← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15541–15580 · переход к 15546.

стр. 15541

٦ - (عُبيد اللَّه بن أبي بكر) أنس بن مالك، أبو معاذ الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٤]. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالحٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده سندًا ومتنًا في "كتاب القسامة" -٤٨/ ٤٨٦٨ - باب "ما جاء في كتاب القصاص من المجتبى". واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (أنس) بن مالك بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير إسحاق، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية للبخاريّ: "سئل النبيّ ﷺ عن الكبائر؟، قال الإشراك باللَّه (الْكَبَائِرُ) المراد أكبرها، كما صرّح به في حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: "ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر"، وليس المراد حصر الكبائر في هذه الأشياء، كما تقدّم بيانه في مسائل الحديث الماضي (الشِّرْكُ بِاللَّهِ) يحتمل مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولاسيّما في بلاد العرب، فذكره تنبيهًا على غيره. ويحتمل أن يراد به خصوصيّته، إلا أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قُبحًا من الإشراك، وهو التعطيل؛ لأنه نفي مطلقٌ، والشرك إثبات مقيّدٌ، فيترجّح الاحتمال الأول. أفاده في "الفتح" (١). (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أي عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العقّ: الشّقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقة؛ لأنه يُشقّ حلقومها. قاله الهرويّ، وغيره. (٢)

стр. 15542

(وَقَتْلُ النَّفْسِ) أي التي حرّم اللَّه قتلها، وهي المعصومة (وَقَوْلُ الزُّورِ) أي شهادة الزور، وهي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنها يُتوصّل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرّم اللَّه، وتحريم ما أحلّ اللَّه، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشرك (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٤٠١١ و"كتاب القسامة" -٤٨/ ٤٨٦٨ - وفي "الكبرى" ٣/ ٣٤٧٣. وأخرجه (خ) في "الشهادات" ٢٦٥٣ و"الأدب" ٥٩٧٧ و"الديات" ٦٨٧١ (م) في "الإيمان" ٨٨ (ت) في "البيوع" ١٢٠٧ و"التفسير" ٣٠١٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٩٢٧ أو ١١٩٦٣. وفوائد الحديث تُعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠١٢ - (أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا فِرَاسٌ, قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَقَتْلُ النَّفْسِ, وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مروزيّ، نزيل دمشق، صدوقٌ، من صغار [١٠] ٨٥/ ١٣٤١. و"ابن شُميل": هو النضر المذكور في السند الماضي. و"فِرَاس": هو ابن يحيى الهَمْدانيّ الخارفيّ، أبو يحيى الكوفيّ، صدوقٌ، ربما وَهِم [٦] ٥٩/ ٢٥٤١. و"الشعبيّ": هو عامر بن شَرَاحيل الإمام المشهور. قَوْله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيْ ابْنِ الْعَاصِ - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقوله: "الكبائر الإشراك باللَّه"، في رواية شيبان، عن فراس، في أوله: " جاء أعرابي إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه ما الكبائر؟ … " فذكره. قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الأعرابي. انتهى. وقوله: "الكبائر الإشراك باللَّه الخ": ذكر هنا ثلاثة أشياء بعد الشرك، وهو العقوق،

стр. 15543

وقتل النفس، واليمين الغموس. ورواه غندر عن شعبة بلفظ: "الكبائر الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين"، أو قال: "اليمين الغموس"، شكّ شعبة، أخرجه أحمد عنه هكذا، وكذا أخرجه البخاريّ في أوائل "الديات"، والترمذيّ جميعا عن بندار، عن غندر، وعلقه البخاريّ هناك، ووصله الإسماعيلي من رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة بلفظ: "الكبائر الإشراك باللَّه، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين"، أو قال: "قتل النفس"، ووقع في رواية شيبان المذكورة: "الإشراك باللَّه"، قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" ولم يذكر قتل النفس، وزاد في رواية شيبان: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي تَقتَطِع مال امرئ مسلم، هو فيها كاذب، والقائل: قلت، هو عبد اللَّه بن عمرو، راوي الخبر، والمجيب النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون السائل من دون عبد اللَّه بن عمرو، والمجيب هو عبد اللَّه، أو من دونه، ويؤيّد كونه مرفوعًا حديث ابن مسعود والأشعث المذكور في الباب الذي بعده (١). قال الحافظ: ثم وقفت على تعيين القائل: "قلت: وما اليمين الغموس؟ "، وعلى تعيين المسئول، فوجدت الحديث في النوع الثالث من القسم الثاني من "صحيح ابن حبّان"، وهو قسم النواهي، أخرجه عن النضر بن محمد، عن محمد بن عثمان العجليّ، عن عبيد اللَّه بن موسى بالسند الذي أخرجه به البخاريّ، فقال في آخره، بعد قوله: "ثم اليمين الغموس": "قلت لعامر: ما اليمين الغموس؟ الخ"، فظهر أن السائل عن ذلك فراس، والمسئول الشعبي، وهو عامر. فللَّه الحمد، ثم للَّه الحمد، ثم للَّه الحمد، فإني لم أر من تحرّر له ذلك من الشرّاح، حتى الإسماعيليّ، وأبا نعيم لم يخرجاه في هذا الباب من رواية شيبان، بل اقتصرا على رواية شعبة. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 15544

وقوله: و"اليمين الغَمُوس" -بفتح المعجمة، وضم الميم الخفيفة، وآخره مهملة- قيل: سمّيت بذلك لأنها تَغمِسُ صاحبها في الإثم، ثمّ في النار، فهي فَعُول بمعنى فاعلٍ. وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جَفْنَة، فجعلوا فيها طيبًا، أو دمًا، أو رَمَادًا، ثم يحلفون عند ما يُدخلون أيديهم فيها؛ ليتمّ لهم بذلك المراد من تأكيد ما أرادوا، فسُمّيت تلك اليمين إذا غدر صاحبها غَمُوسًا؛ لكونه بالغ في نقض العهد، وكأنها على هذا مأخوذةٌ من اليد المغموسة، فيكون فَعُول بمعنى مفعولة. وقال ابن التين: اليمين الغَمُوسُ التي ينغمس صاحبها في الإثم، ولذلك قال مالكٌ: لا كفّارة فيها، واحتجّ أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذه يمينٌ غير منعقِدَة؛ لأن المنعقد ما يُمكن حَلُّهُ، ولا يتأتّى في اليمين الغموس الْبَرُّ أصلًا. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان، مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٤٠١٢ و"القسامة" ٤٨/ ٤٨٦٩ - وفي "الكبرى" ٣/ ٣٤٧٤ وأخرجه (خ) في "الأيمان والنذور" ٦٦٧٥ و"الديات" ٦٨٧٠ و"استتابة المرتدّين" ٦٩٢٠ (ت) و"التفسير" ٣٠٢١ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٨٤٥ و ٦٩٦٥ (الدارميّ) في "الديات" ٢٣٦٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): استدل بهذا الحديث الجمهور على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ للاتفاق على أن الشرك، والعقوق، والقتل، لا كفارة فيه، وإنما كفارتها التوبة منها، والتمكين من القصاص في القتل العمد، فكذلك اليمين الغموس حكمها حكم ما ذكرت معه. وأجيب بأن الاستدلال بذلك ضعيف؛ لأن الجمع بين مختلف الأحكام جائز، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والإيتاء واجب، والأكل غير واجب. وقد أخرج ابن الجوزي في "التحقيق" من طريق ابن شاهين بسنده إلى خالد بن معدان، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، أنه سمع

стр. 15545

رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليس فيها كفارة، يمين صبر، يقتطع بها مالا بغير حقّ". قال الحافظ: وظاهر سنده الصحة، لكنه معلول؛ لأن فيه عنعنة بقية، فقد أخرجه أحمد من هذا الوجه، فقال في هذا السند عن المتوكل، أو أبي المتوكل، فظهر أنه ليس هو الناجي الثقة، بل آخر مجهول، وأيضا فالمتن مختصر، ولفظه عند أحمد: "من لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا دخل الجنّة … " الحديث، وفيه: "وخمس ليس لها كفارة: الشرك باللَّه … " وذكر في آخرها: "ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حقّ". ونقل محمد بن نصر في "اختلاف العلماء"، ثم ابن المنذر، ثم ابن عبد البرّ اتفاق الصحابة على أن لا كفارة في اليمين الغموس. وروى آدم بن أبي إياس في مسند شعبة، وإسماعيل القاضي في "الأحكام" عن ابن مسعود: "كنا نَعُدّ الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه"، قال: ولا مخالف له من الصحابة، واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر. وأجاب من قال بالكفارة، كالحكم، وعطاء، والأوزاعيّ، ومعمر، والشافعيّ، بأنه أحوج للكفارة من غيره، وبأن الكفارة لا تزيده إلا خيرا، والذي يجب عليه الرجوع إلى الحقّ، ورد المظلمة، فإن لم يفعل، وكفر فالكفارة لا ترفع عنه حكم التعدي، بل تنفعه في الجملة. وقد طعن ابن حزم في صحّة الأثر عن ابن مسعود، واحتجّ بإيجاب الكفارة فيمن تعمد الجماع في صوم رمضان، وفيمن أفسد حجه، قال: ولعلهما أعظم إثما من بعض من حلف اليمين الغموس، ثم قال: وقد أوجب المالكيّة الكفارة على من حلف أن لا يزني، ثم زنى ونحو ذلك. ومن حجة الشافعيّ قوله في الحديث الماضي في "كتاب الأيمان والنذور": "فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه"، فأمر من تعمد الحنث أن يكفر، فيؤخذ منه مشروعيّة الكفارة لمن حلف حانثا. قاله في "الفتح" ١٣/ ٤١٠ - ٤١١. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم إيجاب الكفّارة في اليمين الغَمُوس أرجح؛ لعدم نصّ، أو إجماع على ذلك، ولاسيّما والصحابة متّفقون على عدم الوجوب، كما تقدّم في قول ابن مسعود ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠١٣ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ, عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَبُوهُ, وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْكَبَائِرُ؟ , قَالَ: «هُنَّ سَبْعٌ, أَعْظَمُهُنَّ إِشْرَاكٌ بِاللَّهِ, وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ, وَفِرَارٌ

стр. 15546

يَوْمَ الزَّحْفِ» , مُخْتَصَرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العباس بن عبد العظيم": هو العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩. و"معاذ بن هانىء" القيسيّ، ويقال: العيشيّ، ويقال: اليشكريّ، ويقال: البَهْرَانيّ، أبو هانيء البصريّ، ثقة، من كبار [١٠]. وثقه النسائيّ. وقال ابن قانع: بصريّ صالح. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مطيّن: مات سنة (٢٠٩). روى له الجماعة، سوى مسلم، له في البخاريّ حديث واحد في صفة النبيّ ﷺ ، وله عند المصنّف حديثان: هذا الحديث، و-٣٥/ ٤٨٠٤ - "كتاب القسامة" - "ذكر الدية من الورِق" حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "قتل رجلٌ رجلًا على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم … " الحديث. و"حرب بن شدّد": هو اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة [٧] ٩٦/ ١١٩. و"عبد الحميد بن سِنَان" مكيّ، مقبول [٦]. روى عن عبيد بن عُمير، عن أبيه حديث: "إن أولياء اللَّه المصلّون … " الحديث، وفيه ذكر الكبائر. وعنه يحيى بن أبي كثير. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. و"عُبيد بن عُمير": الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، وكان قاصّ أهل مكّة، مجمع على ثقته [٢] ١٢/ ٤١٦. و"أبوه" عُمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جُنْدَع بن ليث بن بكر بن عَبْد مناة الليثيّ الْجُنْدعيّ الكوفيّ. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه ابنه عُبيد وحده. ذكر العسكريّ أنه شهد الفتح. وذكر البغويّ أنه شهد حجة الوداع. وروى أبو يعلى في "مسنده" من طريق عُبيد اللَّه بن عبيد بن عمير الليثيّ، عن أبيه، قال: أتيت إلى عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو يُعطي الناس، فقلت: يا ابن الخطّاب أعطني، فإن أبي استُشهد مع النبيّ ﷺ ، فأقبل إليّ، وضمّني إليه، ثم قال، فذكر قصّةٌ. قال الحافظ: فإن صحّ هذا، فحديث عبيد بن عمير، عن أبيه مرسل. انتهى. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث، وله عند ابن ماجه حديث آخر في "كتاب الصلاة": حديث: "يرفع يديه مع كلّ تكبيرة في الصلاة المكتوبة".

стр. 15547

وقول: "هنّ سبعٌ" وفي رواية أبي داود الآتية: "هنّ تسع"، فهو مختصرٌ في رواية المصنّف، كما أشار هو إليه. وقوله: "مختصر" يعني أن هذا الحديث مختصر من حديث طويل، وقد أخرجه الطبرانيّ في "معجمه الكبير" ١٧/ ٤٧ - ٤٨ - والحاكم في "مستدركه" ١/ ٥٩، والبيهقيّ في "سننه" ١٠/ ١٨٦ - ، ولفظ الطبرانيّ (١): حدثنا أحمد بن داود المكيّ، حدّثنا العبّاس ابن الفضل الأزرق، ثنا حرب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سِنَان، أنه حدّثه عُبيد بن عمير الليثيّ، عن أبيه (٢)، قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في حجة الوَداع: "إن أولياء (٣) اللَّه المصلُّون، ومن يُقيم الصلوات الخمسَ التي كتبهنّ اللَّه على عباده، ويصوم رمضان، ويحتسب صومه، ويُؤتي الزكاة، طيّبةً بها نفسه، يحتسبها، وَيجتنب الكبائر التي نهى اللَّه عنها، فقال رجلٌ من أصحابه: يا رسول اللَّه، وكم الكبائر؟ قال: هنّ تسعٌ، أعظمهنّ الإشراك باللَّه، وقتلُ المؤمن بغير حقّ، والفِرَار يوم الزحف، وقَذْفُه المحصنة، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكلُ الربا، وعُقوق الوالدين المسلمين، وإحلال (٤) البيت الحرام، قبلتِكم أحياءً وأمواتًا، لا يموت رجلٌ لم يعمل هؤلاء الكبائر، ويُقيم الصلاة، ويؤتي الزكاةَ، إلا رافقَ محمدًا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في بُحبوحة جنّةٍ أبوابها مصاريع الذهب". والحديث حسنٌ، ولا يضرّه كون عبد الحميد بن سنان مقبولًا، فأحاديث الباب، وغيرها تشهد له، أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه هنا -٣/ ٤٠١٣ - وفي "الكبرى" ٣/ ٣٤٧٥ وأخرجه (د) في "الوصايا". ٢٨٧٤ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 15548

٤ - (ذِكْرُ أَعْظَمِ الذّنْبِ، وَاخْتِلَافِ يَحْيَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن عبد الرحمن بن مهديّ روى الحديث عن سفيان الثوريّ، عن واصل بن حيّان، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، فخالفه يحيى القطّان، فرواه عن سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، فأسقط عمرو ابن شُرحبيل بين أبي وائل، وابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -. والمشهور في رواية واصل إسقاط الواسطة، فطريق يحيى هي الراجحة، كما يرشد إليه صنيع المصنّف، حيث إنه يأتي غالبًا بالأسانيد التي فيها الخطأ، أوّلًا، ثم يُتبعها بالأسانيد الصحيحة، كما صنع هنا، فإنه قدّم رواية ابن مهديّ التي فيها الخطأ، ثم أتى برواية يحيى الصحيحة. والحاصل أن سفيان الثوريّ -رحمه اللَّه تعالى- يروي هذا الحديث عن ثلاثة أنفس: أما اثنان، فأدخلا فيه بين أبي وائل، وابن مسعود عمرو بن شُرَحْبيل، وهما منصور، والأعمش، وأما الثالث، فأسقطه، وهو واصل، وقد رواه ابن مهديّ، عن سفيان، عن واصل، عن عمرو، فعُدّ غلطًا، والصواب إسقاط عمرو من رواية واصل، كما فعل يحيى القطّان في روايته التالية. والحديث صحيح بالطريقين، فقد أخرج الشيخان معًا طريق منصور والأعمش، بإثبات الواسطة، وأخرج البخاريّ وحده طريق واصل، بإسقاطها. وقد أشار البخاريّ في "صحيحه" إلى هذا الاختلاف الذي أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فقال البخاريّ في "كتاب الحدود": حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، قال: حدثني منصور، وسليمان، عن أبي وائل، عن أبي مَيْسَرة، عن عبد اللَّه ﵁، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل للَّه نِدًّا، وهو خلقك"، قلت: ثم أيّ؟، قال: "أن تقتل ولدك، من أجل أن يطعم معك"، قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلةَ جارك".

стр. 15549

قال يحيى: وحدثنا سفيان، حدثني واصل، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قلت: يا رسول اللَّه … مثله. قال عمرو: فذكرته لعبد الرحمن، وكان حدثنا عن سفيان، عن الأعمش، ومنصور، وواصل، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، قال: دَعْهُ، دَعْه. وَقَوْله: "قَالَ: عَمْرو: "هُوَ ابْن عَلِيّ الفلّاس: فَذَكَرْته لِعَبْدِ الرَّحْمَن" يَعْنِي ابْن مَهْدِيّ. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا ذكره البخاريّ، عن عمرو بن علي، قدم رواية يحيى على رواية عبد الرحمن، وعقبها بالفاء. وقال الهيثم بن خلف، فيما أخرجه الإسماعيليّ عنه: عن عمرو بن علي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، فساق روايته، وحذف ذكر واصل من السند، ثم قال: وقال عبد الرحمن مرة: عن سفيان عن منصور والأعمش وواصل، فقلت لعبد الرحمن: حدثنا يحيى بن سعيد، فذكره، فقال عبد الرحمن: دعه. والحاصل أن الثوريّ حدث بهذا الحديث عن ثلاثة أنفس، حدثوه به عن أبي وائل، فأما الأعمش ومنصور، فأَدْخلا بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا ميسرة، وأما واصل فحذفه، فضبطه يحيى القطّان عن سفيان هكذا مفصلا، وأما عبد الرحمن فحدث به أولا بغير تفصيل، فحمل رواية واصل على رواية منصور والأعمش، فجمع الثلاثة، وأدخل أبا ميسرة في السند، فلما ذَكر له عمرو بن عليّ أن يحيى فصله، كأنه تردد فيه، فاقتصر على التحديث به عن سفيان عن منصور والأعمش حسب، وترك طريق واصل، وهذا معنى قوله: فقال: دعه دعه: أي اتركه، والضمير للطريق التي اختلف فيها، وهي رواية واصل. وقد زاد الهيثم بن خلف في روايته بعد قوله: دعه، فلم يذكر فيه واصلا بعد ذلك، فعُرف أن معنى قوله: دعه: أي اترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة. وقال الكرماني: حاصله أن أبا وائل، وإن كان قد رَوَى كثيرا عن عبد اللَّه، فان هذا الحديث لم يروه عنه، قال: وليس المراد بذلك الطعن عليه، لكن ظهر له ترجيح الرواية بإسقاط الواسطة لموافقة الأكثرين. قال الحافظ: كذا قال، والذي يظهر ما قدمته أنه تركه من أجل التردد فيه؛ لأن ذكر أبي ميسرة، إن كان في أصل رواية واصل، فتحديثه به بدونه، يستلزم أنه طعن فيه بالتدليس، أو بقلة الضبط، وإن لم يكن في روايته في الأصل، فيكون زاد في السند ما لم يسمعه، فاكتفى برواية الحديث عمن لا تردد عنده فيه، وسكت عن غيره، وقد كان عبد الرحمن حدث به مرّة، عن سفيان، عن واصل وحده بزيادة أبي ميسرة، كذلك

стр. 15550

أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، لكن الترمذيّ بعد أن ساقه بلفظ واصل، عطف عليه بالسند المذكور طريق سفيان عن الأعمش ومنصور، قال بمثله، وكأن ذلك كان في أول الأمر. وذكر الخطيب هذا السند مثالا لنوع من أنواع مدرج الإسناد، وذكر فيه أن محمد بن كثير وافق عبد الرحمن على روايته الأولى، عن سفيان فيصير الحديث عن الثلاثة بغير تفصيل. وقد أخرجه البخاريّ في "الأدب" عن محمد بن كثير، لكن اقتصر من السند على منصور، وأخرجه أبو داود عن محمد بن كثير، فضم الأعمش إلى المنصور، وأخرجه الخطيب من طريق الطبرانيّ، عن أبي مسلم الليثيّ, عن معاذ بن المثني، ويوسف القاضي، ومن طريق أبي العباس البرقي، ثلاثتهم عن محمد بن كثير، عن سفيان عن الثلاثة، وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبرانيّ، وفيه ما تقدّم. وذكر الخطيب الاختلاف فيه على منصور، وعلى الأعمش، في ذكر أبي ميسرة وحذفه، ولم يختلف فيه على واصل في إسقاطه، في غير رواية سفيان. وقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من رواية شعبة، عن واصل بحذف أبي ميسرة، لكن قال الترمذيّ رواية منصور أصحّ -يعني بإثبات أبي ميسرة- وذكر الدارقطنيّ الاختلاف فيه، وقال: رواه الحسن بن عبيد اللَّه، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، كقول واصل، ونقل عن الحافظ أبي بكر النيسابوري أنه قال: يشبه أن يكون الثوريّ جمع بين الثلاثة لما حدث به ابن مهدي ومحمد بن كثير، وفصله لما حدث به غيرهما -يعني فيكون الإدراج من سفيان، لا من عبد الرحمن، والعدم عند اللَّه تعالى. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- ببعض تصرّف (١) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤٠١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ وَاصِلٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ , قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا, وَهُوَ خَلَقَكَ» , قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ , قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ, خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» , قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشار) العبديّ، بُنْدار أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت

стр. 15551

إمام [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (واصل) بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بَيّاعُ السابَريّ، ثقة ثبت [٦] ١٧٢/ ٢٦٨. ٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقة [٢] ٢/ ٢. ٦ - (عمرو بن شُرَحْبيل) أبو ميسرة الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ، مخضرمٌ [٢] ١٨٠/ ٢٨٥. [تنبيه]: قوله: "شُرَحبيل" -بضمّ الشين المعجمة، وفتح الراء- غَيْر مُنْصَرِف؛ لِكَوْنِهِ اسْمًا، عَجَمِيًّا، عَلَمًا. قاله النوويّ (١). واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين من سفيان، وشيخه، وعبد الرحمن بصريّان. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ مخضرم، عن تابعيّ مخضرم، فيكون من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية لأحمد من وجه آخر، عن مسروق، عن ابن مسعود: " جلس رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، فاغتنمت خلوته، فقلت: بأبي وأمّي أنت يا رسول اللَّه، أيُّ الذنب أكبر؟ … " الحديث (أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟) وفي رواية للبخاريّ: "أكبر"، ووقع في رواية عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه: "أعظم الذنوب عند اللَّه"، أخرجها الحارث، وفي رواية أبي عبيدة بن معن، عن الأعمش: "أي الذنوب أكبر عند اللَّه"، وفي رواية الأعمش عند أحمد وغيره: "أي الذنب أكبر"، وفي رواية الحسن بن عبيد اللَّه، عن أبي وائل: "أكبر الكبائر". قال ابن بطال عن المهلب: يجوز أن يكون بعض الذنوب أعظم من بعض من الذنبين

стр. 15552

المذكورين في هذا الحديث، بعد الشرك؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن اللواط أعظم إثما من الزنا، فكأنه ﷺ إنما قصد بالأعظم هنا ما تكثر مواقعته، ويظهر الاحتياج إلى بيانه في الوقت، كما وقع في حق وفد عبد القيس، حيث اقتصر في منهياتهم على ما يتعلق بالأشربة؛ لفُشُوّها في بلادهم. وتعقّبه الحافظ: فقال: وفيما قال نظر من أوجه: [أحدها]: ما نقله من الإجماع، ولعله لا يقدر أن يأتى بنقل صحيح صريح بما ادعاه عن إمام واحد، بل المنقول عن جماعة عكسه، فإن الحد عند الجمهور، والراجح من الأقوال إنما ثبت فيه بالقياس على الزنا، والمقيس عليه أعظم من المقيس، أو مساويه، والخبر الوارد في قتل الفاعل والمفعول به، أو رجمهما ضعيف. [وأما ثانيا]: فما من مفسدة فيه إلا ويوجد مثلها في الزنا وأشد، ولو لم يكن إلا ما قيد به في الحديث المذكور، فإن المفسدة فيه شديدة جدا، ولا يتأتى مثلها في الذنب الآخر، وعلى التنزل فلا يزيد. [وأما ثالثا]: ففيه مصادمة للنص الصريح على الأعظمية، من غير ضرورة إلى ذلك. [وأما رابعا]: فالذي مثل به من قصّة الأشربة ليس فيه، إلا أنه اقتصر لهم على بعض المناهي، وليس فيه تصريح، ولا إشارة بالحصر في الذي اقتصر عليه، والذي يظهر أن كلا من الثلاثة على ترتيبها في العظم، ولو جاز أن يكون فيما لم يذكره شيء يتصف بكونه أعظم منها، لما طابق الجواب السؤال. نعم يجوز أن يكون فيما لم يذكر شيء يساوي ما ذكر، فيكون التقدير في المرتبة الثانية مثلا بعد القتل الموصوف، وما يكون في الفحش مثله، أو نحوه، لكن يستلزم أن يكون فيما لم يذكر في المرتبة الثانية شيء هو أعظم مما ذكر في المرتبة الثالثة، ولا محذور في ذلك. وأما عَدُّ عقوق الوالدين في أكبر الكبائر في حديث أبي بكرة ﵁ فيما أخرجه الشيخان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر … " الحديث، وفيه: "وعقوق الوالدين"، وذكرت بالواو، فيجوز أن تكون رتبة رابعة، وهي أكبر مما دونها .. انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف (١). (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (أَنْ تَجْعَلَ للَّه نِدًّا) قال الفيّوميّ: النِّدُّ -بالكسر-: المثل، والنَّديدُ مثله، ولا يكون النّدّ إلا مُخالفًا، والجمع أنداد، مثلُ حِمْلٍ وأحمال. انتهى. وقال النوويّ: وَالنِّدّ: الْمِثْل، رَوَى شَمِر، عَنْ الْأَخْفَش، قَالَ: النِّدّ: الضِّدّ،

стр. 15553

وَالشَّبَه، وَفُلَان نِدّ فُلَان، وَنَدِيده، وَنَدِيدَتُهُ: أَيْ مِثْله. انتهى (١). (وَهُوَ خَلَقَكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن اللَّه تعالى هو الذي خلقك، وحده، دون أن يشاركه في ذلك أحد، حتى يَشَرَّك في العبادة. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ومعناه أَنَّ اتّخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتّخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. انتهى (٢). قال ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - (قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي ثمّ أي شيء يكون أعظم ذنبًا عند اللَّه تعالى؟. قيل: الصواب أن "أَيُّ" هنا غير منوّن؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه، ووصله بما بعده خطأٌ، فيوقف عليه وقفةً لطيفة، ثم يؤتى بما بعده. قاله الفاكهيّ. وحكى ابن الجوزيّ عن ابن الخشّاب الجزم بتنوينه؛ لأنه معربٌ، غير مضاف. وتُعُقّب بأنه مضافٌ تقديرًا، والمضاف إليه محذوفٌ لفظًا، والتقدير: ثمّ أيُّ الذنب أعظم؟ فيُوقف عليه بلا تنوين. (٣). (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) أي لأجل خوفك أن يشاركك في طعامك. وقال في "الفتح": أي من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي، أو من جهة البخل مع الوجدان. انتهى (٤). وخصّ الطعام بالذكر؛ لِأَنَّهُ كَانَ الأَغْلَب مِنْ حَال الْعَرَب. قال القرطبيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: هذا من أعظم الذنوب؛ لأنه قتلُ نفسٍ محرّمة شرعًا، محبوبةٍ طبعًا، مرحومة عادةً، فإذا قتلها أبوها كان ذلك دليلًا على غلبة الجهل، والبخل، وغِلَظ الطبع، والقسوة، وأنه قد انتهى من ذلك كلّه إلى الغاية القصوى، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، أي فقر، وهو خطاب لمن كان فقره حاصلًا في الحال، فيُخفّف عنه بقتل ولده مؤنته من طعامه، ولوازمه، وهذه الآية بخلاف الآية الأخرى التي قال فيها: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فإنه خطابٌ لمن كان واجدًا لما يُنفق عليه في الحال، غير أنه يقتله

стр. 15554

مخافة الفقر في ثاني الحال، وكان بعض جُفاة الأعراب، وجُهّالهم ربما يفعلون ذلك. وقد قيل: إن الأولاد في هاتين الآيتين هم البنات، كانوا يَدفنُونهنّ أحياء، أَنَفَةً، وكبرًا، ومخافة العيلة، والْمَعَرَّة، وهي المؤودة التي ذكر اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]. والحاصل أن أهل الجاهليّة كانوا يصنعون كلّ ذلك، فنهى اللَّه تعالى عن ذلك، وعظّم الإثم فيه، والمعاقبة عليه، وأخبر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن ذلك من أعظم الكبائر. انتهى (١). (قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ") بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة، وَزْن عَظِيمَة: والمراد زوجته الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا. وَقِيلَ: الَّتِي تَحُلُّ مَعَهُ فِي فِرَاش وَاحِد. وقال في "الفتح": هي مأخوذة من الحلّ؛ لأنها تحلّ له، فهي فَعيلة بمعنى فاعلة. وقيل: من الحلول؛ لأنها تحلّ معه، ويحلّ معها. وقال القرطبيّ: "الحَليلة": هي التي يحلّ وطؤها بالنكاح، أو التسرّي. و"الجارُ": هو المجاور في المسكن، والداخلُ في جوار العهد. و"تُزاني": أي تحاول الزنى، يقال: المرأة تُزاني مُزاناةَ من زَنى. والزنى وإن كان من أكبر الكبائر، والفواحش، لكنه بحليلة الجار أفحش، وأقبح؛ لما ينضمّ إليه من خيانة الجار، وهَتْك ما عظّم اللَّه تعالى ورسوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من حرمته، وشدّة قبح ذلك شرعًا وعادة، فلقد كان الجاهليّة يتمدّحون بصون حرائم الجار، ويغُضّون دونهم الأبصار، كما قال عَنْتَرة [من الكامل]: وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِيَ جَارَتِي … حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا (٢) وَقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى تزاني: أَيْ تَزْنِي بِهَا برضاها، وذلك يتَضَمَّن الزِّنَا، وإِفْسَادها على زوجها، وَاسْتِمَالَة قَلْبهَا إلى الزَّانِي، وذلك أَفْحَشُ، وهو مع امرأَة الْجَار أَشَدُّ قُبْحًا، وأَعْظَمُ جُرْمًا؛ لأَنَّ الْجَار يَتَوَقَّع مِنْ جَاره الذَّبّ عَنْهُ، وعن حَرِيمه، وَيَأْمَنِ بَوَائِقه، وَيطْمَئِنُّ إِلَيْه، وَقَدْ أُمِرَ بِإِكْرامه، والإحْسَان إِلَيْه، فَإِذا خالف هَذَا كُلّه بِالزِّنَا بامرَأَته، وَإِفْسَادها عليْه، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْها، على وَجْهٍ لَا يَتَمَكِّن غَيْره منْه، كَانَ فِي غَايَةٍ من الْقُبْح. انتهى. وزاد في رواية الشيخين: "فأنزل اللَّه تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا

стр. 15555

يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]. قال النوويّ: وَقَوْله- : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]، مَعْنَاه: أَيْ لا تقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي هِي معصومة في الأَصْل، إِلا مُحِقِّينَ فِي قَتْلهَا. انتهى (١). وقوْله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]: أَيْ فَقْر. وَقَوْله تَعَالَى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ جَزَاء إِثْمه، وَهو قَوْل الْخَلِيل، وَسِيبَوَيْهِ، وَأَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ، وَالْفَرَّاءِ، وَالزَّجَّاجِ، وَأَبِي عَلِيّ الْفَارِسِيِّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عقوبَةً. قَالَهُ يُونُس، وَأَبُو عُبَيْدَة. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَزَاءً، قَالَهُ ابن عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ، أَوْ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ: هُوَ وَادٍ، فِي جَهَنَّم، عَافَانَا اللَّه الْكرِيم، وَأَحْبَابنَا مِنْهَا. انتهى (٢). وقال القرطبيّ: ظاهر هذا أن هذه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وليس كذلك؛ لأن الترمذيّ قد روى هذا الحديث، وقال فيه: وتلا النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]، بدل "فأنزل اللَّه"، وظاهره أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما قد كان أُنزل منها، على أن الآية تضمّنت ما ذكره في حديثه بحكم عمومها. انتهى (٣). وقال في "الفتح": والقتل، والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيّدان، أما القتل فبالولد، خشية الأكل معه، وأما الزنا فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغٌ؛ لأنها وإن وردت في مطلق الزنا، والقتل، لكن قتل هذا، والزنا بهذه أكبر، وأفحش. وقد روى أحمد من حديث المقداد بن الأسود - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "ما تقولون في الزنا؟ "، قالوا: حرامٌ، قال: لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسانل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

стр. 15556

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ٤٠١٤ و ٤٠١٥ و ٤٠١٦ - وفي "الكبرى" ٤/ ٣٤٧٦ و ٣٤٧٧ و ٣٤٧٨ وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٤٧٧ و ٤٧٦١ و"الأدب" ٦٠٠١ و"الحدود" ٦٨١١ و"الديات" ٦٨٦١ و"التوحيد" ٧٥٢٠ و ٧٥٣٢ (م) في "الإيمان" ٨٦ (د) في "الطلاق" ٢٣١٠ (ت) في "التفسير" ٣١٨٢ و ٣١٨٣ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦٠١ و ٤٠٩١ و ٤١٢٠ و ٤٣٩٧ و ٤٤٠٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أعظم الذنوب، وهو الذي تضمّنه هذا الحديث. (ومنها): بيان تفاوت الذنوب فيما بينها، فمنها ما هو أكبر، ومنها ما هو كبير، ومنها ما هو صغير، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في ذلك في الباب الماضي، وللَّه الحمد (ومنها): ما قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فِيهِ أَنَّ أَكْبَر الْمَعَاصِي الشِّرْك، وَهَذَا ظاهر، لا خَفَاء فِيه. وَأَنَّ الْقَتْل بغير حقّ يَلِيه، وَكَذَلِكَ قَالَ: أصحابنا: أَكْبَر الْكَبَائِر بَعْد الشِّرْك الْقَتْلُ. وكذا نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ -رحمه اللَّه تعالى- فِي "كِتَاب الشَّهَادَات" مِنْ "مُختصر الْمُزَنِيِّ"، وَأَمَّا مَا سواهما مِنْ الزِّنَا، وَاللِّوَاط، وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ، وَالسِّحْر، وَقَذْف الْمُحْصَنَات، وَالْفِرَار يَوْم الزَّحْف، وَأَكْل الرِّبَا، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر، فَلَهَا تَفَاصيلُ، وَأَحكامٌ تُعْرَف بِهَا مَرَاتِبهَا، وَيَخْتَلِف أَمْرها باختلاف الأَحوال، والْمَفَاسِد الْمُرَتَّبَة عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا يُقَال، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا: هِيَ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر، وَإِنْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّها أَكْبَرُ الْكَبَائِر، كَانَ الْمُرَاد مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَفْضَل الْأَعْمَال. وَاَللَّه أَعْلَم انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠١٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي وَاصِلٌ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ , قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا, وَهُوَ خَلَقَكَ» , قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ , قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ, مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» , قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ , قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرَّة. و"عمرو بن عليّ": هو الْفَلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. والحديث أخرجه البخاريّ في "التفسير" - رقم ٤٧٦١ (٢)، وغرض المصنّف -رحمه

стр. 15557

اللَّه تعالى منه بيان مخالفة يحيى القطّان لعبد الرحمن بن مهديّ في إسقاط عمرو بن شُرَحبيل بين أبي وائل، وعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقد تقدّم أن الصواب في رواية واصل إسقاطه، وفي رواية منصور والأعمش إثباته، والحديث ثابت بكلا الطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠١٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ , قَالَ: «الشِّرْكُ, أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا, وَأَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ, وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ, مَخَافَةَ الْفَقْرِ, أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ» , ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ, وَحَدِيثُ يَزِيدَ هَذَا خَطَأٌ, إِنَّمَا هُوَ وَاصِلٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، إلا أن فيه علّة، كما سيبيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- آخر الحديث. و"عبدة": هو ابن عبد اللَّه الصفّار الْخُزَاعيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠. و"يزيد": هو ابن هارون الواسطيّ. و"عاصم": هو ابن أبي النجود. وقوله (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ وَاصِلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) يعني أن رواية يزيد بن هارون هذه خطأ، أخطأ فيها يزيد على شعبة، فروى عنه عن عاصم، عن أبي وائل، مخالفًا لرواية الثقات، حيث رووه عن شعبة وغيره عن واصل، عن أبي وائل، فتصحّف على يزيد بعاصم. فجملة قوله: "وحديث يزيد الخ" تفسير وتوضيح لقوله: "هذا خطأ الخ". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا إنما هو بالنسبة للسند، وأما المتن فإنه صحيح بما سبق من الإسناد، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 15558

٥ - (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ) ٤٠١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ, لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ, إِلاَّ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ لِلإِسْلَامِ, مُفَارِقُ الْجَمَاعَةِ, وَالثَّيِّبُ الزَّانِي, وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ». قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ, فَحَدَّثَنِي عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع فاضل، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨. ٣ - (عبد اللَّه بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٧/ ١٨٦٠. ٤ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه عابد [٢] ٩٠/ ١١٢. ٥ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩، و"عبد الرحمن" بن مهديّ، و"سفيان" الثوريّ تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرحمن، فبصريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، وعبد اللَّه بن مرّة، ومسروق. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) وفي رواية مسلم: قام فينا رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "والذي لا إله غيره" (لَا يَحِلُّ) قال في "الفتح": ظاهره إثبات إباحة قتل من استُثني، وهو كذلك بالنسبة لتحريم قتل غيرهم، وإن كان قتلُ من أُبيح قتلُهُ منهم واجبًا

стр. 15559

في الحكم. انتهى (١) (دَمُ امْرِئِ مُسْلِمٍ) وفي رواية: "دم رجل"، والمراد لا يحلّ إراقة دمه، أي كلّه، وهو كنايةٌ عن قتله، ولو لم يُرق دمه. قاله في "الفتح". وقال السنديّ: والمرء: الإنسان، أو الذكر، لكن أُريد به هنا الإنسان مطلقًا، أو أريد الذكر، وترك ذكر الأنثى على المقايسة والإتباع، كما هو العادة الجارية في الكتاب والسنّة. انتهى (٢). وقوله (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) صفة ثانيةٌ، ذُكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، أو هي حالٌ مقيّدةٌ للموصوف؛ إشعارًا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم. وهذا رجحه الطيبيّ، واستشهد بحديث أُسامة - رضي اللَّه تعالى - عنه: "كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه". (إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ لِلْإِسْلَامِ، مُفَارِقُ الْجَمَاعَةِ) وفي رواية البخاريّ: "والمفارق لدينه، التارك للجماعة"، قال في "الفتح": كذا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ، عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ، وَلِلْبَاقِينَ "وَالْمَارِق من الدِّين"، لكنْ عِنْد النَّسَفِيّ، وَالسَّرَخْسِيّ، وَالْمُسْتَمْلِي: "والْمارق لدينه". قال الطَّيبِيُّ: الْمَارِق لدينه: هو التَّارِك له، من الْمروق، وهو الْخروج. وَفي رواية مسلم: "وَالتَّارِك لدينه الْمفارق للجماعة". وله فِي رواية الثَّوْرِيّ: "الْمفَارق للجماعة". وقد أخرجه مسلم أَيْضًا بَعْده، من طريق شَيْبَانَ بْن عَبْد الرَّحمن، عن الأعمش، ولم يسق لَفْظه، لكن قال: "بِالإسْنَادين جميعا"، ولم يقُل: "وَاَلَّذِي لا إِله غَيْره". وَأَفرده أبو عوانة فِي "صحيحه" من طريق شَيْبَانَ بِاللفظ الْمَذْكُور سواء. وَالْمُرَاد بِالجماعة جماعة المسلمين، أَي فارقهم، أَوْ تَرَكهم بِالارتدادِ، فهي صفة لـ"التَّارِكِ"، أَو"الْمُفَارِقِ"، لا صِفة مُستقلَّة، وإلا لكانت الخصال أربعا، وهو كقوله قبل ذلكَ: "مُسلم، يَشْهَد أَنْ لا إِله إِلا اللَّه"، فإنها صِفَة مُفَسِّرَة لقوله: "مسلم"، وليست قيدًا فيه، إِذْ لا يكون مُسلمًا إلا بذلكَ. وَيُؤَيِّد هذا أَنَّهُ وَقَعَ عند المصنّف ١٤/ ٤٠٥٨ - بسند صحيح فِي حَدِيث عُثْمَان - رضي اللَّه تعالى عنه -: "أَوْ يَكْفُر بَعْد إِسْلَامه". وَفِي لَفْظ لَهُ صَحِيح أَيْضًا: "أو ارْتَدَّ بَعْد إِسْلَامه"، وَلَهُ في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - التالي: "أَوْ كَفَرَ بَعْد إسلامه". وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد النسائيّ (٣): "مُرْتَدّ بَعْد إِيمَان".

стр. 15560

قال ابْن دَقِيق الْعِيد -رحمه اللَّه تعالى-: الرِّدَّة سَبَب لإباحة دَم الْمُسلم بالإجماع في الرجُل. وَأَمَّا الْمَرْأَة ففيها خلاف، وقد اُسْتُدِلَّ بهذا الْحَدِيث للْجُمْهورِ في أَنَّ حكمها حُكْم الرَّجُل لِاسْتِوَاءِ حُكْمهمَا فِي الزِّنَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّها دَلَالَة اقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة. وقال البَيْضاويّ: "التَّارِك لِدِينِهِ" صِفة مؤكِّدةَ لِـ"لْمَارِقِ": أي الَّذِي تَرَكَ جَماعة الْمُسلمينَ، وخرج مِنْ جُمْلَتهمْ. قال: وَفي الْحدِيث دليل لمنْ زعم أَنَّه لا يُقتلُ أحدٌ دخل في الإسلام بشيْءٍ، غير الذي عُدِّدَ، كَتَرْكِ الصَّلَاة، ولم يَنْفَصِل عن ذلك. وَتَبِعهُ الطَّيبِيُّ، وقال ابن دقيق العيد: قد يُؤخذ من قوْله "الْمُفَارِق للجماعةِ": أَنَّ الْمراد الْمخالِفُ لأهل الإجْماعِ، فيكون مُتَمَسكًا لمنْ يَقُول: مُخَالِفُ الإجماع كَافِرٌ. وقد نُسِبَ ذلك إلى بَعْض النَّاس. وليس ذلك بِالهَيِّنِ، فإنَّ الْمَسَائِل الإجماعِيَّة، تَارَة يَصحبها التَّوَاتُر بالنقل، عن صاحب الشَّرْعِ، كَوُجُوبِ الصلاة مثلاً، وتارَةً لا يَصْحَبهَا التَّوَاتُر. فالأول: يُكَفَّر جَاحِدُهُ؛ لِمُخَالَفة التَّوَاتُر، لا لمخالفة الْإجْمَاع. وَالثَّانِي: لَا يُكَفَّر بِهِ. قَال الحافظ العراقيّ في "شرح التِّرْمِذِيّ": الصَّحِيح في تَكْفِير مُنْكِر الْإجْمَاع، تَقيِيدُهُ بِإِنْكَارِ مَا يُعْلَم وُجُوبُهُ من الدِّين بالضرورة، كَالصَّلوات الخمس. وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ وُجُوبه بِالتَّوَاتُرِ، وَمِنْهُ القول بِحُدُوثِ الْعَالَمِ. وقد حَكَى عِيَاض، وَغَيْره، الْإجْمَاع على تَكْفِير من يَقُول بِقِدَمِ الْعَالَم. وقال ابن دَقِيق الْعيد: وقع هنا من يَدَّعِي الْحِذْق في الْمعقولات، ويميل إلى الْفَلْسَفة، فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالِف في حدوث الْعَالَم، لا يُكَفَّر؛ لأَنَّهُ من قبيل مُخالَفَة الإجماع. وَتَمَسَّكَ بقولنا: إِنَّ مُنْكر الإجماع، لا يُكَفَّر على الإطلاق، حتى يَثْبُتَ النَّقْلُ بذلك مُتَوَاتِرًا، عَنْ صَاحِب الشَّرْع. قال: وهو تَمَسُّكٌ ساقط، إِمَّا عن عَمًى في البَصيرة، أو تَعام؛ لأَنَّ حُدُوث الْعَالَم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع، وَالتَّوَاتُر بِالنَّقْلِ. وقال النَّوويّ: قَوْله: "التَّارِك لدينِه" عامٌّ في كُلّ من ارْتَدَّ، بِأَيِّ رِدَّة كانت، فيجبُ قَتْله، إن لم يرجع إلى الإسلام. وَقَوْله: "الْمُفَارِق للجماَعة" يَتَنَاوَل كُلّ خَارِج عن الجماعة، ببدعة، أو نفي إجماع، كَالرَّوَافِضِ، والخوارج، وَغَيْرهمْ. كَذَا قَالَ:. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. وَقال الْقُرْطُبِيّ في "الْمُفْهِم": ظَاهِر قَوْله: "الْمُفَارِق للجماعة" أَنَّهُ نعت لِلتَّارك لدينه؛ لأَنَّهُ إذا ارْتَدَّ، فارق جماعة المسلمين، غير أَنَّهُ يَلتحق به كلُّ من خرج عن جماعة الْمُسْلمِين، وإن لم يَرْتَدَّ، كمن يَمْتَنع من إقامة الحدّ عليه، إذا وجب، ويقاتل على ذلك، كأهل الْبَغْي، وَقُطَّاع الطريق، والمحاربين، من الخوارج، وغيرهم. قال: فيتناوَلهُمْ لَفْظ "الْمُفَارِق للجماعة" بطريق العموم، ولو لم يكن كذلك، لم يصحّ

стр. 15561

الحصر؛ لأَنَّهُ يلزم أنْ ينفى مَنْ ذُكِرَ، ودمه حلال، فلا يَصِحّ الحصر، وكلام الشارع مُنَزَّه عن ذلك، فدلَّ على أَنَّ وَصْف الْمُفَارَقَة للجماعة، يَعُمّ جميع هؤلاء. قال: وَتَحقيقه أَنَّ كلَّ من فارق الْجماعة، ترك دينه، غير أَنَّ المرتدّ تركَ كلّه، وَالْمُفَارِق بغير رِدَّة ترك بَعْضه. انتهى. قال الحافظ: وفيه مناقشة؛ لأَنَّ أَصل الخصلة الثالثة الارتدَاد، فلابدّ من وجوده، والْمُفارِق بغير ردَّة، لا يُسَمَّى مرتَدًّا، فيلزم الخلف في الحصر. وَالتَّحقيق في جواب ذلك، أَنَّ الحصر فيمن يجب قَتْله عينًا. وأَمَّا من ذكرهم، فَإِنَّ قتل الواحد منهم، إنما يُباحُ إِذا وقع حال المحاربة، والمقاتلة، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ صَبْرًا اتِّفَاقًا، فِي غَيْر الْمُحَارِبِينَ، وَعَلَى الرَّاجِح فِي الْمُحَارِبِينَ أَيْضًا، لَكِنْ يَرِد عَلَى ذَلِكَ قَتْل تَارِك الصَّلاة، وسيأتي مزيد بسط للبحث في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (وَالثَّيِّبُ الزَّانِي) أَيْ فَيَحِلّ قَتْلُهُ بِالرَّجْمِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي ١٤/ ٤٠٥٨ - بِلَفْظِ "رَجُل زَنَى بَعْد إِحْصَانه، فَعَلَيْهِ الرَّجْم". قَالَ: النَّوَوِيّ: الزَّانِي يَجُوز فِيهِ إِثْبَات الْيَاء، وَحَذْفهَا، وَإِثْبَاتهَا أَشْهَرُ. (وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أَيْ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، بِغَيْرِ حَقّ قُتِلَ بِشَرْطِهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان الْمَذْكُور: "أو قَتَلَ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ". وَفِي حَدِيث جَابِر - رضي اللَّه تعالى عنه -، عِنْد الْبَزَّار: "وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا". وقوله (قَالَ: الْأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ, بِمِثْلِهِ) يعني أن الأعمش حدث بحديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا إبراهيمَ النخعيَّ، فحدّثه إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. والغرض من هذا أن الأعمش وإبراهيم استفاد كلٍّ واحد منهما من صاحبه ما ليس عنده، فالأعمش كان عنده حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، وليس عنده حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وإبراهيم بالعكس، فاستفاد كلٍّ منهما من الآخر ما ليس عنده. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: هَذِهِ الرواية، أَغْفَلَ الْمِزِّيّ -رحمه اللَّه تعالى- فِي "الْأَطْرَاف" ذِكْرهَا، فِي مُسْنَد عَائِشَة، وَأَغْفَلَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن مُرَّة، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ ابْن مَسْعُود. أفاده في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

стр. 15562

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٤٠١٧ وفي "القسامة" ٥/ ٤٧٢٢ - وفي "الكبرى" ٥/ ٣٤٧٩ و"القسامة" ٥/ ٦٩٢٣. وأخرجه (خ) في "الديات" ٦٨٧٨ (م) في "القسامة" ١٦٧٦ (د) في "الحدود" ٤٣٥٢ (ت) في "الديات" ١٤٠٢ (ق) في "الحدود" ٢٥٣٤ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦١٤ و ٤٠٥٥ و ٤٢٣٣ و ٤٤١٥ و"باقي مسند الأنصار" ٢٤٩٤٧ (الدارمي) في "الحدود" ٢٢٩٨ و"السير" ٢٤٤٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يحلّ به دم المسلم. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: "النَّفْس بِالنَّفْسِ" عَلَى تَسَاوِي النُّفُوس فِي الْقَتْل الْعَمْد، فَيُقَاد لِكُلِّ مَقْتُول مِنْ قَاتِله، سَوَاء كَانَ حرًّا، أو عبدا. (ومنها): أنه تَمَسَّكَ بِهِ الحنفيةُ، وَادَّعَوْا أَنَّ آيَة الْمَائِدَة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، نَاسِخَة لآيَةِ الْبَقَرَة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن عَبْد الْجَانِي، وعبد غَيْره، فَأَقَادَ مِنْ عَبْد غَيْره، دُون عَبْد نَفْسه. وَقَالَ الْجُمْهُور: آيَة الْبَقَرَة مُفَسِّرَة لِآيَةِ الْمَائِدَة، فَيُقْتَلُ العبد بِالْحُرِّ، ولا يُقْتَل الْحُرّ بالعبدِ؛ لِنَقْصِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَيْسَ بَيْن الْعَبْد وَالْحُرّ قِصَاص، إِلَّا أَنْ يَشَاء الْحُرّ. وَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْعَبْد سِلْعَة، فَلَا يَجِب فِيهِ إِلَّا الْقِيمَة، لَوْ قُتِلَ خَطَأ. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِعُمُومِهِ، عَلَى جَوَاز قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ الْمُسْتَأْمَن، وَالْمُعَاهَد. (ومنها): أن فيه جَوَاز وَصْف الشَّخْص بِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلو انْتَقَلَ عَنْهُ؛ لاسْتِثنَائِهِ الْمُرْتَدَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بَهِذَا الْحَدِيث لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ حُكْم المرأة حُكْم الرَّجُل لاسْتِوَاءِ حُكْمهمَا فِي الزِّنَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّها دَلَالَة اقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: "التَّارِك لِدِينِهِ" صِفَة مُؤَكِّدَة لِـ"لْمَارِقِ": أَيْ الَّذِي ترك جماعة المسلمين، وخرج من جُملتْهم. (ومنها): ما ذكره ابن دَقِيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-، أنه اسْتُدِلَّ بهذا الحديث أَنَّ تَارِك الصَّلاة، لا يُقْتَل بِتَرْكِهَا؛ لكونه ليس من الأمور الثَّلَاثَة، قال الحافظ: وبذلك اسْتَدَلَّ الحافظ أَبُو الْحَسَن بْن الْمُفَضَّل الْمَقْدِسِيُّ، فِي أَبْيَاته الْمَشْهُورَة، ثُمَّ سَاقَهَا، وَمِنْهَا، وَهُوَ كَافٍ فِي تَحْصِيل الْمَقْصُود هُنَا: وَالرَّأْي عِنْدِي أَنْ يُعَزِّرَهُ الْإمَا … مُ بِكُلِّ تَعْزِيزٍ يَرَاهُ صَوَابَا

стр. 15563

فالأصلُ عِصمتُهُ إِلَى أَنْ يَمْتَطِي … إِحْدَى الثَّلَاث إِلى الْهَلَاك رِكَابَا قَالَ: فَهَذَا مِنْ الْمَالِكِيَّة، اخْتَارَ خِلَاف مَذْهَبه، وَكَذَا اسْتَشْكَلَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، مِنْ الشَّافِعِيَّة. قال الحافظ: تَارِك الصَّلاة اخْتُلِفَ فِيهِ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاق، وَبَعْض الْمَالِكِيَّة، وَمِنْ الشَّافِعِيَّة ابْن خُزَيْمَةَ، وَأَبُو الطَّيِّب بْن سَلَمَة، وَأَبُو عُبَيْد بْن جُوَيْرِيَةَ، وَمَنْصُور الْفَقِيه، وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ، إِلَى أَنَّهُ يُكَفَّر بِذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَجْحَد وُجُوبَها. وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل حدًّا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّة، وَوَافَقَهُمْ الْمُزَنِيُّ، إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّر، وَلَا يُقْتَل. وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى عَدَم كُفْره حَدِيث عُبَادَةَ - رضي اللَّه تعالى عنه -، رَفَعَهُ: "خَمْس صَلَوَات، كَتَبَهُنَّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد" الْحَدِيث، وَفِيهِ: "وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْد اللَّه عَهْد، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّة". أَخْرَجَهُ مَالِك، وَأَصْحَاب السُّنَن، وَصَحَّحَهُ ابْن حِبَّان، وَابْن السَّكَن، وَغَيْرهمَا. وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ، وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِر أَحَادِيثَ، وَرَدَتْ بِتَكْفِيْرِهِ، وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلّ؛ جَمْعًا بَيْن الْأَخْبَار، وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَأَرَادَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانه، أَنْ يُزِيل الإِشْكَال، فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ: "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَه إِلا اللَّه، وَيُقِيمُوا الصَّلَاة، وَيُؤْتُوا الزَّكَاة". وَوَجْه الدَّلِيل مِنْهُ، أَنَّهُ وَقَفَ الْعِصْمَة عَلَى الْمَجْمُوع، والْمُرَتِّبُ عَلَى أَشْيَاء، لا يَحْصُل إِلا بِحُصُولِ مَجْمُوعهَا، وَينْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضهَا. قَالَ: وَهَذَا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَال بِمَنْطُوقِهِ، وَهُوَ "أُقَاتِل النَّاس إِلَخْ"، فَإِنَّه يَقْتَضِي الْأَمْر بِالْقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَة، فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَيْن الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْء، وَالْقَتْل عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُقَاتَلَة مُفَاعَلَةٌ، تَقْتَضِي الْحُصُول مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلَا يَلْزَم مِنْ إِبَاحَة الْمُقَاتَلَة عَلَى الصَّلاة، إِبَاحَة قَتْل الْمُمْتَنِع مِنْ فِعْلهَا، إِذَا لَمْ يُقَاتِل، وَلَيْسَ النِّزَاع فِي أَنَّ قَوْمًا، لَوْ تَرَكُوا الصَّلَاة، وَنَصَبُوا الْقِتَال، أَنَّهُ يَجِب قِتالهمْ، وَإِنَّمَا النَّظَر فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا إِنْسَان، مِنْ غَيْر نَصْب قِتَال، هَلْ يُقْتَل أَوْ لَا، وَالْفَرْق بَيْن الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْء، وَالْقَتْل عَلَيْهِ ظاهِرٌ. وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ آخِر الْحَدِيث، وَهُوَ تَرَتُبُ الْعِصْمَةِ عَلَى فِعْل ذلِك، فَإِنَّ مفهُومه يَدُلّ عَلَى أنها لا تترتَّب عَلَى فِعْل بعضه، هَان الأمر؛ لأنها دلالة مفهوم، وَمُخَالِفُهُ في هذه المسألة لا يقول بالمفهومِ، وأمَّا من يقول به، فله أن يدفع حجته، بأنه عارضته دلالة المنطوق، في حدِيث البَاب، وهي أرجح، من دلالة المفهوم، فَيُقَدَّم عليها. وَاسْتَدَلَّ به بَعْض الشَّافِعِيَّة لِقَتلِ تارِك الصَّلَاة؛ لأنه تارِكٌ لِلدِّينِ، الذي هو العمل،

стр. 15564

وإنما لم يقولوا بِقتلِ تارِك الزَّكَاة؛ لإمكانِ انتزاعها منه قَهرًا، ولا يُقْتَلُ تاركُ الصِّيَام؛ لإمكانِ منعه المفطرات، فَيَحتاج هو أن يَنْوي الصيام؛ لأنه يعتقد وجوبه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح في تارك الصلاة أنه يقتلُ، وأنه كافر؛ لقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "فمن تركها فقد كفر"، ولكنه كفر دون كفر؛ لحديث عبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - المتقدّم ذكره، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الصلاة"، في ٨/ ٤٦٣ - "باب الحكم في تارك الصلاة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ به على أَنَّ الحرّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ؛ لأنَّ العبد لا يُرْجَمُ إذا زنى، ولو كان ثَيّبًا، حكاهُ ابن التِّين، قال: وليس لأحدٍ أن يُفَرِّق ما جَمَعَهُ اللَّه، إلا بدليلٍ، من كتاب، أو سُنة، قال: وهذا بخلاف الخَصْلَة الثالثة، فإنَّ الإجماع، انعقد على أَنَّ العبد، والحرّ فِي الرِّدَّة سواء، فكأنه جعَلَ أنَّ الأصل العمل بدلالة الاقتران، ما لم يأت دليل يُخَالِفهُ. وقال الحافظ العراقيّ في "شرح التِّرْمِذِيّ": اسْتَثنى بعضهم من الثلاثة، قتل الصائل، فإنه يَجُوز قَتْله لِلدِّفْعِ، وَأَشَارَ بِذَلِك إِلَى قَوْل النَّووِيّ: يُخَصّ مِنْ عُمُوم الثَّلَاثَة الصَّائِل، ونَحوه، فيُباح قتله في الدَّفْع. وَقَدْ يُجاب بِأَنَّهُ داخِل في المُفارِق لِلْجَمَاعَةِ، أَوْ يكُون الْمُرَاد لا يَحِلّ تَعَمُّد قتله، بمعنى أنه لا يحِلّ قتله، إلا مُدَافَعة، بخلاف الثلاثة. واسْتَحْسَنَهُ الطَّيبِيُّ، وَقَالَ: هُو أَوْلى مِنْ تَقْرِير الْبَيْضَاوِيّ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ قَوْله: "النَّفْس بِالنَّفْسِ" يحِلّ قَتْل النَّفْس قصاصًا، للنفسِ التي قتلها عُدْوَانًا، فاقتضى خروج الصَّائِل، ولو لم يقصِد الدَّافع قتله. قال الحافظ: وَالْجواب الثَّاني هو الْمُعْتَمَد، وَأَمَّا الأَوَّل فَتَقَدَّمَ الجواب عنه. وحكى ابن التين، عن الدَّاوُدِيّ، أن هذا الْحَدِيث مَنْسُوخِ بِآيةِ الْمُحَارَبَة: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، قَالَ: فَأَبَاح القتل بمجرَّد الفساد في الأرض، قال: وقد ورد في القتل بِغَيرِ الثَّلاث أَشْيَاءُ، منها: قَوْله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]، وحدِيث: "مِنْ وَجَدتُمُوهُ يَعْمَلُ عمل قَوْم لُوط، فَاقْتُلُوهُ"، وحدِيث: "من أتى بِهيمة فاقتلوه"، وحدِيث: "من خَرَجَ، وَأَمْرُ الناسِ جَميعٌ، يريد تَفَرُّقَهُم فاقتلوه"، وقول عُمر: "تغِرَّة أن يُقْتلا"، وَقَوْل جماعة مِنْ الأئمَّة: إن تاب أَهْلُ الْقَدَر، وإلا قُتِلُوا، وقال جماعة مِنْ الأئمَّة: يُضرب الْمُبتَدِعُ حتى يَرْجِع، أو يموت، وَقَوْل جماعة مِنْ الأئمَّة: يُقْتَل تارِكُ الصلاة، قال: وهذا كُلّه زائِد عَلَى الثَّلَاث. قال الحافظ: وزاد غَيْره: قَتْل مِنْ طلب أخذ مَالَ إنسان، أَوْ حَرِيمه بِغَيْر حقّ، ومانِع الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، ومن ارتدَّ، وَلَمْ

стр. 15565

يُفَارِق الْجَمَاعَة، وَمَنْ خَالَفَ الإجْمَاع، وأظهر الشقاق، والْخِلاف، وَالزِّنْدِيق إذا تاب على رَأْي، والسَّاحِر. والجواب عن ذلك كُلّه: أَنَّ الأكثر في الْمُحَارِبَة أَنَّهُ إن قَتَلَ قُتِلَ، وبِأَنَّ حُكْم الآية في الْباغي أَنْ يُقَاتَل، لا أن يُقصد إِلى قتلِهِ، وبِأَنَّ الخبرين في اللِّوَاط، وَإِتْيَان الْبَهِيمَة، لم يصِحَّا، وعلى تَقْدِير الصِّحَّة، فهما داخلان في الزِّنَا، وحدِيثُ الْخَارج عن الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَ تَأْوِيله، بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَتْلِهِ حبْسه، ومنعه مِنْ الخروج، وأثرُ عُمر مِنْ هَذَا الْقَبِيل، والقول في القَدَرِيَّة، وسائِر الْمُبْتَدِعَة، مُفَرَّع على الْقَوْل بِتَكْفِيرهم، وبِأَنَّ قَتْل تارِك الصلاة، عند مِنْ لا يُكَفِّرهُ، مُخْتَلَف فيه، كَمَا تَقَدَّمَ إيضَاحه، وأمَّا مِنْ طلب الْمَالَ، أَوْ الْحَرِيم، فمن حُكْم دَفْع الصَّائِل، ومانِع الزَّكَاة تَقَدَّم جوابه، ومُخالِف الإجْمَاع دَاخِل في مُفارِق الْجَمَاعَة، وقتل الزِّنْدِيق لاسْتِصْحَابِ حُكْم كُفْره، وكذا السَّاحِر، والْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وقد حكى ابن العَرَبِي، عن بعض أشياخه، أن أسباب القتل عشرة، قال ابن الْعَرَبِيّ: ولا تخرُج عن هذه الثلاثة بحال، فَإِنَّ مِنْ سَحَرَ، أو سبَّ نبِي اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، كَفَرَ، فهُو دَاخِل في التَّارِك لِدِينِهِ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ, قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا عَلِمْتَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, إِلاَّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ, أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ, أَوِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ». وَقَّفَهُ زُهَيْرٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور قريبًا. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بأَخَرَة [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (عمرو بن غالب) الهمدانيّ الكوفيّ، مقبولٌ [٣]. رَوَى عن عليّ، وعمّار، وعائشة، والأشتر النخعيّ. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ.

стр. 15566

ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن الْبَرْقيّ: كوفيّ مجهولٌ، احْتُمِلَت روايته لرواية أبي إسحاق عنه. وقال مسلم في "الوحدان": تفرّد عنه أبو إسحاق. وقال أبو عليّ الصدفيّ: وثّقه النسائيّ. وقال الذهبيّ: ما حدّث عنه سوى أبي إسحاق. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، والترمذيّ بحديث آخر. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو بن غالب، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ) الهمدانيّ، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَمَا عَلِمْتَ) في الحديث قصّة، ساقها الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، ولفظه: حدثنا ابن نمير، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب، قال: انتهيت إلى عائشة أنا وعمار والأشتر، فقال عمار: السلام عليك يا أُمَّتَاه، فقالت: السلام على من اتبع الهدى، حتى أعادها عليها مرتين، أو ثلاثا، ثم قال: أما واللَّه إنكِ لأمي، وإن كرهت، قالت: من هذا معك؟ قال: هذا الأشتر، قالت: أنت الذي أردت أن تقتل ابن أختي، قال: نعم، قد أردت ذلك، وأراده، قالت: أَمَا لو فعلت، ما أفلحت، أَمَّا أنت يا عمار، فقد سمعت، أو سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا من ثلاثة، إلا مَنْ زنى بعدما أُحصِن، أو كفر بعدما أسلم، أو قَتْل نفسا، فقُتِل بها". حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب، قال: جاء عمار، ومعه الأشتر، يستأذن على عائشة، قال: يا أُمَّهْ، فقالت: لست لك بأم، قال: بلى، وإن كرهتِ، قالت: من هذا معك؟ قال: هذا الأشتر، قالت: أنت الذي أردت قَتْل ابن أختي، قال: قد أردت قتله، وأراد قتلي الحديث. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئِ مُسْلِمٍ، إِلَّا رَجُلٌ) بالرفع على البدليّة من

стр. 15567

"دمُ امرئ"، على حذف مضاف، أي إلا دم رجل (زنَى بَعْدَ إِحْصانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ) أي ارتدّ عن الإسلام، وفي الرواية الآتية في - ١١/ ٤٠٥٠ - من رواية عُبيد بن عمير، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: (أو رجلٌ يخرج من الإسلام، فيُحارب اللَّه ورسوله، فيُقتل، أو يُصلب، أو يُنفى من الأرض" (أَوْ النَّفْسُ بالنَّفْسِ) أي النفس التي تطالب لتُقتل في مقابل قتلها النفس التي لا يحلّ لها قتلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده أبو إسحاق، وهو مدّلسٌ، وقد عنعنه؟. [قلت]: قد رُوِي هذا الحديثُ عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بغير هذا السند، فسيأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في ١١/ ٤٠٥٠ - بسند صحيح عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" الحديث. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٤٠١٨ و ٤٠١٩ و ١١/ ٤٠٥٠ وفي "القسامة" ١٣/ ٤٧٤٥ - وفي "الكبرى" ٥/ ٣٤٨٠ و ٣٤٨١ وفي "القسامة" ١٢/ ٦٩٤٥. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٥٣ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٣٧٨٣ و ٢٤٩٤ و ٢٥٧٢ و ٢٥٢٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (وقفه زُهيرٌ) يعني أن زُهير بن معاوية خالف سفيان الثوريّ في هذا الحديث، فرواه موقوفًا على عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما بيّنه بقوله: ٤٠١٩ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ, قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا عَمَّارُ, أَمَا إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ, إِلاَّ ثَلَاثَةٌ: "النَّفْسُ بِالنَّفْسِ, أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ مَا أُحْصِنَ", وَسَاقَ الْحَدِيثَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء": هو أبو عمر الرّقّيّ، صدوقٌ [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف. و"حسين": هو ابن عيّاش بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجُدّائيّ، ثقة [١٠] ١٥/ ١٤٨٤، من أفراد المصنّف أيضًا.

стр. 15568

و"زُهير": هو ابن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] ٣٨/ ٤٢. وقوله: "إلا ثلاثة" أي إلا دم ثلاثة، فهو على حذف مضاف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث موقوف، ورواية سفيان التي قبله، أرجح منه؛ لأمور: [منها]: أن الرفع زيادة من ثقة حافظ، فتُقبل، ومعلومٌ أن سفيان الثوريّ أحفظ من زُهير بكثير. [الثاني]: أن زهيرًا، وإن كان ثقةً ثبتًا، إلا أنه إنما سمع من أبي إسحاق بعد أن اختلط، كما هو مبين في ترجمته من "تهذيب التهذيب"، وغيره، فتكون روايته ضعيفة. [الثالث]: أن سفيان له متابع فقد روى الحديث عُبيد بن عُمير، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا، كما سيأتي للمصنّف في ١١/ ٤٠٥٠ - إن شاء اللَّه تعالى. والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٢٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ, قَالَا: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ, وَهُوَ مَحْصُورٌ, وَكُنَّا إِذَا دَخَلْنَا مَدْخَلاً, نَسْمَعُ كَلَامَ مَنْ بِالْبَلَاطِ, فَدَخَلَ عُثْمَانُ يَوْمًا, ثُمَّ خَرَجَ, فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ, قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ, قَالَ: فَلِمَ يَقْتُلُونِّي؟ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ, أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ, أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ» , فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ, وَلَا إِسْلَامٍ, وَلَا تَمَنَّيْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلاً, مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ, وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا, فَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق، أبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤ من أفراد المصنّف، والترمذيّ. ٢ - (محمد بن عيسى) أبو جعفر ابن الطبّاع البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ، ثقة فقيه [١٠] ٣٩/ ٣٢٧٨. ٣ - (حمّاد بن زيد) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣. ٤ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]

стр. 15569

٢٢/ ٢٣. ٥ - (أبو أُمامة بن سَهْل) هو أسعد بن سهْل بن حُنيف الأنصاريّ، معدود في الصحابة لرؤيته، ولا سماع له [٢] ٨/ ٥٠٩. ٦ - (عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة) الْعَنَزيّ، حليف بني عديّ، أبو محمد المدنيّ، وُلد على عهد النبيّ ﷺ ، وأبوه صحابيّ مشهور، وثّقه العجليّ، وتقدّم في ٤/ ٣٤١٦. ٧ - (عثمان) بن عفّان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه -، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥هـ) وعمره (٨٠) سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّم في ٦٨/ ٨٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّّين. (ومنها): أن صحابيه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن يحيى بن سعيد أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلٍ) الأنصاريّ المدنيّ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ) العنزيّ المدنيّ (قَالَا: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ) بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - (وهُو مَحْصُورٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والمحصور: اسم مفعول من حَصَره العدوّ حَصْرًا، من باب قتل: أحاطوا به، ومنعوه من المضيّ لأمره. وقال ابن السّكّيت، وثعلبٌ: حَصَره العدوّ في منزله: حَبَسَهُ، وأحصره المرضُ بالألف: منعه مني السفر. وقال الفرّاء: هذا هو كلام العرب، وعليه أهلُ اللغة. وقال ابن الْقُوطيّة، وأبو عَمْرو الشيبانيّ: حصره العدوّ والمرض، وأحصره، كلاهما بمعنى حبسه. ذكره الفيّوميّ. (وكُنَّا إِذَا دَخَلْنَا مَدْخَلًا) بفتح الميم، وضمّها: أي موضع دخول (نَسْمَعُ كَلَام مَنْ بِالْبَلَاطِ) بفتح الباء، بوزن سحاب: موضع بالمدينة بين المسجد والسوق، مُبلَّطٌ، ويقال: بَلَطَ الدار، وأبلطها، وبلّطها: إذا فرَشها بالبَلاط، وهي الحجارة التي تُفرَش في

стр. 15570

الدار. أفاده في "القاموس" (فَدَخَلَ عُثْمَانُ يَوْمًا) أي دخل ذلك المكان، ففي رواية أحمد: "فدخل ذلك المدخل" (ثُمَّ خَرَجَ) ولفظ أحمد: "وخرج إلينا" (فقال: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ) من المواعدة، ولفظ أحمد: "إنهم يتوعّدوني بالقتل آنفًا"، من التوعّد: أي يتهدّدوني، يقال: توعّدته: تهدّدته، والمعنى أنهم يهدّدونه بأن يقتلوه، والقاتلون هم أهل مصر. وسبب قتله -كما ذكره في "الإصابة" أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلّها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سَرْح، وبخراسان عبد اللَّه بن عامر، وكان من حجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان ليّن الْعرِيكة" (١)، كثير الإحسان والحلم، وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيُرضيهم، ثم يُعيده بعدُ، إلى أن دخل أهل مصر يشكون من ابن أبي سَرْحٍ، فعزله، وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصّدّيق، فرضُوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق، رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سَرْحٍ، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهوه به، فحلف أنه ما كتب، ولا أذن، فقالوا: سَلَّمْنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمّه، فغضبوا، وحصَرُوه في داره، واجتمع جماعةٌ، يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال، إلى أن تسوّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعظُم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، وباللَّه تعالى المستعان. انتهى (٢). (قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، قال: فَلِمَ يَقْتُلُونِّي؟، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ) وفي رواية للإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده" من طريق محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن أبيه، عن جدّه، أن عثمان ﵁، أشرف على الذين حصروه، فسلم عليهم، فلم يردّوا عليه، فقال عثمان ﵁: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم، قال: فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، أُسَلِّم على قوم، أنت فيهم، فلا ترُدُّون؟ قال: قد رددتُ، قال: ما هكذا الردُّ، أسمعك ولا تسمعني، يا طلحة أنشُدُك اللَّه، أسمعت النبيَّ ﷺ يقول: "لا يُحِلُّ دم المسلم، إلا واحدة من ثلاث، أن يكفر بعد إيمانه، أو يزني بعد إحصانه، أو يَقتُل نفسا فيقتل بها"، قال: اللَّهم نعم، فكبّر عثمان، فقال: واللَّه ما أنكرت اللَّهَ منذ عرفته، ولا زنيت، في جاهلية ولا إسلام، وقد تركته في

стр. 15571

الجاهليّة تَكَرُّهًا، وفي الإسلام تَعَفَّفًا، وما قتلت نفسًا، يحل بها قتلي. (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) المراد قتله (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أي إلا بسبب إحدى ثلاث خصال (رَجُلٌ) يجوز جرّه على البدليّة، ورفعه على أنه خبر لمحذوف، وهو على حذف مضاف: أي إحداها خصلة رجل (كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ) أي ارتدّ عن الإسلام، وهو بمعنى الحديث الآتي: "من بدّل دينه، فاقتلوه" (أَو زَنَى بعد إِحْصَانِهِ) المراد بالإحصان هنا أن يتزوّج نكاحًا صحيحًا، ويدخل بالمرأة (أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيرِ نَفْسٍ) أي بغير قتل نفس معصومة الدم (فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّة، ولا إِسْلَام) زاد في رواية أحمد السابقة: "وقد تركته في الجاهليّة تكرُّهًا، وفي الإسلام تَعَفَّفًا" (وَلَا تَمَنَّيتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا، مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ) وفي رواية أحمد المذكورة: "واللَّه ما أنكرت اللَّه منذ عرفته" (وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا) وما قتلت نفسًا، يحل بها قتلي (فَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟) على لفظ الاستفهام الإنكاريّ، يعني أن أسباب القتل هي المذكورة في هذا الحديث، وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - ما ارتكب شيئًا منها يوجب قتله، فلذلك استنكر عليهم تجمعهم لقتله، ولكنّهم ما انكفّوا عنه، بل قتلوه، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عثمان بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٤٠٢٠ و ١٤/ ٤٠٥٩ و ٤٠٦٠ - وأخرجه (د) في "الديات" ٤٥٠٢ (ت) في "الفتن" ٢١٥٨ (ق) في "الحدود" ٢٥٣٣ (أحمد) في "مسند العشرة" ٤٣٩ و ٤٥٤ و ١٤١١ و ١٤٠٥ (الدارمي) في "الحدود" ٢٢٩٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يحلّ به دم المسلم. (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمة لعثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث كان مجبولًا على مكارم الأخلاق جاهليّةً، وإسلامًا، فكان مبتعدًا عن الفواحش، ف- رضي اللَّه تعالى عنه -، وأرضاه. (ومنها): أن الذين اعتدوا عليه، وقتلوه بغاةٌ، ظالمون له، حيث إنه لم يرتكب ما يوجب قتله. (ومنها): أن في قتله علمًا من أعلام النبوّة، حيث كان ﷺ ، أخبره بذلك، فقد أخرج الشيخان، من طريق شريك بن أبي نمر، عن سعيد بن المسيّب، قال: أخبرني أبو موسى الأشعري، أنه توضأ في بيته، ثم خرج،

стр. 15572

فقلت: لألزمنّ رسول اللَّه ﷺ ، ولأكوننّ معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبيّ ﷺ ، فقالوا: خرج، ووجَّه ها هنا، فخرجت على إثره، أسأل عنه حتى دخل بئر أَرِيس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول اللَّه ﷺ حاجته، فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسط قُفَّها، وكشف عن ساقيه، ودلَّاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكوننّ بواب رسول اللَّه ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رِسْلِك، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول اللَّه هذا أبو بكر يستأذن، فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة"، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول اللَّه ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول اللَّه ﷺ معه في القُفّ، ودَلَّى رجليه في البئر، كما صنع النبيّ ﷺ ، وكشف عن ساقيه، ثم رجعت، فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ، ويَلحقُني، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرا يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة"، فجئت، فقلت: ادخل، وبشرك رسول اللَّه ﷺ بالجنة، فدخل، فجلس مع رسول اللَّه ﷺ في القفّ، عن يساره، ودلَّى رجليه في البئر، ثم رجعت، فجلست، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرا، يأت به، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه"، فجئته، فقلت له: ادخل، وبشرك رسول اللَّه ﷺ بالجنة، على بلوى تصيبك، فدخل، فوجد القُفَّ قد ملئ، فجلس وِجاهه من الشق الآخر. قال شريك بن عبد اللَّه: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 15573

٦ - (قَتْلُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَرْفَجَةَ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد قتله إذا لم يندفع شرّه إلا به، وإلا فيكون الدفع بالأسهل، فالأسهل. ووجه الاختلاف المذكور أن زيد بن عطاء بن السائب خالف الحفّاظ من أصحاب زياد بن عِلاقة، وهم يزيد بن مَرْدَانبة، وأبو حمزة السَّكَّريّ، وشعبة، عند المصنّف، وأبو عوانة، وشيبان النحويّ، وإسرائيل، وعبد اللَّه بن المختار، عند مسلم في "صحيحه"، حيث رووه كلّهم، عن زياد بن عِلاقة، عن عرفجة بن شُريح، عن النبيّ صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، فخالفهم زيد بن عطاء، فرواه عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شَرِيك - رضي اللَّه تعالى عنه -، والمحفوظ رواية الجماعة، فإن زيد بن عطاء رجل مجهول، لا يُقبل تفرّده، فكيف إذا خالف سبعة من الحفّاظ المتقنين، فروايته شاذّة منكرة. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٩٣ - : رواه زيد بن عطاء بن السائب، وأبو شيبة إبراهيم بن عثمان، عن زياد بن عِلاقة، عن أُسامة بن شريك. ورواه شريك ابن عبد اللَّه القاضي، عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شريك، أو عرفجة. ورواه صدقة بن الفضل المروزيّ، عن أبي حمزة السّكّريّ، عن ليث بن أبي سُليم، قال: حدّثني زياد رجل قد أدرك ابن مسعود- عن عرفجة. وكذلك رواه عبد الحميد بن أبي طالب، عن حمّاد، عن ليث، عن زياد، عن عرفجة. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الطرق التي أشار إليها في "التحفة" كلها ضعيفة، والصحيح ما تقدّم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٢١ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مَرْدَانْبَهْ, عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ, عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ الأَشْجَعِيِّ, قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ, فَقَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ, فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ, أَوْ يُرِيدُ تَفْرِيقَ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ , كَائِنًا مَنْ كَانَ فَاقْتُلُوهُ, فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى

стр. 15574

الْجَمَاعَةِ, فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أحمد بن يحيى الصوفيّ) أبو جعفر الأوديّ الكوفيّ العابد، ثقة [١١] ٢٦/ ١٦٧٤. ٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حماد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الْمُلائيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. ٣ - (يزيد بن مُرْدانُبة) بنون، ثم موحّدة- القرشيّ، مولى عَمرو بن حُريث الكوفيّ، أصله من أصبهان، صدوقٌ [٥]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: قال وكيعٌ: حدّثنا يزيد ابن مردانُبة، وكان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (زياد بن عِلَاقة) -بكسر المهملة-: هو أبو مالك الثعلبيّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالنصب [٣] ٤٣/ ٩٥٠. ٥ - (عَرْفَجة بن شُريح) ويقال: ضُريح، ويقال: ابن شَرِيك، ويقال: ابن شَرَاحيل الأشجعيّ، له صحبة. روى عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - هذا الحديث. وعنه زياد بن عِلاقة، وسَلْمَان بن حازم الأشجعيّ، ووقدان أبو يَعفور العبديّ. وقيل: عن أبي عون الثقفيّ، عن عرفجة السلميّ، عن أبي بكر الصّدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -. وصحح ابن حبّان أنه ابن شُريح. وفرّق ابن أبي خيثمة بين عرفجة الأشجعيّ، راوي الحديث المذكور، وبين عرفجة الكنديّ. وأما البخاريّ، فجعلهما واحدًا، وهو الصواب. وحكى ابن عبد البرّ في اسم أبيه أيضًا: دُرَيح، وقال: لا أعلم له غير هذين الحديثين انتهى. وقد أورد له العسكريّ في "الصحابة" حديثين غيرهما (١). أخرج له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات برقم ٤٠٢١ و ٤٠٢٢ و ٤٠٢٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا حديث الباب عند مسلم، والمصنّف، وأبي داود. راجع "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٣. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15575

شرح الحديث (عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيحٍ الأَشْجَعِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ) جملة حاليّة (فَقَالَ: "إِنَّهُ) الضمير للشأن: أي إن الأمر والشأن (سَيَكُونُ) وفي رواية مسلم: "ستكون" بالتاء (بَعْدِي) أي بعد وفاتي (هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ) وكرّره في الرواية التالية ثلاث مرّات: أي شرورٌ، وإفسادات متتابعة، خارجة، والمراد بها الفتن المتوالية، والمعنى أنه سيظهر في الأرض أنواع الفساد، والفتن؛ لطلب الإمارة من كلّ جهة، وإنما الإمام من انعقدت له البيعة أوّلًا. أفاده القاري (١). وقال القرطبيّ: الهنات: جمع هَنَة، وهي كناية عن نكرةٍ أيَّ شيء كان، ويعني به أنه سيكون أمور منكرة، وفتنٌ عظيمةٌ، كما قد ظهر، ووُجِد. انتهى (٢). وقال النوويّ: الهنات جمع هَنَة، وتُطلق على كلّ شيء، والمراد بها هنا الفتن، والأمور الحادثة. انتهى (٣) (فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ) أي خرج منهم، وبغى عليهم. وقال السنديّ: أي خالف ما اتفق عليه المسلمون، تفريقًا بين المسلمين، وإيقاعًا للخلاف بينهم. انتهى (أَوْ) للشكّ من الراوي. قاله السنديّ. قال الجامع: ويحتمل أن تكون للتنويع، وأن الأول هو الذي وقع منه الشقاق بالفعل، والثاني هو الذي أراد ذلك، وظهرت منه أماراته، فيؤخذ على يديه قبل أن يحدُث منه شيء. واللَّه تعالى أعلم (يُرِيدُ يُفَرِّقُ) بتشديد الراء بالرفع، وتقدير "أن" المصدريّة، مفعول "يُريد": أي يريد أن يفرّق (أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ) أي شخص كان، شريفًا، أو وضيعًا، عالمًا، أو جاهلًا، أو غير ذلك. وقال القرطبيّ: أي لا يُحترم لشرفه، ونسبه، ولا يُهاب لعشيرته، ونَشَبه (٤)، بل يُبادر بقتله قبل شرارة شرّه، واستحكام فساده، وعدوى عُرِّه (٥). انتهى (٦). وقال القاري: "كائنًا من كان" أي سواء كان من أقاربي، أو من غيرهم، بشرط أن يكون الأول أهلًا للإمامة، وهي الخلافة. وفي نسخة: "كائنًا ما كان"، ومشى عليه

стр. 15576

الطيبيّ، حيث قال: إنه حالٌ فيه معنى الشرط، أي ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف، وإن كان أشرف، وأعلم، وترون أنه أحقّ وأولى، وهذا المعنى أظهر في لفظه مما في المتن؛ لأنه يجري حينئذ على صفة ذوي العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، أي عظيم القدرة على الشأن. انتهى (١). (فَاقْتُلُوهُ) أي إن لم يندفع شرّه إلا بالقتل، وإلا فإن الواجب في حقّه أن يُنهَى أوّلًا عن ذلك، فإن انتهى فذاك، وإلا قُوتل، وإن لم يندفع شرّه إلا بقتله، فقُتل، كان دمه هدرًا (فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ) قال في "النهاية": يد اللَّه كناية عن الحفظ، أي إن الجماعة المتّفقة من أهل الإسلام في كنف اللَّه، ووقايته فوقهم، وهو يُعيذهم من الأذى والخوف. انتهى. وقال السنديّ: أي حفظه تعالى، ونصره مع المسلمين، إذا اتفقوا، فمن أراد التفريق بينهم، فقد أراد صرف النصر عنهم. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله في "النهاية"، ونحوه للسنديّ، إن كان الغرض منه نفي صفة اليد عن اللَّه تعالى، وتأويلها بالحفظ، فغير صحيح، وإن كان المراد التفسير باللازم مع إثبات أصل المعنى، أي أن اليد صفة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، فالخطب سهل. واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنَّ) وفي "الكبرى": "وإن" بالواو (الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ) من باب قتل: أي يَعْدُو، ويُسرع. قال في "القاموس": الرَّكضُ تحريك الرِّجل، ومنه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [سورة ص: ٤٢]، والدفعُ، واستحثاث الفرس للعدّوِ، وتَحرُّكُ الْجَنَاح، والْعَدْوُ. انتهى. والمراد هنا. أنه يتغلغل بينهم، ويحثّهم بأن يعادي بعضهم بعضًا، ويُسرع في الإفساد بينهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عَرْفجة بن شُريح الأشجعيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٤٠٢١ و ٤٠٢٢ و ٤٠٢٣ وفي "الكبرى" ٦/ ٣٤٨٣ و ٣٤٨٤ و ٣٤٨٥.

стр. 15577

وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٥٢ (د) في "السنّة" ٤٨٦٢ (أحمد) في "أول مسند الكوفيين" ١٧٨٣٠ و ١٨٥٢٠ و"أول مسند البصريين" ١٩٧٦٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب قتل من فارق الجماعة. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، فإن هذا وقع كما أخبر به النبيّ ﷺ . (ومنها): إثبات اليد للَّه ، على ما يليق بجلاله. (ومنها): أن فيه فضل الجماعة، وبركتهم، وأن عون اللَّه تعالى، ونصره لا يفارقهم. (ومنها). بيان مضرّة التفرّق، واختلاف الكلمة، وأنه سبب لاستيلاء الشيطان على المسلمين، فإنه يحبّ ذلك، حيث إن الجماعة، واتفاق الكلمة يصحبها عون اللَّه تعالى، ونصره، فهو يحبّ ضدّ ذلك، فيركُض مع من فارق جماعة المسلمين، ويكون أولياءهم، ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٢٢ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ أَبِي حَمْزَةَ, عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ, عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ وَهَنَاتٌ, وَرَفَعَ يَدَيْهِ, فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُرِيدُ تَفْرِيقَ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ , وَهُمْ جَمِيعٌ, فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو عليّ، محمد يحيى المروزيّ": هو الصائغ اليشكريّ، ثقة [١١] ٥٣/ ٣٥٢٤. و"عبد اللَّه بن عثمان" بن جَبَلَةَ بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوّاد بفتح الراء، وتشديد الواو- واسمه ميمون. وقيل: أيمن الأزديّ الْعَتَكيّ بفتح المهملة، والمثنّاة- مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ الملقّب عبدان، ثقة حافظٌ [١٠]. قال أحمد بن عَبْدة: تصدّق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكتب كُتُب ابن المبارك بقلم واحد. وقال ابن حبّان في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان بخراسان، مات سنة (٢٢٠). وقد قيل: سنة (٢٢٢). وقال البخاريّ وغيره: سنة (٢٢١) زاد غيره: وهو ابن (٧٦) سنة. وفيها أرّخه الحاكم، والقرّاب، وزاد: في العشر الأواخر من شعبان. وقال الكلاباذيّ: وُلد سنة (١٤٠). وقال ابن عديّ في "شيوخ البخاريّ": حدّث عن شعبة أحاديث تفرّد بها. وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه: رأيته يخضِبُ، وهو ثقة مأمون. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث ببلده، ولّاه عبد اللَّه بن طاهر قضاء جُوزَجَان، فاحتال حتى اعتفى. وفي "الزهرة" روى عنه

стр. 15578

البخاريّ (١١٠) أحاديث. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا الحديث، وفي "كتاب قطع السارق" حديث ١/ ٤٨٧٢ و ٤٨٧٣ - حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن" الحديث. وفي "كتاب الزينة" ٢٦/ ٥١٠٨ - حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: "سمعت رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يلعن المتنمّصات" الحديث. وفي "كتاب الاستعاذة" ٤٠/ ٥٦٥٦ - حديث بُريدة - رضي اللَّه تعالى عنه - "أن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بينا هو يسير" الحديث. و"أبو حمزة": هو السُّكَّريّ، محمد بن ميمون المروزيّ، ثقة فاضلٌ [٧] ٢٢/ ٢٠٦. وقوله: "وهم جميع": أي مجتمعون على إمام واحد، كما فسّرته رواية مسلم من طريق يونس بن أبي يعفور، عن أبيه، عن عرفجة، ولفظه: "من أتاكم، وأمركم جميعٌ على رجل واحد، يريد شقّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه". والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ, عَنْ عَرْفَجَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ, فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ , وَهُمْ جَمْعٌ, فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ زَيْدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي, فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بْنُ قُدامة": هو المصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨. و" جرير": هو ابن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ المصّيصيّ، ثقة [٨] ٢/ ٢. و"زيد بن عطاء بن السائب" الكوفيّ الثقفيّ، مقبول [٧]. روى عن زياد بن عِلاقة، وابن المنكدر، وجعفر الصادق، وعمرو بن يحيى بن

стр. 15579

عُمارة. وعنه إسرائيل، وجرير بن عبد الحميد، وحُصين بن مُخارق، وعبد الغفّار بن القاسم. قال أبو حاتم: شيخٌ ليس بالمعروف. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، والترمذيّ بحديث آخر. و"أسامة بن شريك" الثعلبيّ- بالثاء المثلثة، والمهملة- من بني ثعلبة بن سعد، صحابيّ تفرّد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. وقيل: روى عنه أيضًا عليّ بن الأقمر. روى له الأربعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. والحديث صحيح بالسند المتقدّم، وأما هذا فضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، وَفِيمَ نَزَلَتْ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذه الآية الكريمة مسائل: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في سبب نزولها: (اعلم): أَنَّ ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن الآية الكريمة نزلت في أهل الردّة، ومثله صنيع الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، قال ابن بطال -رحمه اللَّه تعالى-: ذهب البخاريّ إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة، وساق حديث العرنيين، وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة حديث

стр. 15580

العرنيين، وفي آخره: قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. ووقع مثله في حديث أبي هريرة ﵁، وممن قال ذلك الحسن، وعطاء، والضحاك، والزهري. قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين، يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك، والشافعيّ، والكوفيين، ثم قال: وليس هذا منافيا للقول الأول؛ لأنها وإن نزلت في العرنيين بأعيانهم، لكن لفظها عام يدخل في معناه كلّ من فعل مثل فعلهم، من المحاربة والفساد. قال الحافظ: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة، فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر، ومن حملها على المعصية عمم، ثم نقل ابن بطال عن إسماعيل القاضي، أن ظاهر القرآن، وما مضى عليه عمل المسلمين، يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية، نزلت في المسلمين، وأما الكفار فقد نزل فيهم: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخر الآية [سورة محمد ﷺ : ٤]، فكان حكمهم خارجا عن ذلك. وقال تعالى في آية المحاربة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذكر بما جناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكن إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية، وسلم من القتل، فتكون الحرابة خففت عنه القتل. وأجيب عن هذا الإشكال بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتد مثلا، أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام، أو القتل. وقد نقل البخاريّ في تفسير "سورة المائدة"، عن سعيد بن جبير أن معنى المحاربة للَّه الكفر به. وأخرج الطبري من طريق روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في آخر قصة العرنيين، قال: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس. وأخرج الإسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن أبي العباس، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] قال: هم من عكل. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والمعتمد أن الآية نزلت أولا فيهم، وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة، فإن كانوا كفارا يخير الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما: وهو
следующие страницы →