← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

قال الجامع: ولا تناقض بين قوله هنا: "فأرسل عروة" وبين ما هناك من أن المُرسلَ هو مروان لإمكان حمل قوله: "فأرسل عروة" على أنه طلب من مروان أن يرسل، والله أعلم، وعليه التكلان. ٤٤٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَتَوَضَّأَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي ثقة ثبت من [١١]، تقدم في ٧٢/ ٨٨. ٢ - (يحيى بن سعيد) أبو سعيد القطان البصري ثقة ثبت [٩] تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (هشام بن عروة) المدني ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم في ٤٩/ ٦١. وأما عروة، وبسرة فتقدما قريبا. وشرح الحديث واضح مما مر. وقول المصنف ﵀: "هشام لم يسمع من أبيه هذا الحديث"

стр. 3117

قال مثلَه قبله شعبةُ، كما يأتي قريبا، وهذا عجيب منه بعد تصريح هشام بإخبار أبيه له في سنده، وقد خالف شعبةَ يحيى بنُ سعيد، وهو الصواب كما يأتي قريبًا. قال الحافظ ﵀ في "التلخيص الحبير": ما نصه: طَعَنَ الطحاوي في رواية هشام بن عروة عن أبيه، لهذا الحديث بأن هشاما لم يسمعه من أبيه، إنما أخذه عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، وكذا قال النسائي: إن هشاما لم يسمع هذا من أبيه، وقال الطبراني في الكبير: حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا حجاج، حدثنا همام، عن هشام، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو عن عروة .. قال الحافظ: وهذه الرواية لا تدل على أن هشاما لم يسمعه من أبيه، بل فيها أنه أدخل بينه وبينه واسطة، والدليل على أنه سمعه من أبيه أيضا ما رواه الطبراني أيضا: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مس الذكر، قال يحيى: فسألت هشاما، فقال: أخبرني أبي. ورواه الحاكم من طريق عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، حدثني أبي. وكذا هو في مسند أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، حدثني أبي. قال الجامع عفا الله عنه: وكذا هو عند المصنف، قال: أخبرني أبي فصرح بالإخبار. قال الحافظ ﵀: ورواه الجمهور من أصحاب هشام عنه، عن أبيه بلا واسطة، فهذا إما أن يكون هشام سمعه من أبي بكر، عن أبيه، ثم سمعه من أبيه، فكان يحدث به تارة هكذا، وتارة هكذا، أو يكون سمعه من أبيه وَثَبَّتهُ فيه أبو بكر، فكان تارة يذكر أبا بكر، وتارة لا يذكره وليست هذه العلة بقادحة عند المحققين. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)

стр. 3118

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو التحقيق الحقيق بالقبول، فلا تَعْدلْ إلى ما عداه من النقول، والله ولي التوفيق للهداية والرشاد، يهب لمن يشاء من عباده الصواب والسداد. ووقع في النسخة الهندية زيادة نصه: "آخر كتاب الغسل والتيمم من المجتبى". "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". "سبحانك ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين". "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك" قال الجامع الفقير عفا الله عنه ما مضى من التفريط والتقصير: هذا آخر ما كتبته من شرح الكتب الأربعة من كتاب الطهارة، وهو مشتمل على أربع تراجم: ١ - "تأويل قول الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ " ٢ - و "كتاب المياه" ٣ - و"كتاب الحيض والاستحاضة"، ٤ - و"كتاب الغسل والتيمم". انتهيت منه وقت العصر يوم الخميس المبارك الثامن من شهر المحرم سنة ١٤١٣ هـ، وذلك في منزلي بمكة المكرمة في حيّ الهنداوية. أسال الله تعالى أن ييسر لي إتمام ما تبقى من الكتاب، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم. * * * ويليه الجزء السادس إن شاء الله تعالى، وأوله: "كتاب الصلاة".

стр. 3119

شرح سنن النسائي المسَمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا الله عنه وعن والديه آمين الجزء السادس دار آل بروم للنشر والتوزيع

стр. 3120

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3121

كِتَابُ الصَّلاةِ

стр. 3122

٥ - كِتَابُ الصَّلاةِ أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على أحكام الصلاة. وارتفاع "كتاب" على أنه خبر مبتدإ محذوف كما قدرناه، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي كتاب الصلاة هذا، ويجوز أن ينتصب على تقدير: خُذْ كتابَ الصلاة. والكتابُ: يجوز أن يكون بمعنى المكتوب كالحساب بمعنى المحسوب، وهو في الأصل مصدر تقول: كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وكتَابَةً وكتَابًا، ولفظ (ك ت ب) في جميع تصرفاته راجع إلى معنى الجمع والضم، ومنه الكتيبة، وهي الجيش، لاجتماع الفُرْسَان فيها، وكتبت القِرْبَةَ إذا خَرَزْتَهَا، وكتبتُ البَغْلَةَ: إذا جمعت بين شَفْرَيْهَا بحَلْقَةٍ أوْ سَيْرٍ، وكَتَّبْتُ الناقةَ تكتيبًا: إذا صررتها. ولما فرغ من بيان الطهارة التي هي من شروط الصلاة شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة، فلذا أخرها عن الطهارات، لأن شرط الشيء يَسْبِقُهُ، وحكمه يعقبه. والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: "وإن كان صائمًا فليصل" أي فليدع لهم بالبركة.

стр. 3123

وقيل: هي مشتقة من صليتُ العودَ على النار إذا قَوَّمْتَهُ. قال النووي: هذا باطل، لأن لام الكلمة في الصلاة واو بدليل الصلوات، وفي صليت ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية. ورد العيني على كلام النووي هذا بأن اشتراط اتفاق الحروف الأصلية إنما هو في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر، قال: ولا ينافي قولهم: صَلَّيْت بالياء دون صلوت بالواو أن تكون واوية، لأنهم يقلبون الواو ياءً إذا وقعت رابعة. وقيل: الصلاة مشتقة من الصَّلَوَيْن تثنية الصَّلا، وهو ما عن يمين الذَّنَب وشِمَالِه، قاله الجوهري. قال العيني: وهما العظمان الناتئان عند العَجِيَزة، وذلك لأن المُصَلّيَ يُحَرّك صَلَوَيْه في الركوع والسجود. وقيل: مشتقة من المُصَلّي، وهو الفرس الثاني من خيل السّباق لأن رأسه تلي صَلَوَي السابق. وقيل: أصلها من التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الرب. وقيل: من الرحمة، وقيل من التقرب؛ من قولهم: شاة مَصْليَّة، وهي التي قُرِّبت إلى النار. وقيل: من اللزوم، قال الزجاج: يقالَ: صَلِيَ واصْطلَى إذا لَزِمَ، وقيل: هي الإقبال على الشيء، وأنكر بعضهم بعض هذه الاشتقاقات لاختلاف لام الكلمة في بعض هذه الأقوال فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف، وأجاب عنه البدر العيني بما تقدم.

стр. 3124

وأما معناها الشرعي فهي عبارة عن الأركان المعهودة والأفعال المخصوصة. انتهى "عمدة القاري" جـ ٥ ص ٣٩. وقال العلامة ابن منظور ﵀: الصلاة: الرُّكوعُ والسجود، والجمع صَلَوَات، والصلاة: الدعاء والاستغفار. قال الأعشى (من المتقارب): وَصَهْبَاء طَافَ يَهُودِيُّهَا … وأبْرَزَهَاَ وَعَلَيْهَا خَتَمْ وَقَابَلَهَا الرَّيحُ فِي دَنِّهَا … وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وارْتَسَمْ قال: دَعَا لها أن لا تَحْمَضَ، ولا تَفْسُدَ. والصلاة من الله تعالى: الرحمة، قال عَدِي بن الرقاع (من الكامل): صَلَّى الإِلَهُ عَلى امْرىءٍ وَدَّعْتُه … وَأتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وزَادَهَا وقال الراعي (من البسيط): صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الَرحْمَنُ وابْنَتِها … لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِهَا الأُخَرِ وصلاة الله على رسوله ﷺ : رحمته له، وحسن ثنائه عليه، وفي حديث ابن أبي أوفى أنه قال: أعطاني أبي صدقة ماله، فأتيت بها رسول الله ﷺ ، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، قال الأزهري: هذه الصلاة عندي: الرحمة، ومنه قوله : ﴿إِن اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ

стр. 3125

يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عمَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ فالصلاة من الملائكة دعاء واستغفار، ومن الله رحمة، وبه سميت الصلاة، لما فيها من الدعاء والاستغفار، وفي الحديث "التحيات لله، والصلوات" قال أبو بكر: الصلوات: معناها الترحم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ أي يترحمون، وقوله: "اللهم صل على آل أبي أوفى" أي ترحم عليهم. وتكون الصلاة بمعنى الدعاء، وفي الحديث قوله ﷺ : "إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعام فليُجِبْ، فإن كان مُفْطرًا فليَطعَم، وإن كان صائَمًا فلْيُصَلِّ، قوله: "فليصلَ" يعني فليدع لأرباب الطعام بالبركة والخير، وكل داع فهو مُصَلِ، ومنه قوله ﷺ : "من صلى عليَّ صلاة صلت عليه الملائكة عشرًا"، ومنه قول الأعشى (من البسيط): عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي … نَومًا فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا معناه أنه يأمرها بأن تدعو له مثل دعائها، أي تُعِيدَ الدعاء له، ويُروى "عَلَيك مثْلُ الذي صَلَّيْتِ" -يعني برفع مثل- فهو رد عليها، أي عليك مثلُ دعَائَك، ينالك من الخير مثل الذي أردت بي، ودعوت به لي. وقال أبو العباس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فيصلي: يَرْحَمُ، وملائكتهُ يدعون للمسلمين والمسلمات.

стр. 3126

ومن الصلاة بمعنى الاستغفار حديث سَوْدَةَ: أنها قالت: يا رسول الله إذا مِتْنَا صَلَّى لنا عثمان بن مظعون حتى تأتِيَنَا، فقال لها: "إن الموت أشَدُّ مما تقَدِّرِين". قال شَمِرٌ: قولها: صلىَ لنا: أي استغفر لنا عند ربه، وكان عثمان مات حين قالت سودة ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، فمعنى الصلوات ها هنا الثناء عليهم من الله تعالى، وقال الشاعر (من الكامل): صَلَى عَلَى يَحْيَى وأشْيَاعِهِ … رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفيعٌ مُطَاعُ معناه تَرَحَّمَ الله عليه، على الدعاء، لا على الخبر. وقال ابن الأعرابي: الصلاة من الله رحمة، ومن المخلوقين؛ الملائكة والإنس والجنِّ: القيامُ والركوعُ والسجودُ والدعاء والتسبيح، والصلاة من الطير والهوام التسبيحُ. وقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صَلَّى، واصطلى إذا لَزِمَ، ومن هذا من يُصْلَى في النار، أي يُلْزَمُ النَّارَ. وقال أهل اللغة في الصلاة: أنها من الصَّلَويْنِ، وهما مُكْتَنفَا الذَّنَبِ من الناقة وغيرها، وأول مَوصِلِ الفخذين من الإنسان، فكأنها في الحَقيقة مُكْتَنِفا العُصْعُصِ. قال الأزهري: والقول عندي هو الأول، إنما الصلاة لزوم ما فرض الله تعالى، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمِرَ بِلزومه،

стр. 3127

والصلاة: واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم يُوضَعُ موضع المصدر، تقول: صَلَّيتُ صلاةً، ولا تقل: تَصْلِيَةً. وقال ابن الأثير: وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة، وهي العبادة المخصوصة، وأصلها في اللغة: الدعاء، فسميت ببعض أجزائها، وقيل: أصلها في اللغة التعظيم، وسميت الصلاة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الرب تعالى وَتَقَدَّسَ، وقوله في التشهد: "الصلوات لله" أي الأدعية التي يراد بها تعظيم الله هو مستحقها، لا تليق بأحد سواه. وأما قولنا: اللهم صل على محمد، فمعناه: عَظِّمْهُ في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته. وقيل: المعنى لمَّا أمرنا الله سبحانه بالصلاة عليه، ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك، أحَلْنَاه على الله، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد، لأنك أعلم بما يليق به، وهذا الدعاء قد اختلف فيه؛ هل يجوز إطلاقه على غير النبي ﷺ ، أو لا؟ والصحيح أنه خاص له، ولا يقال لغيره. وقال الخطابي: الصلاة التي بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره، والتي بمعنى الدعاء والتبريك تقال لغيره، ومنه "اللهم صل على آل أبي أوفى"، أي تَرَحَّم، وَبَرِّك، وقيل فيه: إن هذا خاص له، ولكنه آثَرَ به

стр. 3128

غيره، وأما سواه فلا يجوز له أن يَخُصَّ به أحدًا. انتهى "لسان العرب" جـ ٤ ص ٢٤٩. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قالوه من عدم جواز الصلاة على غير الأنبياء قول لا دليل عليه، بل الدليل بعكسه، كهذا الحديث "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وحديث "صلى الله على زوجك"، وآية ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ودعوى الخصوصية مما لا دليل عليها، فالمختار عندي جوازها. فتأمل بإنصاف. والله أعلم وقال العلامة الراغب الأصفهاني في "مفردات ألفاظ القرآن": والصلاة: قال كثير من أهل اللغة: هي الدعاء، والتبرِيكُ والتمجِيدُ، يقال: صلَّيت عليه، أي دعوت له وزكيت، وقال ﵇: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائمًا فليصل" أي ليدع لأهله. وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق: تزكيته إياهم، ومن الملائكة هي الدعاء والاستغفار، كما هي من الناس. والصلاة التي هي العبادة المخصوصة: أصلها: الدعاء، وسميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، والصلاة من العبادات التي لم تَنْفَكَّ شريعة منها، وإن اختلفت صُوَرُها بحسب شرع فشرع، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمؤْمِنِينَ كتَابًا مَّوْقُوتًا﴾. [النساء: ١٠٣]

стр. 3129

وقال بعضهم: أصل الصلاة من الصَّلى، قال: ومعنى صَلَّى الرجلُ: أي أنه ذَادَ، وأزَالَ عن نفسه بهذه العبادة الصَّلَى الذي هو نار الله الموقدة، وبِنَاءُ صلَّى كبناء مَرَّضَ لإزالة المرَضِ، ويسمى موضع العبادة الصلاة، ولذا سميت الكنائس صلوات، كقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وكل موضع مدح الله تعالى بفعل الصلاة، أو حَثَّ عليه ذُكر بلفظ الإقامة، نحو ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاة﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦]، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين، نحو ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥،٤]، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]. وإنما خص لفظ الإقامة تنبيهًا أن المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا رُويَ أن المصلين كثير، والمقيمين لها قليل. انتهى ما قاله الراغب في كتابه "مفردات ألفاظ القرآن" ص ٤٩٢. وقال العلامة ابن قُدَامَةَ ﵀: وهي -أي الصلاة- في الشرع عبارة عن الأفعال المعلومة، فإذا ورد في الشرع أمر بصلاة، أو حكم معلق عليها، انصرف بظاهره إلى الصلاة الشرعية، وهي واجبة

стр. 3130

بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، وأما السنة فما رَوَى ابنُ عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا" متفق عليه. مع آي وأخبار كثيرة. انتهى "المغني" جـ ٢ ص ٥ - ٦، والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3131

١ - فَرضُ الصَّلاةِ، وَذِكْرُ اخْتِلافِ النَّاقِلين في إسْنَادِ حَدِيث أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ واخْتِلافِ ألْفاظِهمْ فيهِ أي هَذَا بَابُ ذِكر الحديث الدال على كون الصلاة فرضًا، وبابُ ذكر اختلاف الرواة الذين نَقَلُوا حديث أنس بن مالك عنه في إسناده، واختلاف ألفاظهم في أدائه. قال في "المصباح": وفَرَضَ اللهُ الأحكام فرضًا: أوجبها، فالفرض: المفروض، جمعه فروض، مثل فَلْسٍ وفلوس. اهـ. قال الجامع: وعلى هذا يكون قول المصنف "فرض الصلاة" من إضافة الصفة للموصوف، أي الصلاة المفروضة. ويحتمل أن تكون الإضافة بمعنى "من" أي الفرض من الصلاة. وأما اختلاف الناقلين في إسناده: ففي السند الأول روى قتادة عن أنس، عن مالك بن صعصعة، وفي السند الثاني رَوَى ابنُ شهاب ويزيد ابن أبي مالك عن أنس ولم يذكرا مالك بن صعصعة، وسيأتي تمام الكلام عليه. وأما اختلاف ألفاظهم فسيتبين من خلال شرح الحديثين إن شاء الله تعالى.

стр. 3132

٤٤٨ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَقْبَلَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلآنَ حِكْمَةً، وَإِيمَانًا، فَشَقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ، فَغَسَلَ الْقَلْبَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ ﵇، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يَحْيَى

стр. 3133

وَعِيسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَا: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى هَارُونَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇،

стр. 3134

فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ، آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرٍ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ، نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، إِنِّي عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا أَرْبَعِينَ،

стр. 3135

فَقَالَ لِي: مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَجَعَلَهَا ثَلَاثِينَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَجَعَلَهَا عِشْرِينَ، ثُمَّ عَشْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَقُلْتُ: إِنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَنُودِىَ أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا". رجال الإسناد: ستة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كَثير بن أفْلَحَ العبدي مولاهم أبو يوسف الدَّوْرَقي ثقة، توفي سنة ٢٥٢، وله ٩٦ سنة، من [١٠]، تقدم في ٢٢/ ٢١. ٢ - (يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخ القَطَّان البصري ثقة متقن حافظ إمام قُدْوَةٌ توفي سنة ٢٩٨، وله ٧٨ سنة، من كبار [٩]، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (هشام الدَّسْتُوَائي) ابن أبي عبد الله -سَنْبَر- أبو بكر البصري

стр. 3136

ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، توفي سنة ١٥٤، وله ٧٨ سنة، من كبار [٧]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. والدَسْتُوائي: بفتح الدال، وسكون السين، وضم التاء، وفتحها- نسبة إلى بيع الثياب الدستوائية، وهي الثياب المجلوبة من دَسْتُوَا: بلد بالأهْواز. ٤ - (قتادة) بن دعامة بن قَتَادة السَّدُوسِيُّ أبو الخطاب البصري ثقة ثبت، يقال: وُلِدَ أكْمَهَ، توفي سنة بضع عشرة ومائة، رأس الطبقة [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس بن مالك) بن النَّضْر الأنصاري الخَزْرَجِيِّ خادم رسول الله ﷺ خدمه ١٠ سنين، صحابي مشهور، توفي سنة ٩٢، وقيل: سنة ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة، تقدم في ٦/ ٦. ٦ - (مالك بن صَعْصَعْة) بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النَّجَّار، الأنصاري المازني. روى عن النبي ﷺ حديث المعراج بطوله. تت جـ ١ ص ١٧. أخرج له الشيخان والترمذي والمصنف. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، ومنها: أن رواته كلهم ثقات، ومنها: أنهم ممن اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا مالك بن صَعْصَعَةَ، فأخرج له الشيخان، والترمذي والمصنف فقط، ومنها: أن مالكًا، هذا أول محل

стр. 3137

ذكره، ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلا شيخه فبغدادي، ومالكًا فمدني، ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁ وقد صرح قتادة بالتحديث في رواية للبخاري في بدء الخلق. قال الحافظ ﵀: قد رَوَى هذا الحديث عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة، لكن طرقه في الصحيحين تدور على أنس، مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزهري عنه، عن أبي ذر، ورواه قتاده عنه، عن مالك بن صعصعة، ورواه شريك بن أبي نَمِر، وثابت البناني عنه، عن النبي ﷺ بلا واسطة، وفي سياق كل منهم ما ليس عند الآخر. اهـ "فتح" جـ ١ ص ٥٤٨. (عن مالك بن صعصعة) الأنصاري المازني من بني النجار، ليس له في كتب الحديث غير هذا الحديث، ولا يعرف له راو إلا أنس بن مالك (أن النبي ﷺ قال: بينا) هي "بَيْنَ" أشْبعَت فتحتها فتولدت منها الألف، ويقال: "بينما"، وقد تقدم البحثَ عنها في ١٧٣/ ٢٧٠ (أنا) مبتدأ (عند البيت) متعلق بخبر محذوفٍ، أيْ كائن، أو هو حالٌ، والخبر الظرف الثاني، والبيت هو الكعبة -زادها الله شرفًا- لأنها المرادة عند الإطلاق، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بالغَلَبَه … مضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ ألَ كَالْعَقَبَهْ

стр. 3138

وعند البخاري في المعراج من رواية هَمَّام بن يحيى عن قتادة "بينما أنا في الحَطِيم -وربما قال في الحجْر- مضطجعًا" … وفي رواية الزهري عن أنس، عن أبي ذر "فُرِجَ سَقْفُ بيتي وأنا بمكة" وفي رواية الواقدي بأسانيده أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانىء عند الطبراني أنه بات في بيتها، قال: "ففقدته من الليل، فقال: إن جبريل أتاني". والقصة متحدة لاتحاد مَخْرَجِهَا. قال الحافظ ﵀: والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانىء، وبيتها عند شِعْب أبي طالب، فَفُرِجَ سقفُ بيته -وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنَه- فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعًا، وبه أثر النُّعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد، فأركبه البراق. وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع. وقيل: الحكمة في نزوله عليه من السقف الإشارة إلى المبالغة في مفاجأته بذلك، والتنبيه على أنه المراد منه أن يُعرَج به إلى جهة العلو. اهـ "فتح" جـ ٧ ص ٢٤٣ - ٢٤٤. (بين النائم واليقظان) الظرف إما خبر أو حال من "أنا". و"اليَقْظان": بفتح فسكون: صفة مشبهة من "يَقظَ يَقَظًا" من باب تَعِبَ، ويَقَظَةً، بفتح القاف، ويَقَاظَةً: خلافُ نامَ، وكذلكَ إذا انتبه للأمور. ورجل يَقْظَانُ، وامرأة يَقْظَى. أفاده في "المصباح" جـ ٢ ص ٦٨٠ - ٦٨١.

стр. 3139

قال في الفتح: وهو محمول على ابتداء الحالَ، ثم لَمَّا خَرَجَ به إلى باب المسجد، فأركبه البراق استمر في يقظته، وأما ما وقع في رواية شريك، في رواية البخاري في التوحيد في آخر الحديث " … فلما استيقظت" فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حُمِلَ على أن المراد باستيقظت: أفَقْتُ، أي أنه أفَاقَ مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت، ورجع إلى العالم الدنيوي، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمْرة: لو قال ﷺ أنه كان يقظان لأخبر بالحق، لأن قلبه في النوم واليقظة سواء، وعينه أيضا لم يكن النوم تمكن منها، لكنه تَحَرَّى ﷺ الصدقَ في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يُعدَل عن حقيقة اللفظ إلى المجاز إلا لضرورة. انتهى (إِذ أقبل أحد الثلاثة) جواب بينا … قال السندي ﵀: ظاهر النسخة أن "إذ" بلا ألف، وأن الألف التالية متعلقة بما بعده -يعني أنها جزء مما بعده- وهو من الإقبال، والمعنى أنه جاءه ثلاثة، فأقبل منهم واحد إليه (بين رجلين) حال من مقدر، أي أقبل إليَّ واحد، والحال أني كنت بين رجلين، قالوا: هما حمزة وجعفر. قال الجامع: الأولى عندي على هذا الوجه: أن يكون "بين رجلين" حالًا من أحد الثلاثة؛ أي حال كونه كائنًا بين رجلين، أي أن الملك الذي أقبل إليه كان بين ملكين. والله أعلم. قال السندي ﵀: ويحتمل أن يقرأ "إذَا قِيلَ" على أن الألف

стр. 3140

جزء من "إذا"، "وقيل" من القول، أي سمعت قائلا يقول في شأني: هو أحد الثلاثة بين الرجلين، أي أوسطهم. قمال الجامع: هذا الاحتمال يحتاج إلى ثبوت الرواية فتبصر. "قال السندي": وقد جاء في رواية أنهم جاءوا، وهم ثلاثة، وفي رواية: سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين. ولا منافاة بين الروايتين، فالوجهان في كلام المصنف صحيحان لفظًا ومعنى. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: رواية المصنف هنا وفي الكبرى "إذ أقبل أحد الثلاثة بين الرجلين" ورواية البخاري في "المعراج" "إذ أتاني آت" وهو جبريل، كما في رواية له في الصلاة … ، وله في "بدء الخلق": وذكر بين رجلين. ورواية مسلم "إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين". فرواية المصنف تفيد أن الذين أقبلوا إليه، وهم الملائكة كانوا ثلاثة، ورواية مسلم تدل على أنه ﷺ كان مع رجلين، قيل: هما حمزة وجعفر، وكان نائما بينهما … ، وهو معنى ما في البخاري "وذكر بين رجلين"، وأما رواية "إذ أتاني آت" فلا تنافي هذا، لأن المراد: الملك الذي أقبل إليه من بين الثلاثة. قال الحافظ ﵀: ويستفاد منه ما كان عليه ﷺ من التواضع وحسن الخلق، وفيه جواز نوم جماعة في موضع واحد، وثبت من أدلة

стр. 3141

أخرَى أنه يشترط أن لا يجتمعوا في لِحَافٍ واحد. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٢٤٤. (فَأتِيتُ) بالبناء للمفعول؛ والآتي، والذي شَقَّ النَّحر، وغَسَلَ القلبَ، وَمَلأهُ حكمةً وإيمانًا هو: جبريلُ، ففي رواية البخاري في الصلاة "فَنَزَلَ جبريل، فَفَرَجَ صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبَقَه، ثم أخذ بيدي، فعَرَجَ بي إلى السماء الدنيا … " الحديث. (بطَست) -بفتح الطاء، وبكسره، وبمثناة، وقد تحذف؛ وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيء، وأخطأ من أنكرها. قاله في الفتح. وهو إناء معروف مؤنث، وقد سبق التحقيق في ضبطه ومعناه برقم (٧٥/ ٩٢)، فارجع إليه تزدد علمًا. (من ذَهَبٍ) قال في الفتح: خَصَّ الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفًا، والذهب لكونه أغلى أنواع الأواني الحسية، وأصْفاها، ولأن فيه خَواصَّ ليست لغيره، ويظهر لها هنا مناسبات: منها: أنه من أواني الجنة، ومنها: أنه لا تأكله النار، ولا التراب، ولا يَلْحَقُهُ الصَدأ. ومنها: أنه أثقلُ الجواهر، فناسبَ ثِقَلَ الوحيِ. وقال السهيلي وغيره: إنْ نُظِرَ إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرِّجْس عنه. ولكونه وقع عند الذَّهاب إلى ربه. وإنْ نُظِرَ

стр. 3142

إلى معناه فَلِوَضَاءته ونَقَائه، وصَفَائه، ولثقله ورُسُوبَته، والوحيُ ثقيل، قال الله تعالىَ: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾ [المؤمنون: ١٠٢]؛ ولأنه أعزُّ الأشياء في الدنيا، والقول هو: الكتاب العزيز. ولعل ذلك كان قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة، ولا يكفي أن يُقالَ. أن المُسْتَعْمِلَ له كان ممن لم يُحَرَّمُ عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم. ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحكام الآخرة. "فتح" جـ ٧ ص ٢٤. قال الجامع عفا الله عنه: وأحسن من هذا كله ما أشار إليه في الفتح في كتاب الصلاة، وهو أن هذا الاستعمال كان قبل التحريم؛ لأن هذا كان في ليلة الإسراء قبل الهجرة، وتحريم الذهب إنما وقع بالمدينة. والله أعلم. (ملآن) صفة لطست، والتذكير لتأويله بالإناء، وفي نسخة "ملأى" بالتأنيث لأن الطست مؤنث، كما تقدم، وفي نسخة "ملىء" وعند البخاري "ممتلىء" (حكمةً وإيمانًا) منصوبان على التمييز.

стр. 3143

والحكمة: بالكسر اسم؛ من حَكُم بضم الكاف، أي صار حكيمًا، وصاحب الحِكْمةِ: المتقنُ للأمور، وأما حَكَمَ -بفتح الكاف- فمعناه قَضَى، ومصَدرَه الحُكْم بالضم؛ والحُكْم أيضا الحِكْمَةُ بمعنى العلم، والحاكم: العالم. وقال النووي ﵀: إن الحكمة فيها أقوال متضاربة صَفَى لنا منها أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيقِ الحقِ، والعمل به، والصَّدِ عن اتباع الهوى والباطل، فالحكيم من حاز ذلك كله. وقال ابن دُرَيد: كل كلمة وَعَظتْكَ، أو زَجَرَتْكَ، أو دَعَتْكَ، إلى مَكْرُمَةِ، أو نهتك عَن قَبيحٍ فهي حكمة. وقيل: الحكمة: المانعة من الجهل، وقيل: النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى. وقال ابن سيدَهْ: القرآن كفى به حكمة، لأن الأمة صارت علماء بعد الجهل. اهـ. "عمدة القاري" جـ ٤ ص ٤٢، ٤٣. وقال النووي: معناه: أن الطست كان فيها شيء يحصل به زيادة في كمال الإيمان، وكمال الحكمة، وهذا المِلْءُ يحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسيد المعاني جائز كما جاء أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال، وغير ذلك من أحوال الغيب.

стр. 3144

وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل؛ إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عُرْضِ الحائط، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس. وقال ابن أبي جَمْرةَ: فيه أن الحكمة، ليس بعد الإيمان أجلّ منها، ولذلك قُرنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وأصح ما قيل في الحكمة: أنها وَضعُ الشيء في محله، أو الفهم في كتاب الله، فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان، وقد لا توجد، وعلى الأول فقد يتلازمان، لأن الإيمان يدل على الحكمة. انتهى "فتح" جـ ٧ ص ٢٤٥. (فشق) على البناء للفاعل، أي شق الملك الآتي، أو على البناء للمفعول، وكذا بالوجهين: قوله: "فغسل"، وقوله: "ملىء" قاله: السندي. (من النحر) بفتح فسكون- موضع القلادة من الصدر، والجمع نُحُور، مثل فَلْس وفُلُوس، وتُطلَقُ النحور على الصدر. قاله في المصباح. (إِلى مَرَاقِّ البطن) -بفتح الميم وتشديد القاف- قال في النهاية: هي ما سَفَلَ من البطن فما تحته من المواضع التي تَرِقُّ جلودها، وَاحِدُهَا مَرَقّ، قاله الهروي، وقال الجوهري: لا واحد لها. اهـ. "زهر". قال في "الفتح": وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة

стр. 3145

الإسراء، وقال: إنما كان ذلك، وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك (١)، فقد تواردت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل منهما حكمة؛ فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس "فأخرج عَلَقَة، فقال: هذا حظ الشيطان منك" وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقَّى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهب للمناجاة. وذَكَرَ في كتاب الصلاة نحو ذلك وقال: ومحصله: أن الشق الأول كان لاستعداده لنزع العَلَقَة التي قيل له عندها: "هذا حظ الشيطان منك" والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة. وقد رَوَى الطيالسي والحارث في مسنديهما من حديث عائشة: "أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء. والله أعلم. ومناسبته ظاهرة، ورُويَ الشقُ أيضا وهو ابن عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب، أخرجها أبو نعيم في الدلائل، وروي مرة أخرى خامسة، ولا تثبت. اهـ "فتح الباري" جـ ٧ ص ٢٤٤، جـ ١ ص ٥٤٩.

стр. 3146

(فغسل القلب بماء زمزم) وعند مسلم "فاستُخْرِجَ قلبي فَغُسِل بماء زمزم"، وزَمْزَم اسم للبئر التي في المسجد الحرام، غير منصرف للتأنيث والعلمية، ويقال: ماءٌ زَمْزَمٌ، وزَمْزَامٌ، وزُوازِمُ، وزُوَزِمُ: إذا كان بَينَ المِلْح والعَذْب، وقد ذكر بعض اللغوين لها أسماء كثيرة، منها: مَكْتُومة، مَضْنُونَةُ، شُبَاعَةُ، سُقْيَا، الرِّوَاءُ، رَكْضَةُ جبْريلُ، هَزْمَةُ جِبْريلَ، شِفَاءُ سُقْمٍ، طَعامُ طُعْمٍ، حَفِيرةُ عَبْدِ المُطَّلبِ (١). وذكر صاحب "تاج العروس" أنه جمع لها من كتب الحديث وكتب اللغة أسماءً تنيف على ستين اسمًا (٢). وفيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه. قال ابن أبي جَمْرة: وإنما لم يُغْسَل بماء الجنة لما اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقَّر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبي ﷺ في الأرض. وقال السهيلي: لما كانت زمزمُ هزمةَ جبريلَ رُوحِ القدسِ لأم إسماعيل جَدِّ النبي ﷺ ، نَاسَبَ أن يُغْسَلَ بمائها عند دخول حضرة القدس ومناجاته. ومن المناسبات المستَبْعَدَةِ قول بعضهم: إن الطست يناسب "طس تلك آيات القرآن" (٣).

стр. 3147

فائدة: قال الحافظ ﵀: وجميع ما ورد من شَقِّ الصدر، واستخراجِ القلب، وغيرِ ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك (١). (ثم ملىءَ حكمةً وإِيمانًا) وعند البخاري: "ثم حُشِيَ، ثم أعِيدَ"، وعند مسلم: "ثم حُشِيَ إيمانًا وحكمةً"، وفي رواية شريك: "فحُشيَ صدره ولَغَادِيْدُهُ" (٢)، بلام وغين -معجمة- أي عروق حلقه، والمرادَ به ما كان في الَطست من حكمة وإيمان، يدل عليه ما في البخاري وغيره "ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمًة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبَقَهُ". قال في "الفتح": وقد اشتملت هذه القصة من خوارق العادة على ما يدهش سامعه فضلًا عمن شاهده، فقد جرت العادة بأن من شُقَّ بطنُهُ، وأخْرِجَ قلبُهُ يموت لا مَحَالَةَ، ومع ذلك فلم يُؤثِّرْ فيه ذلك ضرَرًا، ولا وَجَعًا فضلًا عن غير ذلك. وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في شق قلبه مع القدرة على أن يمتلىء

стр. 3148

قلبه إيمانًا وحكمةً بغير شق- الزيادةُ في قوة اليقين، لأنه أعطيَ برؤية شَقِّ بطنه وعدمِ تأثُّره بذلك ما أمنَ معه من جميع المخاَوف العادية، فلذَلَك كان أَشجعِ الناس، وَأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصفَ بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]. واختُلفَ هل كان شق صدره وغَسلُهُ مختصًا به، أو وقع لغيره من الأنبياء؟ وقد وقع عند الطبراني في قصة تابوت بني اسرائيل أنه كان فيه الطست التي يغسل فيها قلوب الأنبياء، وهذا مشعر بالمشاركة، وسيأتي نظير هذا البحث في ركوب البراق. اهـ. فتح جـ ٧ ص ٢٤٦. (ثم أتِيتُ بدابة) قيل: الحكمة في الإسراء به راكبًا مع القدرة على طي الأرض له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة في مقام خرق العادة، لأن العادة جرت بأن المَلِكَ إذا استدعَى من يختص به يبعث إليه بما يركبه. (دون البغل وفوق الحمار) الظرف صفة لدابة، والحكمة في كون الدابة بهذه الصفة: الإشارة إلى الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة، أو باعتبار أن الركوب كان في سِلْمٍ وأمْنٍ، لا في حَرْب وخوف (١). وفي الرواية الآتية للمصنف "بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها".

стр. 3149

وعند البخاري "دون البغل وفوق الحمار أبيض"، فوصف الدابة بالبياض وذَكَّرَهُ باعتبار كونه مركوبًا، أو نظرًا للفظ البراق. والله تعالى أعلم. تنبيهان: الأول: وقع في "صحيح البخاري" سؤال الجارود -الراوي عن أنس- عن الدابة هل هي البراق؟ فقال: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم، يَضَعُ خَطْوَهُ عند أقصى طَرْفِهِ. أي يضع رجله عند منتهى ما يَرَى بَصَرُه. وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى، والبزار "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه"، وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده: "له جناحان" قال الحافظ: ولم أرها لغيره، وعند الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس في صفة البراق "لها خد كخد الإنسان، وعُرْف كالفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف، وذَنَب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء". قيل: ويؤخذ من ترك تسمية سير البراق طَيَرَانًا أن الله إذا أكرم عَبْدًا بتسهيل الطريق له حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير أن لا يخرج بذلك عن اسم السفر، وتَجْري عليه أحكام السفر (١). الثاني: البراق -بضم الموحدة، وتخفيف الراء- مشتق من البَريق، فقد جاء في لونه أنه أبيض، أو من البرق لأنه وصفه بسرعة السير، أو من قولهم: شاة بَرْقاء إذا كان خِلال صوفها الأبيض طاقاتٌ سُودٌ، ولا

стр. 3150

ينافيه وصفه في الحديث بأن البراق أبيض لأن البرقاء من الغنم معدودة في البياض. ويحتمل أن لا يكون مشتقًا، قال ابن أبي جَمْرَةَ: خُصَّ البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به، لأنه لم ينقل أن أحدًا ملكه، بخلاف غير جنسه من الدواب، قال: والقدرة كانت صالحة لأن يَصْعد بنفسه من غير براق، ولكن ركوب البراق كان زيادةً له في تشريفه، لأنه لو صَعدَ بنفسه لكان في صورة ماش، والراكب أعز من الماشي. قاله في "الفتحَ". جـ ٧ ص ٢٤٦، ٢٤٧. (ثم انطلقت): أي ذهبت، وذلك بعد ركوبه على تلك الدابة، لما في رواية البخاري، "فحُملْتُ عليه"، وفي رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى "فكان الذي أمسكَ بركابه جبريل، وبزمامِ البراق ميكائيل". وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به أتيَ بالبراق مُسْرَجًا، مُلجمًا، فاستَصْعَب عليه، فقال له جبريل: ما حمَلك على هذا؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، قال: فارفض عرقًا" أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، وصححه ابن حبان. وذكر ابن إسحاق عن قتادة "أنه لما شَمَس وَضَعَ جبريلُ يده على معْرَفَتِهِ (١)، فقال: أما تَستَحي"؟ فذكر نحوه مرسلًا، لم يذكر أنسًا.

стр. 3151

وفي رواية وَثيَمة عن ابن إسحاق "فارتعشَت حتى لصقَت بالأرض، فاستويتُ عليَها". وللنسائي، وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس نحوه موصولًا، وزاد: "وكانت مُسَخَرة للأنبياء قبله"، ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق. وفيه دلالة على أن البراق كان معدَّا لركوب الأنبياء خلافًا لمن نَفَى ذلك، كابن دحية، وأول قول جبريل: "فَمَا رَكبَكَ أكرمُ على الله منه" أي ما ركبك أحد قط فكيف يركبك أكرم منه؟ وقد جزم السهيلي أن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهده بركوب الأنبياء قبله. وقال النووي: قال الزبيدي في "مختصر العين"، وتبعه صاحب "التحرير": كان الأنبياء يركبون البراق. قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قال الحافظ: قلت: قد ذَكَرْتُ النقل بذلك ويؤيده ظاهر قوله "فربطته بالحَلْقة التي تَربِطُ بها الأنبياء" ووقع في المبتدأ لابْنِ إسحاق من رواية وثيمة في ذكر الإسراء "فاستَصْعَبَت البراقُ، وكانت الأنبياء تركبها قبلي، وكانت بعيدةَ العهد بركوبهم، لمَ تكن رُكِبت في الفَتْرَةِ". وفي مغازي ابن عائذ من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "البراق هي الدابة التي كان يزور إبراهيمُ عليها إسماعيلَ"، وفي

стр. 3152

الطبراني من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه "أنَ جبريل أتَى النبيَّ ﷺ بالبراق، فحمله بين يديه". وعند أبي يعلى والحاكم من حديث ابن مسعود رفعه "أتِيتُ بالبراق، فَرَكبتُ خلف جبريل"، وفي حديث حذيفة عند الترمذي والنسائي "فماَ زايلَا ظَهْرَ البراق" وفي كتاب مكة للفاكهي، والأزرقي "أن إبراهيم كان يحج على البراق"، وفي أوائل الروض للسهيلي "أن إبراهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بها وبولدها". قال الحافظ: فهذه آثار يشد بعضها بعضًا. وجاءت آثار أخرى تشهد لذلك لم أر الإطالة بإيرادها. ومن الإخبار الواهية في صفة البراق: ما ذكره الماوردي عن مقاتل، وأورده القرطبي في التذكرة، ومن قبله الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: الموت والحياة جسمان، فالموت كبش لا يجد ريحه شيء إلا مات، والحياة فرس بَلْقاءُ أنثَى، وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها، لا تَمُرُّ بشيء، ولا يجد ريحها شيء إلا حَيِيَ. ومنها: أن البراق لما عاتبه جبريل قال له معتذرًا: إنه مَسَّ الصَّفْراء اليوم، وإن الصفراء صنم من ذهب كان عند الكعبة، وإن النبي ﷺ مَرَّ به فقال. تَبَّا لمن يعبدك من دون الله، وأنه ﷺ نهى زيد بن حارثة أن يَمَسَّهُ بعد ذلك، وكسره يوم فتح مكة.

стр. 3153

قال ابن المُنَيِّر: إنما استصعب البراق تَيْهًا (أي فخرًا أو تكبرًا)، وزهْوًا (عطف تفسير لـ"تيهًا") بركوب النبي ﷺ ، وأراد جبريل استنطاقه، فلذلك خَجلَ، وارفضَّ عَرَقًا من ذلك، وقريب من ذلك رَجْفَةُ الجبل به حتى قالَ له: "اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيد"، فإنها هزَّةُ الطَّرَب، لا هزَّةُ الغَضَب. ووقع في حديث حذيفة عند أحمد، قال: "أتي رسولُ الله ﷺ بالبراق، فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس"، فهذا لم يُسندْه حذيفة عن النبي ﷺ فيحتمل أنه قال عن اجتهاد، ويحتَمل أن يكون قوله: هو وجبريل يتعلق بمرافقته في السير، لا في الركوب. قال ابن دحية وغيره: معناه: وجبريل قائد، أو سائق، أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبي ﷺ فلا مدخل لغيره فيها. قال الحافظ: ويرد التأويل المذكور: أن في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود أن جبريل حمله على البراق رَديفًا، وفي رواية الحارث في مسنده، "أتِيَ بالبراق، فركب خلف جبريَل، فسار بهما" فهذا صريح في ركوبه، فالله أعلم. وأيضًا فإن ظاهره أن المعراج وقع للنبي ﷺ على ظهر البراق إلى أن صعد السموات كلها، ووصل إلى ما وصل، ورجع، وهو على حاله، وفيه نظر لما سأذكره، ولعل حذيفة إنما أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء

стр. 3154

المجردة التي لم يقع فيها معراج على ما تقدم من تقرير الإسراء مرتين. اهـ. "فتح الباري" جـ ٧ ص ٢٤٨. قال الجامع: عندي أن الإشكال لا يزول إلا بحمل الواقعة على التعدد. كما يظهر ذلك من تتبع الروايات فتأمل بإنصاف، والله أعلم. (فأتينا السماء الدنيا): وعند البخاري "حتى أتينا السماء الدنيا" قال الحافظ: ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء، وهو مقتضى كلام ابن أبي جمرة المذكور قريبًا وتمسك به أيضًا من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس. فأما العروج، ففي غير هذه الرواية من الإخبار أنه لم يكن على البراق بل رقي المعراج، وهو السُّلَّمُ، كما وقع مصرحًا به في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل ولفظه "فإذا أنا بدابة، كالبغل مُضْطَربِ الأذنين، يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، فركبته"، فذكر الحديث، قال: "ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصليت، ثم أتِيتُ بالمعراج". وفي رواية ابن إسحاق: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتِيَ بالمعراج، فلم أر قط شيئًا كان أحسن منه، وهو الذي يمد إليه الميت عَينيه إذا حُضرَ، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء" … الحديث. وفي رواية كعب "فوُضِعَت له مرقاة من فضة، ومرقاة من ذهب حتى عَرَج هو

стр. 3155

وجبريل"، وفي رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى: أنه "أتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه مُنَضَّدٌ باللؤلؤ، وعن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة. وأما المحتج بالتعدد فلا حجة له، لاحتمال أن يكون التقصير في ذلك الإسراء من الراوي، وقد حفظه ثابت عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "أتيت بالبراق- فوصفه، قال- فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل بإناءين -فذكر القصة، قال- ثم عرج بي إلى السماء". وحديث أبي سعيد دال على الاتحاد. انتهى فتح الباري جـ ٧ ص ٢٤٨. قال الجامع: تقدم قريبًا أن ما في حديث حذيفة وغيره من ركوب جبريل معه، لا يزول إلا بالحمل على التعدد، فتأمل. والله تعالى أعلم. تنبيهان: الأول: ذكر الحافظ ﵀ في "الفتح" في "كتاب الصلاة" اختلاف العلماء في أن المعراج هل كان في ليلة الإسراء أم لا؟ فقال عند قول البخاري "باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء" ما نصه: وهذا مصير من الصنف -يعني البخاري- إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء، وقد وقع في ذلك اختلاف؛ فقيل: كانا في ليلة واحدة في يقظته ﷺ ، وهذا هو المشهور عند الجمهور، وقيل: كانا جميعًا في ليلة واحدة في
следующие страницы →