← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

مسائل تتعلق بحديث مالك بن صعصعة ﵁ هذا المسألة الأولى: في درجته: حديث مالك بن صعصعة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثمانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه. وفي الكُبْرَى عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة … إلخ. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي؛ فأخرجه البخاري في أربعة مواضع، بعضها في "بدء الخلق"، وبعضها في "أحاديث الأنبياء"، وفي "المناقب" أيضًا عن هدبة بن خالد، عن هَمَّام بن يحيى -وفي "بدء الخلق": وقال لي خليفة، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة- وهشام الدستوائي- ثلاثتهم عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك ابن صعصعة، وفي بعض النسخ: وقال عباد بن أبي علي، عن أنس به. وأخرجه مسلم في "الإيمان" عن أبي موسى، عن ابن أبي عَدِيّ، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة - بطوله، وعن أبي موسى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه به.

стр. 3187

وأخرجه الترمذي في "التفسير" عن محمد بن بشار، عن غندر، وابن أبي عدي، كلاهما، عن سعيد بن أبي عروبة- ببعضه، قال: وفي الحديث قصة، وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائد الحديث (١)، وإن كان بَعْضُها تقدم: منها: أن فيه إثباتَ الأبواب للسماء حقيقة، وحفظةً موكلين بها. وفيه إثبات الاستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان، ولا يقتصر على أنا؛ لأنه ينافي مطلوب الاستفهام، وأنَّ المارَّ يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل من القاعد. وفيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء، وجواز مدح الإنسان -المأمون عليه الافتتان- في وجهه. وفيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره، أخْذًا من استناد إبراهيم ﵇ إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة. وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل. وفيه فضل السير بالليل على السير بالنهار؛ لما وَقَع من الإسراء بالليل، ولذلك كانت أكثر عبادته ﷺ بالليل، وكان أكثر

стр. 3188

سفره ﷺ بالليل، وقال ﷺ : "عليكم بالدُّلجَة، فإن الأرض تُطوَى بالليل". وفيه أن التَّجْربَة أقْوَى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يُسَتَفادُ ذلك من قوَل موسى ﵇ للنبي ﷺ : إنه عالَجَ النَّاسَ قَبْلَهُ وجَرَّبَهُم، ويستفاد تحكيمُ العادة، والتنبيُه بالأعلى على الأدنى؛ لأن من سلف من الأم كانوا أقوى أبدانا من هذه الأمة، وقد قال موسى في كلامه: إنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه. أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة؛ قال: ويستفاد منه أن مقام الخُلَّة الرِّضا والتسليمُ ومقامَ التكليم مقامُ الإدلال والانبساط، ومن ثَمَّ استبدَّ موسى بأمر النبي ﷺ بطلب التخفيف دونَ إبراهيم ﵇ (١) - مع أن للنبي ﷺ من الاختصاص بإبراهيم أزيدَ مما له من موسى؛ لمقام الأبُوَّةِ ورفعةِ المنزلةِ والاتباع في الملة. وقال غيره: الحكمةُ في ذلك ما أشار موسى ﵇ في نفس الحديث مِن سَبْقِهِ إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه. وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان، لقوله في بعض طرق الحديث: "عرضت عليّ الجنة والنار". وفيه استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى، وتكثيرِ الشفاعة

стр. 3189

عنده، لما وَقَع منه ﷺ في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف، وفيه فضيلة الاستحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاجُ إليها وإن لم يُسْتَشَرِ الناصحُ في ذلك. والله ولي التوفيق وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٤٤٩ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ حَزْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِى خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِى مُوسَى: فَرَاجِعْ رَبَّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ".

стр. 3190

رجال الإسناد: ستة ١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن مَيْسَرة الصَّدَفيُّ أبو موسى المصري، ثقة، مات سنة ٢٦٤، عن ٩٦ سنة، من صغارَ [١٠]، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه. ٢ - (ابن وهب) عبد الله، أبو محمد المصري، ثقة ثبت حافظ، من [٩]، تقدم في ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيليُّ أبو يزيد، ثقة، من كبار [٧]، تقدم في ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابي ﵁ تقدم في ٦/ ٦. ٦ - (ابن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النَّجَّاري المدني القاضي، ثقة عابد، من [٥]، تقدم في ١١٨/ ١٦٣. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون، وفيه أنس بن مالك أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.

стр. 3191

شرح الحديث (عن ابن شهاب) الزهري، أنه قال: (قال أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي ﵁، وهذا يحتمل أن يكون رواه أنس عن أبي ذر، كما جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون سمعه من النبي ﷺ بلا واسطة. أفاده في الفتح (و) أبو بكر بن محمد بن عمرو (بن حزم) وروايته مرسلة، لأنه تابعي. ومقول "قال" قوله: (قال رسول الله ﷺ : فرض الله على أمتي خمسين صلاة) وفي الرواية السابقة؛ "فرض الله عليَّ خمسين صلاة"، فيحتمل أن يقال: في كل من الروايتين اختصار، أو يقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة وبالعكس، إلا ما يستثنى من خصائصه. قاله في الفتح جـ ١ ص ٥٥١. قال الجامع: الاحتمال الأول هو الأولى، لأن الرواية الآتية تبين ذلك "وكم فرض الله عليك وعلى أمتك … " الحديث. (فرجعت بذلك) أي بما فرض علي (حتى أمُرَّ) بنصب أمُرَّ، لأنه مستقبل، كما قال ابن مالك: وَبَعْدَ حَتَّى حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ المُسْتَقْبَلَا (بموسى علية السلام) متعلق بـ"أمُرَّ" (فقال) موسى (ما) استفهامية (فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين

стр. 3192

صلاة) في كل يوم وليلة (قال لي موسى: فراجع ربك ، فإِن أمتك لا تطيق ذلك) الفاء للتعليل، والجملة تعليلية للمراجعة، (فراجعت ربي في التخفيف (فوضع) أي أسقط (شطرها) وفي الرواية السابقة "فجعلها أربعين" أي حط عشرة، وفي رواية ثابت عن أنس "فحط عني خمسًا" قال ابن المُنَيِّر: ذِكْرُ الشطر أعم من كونه وقع في دفعة واحدة. وقال الحافظ: وكذا العشر، فكأنه وضع العشرَ في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد الشطر في هذا الحديث البعض، وقد حَقَّقَت روايةُ ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها. اهـ فتح الباري جـ ١ ص ٥٥١. (فرجعت إِلى موسى، فأخبرته) بما وضع (فقال) موسى (راجع ربك، فإِن أمتك لا تطيق ذلك) قال: (فراجعت ربي فقال): أي بعد المراجعة التاسعة؛ لأن الراجح أن الحط كان في كل مرة خمسًا، فتكون عدة المراجعات تسعًا. والله أعلم. (هي خمس) عددًا باعتبار الفعل (وهي خمسون) اعتدادًا باعتبار الثواب. واستدل به على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر، وعلى دخول النسخ في الإنشاءات، ولو كانت مؤكدة، خلافًا لقوم فيما أكد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل. قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه نسخ الخمسين بالخمس

стр. 3193

قبل أن تُصَلَّى، ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب. وتعقبه ابن المُنَيِّر فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشُّرَّاحِ، وهوُ مُشْكِلٌ على من أثْبَتَ النَّسخَ قبل الفعل كالأشاعرة، أو مَنَعَه كالمعتزلة؛ لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النَّسْخَ لا يتصور قبل البلاغ، وحديثُ الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعًا. قال: وهذه نكتةٌ مُبْتَكَرَة. قال الحافظ: إن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى الأمة فَمُسَلَّم، لكن قد يُقَالُ: ليس هو بالنسبة إليهم نَسْخًا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي ﷺ ، لأنه كُلِّفَ بذلك قطعًا ثم نُسِخَ بعد أن بُلِّغَهُ، وقبل أن يفعل، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه ﷺ . والله أعلم اهـ "فتح" جـ ١ ص ٥٥٢. (لا يبدل القولُ لَدَيَّ) أي القول بكونها خمسًا، لا مطلقُ القول، فلا يكون هذا دليلًا لمن أنكر النسخ، على أنه قد يُرَدُّ عليهم بأنَّ النسخَ بيانُ انتهاءِ الحكم، فلا يلزم منه تبديل القول. (فرجعت إِلى موسى) ﵇ (فقال) بعد أن أخبره بأنه جعلها خمسًا (راجع ربك) في التخفيف أيضًا (فقلت: قد استحييت من ربى من مراجعته بعد قوله: "لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ". وقال السندي ﵀: هذه الرواية تدل على أنه منعه الحياء عن

стр. 3194

المراجعة، لا كونُ الخمس لا تقبل النسخ، وسيجيء ما يدل على أن كون الخمس لا تقبل النسخ مَنَعَه عن ذلك، فالوجه أن يُجْعَلَ الأمران مانعين، إلا أنه وقع الاختصار من الرواة على ذكر أحدهما. والله أعلم تنبيه: حديث أنس ﵁ أخرجه الشيخان وابن ماجه وقد تقدم ما يتعلق به من الفوائد في الحديث السابق، فلا نعيده. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبْتُ، وَمَعِي جِبْرِيلُ ﵇ فَسِرْتُ، فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلّ، فَفَعَلْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ، وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَقَالَ: أَتَدْرِى أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللهُ مُوسَى ﵇، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟

стр. 3195

صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى ﵇، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجُمِعَ لِيَ الأَنْبِيَاءُ ﵈، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ﵇، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا الْخَالَةِ، عِيسَى وَيَحْيَى ﵉ ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ ﵇ ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ ﵇ ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ ﵇ ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا مُوسَى ﵇ ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ ثُمَّ صُعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، فَأَتَيْنَا سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَتْنِي ضَبَابَةٌ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، فَقِيلَ لِي: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَقُمْ بِهَا

стр. 3196

أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَلَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَمْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى، فَأَمَرَنِي بِالرُّجُوعِ، فَرَجَعْتُ، فَخَفَّفَ عَنِّى عَشْرًا، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلَاتَيْنِ، فَمَا قَامُوا بِهِمَا، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَسَأَلْتُهُ التَّخْفِيفَ؟ فَقَالَ: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللهِ ﵎ صِرَّى فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ: ارْجِعْ فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللهِ صِرَّى -أَىْ حَتْمٌ- فَلَمْ أَرْجِعْ.

стр. 3197

رجال الإسناد: خمسة ١ - (عمرو بن هشام) الحراني، أبو أمَيَّةَ، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له النسائي. ٢ - (مَخْلَدُ) بن يزيد القرشي الحراني، صدوق، له أوهام، توفي سنة ١٩٣، من كبار [٩]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التَّنُوخيُّ الدمشقيُّ، ثقة إمام سَوَّاه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مُسْهِرٍ، لكنه اختلط في أخر عمره، توفى سنة ١٦٧، وقيل بعدها، عن بضع و ٧٠ سنة، من [٧]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة. ٤ - (يزيد بن أبي مالك) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهَمْدَاني الدمشقي القاضي، صدوق ربما وَهمَ، توفي سنة ١٣٠ أو بعدها وله أكثر من ٧٠ سنة، من [٤]، أخرج له أبَو داود، والنسائي، وابن ماجه. ٥ - (أنس بن ممالك) أبو حمزةَ الصحابيُّ الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته دمشقيون، إلا شيخه

стр. 3198

فَحرَّاني، وأنسًا فبصري، وأن شيخه من أفراده، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (أن أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: أتيت) بالبناء للمفعول (بِدابَّة فوقَ الحمار ودون البغلِ، خَطْوُها) الخطو بالفتح مصدر خَطَا يَخْطُو: إذا مَشَى، (عند منتهى طَرْفها) أي عند نهاية نظرها، فالطَّرْف -بفتح فسكون- مصدر طَرَفَ، يقال: طَرَفَ البصرُ طَرْفًا، من بابَ ضَرَبَ: تحَرَّك، وطَرْفُ العينِ: نَظرُها، ويطلق على الواحد وغيره، لأنه مصدر. قاله في "المصباح". (فركبت، ومعي جبريل) جملة حالية من الضمير (﵇ فسرت فقال) جبريل: (انزل، فصل) قال النبي ﷺ (ففعلت) أي ما أمره به (فقال) جبريل: (أتدري أين صليت؟) أي في أي محل صليت؟ قال جبريلُ: (صليتَ) بفتح التاء للمخاطب (بطيبة) اسم لمدينة النبي ﷺ ، وطابَةُ لغة فيها. (وإِليها المُهَاجَر) أي الهجرة، وأصل المهاجر: محل الهجرة، يقال: هاجر مُهَاجَرةً، وهذه مُهَاجَرُهُ على صيغة اسم المفعول، أي موضع هجرته. قاله في "المصباح" جـ ٢ ص ٦٣٤، لكن أريد هنا المعنى المصدري، أي الهجرة. لأنه لو أريد المحل لقيل: هي المَهَاجَرُ، والله أعلم. والمعنى أن جبريل ﵇ يخبر النبي ﷺ بأن طيبة التي صلى فيها ستكون محل هجرته من مكة.

стр. 3199

(ثم) بعد أن رَحَلا من طيبة (قال) جبريل: (انزل، فصل، فقال) بعد صلاته (أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء) اسم جبل بالشام، ويقال أيضًا: طور سينين (حيث كلم الله موسى ﵇ أي في المكان الذي كلم الله موسى ﵇. فيه إثبات صفة الكلام لله ، لنبيه موسى ﵇ (ثم قال: انزل، فصل، قال) ﷺ (فنزلت، فصليت، فقال) جبريل (أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم)، بفتح اللام، وسكون الحاء المهملة، وذكر في معجم البلدان أنه يقال بالخاء المعجمة أيضًا. (حيث ولد عيسى ﵇ أي في المحل الذي ولد فيه عيسى ﵇. قال السندي: وهذا أصل كبير في تتبع آثار الصالحين، والتبرك بها، والعبادة فيها. اهـ قال الجامع: فيما قاله نظر، لأن هذه أمور تعبدية، لا يدخلها قياس. فتبصر. (ثم دخلت بميت المقدس) أي البيت المطهر، أي المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب. والمقْدِس، وزان مَجْلِس، إمَّا أن يكون على حذف الزوائد، وإمَّا أن يكون اسمًا ليس على الفعل، ويجوز فيه التشديد، كَمُعَظَم، والنسبة اليه مقدِسِيّ، كمجلسي، ومُقَدَّسِيّ، بالتشديد (١).

стр. 3200

قال ﷺ (فَجُمِعَ) بالبناء للمفعول (لي الأنبياء ﵈ بالرفع نائب فاعل جمع (فقدَّمني جبريل حتى أممتهم) أي صرت إمامهم في الصلاة وقد تقدم أنه صلى بجميع الأنبياء في شرح حديث (٤٤٨) (ثم) بعد الصلاة (صعد بي) بالبناء للفاعل، كَعِلمَ، والفاعل جبريل، أو البراق، أو بالبناء للمفعول، والجار والمجرور هو النائب عن الفاعل، والباء على الوجهين للتعدية. أفاده السندي. (فإِذا فيها آدم ﵇ وتقدم أنه سَلَّمَ عليه، فرد، ورحب به وكذا مع سائر الأنبياء. (ثم صعد بي) بالضبط المتقدم (إِلى السماء الثانية، فإِذا فيها ابنا الخالة: عيسى ويحيى ﵉، ثم صعد بي إِلى السماء الثالثة، فإِذا فيها يوسف) بن يعقوب بن إسحاق (عليه) وعليهما (السلام، ثم صعد بي إِلى السماء الرابعة، فإِذا فيها هارون ﵇ وقد تقدم في رواية قتادة عن أنس (٤٤٨) أنه لقي في الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، عكس ما هنا في رواية يزيد بن أبي مالك، وتقدم ترجيح رواية قتادة هناك، فتنبه. (ثم صعد بي إِلى السماء الخامسة، فإِذا فيها إِدريس ﵇، ثم صعد بي إِلى السماء السادسة، فإِذا فيها موسى ﵇ وتقدم أنه لما جاوزه بَكَى. (ثم صعد بي إِلى السماء السابعة، فإِذا فيها إِبراهيم عليه

стр. 3201

السلام) وفي رواية أبي سعيد "فإذا بإبراهيم خليل الرحمن مسند ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال". وقد تقدم اختلاف الرواية في إبراهيم: في السابعة، أو في السادسة، وكلاهما في الصحيح، وتوجيه ذلك في شرح حديث (٤٤٨) فارجع اليه. (ثم صعد بي فوق سبع سموات، فأتينا سدرة المنتهى) سيأتي الكلام عليها في حديث ابن مسعود الآتي بعد هذا. (فغشيتني ضَبَابةِ) كسَحَابَةٍ وزنًا ومعنى، جمعه ضَبَاب، وقال ابن منظور: والضَّبَابُ: نَدًى كالغَيْم، وقيل: الضبابةُ سَحَابَةٌ تَغْشَى الأرْضَ، كَالدُّخَان، والجمع الضَّبَاب، وقيل: الضَّبَابُ والضَّبَابَةُ نَدًى كالغُبَار يغشى الأَرْضَ بالغَدَوَاتِ. اهـ. "لسان العرب" جـ ٤ ص ٢٥٤٤. (فَخَرَرْت) من بابي ضرب، ونصر، أي سقطت حال كوني (ساجدًا، قيل لي: إِني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك)، قال ﵊: (فرجعت إِلى إِبراهيم) ﵇ (فلم يسألني) إبراهيم (عن شيء) مما فرض الله عليَّ. (ثم أتيت على موسى) ﵇ (فقال: كم فرض الله عليك وعلى أمتك؟) قال: ﷺ (قلت): فرض علينا (خمسين صلاة، قال) موسى ﵇: (فإِنك لا تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك) أن مصدرية

стр. 3202

والجملة في تأويل المصدر مفعول "تستطيع" أي لا تستطيع القيام بها، وجملة "فإنك لا تستطيع … " إلخ، تعليل للأمر بالمراجعة في قوله (فارجع إِلى ربك فاسأله التخفيف) عن الخمسين. قال ﷺ : (فرجعت إِلى ربي، فخفف عني عشرًا) هذه الرواية كالرواية السابقة؛ تَدُلُّ على أن الله حَطَّ عنه عشرًا، وقد تقدم أن في رواية ثابت عن أنس أن الحط خمس، وهي زيادة ثابتة، فيتعين حمل العشر عليها بكون ذلك دفعتين. والله أعلم. (ثم أتيت موسى، فأمرني بالرجوع، فرجعت، فخفف عني عشرا، ثم رُدَّت) بالبناء للمفعول، والتاء للتأنيث، أي الصلوات. وهذا بيان ما آل إليه الأمر آخرًا بعد تمام المراجعة، وليس المراد أنه بسقوط العشر صارت خمسًا. وفي نسخة "ثم رُدِدتُ" بصيغة المتكلم، أي رَدَّني الله من خمسين إلى خمس صلوات بالمراجعة المتكررة له (قال) موسى ﵇ (فارجع إِلى ربك، فاسأله التخفيف، فإِنه) الفاء للتعليل، أي لأنه (فرض على بني إِسرائيل صلاتين) فيه بيان أن ما فرضه الله على بني إسرائيل صلاتان (فما قاموا بهما) أي لم يصلوهما. قال ﷺ (فرجعت إِلى ربي ، فسألته التخفيف، فقال) الله تعالى (إِني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك

стр. 3203

وعلى أمتك خمسين صلاة، فخمس) من الصلوات (بـ) أجر (خمسين) صلاة (فقم بها أنت وأمتك). قال النبي ﷺ (فـ) عند ذلك (عرفت أنها) أي الصلوات الخمس (من الله) متعلق بحال مقدر، أي حال كونها كائنة من الله تعالى، أو متعلق بقوله (صِرَّى) خبر "إن"، وهو بكسر الصاد المهملة وفتح الراء المشددة، آخرها ألف مقصورة، أي عزيمة لا تقبل النسخ، وقال في النهاية: أي حَتْم واجبة، وعزيمة، وجدٌّ، وقيل: هي مشتقة من صَرَّ إذا قَطَعَ، وقيل: هي مشتقة من أصْرَرْتُ الشيَء إذا لَزِمْتَهُ، فإن كان من هذا فهو بالصاد والراء المشددة، وقال أبو موسى: إنه صرِّيٌّ بوزن جِنِّي -يعني مشدد الراء والياء-، قال: وصِرِّيُّ العَزْم: أي ثابته ومستقره. اهـ "نهاية" جـ ٣ ص ٢٨. وقال ابن فارس: الإصرار: الثبات على الشيء والعزم عليه، يقال: هذه يمين صِرَّي: أي جِدٌّ. اهـ "زهر الربى" جـ ١ ص٢٢٤. (فرجعت إِلى موسى- ﵇ فقال: ارجع) إلى ربك، فاسأله التخفيف، قال ﷺ : (فعرفت أنها من الله صِرَّى، أي حتم) الظاهر أن التفسير من بعض الرواة (فلم أرجع) إلى الله تعالى، لكونها لا تقبل التخفيف. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق أنس ﵁ هذا. المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا، من رواية يزيد بن أبي مالك

стр. 3204

عنه، صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا عن عمرو بن هشام الحَرَّاني، عن مَخْلَد بن يَزِيدَ، عن سعيد بن عبد العزيز، عنه به. قال الحافظ المزي ﵀: تابعه -يعني مخلدًا- الوليدُ بن مسلم، ويحى بن صالح الوُحَاظيّ، وعبد الله بن صالح المصري، عن سعيد، وقال أبو مسهر وعمرو بن أبي سلمة، عن سعيد، عن يزيد بن أبي مالك، عن بعض أصحابه، عن أنس بن مالك. اهـ "تحفة" جـ ١ ص ٤٣٩. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: حديث أنس من رواية يزيد بن أبي مالك انفرد به المصنف، وقد أخرجه مسلم من رواية حَمَّاد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة كلاهما عن ثابت، عنه. وبقية مباحث الحديث تقدمت في حديث مالك بن صعصعة ﵁، فارجع إليها تستفد. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:

стр. 3205

لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ انْتُهِىَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا عُرِجَ بِهِ مِنْ تَحْتِهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا أُهْبِطَ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأُعْطِيَ ثَلَاثًا: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيُغْفَرُ لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِهِ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ. رجال الإسناد: سبعة ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٦١، من أفراد المصنف، من [١١]، وتقدم في ٣٨/ ٤٢. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، توفي سنة ٢٠٣، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة. وفي "صة": أحد الأعلام، عن فِطْر بن خَلِيفَة، ومالك بن مِغْول، وطائفة، وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني ومحمد بن رافع وخلق وثقه النسائي وغيره. ٣ - (مالك بن مغول) -بكسر أوله، وسكون المعجمة، وفتح

стр. 3206

الواو- الكوفي أبو عبد الله، ثقة ثبت من كبار السابعة، توفي سنة ١٥٩ على الصحيح. أخرج له الجماعة، وتقدم في ٩٨/ ١٢٧. ٤ - (الزُّبَيرُ بن عديّ) الهَمْدَاني اليامي -بالتحتانية- أبو عبد الله الكوفي (١)، ولي قضاء الرَّيِّ، ثقة، توفي سنة ١٣١، من [٥]، أخرج له الجماعة. وفي "صة" عن أنس والمَعْرُور بن سُوَيد، وأبي وائل، وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السَّبِيعي، والثوري، وثقه أحمد وابن معين والعِجْلي، قال أبو داود الطيالسي: لا يعرف له عن أنس غير حديث واحد. اهـ. ٥ - (طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب اليامي -أبو محمد- الكوفي، ثقة قارىء فاضل، توفي سنة ١١٢ أو بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة. وتقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦. ٦ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الهَمْداني -بسكون الميم- أبو إسماعيل الكوفي، الذي يقال له: مَرة الطيب، ثقة عابد، توفي سنة ٧٦، وقيل بعد ذلك، من [٢]، أخرج له الجماعة. وفي "تت" المعروف بمُرَّةَ الطيّبِ ومرة الخيرِ، لُقِّبَ بذلك لعبادته، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال سكن بن محمد العابد، عن الحارث الغَنَوِيّ: سَجَدَ مُرَّةُ الهمداني حتىَ أكل التراب

стр. 3207

وَجْهَهُ، وقال ابن حبان: كان يصلي كل يوم ستمائة ركعة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان يصلي في اليوم والليلة خمسمائة ركعة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يدرك عمر، وقال هو وأبو زرعة: روايته عن عمر مرسلة، وقال أبو بكر البزار: روايته عن أبي بكر مرسلة، ولم يدركه، وقال ابن منده في تاريخه: أدرك النبي ﷺ ولم يَرَه. وقال ابن سعد وأبو حاتم: توفي زمن الحجَّاج بعد الجَمَاجِمِ، وقيل توفي سنة ٧٦. انتهى "تت" جـ ١٠ ص ٨٨ - ٨٩ بتصرف. ٧ - (عبد الله) بن مسعود بن غافل بن حَبيب الهُذَليّ أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، أمّرَهُ عُمَرُ على الكوفة، وتوفي سنة ٣٢، أو في التي بعدها بالمدينة، وأخرج له الجماعة، وتقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا شيخه فجَزَرِيّ رُهاوِيٌّ. ومنها: أن شيخه من أفراده لم يرو عنه من الستة غيره. ومنها: أنه لا يوجد في الكتب الستة من اسمه أحمد بن سليمان، ويحيى بن آدم، ومالك بن مِغْول، والزبير بن عديّ، وطلحة بن مُصَرّف، ومرة بن شراحيل، وعَبد الله بن مسعود، غير هؤلاء. ومنها: أنهم ممن اتفقوا عليهم، إلا شيخه.

стр. 3208

ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ الزبير وطلحة ومرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: لما أسْرِيَ برسول الله ﷺ ) بالبناء للمفعول، يقال: سَرَيْتُ اللَّيْلَ وسَرَيْتُ بِهِ، سَرْيًا -بفتح فسكون- والاسم السِّرَايةُ. إذا قَطَعْتَهُ بالسير، وأسريت بالألف لغةٌ حِجَازيةٌ، ويُستَعملان متعديين بالباء إلى مفعول، فيقال: سَرَيْتُ بزيد، وأسريت به. قاله في "المصباح". (انتهي به) بالبناء للمفعول أيضًا، والضمير للنبي ﷺ يقال: انتَهَى الأمرُ: بَلَغَ النهايةَ، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه. قاله في المصباح. والجار والمجرور في محل رفع نائب الفاعل. ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الإسراء المفهوم من "أسرِي" أي انتهى الإسراء به ﷺ حتى وَصَلَ (إِلى سدرة المنتهى) من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، ويحتمل أن يكون من إضافة الأعم إلى الأخص، كشجر أراك، وعلى الأول لابد من تأويله لئلا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وهو غير جائز، كما قال ابن مالك: وَلا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنىً وأوِّلْ مُوهِمًا إذا وَرَدْ أي سدرة الشجرة الُمنْتَهَى، وفيه الحذف والإيصال، والأصل المنتهى

стр. 3209

إليها، وسيأتي سبب تسميتها بذلك، (وهي) أي السدرة (في السماء السادسة) هكذا في رواية ابن مسعود أنها في السماء السادسة، وتقدم في رواية أنس ما يدل على أنها في السابعة، حيث قال "ثم صُعِدَ بي فوق سبع سموات، فأتينا سدرة المنتهى" فظاهره أنها في السماء السابعة. والجمع بينهما كما قال الحافظ ﵀: أن يقال: إن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السماء السابعة. وقال القرطبي في "المفهم": ظاهر حديث أنس أنها في السابعة، وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وكل ملك مقرب، على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله، أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد، وقال غيره: إليها منتهى أرواح الشهداء، قال: ويترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف، كذا قال، ولم يُعَرِّج على الجمع بل جزم بالتعارض. اهـ "فتح الباري" جـ ٧ ص ٢٥٣. قال الجامع: ما قاله الحافظ في وجه الجمع هو الأولى، وفي قول القرطبي: "موقوف على ابن مسعود" نظر، والله أعلم. قال مبينًا وجه تسميتها بسدرة المنتهى (ينتهي) بالبناء للفاعل، وفاعله قوله (ما عُرِجَ به) بالبناء للمفعول، والجار والمجرور في محل رفع نائب الفاعل (من تحتها) متعلق بعُرِجَ، أي يَقِفُ عندها كل ما

стр. 3210

يُعرَجُ به من أعمال العباد والأرواح من الجهة التحتانية، ولا يتجاوزها (وإِليها ينتهي) بالبناء للفاعل، (ما أهْبِطَ) بالبناء للمفعول (من فوقها) من الوحي وغيره (حتى يقبض منها) أي تقبضه الملائكة فتوصله إلى ما أمر به. وحاصل المعنى أن سدرة المنتهى غاية لوصول ما ينزل من فوقها حتى يقبض منها، وغاية لصعود ما يصعد به من تحتها. فقد تَبَيَّن من هذا سبب تسميتها بهذا الاسم، وقيل: لانتهاء علم الخلق إليها، وقيل: لانتهاء أرواح الشهداء إليها، كما مر قريبًا، والأرجح ما هنا؛ لكونه أصح. والله أعلم. ثم إنَّ ما ذُكِرَ من وصف سدرة المنتهى بهذا الوصف، الظاهر أنه مرفوع إلى النبي ﷺ . وتقدم قول القرطبي: إنه موقوف على ابن مسعود، وفيه بُعْد، ولو سُلِّمَ فالوقف في مثل هذا له حكم الرفع. كما هو مقرر في محله. والله أعلم. (قال) ابن مسعود ﵁، كما صُرِّحَ به في رواية الترمذي مُوَضِّحًا معنى قوله تعالى ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، الظرف متعلق بقوله "رآه" من قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، وقوله "قال" تأكيد لقال الأول، ويحتمل أن يكون فاعل قال الأول هو الله تعالى، وفاعل الثاني هو ابن مسعود. (فراش من ذهب) أي يغشاها فَرَاش من ذهب، والفَرَاش بفتح

стр. 3211

الفاء: الطير الذي يُلقِي نفسَهُ في ضوء السراج، واحدتها فَرَاشَة. كذا فَسَّرَ المبهم في قوله "ما يغشى" بالفراش، ووقع في رواية يزيد ابن أبي مالك عن أنس "جراد من ذهب" قال البيضاوي: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها. انتهى. وقال الحافظ: ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، ويخلق فيه الطَّيرَان، والقدرةُ صالحةٌ لذلك. اهـ جـ ٧ ص ٢٥٣. قال الجامع: وهذا الاحتمال الثاني هو المتعين، وما قاله البيضاوي غير صحيح عندي، لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على ظاهره لا يُعَدَلُ عنه إلى غيره إلا بدليل صارف عن ظاهره، فدَعوَى المجاز غير صحيح. والله أعلم. وفي حديث أبي سعيد وابن عباس: "يغشاها الملائكة"، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: "على كل ورقة منه ملك" ووقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم "فلما غشيها من أمر الله تَغَيَّرَتْ فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها"، وفي رواية حميد عن أنس عند ابن مردويه نحوه، لكن قال: تحولت نَوْتًا (١)، ونحو ذلك. قاله في الفتح. (فأعطي) بالبناء للمفعول، وعند مسلم: "فأعطي رسول الله ﷺ "، وللترمذي: "فأعطاه الله عندها" أي عند سدرة

стр. 3212

المنتهى (ثلاثًا) أي خصالًا ثلاثًا، زاد الترمذي: "لم يُعطهنَّ نبيًا كان قبله". (الصلوات الخمس) بالنصب بدل من ثلاث، أو مفعولًا لفعل محذوف، كما بينته رواية مسلم "أعطي الصلوات الخمس" وهو الأوْلَى، لأن أولى ما تفسر به الرواية ما جاء في رواية أخرى، ويحتمل الرفع خَبَرًا لمحذوف، أي إحداها: الصلوات الخمس (وخواتيم سورة البقرة) كإعراب سابقه، ولمسلم: "وأعطي خواتيم سورة البقرة". قيل معنى قوله "أعطِيَ خواتيم سورة البقرة" أي أعطي إجابة دعواتها. قال الجامع: هذا المعنى غير صحيح، بل المعنى أنه أعطي هذه الخواتيم من ذلك المحَلِّ الأعلى، ففي رواية أحمد قال: حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ، عن المعْرُور بن سُوَيد، عن أبي ذَرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَهُنَّ نبي قبلي". وأخرج أحمد أيضًا بسند حسن -كما قال الحافظ ابن كثير عن عُقْبَةَ ابن عامر الجُهَنِيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش". إلى غير ذلك من الأحاديث. انظر "تفسير الحافظ ابن كثير" جـ ١ ص ٣٤٨، ٣٥١. قال العلامة السندي ﵀: كَأنَّ المراد أنه قَرَّرَ له إعطاءها، وأنه ستنزل عليك، ونحوه، وإلا فالآيات مدنيات. اهـ جـ ١ ص ٢٢٤.

стр. 3213

(يغفر) بالبناء للفاعل، والفاعل هو الله، أو للمفعول، وهو معطوف على ما قبله بتقدير حرف مصدريّ، أي أن يغفر، وحَذْفُ الحرف المصدري مع رفع الفعل جائز؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية، وقولهم "تسمعُ بالمعيدي خير من أن تراه" برفع تسمعُ وأما بنصبه فشاذّ؛ كما قال ابن مالك بعد ذكر مواضع حذف "أن" المصدرية قياسًا: ما نصه: وَشَذَّ حَذْفُ أنْ ونصْبٌ في سِوى … ما مَرَّ فاقْبَلْ مِنْه مَا عَدْلٌ رَوَى وخالف في ذلك الكوفيون فجعلوه قياسًا مع النصب. وجعل بعضهم الحذف مع الرفع شاذًا أيضا. انظر "حاشية الخضري على ابن عقيل" جـ ٢ ص ١١٩. قال الجامع: الراجح كون الحذف مع الرفع قياسيًا، لأن تخريج الآية على الوجه الشاذ غير صحيح، فتبصر. والله أعلم. والتقدير هنا: والغفران (لمن مات من أمته) ﷺ (لا يشرك بالله شيئًا) نكَّر شيئًا إشارةً إلى أن الشرك لا يغفر قليله وكثيره (المُقحِمَاتُ) بصيغة اسم الفاعل، والنصبِ مفعولًا ليغفر، أو بالرفع نائب فاعل له. ومعنى المُقحمَات: الذنوبُ العِظام التيُ تُقحمُ أصحابها النارَ، أي تدخلهم وتلقيهم فيها. قال النووي ﵀: المُقْحِمَاتُ: بضم الميم وإسكان القاف، وكسر الحاء؛ ومعناها الذنوب العظام الكبائر التي تُهلك أصحابها، وتوردهم النار، وتُقحمهم إياها، والتَّقَحُّمُ: الوقوع في المهالك.

стр. 3214

ومعنى الكلام أن من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات. قال: والمراد -والله أعلم- بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين، وليس المراد أنه لا يعذَّب أصلًا، فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة على إثبات عذاب بعض العصاة من الموحدين. ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصًا من الأمة، أي يغفر لبعض الأمة المقحمات، وهذا يظهر على مذهب من يقول: إن لفظة "مَنْ" لا تقتضي العموم مطلقًا، وعلى مذهب من يقول: لا تقتضيه في الأخبار، وإن اقتضته في الأمر والنهي، ويمكن تصحيحه على المذهب المختار، وهو كونها للعموم مطلقًا؛ لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص، وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع. انتهى كلام النووي. وقال العلامة السندي ﵀: ولعل المراد أن الله تعالى لا يؤاخذهم بكلها، بل لابد أن يغفر لهم بعضها، وإن شاء غفر لهم كلها، وقيل: المراد بالغفران أن لا يخلد صاحبها في النار، أو المراد الغفران لبعض الأمة، ولعله إن كان هناك تأويل فما ذكرتُ أقرب، وإلا فتفويض هذا الأمر إلى علمه تعالى أولى. والله أعلم. اهـ كلام السندي. قال الجامع: عندي أن ما تقدم في كلام النووي ﵀ من حمل "من" على الخصوص للأدلة المقتضية لذلك هو الأولى،

стр. 3215

جمعًا بين الأدلة. والحاصل أن المراد بالأمة بعضهم، فيغفر الله تعالى لبعض الأمة جميع ذنوبهم؛ صغائرها وكبائرها ما عدا الشركَ، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] الآية، فبعض الأمة هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر ذنوبهم جميعها. فتبصر. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم في صحيحه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه ﵀ هنا، وفي "الكبرى" برقم (٣/ ٣١٥) بهذا السند. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرجه مسلم والترمذي؛ فأخرجه مسلم في "الإيمان" عن محمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب -كلاهما عن عبد الله بن نمير- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة -كلاهما عن مالك بن مِغْول، عن الزُّبير بن عَدِيّ، عن طلحة بن مُصَرّف، عن مُرَّة بن شَرَاحِيل، عنه.

стр. 3216

وأخرجه الترمذي في تفسير "سورة النجم" عن ابن أبي عُمَر، عن سفيان بن عيينة، عن مالك بن مغول، عن طلحة نحوه "لمَّا بَلَغَ رسولُ الله ﷺ سدرة المنتهى … " الحديث، ولم يذكر الزبير بن عدي. وقال: حسن صحيح. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان ما أكرم الله به نبيه ﷺ من المعراج. ومنها: بيان محل سدرة المنتهى، وبيان وصفها. ومنها: بيان معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. [النجم: ١٦]. ومنها: بيان ما أكرِمَ به ﷺ حيث أعطي هذه الخصال الثلاث، ولم يعطهن أحد غيره. ومنها: بيان فضل الصلوات الخمس حيث فُرِضت في المحل الرفيع خلاف سائر الفرائض. ومنها: بيان فضل خواتيم سورة البقرة، وقد ورد في فضلها أحاديث صحاح: فمنها: ما أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاه". ومنها: ما أخرجه الترمذي عن النُّعْمان بن بَشِير، عن النبي ﷺ -

стр. 3217

قال: "إنَّ الله كَتَبَ كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يُقْرأ بهِنَّ في دار ثلاثَ ليال فَيقْرَبُها شيطانٌ". وصححه الحاكم على شرط مسلم. ومنها: ما أخرجه مسلم والنسائي، واللفظ له عن ابن عباس ﵄. قال: "بينا رسول الله ﷺ ، وعنده جبريل إذ سمع نَقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فُتِحَ مَن السماء ما فُتِحَ قَطُّ، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتَهُمَا لم يُؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته". ومنها: بيان ما أكرم الله به هذه الأمة؛ حيث إنه يغفر لها المُقْحِمَات غيرَ الشرك. وهذا فضل عظيم من رب كريم. نسأل الله أن يجعلنا ممن يغفر لهم المقحمات بمنه وكرمه آمين. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3218

٢ - بَابٌ أيْن فُرِضَتِ الصَّلاةُ؟ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل: أين فرضت الصلاة؟، ومحل الترجمة من الحديث قوله: "فرضت بمكة". والمراد به أول محل ظهر فيه فرضيتها من الأرض، وإلا فأول محل فرضها فوق السموات. والله تعالى أعلم. ٤٥٢ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ عَبْدَ رَبِّهِ بْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ: أَنَّ الْبُنَانِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَهَبَا بِهِ إِلَى زَمْزَمَ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، وَأَخْرَجَا حَشْوَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَغَسَلَاهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ كَبَسَا جَوْفَهُ حِكْمَةً وَعِلْمًا. رجال هذا الإسناد ١ - (سليمان بن داود) بن حَمَّاد المَهْرِي، أبو الرَّبِيع المصري بن أخي رِشْدينِ بنِ سَعْد، ثقة، توفي سنة ٢٥٣، من [١١]، أخرج له أبو داود والنسائي، وتقدم في ٦٣/ ٧٩. ٢ - عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد

стр. 3219

المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، توفي سنة ١٧٩، عن ٧٢ سنة، من [٩]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري، مولاهم أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ، توفي قديمًا قبل سنة ١٥٠، من [٧]، وأخرج له الجماعة، وتقدم في ٦٣/ ٧٩. ٤ - (عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاري، أخو يحيى، المدني، ثقة، توفي سنة ١٣٩، وقيل بعد ذلك، من [٥]. وفي "تت" عن يحيى بن سعيد القطان، قال: كان وَقَّادًا حَيَّ الفُؤَاد، وعن عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة مدني، وقال ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: حسن الحديث ثقة، ووثقه النسائي، والعجلي، وابن سعد، وقال: كثير الحديث دُونَ أخيه يحيى، وقال أبو عوانة: هو أعَزُّ إخْوَتِهِ حديثًا. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: هو الذي يقال له: عبد ربه المدني، أخرج له الجماعة. ٥ - (البُنَانِيُّ) هو ثابت بن أسلم أبو محمد البصري، منسوب إلى بُنَانَة -بضم الباء الموحدة وتخفيف النون- ابن سَعْد بن لُؤَيّ بن غالب، ثقة عابد، من [٤]، تقدم في ٤٥/ ٥٣. ٦ - (أنس بن مالك) بن النضر بن ضَمْضَم أبو حَمْزَة خادم رسول الله ﷺ ﵁ تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.

стр. 3220

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم غير شيخه، فتفرد به هو، وأبو داود. ومنها: أنهم ما بين مصريين؛ وهم الثلاثة الأولون، ومدنيين؛ وهم الباقون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عبدِ رَبِّهِ عن ثابت. ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين المسبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁ (أنَّ الصلوات الخمس) بفتح همزة "أن"، لأن الجملة في تأويل المصدر مفعول "حَدَّثَ"، (فُرِضَت) بالبناء للمفعول، أي أظهر للناس وجوبها (بمكة) قبل الهجرة إلى المدينة، ليلة المعراج، كما تقدم إيضاحه في الباب السابق. (وأن ملكين) بفتح "أن" أيضًا عطفًا على "أنَّ الصلوات"، وقد تقدم اختلاف الروايات في الملائكة الذين أتوه، هل هما اثنان أم ثلاثة؟ في الحديث (٤٤٨) (أتيا رسول الله ﷺ ، فذهبا به إِلى) بئر (زمزم، فشقا بطنه)، وتقدم أن الشق من النحر إلى مَرَاقِّ البَطنِ،

стр. 3221

(وأخرجا حَشْوَه) قال السندي ﵀: هكذا في نسختنا -وهو بفتح فسكون- أي ما في بطنه، وفي نسخة السيوطي "حُشوته" وهي بالضم والكسر: الأمعاء. اهـ. قلت: المعنى واحد. (في طَست) بالفتح والكسر، وتقدم الكلام على ضبطه ومعنا في (٤٤٨)، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي وَضَعَاهُ في طست (من ذهب)، وتقدم سبب اختصاص الطست وكونه من ذهب، في حديث الرقم المذكور، (فغسلاه بماء زمزم) فيه أن ماء زمزم أفضل من غيره. (ثم كَبَسَا) بفتح الكاف والباء، قال المجد في "ق": كَبَسَ البِئْرَ وَالنَّهْرَ يَكْبسُهُمَا: طَمَّهُمَا بالتُّرَاب، وقَال أيْضًا: "طَمَّ الإنَاءَ: مَلأَهُ، والرِّكِيَّةَ، يَطِمُّهَا -بالكسر، ويَطُمُّهَا- بَالضم: دَفَنَهَا، وسَتَرَهَا اهـ. فتبين بهذا أن معنى قوله (ثم كبسا جوفه) أي ملآه، وقوله: (حكمةً وعلمًا) منصوبان على التمييز، وفي "الكبرى" "حِكْمَةً وإيمَانًا" وهو الموافق للرواية المتقدمة في الباب السابق. وقال السندي: "ثم كبسا جوفه" أي ستراه "حكمةً وعلمًا" أي حال كونه ذا حكمة وعلم. اهـ. قال الجامع: ما قدمته هو الأوضح. والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته:

стр. 3222

حديث أنس ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا في "المجتبى" (٤٥٢) وفي "الكبرى" (٣١٦) بسند "المجتبى"، وقال: قال أبو عبد الرحمن: عبد ربه بن سعيد، ويحيى بن سعيد، وسعد بن سعيد بن قيس بن قهد (١) الأنصاري، وهم ثلاثة إخوة، ويحيى بن سعيد أجَلُّهم، وأنْبَلُهُم، وهو أحد الأئمة، وليس بالمدينة بعد الزهري في عصره أجل منه، وعبد ربه ثقة، وسعد ضعيف. اهـ جـ ١ ص ١٤١. قال الجامع: قوله في نسبه: ابن سعيد بن قيس بن قهد، لا يصح كما قاله البخاري في التاريخ الكبير، والصحيح في نسبه أنه ابن سعيد بن قيس بن عمرو بن سَهْل بن ثَعْلَبَةَ بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النَّجَّار. انظر "تت" جـ ١١ ص ٢٢١، و"تهذيب الكمال" جـ ٣١ ص ٣٤٧. والله تعالى أعلم. تنبيه: هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره. انظر "تحفة الأشراف" جـ ١ ص ١٤٥. والله تعالى أعلم.

стр. 3223

المسألة الثالثة: في فوائده: منها: بيان محل فرض الصلوات الخمس، وهو مكة، وهو محل الترجمة للمصنف، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم. ومنها: بيان فضل النبي ﷺ حيث أكرمه الله تعالى بشق بطنه وغسل ما فيه مما ينافي كمال العبودية؛ من حظوظ النفس والشيطان. ومنها: إظهار معجزة باهرة له في هذا العمل؛ حيث إنه لم يتأثر بجروح، ولا قَرِحَ مَحَلُّ الشق. ومنها: بيان فضل ماء زمزم على غيرها من المياه؛ حيث غسل بها باطنه ﷺ . ومنها: بيان أنه ﷺ مُلِىَء حكمًة وعلمًا، وهذا من فضل الله العظيم، قال الله تعالى ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 3224

٣ - بَابُ كيفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواب سؤال السائل عن كيفية فرض الصلاة. هل فرضها الله تعالى أن تصلى على هيئة صلاة الحضر، أم على هيئة صلاة السفر؟ ٤٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (إسحاق بن إِبراهيم) بن مَخْلد بن إبراهيم، أبو محمد، أو أبو يعقوب المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة حافظ مجتهد، قرين الإمام أحمد، من [١٠]، وتقدم في ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الهِلالِي مولاهم الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، من كبار [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الفقيه الحُجَّة

стр. 3225

الحُجَّة رأس الطبقة [٤]، تقدم في ١/ ١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام أبو عبد الله الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري. ومنها: أن فيه روايةَ تابعي عن تابعي، الزهري عن عروة. ومنها: أن عروة هو أحد الفقهاء السبعة. ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂، أنها قالت: (أوَّل ما فرضت الصلاة ركعتين) هكذا في بعض النسخ؛ بنصب "ركعتين" على الحال لعامل محذوف، تقديره: فُرِضَت حال كونها ركعتين، وأولَ منصوب على الظرفية متعلق بالفعل المقدر، و"ما" مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فرضت حال كونها ركعتين، أو "ما" موصولة عبارة عن
следующие страницы →