← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15506–15545 · переход к 15511.

стр. 15506

هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، أحفظ من روى عن الأعمش، غير سفيان الثوريّ. والحديث مرسل صحيح بما سبقه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والحديث صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٩٨ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجِيءُ الرَّجُلُ, آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ, فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ , فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ, فَيَقُولُ: فَإِنَّهَا لِي, وَيَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ, فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلَانٍ, فَيَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِفُلَانٍ, فَيَبُوءُ بِإِثْمِهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إبراهيم بن الْمُسْتَمِرّ) الْهُذَليّ، الْعُرُوقيّ -بالقاف الناجيّ بالنون، والجيم- أبو إسحاق البصريّ، صدوقٌ يُغرب [١١]. قال النسائيّ: صدوق. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أغرب. روى عنه أبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب الزينة" ١٠/ ٥٠٦٥ - حديث الحصين "لما قدم على النبيّ ﷺ بالمدينة" الحديث. ٢ - (عمرو بن عاصم) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيء، من صغار [٩] ١٧/ ١٥٥٢. ٣ - (معتمر) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمد الملقّب بالطفيل البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. ٤ - (أبوه) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧. ٥ - (الأعمش) سليمان بن مِهران، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨. ٦ - (شقيق بن سلمة) أبو وائل المترجم قريبًا.

стр. 15507

٧ - (عمرو بن شُرَحْبيل) الهمدانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، مخضرم ثقة عابد [٢] ١٨٠/ ٢٨٥. ٨ - (عبد اللَّه بن مسعود) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: سليمان بن طرخان، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شُرحبيل، ورواية الأول من الثاني من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان من الطبقة الرابعة، والأعمش من الخامسة، ورواية الثالث من الرابع من رواية الأقران؛ لأنهما مخضرمان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "يَجيءُ الرَّجُلُ) أي المقتول، وفي رواية جندب التالية: "يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة" (آَخِذًا بيَدِ الرّجُلِ) أي قاتله (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ) أي للقاتل (لِمَ قَتَلتَهُ؟) أَي لأيّ سبب قتل هذا الرجل (فَيَقُولُ: قَتَلتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ) هذا ظاهر فيمن قتل مستحقًّا للقتل، كمن قتل للقصاص، أو للبغي، أو نحو ذلك؛ دفعا للفتنة، ورفعًا للفساد عن البلاد والعباد، وهذا فيه إظهار عزّة اللَّه تعالى بتنفيذ أحكامه، وظهور الحقّ والعدل في الأرض فلذلك (يَقُولُ) تعالى (فَإِنَّهَا) أي العزة (لِي) أي ثابتة، ومستَحقَّةٌ لي (وَيَجيءُ الرَّجُلُ) المقتول (آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ) أي قاتله (فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلتَهُ؟ فَيَقُولُ) القاتل (لِتَكُونَ العِزَّةُ لِفُلَانٍ) هذا فيمن قتل للعصبيّة، أو لنصرة من لا يستحقّ النصر، بأن كان ظالمًا (فَيَقُولُ) اللَّه تعالى (إِنَّهَا) أي العزّة التي قتل من أجلها (لَيْسَتْ لِفُلَانٍ) حيث كان ظالمًا، وإنما يستحقّ العزّة من عمل بطاعة المولى العزيز، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المنافقون: ٨] (فَيَبُوءُ) من باب قال: أي يرجع (بِإِثْمِهِ) أي إثم القاتل، أي إثم قتله المؤمن ظلمًا. ويحتمل أن يكون الضمير للمقتول، ويؤيّد هذا قوله في قصّة ابني آدم ﵇: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]. [فإن قيل]: هذا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الإسراء: ١٥].

стр. 15508

[أجيب]: بأن الآية فيمن لم يستحقّ حمل ذنب غيره بفعله، وأما إذا استحقّ ذلك، فإنه يحمل وزر غيره، حيث ظلمه، فجوزي بتحميل وزره عليه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [النحل: ٢٥]. وقد جاء في حمل ذنوب غيره ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "أتدرون ما المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار". قَالَ: الْمَازرِيُّ: وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَة أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وَهَذَا الاعتِرَاض غَلَط مِنْهُ، وَجَهَالَة بَيِّنَة؛ لِأنَّه إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْره وَظُلْمه، فَتَوَجَّهَت عَلَيْهِ حُقُوق لِغُرَمَائِهِ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاته، فَلَمَّا فَرَغَت وَبَقِيَت بَقِيَّة قُوبِلَتْ عَلَى حَسَب مَا اقْتَضَتهُ حِكمَة اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه، وَعَدْلُه فِي عِبَاده، فَأُخِذَ قَدْرهَا من سَيِّئَات خُصُومه، فَوُضِعَ عَلَيْهِ، فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّار. فَحَقِيقَة العُقُوبَة إِنَّمَا هىَ بسَبَبِ ظُلمه، وَلَمْ يُعَاقَب بِغَيْرِ جِنَايَة وَظُلْم مِنْهُ، وَهَذَا كُلّه مَذهَب أَهل السُّنَّة. واللَّه أَعْلَم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢/ ٣٩٩٨ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٩٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ, قَالَ: قَالَ جُنْدَبٌ, حَدَّثَنِي فُلَانٌ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, فَيَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي, فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ» , قَالَ: جُنْدَبٌ: فَاتَّقِهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ) أبو حُميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٢٠٠/ ٣١٩. ٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ثقة ثبت، لكنه اختلط لما

стр. 15509

قدم بغداد [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (أبو عمران الْجَوْنيّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤] ١٤/ ١٤. ٥ - (جندب) بن عبد اللَّه بن سفيان البجليّ، ثم الْعَلَقيّ بفتحتين، ثم قاف- أبو عبد اللَّه، وربّما نُسب لجدّه، له صحبة، ويقال: جندب بن خالد بن سفيان. روى عن حذيفة. وقال البغويّ: عن أحمد: جندب ليست له صحبة قديمة. قال ابن حبّان: هو جندب الخير. وقال البغويّ: هو جندب ابن أم جندب. وذكره البخاريّ في "التاريخ" فيمن توفّي من الستين إلى السبعين. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، و-٢٨/ ٤١١٦ - : "من قاتل تحت راية عمّية" الحديث. وفي "كتاب الضحايا" -٤/ ٤٣٦٩ و ٥/ ٤٣٧٠ - : "من ذبح قبل الصلاة، فليذبح شاة" الحديث. ٦ - (الرجل المبهم) والظاهر أنه صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنيّ) -بفتح الجيم، وسكون الواو-: نسبة إلى جَوْن بطن من الأزد (قَالَ: قَالَ جُنْدَبْ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَني فُلَانٌ) كناية عن اسم رجل سمّاه، والظاهر أنه صحابيّ؛ وجهالتهم لا تضرّ؛ لأنهم كلهم عدول (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ) الباء للتعدية: أي يأتي به، أو يُحضِره، أو للمصاحبة: أي يجيء معه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ) أي المقتول للَّه (سَلْ هَذَا) أي القاتل (فِيمَ) هي "ما" الاستفهاميّة، حذفت ألفها؛ لدخول الجار عليها؛ تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة": وَمَا فِي الاسْتِفْهَامِ إِنَّ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ (قَتَلَنِي) أي لأي سبب قتلتني حين قتلني؟، فـ"في" تعليليّة (فَيَقُولُ) أي القاتل (قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ") بكسر الميم، أو ضمها، قال الطيبيّ: [فإن قلت]: كيف طابق هذا قوله: "فيم قتلني؟ "؛ لأنه سأله عن سبب قتله؟. [قلت]: قوله: "على ملك فلان، معناه: على عهده ملك من السلاطين، وزمانه، أي في نُصرته، هذا إذا كانت الرواية بضمّ الميم في "ملك"، وإذا كانت بالكسر، كان المعنى: قتلته على مشاجرة بيني وبينه في ملك زيد مثلاً. انتهى (١).

стр. 15510

(قَالَ: جُنْدَبٌ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَاتَّقِهَا) أي فاجتنب هذه السيّئة القبيحة المؤدّية إلى مثل هذا الجواب الفاضح. وقال في "المرقاة": أي اجتنب القتلة، أو احترز النُّصرة، أو المشاجرة، وهي المخالفة، والمنازعة المفضية إلى القتل. قال الطيبيّ: وكان جندب ﵁ ينصح رجلاً، أراد هذه الفعلة، واستشهد بهذا الحديث، ثم قال: فإذا سمعت بذلك، فاتّقها. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جندب، عن رجل مبهم هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٣/ ٣٩٩٩ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦١. وأخرجه (أحمد) في أول مسند المدنيين" ١٦١٦٤ و"باقي مسند الأنصار"٢٢٦٠٠ و ٢٢٦٥٤ و ٢٢٧٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٠ - (٢) (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ, سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا, مُتَعَمِّدًا, ثُمَّ تَابَ, وَآمَنَ, وَعَمِلَ صَالِحًا, ثُمَّ اهْتَدَى؟ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟ , سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ, تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا, فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ سَلْ هَذَا, فِيمَ قَتَلَنِي؟» , ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللَّهُ, ثُمَّ مَا نَسَخَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلاليّ مولاهم، أو بحمد المكيّ الإمام الحافظ الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (عمّار الدُّهْنيّ) -بضمّ، فسكون-: هو ابن معاوية البجليّ، أبو معاوية الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [٥] ٧/ ٦٩٧.

стр. 15511

٤ - (سالم بن أبي الجعد) رافع الغَطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، يرسل كثيرًا [٣] ٦١/ ٧٧. ٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (سُئِلَ) بالبناءَ للمفعول، والسائل هو سعيد بن جبير، كما تبيّنه الروايات الآتية (عَمَّنْ قَتَلَ) بالبناء للفاعل (مُؤْمِنًا، مُتَعَمِّدًا، ثمّ تَابَ) بشرط التوبة، ومنها تمكينه للاقتصاص منه (وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟) "أنى" بفتح الهمزة بمعنى "كيف"، أي كيف تكون له التوبة، وتصحّ، وتُقبل منه، وقد قتل مؤمنًا متعمّدًا، ثمّ ذكر مستنده في ذلك، فقال (سَمِعتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ ، يَقُولُ: يَجِيءُ) أي المقتول، كما تبيّنه الرواية الآتية في ٤٠٦ - (مُتَعَلِّقا بِالْقَاتِلِ، تَشْخَبُ) بمعجمتين، يقال: شَخَبَت أوداج القتيل دمًا شَخْبًا، من بابي قتل، ونفع: جرت، وشَخَب اللبنُ، وكلُّ مائع شَخْبًا: دَرَّ، وسالَ، وشَخَبته أنا، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ (أَوْدَاجُهُ) بفتح الهمزة، جمع وَدَج. قال الفيّوميّ: الْوَدْجُ بفتح الدال، والكسر لغةٌ-: عِرْق الأخدع الذي يَقطعه الذابح، فلا يبقى معه حياةٌ، ويقال: في الجسد عرقٌ واحدٌ حيثما قُطع مات صاحبه، وله في كلّ عضو اسمٌ، فهو في العنق الودج، والْوَرِيد أيضًا، وفي الظهر النِّيَاطُ، وهو عرقٌ ممتدّ فيه، والأبهر، وهو عرقٌ مُستبطِنُ الصُّلْب، والقلبُ متّصلٌ به، والوَتِين في البطن، والنَّسَا في الفخذ، والأبجلُ في الرجل، والأكحلُ في اليد، والصافن في الساق. وقال في "المجرد" أيضًا: الوريد عِرْقٌ كبير، يدور في البدن، وذكر معنى ما تقدّم، لكنه خالف في بعضه، ثم قال: والْوَدَجان: عِرْقان غليظان، يكتنفان ثُغْرَة النحر يمينًا ويسارًا، والجمع أوداجٌ، مثلُ سبب وأسباب، وودَجْتُ الدّابّةَ وَدْجًا، من باب وَعَدَ: قطعت وَدَجَها، ووَدَّجْتُها بالتثقيل مبالغةٌ، وهو لها كالفصد للإنسان؛ لأنه يقال: وَدَجتُ المالَ: إذا أصلحته، وودجتُ بين القوم: أصلحتُ. انتهى كلام الفيّوميّ. - وقوله (دَمًا) منصوب على التمييز (فَيَقُولُ: أَي) حرف نداء للأوسط، كما قال في

стр. 15512

"الكوكب الساطع": "أَي" لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ … لَا الْقُرْبِ وَالبُعْدِ وَلِلتَّفْسِيرِ لكنها هنا مستعملة للقرب، واللَّه تعالى أعلم. (رَبِّ) أصله "ربّي" مضافًا إلى ياء المتكلّم، ثم خُفف بحذفها، استغناءً بالكسرة، وهذا هو الأكثر في الاستعمال، ويجوز "ربّي" بإبقاء الياء ساكنة، ويجوز فيه "رَبَّ" بقلب الياء ألفًا، وحذفها استغناء بالفتحة، ويجوز فيه "ربّا" بقلب الياء ألفًا، والكسرة فتحةً، ويجوز فيه "ربّيَ" بفتح الياء، ويجوز على قلّة ضمّها تشبيهًا بالمفرد، وإلى هذه القاعدة، سوى الأخيرة أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إنْ يَضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا (سلْ هَذَا) القاتل (فِيمَ قَتَلَنِي؟) ووجه استدلال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بالحديث على أن قتل المؤمن عمدًا لا توبة له أن تعلّق المقتول بالقاتل شاخبةً أوداجه يقتضي أن يحكم له على خصمه، وقد تبيّن بالنصوص الأخرى أن القضاء عليه أن يبوء بإثمه، فيكون من أهل النار، كما قصّ اللَّه تعالى ذلك في حكايته نبأ ابني آدم ﵇، حيث قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]، وكقوله ﷺ في حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - الماضي: "فيبوء بإثمه"، مع أن آية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣] ظاهرة في ذلك، كما أشار إليه قوله (ثُمَّ قَالَ) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَاللَّهِ لَقَدْ أَنزَلَهَا اللَّهُ) أي الآية التي تدلّ على أن قاتل المؤمن عمدًا من أهل النار، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (ثُمَّ مَا نَسَخَهَا) أي ثم بعد ما أنزلها لم يُنزل اللَّه تعالى ما ينسخ ما تضمّنته، فهي محكمة، غير منسوخة، تدلّ على أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا. هذا تقرير رأي ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في هذه المسألة، وقد خالفه فيها جمهور السلف والخلف، فقالوا: إن له توبة، وإنه تحت المشيئة. وقد اختلفت الروايات عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فقال في "الفتح": وَحَاصِل مَا في هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ ابْنِ عَبَّاس كَانَ تَارَة يَجْعَل الآيَتَيْنِ فِي مَحَلّ وَاحِد، فلِذَلِكَ يَجْزِم بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا، وَتَارَة يَجْعَل مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا. وَيُمْكِن الْجَمْعَ بَيْنَ كَلَامَيهِ بأن عُمُوم الَّتِي فِي الفُرْقَان خَصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةَ الْمُؤْمِن القَتْلَ مُتَعَمِّدًا، وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَف يُطلَقُونَ النَّسْخ عَلَى التَّخْصِيص، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل كَلَامه

стр. 15513

عَلَى التَّنَاقُض، وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ: بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَوْل ابْن عَبَّاسِ بِأَنَّ الْمُؤمِن إِذَا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَة لَهُ مَشْهُور عَنه، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَح مِمَّا تَقَدَّمَ: فَرَوَى أَحْمَد، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْجَابِر، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَريق عَمَّار الدُّهْنِيّ كِلَاهُمَا , عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْد، قَالَ: "كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاس بَعْدَمَا كُفَّ بَصَره، فَأتَاهُ رَجُل فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُل قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا، وَسَاقَ الآيَة إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾، قَالَ: لَقَدْ نَزَلَت فِي آخِر مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْء حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّه ﷺ ، وَمَا نَزَلَ وَحْي بَعْدَ رَسُول اللَّه ﷺ . قَالَ: أَفَرَأَيْت إنْ تَابَ وَوَآمَنَ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَة وَالْهُدَى "لَفْظ يَحْيَى الْجَابِر، وَالآخَر نَحْوه. وَجَاءَ عَلَى وَفْق مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنِ عَبَّاس فِي ذَلِكَ أَحَادِيث كَثيرَة: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ, عَنْ مُعَاوِيَة، سمِعت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول: "كُلّ ذَنْب عَسَى اللَّهَ أَنْ يَغفِرَهُ إِلَّا الرَّجُل يَمُوت كَافِرًا، وَالرَّجُل يَقْتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا". وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُور السَّلَف، وَجَمِيع أَهْل السُّنَّة مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْليظ، وَصَحَّحُوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ إِنْ شَاءَ اللَّه أن يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَولِهِ تَعَالَى في سُورَة النسَاء أَيْضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وَمِنْ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ حَدِيث الإسْرَائِيلِيّ الذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمْ أَتَى تَمَام الْمِائَه فَقَالَ لَهُ: لَا تَوْبَةَ، فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائةَ. ثُمَّ جَاءَ آخَر فَقَالَ: "وَمَنْ يَحُول بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَة" الْحَدِيث، وَهُوَ مَشْهُور (١). وَاِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ من غَيْر هَذِهِ الأُمَّة

стр. 15514

فَمِثْله لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الأَثْقَال التِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ. انتهى (١). وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في شرح حديث قصَّة الرجل الإسرائيليّ المذكور: ما نصُّهُ: هَذَا مَذْهَب أَهْل العلم، وَإجْماعهمْ عَلَى صِحَّة تَوبَة الْقَاتِل عَمْدًا، وَلَمْ يُخَالِف أَحَد مِنْهُمْ إِلا ابْنِ عَبَّاس. وَأَمَّا مَا نُقِلَ , عَنْ بَعْض السَّلَف مِنْ خِلَاف هَذَا، فَمُرَاد قَائِله الزَّجْر , عَنْ سَبَب التَّوْبَة، لَا أَنَّهُ يَعْتَقِد بُطْلَان تَوْبَته. وَهَذَا الْحَدِيث ظَاهِر فِيهِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا، وَفِي الِاحتِجَاج بِهِ خِلَاف فَلَيْسَ مَوْضِع الخِلَاف، وَإِنَّمَا مَوْضِعه إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَتَقرِيره، فَإن وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا شَكٍّ، وَهَذَا قَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣] فَالصَّوَاب فِي مَعْنَاهَا: أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّم، وَقَد يُجَازَى بِهِ، وَقَد يُجَازَى بِغَيْرِهِ وَقَد لَا يُجَازَى بَل يُعْفَى عَنْهُ، فَإِنْ قتَلَ عَمْدًا مُسْتَحِلًا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأوِيل، فَهُوَ كَافِر مُرْتَدّ، يُخَلَّد بِهِ فِي جَهَنَّم بِالإجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْر مُسْتَحِلّ بَل مُعْتَقِدًا تَحْرِيمه فَهُوَ فَاسِق عَاصٍ مُرْتَكِب كَبِيرَة، جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا، لَكِنْ بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى ثُمَّ أَخبَرَ أَنهُ لَا يُخَلَّدْ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا فِيهَا، فَلَا يَخْلُد هَذَا، وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ، فَلَا يَدْخُل النَّار أَصْلًا، وَقَد لَا يُعْفَى عَنْهُ، بَل يُعَذَّب كَسَائِرِ العُصَاة المُوَحِّدِينَ، ثُمَّ يَخْرُج مَعَهُمْ إِلَى الْجَنَّة، وَلَا يُخَلَّد فِي النَّار، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى الآيَة، وَلَا يَلْزَم من كَوْنه يَسْتَحِقّ أَنْ يُجَازَى بِعُقُوبَةٍ مَخْصُوصَة أَنْ يَتَحَتَّم ذَلِكَ الجَزَاء، وَلَيْسَ فِي الآيَة إِخْبَار بأَنَّهُ يُخَلَّد فِي جَهَنَّم، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهَا جَزَاؤُهُ أَيْ: يَسْتَحِقّ أنْ يُجَازَى بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ المُرَاد مَنْ قتَلَ مُسْتَحِلًا، قيلَ: وَرَدَتْ الآيَة فِي رَجُل بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالخُلُودِ طُول المُدَّة لَا الدَّوَام، وَقيل: مَعْنَاهَا هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ، وَهَذِهِ الأقوَال كُلّهَا ضَعِيفَة أَوْ فَاسِدَة لِمُخَالَفَتِهَا حَقِيقَة لَفْظ الآيَة، وَأَمَّا هَذَا الْقَوْل فَهُوَ شَائِع عَلَى أَلسِنَة كَثِير مِنْ الناس، وَهُوَ فَاسِد لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا عُفِيَ عَنْهُ خَرَجَ , عَنْ كَونَها كَانَتْ جَزَاء، وَهِيَ جَزَاء لَهُ، لَكِنْ تَرَكَ اللَّه مُجَازَاته عَفوا عَنْهُ وَكَرَمًا، فَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وسيأتي بيان الخلاف مفصّلًا في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 15515

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٤٠٠٠ و ٤٠٠١ و ٤٠٠٢ و ٤٠٠٥ وفي "كتاب القسامة" ٤٨/ ٤٨٦٤ و ٤٨٦٥ و ٤٨٦٦ و ٤٨٦٧ - وفي " الكبرى" ٢/ ٣٤٦٢ و ٣٤٦٣ و ٣٤٦٤ و ٣٤٦٥ و ٣٤٦٨. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٨٥٥ و"التفسير" ٤٥٩٠ و ٤٧٦٢ و ٤٧٦٣ و ٤٧٦٤ و ٤٧٦٥ و ٤٧٦٦ (م) في "الإيمان" ١٢٢ و"التفسير" ٣٠٢٣ (د) في "الفتن" ٤٢٧٥ (ق) في "الديات"٢٦٢١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تعظيم دم المسلم. (ومنها): مجيء المقتول متعلّقًا بقاتله، شاخبة أوداجه بالدم؛ إظهرارّ للحجة، وإلزامًا لخصمه دون إقامة بيّنة. (ومنها): إثبات مخاطبة اللَّه تعالى للمتخاصمين، وفصل القضاء بينهما. (ومنها): أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - استدلّ بهذا الحديث على أن قاتل المؤمن عمدًا لا توبة له، وقد خالفه جمهور السلف والخلف في ذلك، كما يأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توبة قاتل المؤمن عمدًا: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": واختلف العلماء في قاتل العمد، هل له توبة؟. فروى البخاريّ عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عبّاس، فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. وروى النسائيّ عنه، قال: سألت ابن عبّاس، هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: هذه آية مكيّةٌ نسختها آية مدنيّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]. وروى عن زيد بن ثابت نحوه، وأن آية النساء نزلت بعد الفرقان بستّة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائيّ عن زيد بن ثابت ﵁. وإلى عموم هذه الآية، مع هذه الأخبار عن زيد، وابن عبّاس ذهبت المعتزلة،

стр. 15516

وقالوا: هذا مخصّص عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ورأوا أن الوعيد نافذ حتمًا على كلّ قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدًا. وذهب جماعة من العلماء منهم: عبد اللَّه بن عمر ﵁ وهو أيضًا مرويّ عن زيد بن ثابت، وابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم - إلى أن له توبةً، روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعيّ، عن سعيد عبيدة، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمّدًا توبة؟ قال: لا إلا النار، قال: فلمّا ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبةً مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلاً مُغضبًا، يريد أن يقتُل مؤمنًا، قال: فبعثوا في إثره، فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنّة، وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصّصة، ودليل التخصيص آياتٌ وأخبارٌ، وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن ضبابة، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة، فوجدوا هشامًا قتيلًا في بني النجّار، فأخبر بذلك النبيّ ﷺ ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، وأرسل معه رجلاً من بني فهو، فقال بنو النجَّار: واللَّه ما نعلم له قاتلًا، ولكنّا نؤدّي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فعدا مقيس على الفهريّ، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل، وانصرف إلى مكة كافرًا مرتدًا، وجعل يُنشد: قَتَلتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ … سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارعِ (١) حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكتُ ثَوْرَتِي … وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا أُأمّنه في حلّ، ولا حرم"، وأمر بقتله يوم فتح مكّة، وهو متعلّقٌ بالكعبة. وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير، وعلماء الدين، فلا ينبغي أن يُحمل على المسلمين. ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأخذ بالظاهرين تناقضٌ، فلا بُدّ من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية "الفرقان"، وهذه الآية ممكن، فلا نسخ، ولا تعارض، وذلك أن يُحمل مطلق آية "النساء" على مقيّد آية "الفرقان"، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيّما وقد اتحد الموجِب، وهو القتل، والموجَب، وهو التواعد بالعقاب.

стр. 15517

وأما الأخبار، فكثيرة، كحديث عُبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - الذي قال فيه: "تبايعوني على أن لا تُشركوا باللَّه شيئًا, ولا تزنوا, ولا تسرِقوا, ولا تقتلوا النفس التي حرّم اللَّه إلا بالحقّ، فمن وفي منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فعوقب به، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره اللَّه عليه، فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه". متّفقٌ عليه. وكحديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ في الذي قتل مائة نفس. متّفقٌ عليه. إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويُقرّ بأنه قتل عمدًا، ويأتي السلطانَ الأولياءُ, فيقام عليه الحدّ، ويُقتل قَوَدًا، فهذا غير متَّبَع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعًا على مقتضى حديث عبادة - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بيّنّا، أو تكون محمولةً على ما حُكي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما أنه قال: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ معناه مستحلًّا لقتله، فهذا أيضًا يؤول إلى الكفر إجماعًا. وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب، أو لم يتُب. قاله أبو حنيفة، وأصحابه. [فإن قيل]: إن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ دليلٌ على كفره؛ لأن اللَّه تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان. [قلنا]: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كرم، كما قال: وَإِنِّي مَتَى أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ … لَمُخلِفٌ إيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي وقد تقدّم جوابٌ ثان: إن جازاه بذلك، أي هو أهلٌ لذلك، ومستحقّه لعظم ذنبه. نصّ على هذا أبو مِجْلَز لاحقُ بْنُ حُميد، وأبو صالح، وغيرهما. وروى أنس بن مالك ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا وعد اللَّه لعبد ثوابًا، فهو منجزه، وإن أوعد له العقوبةَ، فله المشيئة، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه" (١). وفي هذين التأويلين دَخَلٌ، أما الأول، فقال القشيريّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن كلام الربّ لا يَقبل الخلف، إلا أن يُراد بهذا تخصيص العامّ، فهو إذًا جائزٌ في الكلام. وأما الثاني، وإن روي أنه مرفوع، فقال النّحّاس: وهذا الوجه الغلط فيه بيّنٌ، وقد قال اللَّه : ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ الآية [الكهف: ١٠٦]، ولم يقل أحدٌ: إن جازاهم، وهو

стр. 15518

خطأٌ في العربية؛ لأن بعده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، وهو محمول على معنى جازاه. وجوابٌ ثالث ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن لم يتُب، وأصرّ على الذنب حتى وافى ربّه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة اللَّه في "كتاب الناسخ والمنسوخ" أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عبّاس، وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة. وفي هذا الذي قاله نظرٌ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ. قاله ابن عطيّة. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار، إنما المعنى: فهو يَجزيه. وقال النحّاس في "معاني القرآن" له: القول فيه عند العلماء أهلِ النظر أنه محكم، وأنه يُجازيه إذا لم يتُب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣]، وقال زُهَير: وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا وهذا كلّه يدلّ على الخلد يُطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول: لأخلدنّ فلانًا في السجن، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون. ومثله قولهم في الدعاء: خلد اللَّه ملكه، وأبّد أيامه. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن قاتل المؤمن عمدًا تُقبل توبته؛ جمعًا بين النصوص المذكور، والعمل بالدليلين إذا أمكن أولى من إهمال أحدهما. على أنه قد جاء عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - القول بموافقة قول الجمهور، فقد أخرج البخاريّ في "الأدب المفرد" رقم ٤ - بسند صحيح، على شرط الشيخين، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس أنه أتاه رجلٌ، فقال: إني خطبت امراةٌ، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبّت أن تنكحه، فغِرتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّةٌ؟ قال: لا، قال: تب إلى اللَّه ، وتقرّب إليه ما استطعت، فذهبتُ، فسألت ابن عبّاس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملاً أقرب إلى

стр. 15519

اللَّه من برّ الوالدة. وأخرج ابن جرير ٥/ ١٣٨ بسند جيّد، عن سعيد، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر اللَّه (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قد تراجع عن قوله الأول، فقال بقول الجمهور في قبول توبة القاتل، وهذا القول منه هو الحقّ؛ لما ذكرنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠١ - (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ الْبَصْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, فَسَأَلْتُهُ, فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ, ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"المغيرة بن النعمان": هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١١٨/ ٢٠٨٢. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا, وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] , قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير: ١ - (القاسم بن أبي بزّة (٢)) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي- واسمه نافع، ويقال: يسار، ويقال: نافع بن يسار المكيّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عاصم القارئ

стр. 15520

المخزوميّ مولاهم، قيل: إن أصله من هَمَذَان، ثقة [٥]. قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمر: توفي سنة أربع وعشرين ومائة بمكّة، وكان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع عشرة، أو خمس عشرة، وقد قيل: سنة خمس وعشرين ومائة، والأول أصحّ. وجدّه من فارس، أسلم على يد السائب بن صَيْفيّ، وَلَمْ يسمع التفسير من مجاهد أحدٌ غير القاسم، وكلّ من يروي عن مجاهد التفسير، فإنما أخذه من كتاب القاسم. وذكر البخاريّ في "الأوسط" عن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم بن أبي بزّة أن جدّه القاسم مات سنة (١١٥). روى له الجماعة. وقوله: ﴿ومن يقتُل﴾ الآية بدل من "آية مدنيّة"، أو خبر لمحذوف: أي هي: ﴿ومن يقتُل﴾. والحديث متّفقٌ عليه، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (١) , أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ, عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] , فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ, وَعَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] , قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"محمد": هو ابن جعفر غندر. و"منصور": هو ابن المعتمر. وقوله: "أمرني عبد الرحمن بن أبي ليلى" هكذا في رواية المصنف هنا، وفي "الكبرى"، وهو غلطٌ، والصواب "أمرني عبد الرحمن بن أبزى"، كما سيأتي له في آخر "كتاب القسامة" برقم (٤٨٦٥)، وهو الذي في "الصحيحين"، فقد رواه البخاريّ عن عبدان، عن أبيه، عن شعبة، ورواه مسلم عن محمد بن المثنّى، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى الخ. وأشار في هامش "الكبرى" إلى أنه يوجد في بعض النسخ: "عبد الرحمن بن أبزى"، وهذا هو الصواب، والأول تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15521

وقوله: "هاتين الآتين" أي آية ﴿ومن يقتُل مُؤمِنًا﴾ الآية، وآية ﴿ولا يقتُلُون النّفس﴾ الآية. وقوله: "وعن هذه الآية" هذه هي الآية الثانية المسؤول عنها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٤ - (أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَنْبِجِيُّ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا, وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا, وَانْتَهَكُوا, فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ , قَالُوا يَا مُحَمَّدُ, إِنَّ الَّذِي تَقُولُ, وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ, لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] , قَالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا, وَزِنَاهُمْ إِحْصَانًا, وَنَزَلَتْ ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣] الآيَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حاجب بن سليمان المِنبجيّ) أبو سعيد، صدوق يَهِم [١٠] ٧/ ٦٣٤ من أفراد المصنّف. ٢ - (ابن أبي روّاد) هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد بفتح الراء، وتشديد الواو- المكيّ، صدوقٌ يخطئ، وكان مُرْجِئًا، أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩] ١٢٧/ ٢٩١٠. ٣ - (ابن جُريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عبد الأعلى الثعلبيّ) هو عبد الأعلي بن عامر الثعلبيّ الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم (٢) [٦] ٨٥/ ٢٠٠٩. ٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15522

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وعبد الأعلى، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا) المسلمين (فَأَكْثَرُوا) من القتل (وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا) من الزنا (وَانْتَهَكُوا) قال الفيّوميّ: انتهك الرجل الْحُرمةَ: تناولها بما لا يحلّ. انتهى. وحُذف المفعول هنا للتعميم. والمعنى: تناولوا جميع ما حرّم اللَّه تعالى عليهم. (فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ) قال في "الفتح": في رواية الطبرانيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن السائل عن ذلك هو وَحْشِيّ بن حَرْب قاتل حمزة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وأنه لما قال ذلك نزلت: ﴿إِلّا من تاب وآمن وعمِل عملًا صالِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، فقال: هذا شرط شديد، فنزلت: ﴿قُل يا عِبادِي﴾ الآية. وروى ابن إسحاق في "السيرة" قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: "اتّعدتّ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص أن نهاجر إلى المدينة"، فذكر الحديث في قصّتهم، ورجوع رفيقه، فنزلت: ﴿قُل يا عِبادِي الّذِين أسرفُوا على أنفُسِهِم﴾ الآية [الزمر:٥٣]، قال: فكتب بها إلى هشام. انتهى (١). (إِنَّ الَّذِي تقُولُ) من كلمة التوحيد (وَتَدْعُو إِليْهِ) من عبادة اللَّه تعالى (لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا) قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- عنه: يحتمل أن تكون "لو" هنا للامتناع، ويكون جوابها محذوفًا، تقديره: لأسلمنا، أو نحوه. ويحتمل أن تكون للتمنّي، بمعنى "ليت"، والأول أظهر. انتهى (٢). (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعهما مفعولاً لـ "تخبر"، أو مجرورة بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال ابن مالك: وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ لِلمُنْجَرِّ

стр. 15523

نَقْلًا وفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ"عجِبْتُ أَنْ يَدُوا أي بأنّ لما عملنا الخ (لِمَا عَمِلْنَا) جارّ ومجرورٌ خبر مقدّم لـ "أنّ"، وقوله (كَفَّارَةً) بالنصب اسم "أنّ" مؤخّرًا. فأنزل اللَّه : ﴿والّذِين لا يدعُون مع اللَّهِ إِلهًا آخر﴾ إِلى ﴿فأُولئِك يُبدِّلُ اللَّه سيِّئاتِهِم حسناتٍ﴾، قال: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا، وزِنَاهُمْ إِحْصَانًا) هذا أحد القولين في معنى التبديل المذكور في هذه الآية الكريمة، قال الإمام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": في معنى قوله تعالى: ﴿يُبدِّلُ اللَّه سيِّئاتِهِم حسناتٍ﴾ قولان: [أحدهما]: أنهم بُدّلوا مكان عمل السيّئات بعملِ الحسنات. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيّئات، فرغب اللَّه بهم عن السيّئات، فحوّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيّئات الحسنات. ورُوي عن مجاهد، عن ابن عبّاس أنه كان يُنشد عند هذه الآية: بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَرِيفًا … وَبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الْوَجِيفَا يعني تغيّرت تلك الأحوال إلى غيرها. وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا يكون الرجل على صفة قبيحة، ثمّ يُبدّل اللَّه بها خيرًا. وقال سعيد بن جُبير: أبدلهم اللَّه بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصريّ: أبدلهم اللَّه بالعمل السيّىء العملَ الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا. وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين. [والقول الثاني]: أن تلك السيّئات الماضية تنقلب بنفس التربة النَّصُوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلّما تذكّر ما مضى نَدِمَ، واسترجع، واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه، فإنه لا يضرّه، وينقلب حسنةً في صحيفته، كما ثبتت السنّة بذلك، وصحّت به الآثار المرويّة عن السلف - رضي اللَّه تعالى - عنهم، فعن أبي ذر - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، آخر أهل الجنة دخولا الجنة، يؤتى برجل، فيقول: نَحُّوا كبار ذنوبه، وسلُوه عن صغارها، قال: فيقال له عملت كذا، يوم كذا وكذا، وعملت كذا، يوم كذا وكذا، قال: فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، لقد عملت أشياء، لم أرها هنا، قال: فضحك رسول اللَّه ﷺ ، حتى بدت نواجده" رواه مسلم.

стр. 15524

وأخرج الطبرانيّ بسنده عن أبي مالك الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان أعطني صحيفتك، فيُعطيه إياها، فما وجد في صحيفة من حسنة محا بها عشر سيئات من صحفية الشيطان، وكتبهنّ حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام، فليُكبّر ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدةً، ويُسبّح ثلاثين تسبيحة، فتلك مائة". ثم ذكر ابن كثير آثارًا كثيرة تدلّ على أن ذلك التبديل في الآخرة، فراجع "تفسيره" تستفد (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا تنافي بين القولين، فالآية عامّة لكليهما، ولا داعي لقصرها على أحد المعنيين؛ مع صحّة الدليل على أن كلًّا من التبديلين مقصود بالآية، فتبديل اللَّه تعالى أحوالهم السيّئة بعد التربة النصوح إلى الأحول الحسنة مما لا نقاش فيه، وتبديل اللَّه تعالى لهم ذنوبهم بالحسنات، يعطيهم مكان كلّ سيئة حسنة، ثابت في الحديث الصحيح، فاتّضح أن التبديل الدنيويّ والأخرويّ معًا ثابت لهم، والآية الكريمة دالّةٌ عليه دلالة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ونزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية) قال في "الفتح" بعد أن ذكر قصّة وحشيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - الآنفة الذكر: في رواية الطبرانيّ: "فقال الناس: يا رسول اللَّه ﷺ ، إنا أصبنا ما أصاب وحشيّ، فقال: هي للمسلمين عامّةً". وروى أحمد، والطبرانيّ في "الأوسط" من حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يقول: "ما أُحبّ أنّ لي بهذه الآية الدنيا، وما فيها: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فقال رجلٌ: ومن أشرك؟ فسكت ساعة، ثم قال: "ومن أشرك" ثلاث مرّات. واستُدِلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب، كبيرِها، وصغيرِها، سواء تعلقت بحّق الآدميين، أم لا، والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تُغفر بالتوبة، وأنها تُغفر لمن شاء اللَّه، ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلابدّ له من ردّه لصاحبه، أو محاللته منه. نعم في سعة فضل اللَّه ما يمكن أن يعوّض اللَّه صاحب الحقّ عن حقّه، ولا يُعذّب العاصي بذلك، ويُرشد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح" (٢).

стр. 15525

ولبعضهم في هذه الآية الكريمة من [الوافر]: وَمِمَّا زَادنِي شَرَفًا وَتِيهًا … وَكِدتُّ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ ﴿يَا عِبَادِي﴾ … وَأَنْ صَيَّرْتَ لِي أَحْمَدَ نَبِيَّا قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده ابن أبي روّاد، وعبد الأعلى الثعلبيّ، وقد تكلّم فيهما، كما تقدّم؟. [قلت]: نعم الإسناد فيه ضعف، لكن يصحّ بالحديث الذي بعده، فإنه متّفقٌ عليه كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجنا هنا -٢/ ٤٠٠٤ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٥ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ أَتَوْا مُحَمَّدًا, فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ, وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ, لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً, فَنَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] , وَنَزَلَتْ ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير: ١ - (يعلى) بن مسلم بن هُرمز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقة [٦]. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الآجريّ، عن أبي داود: يعلي بن مسلم بصريّ، كان بمكّة، وهو غير يعلي بن مسلم المكيّ، ذاك أخو الحسن بن مسلم. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، وفي "كتاب البيعة" ١٣/ ٤١٦٧ - حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: إن رسول اللَّه ﷺ ، وأبا بكر وعمر" الحديث، وفي "كتاب البيعة" أيضًا ٢٨/ ٤١٩٥ - حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: ﴿يا أيُّها الّذِين آمنُوا أطِيعُوا اللَّه وأطِيعُوا الرّسُول﴾ [النساء: ٥٩] قال: نزلت في عبد اللَّه بن حُذافة" الحديث. وحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٤٠٠٥ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٧. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٨١٠ (م) في

стр. 15526

"الإيمان" ١٢٢ (د) في "الفتن" ٤٢٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ فِي يَدِهِ, وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا, يَقُولُ: يَا رَبِّ قَتَلَنِي, حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ, قَالَ: فَذَكَرُوا لاِبْنِ عَبَّاسٍ التَّوْبَةَ, فَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] , قَالَ: مَا نُسِخَتْ مُنْذُ نَزَلَتْ, وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا. و"رقاء": هو ابن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ [٧] ٦٠/ ٨٦٦. و"عمرو": هو ابن دينار. وقوله: "ناصيته، ورأسه في يده": أي ناصية القاتل، ورأسه في يد المقتول، والجملة حالٌ بلا واو، بل الرابط هو الضمير، وفيها ضمير للقاتل والمقتول جميعًا، فيجوز أن تكون حالاً عنهما، أو عن أحدهما. قاله السنديّ. وقوله: "حتى يدنيه" من الإدناء، وهو متعلّق بـ "يجيء"، أو يقول يكرر السؤال حتى يُدنيه، وضمير الفاعل للَّه تعالى، وضمير المفعول للمقتول، أو الفاعل للمقتول، والمفعول للقاتل. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الصواب؛ لما في رواية الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٣/ ٩٥/ ٢ - ٩٦/ ١، و"الأوسط" رقم (٤٣٧٥) بإسناد حسن بلفظ: "يجيء المقتول متعلّقًا رأسه بإحدى يديه، متلبّبًا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لربّ العالمين: هذا قتلني، فيقول اللَّه للقاتل: تَعِسْتَ، ويذهب به إلى النار". وحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٤٠٠٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٨. وأخرجه (ت) في "التفسير" ٣٠٢٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:

стр. 15527

﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣] كُلُّهَا بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الْفُرْقَانِ, بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"الأنصاريّ": هو محمد بن عبد اللَّه بن المثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك البصريّ القاضي، ثقة [٩] ٢٣/ ١٢٣٦. و"محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكران، أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه الثقة [٥] ٧/ ٧. و"خارجة بن زيد": هو ولد زيد بن ثابت الأنصاريّ شيخه في هذا السند، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلْيْمَانُ خَارِجَهْ أبو زيد المدنيّ، ثقة [٣] ٤٥/ ١٩٢٠. و"زيد بن ثابت": هو الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -. وقوله: "الآية كلّها" يحتمل الرفع على أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي تُقرأ الآية كلُّها. ويحتمل النصب، على أنه مفعول لفعل محذوف: أي اقرأ الآية كلَّها. وحديث زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٤٠٠٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٤٦٩. وأخرجه [د] في "الفتن والملاحم"٤٢٧٢. واللَّه تعالى أعلم. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو لَمْ يَسْمَعَهُ مِنْ أَبِى الزِّنَادِ) أشار به إلى أن هذا السند منقطع؛ لأن محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد، وإنما سمعه بواسطة، لكن هذا لا يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن الواسطة معروف، وهو موسى بن عُقبة، على أنه يحتمل أن يكون سمعه منه، ثم سمعه من شيخه أبي الزناد، فكان يحدّث تارةً عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا كثير في روايات الحفّاظ. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه الواسطة التي أشار إليها في كلامه السابق، فقال: ٤٠٠٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو,

стр. 15528

عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ زَيْدٍ, فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ , قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ الَّتِي فِي تَبَارَكَ الْفُرْقَانِ, بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَدْخَلَ أَبُو الزِّنَادِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَارِجَةَ مُجَالِدَ بْنَ عَوْفٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد الوهّاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٢/ ٤٨. و"موسى بن عقبة": هو الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢. والحديث صحيح، لكن الظاهر أن لفظ: "ستّة أشهر" أصحّ؛ لأنها ثبتت من طريق آخر عن أبي الزناد، فقد أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٥/ ١٥٠/ ٤٨٦٩ بإسناد حسن من طريق سعيد بن أبي هلال، عن يهم بن أبي الجهم، أن أبا الزناد أخبرهم، أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره، عن زيد بن ثابت، قال: "لما نزلت هذه الآية التي في "الفرقان": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] عجِبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] حتى فرغ" (١). وجهم بن أبي الجهم روى عنه ثلاثة، ووثقه ابن حبّان، فيكون حسن الحديث، وبقية الرواة رجال الشيخين. واللَّه تعالى أعلم. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَدْخَلَ أَبُو الزِّنَادِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَارِجَةَ مُجَالِدَ بْنَ عَوْفٍ) أشار به إلى أن هذا الإسناد السابق فيه انقطاع، حيث سقط بين أبي الزناد، وبين خارجة مجالد بن عوف، لكن الذي يظهر أنه لا انقطاع فيه؛ لإمكان حمله على أن أبا الزناد سمعه من مجالد، ثم سمعه من خارجة، بدليل رواية الطبرانيّ السابقة، حيث صرّح فيها أن خارجة أخبره، وهذا موجود كثيرًا في روايات الحفّاظ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم ذكر رواية مجالد التي أشار إليها بقوله: ٤٠٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنْ مُجَالِدِ بْنِ عَوْفٍ, قَالَ: سَمِعْتُ خَارِجَةَ

стр. 15529

بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] أَشْفَقْنَا مِنْهَا, فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي (الْفُرْقَانِ): ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"مسلم بن إبراهيم": هو الأزديّ الفراهيديّ البصريّ، ثقة مأمون مكثرٌ، من صغار [٩] ٦٢/ ٢٣١٥. و"عبد الرحمن بن إسحاق": هو المدنيّ، نزيل البصرة، يقال له: عبّادٌ، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٦] ١٠٠/ ٢٦١٨. و"مجالد بن عوف"، ويقال: عوف بن مُجالد الحضرميّ، حجازيّ صدوقٌ [٤]. روى عن خارجة بن زيد. وعنه أبو الزناد، وقال: كان امرأ صدق. قال ابن أبي حاتم: سمع زيد بن ثابت. وذكره ابن حبّان في "الثقات" فيمن اسمه عوف. وقال الذهبيّ: لا يُعرف، تفرّد به أبو الزناد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، له عندهما هذا الحديث فقط. وقوله: "أشفقنا منه": أي خِفنا من الشّدّة التي فيها، فنزلت الآية التي في (الفُرْقَانَ) للتخيف علينا. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث بهذا اللفظ منكر؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة التي سبق بيانها، وذلك فيها أن آية "الفرقان" هي التي نزلت أوّلاً، ثم نزلت آية "النساء"، وفي هذه الرواية بالعكس، وهي من رواية مجالد المذكور، وهو ليس بالمشهور، ولا سيّما مع هذه المخالفة، فتأمّل. وأما جواب السنديّ في "شرحه"، حيث قال: وهذا يفيد خلاف ما ذكره ابن عبّاس، والجمع ممكنٌ بأنه بلغ بعضًا إحدى الآيتين أوّلاً، ثم بلغتهم الثانية، فظنّوا التي بلغت ثانيًا أنها نزلت ثانيًا، إلا أن روايات هذا الحديث في نفسها أيضًا متعارضة، فالاعتماد على حديث ابن عبّاس. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. فغير مقبول، كما أشار إليه نفسه في آخر كلامه، فالحقّ أن هذه الرواية بهذا اللفظ منكرة، والصحيح الروايات المتقدّمة الموافقة لحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 15530

٣ - (ذِكْرُ الْكَبَائِرِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد به بعض الكبائر؛ إذ لم يستوف الأحاديث الواردة في ذلك، وسأذكر ما ذكره العلماء، مما ورد فيه في المسألة الثالثة،، إن شاء اللَّه تعالى. و"الكبائر": جمع كبيرة، وقد اختُلف في حدّها على أقوال كثيرة، سيأتي تفصيلها مستوفًى في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤٠١٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا بَقِيَّةُ قَالَ: حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, أَنَّ أَبَا رُهْمٍ السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ, أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَاءَ يَعْبُدُ اللَّهَ, وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ, وَيُؤْتِى الزَّكَاةَ, وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ, كَانَ لَهُ الْجَنَّةُ» , فَسَأَلُوهُ عَنِ الْكَبَائِرِ؟ , فَقَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ, وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (بقيّة) بن الوليد الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (بَحِير بن سَعْد) السَّحُوليّ، أبو خالد الْحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨. [تنبيه]: وقع في "الكبرى" "يحيى بن سعيد" بدل "بحِير بن سعد"، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب ما هنا، وقد وقع على الصواب عنده في "كتاب السير" ٥٣/ ٨٦٥٥ - فقد رواه عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، عن بقيّة، عن بحير، عن خالد، وهو ابن معدان الخ. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (خالد بن معدان) الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة عابد [٣] ١/ ٦٨٨. ٥ - (أبو رُهْم) بضمّ، فسكون- السَّمَعيّ (١) - اسمه أحزاب بن أسِيد، مخضرم ثقة [٢] ٢٥/ ٢١٦٣.

стр. 15531

٦ - (أبو أيوب الأنصاريّ) خالد بن زيد بن كُليب النجّاريّ الصحابيّ الشهير، شهد بدرًا، وما بعدها، ونزل النبيّ ﷺ عليه حين قَدِمَ المدينة، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - غازيًا بالروم سنة (٥٠) وقيل: بعدها، تقدّم في ٢٠/ ٢٠. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير بحير، فمن رجال الأربعة، وغير أبي رُهم، فمن رجالهم، غير الترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَنَّ أَبَا رُهْمٍ السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ) أي حدّث خالدًا ومن معه (أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُ) أي حدّث أبا رُهم (أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: "مَنْ جَاءَ) أي في يوم القيامة (يَعْبُدُ اللَّهَ) أي يوحّده (وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) تأكيد لما قبله، ولا يضرّه صورة العطف للمغايرة بالمفهوم، أو معنا "يعبد اللَّه": يُطيعه فيما يُطيقه، فما بعده إلى قوله: "ويجتنب الكبائر" تخصيص بعد تعميم (ويُقِيمُ الصَّلَاةَ، ويُؤْتِي الزَّكَاةَ) زاد في "الكبرى" في "السير" من طريق عمرو بن عثمان المذكورة، عن بقيّة زيادة: "ويصوم شهر رمضان"، وهي عند أحمد في "مسنده" من طريق حَيْوَةَ بن شُريح، عن بقيّة، ولفظه: "ويصوم رمضان" (وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ) أي يبتعد عنها (كَانَ لَهُ الْجَنَّةُ"، فَسَأَلُوهُ) أي الصحابة الذين كانوا حاضرين عنده ﷺ حينما حدّث بهذا الحديث (عَنْ الْكَبَائِرَ؟) أي عن المراد بقوله: "ويجتنب الكبائر" (فقال) ﷺ (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) خبر لمحذوف: أي هي الإشراك باللَّه تعالى (وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ) أي المعصومة الدم، وأما غير المعصومة بأن قتل نفسًا، فاستحقّ القصاص، أو زنى محصنًا، فاستحقّ الرجم، أو نحو ذلك، فليس داخلاً في هذا (وَالفِرَارُ) بكسر الفاء أي الهروب، يقال: فرّ من عدوّه يفرّ، من باب ضرب فِرارًا: هرب (يَوْمَ الزَّحْفِ) أي يوم الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب، والزَّحْفُ: الجيش، يَزحَفُون إلى العدوّ، أي يمشون، يقال: زَحَفَ إليه زَحْفًا، من باب نَفَعَ: إذا مشى نحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 15532

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أيوب الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٣/ ٤٠١٠ - وفي "الكبرى" ٣/ ٣٤٧٢ وفي "السير" أيضًا ٥٣/ ٨٦٥٥. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار"٢٢٩ [٩] واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان بعض الكبائر. (ومنها): أن من جاء يوم القيامة موحّدًا، وملتزمًا لأحكام الإسلام، ومجتنبًا لكبائر الذنوب دخل الجنّة. (ومنها): أن فيه إشارة إلى أنه لابدّ من هذه الأمور حتى يكون المكلّف عابدًا له تعالى، وأن مناط الأمر عليه، فمن أتى بهذا القدر من الطاعة فله الجنّة، وإن قصّر في غيره (ومنها): أن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فيما ذكر ما ورد من الآثار في الكبائر: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: المراد بالموبقة هنا الكبيرة، كما ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ من وجه آخر، أخرجه البزّار، وابن المنذر، من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ ﵁، رفعه: "الكبائر الشرك باللَّه، وقتل النفس … " الحديث، مثل رواية أبي الغيث، إلا أنه ذكر بدل السحر الانتقال إلى الأعرابيّة بعد الهجرة. وأخرج النسائيّ، والطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق صُهيب، مولى العتواريين، عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ ﷺ : "ما من عبد يُصلّي الخمس، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنّة" الحديث، ولكن لم يفسّرها. والمعتمد في تفسيرها ما وقع في رواية سالم، وقد وافقه كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه النسائيّ، وابن حبّان في "صحيحه"، والطبرانيّ، من طريق سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، قال: "كتب رسول اللَّه ﷺ كتاب الفرائض، والديات، والسنن, وبعث به مع عمرو بن حزم إلى اليمن" الحديث بطوله، وفيه: "وكان في الكتاب: وإن أكبر الكبائر الشرك"، فذكر مثل حديث سالم سواء. وللطبرانيّ من حديث سهل بن أبي حثمة، عن عليّ ﵁ رفعه: "اجتنب الكبائر السبع"، فذكرها, لكن ذكر "التعرّب بعد

стр. 15533

الهجرة"، بدل "السحر". وله في "الأوسط" من حديث أبي سعيد مثله، وقال: "الرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة". ولإسماعيل القاضي من طريق المطّلب بن عبد اللَّه بن حنطب، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: "صعد النبيّ ﷺ المنبر، ثم قال: أبشروا، من صلّى الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنّة"، فقيل له: أسمعت النبيّ ﷺ يذكرهنّ؟ قال: نعم، فذكر مثل حديث عليّ سواءً. وقال عبد الرزّاق: أنبأنا معمرٌ، عن الحسن، قال: "الكبائر الإشراك باللَّه"، فذكر مثل الأصول سواءً، إلا أنه قال: "اليمين الفاجرة"، بدل "السحر". ولابن عمرو فيما أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد"، والطبريّ في "التفسير"، وعبد الرزاق، والخرائطيّ في "مساوئ الأخلاق"، وإسماعيل القاضي في "أحكام القرآن"، مرفوعًا، وموقوفًا، قال: "الكبائر تسع"، فذكر السبعة المذكورة، وزاد "الإلحاد في الحرم، وعُقُوق الوالدين". ولأبي داود، والطبرانيّ، من رواية عُبيد بن عُمير بن قتادة الليثيّ، عن أبيه، رفعه: "إن أولياء اللَّه المصلّون، ومن يجتنب الكبائر"، قالوا: ما الكبائر؟ قال: هنّ تسعٌ، أعظمهنّ الإشراك باللَّه"، فذكر مثل حديث ابن عمر سواءً، إلا أنه عبّر عن "الإلحاد في الحرم" باستحلال البيت الحرام. وأخرج الإسماعيليّ القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيّب، قال: "هنّ عشرٌ"، فذكر السبعة التي في الأصل، وزاد: "وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر". ولابن أبي حاتم من طريق مالك بن حريث، عن عليّ ﵁ قال: "الكبائر"، فذكر التسعة، إلا مال اليتيم، وزاد العقوق، والتعرّب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وللطبرانيّ عن أبي أمامة أنهم تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول، والزنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد اللَّه ثمنًا قليلاً؟ ". وعند عبد الرزّاق، والطبرانيّ، عن ابن مسعود ﵁: "أكبر الكبائر الإشراك باللَّه، والأمن من مكر اللَّه، والقنوط من رحمة اللَّه، واليأس من روح اللَّه"، وهو موقوف. وروى إسماعيل بسند صحيح، من طريق ابن سيرين، عن عبد اللَّه بن عمرو مثل حديث الأصل، لكن قال: "البهتان" بدل السحر، والقذف، فسُئل عن ذلك؟ فقال: البهتان يجمع. وفي "الموطّإ" عن النعمان بن مرّة مرسلاً: "الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فواحش"، وله شاهد من حديث عمران بن حُصين عند البخاريّ في "الأدب المفرد"، والطبرانيّ، والبيهقيّ، وسنده حسنٌ، وتقدّم حديث ابن عبّاس في النميمة، ومن رواه بلفظ الغيبة، وترك التنزّه من البول، كلّ ذلك في "الطهارة". ولإسماعيل القاضي، من

стр. 15534

مرسل الحسن، ذكر "الزنا والسرقة"، وله عن أبي إسحاق السبيعيّ: "شتم أبي بكر وعمر"، وهو لابن أبي حاتم من قول مغيرة بن مِقسم. وأخرج الطبريّ عنه بسند صحيح: "الإضرار في الوصيّة من الكبائر"، وعنه "الجمع بين الصلاتين من غير عذر"، رفعه، وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر قوله، وعند إسماعيل من قول ابن عمر ذكر النُّهْبة، ومن حديث بُريدة عند البزّار منع فضل الماء، ومنع طروق الفحل، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم: "الصلوات كفّارات إلا من ثلاث: الإشراك باللَّه، ونكث الصفقة، وترك السنّة"، ثم فسّر نكث الصفقة بالخروج على الإمام، وترك السنّة بالخروج عن الجماعة. أخرجه الحاكم. ومن حديث ابن عمر عند ابن مردويه: "أكبر الكبائر سوء الظنّ باللَّه". ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، عن أنس ﵁ رفعه: "نظرت في الذنوب، فلم أرَ أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل، فنسيها". وحديث: "من أتى حائضًا، أو كاهنًا، فقد كفر". أخرجه الترمذيّ. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فهذا جميع ما وقفت عليه، مما ورد التصريح بأنه من الكبائر، أو من أكبر الكبائر، صحيحًا، وضعيفًا، مرفوعًا، وموقوفًا، وقد تتبّعته غاية التتبّع، وفي بعضه ما ورد خاصًّا، ويدخل في عموم غيره، كالتسبّب في لعن الوالدين، وهو داخل في العقوق، وقتل الولد، وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، وهو داخلٌ في الزنا، والنُّهْبة، والغلول، واسم الخيانة يشمله، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلّم السحر، وهو داخل في السحر، وشهادة الزور، وهي داخلة في قول الزور، ويمين الغموس، وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة اللَّه، كاليأس من روح اللَّه. والمعتمد في كلّ ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح، وهي السبعة المذكورة في حديث الباب، والانتقال عن الهجرة، والزنا، والسرقة، والعقوق، واليمين الغموس، والإلحاد في الحرم، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزّه من البول، والغلول، ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون خصلة، وتتفاوت مراتبها، والمجمع على عدّه من ذلك أقوى من المختلف فيه، إلا ما عضده القرآن، أو الإجماع،، فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع، ومن الموقوف ما يقاربها. ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع. ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف. وبأنه أُعلم أوّلًا بالمذكورات، ثم أعلم

стр. 15535

بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك. وقد أخرج الطبريّ، واسماعيل القاضي، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه قيل له: الكبائر سبع، فقال: هنّ أكثر من سبع، وسبع، وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى السبعمائة. ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع، وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تقسيم الذنوب إلى صغائر، وكبائر: وقد اختلف السلف في الكبائر والصغار، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر. وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الاسفرايينيّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كلّ ما نهى اللَّه عنه كبيرة. ونقل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين، واحتجّوا بأن كلّ مخالفة للَّه، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة اهـ. ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم في ذلك من الأشعريّة أبو بكر بن الطيّب، وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبْلة المحرّمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلّها كبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يُغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كلّ ذلك كبيرة، مرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، أن المراد الشرك. وقد قال الفرّاء: من قرأ "كبائر"، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع، والمراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يُرسل إليهم غير نوح ﵇، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة اهـ. قال النوويّ: قد تظاهرت الأدلّة من الكتاب والسنّة إلى القول الأول. وقال الغزاليّ في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة، لا يليق بالفقيه. قال الحافظ: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة، واختاره، وبيّن أنه لا يخالف ما قاله الجمهور، فقال في "الإرشاد": المرضيّ عندنا أن كلّ ذنب يُعصى اللَّه به كبيرة، فربّ شيء يُعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والربٌ أعظم من عُصي، فكلّ ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم، ولكن

стр. 15536

الذنوب، وإن عظمت، فهي متفاوتة في رتبها. وظنّ بعض الناس أن الخلاف لفظيّ، فقال: التحقيق أن للكبيرة اعتبارين، فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض، فهي تختلف قطعًا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي، فكلّها كبائر اهـ. والتحقيق أن الخلاف معنويّ، وإنما جرى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدالّ على أن الصغائر تُكفّر باجتناب الكبائر، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: ما أظنّه يصحّ عن ابن عباس أن كلّ ما نهى اللَّه عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فجعل في المنهيّات صغائر وكبائر، وفرّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السيّآت في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن. قال الحافظ: ويؤيّده ما سيأتي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في تفسير اللمم، لكن النقل المذكور عنه، أخرجه إسماعيل القاضي، والطبريّ بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عبّاس، فالأولى أن يكون المراد بقوله: "نهى اللَّه عنه" محمولًا على نهي خاصّ، وهو الذي قُرن به وعيد، كما قُيّد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيّده جمعًا بين كلاميه. وقال الطيبيّ: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيّان، فلا بدّ من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة، أو المعصية، أو الثواب، فأما الطاعة، فكلّ ما تكفّره الصلاة مثلاً هو من الصغائر، وكلّ ما يكفّره الإسلام، أو الهجرة فهو من الكبائر. وأما المعصية، فكلّ معصية يستحقّ فاعلها بسببها وعيدًا، أو عقابًا أزيد من الوعيد، أو العقاب المستحقّ بسبب معصية أخرى، فهي كبيرة. وأما الثواب، ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين، فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حقّ بعض الأنبياء على أمور لم تعدّ من غيرهم معصية اهـ. وكلامه فيما يتعلّق بالوعيد والعقاب يخصّص عموم من أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد، أو العقاب في حقّ فاعلها، لكن يلزم منه أن مطلق قتل النفس مثلاً كبيرة، كأنه وإن ورد الوعيد فيه، أو العقاب، لكن ورد الوعيد والعقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصواب ما قاله الجمهور، وأن المثال المذكور، وما أشبهه ينقسم إلى كبير وأكبر. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم

стр. 15537

بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الكبيرة: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافًا كثيرًا منتشرًا، فروي عن ابن عباس ﵄ أنها كلّ ذنب ختمه اللَّه بنار، أو غَضَبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ، قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصريّ. وقال آخرون: هي ما أوعد اللَّه عليه بنار في الآخرة، أو أوجب فيه حدًّا في الدنيا. قال الحافظ: وممن نصّ على هذا الأخير الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعيّة الماورديّ، ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجّه إليها الوعيد. والمنقول عن ابن عبّاس أخرجه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به، إلا أن فيه انقطاعًا. وأخرج من وجه آخر متّصل لا بأس برجاله أيضًا عن ابن عبّاس، قال: "كلّ ما توعّد اللَّه عليه بالنار كبيرة". وقد ضبط كثير من الشافعيّة الكبائر بضوابط أخرى، منها: قول إمام الحرمين: كلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقّة الديانة. وقول الْحَلِيميّ: كلّ محرّم لعينه، منهيّ عنه لمعنى في نفسه. وقال الرافعي: هي ما أوجب الحدّ. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب، أو سنّة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر انتهى كلامه. وقد استُشكل بأن كثيرًا مما وردت النصوص بكونه كبيرةً لا حدّ فيه، كالعقوق. وأجاب بعض الأئمة بأن مراد قائله ضبط ما لم يرد فيه نصٌّ بكونه كبيرةً. وقال ابن عبد السلام في "القواعد": لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة، لا يَسلَم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها بدينه، إشعارَ أَدْوَنِ الكبائر المنصوص عليها. قال الحافظ: وهو ضابط جيّد. وقال القرطبيّ في "المفهم": الراجح أن كلّ ذنب نصّ على كبره، أو عظمه، أو توعّد عليه بالعقاب، أو عُلِّق عليه حدّ، أو شدّد النكير عليه، فهو كبيرة. وكلام ابن الصلاح يوافق ما نقل أوّلًا عن ابن عبّاس، وزاد إيجاب الحدّ. وعلى هذا يكثر عدد الكبائر. وقد ذهب آخرون إلى أن الذنوب التي لم يُنصّ على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها، فقال الواحديّ: ما لم ينصّ الشارع على كونه كبيرة، فالحكمة في إخفائه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة، كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، والاسم الأعظم. واللَّه أعلم (١).

стр. 15538

وقال الحافظ في "كتاب الحدود" من "الفتح" بعد أن أورد الأحاديث الواردة في الكبائر: ما نصّه: وإذا تقرّر ذلك عُرف فساد من عرّف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحدّ؛ لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحدّ. قال الرافعيّ في "الشرح الكبير": الكبيرة هي الموجبة للحدّ. وقيل: ما يُلحق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب، أو سنّة. وهذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. وقد أقرّه في "الروضة"، وهو يُشعر بأنه لا يوجد عن أحد من الشافعيّة الجمع بين التعريفين، وليس كذلك، فقد روى الماورديّ في "الحاوي": هي ما يوجب الحدّ، أو توجه إليها الوعيد، و"أو" في كلامه للتنويع، لا للشكّ، وكيف يقول عالم: إن الكبيرة ما ورد فيه الحدّ مع التصريح في "الصحيحين" بالعقوق، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وغير ذلك، والأصل فيما ذكره الرافعيّ قول البغويّ في "التهذيب": من ارتكب كبيرة، من زنا، أو لواط، أو شرب خمر، أو غصب، أو سرقة، أو قتل بغير حقّ، تُردّ شهادته، وإن فعله مرّةً واحدةً، ثم قال: فكلّ ما يوجب الحدّ من المعاصي، فهو كبيرةٌ. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب، أو سنّة انتهى. والكلام الأول لا يقتضي الحصر، والثاني هو المعتمد. وقال ابن عبد السلام: لم أقف على ضابط الكبيرة -يعني يسلم من الاعتراض- قال: والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها، قال: وضبطها بعضهم بكلّ ذنب قُرن به وعيدٌ، أو لعنٌ. قال الحافظ: وهذا أشمل من غيره، ولا يَرِد عليه إخلاله بما فيه حدّ؛ لأن كلّ ما ثبت فيه الحدّ، لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل فيه ترك الواجبات الفوريّة منها مطلقًا، والمتراخية إذا تضيّق. وقال ابن الصلاح: لها أمارات: [منها]: إيجاب الحدّ. [ومنها]: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب أو السنّة. [ومنها]: وصف صاحبها بالفسق. [ومنها]: اللعن. قال الحافظ: وهذا أوسع مما قبله. وقد أخرج إسماعيل القاضي بسند فيه ابن لَهِيعة، عن أبي سعيد - رضي اللَّه تعالى عنه - مرفوعًا: "الكبائر كلّ ذنب أدخل صاحبه النار"، وبسند صحيح عن الحسن البصريّ، قال: "كلّ ذنب نسبه اللَّه تعالى إلى النار، فهو كبيرة". ومن أحسن التعاريف قول القرطبيّ في "المفهم": كلّ ذنب أُطلق عليه بنصّ كتاب، أو سنة، أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدّة العذاب، أو عُلّق عليه الحدّ، أو شُدّد النكير عليه، فهو كبيرة".

стр. 15539

وعلى هذا فينبغي تتبّع ما ورد فيه الوعيد، أو اللعن، أو الفسق، من القرآن، أو الأحاديث الصحيحة والحسنة، ويُضمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن، والأحاديث الصحاح، والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عُرف منه تحرير عَدّها. قال الحافظ: وقد شرعت في جمع ذلك، وأسأل اللَّه الإعانة على تحريره بمنّه وكرمه. وقال الْحَلِيميّ في "المنهاج": ما من ذنب إلا وفيه صغيرة، وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تُضمّ إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشةً كذلك، إلا الكفر باللَّه، فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة. قال الحافظ: ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش، وأفحش. ثم ذكر الحليميّ أمثلةً لما قال: فالثاني كقتل النفس بغير حقّ، فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا، أو فرعًا، أو ذا رحم، أو بالحرم، أو بالشهر الحرام، فهو فاحشة. والزنا كبيرة، فإن كان بحليلة الجار، أو بذات رحم، أو في شهر رمضان، أو في الحرم، فهو فاحشة. وشرب الخمر كبيرة، فإن كان في شهر رمضان نهارًا، أو في الحرم، أو جاهر به، فهو فاحشةٌ. والأول: كالمفاخذة مع الأجنبيّة صغيرة، فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحم، فكبيرة. وسرقة ما دون النصاب صغيرةٌ، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره، وأفضى به عدمه إلى الضعف، فهو كبيرة، وأطال في أمثلة ذلك. وفي الكثير منه ما يُتعقّب، لكن هذا عنوانه، وهو منهجٌ حسنٌ، لا بأس باعتباره، ومداره على شدّة المفسدة، وخفّتها. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقد أشار الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الكوكب الساطع" إلى الخلاف المذكور في حدّ الكبيرة، وذكر بعض أمثلة الكبائر، فقال: وَفِي الْكَبِبرَةِ اضْطِرَابٌ إِذْ تُحَدُّ … فَقِيلَ ذُو تَوَعُّدٍ وَقِيلَ حَدُّ وَقِيلَ مَا فِي جِنْسِهِ حَدٌّ وَمَا … كِتَابُنَا بِنَصِّهِ قَدْ حَرَّمَا وَقِيلَ لَا حَدَّ لَهَا بَلْ أُخْفِيَتْ … وَقِيلَ كُلٌّ وَالصِّغَارُ نُفِيَتْ وَالْمُرْتَضَى قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنْ … جَرِيمَةٌ تُؤْذِنُنَا بِغَيْرِ مَينْ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مَنْ أَتَاهُ … بِالدِّينِ وَالرِّقَّةِ فِي تَقْوَاهُ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ … وَمُطْلَقِ الْمُسْكِرِ ثُمِّ السِّحْرِ

стр. 15540

وَالْقَذْفِ وَاللِّوَاطِ ثُمَّ الْفِطْرِ (١) … وَيَأْسِ رَحْمَةٍ وَأَمْنِ مَكْرِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرْقَةِ وَالشَّهَادَةِ … بِالزُّورِ وَالرَّشْوَةِ وَالْقِيَادَةِ (٢) مَنْعِ زَكَاةٍ وَدِيَاثَةٍ (٣) فِرَارْ … خِيَانَةٍ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ظِهَارْ نَمِيمَةٍ كَتْمِ شَهَادَةٍ يَمِينْ … فَاجِرَةٍ عَلَى نَبِيِّنَا يِمِينْ (٤) وَسَبِّ صَحْبِهِ وَضَرْبِ الْمُسْلِمٍ … سِعَايَةٍ (٥) عَقِّ وَقَطْعِ الرَّحِمِ حِرَابَةٍ تَقْدِيمِهِ الصَّلَاةَ أَوْ … تَأْخِيرِهَا وَمَالَ أَيْتَامٍ رَوَوْا وَأَكَلِ خِنْزِيرِ وَمَيْتٍ وَالرِّبَا … وَالْغَلِّ (٦) أَوْ صَغِيرَةٍ قَدْ وَاظَبَا (٧) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٤٠١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ أَنَسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح وَأَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَقَتْلُ النَّفْسِ, وَقَوْلُ الزُّورِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور في السند السابق. ٣ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٤ - (النضر بن شُمَيل) المازنيّ النحويّ اللغويّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٤١/ ٤٥. ٥ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.

стр. 15541

٦ - (عُبيد اللَّه بن أبي بكر) أنس بن مالك، أبو معاذ الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٤]. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالحٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده سندًا ومتنًا في "كتاب القسامة" -٤٨/ ٤٨٦٨ - باب "ما جاء في كتاب القصاص من المجتبى". واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (أنس) بن مالك بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير إسحاق، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية للبخاريّ: "سئل النبيّ ﷺ عن الكبائر؟، قال الإشراك باللَّه (الْكَبَائِرُ) المراد أكبرها، كما صرّح به في حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: "ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر"، وليس المراد حصر الكبائر في هذه الأشياء، كما تقدّم بيانه في مسائل الحديث الماضي (الشِّرْكُ بِاللَّهِ) يحتمل مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولاسيّما في بلاد العرب، فذكره تنبيهًا على غيره. ويحتمل أن يراد به خصوصيّته، إلا أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قُبحًا من الإشراك، وهو التعطيل؛ لأنه نفي مطلقٌ، والشرك إثبات مقيّدٌ، فيترجّح الاحتمال الأول. أفاده في "الفتح" (١). (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أي عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العقّ: الشّقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقة؛ لأنه يُشقّ حلقومها. قاله الهرويّ، وغيره. (٢)

стр. 15542

(وَقَتْلُ النَّفْسِ) أي التي حرّم اللَّه قتلها، وهي المعصومة (وَقَوْلُ الزُّورِ) أي شهادة الزور، وهي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنها يُتوصّل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرّم اللَّه، وتحريم ما أحلّ اللَّه، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشرك (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٤٠١١ و"كتاب القسامة" -٤٨/ ٤٨٦٨ - وفي "الكبرى" ٣/ ٣٤٧٣. وأخرجه (خ) في "الشهادات" ٢٦٥٣ و"الأدب" ٥٩٧٧ و"الديات" ٦٨٧١ (م) في "الإيمان" ٨٨ (ت) في "البيوع" ١٢٠٧ و"التفسير" ٣٠١٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٩٢٧ أو ١١٩٦٣. وفوائد الحديث تُعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠١٢ - (أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا فِرَاسٌ, قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَقَتْلُ النَّفْسِ, وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مروزيّ، نزيل دمشق، صدوقٌ، من صغار [١٠] ٨٥/ ١٣٤١. و"ابن شُميل": هو النضر المذكور في السند الماضي. و"فِرَاس": هو ابن يحيى الهَمْدانيّ الخارفيّ، أبو يحيى الكوفيّ، صدوقٌ، ربما وَهِم [٦] ٥٩/ ٢٥٤١. و"الشعبيّ": هو عامر بن شَرَاحيل الإمام المشهور. قَوْله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيْ ابْنِ الْعَاصِ - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقوله: "الكبائر الإشراك باللَّه"، في رواية شيبان، عن فراس، في أوله: " جاء أعرابي إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه ما الكبائر؟ … " فذكره. قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الأعرابي. انتهى. وقوله: "الكبائر الإشراك باللَّه الخ": ذكر هنا ثلاثة أشياء بعد الشرك، وهو العقوق،

стр. 15543

وقتل النفس، واليمين الغموس. ورواه غندر عن شعبة بلفظ: "الكبائر الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين"، أو قال: "اليمين الغموس"، شكّ شعبة، أخرجه أحمد عنه هكذا، وكذا أخرجه البخاريّ في أوائل "الديات"، والترمذيّ جميعا عن بندار، عن غندر، وعلقه البخاريّ هناك، ووصله الإسماعيلي من رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة بلفظ: "الكبائر الإشراك باللَّه، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين"، أو قال: "قتل النفس"، ووقع في رواية شيبان المذكورة: "الإشراك باللَّه"، قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" ولم يذكر قتل النفس، وزاد في رواية شيبان: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي تَقتَطِع مال امرئ مسلم، هو فيها كاذب، والقائل: قلت، هو عبد اللَّه بن عمرو، راوي الخبر، والمجيب النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون السائل من دون عبد اللَّه بن عمرو، والمجيب هو عبد اللَّه، أو من دونه، ويؤيّد كونه مرفوعًا حديث ابن مسعود والأشعث المذكور في الباب الذي بعده (١). قال الحافظ: ثم وقفت على تعيين القائل: "قلت: وما اليمين الغموس؟ "، وعلى تعيين المسئول، فوجدت الحديث في النوع الثالث من القسم الثاني من "صحيح ابن حبّان"، وهو قسم النواهي، أخرجه عن النضر بن محمد، عن محمد بن عثمان العجليّ، عن عبيد اللَّه بن موسى بالسند الذي أخرجه به البخاريّ، فقال في آخره، بعد قوله: "ثم اليمين الغموس": "قلت لعامر: ما اليمين الغموس؟ الخ"، فظهر أن السائل عن ذلك فراس، والمسئول الشعبي، وهو عامر. فللَّه الحمد، ثم للَّه الحمد، ثم للَّه الحمد، فإني لم أر من تحرّر له ذلك من الشرّاح، حتى الإسماعيليّ، وأبا نعيم لم يخرجاه في هذا الباب من رواية شيبان، بل اقتصرا على رواية شعبة. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 15544

وقوله: و"اليمين الغَمُوس" -بفتح المعجمة، وضم الميم الخفيفة، وآخره مهملة- قيل: سمّيت بذلك لأنها تَغمِسُ صاحبها في الإثم، ثمّ في النار، فهي فَعُول بمعنى فاعلٍ. وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جَفْنَة، فجعلوا فيها طيبًا، أو دمًا، أو رَمَادًا، ثم يحلفون عند ما يُدخلون أيديهم فيها؛ ليتمّ لهم بذلك المراد من تأكيد ما أرادوا، فسُمّيت تلك اليمين إذا غدر صاحبها غَمُوسًا؛ لكونه بالغ في نقض العهد، وكأنها على هذا مأخوذةٌ من اليد المغموسة، فيكون فَعُول بمعنى مفعولة. وقال ابن التين: اليمين الغَمُوسُ التي ينغمس صاحبها في الإثم، ولذلك قال مالكٌ: لا كفّارة فيها، واحتجّ أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذه يمينٌ غير منعقِدَة؛ لأن المنعقد ما يُمكن حَلُّهُ، ولا يتأتّى في اليمين الغموس الْبَرُّ أصلًا. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان، مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٤٠١٢ و"القسامة" ٤٨/ ٤٨٦٩ - وفي "الكبرى" ٣/ ٣٤٧٤ وأخرجه (خ) في "الأيمان والنذور" ٦٦٧٥ و"الديات" ٦٨٧٠ و"استتابة المرتدّين" ٦٩٢٠ (ت) و"التفسير" ٣٠٢١ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٨٤٥ و ٦٩٦٥ (الدارميّ) في "الديات" ٢٣٦٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): استدل بهذا الحديث الجمهور على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ للاتفاق على أن الشرك، والعقوق، والقتل، لا كفارة فيه، وإنما كفارتها التوبة منها، والتمكين من القصاص في القتل العمد، فكذلك اليمين الغموس حكمها حكم ما ذكرت معه. وأجيب بأن الاستدلال بذلك ضعيف؛ لأن الجمع بين مختلف الأحكام جائز، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والإيتاء واجب، والأكل غير واجب. وقد أخرج ابن الجوزي في "التحقيق" من طريق ابن شاهين بسنده إلى خالد بن معدان، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، أنه سمع

стр. 15545

رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليس فيها كفارة، يمين صبر، يقتطع بها مالا بغير حقّ". قال الحافظ: وظاهر سنده الصحة، لكنه معلول؛ لأن فيه عنعنة بقية، فقد أخرجه أحمد من هذا الوجه، فقال في هذا السند عن المتوكل، أو أبي المتوكل، فظهر أنه ليس هو الناجي الثقة، بل آخر مجهول، وأيضا فالمتن مختصر، ولفظه عند أحمد: "من لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا دخل الجنّة … " الحديث، وفيه: "وخمس ليس لها كفارة: الشرك باللَّه … " وذكر في آخرها: "ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حقّ". ونقل محمد بن نصر في "اختلاف العلماء"، ثم ابن المنذر، ثم ابن عبد البرّ اتفاق الصحابة على أن لا كفارة في اليمين الغموس. وروى آدم بن أبي إياس في مسند شعبة، وإسماعيل القاضي في "الأحكام" عن ابن مسعود: "كنا نَعُدّ الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه"، قال: ولا مخالف له من الصحابة، واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر. وأجاب من قال بالكفارة، كالحكم، وعطاء، والأوزاعيّ، ومعمر، والشافعيّ، بأنه أحوج للكفارة من غيره، وبأن الكفارة لا تزيده إلا خيرا، والذي يجب عليه الرجوع إلى الحقّ، ورد المظلمة، فإن لم يفعل، وكفر فالكفارة لا ترفع عنه حكم التعدي، بل تنفعه في الجملة. وقد طعن ابن حزم في صحّة الأثر عن ابن مسعود، واحتجّ بإيجاب الكفارة فيمن تعمد الجماع في صوم رمضان، وفيمن أفسد حجه، قال: ولعلهما أعظم إثما من بعض من حلف اليمين الغموس، ثم قال: وقد أوجب المالكيّة الكفارة على من حلف أن لا يزني، ثم زنى ونحو ذلك. ومن حجة الشافعيّ قوله في الحديث الماضي في "كتاب الأيمان والنذور": "فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه"، فأمر من تعمد الحنث أن يكفر، فيؤخذ منه مشروعيّة الكفارة لمن حلف حانثا. قاله في "الفتح" ١٣/ ٤١٠ - ٤١١. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم إيجاب الكفّارة في اليمين الغَمُوس أرجح؛ لعدم نصّ، أو إجماع على ذلك، ولاسيّما والصحابة متّفقون على عدم الوجوب، كما تقدّم في قول ابن مسعود ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠١٣ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ, عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَبُوهُ, وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْكَبَائِرُ؟ , قَالَ: «هُنَّ سَبْعٌ, أَعْظَمُهُنَّ إِشْرَاكٌ بِاللَّهِ, وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ, وَفِرَارٌ
следующие страницы →