(وأخرجا حَشْوَه) قال السندي ﵀: هكذا في نسختنا -وهو بفتح فسكون- أي ما في بطنه، وفي نسخة السيوطي "حُشوته" وهي بالضم والكسر: الأمعاء. اهـ. قلت: المعنى واحد.
(في طَست) بالفتح والكسر، وتقدم الكلام على ضبطه ومعنا في (٤٤٨)، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي وَضَعَاهُ في طست (من ذهب)، وتقدم سبب اختصاص الطست وكونه من ذهب، في حديث الرقم المذكور، (فغسلاه بماء زمزم) فيه أن ماء زمزم أفضل من غيره.
(ثم كَبَسَا) بفتح الكاف والباء، قال المجد في "ق": كَبَسَ البِئْرَ وَالنَّهْرَ يَكْبسُهُمَا: طَمَّهُمَا بالتُّرَاب، وقَال أيْضًا: "طَمَّ الإنَاءَ: مَلأَهُ، والرِّكِيَّةَ، يَطِمُّهَا -بالكسر، ويَطُمُّهَا- بَالضم: دَفَنَهَا، وسَتَرَهَا اهـ.
فتبين بهذا أن معنى قوله (ثم كبسا جوفه) أي ملآه، وقوله: (حكمةً وعلمًا) منصوبان على التمييز، وفي "الكبرى" "حِكْمَةً وإيمَانًا" وهو الموافق للرواية المتقدمة في الباب السابق.
وقال السندي: "ثم كبسا جوفه" أي ستراه "حكمةً وعلمًا" أي حال كونه ذا حكمة وعلم. اهـ.
قال الجامع: ما قدمته هو الأوضح. والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 3222
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا في "المجتبى" (٤٥٢) وفي "الكبرى" (٣١٦) بسند "المجتبى"، وقال: قال أبو عبد الرحمن: عبد ربه بن سعيد، ويحيى بن سعيد، وسعد بن سعيد بن قيس بن قهد (١) الأنصاري، وهم ثلاثة إخوة، ويحيى بن سعيد أجَلُّهم، وأنْبَلُهُم، وهو أحد الأئمة، وليس بالمدينة بعد الزهري في عصره أجل منه، وعبد ربه ثقة، وسعد ضعيف. اهـ جـ ١ ص ١٤١.
قال الجامع: قوله في نسبه: ابن سعيد بن قيس بن قهد، لا يصح كما قاله البخاري في التاريخ الكبير، والصحيح في نسبه أنه ابن سعيد بن قيس بن عمرو بن سَهْل بن ثَعْلَبَةَ بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النَّجَّار. انظر "تت" جـ ١١ ص ٢٢١، و"تهذيب الكمال" جـ ٣١ ص ٣٤٧. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره. انظر "تحفة الأشراف" جـ ١ ص ١٤٥. والله تعالى أعلم.
стр. 3223
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: بيان محل فرض الصلوات الخمس، وهو مكة، وهو محل الترجمة للمصنف، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
ومنها: بيان فضل النبي ﷺ حيث أكرمه الله تعالى بشق بطنه وغسل ما فيه مما ينافي كمال العبودية؛ من حظوظ النفس والشيطان.
ومنها: إظهار معجزة باهرة له في هذا العمل؛ حيث إنه لم يتأثر بجروح، ولا قَرِحَ مَحَلُّ الشق.
ومنها: بيان فضل ماء زمزم على غيرها من المياه؛ حيث غسل بها باطنه ﷺ .
ومنها: بيان أنه ﷺ مُلِىَء حكمًة وعلمًا، وهذا من فضل الله العظيم، قال الله تعالى ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 3224
٣ - بَابُ كيفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواب سؤال السائل عن كيفية فرض الصلاة.
هل فرضها الله تعالى أن تصلى على هيئة صلاة الحضر، أم على هيئة صلاة السفر؟
٤٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إِبراهيم) بن مَخْلد بن إبراهيم، أبو محمد، أو أبو يعقوب المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة حافظ مجتهد، قرين الإمام أحمد، من [١٠]، وتقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الهِلالِي مولاهم الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، من كبار [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الفقيه الحُجَّة
стр. 3225
الحُجَّة رأس الطبقة [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام أبو عبد الله الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري.
ومنها: أن فيه روايةَ تابعي عن تابعي، الزهري عن عروة.
ومنها: أن عروة هو أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها قالت: (أوَّل ما فرضت الصلاة ركعتين) هكذا في بعض النسخ؛ بنصب "ركعتين" على الحال لعامل محذوف، تقديره: فُرِضَت حال كونها ركعتين، وأولَ منصوب على الظرفية متعلق بالفعل المقدر، و"ما" مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فرضت حال كونها ركعتين، أو "ما" موصولة عبارة عن
стр. 3226
وقت، وجملة "فر ضت الصلاة" صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فرضت حال كونها ركعتين.
وفي بعض النسخ: "ركعتان" بالرفع، وعلى هذا يكون مرفوعًا على الابتداء، والظرف قبله خبره، والتقدير: ركعتان كائنتان في أول فرض الصلاة. والله أعلم.
ثم إنَّ المرادَ به الصلاة التي تختلف حَضرًا وَسَفرًا، فلا يستشكل بالمغرب والفجر.
وقد وردت زيادة توضح المراد في مسند أحمد ﵀ "إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا".
(فأقرت صلاة السفر) فعل ونائب فاعله، أي رَجَعَت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر بحيث كأنها مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلًا، فلا يشكل بأن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ …﴾ الآية [النساء: ١٠١]، يفيد أن صلاة السفر قصرت بعد أن كانت تامة، فكيف يصح القول بأنها أقرت؟ وأيضًا اندفع أن يقال مُقْتَضَى هذا الحديث أن الزيادة على الركعتين لا يصح، ولا يجوز كما في صلاة الفجر، فكيف كانت عائشة تتمها في السفر؟ فليتأمل. قاله السندي ﵀.
(وأتمت صلاة الحضر)، وفي الكبرى للمصنف "وَزِيَد في الحَضَر" أي بعد الهجرة إلى المدينة، لمَا عند البخاري في كتاب الهجرة من طريق
стр. 3227
قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ، فَفُرِضَتْ أربعًا".
وقد أخذ بهذا الحديث الحنفية، وقالوا: إن القصر عزيمة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل قريبًا إن شاء الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثاني: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا (٤٥٣) وفي "الكبرى" (٣١٧) بسند الباب. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن محمد، عن سفيان، عن الزهري بسند المصنف، وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن علي بن خشْرَم، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: أنه استدل الحنفية بحديث عائشة ﵂ على أن القصر في السفر عزيمة، لا رخصة.
واحتج مخالفوهم بقوله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ لأن نفي الجُنَاح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
стр. 3228
ويدل على أنه رخصة أيضا قوله ﷺ : "صدقة تصدق الله بها عليكم". وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره.
قال الحافظ ﵀: وفي هذا الجواب نظر، أمَّا أوَّلًا فهو مما لا مَجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي، وهو حجة، لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي ﷺ ، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك.
وأما قول إمام الحرمين: "لو كان ثابتًا لَنُقِلَ متواترًا" ففيه نظر أيضًا، لأن التواتر في مثل هذا غير لازم.
وقالوا أيضًا: يعارض حديثَ عائشة هذا حديثُ ابن عباس "فُرضَت الصلاُة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين" أخرجه مسلم. ويأتي للمصنف بعد حديثين.
والجواب أنه يمكن الجمع بين حديثي عائشة وابن عباس بحمل حديث عائشة على ما آل إليه الأمر من التخفيف، فيتفق مع حديث ابن عباس ﵃.
وألْزَمُوا الحنفيةَ على قاعدتهم -فيما إذا عارض رأيُ الصحابي رِوايتَه- بأنهم يقولون: العبرةُ بما رأى، لا بما رَوَى، وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت أنها كانت تُتِمُّ في السفر، فدل على أن المروي عنها غير ثابت.
стр. 3229
والجواب عنهم أنَّ عروة الراوي عنها قد قال لما سُئِلَ عن إتمامها في السفر: إنها تأولت كما تأوَّلَ عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها، وبين رأيها، فروايتها صحيحة، ورأيها مبني علي ما تأولت.
قال الحافظ ﵀. والذي يظهر لي -وبه تجتمع الأدلة السابقة- أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم زِيدَت بعد الهجرة عَقِبَ الهجرة، إلا الصبح، كماَ رَوى ابنُ خزيمة وابنُ حبان والبيهقيُّ من طَريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: "فُرِضَت صلاةُ الحَضَر ركعتان ركعتان، وتُرِكَت صلاةُ الفجر لطول القراءة، وصلاةُ المغرب، لأنها وتر النهار".
ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خُفّفَ محها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء، آية: ١٠١].
ويؤيد ذلك ما ذكره ابنُ الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره؛ أن نزول آية الخوف كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدُّولابِيُّ، وأورده السُّهَيلِيُّ بلفظ "بَعْدَ الهجرةِ بعام، أو نحوه"، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا.
стр. 3230
فعلى هذا المرادُ بقول عائشة "فأقرَّت صلاةُ السفر" أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استَمَرَّت منذ فَرِضَت، فلا يلزم من ذلك أنَّ القصر عزيمة. اهـ. "فتح الباري" جـ ١ ص ٥٥٣، ٥٥٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في وجه الجمع حسن جدًّا. ويؤيد عدمَ كون القصر عزيمًة ما يأتي للمصنف من طريق العلاء بن زُهَير الأزدي عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة ﵂: "أنها اعتَمَرَتْ مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قَصَرْتَ، وأتْمَمْتُ، وأفطَرْتَ، وصُمْتُ؟ قال: أحسنتِ يا عائشة، وما عاب عليَّ".
والحديث ضعفه ابن حزم بجهالة العلاء، وردَّ عليه ذلك عبدُ الحق، وقال: بل هو ثقة مشهور، والحديث الذي رواه في القصر صحيح، وتناقض فيه ابن حبان؛ فقد ذكره في الثقات، وقال في الضعفاء: يَروِي عن الثقات ما لا يُشْبِهُ حديثَ الأثبات، فَبَطَل الاحتجاجُ به فيما لم يوافق الثقات، ورده الذهبي بأن العبرة بتوثيق يحيى، يعني ابن معين، فقد وثَّقَهُ. انظر "تت" جـ ٨ ص ١٨١.
وسيأتي تحقيق الكلام في المسألة في "كتاب تقصير الصلاة" إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 3231
٤٥٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ، أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوَّلَ مَا فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُتِمَّتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن هاشم) بن سعيد القرشي (البعلبكي) بفتحات وسكون العين المهملة: نسبة إلى بعلبك مدينة بالشام على ١٢ فرسخًا من دمشق. اهـ لب اللباب بزيادة جـ ١ ص ١٣٥. صدوق، توفي سنة ٢٥٤، من [١٠].
وفي "تت": أبو عبد الله البَعْلَبكيُّ، قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقالَ: يُغَرِّبُ، قال عمرو بن دُحيم: مات ببعلبك سنة ٢٥٤، وكان مولده في شهر ربيع الأول سنة ١٦٧، وقال مسلمة بن قاسم: صدوق مشهور. اهـ "تت" باختصار. انفرد به
المصنف.
٢ - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي،
стр. 3232
ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من [٨].
وفي "تت": الوليد بن مسلم القرشي مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو الوليد الدمشقي عالم الشام. قال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وقال أبو مسهر: كان الوليد مُعْتَنيًا بالعلم، وكان من ثقات أصحابنا، وفي رواية: من حفاظ أصحابنا، ووثقه العجلي
ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وعن أحمد قال: كان الوليد رَفَّاعًا، وعنه كان كثيرَ الخطأ، وعن أبي مسهر: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَرِ حديثَ الأوزاعي، كان أبو السفر كَذَّابًا، وعنه: كان الوليد يحدث حديثَ الأوزاعي عن الكذابين، ثم يدلسها عنهم، وعن الهيثم ابن خارجة قال: قلت للوليد: قد أفْسَدتَ حديثَ الأوزاعي، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري، ويحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي، وبين نافع: عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري: إبراهيم بن مُرَّة، وقُرَّة، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنَبِّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قلت: فإذا رَوَى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء ضعفاء أحاديثَ مناكير، فأسقطتهم أنت وَصيَّرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّفَ الأوزاعُّي، قال: فلم يلتفت إلى قولي.
وقال الدارقطني: كان الوليد يرسل، يَروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي،
стр. 3233
فيُسقِطُ أسماءَ الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي، عن نافع، وعن عطاء ولد سنة ١١٩، وتوفي سنة ١٩٤، وقيل: ١٩٥، وقيل: ١٩٦، أخرج له الجماعة اهـ "تت" باختصار جـ ١١ ص ١٥١ - ١٥٥.
٣ - (أبو عمرو الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، توفي سنة ١٥٧ من [٧]، أخرج له الجماعة وتقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الحجة من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير أبو عبد الله المدني الفقيه الحجة، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فانفرد هو به، ونصفهم الأول شاميون، والثاني مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن عروة، ورواية الراوي عن خالته.
стр. 3234
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا.
ومنها: قوله "يعني الأوزاعي"، والقائل هو شيخ المصنف، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هو المصنفَ، وإنما أتى بها لأن شيخه لم ينسبه، فأراد نسبته، ففصل كلامه من كلام شيخه، قال في ألفية الأثر:
وَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أوْ وَصَفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُو مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ يَعْنِي أوْ بِانَّ أوْ بِهُو … أمَّا إِذا أتَمَّهُ أوَّلهُ
أجِزْهُ في البَاقي لَدَى الجُمْهُورِ … والفَصْلُ أولَى قَاصِرَ المَذْكُورِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: فرض الله الصلاةَ على رسوله ﷺ أولَ ما فرضها) منصوب على الظرفية متعلق بفَرَضَ، و"ما" مصدرية، أو موصولة واقعة على الأوقات، والعائد محذوف، والتقدير: في أول فَرْضهَا، أو في أول الأوقات التي فَرَضَهَا فيها (ركعتين ركعتين) بالتكرار، ليفيد عموم التثنية لكل صلاة رباعية، ولولاه لكان فيه إيهامُ أنَّ الفريضة في السفر والحضر ما كانت إلا فردَ ركعتين فقط.
قال الكرماني: فإن قلتَ: لِمَ انْتَصَبَ "ركعتين"؟ قلتُ: بالحالية، فإن قلتَ: ما حكم لفظ "ركعتين" الثاني؟ قلتُ: هو تكرار للفظ الأول
стр. 3235
وهما في الحقيقة عبارة عن كلمة واحدة، نحو مَثْنَى، وذلك كالحُلْوِ الحَامِضِ، القائمِ مَقَامَ المُزِّ. اهـ.
(ثم) بعد الهجرة إلى المدينة (أتمَّت) الصلاة، أي زيد عليها ركعتان، فصارت أربعًا (في الحضر) أَي في حال كون المكلف بها مقيمًا بالحضر (وأقِرَّت صلاة السفر على الفريضة الأولى) وتقدم أن معنى "أقرت": رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر، فكأنها مقرَّرةٌ على الحالة الأولى. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه هنا (٤٥٤) بهذا السند فقط.
المسألة الثالثة: أنه مما انفرد به المصنف من بين الكتب الستة.
وفوائده تقدمت في الحديث الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ.
стр. 3236
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلانِيّ، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٠ عن ٩٠ سنة، من [١٠]، وتقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الشهير المدني، من [٧]، وتقدم في ٧/ ٧.
٣ - (صالح بن كيسان) بفتح الكاف وسكون الياء- المدني مُؤَدِّب أولاد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، توفي بعد سنة ١٣٠ أو بعد سنة ١٤٠، من [٤]، وتقدم في ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - و (عروة) و (عائشة) تقدما في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأنّ روِاته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه فَبَغْلانِّي، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ صالح عن عروة.
والحديث مضى مشروحًا قريبًا، فلا حاجة إلى إعادته. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
حديث عائشة هذا أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بسند المصنف،
стр. 3237
وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، عن مالك به، وأخرجه أبو داود؛ في الصلاة أيضًا عن القعنبي، عن مالك به. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن علي) الفَلاسُ الصَّيْرفِيّ، أبو حَفْص البصري، ثقة حافظ أحد مشايخ الستة، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، وتقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ التميمي، أبو سعيد القَطَّان البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، توفي سنة ١٩٨، عن ٧٨ سنة، من كبار [٩]، وتقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حَسَّان، أبو سعيد العَنْبَرِي مولاهم البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بأحوال الرجال والأحاديث، توفي سنة ١٩٨، عن ٧٣ سنة، من [٩]، وتقدم في ٤٢/ ٤٩.
стр. 3238
٤ - (أبو عَوَانَةَ) وَضَّاحُ بن عبد الله اليَشْكُرِي الواسطي البَزَّازُ، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، توفي سنة ١٧٥ أو ١٧٦، من [٧].
وفي "تت" الوضاح بن عبد الله اليشكري، مولى يزيد بن عطاء، كان من سَبْيِ جُرْجَان. قال ابن مهدي: كتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم، وعن يحيى القطان: ما أشبه حديثه بحديث شعبة وسفيان، وقال عَفَّانُ: كان أبو عوانة صحيح الكتاب كثير العجم والنقط، وكان ثبتًا، وأبو عوانة في جميع حاله أصح حديثا عندنا من شعبة (١).
وعن أحمد: إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه رُبَّمَا وَهِمَ، وعن ابن معين: أبو عوانة جائز الحديث، وحديث يزيد بن عطاء ضعيف، ثبت حديث أبي عوانة، وسقط مولاه يزيد بن عطاء.
وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه، وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا، وهو صدوق ثقة، وهو أحب إليَّ من أبي الأحوص، ومن جرير، وهو أحفظ من حماد بن سلمة، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، ووهيب أحفظ منه، وقال
موسى بن إسماعيل: كل شيء قد حدثتك، فقد سمعته.
وقال العجلي: أبو عوانة بصري ثقة، وقال ابن شاهين في الثقات:
стр. 3239
قال شعبة: إن حدثكم أبو عوانة عن أبي هريرة فصدقوه، وقال ابن مهدي: أبو عوانة وهُشَيم كهمَّام وسعيد، إذا كان الكتاب فكتاب أبي عوانة وهمام، وإذا كان الحفظ فحفظ هشيم وسعيد؛ وقال تمتام عن ابن معين: كان أبو عوانة يقرأ، ولا يكتب.
وقال الدوري عن ابن معين؛ وذكر أبا عوانة، وزهيَر بنَ معاوية، فَقدَّم أبا عوانة، وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفًا، لأنه كان قد ذهب كتابه، وكان أحفظ من سعيد، وقد أغرب في أحاديث، وقال يعقوب بن شيبة: ثبت صالح الحفظ صحيح الكتاب.
وقال ابن خراش: صدوق في الحديث، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حَدَّثَ من كتابه، وقال: إذا حدث من حفظه ربما غَلِطَ.
وعن أحمد ويحيى: ما أشبه حديث أبي عوانة بحديث الثوري وشعبة، وكان أمينا ثقة، وكان أبو عوانة مع ثقته وأمانته يفزع من شعبة، فأخطأ شعبة في اسم خالد بن علقمة، فقال مالك بن عُرْفُطَةَ، وتابعه أبو عوانة على خطئه بعد أن كان رواه على الصواب.
وقال ابن عدي: كان مولاه قد فوض إليه التجارة، فجاءه سائل، فقال له: أعطني درهمين لأنْفَعَكَ فأعطاه، فدار السائل على رؤساء البصرة، فقال: بَكِّروا على يزيد بن عطاء، فقد أعتق أبا عوانة فاجتمع إليه الناس، فأنف من أن ينكر حديثه، وأعتقه حقيقة.
стр. 3240
وحَكَى ابنُ حبَّان قصة عتقه، علي صفة أخرى، وحكاها أسلم بن سهل علي صفة أَخرى. والله أعلم وأخرج له الجماعة. اهـ "تت" باختصار وتصرف (١).
٥ - (بكير بن الأخنس) السدوسي، ويقال: الليثي الكوفي، ثقة، من [٤]، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم أعاده في أتباع التابعين من الثقات قال. وقد قيل. إنه سمع من أنس بن مالك، وقال ابن سعد: رَوَى عن الصحابة، وهو قليل الحديث، وعن أبي داود، قال: شيخ جائز الحديث، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال البخاري في "التاريخ الكبير": بكير بن الأخنس، ويقال: ابن فيروز، رَوَى عنه أبو عوانة، وأما ابن أبي حاتم ففرق بينهما، وقال أبو حاتم. هو قديم؛ ما روى عنه شعبة، ولا
الثوري، فلا أدري كيف روى عنه أبو عوانة، ولا أين لقيه؟ حكاه عن أبيه في العلل. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون إلا الترمذي. اهـ. "تت".
٦ - (مجاهد) بن جَبْر أبو الحَجَّاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم، توفي سنة ١٠١ أو ١٠٢ أو ١٠٣ أو ١٠٤، وله ٨٣ سنة، من [٣]، وتقدم في ٢٧/ ٣١.
٧ - (ابن عباس) عبد الله الحَبْر البحر ﵁ وتقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
стр. 3241
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات حُفَّاظ، وأنهم بصريون، إلا بُكَيْرًا فكوفي، ومجاهدًا فمكي، وأما أبو عوانة فواسطي، ويقال: بصري.
ومنها: أن فيه عَمْرو بن علي وهو من مشايخ الستة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ بكيرٍ عن مجاهد.
ومنها: أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: فُرِضَتِ الصلاةُ) فعل ونائب فاعله، وعند أبي داود: "فرض الله الصلاة"، والمراد الصلاة الرباعية، كما تقدم (على لسان النبي ﷺ ، في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين)، وفي حالة (الخوف ركعة) واحدة.
فيه دليل لمن يقول: إن صلاة الخوف ركعة واحدة، وبه قال الثوري، وإسحاق، وهو مروي عن أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وغير واحد من التابعين، ومنهم من قَيَّدَهُ بشدة الخوف، وقال الجمهور: قَصْرُ الخوفِ قَصْرُ هَيْئَة، لا قصرُ عَدَد، وتأوَّلُوا هذا الحديث بأنَّ المراد بها ركعة مع الإمام، وليس فيه نفيُ الثانية وسيأتي
стр. 3242
تحقيق القول في ذلك مع ترجيح القول الأول، في كتاب صلاة الخوف، إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثاني: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه ﵀ هنا في "المجتبى" (٤٥٦) وفي "الكبرى" (٣١٨) عن عمرو بن علي الفَلاس عن يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن أبي عوانة، وفي (١٥٣٢) "المجتبى" و (١٩٢٠) "الكبرى"- عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وفي (١٤٤١) "المجتبى"، و (١٨٩٩) "الكبرى" عن محمد بن وهب الحَرَّاني، عن محمد بن سَلَمَةَ، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أيوب بن عائذ، عن بكير بن الأخنس، به وفي (١٤٤٢) "المجتبى"، و (١٩٠٠) "الكبرى" عن يعقوب ابن ماهان، عن القاسم بن مالك، عن أيوب بن عائذ به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني،
стр. 3243
وقتيبة، أربعتهم عن أبي عوانة به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشُّعَيْثِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ لاِبْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا قَالَ اللهُ : "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ"؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَانَا، وَنَحْنُ ضُلاَّلٌ، فَعَلَّمَنَا، فَكَانَ فِيمَا عَلَّمَنَا أَنَّ اللهَ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. قَالَ الشُّعَيْثِيُّ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المِصِّيصِيُّ، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٧١، وقيل: قبل ذلك، من [١١].
وفي "تت" أبو يعقوب الأنْطَاكِيُّ، قال النسائي: ثقة حافظ، وقال ابن أبي حاتم: كَتَبَ إلَيَّ بِبَعْضِ حديثه، وهو صدوق، وقال مَسْلَمَةُ بن
стр. 3244
قاسم: ثقة حافظ، وأبوه ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات بعد سنة ٢٦٥، وقال ابن قانع، وابن منده: مات سنة ٢٧١، وفيها أرَّخَهُ القراب. انفرد به المصنف.
٢ - (حجاج بن محمد) المِصِّيصِيُّ الأعور، أبو محمد الترمذي الأصل، نَزِيلُ بغداد، ثم المصيصَة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لمّا قَدِمَ بغداد، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]، وتقدم في ٢٨/ ٣٢.
٣ - (محمد بن عبد الله) بن المُهَاجِر (الشُّعيْثِيُّ) بمعجمة، ثم مهملة، ثم مثلثة مصغرًا، نسبة إلى بطن من بَلْعَنْبَرِ بن عَمْرو بن تمَيم، صدوق، توفي سنة بضع و ١٥٠، من [٧].
وفي "تت": محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي النَّصْرِي، ويقال: العُقَيلي الدمشقي، قال أبو حاتم عن دُحَيْمٍ: كان ثقة، وكان قديمًا يَرْوِي عن مكحول، وقال المفضل بن غَسَّان الغلابي: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم
الرازي: ضعيف الحديث ليس بالقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
وقال أبو زرعة الدمشقي: سألت أبا سفيان عبيد الله بن سِنَان النصري، عن تاريخ موت محمد بن عبد الله الشعيثي؟ قال: قد رأيته وجالسته، مات بعد سنة ١٥٤ بيسير. أخرج له الأربعة.
٤ - (عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام) هكذا في جميع
стр. 3245
النسخ نُسِبَ أبوه إلى جده، وهو عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، صدوق، من [٦].
وفي "صة": له عندهما فرد حديث. وفي "تت": روى عن أبيه، وعن أمية بن عبد الله بن خالد. وعنه ابن عمه مهاجر بن عكرمة ابن عبد الرحمن، والزهري، ومحمد بن عبد الله الشُّعَيْثيُّ، ومُكَمَّل ابن أبي سَهْل. وَسمَّاهُ ابنُ سَعْد لَمَّا عَدَّ أولادَ أبي بكر بن عَبَد الرَّحمنِ:
عَبدَ الرحمن، وقال ابن خلفون: وَثَّقَهُ ابن عبد الرحيم، وَذكره ابن عدي، ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه. أخرج له المصنف، وابن ماجه. اهـ.
٥ - (أمية بن عبد الله بن خالد بن أسِيد) -بفتح الهمزة وكسر السين المهملة- بن أبي العِيص بن أمية الأموي المكي، ثقة، توفي سنة ٨٧، من [٣].
وفي "تت": قال ابن سَعْد: كان قليلَ الحديث، وقال العجلي: ثقة، ولكن سَمَّى أباه عبدَ الرحمن. وقال الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّار: استعمله عبد الملك ابن مروان على خُرَاسان، وقال ابن الجارود: ليس له صحبة. قيل: مات سنة ٨٧، وقيل: ٨٦. أخرج له المصنف، وابن ماجه.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
стр. 3246
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأنّ رواته موثقون، وأن شيخه من أفراده، وأنهم ما بين مِصِّيصِيَّيْنِ وهما: شيخه وحجَّاج، ودمشقي وهو: الشُّعَيْثِيُّ، ومدنيين وهما: عبد الله بن أبي بكر وابن عمر، ومكي وهو: أمَيَّةُ، وفيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسِيد) بفتح فكسر، الأموي المكي (أنه قال لـ) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ﵄: (كيف تُقْصَرُ الصلاةُ) ببناء الفعل للمفعول، والصلاة نائب فاعله، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل مسندًا إلى ابن عمر.
والمراد قصر الصلاة في السفر بدون خوف مع أن الرخصة في القرآن مقَّيدة به، كما أوضحه بقوله (وإِنما قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾) فَذَكَر القصرَ للخوف ولم يذكر للسفر وحده، وعند ابن ماجه: "أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر، وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر" (فقال) له (ابن عمر: يا بن أخي) أي في الدين (إِن رسول الله ﷺ أتانا) مرسلًا من عند الله تعالى (و) الحال (نحن ضُلال) جمع
стр. 3247
ضَالّ، أي غير مهتدين لمعرفة شرع الله تعالى (فعلَّمَنَا) جميعَ الشرع، (فكان في) جملة (ما علَّمنا) من الشرع (أن الله أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر) بفتح همزة "أن"؛ لأنَّ الجملة في تأويل المصدر اسم "كان" مؤخرًا. يعني أن قصر الصلاة في السفر من جملة ما أمر الله به.
وأراد ابن عمر ﵄ بهذا أن يُبَيِّنَ لأمَيَّةَ بن عبد الله أن النبي ﷺ أعْلَمُ بمعاني القرآن ومقاصده، وهو المبِّينُ الذي أوجب الله قبول بيانه على الناس جميعًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فما أجمل فيه بينه بقوله أو فعله، فكل ما قاله، أو فَعَلَه فهو بيان للقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] فلا يسع أحدًا إلا
اتباعه في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقد حَذَّرَ النبيُّ ﷺ أن يقولَ من بَلَغَهُ حديثُهُ ﷺ : لم نجد هذا في كتاب الله تعالى.
فعن أبي رافع ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألْفِيَنَّ أحدَكم مُتَّكِئًا على أرِيكَتِهِ، يأتيه الأمُر من أمري، مما أمرت به، أو نَهَيْتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.
وعن المقدام بن معدي كرب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثلَه معه، لا يُوشك رجلٌ
стр. 3248
شَبْعَانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فَأحِلُّوهُ، وما وجدتم فيه من حرام فَحَرِّمُوه وإنَّ ما حرم رسولُ الله ﷺ كما حرَّم اللهُ … ". الحديث رواه أبو داود وغيره بسند صحيح.
والحاصل أن ما ثبت عنه ﷺ قولًا أو فعلًا يجب قبوله، وإن لم يوجد نصًا في القرآن، لأنه وحي مثله، كلٌ من عند الله تعالى. والله أعلم.
(قال) محمد بن عبد الله (الشُّعَيْثِيُّ: وكان) محمد بن مسلم (الزهري يحدث بهذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر) ابن عبد الرحمن بن الحارث المذكور. ورواية الزهري أخرجها المصنف في كتاب تقصير الصلاة (١٤٣٤) عن قتيبة، عن الليث عنه، عن عبد الله ابن أبي بكر نحوه.
ولَعَلَّ مرَادَ الشعيثي بهذا أنه سمع هذا الحديث عن الزهري، عند عبد الله بن أبي بكر، ثم لَقِيَ عبد الله نفسه، فسمعه منه، فحدث به عنه، وبيّن سماعه بواسطة أيضًا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 3249
أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٥٧) بهذا السند، وأخرجه في "كتاب تقصير الصلاة" (١٤٣٤) وفي "الكبرى" برقم (١٨٩٢) عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أمية بن عبد الله بن خالد، أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄ إلخ نحوه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن رمح، عن الليث، عن ابن شهاب نحوه. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: سؤال أهل العلم إذا خَفيَ على الشخص وجه تشريع بعض الأحكام؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [النحل: ٤٣]
ومنها: بيان العالم المسألة بدليلها عند الإجابة.
ومنها: أن بعض الأحكام ثبت بنص الكتاب، وبعضها ثبت بالسنة، وما ثبت بالسنة يجب العمل به كما يجب العمل بما ثبت في الكتاب. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رَجَاء الثَّقَفِيُّ البَغْلانيّ، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله المدني الإمام الشهير، من [٧]، وتقدم في ٧/ ٧.
٣ - (أبو سهيل) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، عَمُّ مالك الراوي عنه، ثقة، مات بعد سنة ١٤٠، من [٤]، أخرج له الجماعة.
وفي "تت": أبو سهيل التيمي المدني حليف بني تيم، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: من الثقات، وقال الواقدي: كان يؤخذ عنه القراءة بالمدينة، هلك في إمارة أبي العباس، وقال ابن خراش: كان صدوقًا. اهـ.
٤ - (مالك) بن أبي عامر الأصبحي، سَمِعَ من عمر، ثقة، توفي سنة ٦٤ على الصحيح، من [٢].
وفي "تت": أبو أنس، ويقال: أبو محمد، جد مالك بن أنس الفقيه. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وقال: فرض له عثمان، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة.
وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابنه الربيع:
стр. 3252
مات أبي حين اجتمع الناس على عبد الملك، يعني سنة ٧٤ وَوَهِمَ عبدُ الغني في الكمال تبعًا لابن سعد عن الواقدي، فقال: إنه مات سنة ١١٢ وهو ابن سبعين، أو اثنتين وسبعين سنة. وتعقبه المنذري بأن سماعه من طلحة مُصَرَّح به في الصحيح، وطلحة قتل سنة ٣٦ وعلى ما ذكره يكون مولده سنة ٤٠، فكيف يمكن سماعه؟، ثم قال: فلعل الوهم كان في سنه، والصواب ٩٠ بتقديم التاء. انتهى.
قال الحافظ: وهو مشكل أيضًا، فقد صح سماعه من عمر، فإنه قال: شهدت عمر عند الجمرة وذكر قصة أوْرَدَها ابن سعد بسند جيد، والصواب ما ذكر في الأصل، وكذا ذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين. اهـ أخرج له الجماعة.
٥ - (طلحة بن عُبَيْد الله) بن عثمان بن عَمْرو بن كَعْب بن تَيْمِ بن مُرَّةَ التيمي أبو محمد المدني، أحد العشرة، والستة الشُّورَى، وأحدُ الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وضَرَبَ له النبيُّ ﷺ بسهم يوم بدر، وأبْلَى يَوْمَ أحُدٍ بلاءً شديدًا.
له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة، روى عنه مالك بن أبي عامر، والسائب بن يزيد، وقيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النهدي.
وعن عائشة: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله لطلحة، وسَمَّاه النبيُّ ﷺ طلحةَ الخير، وطلحة الجود، وطلحة
стр. 3253
الفَيَّاض؛ قال قيس بن أبي حازم: رأيت يَدَ طلحة شَلاءَ، وَقَى بها النبيَّ ﷺ يوم أحد.
ورُوي من وجوه عن النبي ﷺ قال: "طلحة ممن قضى نَحْبَهُ"، استشهد يوم الجمل سنة ٣٦ وخلف ثلاثين ألف درهم، ومن العين ألفي ألف ومائتي ألف دينار. أخرج له الجماعة. اهـ "صة" ص ١٨٠.
وفي "تت": وقال أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف العلماء الثقات في أن مَرْوَان قَتَلَ طلحةَ. وعن قيس بن أبي حازم: كان مروان -يعني ابن الحكم- مع طلحة والزبير يوم الجمل، فلما شَبَّ الحربُ قال: إني لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرمى طلحةَ بسهم، فأصاب ركبته، فمات منه، وعنَ علي ﵁ أنه قال لعمران بن طلحة: إني لأرجو أن يجعلني الله وأبَاكَ من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧] اهـ. باختصار وتصرف. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم أجلاء، واتفقوا على التخريج لهم، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فبَغْلانِيّ، وأنّ فيه رواية الراوي عن عمه، عن أبيه: مالك، عن أبي سهيل، عن أبيه، وأن أبا سهيل، ووالده، وطلحة: هذا البابُ أوَّلُ محلٍّ ذكروا فيه.
وقال العيني: وطلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عبيد الله اثنان؛ هذا أحدهما، وثانيهما: التيمي، وكان يسمى أيضًا طلحة الخير،
стр. 3254
فأشكل على الناس. اهـ. "عمدة" جـ ١ ص ٢٦٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سهيل) نافع بن مالك، (عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي (أنه سَمِعَ طلحةَ بنَ عبيدِ الله) ﵁ (يقول) في محل نصب على الحال، أو مفعول ثان لسمع، على خلاف في ذلك بين النحاة (جاء رجل) جزم ابن بطال وآخرون بأنه ضِمَام بنُ ثعلبَة، وَافِدُ بني سعد بن بكر، قال الحافظ: والحامل لهم على ذلَك إيراد مسلم لَقصتة عَقِبَ حديث طلحة، ولأن في كل منهما أنه بَدَوِيّ، وأن كلًا منهما قالَ في آخر حديثه: "لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه"، لكن تعقبه القرطبي بأن سياقهما مختلف، وأسئلتهما متباينة، قال: ودَعوَى أنهما قصة واحدة دعوى فَرَط، وتكلف شطط من غير ضرورة. والله أعلم.
وقوَّاه بعضهم بأن ابن سعد وابن عبد البر وجماعة لم يذكروا لضمام إلا الأول، وهذا غير لازم. اهـ. "فتح" جـ ١ ص ١٣١.
(إِلى رسول الله ﷺ ) متعلق بجاء (من أهل نجد) متعلق بمحذوف صفة لرجل، و"نجد" -بفتح النون وسكون الجيم- قال الجوهري: نجد من بلاد العرب، وما كان فَوقَ العالية، والعاليةُ: ما كان فوق نجد إلى أرض تهامة إلى ما وراء مكة، فما كان دون ذلك إلى أرض العراق فهو نجد، ويقال له أيضًا: النَّجْد -أي بفتح فسكون- والنُّجُد -أي بضمتين- لأنه في الأصل صفة. قاله في اللسان جـ ٦
стр. 3255
ص ٤٣٤٦.
وقال المجدُ: النَّجد: ما أشْرَفَ من الأرض جمعه: أنجْدٌ، وأنْجَادٌ، ونجَادٌ -بالكسر- ونُجُودٌ- بالضم، ونُجُدٌ -بضمتين-، وجمع النُّجُود: أنْجِدَة، والطريقُ الواضحُ المرتفعُ، وما خالف الغَوْرَ، أي تَهامَةَ، وتضم، جميعة مُذَكَّر، أعلاه تِهامَةَ واليمنُ، وأسفله العِرَاقُ والشامُ،
وأوله من جهة الحجاز ذات عرق. اهـ "ق"
(ثائر الرأس) بالرفع صفة لرجل، والنصب على الحال من رجل، وإنما جاز نصبه على الحال مع إضافته إلى الرأس، وشرط الحال أن تكون نكرة؛ لكون إضافته لفظية لا تفيد التعريف، وإنما تفيد التخفيف. أفاده الكرماني.
وإنما جاز تأخيره عن صاحبه مع أن صاحب الحال إذا كان نكرة وجب تقديم الحال عليه؛ لكونه موصوفا بالجار والمجرور، قال في "الخلاصة":
ولَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأخَّرْ أوْ يُخَصَّصْ أوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفيٍ أوْ مُضَاهِيهِ كَلا … يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلا
ومعنى "ثائر الرأس": مُنْتَفِش شعر الرأس، والمواد أنَّ شعره متفرق من عدم الرفاهية، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوِفَادَة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغةً، أو لأن الشعر منه نَبَتَ. قاله في "الفتح"
стр. 3256
جـ ١ ص ١٣١.
(نسمع) بالنون على بناء الفعل للفاعل، أو بالياء على بناءه للمفعول، وكذا قوله: "ولا نفهم" كما أفاده في الفتح (دويّ صوته) مفعول به لنسمع على الأول، ونائب فاعل على الثاني.
والدَّويُّ -بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء- وحكي ضم الدال، وصوب القاضي عياض الفتح.
قال الخطابي: الدوي صوت مرتفع متكرر لا يُفْهَمُ، وإنما كان كذلك لأنه نَادَى من بعد، ويقال: الدوي بُعْدُ الصوت في الهواء وعُلُوُّه، ومعناه: صوت شديد لا يفهم منه شيء، كدوي النحل.
وقال الشيخ قطب الدين: هو شدة الصوت وبعده في الهواء، مأخوذ من دوي الرعد، ويقال: هو شدة صوت لا يفهم، فلما دَنَا فُهِمَ كلامه، فلهذا قال: "فلما دنا فإذا هو يسأل" وقال الجوهري: دوي الريح: حَفِيفُها، وكذلك دَوِيُّ النحل والطائرِ. اهـ. "عمدة" جـ ١ ص ٣٦٦.
(ولا نفهم ما يقول) بالضبط المذكور آنفًا، و"ما" موصولة، و"يقول" صلتها، والعائد محذوف، أي لا نفهم الكلام الذي يقوله (حتى دنا)، "حتى" هنا للغاية بمعنى "إلى" أي: إلى أن دنا، أي قَرُبَ من مجلسهم (فإِذا هو يسأل)، "إذا" هنا للمفاجأة، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناه
стр. 3257
الحال لا الاستقبال، وهي حرف، وقيل: ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان. وقوله "هو" مبتدأ، وجملة "يسأل" خبره (عن الإسلام) أي عن شرائع الإسلام. ويحتمل أنه يسأل عن حقيقة الإسلام. وإنما لم يذكر له الشهادة، لأنه عَلمَ أنه يَعْلَمُهَا أو عَلمَ أنه إنما يسأل عن الشرائع
الفعلية، أو ذَكَرَها ولم ينقَلها الراوي لشهرتهَا.
وإنما لم يذكر الحج إمّا لأنه لم يكن فُرِضَ بَعْدُ، أو الراوي اختصره، ويؤيد الثاني ما أخرجه البخاري في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال: "فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فدخل فيه باقي المفروضات، بل المندوبات". قاله في الفتح، وسيأتي مزيد بسط على هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
(فقال له رسول الله ﷺ : "خمس صلوات") يجوز فيه الرفع والنصب والجر؛ أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدإ محذوف، أي هي خمس صلوات، وأما النصب فعلى تقدير "خذ" خمس صلوات، أو نحوها، وأما الجر فعلى أنه بدل من الإسلام، وفيه حذف أيضا، أي إقامة خمس صلوات، لأن عين الصلوات الخمس ليست عين الإسلام، بل إقامتها من شرائع الإسلام. أفاده العيني.
وفيه أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس، خلافًا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحى، أو صلاة العيد، أو الركعتين بعد المغرب. قاله في "الفتح" جـ ١ ص ١٣٢.
стр. 3258
(قال) الرجل السائل (هل علي غيرهن)، "هل" للاستفهام، "وعليّ" جار ومجرور خبر مقدم، و"غيرهن" مبتدأ مؤخر.
والمعنى: هل يجب عَلَيّ غير هذه الصلوات الخمس من جنس الصلاة، وإلا لا يصح النفي في الجواب ضرورة أن الصوم والزكاة غيرهن. أفاده السندي.
(قال) ﷺ (لا) أي ليس يجب عليك شيء غيرهن (إلا أن تَطَّوَّع)
استثناء من قوله "لا".
و"تطوع" بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتاءين، فأدغمت الثانية في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، كما قال في الخلاصة:
وَمَا بِتَاءَيْن ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ العِبَرْ
وهل المحذوفة هي الزائدة، لزيادتها، أو الأصلية، لأن الزائدة جيء بها لإفادة معنى، فلو حُذفَت لَفَاتَ الغرض الذي زيدت من أجله، فيه خلاف بين البصريين والكَوفيين، ويجوز إظهار التاءين أيضًا من غير إدغام. وقال النووي: والمشهور التشديد.
ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. واستدل به من قال إن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
стр. 3259
(قال) ﷺ (وصيام شهر رمضان) عطف على "خمس" بالأوجه الثلاثة (قال) الرجل (هل عليّ غيره؟) من جنس الصيام (قال) ﷺ (لا) يجب عليك غيره (إلا أن تطوع) بالضبط المتقدم ومعناه، قال الراوي: (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة) أي بَيَّنَ له في جملة ما بَيَّن من الفرائض، وجوب الزكاة.
وكان الراوي -وهو طلحة بن عبيد الله- نسي ما نص عليه رسول الله ﷺ والتبس عليه، فقال: وذكر له الزكاة.
وفيه أن من التبس عليه شيء من الألفاظ ينبغي له أن يشير في لفظه إلى ما يُنِبىءُ عنه، كما فَعَل الراوي هنا. أفاده البدر العيني ﵀. "عمدة" جـ ١ ص ٢٦٨.
وفي رواية إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني بما فَرَضَ اللُه عليّ من الزكاة، قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام.
قال الحافظ: فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجْملَت، منها بيانُ نُصُب الزكاة، فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أَسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن المُتَمَسِّك بالفرائض نَاجٍ، وإن لم يفعل النوافل. اهـ. "فتح" جـ ١ ص ١٣٢.
(قال) الرجل (هل عليّ غيرهما) أي غير الزكاة من الحقوق المتعلقة بالمال (قال) ﷺ (لا) أي لا يجب عليك غيرها (إلا أن تطوع)
стр. 3260
بالضبط المتقدم ومعناه، قال طلحة: (فأدبر الرجل) من الإدبار، وهو التَّوَلِّي، أي ذهب مُوَلِّيًا دُبُرَهُ إليهم (وهو يقول) جملة حالية من الرجل (والله) وفي رواية إسماعيل بن جعفر، فقال: والذي أكرمك (لا أزيد على هذا) أي لا أزيد على هذا الذي ذكرتَ لي (ولا أنقص منه) من باب قَتَلَ من النقص، وفي لغة ضعيفة من الإنقاص رباعيًّا.
قال العلامة الفَيُّومِيُّ: نَقَصَ نَقْصًا من باب قتل، ونُقْصَانًا، وانْتَقَصَ: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدًا حقَّهُ، وانتقصته مثله. اهـ. "المصباح" جـ ٢ ص ٦٢١.
قال الجامع عفا الله عنه: وما هنا من المتعدي، حذف مفعوله، أي لا أنقص منه شيئًا، كما بُيِّنَ في رواية إسماعيل بن جعفر "لا أتطوع شيئًا، ولا أنقُصُ مما فرض الله عليّ شيئًا".
وفي هذا الحديث جواز الحلف في الأمر المهم.
(قال رسول الله ﷺ : أفلح) أي فاز وظَفِرَ ببُغْيَتِهِ، من الإفلاح، وهو الفوز والبقاء، وقيل: هو الظَّفَرُ وإدراكَ البُغْيَة، وَقيل: إنه عبارة