← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

ينتصب على الاستثناء. قاله العيني في "العمدة" جـ ٥ ص ٦٤. (ولم يكن يومئذ أحد يصلي غير أهل الدينة) فـ "أحد" اسم يكن، وخبرها جملة "يصلي"، وإعراب "غَيْرُ" كسابقه. والمراد به أنها لا تُصَلَّى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة إلا بالمدينة، وبه صرح الداودي، لأن مَنْ كَانَ بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سِرًا، وأما غير مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها. قاله فَي "الفتح" جـ ٢ ص ٦٧. قال الجامع عفا الله عنه: فإن قيل: أين موضع الاستدلال لفضل العشاء من هذا الحديث؟ أجيب بأنه قوله: "إنه ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم"، فكأنه يقول: إن هذه الصلاة من خصوصياتكم، فاللائق بكم أن تَعْتَنُوا بالانتظار بها، لأن الانتظار كالاشتغال بها أجرًا. ويؤيد ذلك ما وقع عند الطبراني من طريق طاوس عن ابن عباس ﵄ "فخرج النبي ﷺ ، فقال: "ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم". أفاده في "الفتح" جـ ٢ ص ٦٢، والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.

стр. 3467

المسألة الثانية: في ديان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٤٨٢) عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عنها. وفي "كتاب المواقيت" (٢١/ ٥٣٥) عن عمرو بن عثمان، عن محمد ابن حمير، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن الزهري، وعن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة، عنها. وفي (٥٣٦) عن إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد، كلاهما عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، عنها. وفي "الكبرى" في "الصلاة" (٤/ ٣٨٩) بسند الباب. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" (٥٦٦) عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن، عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها. وفي (٥٦٩) عن أيوب بن سليمان، عر أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، به. وفي (٨٦٢) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. قال البخاري: وقال عياش: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا معمر، عن الزهري، به. وفي (٨٦٤) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن

стр. 3468

الزهري، به. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن بُكَير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، به. وعن عمرو بن سَوَّاد، وحَرْمَلَة بن يحيى، كلاهما عن يونس، عن الزهري به، وعن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد ابن حاتم، كلاهما عن محمد بن بكر، وعن حجاج بن الشاعر، ومحمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق -وعن هارون بن عبد الله الحَمَّال، عن حجاج بن محمد- ثلاثتهم عن ابن جريج، عن المغيرة بن حَكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر ﵄، عنها. والله تعالى أعلمَ. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان فضل العشاء، كما تقدم تقريره، وقال الحافظ عند قول البخاري: "باب فضل العشاء": ما حاصله: إنه لم ير من تكلم على هذه الترجمة، فإنه ليس في الحديثين - يعني اللذين أوردهما البخاري، ومنهما حديث عائشة هذا- ما يقتضي اختصاصَ العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنه مأخوذ من قوله "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" فعلى هذا، في الترجمة حذف، تقديره: "باب فضل انتظار العشاء" والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٥٧. فاعترضه العيني بأن مطابقته للترجمة من حيث إن العشاء عبادة، قد اختصت بالانتظار لها من بين سائر الصلوات، وبهذا ظهر فضلها، فحسن قوله: "باب فضل العشاء". اهـ. "عمدة" جـ ٥ ص ٦٣.

стр. 3469

ومنها: مشروعية الإعلام للإمام ليخرج إلى الصلاة. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والحلم؛ حيث لم ينكر على عمر حين ناداه، لكن عند مسلم من رواية يونس عن ابن شهاب، قال ابن شهاب: "وذُكِر لي أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله ﷺ للصلاة"، وذلك حين صاح عمر. ومعنى تنزروا -بفتح التاء، وسكون النون، وضم الزاي- أي تُلِحُّوا عليه. ورُوِي بضم أوله بعدها موحدة، ثم راء مكسورة، ثم زاي، أي تخرجوا. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦٠. ومنها: أنه استَدَلَّ به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء. قال في الفتح: ولا دلالة فيه؛ لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعدًا متمكنًا، أو لاحتمال أن يكون مضطجعًا لكنه توضأ وإن لم ينقل، اكتفاءً بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء. اهـ. جـ ٢ ص ٦٠. ومنها: ما كان عليه الصحابة من اهتمامهم بصلاة الجماعة؛ حتى يحضر النساء والصبيان. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3470

٢٠ - بَابُ صَلاةِ الْعِشَاءِ فِي السّفَر أي هذا باب ذكر الحديث الدال على عدد صلاة العشاء في حالة السفر. ٤٨٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، قَالَ: صَلَّى بِنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، بِإِقَامَةٍ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ. رجال الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد -بموحدة، وراء مصغرا- الجَرْمي -بفتح الجيم، وسكون الراء- صدوق، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٠/ ١٣٠. ٢ - (بهز بن أسد) العَمِّي أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، توفي بعد سنة ٢٠٠، وقيل قبلها، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٨.

стр. 3471

٣ - وأما (شعبة) فقد تقدم قبل بابٍ برقم (٤٨١). ٤ - (الحكم) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلا أنه رُبَّما دَلَّسَ، توفي سنة ١١٣ أو بعدها، عن نيف وستين سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٤. وأما سعيد، وابن عمر فتقدما مع شعبة (٤٨١). وكذا بيان لطائف الإسناد. وشيخ المصنف هنا من أفراده. وشرح الحديث والمسائل المتعلقة به تقدمت هناك، فارجع إليها تزدد علمًا. وموضع الترجمة واضح من قوله: "ثم صلى العشاء ركعتين". والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ، فَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي هَذَا الْمَكَانِ.

стр. 3472

وهذا الحديث هو الحديث المذكور آنفًا، إلا أن شعبة هنا رواه عن سلمة بن كُهَيل، وهناك عن الحَكَم، وقد مَضَى مشروحًا برقم (٤٨١) فارجع إليه تزدد علمًا. وقوله: "فأقام، فصلى … " إلخ، الفاء عاطفة عطفَ مُفَصَّلٍ على مُجْمَل، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] الآية، وقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] الآية، وقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] الآية (١). فَعَطَفَ جملةَ "فأقام" على قوله "صلى" للتفصيل. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3473

٢١ - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ هكذا النسخ المصرية والهندية، فضل صلاة الجماعة، وهي غير واضحة، اللهم أن يريد فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر، وإلا ففضل صلاة الجماعة سيأتي في كتاب الإمامة برقم (٤٢/ ٨٣٧) وأشار في الهندية إلى أن في بعض النسخ "باب فضل صلاة الفجر"، وهو الذي في الكبرى برقم (٥٧/ ٤٥٩) "فضل صلاة الفجر"، وهو أوضح، وأنسب لما تقدم من قوله "باب فضل صلاة العصر"، وقوله "باب فضل صلاة العشاء"، فتأمل. ٤٨٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ".

стр. 3474

رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله الإمام الحافظ الحجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (أبو الزِّنَاد) عبد الله بن ذَكْوَان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، وأبو الزناد لقبه، ثقة فقيه، توفي سنة ١٣٠، وقيل بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، توفي سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر، أو عبد الله بن عمرو -على ما قاله البخاري وصححه الترمذي في جامعه- ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، أخرج لهم الجماعة.

стр. 3475

ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه فبغلاني، وهي قرية من قرى بلخ. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة. ومنها: أن أبا هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثا، رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال "يتعاقبون") أي تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين، أو رجلين بأن يأتي هذا مرة، ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش؛ أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدة، ثم يأذن لهم مي الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. قال القرطبي: الواو في قوله: "يتعاقبون" علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث، وهم القائلون: "أكلوني البراغيث"، ومنه قول الشاعر: (من الطويل) بِحُوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقَارِبُهْ (١)

стр. 3476

وهي لغة فاشية، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] الآية، قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة، ولها وجه من القياس واضح. وقال غيره في تاويل الآية: قوله ﴿وَأَسَرُّوا﴾ عائد على الناس المذكورين أوّلًا ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من الضمير. وقيل: التقدير أنه لَمَّا قيل: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قيل: من هم؟ قال: الذين ظلموا، حكاه الشيخ محيي الدين، والأول أقرب، إذ الأصل عدم التقدير. وتوارد جماعة من الشراح على أن حديث الباب من هذا القبيل، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيان زاعمًا أن هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتجَّ بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ "إن لله ملائكةً يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار … " الحديث. قال الحافظ ﵀: وقد سومح في العزو إلى مسند البزار مع أن الحديث بهذا اللفظ في الصحيحين، فالعزو إليهما أولى، وذلك أن هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في الموطأ، ولم يختلف عليه باللفظ المذكور، وهو: "يتعاقبون فيكم"، وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه. أخرجه سعيد بن منصور عنه. وقد أخرجه البخاري في "بدء الخلق" من طريق شعيب بن أبي حمزة،

стр. 3477

عن أبي الزناد بلفظ "الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار". وأخرجه النسائي أيضًا من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزناد بلفظ "إن الملائكة يتعاقبون فيكم"، فاختلف فيه على أبي الزناد. فالظاهر أنه كان تارة يذكره هكذا، وتارة هكذا، فيقوى بحث أبي حيان، ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رواه تامًا، فأخرجه مسلم من طريق هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عُقْبَةَ، لكن بحذف "إنَّ" من أوله. وأخرجه ابن خزيمة والسَّرَّاج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ "إنَّ لله ملائكة يتعاقبون" وهذه هي الطريقة التي أخرجها البزار. وأخرجه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح من طريق أبي موسى، عن أبي هريرة بلفظ "إن الملائكة فيكم يتعاقبون". وإذا عرفت ذلك فالعزو إلى الطريق التي تتحد مع الطريق التي وقع القول فيها أولى من طريق مغايرة لها، فليعز ذلك إلى تخريج البخاري، والنسائي من طريق أبي الزناد؛ لما أوضحته. اهـ كلام الحافظ في "فتح" جـ ٢ ص ٤٢. (فيكيم) أي المصلين، أو مطلق المؤمنين (ملائكة) جمع مَلَكٍ، واختلف في اشتقاقه، قيل: من الألُوكِ، وقيل: من المألُك، وقيل: غير ذلك. قال في "المصباح": ألكَ بين القوم، ألْكًا، من بَابِ ضَرَبَ، وألُوكًا،

стр. 3478

أيضًا: تَرَسَّلَ، واسم الرِّسَالة مَألُكٌ بضم اللام، وَمَألَكُةٌ أيضًا بالهاء، ولامُها تضم وتفتح، والملائكةُ مشتقة من لفظ الألُوك، وقيل: من المَألَكِ، الواحد: ملك، وأصله مَلأك، ووزنه مَعْفَل، فنقلت حركة الهمزةَ إلى اللام، وسقطت، فوزنه مَعَلٌ، فإنَّ الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأكَ: إذا أرسل، فَمَلأك مَفْعَل، فنقلت الحركة، وسقطت الهمزة، وهي عين، فوزنه مَفَلٌ، وقيل: غير ذلك. اهـ. جـ ١ ص ١٨، ١٩. فملائكة بالرفع فاعلُ "يتعاقبون" على كون الواو علامة، أو بدلٌ من الضمير على جعل الواو ضميرًا، أو بيان، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، أو مبتدأ خبره قبله. ثم قيل: المراد بهم الحفظة، نقله عياض، وغيره عن الجمهور. وتردد ابن بزيزة. وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم. قال الحافظ: ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غيرُ حَفَظَة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله "كيف تركتم عبادي". اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٤٣. (ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر) قال الزين ابن المُنَيِّر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك مُنَزَّل على حالين. قال الحافظ. وهو ظاهر.

стр. 3479

وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع، لا في الشخص. وقال القاضي عياض ﵀: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده، وإكرامه لهم بأنْ جَعَل اجتماعَ ملائكته في حال طاعة عباده، لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة. قال الحافظ ﵀: وفيه شيء، لأنه رجَّحَ أنهم الحفظة، ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الآخر "إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما"، فمن ثَمَّ وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه. (ثم يعرج) من باب قتل، أي يصعد الملائكة (الذين باتوا فيكم) يقال: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتُوتَة، ومَبِيتًا، وَمَبَاتًا، فهو بَائِتٌ: إذا فَعَلَ فِعْلًا بالليل، كما اخَتص الفعل في "ظَلَّ" بالنهار، وقد تأتي بمعنى "صار"، يقال: بات بموضع كذا، أي صَارَ بِهِ، سواء كان في ليل، أو نهار، وبَاتَ يَبَاتُ من باب تَعِبَ لغة. اهـ. المصباح باختصار.

стр. 3480

قال الجامع: المناسب هنا معنى "صار"، فيشمل الحديثُ الذين كانوا معهم ليلًا، والذين كانوا معهم نهارًا، ولا داعي إلى التكلفات الآتية. وقال في الفتح: اختُلِفَ في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظَلُّوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع، وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين وغيره. ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارًا. ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على هذا الشِّقِّ دون الآخر أن الليل مظنة المعصية، فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار، لكون النهار محل الاشتهار. وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صَلَّوُا الفجرَ عَرَجُوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لَبِثُوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار، قال الحافظ: وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار

стр. 3481

لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث، كما سيأتي، ثم هو مبني على أنهم الحفظة، وفيه نظر، لما سنبينه، وقيل: بناه أيضًا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون، ويتعاقبون، ويؤيده ما رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة له من طريق الأسود بن يزيد النخعي، قال: "يلتقي الحارسان -أي ملائكة الليل، وملائكة النهار- عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة الليل، وتلبث ملائكة النهار". وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا، وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر، وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى، فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمر ذلك، فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خُصَّ السؤال بالذين باتوا. والله أعلم. وقيل: إن قوله في هذا الحديث "ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر" وَهَمٌ، لأنه ثَبَتَ في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة

стр. 3482

الفجر من غير ذكر صلاة العصر، كما في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه "وتجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر"، وقال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل والنهار. ورَوَى ابنُ مَرْدويه من حديث أبي الدرداء نحوه. قال ابن عبد البر ﵀: ليس في هذا دَفْعٌ للرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية، والحديثِ الآخرِ عدمُ اجتماعهم في العصر، لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية. قال الحافظ ﵀: وبحثه الأول مُتَّجِهٌ، لأنه لا سبيل إلى ادعاء توهيم الراوي الثقةِ مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة، وَلِمَ لا يُقاَلُ: إن رواية مَن لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار واقعٌ من تقصير بعض الرواة، أو يُحْمَلُ قوله: "ثم يعرج الذين باتوا" على ما هو أعم من البيت بالليل، والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار، ولا عكسه، بل كل طائفة

стр. 3483

منهم إذا صَعِدَت سُئِلَت، وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ "بات" في "أقام" مجازًا، ويكوَن قوله. "فيسألهم" أي كُلًا من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويَدُلُّ على هذا الحملِ رواية موسى بنِ عقبة، عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه "ثم يعرج الذين كانوا فيكم" فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار، ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة. قال: وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين. وذلك فيما رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وأبو العباس السَّرَّاج جميعًا عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر، وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل، وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار، وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ " الحديث. وهذه الرواية تزيل الإشكال، وتُغْنِي عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٤٤. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى والأرجح عندي ما رجحه

стр. 3484

الحافظ قبل هذا، وهو عدم دعوى الاختصار، والاقتصار في رواية الباب، لأن معنى "باتوا فيكم": صاروا معكم، وقد تقدم ما نقلته من عبارة المصباح في ذلك، ويؤيد ذلك رواية النسائي المتقدمة؛ "ثم يعرج الذين كانوا فيكم". وهذه الرواية رواية ابن خزيمة والسَّرَّاج مُوَضِّحَة لهذا المعنى، فلا داعي لدعوى التقصير من بعض الرواة. والحاصل أن معنى "ثم يعرج الذين باتوا فيكم" ثم يصعدون الذين كانوا معكم، سواء الذين كانوا معهم ليلًا، والذين كانوا معهم نهارًا، فيشمل السؤال الطائفتين بنص هذا الحديث، فلا إشكال. والله أعلم. تنبيه: استدل بعض الحنفية بهذا الحديث على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ آخر النهار، وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة، ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النهار، وبعضُ النهار باقٍ، وتقيم ملائكة الليل. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ٤٣. قال الجامع: هذا التوجيه الثاني هو الواضح، وأما الأول فلا يصح، لأن دعوى تأخرهم بعد الصلاة ينافيه قوله في الحديث: "تركناهم وهم يصلون"، وأيضا الاستدلال المذكور تعارضه النصوص

стр. 3485

التي تدت عدى استحباب تعجيل صلاة العصر، وهي صريحة تقدم على المفهوم، وسيأتي تحقيق ذلك في باب تعجيل العصر من كتاب المواقيت، إن شاء الله تعالى. وأما اعتراض العيني على الحافظ في هذا التوجيه فهو مجرد اعتراض لم يستند إلى دليل، فلا يلتفت إليه، فتبصر. (فيسألهم) هكذا النسخ بدون ذكر الفاعل، وفي الصحيحين "فيسألهم ربهم"، ففي رواية المصنف يقدر ضمير يعود إلى المعلوم من المقام، يدك عليه قوله "عبادى"، أي هو، أي ربهم على رأي جمهور النحاة، أو هو من باب حذف الفاعل لدليل على رأي الكسائي، أي ربهم. قيل: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة مَنْ قَالَ من الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، أي وقد وجد فيهم من يسبح، ويقدس مثلكم بنص شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو أعلم من الجميع بالجميع.

стр. 3486

(وهو أعلم بهم) أي بالمصلين من الملائكة، فحذف صلة أفعل التفضيل. (كيف تركتم عبادي؟) قال ابن أبي جمرة: وقع السؤال عن آخر الأعمال، لأن الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسئول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] (فيقولون) أي الملائكة المسئولون (تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) لم يراعوا الترتيب الوجودي، لأنهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال، لأنه قال: "كيف تركتم"، ولأن المخبر به صلاة العبادة، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله. وقوله "تركناهم وهم يصلون" ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تمت أم منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها، أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: "وهم يصلون" أي ينتظرون صلاة المغرب. قال الجامع: الاحتمال الأول أولى لأنه الذي يقتضيه ظاهر الحديث. والله أعلم. وقال ابن التين: الواو في قوله "وهم يصلون" واو الحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء

стр. 3487

الصلاة، فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها لأنا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك. قال الجامع: الظاهر أنهم فارقوهم، وهم يصلون، ولا يلزم من ذلك معارضة النصوص التي تدل على شهودهم، لأن الشهود لا يستلزم انقضاء الصلاة، على أن هؤلاء الذين فارقوا قد اجتمعوا مع الذين بَقُوا معهم، فالصلاة لم تخل من شهود الملائكة من أولها إلى آخرها، والله أعلم. وقال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سُئِلُوا عنه، لأنهم عَلِمُوا أنه سؤال يَسْتَدْعِي التَّعَطُّفَ على بني آدم، فزادوا في موجب ذلك. ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث "فاغفر لهم يوم الدين". اهـ. فتح جـ ٢ ص ٤٥. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:

стр. 3488

أخرجه هنا (٤٨٥)، وفي "النعوت" في "الكبرى"، عن قتيبة، عن مالك، وعن الحارث بن مسكين، عن القاسم، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، وفي "التوحيد" عن إسماعيل وعن قتيبة، كلهم عن مالك به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر. ومنها: أن الصلاة أعلى العبادات بعد الشهادتين؛ لأنه وقع عنها السؤال والجواب. ومنها: أن فيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين، لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة. ومنها: الإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، قال الحافظ: وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه، وفي عمله، ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما.

стр. 3489

ومنها: أن فيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره. ومنها: أن فيه الإخبار بالغيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان. ومنها: الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ، ونتحفظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رُسُلِ ربنا، وسؤال ربنا عنا. ومنها: إعلامنا بحب الملائكة لنا لنزداد فيهم حبًا، ونتقرب إلى الله بذلك. ومنها: كلام الله تعالى مع ملائكته. ومنها: ما استنبطه منه بعض الصوفية من أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شيئًا من أموره إلا وهو على طهارة، كشعره إذا حلقه، وظفره إذا قَلَمَهُ، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك (١). قال الجامع: وفي هذا الاستنباط بعد. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٦ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمْعِ

стр. 3490

عَلَى صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَيَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. رجال الإسناد: ستة ١ - (كَثِيرُ بنْ عُبَيد) بن نُمَير المَذْحِجِيُّ، أبو الحسن الحمصي الحَذَّاء المقرئ، ثقة، من [١٠]. قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن أبي داود: كان يقال: إنه أمَّ بأهل حمص ستين سنة، فما سَهَا في صلاته قط، قال عبد الغني بن سعيد: فذاكرت بذلك أبا الحسين أحمد بن محمد بن عمر بن عامر الفرضي الحمصي، فقال: قيل لكثير بن عبيد في ذلك؟ فقال: ما دخلت من باب المسجد قط، وفي نفسي غيرُ الله. ووثقه مسلمة بن قاسم، وأبو بكر بن أبي داود، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ٢٥٠ أو قبلها بقليل، أو بعدها، وكان من خيار الناس. وقيل: مات سنة ٢٤٧، والأول أصح. روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. اهـ. "تت" جـ ٨ ص ٤٢٣، ٤٢٤ بتصرف. ٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلاني الحِمْصي الأبْرَش -بالمعجمة- ثقة، توفي سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة. تقدم في

стр. 3491

١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزبيدي) محمد بن الوليد، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من أكابر أصحاب الزهري، توفي سنة ١٤٦ أو ١٤٧ أو ١٤٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦. والزبيدي -مصغرًا- نسبة إلى قبيلة من مَذْحِج، كما في "اللب" جـ ١ ص ٣٧٣. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم، الإمام الحجة الفقيه الثبت، توفي سنة ١٢٥، من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المُسَيِّب) بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشي المخزومي المدني، أحد الفقهاء الكبار، توفي بعد سنة ٩٠ وقد ناهز ٨٠ سنة، من كبار [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩. ٦ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، أخرج لهم الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

стр. 3492

ومنها: أنهم ما بين حمصيين، وهم مَنْ قبل الزهري، ومدنيين، وهم الباقون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن سعيدًا هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع سائر الناس. ومنها: أن فيه أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء؛ الإخبار والتحديث والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: "تفضل صلاة الجمع) وفي النسخ "صلاة الجميع" وهي رواية البخاري، أي تزيد صلاة الجميع، والإضافة بمعنى "في"، لا بمعنى اللام، قاله العيني. وقال السندي: الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجمع، أي الجماعة، أو بحذف المضاف، أي صلاة آحاد الجميع، وإلا فليس المطلوب تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاته باعتبار الحالين. اهـ. (على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا) وفي رواية ابن عمر ﵄ "بسبع وعشرين درجة"، فيحمل على أنه

стр. 3493

أوحِيَ إليه أولًا بخمس وعشرين، ثم بسبع وعشرين، تفضلًا من الله تعالى، حيث زاد درجتين، أو يحمل على أن المراد بالعدد التكثير لا التحديد. وسيأتي تمام البحث في "كتاب الإمامة" (٤٢/ ٨٣٧) إن شاء الله تعالى. (ويجتمع ملائكة الليل، و) ملائكة (النهار في صلاة الفجر) فيه بيان مَزِيَّة صلاة الفجر جماعة، حيث إن الملائكة تجتمع في وقتها، ومثلها صلاة العصر، كما تقدم في الحديث السابق، فلذلك حَثَّ الشارعُ على المحافظة عليهما، ليكون من حضرهما تَرْفَعُ الملائكة عمله، وتشفع له. (واقرؤوا إِن شئتم) أي إن أردتم أن تعرفوا مصداق ذلك من كتاب الله تعالى، فاقرؤوا هذه الآية ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ بالنصب عطفًا على الصلاة، من قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، أي وأقم قرآن الفجر، أو منصوب على الإغراء، أي وعليك قرآن الفجر، على رأي من يقول: إن أسماء الأفعال تعمل مقدرة، ويقدر على رأي غيرهم "الْزَمْ قرآن الفجرِ" ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي صلاة الصبح، سميت قرآنًا، وهو القراءة، لأنهَا ركن منها، لا تجوز الصلاة إلا بها، كما سميت ركوعًا، وسجودًا، وقنوتًا؛ أي قيامًا، وإنما خص القراءة بالتسمية هنا للحث على تطويل القراءة فيها. ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي محضورًا؛ تحضره الملائكة.

стр. 3494

قال السندي: ولا يخفى أن طائفة من الملائكة على البدلية تشهد الصلوات كلها، وكلتا الطائفتين لا يحضرون صلاة الفجر أو العصر بتمامهما أيضًا، لقولهم: "تركناهم وهم يصلون"، فكأنهم يشهدون القرآن جميعًا، ثم تذهب طائفة عند تمام الركعة الثانية من الفجر، أو الرابعة من العصر قبل الفراغ من الصلاة. فليتأمل. والله تعالى أعلم. اهـ. قال الجامع: وهذا الذي قاله توجيه وجيه. والله أعلم. تنبيه: الظاهر أن قوله: "واقرؤوا إن شئتم" من قول النبي ﷺ ، لكن عند الشيخين، قال أبو هريرة: "اقرؤوا إن شئتم" الحديث، وهذا يدل على أنه من قول أبي هريرة، وللترمذي في التفسير من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: "تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار" وصححه، وهذا يشهد للأول، ولا تنافي بينهما، لإمكان كون أبي هريرة تارة يرفعه، وتارة يذكره هو من عند نفسه. والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

стр. 3495

أخرجه المصنف هنا (٤٨٦) وفي الكبرى (٤٦١) عن كثير بن عُبَيد، عن محمد بن حرب، عن الزُّبَيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. وفي ٤٢/ ٨٣٨ وفي "الكبرى" ٤٢/ ٩١٢ عن قتيبة عن مالك، عن ابن شهاب به. وفي الملائكة من "الكبرى" عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن أبيه، وَبقِيَّةَ بن الوليد، كلاهما عن شعيب، به. والله تعالى أعلم. الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما، عنه. وأخرجه مسلم في "الصلاة" أيضًا عن أبي بكر بن محمد بن إسحاق، عن أبي اليمان، به. وبقية مباحث الحديث تأتي في "كتاب الإمامة" إن شاء الله تعالى. ومناسبة الحديث للباب واضحة مما ذكرناه أول الباب، فتنبه. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا:

стр. 3496

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ". رجال الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفَلاس الصَّيْرَفيُّ البصري، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يعقوب بن إِبراهيم) أبو يوسف الدَّوْرَقِيُّ البغدادي، ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢١/ ٢٢. ٣ - (يحيى بن سعيد) القَطَّان البصري، ثقة متقن إمام حجة، توفي سنة ١٩٨، من كبار [٩]، تقدم في ٤/ ٤. ٤ - (إِسماعيل) بن أبي خالد البجلي أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من [٤]، تقدم في ٤٧١. ٥ - (أبو بكر بن عُمَارَة بن رُوَيبة) الثقفي الكوفي، مقبول، من [٣]، تقدم في ٤٧١. ٦ - (عمارة بن رويبة) الثقفي صحابي نزل الكوفة، توفي بعد سنة ٧٠، تقدم في ٤٧١.

стр. 3497

وأما الحديث فقد مضى برقم (١٢/ ٤٧١) في "باب فضل صلاة العصر"، أخرجه هناك عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن مسعر، وإسماعيل بن أبي خالد، والبَخْتَري بن أبي البَخْتَري، الثلاثة عن أبي بكر بن عُمَارة، عن أبيه، وتقدم هناك ذكر ما يتعلق به من المسائل، فلا نطيل الكتاب بإعادته، فارجع إليه تزدد علمًا. وأورده المصنف هنا في "فضل الجماعة"، وإن كان غير صريح فيه، لأنه إذا كان هاتان الصلاتان مانعتين من دخول النار لمن صلاهما، فأداؤهما مع الجماعة يكون أكمل وأفضل، فيستفاد منه فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر، والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".

стр. 3498

٢٢ - بَابُ فَرْضِ الْقِبْلَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كون استقبال القبلة في الصَّلاة فرضًا. وأشار في الهندية إلى أن في بعض النسخ "باب فضل القبلة". قلت: والأولى أوضح. والقِبلةُ مأخوذة من قَابَلَ الشيءُ الشيءَ إذا حاذاه. وأقبل عليه: إذا حاذاه بوجهه، وأصله من القُبُل: نقيض الدُّبُر، قال الهروي: سميت القبلة قبلة، لأن المصلي يقابلها، وتقابله. اهـ. "النظم المستعذب" (١) جـ ١ ص ٧٤. ٤٨٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا -شَكَّ سُفْيَانُ- وَصُرِفَ إِلَى الْقِبْلَةِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن بَشَّار) أبو بكر بُندَار البصري، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧. ٢ - (يحيى بن سعيد) القَطَّان، تقدم في السند السابق.

стр. 3499

٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري الكوفي الإمام الحجة، توفي سنة ١٦١، رأس الطبقة [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السَّبِيعي الهَمْداني الكوفي، ثقة عابد، اختلط بِأخَرَة، توفي سنة ١٢٩، وقيَل: غير ذلك، من [٣]، تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٥ - (البَرَاءُ) بنُ عَازِب بن الحارث بن عَدِيّ الأنصاري، أبو عُمَارَة المدني صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، مَات سنة ٧٢، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله ثقات أجلاء، أخرج لهم الجماعة. ومنها: أنهم بين بصرِيَّيْنِ، وهما ابن بشار، ويحيى، وكوفِيِّينَ، وهم الباقون. ومنها: أن شيخه هو أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وأنه لا يوجد في الكتب الستة من اسمه محمد بن بشار غيره. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. ومنها: أن أبا إسحاق مدلس، لكنه صرح بالسماع في رواية عند البخاري في التفسير من طريق الثوري، عنه، قال: "سمعت البراء"،

стр. 3500

فزال ما يُخشى من التدليس، كما قاله في "الفتح" جـ ١ ص ١١٩. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن البراء) بن عازب ﵄، أنه (قال: صلينا مع رسول الله ﷺ نحْو بَيتِ المقدس) أي جهته. والمقدس: فيه لغتان مشهورتان؛ إحداهما: فتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال المخففة. والثانية: ضم الميم، وفتح القاف، والدال المشددة. قال الواحدي: أما من شَدَّدَه، فمعناه المُطَهَّرُ، وأما من خَفَّفَهُ، فقال أبو علي الفارسي: لا يخلو إما أن يكون مصدرًا، أو مكانًا، فإن كان مصدرًا كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، ونحوِهِ من المصادر، وإن كان مَكَانًا، فمعناه بيتُ المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيتَ مكان الطهارة، وتطهيره إخْلاؤُه من الآثام، وإبعاده منها. وقال الزجاج: البيت المقدس (١)، والمطهر، وبيت المقدس، أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب. اهـ. زهر جـ ١ ص ٢٤٣، ٢٤٤. (ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، شك سفيان) أي الثوري الراوي عن أبي إسحاق، وكذا وقع الشك من زُهَير بن معاوية عند البخاري في الإيمان، والصلاة، ووقع الشك أيضًا من إسرائيل بن يونس عند البخاري، والترمذي، ورواية زكريا بن أبي زائدة الآتية

стр. 3501

للمصنف "ستة عشر" بدون شك. ورواه أبو عوانة في "صحيحه" عن عَمَّار بن رَجَاء، وغيره عن أبي نعيم، فقال: "ستة عشر" من غير شك، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص، وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة، وشريك، ولأبي عوانة أيضًا من رواية عمَّار بن رزيق -بتقديم الراء مصغرًا- كلهم عن أبي إسحاق، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف "سبعة عشر"، وكذا للطبراني عن ابن عباس. والجمع بين الروايتين -كما قال الحافظ- سهل بأن يكون مَنْ جَزَمَ بستة عشر لَفَّقَ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا، وألغى الزائد، ومَنْ جَزَم بسبعة عشر عَدَّهما مَعًا، ومَنْ شَكَّ تَرَدَّد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكذا التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﵄. وقال ابن حبان: "سبعة عشر شهرًا، وثلاثة أيام"، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول. وشذَّت أقوال أخرى، ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث "ثمانية عشر شهرًا"، وأبو بكر سيئ

стр. 3502

الحفظ، وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية "سبعة عشر"، وفي رواية "ستة عشر"، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب: إن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقره، مع كونه رجح في شرح مسلم رواية "ستة عشر شهرًا"، لكونه مجزومًا بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا أن ألْغَى شَهْرَي القدوم، والتحويل، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة. ومن الشذوذ أيضًا رواية "ثلاثة عشر شهرًا"، ورواية "تسعة أشهر"، ورواية "شهرين"، ورواية "سنتين"، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول، فجملة ما حكاه تسع روايات. اهـ. فتح جـ ١ ص ١٢٠. (وصُرِفَ) بالبناء للمفعول، أي وُجِّهَ النبي ﷺ بعد ذلك، ولظهور البعدية من السَّوْقِ لم يقل: ثم صرف، قاله السندي ﵀ (إِلى القبلة) اللام للعهد، أي القبلة المعهودة، وهي الكعبة المشرفة، وفي الرواية الآتية "ثم إنه وُجِّهَ إلى الكعبة". وعبارة السندي: اللام فيها للعهد، والمراد القبلة المعهودة بين المسلمين، وهي الكعبة المشرفة، وإلا فقد كان بيت المقدس قبلةً لهم، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] اهـ. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 3503

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب ﵄ هذا من طريق سفيان الثوري متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له. أخرجه هنا بهذا السند فقط. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "التفسير" عن محمد ابن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عنه. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، وأبي بكر بن خَلاد- كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن الثوري، به. وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ

стр. 3504

عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إِنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَمَرَّ رَجُلٌ، قَدْ كَانَ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن إِسماعيل بن إِبراهيم) بن مِقْسَمٍ الأسَدِيُّ المعروف أبوه بابن عُلَيَّة، البصري نزيل دمشق وقاضيها، ثقة، توفي سنة ٢٦٤، من [١٠]. وفي "تت" أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر، قال النسائي: حافظ ثقة، وقال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يُغْرِبُ، وقال محمد بن جعفر بن بلاس: ثنا القاضي محمد بن إسماعيل ابن علية الثقة الرضي، قال محمد بن الفيض: عُزِلَ يحيى بن أكثم، وتولى جعفر بن عبد الواحد القضاء، فولى محمد بن إسماعيل ابن عُلَيَّة دمَشْقَ، فلم يزل قاضيًا بدمشق حتى توفي سنة (٢٦٤)، وولي بعده أبو حَازم عبد الحميد بن عبد العزيز. وقال مسلمة: ثنا عنه العدوي، وكان ثقة، وقال المستملي: كان مستقيم الحديث، ثنا عن النسائى (١). اهـ باختصار. انفرد به المصنف.

стр. 3505

٢ - (إِسحاق بن يوسف الأزرق) المخزومي الواسطي، ثقة، من [٩]. وفي "تت": إسحاق بن يوسف بن مرْدَاس المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق، قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ فقال: إيْ، والله ثقة. وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث، صدوق، لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك. وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين. وقال وهب بن بَقِيَّةَ: وُلِدَ سنة (١١٧) وقال خليفة، ومحمد بن سعد، وغير واحد: مات سنة (١٩٥) زاد ابن سعد، وكان ثقة، وربما غَلطَ. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البزار: كان ثقة. اهـ تت باختصار. روى له الجماعة. ٣ - (زكريا بن أبي زائدة) خالدٍ، ويقال: هُبَيَرَةَ بنِ ميمون بنِ فَيْرُوزَ الهَمْدَاني الوَادعِيُّ، أبو يحيى الكوفي، ثقة، يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بِأخَرَةٍ، من [٦]، تقدم في ٩٣/ ١١٥. وأما ٤ - (أبو إسحاق) السبيعي، ٥ - (البراء بن عازب) ﵄ فقد تقدما في السند السابق. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. منها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، أخرج لهم الجماعة، إلا شيخه
следующие страницы →