية يحيى بن سعيد المذكورة بقوله:
٣٩٢٩ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ كِرَاءِ أَرْضِنَا, وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذَهَبٌ, وَلَا فِضَّةٌ, فَكَانَ الرَّجُلُ يُكْرِى أَرْضَهُ بِمَا عَلَى الرَّبِيعِ, وَالأَقْبَالِ, وَأَشْيَاءَ مَعْلُومَةٍ … وَسَاقَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وقوله: "في حديثه حمّاد بن زيد" يعني يحيى بن حبيب بن عربي البصريّ أخبر المصنّف، ومن معه بهذا الحديث في جملة أحاديث رواها عن حمّاد بن زيد. وقوله: "ولم يكن يومئذ ذهب الخ" يعني أن الناس في ذلك كانوا لا يؤاجرون بالذهب والفضّة، وإنما يؤاجرون بما يكون خطرًا، وهو الكراء الذي يكون مجهولاً، أو معلومًا، لكنه يضرّ بالآخر، كما بيّنه في قوله:، فكان الرجل يُكري أرضه بما على الربيع الخ".
والحديث أخرجه مسلم-١٥٤٧ - من طريق ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة الزُّرَقي، أنه سمع رافع بن خديج، يقول: كنا أكثر الأنصار حَقْلًا، قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق، فلم ينهنا. انتهى.
وقوله: "وساقه" الضمير ليحيى بن سعيد، ويحتمل أن يكون لشيخه يحيى بن حبيب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، وَاخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيّ فِيهِ) يعني أن هذا الحديث رواه أيضًا سالم بن عبد الَله بن عمر، كما رواه من تقدّم ذكر رواياتهم عنه، ورواه عنه الزهريّ، لكن اختُلف عليه فيه، فرواه مالك بن أنس، وعُقيل ابن خالد، عنه، عن سالم، عن رافع، مرفوعًا، وخالفهما شعيب بن أبي حمزة، فرواه عن الزهريّ، قال: بلغنا أن رافع بن خديج، كان يُحدث أن عمّيه أن رسول اللَّه ﷺ ، الخ، فجعله مرفوعًا، منقطعًا، وفي رواية عن شعيب بإسقاط عميّه، منقطعًا أيضًا،
стр. 15410
وتابعه عليه عبد الكريم بن الحارث.
ثم إن هذه الاختلافات لا تضرّ بصحة الحديث؛ لأن الحكم لمن زاد، فيرجح الرفع، والوصل، فليس غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تضعيف الحديث بالاضطراب، وإنما هو بيان طرق الحديث المختلفة، ولذلك أخرجه الشيخان من رواية سالم، كما سنوضّحه فيما بعد، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية مالك، عن سالم، بقوله:
٣٩٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ, عَنْ جُوَيْرِيَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ … وَذَكَرَ نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد بن يحيى": هو الذهليّ الحافظ الحجة النيسابوريّ [١١] ١٩٦/ ٣١٤. و"عبد اللَّه بن محمد ابن أسماء": هو الضُّبَعيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة جليل [١٠] ١٩٧/ ٣١٥. و"جُويرية": هو ابن أسماء بن عُبيد الضُّبعيّ البصريّ، عمّ عبد اللَّه الراوي عنه، صدوقٌ [٧] ١٩٧/ ٣١٥.
وقوله: "وذكر نحوه" هكذا نسخ "المجتبى" بالإحالة إلى ما سبق، ثم ذكر متابعة عُقيل لمالك، وهذا مشكلٌ؛ لأنه لم يتقدّم لسالم رواية حتى يُحال عليها، وأما في "الكبرى"، فقد ساق الرواية بتمامها، ونصّه:
٤٦٣٢/ ٤٤ - أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد اللَّه، قال: حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أسماء، عن جُويرية، عن مالك، عن الزهريّ، أن سالم بن عبد اللَّه، أخبره، وسأله عن كراء المزارع؟، فقال: أخبرنا رافع بن خديج، أن عمّيه، وكانا قد شهدا بدرًا، أخبراه، أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء المزارع، فترك عبد اللَّه كراءها، وكان يُكريها قبل ذلك (١). والظاهر أن ما في "المجتبى" فيه سقط، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَتَابَعَهُ عُقَيلُ بْنُ خَالِدٍ) يعني أن عقيل بن خالد الأيليّ تابع مالكًا في روايته عن الزهريّ، كما بيّنه بقوله:
٣٩٣١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يُكْرِى أَرْضَهُ, حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ, فَقَالَ: يَا ابْنَ خَدِيجٍ, مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي
стр. 15411
كِرَاءِ الأَرْضِ, فَقَالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَمَّيَّ, وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا, يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى, ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ, أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا, لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ, فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
والسند مسلسل برواية الأبناء، عن الآباء، وبالمصريين إلى عُقيل، فإنه وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ومن فوقه مدنيّون، وفيه أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وهو سالم، وفيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "سمعت عمّيّ"، قد تقدّم أنه رواه عن عمّه، وفي بعض الروايات سماه ظُهيرًا، وفي بعضها يقول: "نهى رسول اللَّه ﷺ الخ"، ولا يذكرهما, ولا أحدهما, ولا تنافي بين هذه الروايات، ولا اضطراب فيها, لأنه رواه عنهما، فكان أحيانًا يجمع بينهما، وأحيانا يُفرد أحدهما مبهمًا، وأحيانا يسمّيه ظُهيرًا، وأحيانًا يقول: "نهى رسول اللَّه ﷺ "، فلا يذكرهما أصلاً؛ فيحمل على أنه سمعه أولاً من عمّيه، إما على الاجتماع، أو على الانفراد، ثم سمعه من النبيّ ﷺ ، أو سمعه منه ﷺ مجملًا، وسمع تفصيله منهما - كما يأتي تحقيقه في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-- فكان يُحدِّث بهذا، وبهذا، ولذلك أخرج الحديث الشيخان بالوجهين.
ومما يؤيّد ذلك أنه سيأتي في رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تصريح رافع بسماعه من النبيّ ﷺ برقم ٣٩٤٢ - حيث قال له ابن عمر ﵄: أسمعت النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض؟ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا تُكروا الأرض"، وبرقم ٣٩٤٥ - حيث قال ابن عمر: حتى أخبرنا ابن خديج أنه سمع النبيّ ﷺ نهى عن الْخِبْر.
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح": وقد استظهر البخاريّ لحديث رافع ﵁ بحديث جابر، وأبي هريرة ﵄ (١) رادًّا على من زعم أن حديث رافع ﵁ فردٌ، وأنه
стр. 15412
مضطربٌ، وأشار إلى صحّة الطريقين عنه، حيث روى عن النبيّ ﷺ ، وقد روى عن عمّه، عن النبيّ ﷺ ، وأشار أن روايته بغير واسطة مقتصرة على النهي عن كراء الأرض، ورويته عن عمّه مفسّرة للمراد، وهو ما بينه ابن عبّاس ﵄ في روايته، من إرادة الرفق، والتفضّل، وأن النهي عن ذلك ليس للتحريم. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا (١).
والحاصل أن حديث رافع بن خَدِيج ﵁ صحيح، فلا التفات إلى ما قاله الذين سلكوا مسلكًا غير صواب، مثل القرطبيّ، حيث قال: وعلى الجملة حديث رافع بن خديج مضطربٌ غاية الاضطراب، كما قد وقع في الأصل -يعني "صحيح مسلم" - وفي غيره من كتب الحديث، فينبغي أن لا يُعتمد عليه، وُيتمسّك في جواز كرائها بشيء معلوم بالقياس الذي ذكرناه إلى آخر كلامه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ (٢) مما يُتعجّب منه كثيرًا؛ فكيف ساغ له أن يقول مضطرب غاية الاضطراب، فينبغي أن لا يُعتمد عليه، كيف لا يُعتمد عليه، وقد اعتمده الأئمة الكبار، مثل البخاريّ، ومسلم، وغيرهما من أصحاب الصحاح، ممن له العلم الواسع، والمعرفة التامّة بعلل الحديث، واستنباط الأحكام الفقهية، فصححوه، وأخرجوه في صحاحهم، واستنبطوا منه أحكام المزارعة التي أودعوها في تراجمهم، كقول البخاريّ: "باب كراء الأرض بالذهب والفضّة"، ثم أورد حديث رافع ﵁ محتجًّا به، ثم الأعجب من ذلك قوله: وإنما يُتمسّك بالقياس، سبحان اللَّه يُضعّف ما صححه أهل المعرفة بالحديث والفقه، من الدليل النقليّ، ثم يعتمد على الدليل العقليّ، إن هذا لهو العجب العجاب.
وقوله: "أهل الدار": الدار مؤنّثة،، والجمع أَدْوُر، مثل أفلُس، وتُهْمَز الواو، ولا تُهْمَز، وتُقلَبُ، فيقال: آدُرٌ، وتجُمع أيضًا على دِيَار، ودُور، والأصل في إطلاق الدُّور على المواضع، وقد تطلق على القبائل مجازًا. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "ثم خشي عبد اللَّه الخ" يعني أن عبد اللَّه بن عمر ﵄، مع كونه يعدم يقينًا أن الأرض كانت تُكرى في عهده ﷺ ، لكنه تورّع، وخشي أن يكون صدر منه ﷺ حكم بالنهي عنها على الإطلاق، فترك الكراء، تورّعًا، لا تحريمًا؛ لأنه لا نسخ بعده ﷺ ، وقد كان عبد اللَّه ﵁ يعمل به بعده ﷺ إلى آخر خلافة معاوية ﵁ بمرأى من الناس، فلو كان منسوخًا لبلغه خبر النسخ، فدلّ على أنه تركه لمجرّد ورع فقط.
стр. 15413
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (أَرْسَلَهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) يعني أن شعيب بن أبي حمزة مِهْران الحمصيّ خالف مالكًا، وعُقيلًا، فرواه عن الزهريّ، عن رافع بن خديج ﵁، فالمراد بالإرسال هنا الانقطاع، كما تقدّم البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية شعيب التي أشار إليها، فقال:
٣٩٣٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عَمَّيْهِ, وَكَانَا -يَزْعُمُ - شَهِدَا بَدْرًا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وقد وثّقه هو.
وقوله: "يزعم" ولفظ "الكبرى": "وكانا -زعم- شهدا بدرًا"، أي وزعم رافع، أنهما شهدا بدرًا، فالرواية فيها تقديم، وتأخير، والأصل: وزعم كانا شهدا بدرًا، والزعم يطلق على القول الحقّ، وإن كان كثيرًا ما يُطلق على الباطل، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧]، والأول هو المراد هنا.
والحديث بهذا الإسناد فيه انقطاع، كما تقدّم آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَلَمْ يَذكُرْ عَمَّيهِ) أشار به إلى أن عثمان بن سعيد الحمصيّ تابع بشر بن شعيب، في رواية هذا الحديث عن أبيه، منقطعًا، وخالفه في إسقاط عمّه، كما بيّنه بقوله:
٣٩٣٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ بِاسْتِكْرَاءِ الأَرْضِ, بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ, بَأْسٌ, وَكَانَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن محمد بن المغيرة": هو الأزديّ الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٦٩/ ٨٥ من أفراد المصنّف. و"عثمان بن سعيد": هو القرشيّ مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة المذكور في الذي قبله.
وقوله: "وكان رافع الخ" عطفٌ على "كان ابن المسيّب الخ"، فهو من مقول الزهريّ، فيكون منقطعًا.
стр. 15414
والحديث بهذا الإسناد منقطع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَافَقَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ الحَارِثِ) يعني أن عبد الكريم بن الحارث الحمصيّ وافق شُعيب بن أبي حمزة في رواية هذا الحديث عن الزهريّ منقطعًا، كما بيّنه بقوله:
٣٩٣٤ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو خُزَيْمَةَ, عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَرِيفٍ, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَسُئِلَ رَافِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ, كَيْفَ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ؟ قَالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ مُسَمًّى, وَيُشْتَرَطُ أَنَّ لَنَا مَا تُنْبِتُ مَاذِيَانَاتُ الأَرْضِ, وَأَقْبَالُ الْجَدَاوِلِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو خُزيمة عبد اللَّه بن طَرِيف" البصريّ، روى عن ربيعة الرأي، وعبد الكريم بن الحارث. وعنه ابن وهب، مقبول [٧]. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"عبد الكريم بن الحارث": الحضرميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة عابد [٦] ٣٩/ ٣١٦٧.
وقوله: "يُكرُون" بضمّ أوله، من الإكراء، مبنيًّا للفاعل. وقوله: "ويُشتَرَط الخ" بالبناء للمفعول، يعني أن صاحب الأرض يشترط لنفسه أن يكون له ما تُنبته ماذِيَانات الأرض، أي أنهارها الكبار، وأَقبال الجداول، أي أوائل الأنهار الصغار.
والحديث بهذا الإسناد فيه انقطاع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ نَافِعٌ , عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ) بالبناء للمفعول، يعني أن حديث رافع بن خديج ﵁ رواه نافع مولى ابن عمر، عن رافع، وهو السابع ممن رواه من التابعين عنه متّصلاً.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواياته، فقال:
٣٩٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, أَنَّ عُمُومَتَهُ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ رَجَعُوا, فَأَخْبَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ كُلُّ صَاحِبَ مَزْرَعَةٍ, يُكْرِيهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَلَى أَنَّ لَهُ مَا عَلَى الرَّبِيعِ السَّاقِي, الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ, وَطَائِفَةٌ مِنَ التِّبْنِ, لَا
стр. 15415
أَدْرِي كَمْ هِيَ؟).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"فُضيل هو بن سليمان، أبو سليمان البصريّ.
وقوله: "أنه كان صاحب مزرعة الخ" الضمير لرافع بن خَديج ﵁، يقول ابن عمر ﵄: إنما حفظ رافع ﵁ هذا؛ لكونه صاحب مزرعة يُكريها بشروط فاسدة، فسمع النهي، فحفظه؛ لأن العادة أن من ابتُلي بقضيّة يحفظها. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قد علمنا أنه كان صاحب مزرعة الخ": الظاهر من كلام ابن عمر ﵄ واللَّه أعلم- الإشارة إلى أن سبب نهيه ﷺ عن كراء المزارع، كونهم يشترطون شروطًا فاسدة، تضرّ بأحد الجانبين، مثل اشتراط أن لصاحب الأرض ما ينبت على جانبي النهر، وكذا اشتراط التبن له، وهذا مما يؤدّي إلى الخصام والنزاع، فلذا نهى رسول ﷺ عنه؛ دفعًا للفساد، لا أنه نهى عن المزارعة بالأجرة المعلومة من الدراهيم، والدنانير، ونحوها، مما لا يؤدّي إلى النزاع، فإن ذلك جائز، ومع هذا ترك ابن عمر ﵄ المزارعة مطلقًا؟ تورّعًا.
هذا الذي يظهر من كلامه، لكن في رواية البخاريّ ما يدلّ على غير هذا, ولفظه: "قد علمتَ أنا كنّا نُكري مزارعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ بما على الأربعاء، وبشيء من التبن"، فهذا يدلّ على أن ابن عمر كان يزارع على الصفة التي جاء بها النهي، فعلى هذا فترك ابن عمر ﵄، لا للورع فقط، بل لعلمه بأن النهي للتحريم، فليُتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "التبن" بكسر التاء، وسكون الموحّدة: ساق الزرع بعد دياسته.
وحديث رافع ﵁ من رواية نافع متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ، فَقَالَ: عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ) يعني أن هذا الحديث رواه عبد اللَّه بن عون بن أرطبان البصريّ، عن نافع، متابعًا لموسى بن عُقبة، لكنه خالفه في قوله: "عمومته"، فقال: "عن بعض عمومته"، وهذا الاختلاف لا يضرّ؛ لأن "عمومته" يُحمل على بعضهم مجازا. واللَّه تعالى أعلم.
٣٩٣٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, كَانَ ابْنُ عُمَرَ, يَأْخُذُ كِرَاءَ الأَرْضِ, فَبَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ شَيْءٌ, فَأَخَذَ بِيَدِي, فَمَشَى إِلَى رَافِعٍ, وَأَنَا مَعَهُ, فَحَدَّثَهُ رَافِعٌ, عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدُ).
стр. 15416
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو المعروف أبوه بابن عليّة، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"يزيد": هو ابن زُريع. وقوله: "شيء": هو النهي عن كراء الأرض. وقوله: "بعدُ" بالبناء على الضمّ، أي بعد ما سمع النهي من رافع بن خديج ﵁. والحديث من رواية ابن عون هذه أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ كِرَاءَ الأَرْضِ, حَتَّى حَدَّثَهُ رَافِعٌ, عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَتَرَكَهَا بَعْدُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وإسحاق الأزرق: هو ابن يوسف الواسطيّ. والحديث سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ، , عَنْ رَافِعٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُمُومَتَهُ) يعني أن أيوب السختيانيّ روى هذا الحديث، عن نافع، عن رافع، فخالف موسى بنَ عقبة، وعبد اللَّه بن عون، فترك ذكر "عمومته"، وجعله من مسند رافع نفسه، وقد تقدّم أنه مما لا يضرّ بصحّة الحديث، فلا تغفُل.
ثم ساق رواية أيوب بقوله:
٣٩٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ ابْنَ عُمَرَ, كَانَ يُكْرِى مَزَارِعَهُ, حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ, أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, يُخْبِرُ فِيهَا بِنَهْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَتَاهُ, وَأَنَا مَعَهُ, فَسَأَلَهُ, فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ, فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ, فَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا, قَالَ: زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: "حتى بلغه في آخر خلافة معاوية ﵁ الخ"، وفي رواية الشيخين، واللفظ للبخاريّ، من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر ﵄، كان يُكري مزارعه على عهد النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وعِمر، وعثمان، وصدرا من إمارة معاوية، ثم حُدِّث عن رافع بن خَدِيج، أن النبي ﷺ ، نَهَى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع، فذهبت معه، فسأله، فقال: نهى النبيّ ﷺ عن كراء المزارع، فقال ابن عمر: قد علمتَ أنا كنا نُكري مزارعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، بما على الأربعاء، وبشيء من التبن.
стр. 15417
وقوله: "وصدرًا من إمارة معاوية" قال في "الفتح": وإنما لم يذكر ابنُ عمر خلافة عليّ ﵁؛ لأنه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه، كما هو مشهور في صحيح الأخبار، وكان يرى أنه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يُبايع أيضًا لابن الزبير، ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية، ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ولعلّ في تلك المدّة -أعني مدّة خلافة عليّ- لم يؤاجر أرضه، فلم يذكرها لذلك. وزاد مسلم في روايته: "حتى إذا كان في آخر خلافة معاوية"، وكان آخر خلافة معاوية في سنة ستّين من الهجرة. انتهى (١).
وقوله: "زعم رافع": أي قال؛ وقد سبق أن زعم هنا للقول الحقّ.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَافَقَهُ عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ، وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدِ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) يعني تابع أيوبّ السختيانيّ في روايته لهذا الحديث عن نافع: عبيد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ الفقيه المدنيّ، وكثير بن فَرْقد المدنيّ، ثم المصريّ، وجُويرية ابن أسماء الضُّبَعيّ البصريّ، ثلاثتهم عن نافع، عن رافع بن خديج، وليم يذكروا عمومته، بل جعلوه من "مسنده"، ثم ساق روايات هؤلاء الثلاثة على اللفّ والنشر غير المرتّب، (٢) فقدّم رواية كثير بن فرقد، فقال:
٣٩٣٩ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يُكْرِي الْمَزَارِعَ, فَحُدِّثَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, يَأْثُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ. قَالَ نَافِعٌ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلَى الْبَلَاطِ, وَأَنَا مَعَهُ, فَسَأَلَهُ, فَقَالَ: نَعَمْ, نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ, فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو: أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/ ٢٩٤٤. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ الحجة.
وقوله: "على البلاط" بفتح الموحّدة- قال ابن الأثير: ضرب من الحجارة تُفرش به الأرض، ثم سُمّي المكان بَلاطًا، اتّساعًا، وهو موضع معروف بالمدينة، تكرّر ذكره في
стр. 15418
الحديث. انتهى (١).
وقال ابن منظور: البلاط بالفتح: الحجارة المفروشة في الدار، وغيرها، قال الشاعر [من الرجز]:
هَذَا مَقَامِي لَكِ حَتَّى تَنْضَحِي … رِيًّا وَتَجْتَازِي بَلَاطَ الأَبْطَحِ
وأنشد ابنُ بَرِّيِّ لأبي داود الإياديّ [من الخفيف]:
وَلَقَدْ كَانَ ذَا كَتَائِبَ خُضْرِ … وَبَلَاطٍ يُشَادُ بِالآجُرُونِ
ويقال: دارٌ مُبَلَّطَةٌ بآجُرّ، أو حجارة، ويقال: بَلَطتُ الدارَ، فهي مبلُوطة: إذا فَرَشْتها بآجرّ، أو حجارة. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية عبيد اللَّه بن عمر بقوله:
٣٩٤٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ رَجُلاً أَخْبَرَ ابْنَ عُمَرَ, أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, يَأْثُرُ فِي كِرَاءِ الأَرْضِ حَدِيثًا, فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ أَنَا, وَالرَّجُلُ الَّذِي أَخْبَرَهُ, حَتَّى أَتَى رَافِعًا, فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية جُوَيرية بن أسماء، فقال:
٣٩٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, حَدَّثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه ممن انفرد به هو وابن ماجه، وهو أبو يحيى المكيّ، ثقة [١١] ١١/ ١١. و"أبوه": هو عبد اللَّه بن يزيد، أبو عبد الرحمن المقرئ المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة
стр. 15419
فاضل، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنة [٩] ٤/ ٧٤٦. و" جُويرية": هو أسماء الضُّبَعيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٤٢ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عِنَانٍ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ, قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ, يُكْرِي أَرْضَهُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا, فَبَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَزْجُرُ عَنْ ذَلِكَ, وَقَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ, قَالَ: كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ رَافِعًا, ثُمَّ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ, فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي, حَتَّى دُفِعْنَا إِلَى رَافِعٍ, فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَقَالَ رَافِعٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ , يَقُولُ: «لَا تُكْرُوا الأَرْضَ بِشَيْءٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هشام بن عمّار": هو السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ مُقرىء، كبر، فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١٣٤/ ٢٠٢.
و"يحيى بن حمزة": هو أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضى، ثقة رمي بالقدر [٨] ٦٥/ ١٧٦٨. و"الأوزاعيّ": هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور.
و"حَفص بن عِنان" -بنونين- الحنفيّ اليمانيّ، ثقة [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، ونافع مولى ابن عمر، وعنه ابنه عمر، والأوزاعيّ، ويحيى بن أبي كثير. قال ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: سمع أبا هريرة ﵁. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى": "حفص بن غياث" بدل "حفص بن عِنان"، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب "ابن عنان"، راجعاً تحفة الأشراف" ٣/ ١٥٨ - ١٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "يزجر" من باب نصر: أي يمنع، وينهى. وقوله: "ثم وجد في نفسه" يعني أن ابن عمر ﵄ بعد أن قال- لما سمع رافعًا ﵁ ينهى عنه كراء الأرض-: كنا نُكري الأرض قبل أن نعرف رافعًا، ومراده أنه كان يتعامل بذلك سابقًا في عهد النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين، لكنه وجد في نفسه شيئًا من الشكّ والارتياب في النهي عن ذلك؛ إذ يحتمل أن يكون النبيّ ﷺ نهى عنه، ولم يصل إليه قبل. وقوله: "فوضع يده الخ" فيه أنه يُشرع الاعتماد على الخادم، ونحوه، لحاجة، من تعب، أو مرض، أو نحو ذلك.
وقوله: "حتى دُفعنا" بضمّ الدال المهملة، وكسر الفاء، يقال: دُفعت إليه بالبناء للمفعول: أي انتهيتُ. قاله الفيّوميّ.
стр. 15420
والحديث صحيح، وقال الشيخ الألبانيّ في "الإرواء" - ٥/ ٢٩٨ - : شاذّ بزيادة "بشيء"؛ لأنها تنافي كراءها بالذهب والفضّة، وهو جائز، كما في بعض الطرق، عن رافع التصريح بذلك. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا تنافي بين قوله: "بشىء"، وجواز الإكراء بالدراهيم، والدنانير، فإن المراد بقوله: "بشيء" أي مما يؤدّي إلى النزاع، وهي الصور التي تقدّم بيانها، مثل استثنائه ما على الماذيانات، ونحو ذلك، وقد صحّ في "الصحيحين"، وغيرهما عن رافع ﵁، أنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كراء المزارع، كما تقدّم، ولم يقيده بشيء، بل أطلقه، وهو أيضًا يتعارض مع ما ذكره الشيخ، فما يكون جوابًا هناك يكون جوابا هنا، دون فرق، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٤٣ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ مُحَمَّدٍ, وَنَافِعٍ, أَخْبَرَاهُ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه - رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد الوهّاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و"هشام": هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ. و "محمد": هو ابن سيرين. و"نافع": هو مولى ابن عمر.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) أشار به إلى أن حديث رافع بن خديج ﵁ رواه عنه عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵁، وهو ثاني الصحابيين الذين رويا هذا الحديث عن رافع ﵁، فقد تقدّم أُسيد بن ظهير ﵁ في ثاني حديثي الباب.
وقوله (وَاختُلِفَ عَلَى عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بالبناء للمجهول، وزاد في "الكبرى": "في روايته عنه فيه". يعني أن الرواة اختلفوا على عمرو بن دينار، في روايته لهذا الحديث عن ابن عمر ﵄، كما بيّن ذلك بقوله:
٣٩٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, يَقُولُ: كُنَّا نُخَابِرُ, وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا, حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"سفيان": هو الثوريّ.
وقوله: "كنّا نخابر" تقدّم أن المشهور أن المخابرة هي المزارعة. والحديث أخرجه
стр. 15421
مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٤٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ, يَقُولُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْخِبْرِ, فَيَقُولُ: مَا كُنَّا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا, حَتَّى أَخْبَرَنَا عَامَ الأَوَّلِ ابْنُ خَدِيجٍ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ , نَهَى عَنِ الْخِبْرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا، غير شيخه، فإنه ممن تفرّد به هو، وأبو داود، وهو واسطيّ، ثم رقيّ، صدوق. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.
وقوله: "يُسأل عن الْخِبْر" ببناء الفعل للمفعول، و"الْخِبْر": قال النوويّ: ضبطناه -بكسر الخاء، وفتحها، والكسر أفصح، وأشهر، ولم يذكر الجوهريّ، وآخرون من أهل اللغة غيره. وحكى القاضي فيه الكسر، والفتح، والضم، ورجّح الكسر، ثم الفتح، وهو بمعنى المخابرة.
وقوله: "حتى أخبرنا عام الأول" أي قبل عامنا هذا. قال في "القاموس"، وشرحه: إذا جعلتَ "أوّلًا" صفة منعته من الصرف، وإلا صرفته، تقول: لَقِيته عامًا أَوَّلَ، ممنوعا من الصرف. قال ابن سِيدَهْ: أُجري مُجرى الاسم، فجاء بغير ألف ولام، ولقيته عامًا أوَّلاً، مصروفًا. قال ابن السِّكِّيت: ولا تقل: عامَ الأَوَّلِ. وقال غيره: هو قليلٌ. قال أبو زيد: يقال: لقِيتُهُ عامَ الأولِ، ويومَ الأوّلِ، بجرّ آخره، وهو كقولك: أتيتُ مسجدَ الجامعِ. قال الأزهريّ: وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه. وحكاه ابن الأعرابيّ أيضًا. وتقول: ما رأيته مذْ عامٌ أوَّلُ، ومذ عامٌ أولَ، ترفعه على الوصف لعام، كأنه قال: أولُ من عامنا، وتنصبه على الظرف، كأنه قال: مذ عام قبلَ عامنا. انتهى (١)،
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إضافة عام إلى الأول من إضافة الشيء إلى نفسه، كما تقدّم في قول الأزهريّ، وهو ممنوع، فلا بدّ من تأويله، بتقدير مضاف، أي عام الزمن الأول، كما يقدّر في مثل قولك: أتيت مسجد الجامع بالإضافة، أي مسجد المكان الجامع، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15422
وقوله (وَافَقَهُمَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) يعني أن حمّاد بن زيد تابع الثوريّ، وابن جُريج في رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن رافع بن خديج ﵄، كما بين ذلك بقوله:
٣٩٤٦ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, يَقُولُ: كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرِ بَأْسًا, حَتَّى كَانَ عَامَ الأَوَّلِ, فَزَعَمَ رَافِعٌ, أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وهو من رباعيات المصنف، وهو (١٨٤) من رباعيات الكتاب.
وقوله: "حتّى كان عام الأول": أي حتى كان قبل عامنا هذا، وهو بنصب عام الأول خبرًا لـ"كان"، واسمها مقدّرٌ، أي حتى كان الوقت، ويحتمل أن تكون تامّةً، و"عام الأول" بالرفع اسمها، أي حتى جاء عام الأول.
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ عَارِمٌ، فَقَالَ: عَنْ حَمَّادٍ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ جَابِرٍ) أشار به إلى أن عارمًا محمد بن الفضل السدوسيّ خالف يحيى بن حبيب بن عربيّ في روايته لهذا الحديث، فرواه عن حماد بن زيد، عن عمر بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، فجعله من مسند جابر، بدل كونه من مسند رافع بن خديج ﵃، وليس غرض المصنّف - رحمه اللَّه تعالى - بهذا تضعيف الحديث بالاضطراب، بل غرضه بيان الاختلاف الواقع في إسناده، فلا يضرّ الاختلاف، بل يُجعل مما روي عن حديث رافع، وجابر كليهما ﵄, ولذا أخرجه الشيخان من حديثهما:
فأما حديث رافع ﵁، فقد تقدّم تخريجهما له، وأما حديث جابر ﵁، فأخرجه البخاريّ، من رواية عطاء، عن جابر ﵁، وأخرجه مسلم بطرق متعدّدة عن جابر ﵁، وقد تقدّم بيان هذا كله مستوفىً في شرح حديث جابر ﵁ برقم ٣٩٠١، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية عارم التي أشار إليها بقوله:
٣٩٤٧ - (١) قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ يُونُسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
стр. 15423
إبراهيبم بن يونس بن محمد البغداديّ، نزيل طرسوس، و"حَرَميّ" بلفظ النسبة لقبه، صدوقٌ [١١] ١٧٥٣/ ٥٤ من أفراد المصنّف. و"عارم": هو محمد بن الفضل السدوسيّ، أبو النعمان البصريّ، وعارم لقبه، ثقة ثبت تغيّر في آخر عمره، من صغار [٩] ٤٦/ ١٧٢٨.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسلِم الطَّائِفِيُّ) أشار به إلى أن حمّاد بن زيد لم ينفرد بهذه الرواية, بل تابعه عليها محمد بن مسلم الطائفيّ، كما بين روايته بقوله:
٣٩٤٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ, وَالْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح،
"محمد بن عامر": هو الأنطاكيّ، نزيل الرملة، ثقة [١١] ٨/ ٣١٣. من أفراد المصنّف. و"سُريج": هو ابن النعمان بن مروان الجوهريّ، أبو الحسن البغداديّ، خُراسانيّ الأصل، ثقة يهم قليلاً، من كبار [١٠] ١٠/ ٢٤٥٥.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "شُريح" بالشين المعجمة، آخره حاء مهملة، بدل "سُريج" بالسين المهملة، والجيم، وهو غلط فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"محمد بن مسلم"، واسم جدّه سوس، وقيل: سوسن، بزيادة نون في آخره. وقيل: بتحتانيّة بدل الواو فيهما، وقيل: مثلُ حُنين، الطائفيّ، يُعد في المكيين، صدوق يُخطىء [٨].
قال عبّاس الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، لا بأس به، وابن عُيينة أثبت منه، وكان إذا حدّث من حفظه يُخطىء، وإذا حدّث من كتابه، فليس به بأس، وابن عُيينة أوثق منه في عمرو ابن دينار، ومحمد بن مسلم أحبّ إليّ من داود العطّار في عمرو. وقال إسحاق ابن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال حجاج بن الشاعر، عن عبد الرزّاق: ما كان أعجب محمد بن مسلم إلى الثوريّ. وقال العجليّ، وأبو داود: ثقة. وقال البخاريّ، عن ابن مهديّ: كتبه صحاح. وقال أبو داود: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال. يُخطىء. وقال الساجيّ: صدوق يَهِم في الحديث، رَوَى عن عمرو ابن دينار حديثًا يَحتجّ به القدرية، لم يروه غيره، فأحسبه اتهُّم بالقدر لروايته. وقال يعقوب بن سُفيان: ثقة، لا بأس به، وإن كان ابن عيينة أحبّ منه. وذكر له ابن عديّ
стр. 15424
أحاديث، وقال: له أحاديث حسان غرائب، وهو صالح الحديث، لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما أضعف حديثه. وقال الميمونيّ: ضعّفه أحمد على كلّ حال، من كتاب، وغير كتاب. مات قبل التسعين ومائة. علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، له عند مسلم حديث واحد متابعة، حديث ابن عبّاس ﵄ في ترك الوضوء مما مسّت النار، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان: هذا، وفي "كتاب القسامة " -٣٥/ ٤٨٠٣ - حديث ابن عبّاس ﵁: "قتل رجل رجلاً على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فجعل النبيّ ﷺ ديته اثني عشر ألفًا".
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (جَمَعَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الحَدِيثَينِ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ) يعني أن سفيان ابن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه ﵃، فجمع بين حديثي الصحابيين، وهذا يؤيّد ما تقدّم أن الحديث صحيح ثابت عنهما جميعًا، ثم ذكر رواية ابن عيينة، بقوله:
٣٩٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, وَجَابِرٍ, نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ, وَنَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ, كِرَاءِ الأَرْضِ بِالثُّلُثِ, وَالرُّبُعِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" بعد قوله: "أخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن": ما نصّه: "حدّثنا ابن المسور"، وهذا غلط فاحش، وإنما المسور جد عبد اللَّه بن محمد الأعلى، فإنه: عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة الزهريّ البصريّ، ومن الغريب أن نسخة "الكبرى" كانت خالية منه، فألحق المحقق بين قوسين، هكذا: وأخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، قال: [حدّثنا ابن المسور، قال: حدّثنا] سفيان بن عيينة الخ، وهذا من عجائب محقّقي عصرنا هذا الذين يتولّون التحقيق بدون أن يكون لهم إلمام بهذا الفنّ، فيُلحقون كلّ ما يرونه زائدًا على أنه نسخة من نُسخ الكتاب، دون أن يتأملوا صحته، فليس لهم غرض، إلا التجارة بالكتب المشحونة بالأخطاء، وهذا من إضاعة الأمانة، فإن هذا العمل كان من أمانات أهل العلم، فتولّاه التجّار طمعًا في المال، فأضاعوا الأمانات العلمية، ولقد أخبر النبيّ ﷺ بأن إضاعة الأمانة من علامة الساعة، وذلك فيما أخرجه البخاريّ من حديث أبي
стр. 15425
هريرة ﵁ لمّا سأل أعرابي النبيّ ﷺ ، متى الساعة؟، قال له النبيّ ﷺ : "فإذا ضُيّعت الأمانة، فانتظر الساعة"، قال. كيف إضاعتها؟، قال: "إذا وُسّد الأمرُ إلى غير أهله، فانتظر الساعة". فإنا للَّه، وانا إليه راجعون.
والإسناد من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وقد تقدّم غير مرّة.
وقوله: "حتى يبدو صلاحه" أي حتى يصلح للانتفاع به بالأكل، وغيره، وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب البيوع"، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: "كراء الأرض" بالجرّ بدل من "المخابرة"، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدإ، أوالى النصب، بتقدير فعل، كأعني.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ أَبُو النَّجَاشِيِّ، عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ) هذا أحد الرواة الذين رووا هذا الحديث عن رافع بن خديج ﵁ متّصلاً، وهم جماعة، تقدّم بيانهم، فلا تغفُل.
ثم بين روايات أبي النجاشيّ، فقال:
٣٩٥٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّبَرَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَحْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ لِرَافِعٍ: «أَتُؤَاجِرُونَ مَحَاقِلَكُمْ؟ , قُلْتُ: نَعَمْ, يَا رَسُولَ اللَّهِ, نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ, وَعَلَى الأَوْسَاقِ مِنَ الشَّعِيرِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلُوا, ازْرَعُوهَا, أَوْ أَعِيرُوهَا, أَوْ أَمْسِكُوهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر محمد بن إسماعيل الطبرانيّ" ثقة [١٢] ٣/ ١٦٠٣ من أفراد المصنّف.
و"عبد الرحمن بن بحر" أبو عليّ الخلّال البصريّ، مقبول [١٠].
روى عن مبارك بن سعد اليماميّ، ورُدَيح بن عطيّة المقدسيّ، ورِشْدِين بن سعد، ويحيى بن عيسى الرمليّ. وعنه محمد بن إسماعيل الطبرانيّ، وعبيد اللَّه بن واصل البخاريّ، وجعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسيّ، وغيرهم. تفرّد به المصنّف، له عنده حديثان فقط: هذا، وفي "كتاب قطع السارق"١٠/ ٤٩٣٤ - حديث عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ : "تقطع اليد في الْمِجَنّ".
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى": "عبد الرحمن بن يحيى" بدل "عبد الرحمن بن
стр. 15426
بحر"، وهو تصحيفٌ فاحش، فتنبّه، وقد وقع في "الكبرى" على الصواب، وكذا في "تحفة ألأشراف" ٣/ ١٥٣ - . واللَّه تعالى أعلم.
و"مبارك بن سَعْد" اليماميّ، نزيل البصرة، مقبول [٨].
روى عن يحيى بن أبي كثير. وعنه أبو عليّ عبد الرحمن بن بحر الخلّال. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى": "مبارك بن سعيد"، وكذا في نسخ "التقريب"، والصواب: "ابن سَعْد" بفتح، فسكون، وهو الذي في "الكبرى"، لكن ألصق به محققه "ابن سعيد"، تبعًا لما في "المجتبى"، فأفسده.
راجع الصواب في "تهذيب الكمال" ٢٧/ ١٧٧ - ١٧٨ - و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٧ - ١٨، و"خلاصة الخزرجيّ": ص ٣٦٨. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"أبوالنجاشيّ" -بنون، وجيم خفيفة، وبعد الألف معجمة- عطاء بن صُهيب الأنصاريّ، ثقة [٤].
روى عن مولاه رافع بن خَدِيج، صَحِبه ستّ سنين. وعنه الأوزاعيّ، ويحيى بن أبي كثير، وعكر مة بن عمَّار، وأيوب بن عُتبة. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى أبي داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
وقوله: "أن رسول اللَّه ﷺ قال لرافع الخ" هذا فيه صريح في أنه ﷺ خاطب بهذا رافعًا، وفي رواية الأوزاعيّ، عن أبي النجاشيّ الآتية في الرواية التالية، أن هذا الخطاب لظهير بن رافع عمّ رافع بن خديج ﵃، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
وقوله: "محاقلكم" أي مزارعكم، والحقل الزرع. وقيل: ما دام أخضر، والمحاقلة: المزارعة بجزء مما يَخرُج. وقيل: بيع الزرع بالحنطة، وقيل: غير ذلك، وقد تقدّم تمام البحث فيه.
وقوله: "على الربع" -بضمّتين، أو بسكون الثاني- أي على رُبُع ما يخرج من الأرض. وفي رواية البخاريّ: "على الرَّبِيع" -بفتح الراء، وكسر الموحّدة- قال في "الفتح": وهي موافقة للرواية الأخيرة، وهي قوله: "على الأربعاء"، فإن الأربعاء جمع رَبيع، وهو النهر الصغير. وفي رواية المستملي: "الرُّبيع" بالتصغير، ووقع للكشميهنيّ: "على الرُّبُع"، وهي موافقة لحديث جابر المذكور بعدُ، لكن المشهور في حديث رافع الأولُ، والمعنى أنهم كانوا يُكرون الأرض، ويَشترطون لأنفسهم ما يَنبُتُ على الأنهار. انتهى (١).
стр. 15427
وقوله: "وعلى الأوساق": الواو بمعنى "أو"، كما في "الفتح"، و"الأَوْساقُ" -بفتح الهمزة، جمع وِسق بكسر، فسكون، كحِمل وأحمال، وهو ستّون صاعًا، أو حِمْلُ بعير. وفي رواية البخاريّ: "وعلى الأَوْسُق" وهو جمع وَسْق، بفتح، فسكون.
وقوله: "ازرعوها": الهمزة هنا همزة وصل، وهي مكسورة في الابتداء، وتُحذف عند الدرج، والراء مفتوحة، أمر من زرع، من باب فَتَح.
وقوله: "أو أَعيروها": الهمزة هنا همزة قطع، فهي مفتوحة؛ لأنه أمر من الإعارة.
وقوله: "أو أمسكوها": أي اتركوها مُعطَّلَة، بغير زرع. زاد في رواية البخاريّ، من طريق الأوزاعيّ، عن أبي النجاشيّ: "قلت: سمعًا، وطاعةً"، وهما بالنصب، ويجوز رفعهما، كما قاله في "الفتح" (١).
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ الأَوْزَاعيُّ، فَقَالَ: عَنْ رَافِعٍ، عَنْ ظُهَيرِ بْنِ رَافِعٍ) أشار به إلى أن الأوزاعيّ خالف يحيى بن أبي كثير في روايته لهذا الحديث، عن أبي النجاشيّ، فرواه عنه، عن رافع ﵁، عن عمّه ظُهير ﵁، فجعله من مسند ظهير ﵁، لا من مسند رافع ﵁، وقد أشار الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" (٢) إلى ترجيح رواية الأوزاعيّ، بأن حنظلة بن قيس تابعه عليه، وقد تقدّمت روايته في -٣٩٢٥ - لكن فيه أن يحيى بن أبي كثير لم ينفرد به، فقد تابعه عكرمة بن عمّار، عند مسلم، فقد أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن عكرمة، عن أبي النجاشيّ، عن رافع بن خديج ﵁، ولم يذكر ظُهيرًا، فالذي يظهر أن يُحمل على أنه ﷺ خاطب كلًّا منهما بذلك؛ كما تقدّم تحقيق ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
ثم ساق رواية الأوزاعيّ، فقال:
٣٩٥١ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ, عَنْ رَافِعٍ, قَالَ: أَتَانَا ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ, فَقَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا رَافِقًا, قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ , قَالَ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ حَقٌّ, سَأَلَنِي كَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي مَحَاقِلِكُمْ؟ , قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ, وَالأَوْسَاقِ مِنَ التَّمْرِ, أَوِ الشَّعِيرِ, قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا, ازْرَعُوهَا, أَوْ أَزْرِعُوهَا, أَوْ أَمْسِكُوهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
стр. 15428
إلى الأوزاعيّ قريبًا برقم -٣٩٤٢ - .
وقوله: "ازرعوها، أو أو أزْرِعُوها" الأول بهمزة الوصل المكسورة، وفتح الراء، والثاني بفتح همزة القطع، وكسر الراء، و"أو" للتخيير، لا للشكّ، والمراد ازرَعُوها أنتم، أو أعطوها لغيركم، يزرعها بغير أجرة.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل
وقوله (رَوَاهُ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، , عَنْ أُسَيْدِ بْنِ رَافِعٍ، فَجَعَلَ الرِّوَايَةَ لِأَخِي رَافِعٍ) يعني أن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ روى هذا الحديث مخَالفًا غيره عن أسيد بن رافعَ، فجعله من مسند أخي رافع بن خَديج، لا من مسند رافع ﵁، كما بين ذلك بقوله:
٣٩٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ لَيْثٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ, عَنْ أُسَيْدِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, أَنَّ أَخَا رَافِعٍ, قَالَ لِقَوْمِهِ: قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ, عَنْ شَيْءٍ كَانَ لَكُمْ رَافِقًا, وَأَمْرُهُ طَاعَةٌ وَخَيْرٌ, نَهَى عَنِ الْحَقْلِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو المروزيّ الثقة، من أفراد المصنّف. و"حنان" -بكسر الحاء المهملة-: هو ابن موسى المروزيّ الثقة. و"ليث": هو ابن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ.
و"أسيد-بضمّ أوله، مصغّرًا، وقيل: بفتحه، مكبرًا - ابن رافع بن خَدِيج"، مقبول [٦].
روى هذا الحديث، وروى عنه الأعرج، وبُكير بن الأشجّ. قال الدارقطنيّ: الصواب فيه أُسيد بالضم، وقد ذكره البخاريّ بالوجهين. قال الحافظ: وقد ذكر فيه البخاريّ في "التاريخ" اختلافًا كثيرًا في حديثه، وبُكير بن الأشجّ لم ينسبه إلى جدّه من طريق مجاهد عن أسيد ابن أخي رافع بن خديج، واختُلف على مجاهد فيه أيضًا، والحديث واحدٌ. وذكر ابن حبّان في "الثقات" في التابعين تبعًا للبخاريّ أُسيد بن أخي رافع بن خَديج، وفي أتباع التابعين أسيد بن رافع عن الحجازيين، وعنه بُكير بن الأشجّ، فاللَّه أعلم. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
والحديث من أفراد المصنّف، وهو ضعيف؛ للاضطراب في إسناده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبا، ونعم الوكيل.
٣٩٥٣ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنِ اللَّيْثِ, عَنْ
стр. 15429
جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ, قَالَ: سَمِعْتُ أُسَيْدَ بْنَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الأَنْصَارِيَّ, يَذْكُرُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الْمُحَاقَلَةَ, وَهِيَ أَرْضٌ تُزْرَعُ, عَلَى بَعْضِ مَا فِيهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الربيع بن سُليمان": هو المراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذّن، صاحب الشافعيّ، ثقة [:١١] ١٩٥/ ٣١١. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ.
[تنبيه]: كون شيخ الليث في هذا السند هو جعفر بن ربيعة، هو الذي في النسخة "الهندية"، و"تحفة الأشراف" ١١/ ١٢٥، وهو الصواب، ووقع في النسخة المطبوعة بدله "حفص بن ربيعة"، وهو غلط فاحش، فليس في الكتب الستة من يسمّى "حفص ابن ربيعة" أصلاً، فضلاً عن شيوخ الليث. ووقع في "الكبرى" بلفظ "عن ابن ربيعة"، ولم يسمه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "منعوا المحاقلة" يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، أي إن الذين سمعوا النهي عن المحاقلة من النبيّ ﷺ بلّغوا غيرهم ذلك. ويحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول، أي إن الناس مُنعوا من قبل الشارع عن المحاقلة.
والحديث سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ عِيسَى بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِع) أي روى هذا الحديث عيسى بن سهل بن رافع ابن خديج، عن جدّه رافع بن خديج ﵁، كما بيّنه بقوله:
٣٩٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي شُجَاعٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: إِنِّي لَيَتِيمٌ فِي حَجْرِ جَدِّي, رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, وَبَلَغْتُ رَجُلاً, وَحَجَجْتُ مَعَهُ, فَجَاءَ أَخِي عِمْرَانُ بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ, إِنَّهُ قَدْ أَكْرَيْنَا أَرْضَنَا فُلَانَةَ, بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ, فَقَالَ: يَا بُنَيَّ دَعْ ذَاكَ, فَإِنَّ اللَّهَ , سَيَجْعَلُ لَكُمْ رِزْقًا غَيْرَهُ, إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَدْ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حِبّان" -بالكسر- هو ابن موسى. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و "سعيد بن يزيد، أبو شجاع" الْحِمْيَريّ الْقِتْبَانيُّ الإسكندرانيّ، ثقة عابد [٧] ١٤٦/ ٢٣٧.
و"عيسى بن سهل بن رافع بن خَدِيج" الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ويقال: اسمه عثمان، وهو وَهَم، مقبول [٤].
روى عن جدّه رافع بن خديج. وعنه سعيد بن يزيد، القتبانيّ، وأبو شُريح
стр. 15430
الإسكندرانيّ، وموسى بن عُبيدة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
وقوله: "رجلا" منصوب على المفعولية المطلقة على النيابة، والأصل مبلغ رجل.
وقوله: "فلانة" فيه استعمال "فلانة" لغير العقلاء بغير الألف واللام، والذي في كتب اللغة، أنه يستعمل لغير العاقل بالألف واللام، قال الفيّوميّ: فلانٌ، وفلانةٌ بغير ألف ولام كناية عن الأَناسيّ، وبهما كناية عن البهائم، فيقال: ركبت الفلان، وحلَبْتُ الفلانة. انتهى (١). وقال المجد: فلانٌ، وفلانةٌ كناية عن أسمائنا، وبـ "أل" عن غيرنا. انتهى (٢).
والحديث أخرجه المصنّف هنا - ٢/ ٣٩٥٤ وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٥٧. وأخرجه (د) في "البيوع والإجارات" ٣٤٠١.
وهو شاذٌ مخالف لما تقدّم من أحاديث رافع بن خديج ﵁ الصحيحة التي صرّح فيها بأن الإكراء بالدراهيم، والدنانير جائز، وهي في "الصحيحين"، من الحفّاظ المعروفين من أصحاب رافع ﵁، كحنظلة بن قيس، فتفرّد عيسى بن سهل بهذا يعتبر شاذًّا مردودًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٥٥ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ, إِنَّمَا كَانَا رَجُلَيْنِ اقْتَتَلَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ, فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ» , فَسَمِعَ قَوْلَهُ: «لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الحسين بن محمد) الذارع السعديّ، أبو عليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٩٧/ ١٣٥٥.
٢ - (إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم المعروف بابن عُليّة، أبو بشر المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عبد الرحمن بن إسحاق) المدنيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ رُمي بالقدر [٦] ١٠٠/ ٢٦١٨.
стр. 15431
٤ - (أبو عُبيدة بن محمد) بن عَمّار بن ياسر، المدنيّ أخو سلمة بن محمد، وقيل: هما واحد، ثقة (١) [٤].
قال ابن معين: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: أبو عبيدة هذا ثقة. وأخوه سلمة لم يرو عنه إلا عليّ بن زيد، ولا يُعرف حاله. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: منكر الحديث، ولا يُسمّى. وقال في موضع آخر: صحيح الحديث. وقال في موضع آخر: اسمه سلمة. وقد قال البخاريّ في ترجمة سلمة (٢): أراه أخا أبي عُبيدة. وذكر الحاكم أبو أحمد أبا عُبيدة فيمن لا يُعرف اسمه. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و ٢٣/ ٤٠٩٤ و ٤٠٩٥/ ٢٤ - حديث سعيد بن زيد ﵁، مرفوعًا: "من قاتل دون ماله، فقُتل فهو شهيد … " الحديث.
٥ - (الوليد بن أبي الوليد) عثمان. وقيل: الوليد بن الوليد، وهو وهم، القرشيّ مولى عثمان بن عفان، أو ابن عمر بن الخطّاب، أبو عثمان المدنيّ، ثقة (٣) [٤].
روى عن جابر، وابن عمر، وعروة بن بن الزبير، وابن المسيب، وجماعة. وروى عنه بُكير ابن الأشجّ، وحيوة بن شُريح، والليث بن سعد، ويزيد بن الهاد، وأبو عبيدة ابن محمد، وجماعة آخرون. ووثقه ابن معين، وأبو زرعة، وقال يعقوب بن سفيان: مصري ثقة. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وقال أبو عبيدة الآجرّيّ: سألت أبا داود عنه؟ فقال فيه خيرًا. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما خالف على قلّة روايته. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، و "خلق أفعال العباد"، ومسلم، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجاري، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور الفرَضيّ، كاتب الوحي، مات ﵁ سنة (٥) أو (٤٨) وقيل: بعد (٥٠)، تقدّمت ترجمته في ١٢٢/ ١٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15432
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وأبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) هذا تعريض بأنه أخطأ في هذه المسألة، فاستحقّ أن يَطلُب له المغفرةَ؛ لأن المجتهد، وإن كان يؤجر على اجتهاده، لكنه ربما يلام على خطئه، فيستحقّ أن يُطلب له المسامحة في ذلك، فقد أمر اللَّه بطلب عدم المؤاخذة، مع أن الخطأ مغفور، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦].
هذا بناء على ظنّ زيد بن ثابت ﵁، وإلا فليس في حديث رافع بن خديج ﵁ خطأ، ولا نسيان، بل هو حفظه، كما حفظه الآخرون من الصحابة ﵃ الذين سنشير إليهم قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنْهُ) الضمير مبتدأ، و"أعلم" خبره، واعترض بينهما القسم لإفادة التأكيد (إِنَّما كَانَا رَجُلَيْنِ) ضمير "كانا" للمتنازعين، و"رجلين" خبر "كان"، وفي رواية في "الكبرى" من طريق يزيد بن زُريع، عن عبد الرحمن بن إسحاق: " "إنما جاء رجلان، قد اقتتلا"، وفي رواية بشر بن المفضّل، عن عبد الرحمن أيضًا: "إنما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول اللَّه ﷺ قد اقتتلا". وفي رواية أبي داود: "إنما أتاه رجلان". وقوله (اقْتَتَلَا) بالبناء للفاعل صفة لـ"رجلين"، ومعنى "اقتتلا": كادا يقتتلان من شدّة تنازعهما (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن كَانَ هَذَا) التنازع، والتقاتُل (شَأْنُكُمْ) أي حالكم، وصفتكم في المزارعة (فَلَا تُكْرُوا المَزَارِعَ) أي تجنّبًا لهذه الحالة السيّئة (فَسَمِعَ قَوْلَهُ: "لَا تُكْرُوا المَزَارِعَ) يعنيب أنه ما سمع أول الحديث، وإنما سمع آخره، فحفظه ظانًّا أنه تمام الحديث، فأخطأ فيه. ومراد زيد بن ثابت ﵁ النهي مخصوصٌ بما إذا أدّى إلى النزاع، والخصام، وإلا فلا.
لكن هذا ظنّ زيد بن ثابت ﵁، وإلا فليس رافع ﵁ تفرّد بحديث: "لا تكروا المزارع"، فقد حدّث به معه عن النبيّ ﷺ من الصحابة: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدريّ ﵃، وأحاديثهم كلها صحيحة، وقد اتفق الشيخان عليها، كما تقدّم بيان ذلك كلّه.
стр. 15433
فالصواب أن يُحمل النهي على معنى حديث زيد بن ثابت ﵁، أي فيما إذا اشتمل العقد على شروط فاسدة تؤدّي إلى النزاع، والخصام، وأما إذا خلا عن ذلك، فالنهي للتنزيه، لا للتحريم، بدليل الأحاديث الأخرى التي دلّت على الإباحة، فيكون المراد حثْ أصحاب الأراضي أن يتطوّعوا بها على إخوانهم المحتاجين، كما تقدّم توضيح هذا كلّه، مستوفىً، فلا ينبغي تخطئة هذا الصحابيّ الحافظ لما سمعه من النبيّ ﷺ ، كما حفظه الصحابة الآخرون ﵃. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح (١).
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٩٥٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٥٨. وأخرجه (د) في "البيوع والإجارات" ٣٣٩٠ (ق) في "الرهون" ٢٤٦١. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بعد أن أخرج هذا الحديث بالسند المذكور: ما نصّه:
خالفه يزيد بن زريع، فقال: عن الوليد بن الوليد:
أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا يزيد، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عُبيدة بن محمد بن عمار، عن الوليد بن الوليد، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: أنا واللَّه أعلم بالحديث من رافع بن خديج، إنما جاء رجلان قد اقتتلا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع".
وافقه على قول الوليد بن الوليد بشرُ بْنُ المفضّل (٢):
أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال لنا بشر، عن عبد الرحمن، عن أبي عُبيدة بن محمد ابن عمّار، عن الوليد بن الوليد، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: يغفر اللَّه
مِنْكَ, يَوْمَ كَذَا, مِنْ شَهْرِ كَذَا, مِنْ سَنَةِ كَذَا, فَصَارَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي يَدِي, لَكَ لَا مِلْكَ لِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ, وَلَا دَعْوَى, وَلَا طَلِبَةَ, إِلاَّ هَذِهِ الْمُزَارَعَةَ الْمَوْصُوفَةَ, فِي هَذَا الْكِتَابِ, فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُسَمَّاةِ فِيهِ, فَإِذَا انْقَضَتْ, فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إِلَيْكَ, وَإِلَى يَدِكَ, وَلَكَ أَنْ تُخْرِجَنِي بَعْدَ انْقِضَائِهَا مِنْهَا, وَتُخْرِجَهَا مِنْ يَدِي, وَيَدِ كُلِّ مَنْ صَارَتْ لَهُ فِيهَا يَدٌ بِسَبَبِي, أَقَرَّ فُلَانٌ, وَفُلَانٌ, وَكُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ نُسْخَتَيْنِ).
شرح كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-:
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (كِتَابَةُ مُزَارَعَةٍ) خبر لمحذوف، أي هذه صفة كتابة مزارعة (عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ) متعلق بصفة "مُزارعة" أي كائنة على أن البذر. و"البذر" بفتح الموحّدة، وسكون الذال المعجمة هو في الأصل مصدر بذر، لكن المراد هنا: الحَبّ المبذور. قال الفيّوميّ: بذَرت الحبّ، من باب قتل: إذا ألقيته في الأرض للزراعة، والبذر المبذورُ، إما تسمية بالمصدر، وإما فَعْلٌ بمعنى مفعولٍ، مثلُ ضَرْبِ الأمير، ونَسْج اليمن. قال بعضهم: البَذْرُ في الحبوب كالحنطة، والشعير، والْبِزْرُ في الرَّيَاحين، والْبُقُولِ، وهذا هو المشهور في الاستعمال، ونُقِل عن الخليل: كلُّ حَبّ يُبْذَرُ فهو بَذْرٌ، وبِزْرٌ. انتهى.
(وَالنَّفَقَةَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ) يعني أن ما يُبذر في تلك الأرض من البذر، وما يُنفق عليها يكون على صاحب الأرض، لا على المزارع.
[تنبيه]: هذه الصفة التي ذكرها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهي أن يكون البذر على صاحب الأرض، والعمل على المزارع جائزة عند من يُجيز المزارعة، وأما إذا شُرط البذر على المزارع، فقد اختلفوا فيه، كما بيّنه أبو محمد ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-، فقال: ظاهر المذهب أن المزارعة إنما تصحّ إذا كان البذر من رب الأرض، والعمل من العامل، نصِّ عليه أحمد في رواية جماعة، واختاره عامّة الأصحاب، وهو مذهب ابن سيرين، والشافعيّ، وإسحاق؛ لأنه عقد يشترك العامل، وربّ المال في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال كلُّهُ من عند أحدهما، كالمساقاة، والمضاربة. وقد رُوي عن أحمد ما يدلّ على أن البذر يجوز أن يكون من العامل، فإنه قال في رواية مُهَنَّا في الرجل يكون له الأرض، فيها نخلٌ، وشجرٌ، يدفعها إلى قوم يزرعون الأرض، ويقومون على الشجر على أن له النصفَ، ولهم النصف: فلا بأس بذلك، وقد دفع النبيّ ﷺ خيبر على هذا، فأجاز دفع الأرض لزرعها من غير ذكر البذر، فعلى هذا أيهما أخرج البذر جاز.
ورُوي ذلك عن عمر بن الخطّاب ﵁، وهو قول أبي يوسف، وطائفة من أهل الحديث، وهو الصحيح، إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 15436
وروي عن سعد، وابن مسعود، وابن عمر ﵃ أن البذر من العامل، ولعلّهم أرادوا أنه يجوز أن يكون من العامل، فيكون كقول عمر ﵁، ولا يكون قولاً ثالثًا.
والدليل على صحّة ما ذكرنا قول ابن عمر ﵄: دفع رسول اللَّه ﷺ إلى يهود خيبر نخل خيبر، وأرضها، على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول اللَّه ﷺ شطر ثمرها، وفي لفظ: على أن يعملوها، ويزرعوها, ولهم شطر ما يَخرُج منها. أخرجهما البخاريّ. فجعل عملها من أموالهم، وزرعَهَا عليهم، ولم يذكر شيئًا آخر، وظاهره أن البذر من أهل خيبر، والأصل المعوّل عليه في المزارعة قصّة خيبر، ولم يذكر النبيّ ﷺ أن البذر على المسلمين، ولو كان شرطًا لما أخلّ بذكره، ولو فعله النبيّ ﷺ ، وأصحابه لنُقِل، ولم يجز الإخلال بنقله.
ولأن عمر ﷺ فعل الأمرين جميعًا، فإن البخاريّ روى عنه أنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. فظاهر هذا أن ذلك اشتهر، فلم يُنكَر عليه، فكان إجماعًا.
[فإن قلت]: فهذا بمنزلة بيعتين في بيعة، فكيف يفعله عمر ﵁؟.
[قلنا]: يحتمل أنه قال ذلك ليُخيّرهم في أيّ العقدين شاؤوا، فمن اختار عقدًا عقده معه معيّنًا، كما لو قال في البيع: إن شئت بعتكه بعشرة صحاح، وإن شئت بأحد عشر مكسّرة، فاختار أحدهما، فعقد البيع معه عليه معيّنًا.
ويجوز أن يكون مجيئه بالبذر، أو شروعه في العمل بغير بذر، مع إقرار عمر ﵁ له على ذلك، وعلمه به، جرى مجرى العقد، ولهذا رُوي عن أحمد صحّة الإجارة فيما إذا قال: إن خطته رُوميًّا، فلك درهم، وإن خطته فارسيًّا ذلك نصف درهم.
قال: وما ذكره أصحابنا من القياس يُخالف ظاهر النصّ، والإجماع اللذين ذكرناهما، فكيف يُعمل به؟، ثم هو منتقضٌ بما إذا اشترك مالان، وبدن صاحب أحدهما. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي صحّحه ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- من جواز كون البذر من صاحب الأرض، أو العامل، هو الصواب، لظاهر حديث قصّة خيبر المتقدّم، كما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَلِلْمُزَارعِ رُبُعُ) بضمتين، وتسكن الثانية تخفيفًا (مَا يُخْرِجُ) بضمّ أوله مبنيًّا للفاعل من الإخراج رباعيّا (اللَّهُ مِنْهَا).
стр. 15437
وحاصل معنى كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: هذه كيفيّة كتابة المزارعة التي شُرط فيها أن يكون البذر والنفقة على صاحب الأرض، وما يستحقّه المزارع عند إنتهاء عمله في تلك الأرض أن يأخذ ربع ما أخرج اللَّه تعالى من تلك الأرض، وثلاثة أرباع الخارج يكون لصاحب الأرض. ثم ذكر -رحمه اللَّه تعالى- نصّ الكتابة، فقال:
(هَذَا) مشيرًا إلى ما كُتِبَ من العقد (كِتَابٌ) أي مكتوب من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول (كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) المراد به المزارع، ونسبه إلى جدّه ليتميّز عَمَّن يوافقه في اسمه، واسم أبيه. وفي بعض النسخ إسقاط لفظة "ابن فلان" (فِي صِحَّةِ مِنْهُ) أي كتبه في حال صحّة جسمه، لا في مرضه (وَجَوَازِ أَمْر) وفي بعض النسخ: "وصحة أمره" بالضمير، أي وفي حال كون أمره نافذًا في أمواله كلّه، واحترز بذلك عن أن يكون صبيًّا، أو مريضاً (لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) المراد به صاحب الأرض (إِنَّكَ دَفَعْتَ إِلَيَّ، جَمِيعَ أَرْضِكَ الَّتِى بِمَوْضِعِ كَذَا، فِي مَدِينَةِ كَذَا، مُزَارَعَةً) منصوب على أنه مفعول من أجله، أي لأجل التعامل بالزراعة (وَهِيَ الأَرْضُ الَّتِى تُعرَفُ بِكَذَا) أي مسمّيًا لها باسمها الذي تُعرف به لئلا تلتبس بغيرها من أراضيه، فيقع النزاع بينهما (وَتجْمَعُهَا حُدُود أَرْبَعَةٌ، يُحِيطُ بِهَا كُلِّهَا) بالجرّ تأكيدٌ للضمير المجرور (وَأَحَدُ تِلْكَ الحُدُودِ بِأَسْرِه) بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة-: أي جميعه (لَزِيقُ كَذَا) أي متّصل بكذا من المكان (وَالثَّاني) أي لزيق كذا أيضًا (وَالثَّالِثُ) أي لزيق كذَا (وَالرَّابعُ) أي لزيق كذا أيضًا (دَفَعْتَ) بالبناء للفاعل، والتاء ضمير المخاطب، وهو صاحب الأرض (إِلَيَّ جَمِيعَ أَرْضِكَ هَذِهِ، الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَاب، بِحُدُودِهَا) متعلقة بـ "المحدودة" (المُحِيطَةِ بِهَا) بالجرّ صفة "حدودها" (وَجَمِيعِ حُقُوقِهَا) أيَ كلّ ما تستحقه من المرافق، وهي التي بَيَّنَهَا بما عطفه عطفَ مفصّل على مجملِ بقوله (وَشِرْبِهَا) بكسر المعجمة، وسكون الراء: هو النصيب من الماء (وَأَنْهَارِهَا) جمع نَهر بفتحتين، مثلُ سبب وأسباب، ويقال: النفي -بفتح، فسكون- فيُجمع على نُهُرٍ بضمتين، وأَنهُر، وهو الماء الجاريّ المتّسع (وَسَوَاقِيهَا) جمع ساقية: وهو النهر الصغير (أَرْضًا بَيْضَاءَ) قال ابن منظور: وأرضٌ بيضاء: مَلْساء، لا نبات فيها، كأن النبات كان يسوّدها. وقيل: هي التي لم توطأ. ولْال أيضًا: البيضاء الخراب من الأرض؛ لأنه يكون أبيض، لا غرس فيه، ولا زرع. انتهى. فيكون قوله (فَارِغَةٌ، لَا شَيْءَ فِيهَا، مِنْ غَرْسٍ، وَلَا زَرْعٍ) مفسرًا لمعنى قوله: أرضا بيضاء (سَنَةً تَامَّةً، أَوَّلُهَا مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا) مُسْتَهَلُّ الشهر بَضم الميم، بصيغة اسم المفعول: أوله، يقال: أُهِلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه، واستُهِلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يُجيز بناءه للفاعل، وهَلَّ، من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر. قاله الفيّوميّ (مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَآخِرُهَا
стр. 15438
انْسِلَاخُ شَهْرِ كَذا) أي انتهاؤه، وسَلْخُ الشهرِ: آخره (مِنْ سَنَةِ كَذَا، عَلَى أَنَّ أَزرَعَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَرْضِ الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الكِتَابِ) أي التي ذُكرت حدودها في كتاب العقد (الْمَوْصُوفِ) بالجر صفة بعد صفة للأرض (مَوْضِعُهَا) بالرفع على أنه نائب فاعل للموصوف (فِيهِ) متعلق بالموصوف (هَذِهِ السَّنَةَ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ "أزرِع" (المُؤَقَّتَةَ فِيهَا، مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ، وَبَدَا لِي) أي ظهر، وتيسّر لي (أَنْ أزرَعَ فِيهَا، مِنْ حِنْطَةِ، وَشَعِير، وَسَمَاسِمَ) جمع سِمْسِم بكسر المهملتين، وسمون الميم بينهما: حبٌّ معروف (وَأُرْزٍ) فيه لغات: أحدها: أُرْزٌّ كقُفْل، والثانية: أُرُزٌ بضمّ الراء أيضًا للإتباع، مثلُ عُسْرٍ وعُسُرٍ. والثالثة: ضم الهمزة والراء، وتشديد الزاي. والرابعة: فتح الهمزة، مع التشديد. والخامسة: رُزٌّ من غير همز، وزانُ قُفْل. قاله الفيّوميّ (وَأَقطَانٍ) بفتح الهمزة، جمع قُطن، مثل قفل وأقفال، ويقال فيه القُطُن بضمتين، وتخفيف النون، والْقُطُنّ بتشديد النون أيضًا (وَرِطَابٍ) بكسر الراء: جمع رَطبَة، مثل كَلْبة وكِلاب، والرَّطبَةُ: القَضْبَة خاصّة (وَبَاقِلَّا) وزان فَاعَلا، يُشدَّد، فيُقصرُ، وُيخفَّفُ، فيُمدّ، والواحدة: باقلّاة بالوجهين (وَحِمَّصِ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم، مكسورة أيضًا عند البصريين، ومفتوحة عند الكوفيين: حبٌّ؛ معروف. قاله الفيّوميّ (وَلُوبْيَا) بضمّ اللام، وكسر الموحّدة، بينهما واو ساكنة، وقبل الألف ياء تحتانيّة، يمدّ، وُيقصر، مذكّرٌ: نبات معروفٌ (وَعَدَسٍ) بفتحتين، واحدته عَدَسَةٌ: حبّ معروف (وَمَقَاثِي) بفتح الميم: جمع مَقثَأَة: أي محلّ قثّاء، قال في "القاموس": القِثّاء بالكسر، والضمّ: معروف، أو الخيار، وأقثَأَ المكانُ: كثُر به، وأقثأ القومُ كثُر عندهم، والْمَقْثَأَة، وتُضم ثاؤه: موضعه. انتهى (وَمَبَاطِيخَ) جمع مَبْطَخَة: موضع البِطِّيخ، قال في "القاموس": الْبِطِّيخُ -بالكسر- من اليَقْطين الذي لا يعلو، ولكن يذهب على وجه الأرض، واحدته بهاء، والْمَبْطَخَةُ، وتُضمّ الطاء: موضعه. انتهى (وَجَزَرٍ) بفتحتين، قال في "القاموس": الجَزَر بالتحريك: أُرُومة (١) تُؤكلُ، معرَّبة، وتُكسر الجيم، واحدتها بالهاء. انتهى (وَشَلْجَمٍ) قال ابن منظور: قال الجوهريّ: الشَّلْجَم -بفتح، فسكون-: نبت معروف، قال الراجز:
تَسألُنِي بِرَامَتَيْنِ شَلْجَمَا … لَوْ أَنَّهَا تَطْلُبُ شَيْئًا أَمَمَا
وقال في "التهذيب": المأكول يقال له: سَلْجَم- بالمهملة- ولا يقال له: شَلْجَم بالشين المعجمة-، ولا ثَلْجم -بالثاء المثلّة- وأنشد ابن بَريٍّ لأبي الزحف:
هَذَا وَرَبِّ الرَّقِصَاتِ الرُّسَّمِ … شِعْرِي وَلَا أُحْسِنُ أَكلَ السَّلْجَمِ
стр. 15439
قال: ومنهم من يتكلّم به بالشين المعجمة، وُيروَى الرجزُ بالسين والشين، قال: والصواب بالسين المهملة. وقال أبو حنيفة -يعني الدَّينوريّ-: السَّلْجَم معرّبٌ، وأصله بالشين، والعرب لا تتكلّم به إلا بالسين، قال: وكذا ذكره سيبويه. انتهى (١).
(وَفُجْلٍ) بضمّ، فسكون، وزان قُقل: بَقلَةٌ معروفة. وعن ابن دُريد: ليس بعربيّ صحيح، قال: وأحسب اشتقاقه من فَجِلَ فَجَلًا، من باب تَعِب: إذا غَلُظ، واسترخى. قاله الفيّوميّ (وَبَصَلٍ) بفتحتين: معرف، الواحدة: بَصَلَةٌ، مثلُ قَصَب وقَصَبَة (وَثُومٍ) بالضمّ، واحدته ثُومة. قال في "القاموس": الثوم: بُستانيّ، وبَري، وُيعرف بثوم الحية، وهو أقوى، وكلاهما مُسخِّنٌ مُخرِجٌ للنفْخِ، والدّود، مُدرّ جدًّا، وهذا أفضل ما فيه، جيّدٌ للنسيان، والرَّبْوِ، والسُّعال المزمِن، والطِّحال، والخاصرة، والقَولَنْج، وعِرْقِ النَّسَا، ووجع الوَرِكِ، والنّقْرِسِ، ولَسْعِ الهوَامّ، والحيّات، والعقارب، والْكلْب الْكَلِب، والعطش الْبَلْغَميّ، وتقطير البولَ، وتصفية الحلق، بَاهِيّ جَذّاب، ومشويّهُ لوجع الأسنان المتأكِّلَة، حافظٌ صحّةَ المَبْرُودين، والمشايخ، ردِيء للبواسير والزَّحِير، والخنازير، وأصحاب الدّقّ، والْحَبَالَى، والمرضعات، والَصُّداع، إصلاحُهُ: سَلْقُهُ بماء ومِلْح، وتطجينه بدهن لَوْز، وإتباعه بمصذ رُمانةٍ مُرّةٍ. انتهى.
(وَبُقُولِ) بالضمّ: جمع بَقْل بفتح، فسكون: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض. قاله ابن فارس (٢)، فيكون عطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ (وَرَيَاحِينَ) بفتح الراء: جمع رَيحان: نبتٌ طيّب الرائحة، أو كلُّ نبت كذلك، أو أطرافه، أو ورقه. قاله في "القاموس"، والمعنى الأول، والثاني هو المناسب هنا (وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ جمَيعِ الْغَلَّاتِ) بتشديد اللام: جمع غَلّة، وهي كلُّ شيء يحصلُ من رَيْعِ الأَرض، أو أجرتها، ونحو ذلك. قاله الفيّوميّ. والمعنى الأول هو المناسب هنا (شِتَاءً وَصَيْفًا) منصوبان على الظرفيّة، متعلّقان بـ "أزرع" المتقدِّم (ببُزُورِكَ، وَبَذْرِكَ) الجار والمجرور متعلّق بـ " أزرع" أيضًا. و"البزور" بالضم جمع بِزر بكَسر، فسكون، وتفتح الباء، قال الفيّوميّ: بِزْرُ البَقْلِ ونحوه بالكسر، والفتح لغة فيه، قال ابن السّكّيت: ولا تقوله الفصحاء إلا بالكسر، فهو أفصح. قال: قال بعضهم: البذر في الحبوب، كالحنطة والشعير، والبِزْرُ في الرياحين، والبقول، وهذا هو المشهور في الاستعمال. ونُقل عن الخليل: كلّ حبّ يُبذر، فهو بَذرٌ، وبِزْرٌ. انتهى.
وفي "القاموس": البَزرُ -بالفتح، ويُكسر-: كلُّ حبّ يُبزر للنبات، جمعه بُزور. و"البَذْرُ": هو ما عُزل للزراعة من الحبوب. انتهى.
стр. 15440
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويتحصّل مما ذُكر أن البزر والبذر بمعنى واحد، أو البذر بالذال لما يؤكل، كالحنطة والشعير، والبزر بالزاي لما لا يؤكل، كالرياحين. واللَّه تعالى أعلم.
(وَجَمِيعُهُ) أي ما ذُكر مما يُزرع في تلك الأرض (عَلَيْكَ دُونِي، عَلَى أَنْ أَتَوَلَّى ذَلِكَ بِيَدِي، وَبِمَنْ أَرَدْتُ مِنْ أَعْوَانِي، وَأُجَرَائِي) بضمّ الهمزة: جمع أَجير بفتحها (وَبَقَرِي، وَأَدَوَاتِي) وفي بعض النسخ: "وأداتي" بالإفراد" (وآتي) هكذا في النسخة الهندية، وعليها يكون فعلا مضارعًا لأتى، يقال: أَتَى الأمرَ: فَعَلَهُ. قاله في "القاموس". ووقع في النسخ المطبوعة "وإلى" بلفظ "إلى" الجارة، ولا يظهر لي معناه، ولعله من التصحيفات. (زِرَاعَةَ ذَلِكَ، وَعِمَارَتَهُ) بالكسر: أي تعميره (وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ نَمَاؤُهُ، وَمَصْلَحَتُهُ، وَكِرَابَ أَرْضِهِ) بكسر الكاف، يقال: كربتُ الأرضَ، من باب قتل كِرابًا بالكسر: قلبتها للحرث (وَتَنقِيَةَ حَشِيشِهَا) والحشيش: اليابس من النبات، فعيل بمعنى فاعل. وقال الفارابيّ: الحشيش: اليابس من الكلأ، قالوا: ولا يقال للرَّطْب حَشيش. قاله في "المصباح".
ومعنى تنقية الحشيش إزالتها من الأرض، حتى تكون صالحة للزراعة (وَسَقْيَ مَا يُحْتَاجُ) بالبناء للمفعول (إِلَى سَقيهِ، مِمَّا زُرِعَ) بالبناء للمفعول أيضًا (وَتَسْمِيدَ مَا يُحْتَاجُ إِلَى تَسْمِيدِهِ) أي إصلاحه، يقالَ: سَمَّدتُ الأرض تسميدًا: أصلحتها بالسَّمَاد، وهو بوزن سَلام: ما يُصلح به الزرع، من تُراب، وسِرْجين. قاله الفيّوميّ (وَحَفْرَ سَوَاقِيهِ وَأَنْهارِهِ، وَاجْتِنَاءَ مَا يُجْتَنَى مِنْهُ) أي اقتطاف ما كان صالحاً لاقتطافه من الثمار (وَالْقِيَامَ بحَصَادِ مَا يُحْصَدُ مِنْهُ، وَجَمْعِهِ) أي في بَيْدره، وهو الموضع الذي تُداس فيه الحبوب (وَدِيَاسَةِ مَا يُدَاسُ مِنْهُ) قال الفيّوميّ: دارس الرجلُ الحنطةَ يدوسها دَوْسًا، ودِياسًا، مثل الدِّراس، من كلام العرب، ومنهم من يقول: هو مجاز، وكأنه مأخوذ من داس الأرضَ دَوسًا: إذا شدّد وطأه عليها بقدمه. انتهى (وَتَذْرِيَتِهِ) أي تنقيته من التبن، يقال: ذرّيتُ الطعام تذريةً: إذا خلّصته من تبنه. وذَرَتِ الريحُ الشيءَ بالتخفيف تَذرُوه ذَرْوًا: نَسَفته، وفرّقته (بنَفَقَتِكَ) متعلق ب "آتي" المتقدم (عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ دُونِي) يعني أن النفقة على ما ذكر يكون علَى صاحب الأرض، لا على المزارع، وإنما هو عليه العمل فقط، كما بيّنه بقوله (وَأَعْمَلَ فِيهِ كُلِّهِ بِيَدِي، وَأَعوَاني دُونَكَ، عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُخْرِجُ اللَّه ، من ذَلِكَ كُلِّهِ، فِي هَذِهِ المُدّةِ الْمَوْصُوفَةِ، في هَذَا الْكِتَاب مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَلَكَ) أعاد الجارّ والمجرور تأكيدًا؛ لطول الفصل، وقوله (ثَلَاَثةَ أَرْبَاعِهِ) بالنصب اسم "أن" (بِحَظِّ أَرْضِكَ) أي هذا بسبب نصيب أرضك، أي بأجرتها (وَشِرْبِكَ) بكسر الشين، وسكون الراء: النصيب من الماء (وَبَذْرِكَ، وَنَفَقَاتِكَ، وَلِى الرُّبُعُ البَاقِي مِنْ جمَيعِ ذَلِكَ،