ومنها: عدم مشروعية الجهر في الظهر والعصر، لقوله "كنا نحزر"، لأنهم إنما قدّروا لعدم سماعهم لقراءته.
ومنها: استحباب تطويل الركعتين الأوليين في كل من الظهر والعصر.
ومنها: أن العصر تكون على النصف من الظهر.
ومنها: مشروعية غير الفاتحة في الظهر في الركعتين الأخريين، لأن الفاتحة سبع آيات، وهو كان يقوم قدر خمس عشرة آية، وهذا هو المذهب الجديد للشافعي، وهو الراجح لهذا الحديث.
ومنها: كونه لا يقرأ في العصر في الأخريين أكثر من الفاتحة.
قيل: الحكمة في كون العصر على النصف من الظهر كون صلاة الظهر تفعل في وقت الغفلة بنوم القائلة، فطولت ليدركها المتأخر، بخلاف العصر، فإنها تفعل في وقت تَعَبِ أهل الأعمال فخففت لذلك. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا
بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 3432
١٧ - بَابُ صَلاة الْعصْرِ في السّفَرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على عدد صلاة العصر في السفر.
٤٧٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني أبو رَجَاء، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨]، تقدم في ٣/ ٣.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كَيْسَان السختياني البصري، ثقة حجة فقيه، من [٥]، تقدم في ٤٢/ ٤٨.
٤ - (أبو قِلابَة) عبد الله بن زيد الجَرْمي البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، فيه نَصْب يسير، توفي هاربًا من القضاء بالشام سنة ١٠٤، وقيل: بعدها، من [٣]، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢.
٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
стр. 3433
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة بالإخراج لهم.
ومنها: أنهم بصريون، إلا شيخه فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة رَوَى ٢٢٨٦ حديثا. وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ٩٢ أو ٩٣ وقد جاوز ١٠٠ سنة.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁ (أن النبي ﷺ صلى) صلاة (الظهر بالمدينة أربعًا) في اليوم الذي أراد فيه الخروج إلى مكة للحج، وهو يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة، وقيل: يوم السبت لخمس بقين منه، كما تقدم في ٤٦٩.
(وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين) لكونه مسافرًا، وهذا هو محل الترجمة حيث بين أن عدد فرض المسافر ركعتان في الصلاة الرباعية. والحديث متفق عليه.
وقد تقدم ما يتعلق بالحديث من المسائل في (٤٦٩) فارجع إليه تزدد
стр. 3434
علمًا.
تنبيه:
من الغريب أن المصنف ذكر في هذا الباب حديث نوفل بن معاوية ﵁، مع أنه لا مناسبة له بالباب، بل المناسب أن يذكره في "باب من ترك العصر" الذي سبق (١٥/ ٤٧٤) أو يترجم له ترجمة مستقلة كما فعل البخاري حيث قال: "باب إثم من فاتته صلاة العصر"، فأورد الحديث. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وحديث نوفل هو ما ١كره بقوله:
٤٧٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".
قَالَ عِرَاكٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".
стр. 3435
رجال الإسناد: سبعة
١ - (سُوَيد بن نصر) المروزي رَاوِيَةُ ابن المبارك، ثقة تقدم قبل حديث.
٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي، ثقة حجة، تقدم قبل حديث أيضًا.
٣ - (حَيْوَةُ بن شُرَيح) بن صَفْوَان التُّجِيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد، من [٧].
قال عبد الله بن أحمد: قيل لأبي: حيوة بن شريح، وعمرو بن الحارث؟ فقال: جميعًا، كأنه سَوَّى بينهما، وقال حرب عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وسئل عن حيوة، ويحيى بن أيوب؟ فقال: حيوة أعلى القوم، وهو ثقة وأحب إلي من المُفَضَّل بن فَضَالَةَ.
وقال ابن وهب: ما رأيت أحدًا أشد استخفافًا بعمله من حيوة، وكان يعرف بالإجابة، وقال ابن المبارك: ما وصف لي أحد ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته إلا حيوة، فإن رؤيته كانت أكبر من صفتة، وقال يعقوب بن سفيان المقرئ: ثنا حيوة بن شريح، وهو كندي شريف عَدْلٌ رَضِيّ ثقة، توفي سنة ١٥٨، وأرخه الكلاباذي سنة ١٥٩ ووثقه العجلي ومسلمة.
стр. 3436
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان مستجاب الدعوة، يقال: إن الحصاة كانت تتحول في يده تمرة بدعائه، وقال ابن سعد: مات في آخر خلافة أبي جعفر، وكان ثقة.
وقال ابن وضاح: بلغني أن رجلًا كان يطوف ويقول: اللهم اقض عني الدين، فرأى في المنام: إن كنت تريد وفاء الدين فائت حيوة بن شريح يدعو لك، فأتى إلى الإسكندرية بعد العصر يوم الجمعة، قال: فأقمت حتى صار ما حوله دنانير، فقال لي: اتق الله ولا تأخذ إلا قدر دينك، فأخذت ثلاثمائة.
وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: كَتَبَ إليّ عبدُ الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول: لم يسمع حيوة من الزهري، ولا من بُكَير بن الأشج، ولا من خالد بن أبي عمران. روى له الجماعة. اهـ. تت. جـ ٣ ص ٧٠.
٤ - (جعفر بن ربيعة) بن شُرَحبيل بن حَسَنَةَ الكندي، أبو شرحبيل المصري، ثقة، توفي سنة ١٣٦، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٥ - (عِرَاك بن مالك) -بكسر أوله، وتخفيف الراء، آخره كاف - الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل، توفي في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد ١٠٠ سنة، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣٤/ ٢٠٧.
стр. 3437
٦ - (نوفل بن معاوية) بن عروة، وقيل: عمرو بن صخر بن يعمر بن نعامة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، أبو معاوية الديلي، صحابي من مسلمة الفتح، وعاش إلى أول خلافة يزيد ابن معاوية، وعُمِّرَ مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام.
رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه ابن أخته عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، وعراك، وعوف بن الحارث بن هشام.
قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان نوفل قد شهد بدرًا والخندق مع المشركين، وكان له ذكر ونِكَاية، ثم أسلم، وشهد الفتح، وحنينًا، والطائف، ونزل المدينة في بنَي الدِّيل، وحج مع أبي بكر سنة تسع، ومع النبي ﷺ سنة عشر، ومات بالمدينة في خلافة معاوية.
أنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن جواثة بن عبيد الدّيلي، قال: عُمِّرَ نوفل بن معاوية في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وقال غيره: مات في خلافة يزيد، وهو قول الواقدي، وتابعه عليه أبو حاتم الرازي، وابن حبان، والقراب، وابن عبد البر في آخرين. روى له البخاري، ومسلم، والنسائي. اهـ. تت. جـ ١٠ ص ٤٩٢.
٧ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢.
стр. 3438
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، أخرج لهم الجماعة إلا شيخه فأخرج له الترمذي والنسائي، ونوفلًا فأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي فقط.
ومنها: أنهم ما بين مروزِيَّينِ؛ وَهما سويد وابن المبارك، ومصريَّينِ؛ وهما حيوة وجعفر، ومدَنِيَّين؛ وهم الباقون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ وهما جعفر وعراك.
ومنها: أن نوفلًا ممن عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن نوفل بن معاوية) الدِّيلي ﵁ (حدثه) أي حدث عراكا (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من فاتته صلاة العصر) "مَنْ" شرطية، جوابها قوله: "فكأنما وتر … إلخ".
وفيه رد على من أنكر أن يقال: فاتتنا الصلاة.
قيل: فواتها بغروب الشمس، وقيل: بفوت الوقت المختار، ومجيء وقت الاضطرار، وقيل: بفوت الجماعة، والراجح الأول؛ لما
стр. 3439
سيأتي تحقيقه.
(فكأنما وتر أهله وماله) "وتر" بالبناء للمفعول، و"أهله" بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لِوُتِرَ، وأضمر المفعول الأول نائب فاعل، وهو عائد على "من" من قوله "من فاتته"، فالمعنى أصيب بأهله وماله، فوتر متعد إلى مفعولين، كما في قوله تعالى ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقيل: "وتر" هنا: نقص، فعلى هذا يجوز نصبه، ورفعه، لأن من رَدَّ النقصَ إلى الرجل نَصَبَ، وأضمر ما يقوم مقام الفاعل، ومن رده إلى الأهل رفع.
وقال القرطبي: يروى بالنصب على أن "وُتِرَ" بمعنى سُلِبَ، وهو يتعدى إلى مفعولين، وبالرفع على أن "وتر" بمعنى أخذَ، فيكوَن "أهله" هو المفعول الذي لم يسم فاعله.
وحقيقة الْوَتْر، كما قال الخليل: هو الظلم في الدم، فعلى هذا فاستعماله في المال مجاز، لكن قال الجوهري: الموتُورُ هو الذي قتل له قتيل، فلم يدرك بدمه، تقول منه: وُتِرَ، وتقول أيضا: وَتَرَهُ حَقَّه، أي نقصه، وقيل: الموتور: من أخذ أهله أو ماله وهو ينظر إليه، وذلك
أشد لِغَمِّهِ، فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة؛ لأنه يجتمع عليه غَمَّانِ؛ غم الإثم، وغم فقد الثواب، كما يجتمع على الموتور غمان؛ غم السلب، وغم الطلب بالثَّأر.
стр. 3440
وقيل: معنى وتر: أخذ أهله وماله، فصارَ وِترًا، أي فردًا، ويؤيد الذي قبله رواية أبي مسلم الكجي من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، فذكر نحو هذا الحديث، وزاد في آخره: "وهو قاعد".
وظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر، وأن ذلك مختص بها. وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابًا لسائل سأل عن صلاة العصر، فأجيب، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها.
وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفت العلة، واشتركا فيها، قال: والعلة في هذا الحكم لم تتحقق، فلا يلتحق غير العصر بها. انتهى.
قال الحافظ: وهذا لا يدفع الاحتمال، وقد احتج ابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق أبي قلابة عن أبي الدرداء مرفوعًا "من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته … " الحديث.
وفي إسناده انقطاع؛ لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء. وقد رواه أحمد من حديث أبي الدرداء بلفظ "من ترك العصر"، فرجع حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر.
وقد رَوَى ابنُ حبان وغيره من حديث نوفل بن معاوية مرفوعًا "من
стр. 3441
فاتته الصلاة، فكأنما وتر أهله وماله"، وهذا ظاهر العموم في الصلوات المكتوبات. وأخرجه عبد الرازق من وجه آخر عن نوفل بلفظ: "لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة"، وهذا أيضا ظاهره العموم.
ويستفاد منه أيضًا ترجيح توجيه رواية النصب المصدر بها، لكن المحفوظ من حديث نوفل بلفظ: "من الصلوات صلاة من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله"، أخرجه البخاري في علامات النبوة من الصحيح، ومسلم أيضًا، والطبراني وغيرهم.
ورواه الطبراني من وجه آخر، وزاد فيه عن الزهري، قلت لأبي بكر -يعني ابن عبد الرحمن- وهو الذي حدثه به: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر، رواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر، فصرح بكونها العصر في نفس الخبر، والمحفوظ أن كونها العصر من تفسير أبي بكر بن عبد الرحمن.
ورواه الطحاوي والبيهقي من وجه آخر، وفيه أن التفسير من قول ابن عمر، فالظاهر اختصاص العصر بذلك اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٣٨.
قال الجامع: قوله: إن التفسير من قول ابن عمر، فيه نظر، بل هو من حديثه المرفوع، كما هو واضح من رواية النسائي الآتية (٤٨٠) انظر "السنن الكبرى" للبيهقي جـ ١ ص ٤٤٥.
стр. 3442
والحاصل أن الراجح اختصاص العصر بالوعيد المذكور، لقوة دليله، وأما الروايات المطلقة على تقدير صحتها فيمكن حملها على المقيدة. والله أعلم.
تنبيه:
اختلف العلماء في المعنى المراد بالفوات من قوله "من فاتته" فذهب بعضهم إلى أن المراد به خروج وقتها، ويؤيده -كما قال الحافظ- ما وقع في رواية عبد الرزاق، فإنه أخرج هذا الحديث عن ابن جريج، عن نافع، فذكر نحوه، وزاد: قلت لنافع: حين تغيب الشمس؟ قال: نعم، وتفسير الراوي إذا كان فقيهًا أولى من غيره.
وذهب الأوزاعي إلى أن المراد بفواتها أن تدخل الشمس صُفْرَةً، ولعله مبني على مذهبه في خروج وقت العصر بالاصفرار.
ونقل عن ابن وهب أن المراد إخراجها عن الوقت المختار.
وذهب ابن المهلب، ومن تبعه من الشراح إلى أن المراد فواتها مع الجماعة، لا فواتها باصفرار الشمس، أو بمغيبها، قال: ولو كان لفوات وقتها كله لبطل اختصاص العصر، لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة، ونوقض بعين ما ادعاه، لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة، لكن في صدر كلامه أن العصر اختصت بذلك لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها.
стр. 3443
وتعقبه ابن المنير بأن الفجر أيضًا فيها اجتماع المتعاقبين، فلا تختص العصر بذلك. قال: والحق أن الله تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة. انتهى.
وَبَوَّبَ الترمذي على حديث الباب: "بابُ ما جاء في السهو عن وقت العصر" فحمله على الساهي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسَفِ عند معاينة الثواب لمن صَلَّى ما يَلحَق مَنْ ذَهَبَ منه أهله وماله، وقد رُويَ بمعنى ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه التنبيه على أن أَسَفَ العامد أشَدُّ لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم.
قال الجامع: أرجح الأقوال عندي أولها، لكونه أقرب إلى ظاهر النص، وأما غيره فبعيد عنه فلا يصار إليه إلا بدليل. والله أعلم.
(قال عراك) بن مالك بالسند السابق (وأخبرني عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله") يعني أن هذا الحديث مما سمعه عراك من كُلٍّ من نوفل بن معاوية، وعبدِ الله بن عمر ﵃. والله أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث نوفل بن معاوية، وعبد الله بن عمر ﵃ هذا
стр. 3444
صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا في (٤٧٨) وفي (٤٧٩) وفي (٤٨٠) وأخرجه في "الكبرى" من حديث ابن عمر رقم (٣٦٤) عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عنه بلفظ: "إن الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله".
وفي (٣٦٥) عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عنه بلفظ "الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله، وماله". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما حديث نوفل بن معاوية فأخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "علامات النبوة" عن عبد العزيز الأوَيسي عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسَانَ، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية، بلفظ: "مِنَ الصلاة صلاة مَنْ فاتته، فكأنما وتر أهله، وماله" (١).
стр. 3445
وأخرجه مسلم في "الفتن" (٢٨٨٦) عن عمرو الناقد، والحسن الحُلْوَاني، وعبد بن حُمَيد، كلهم عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن به. والله أعلم.
تنبيه:
أشار البيهقي إلى أن الشيخين أخرجا حديث نوفل بن معاوية هذا في "صحيحيهما"، فاعترض عليه ابن التركماني، بأنه ليس فيهما، ولا في واحد منهما، بل هو في ستن النسائي.
قال الجامع: الصواب مع البيهقي، كما نبه على ذلك الحافظ في الفتح، وبيناه آنفًا فتنبه.
وأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عنه.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك عن نافع عنه. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عنه. قال عَمْرو: يبلغ به، وقال أبو بكر: رفعه. وعن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم، عنه.
وأخرجه أبو داود عن القعنبي، عن مالك، عن نافع، عنه.
стр. 3446
وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة"، عن هشام بن عمار، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه ﵁. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: الوعيد الشديد لمن تفوته صلاة العصر.
ومنها: بيان عِظَمِ صلاة العصر.
ومنها: ما قاله ابن عبد البر: إن فيه إشارة إلى تحقير الدنيا، وأن قليل العمل خير من كثير منها.
ومنها: ما قاله ابن بطال ﵀: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث.
انظر الفتح جـ ٢ ص ٣٨. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ولما وقع اختلاف بين جعفر بن ربيعة، وبين يزيد بن أبي حبيب على عراك بن مالك ذكر ذلك بقوله:
(خَالَفَهُ) أي خالف جعفرًا في روايته لهذا الحديث عن عراك بن مالك (يزيدُ بن أبي حبيب) بالرفع فاعل مؤخر لخالف.
ثم بين مخالفته فقال:
٤٧٩ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، زُغْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ
стр. 3447
يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (عيسى بن حَمَّاد، زُغْبَةُ) التُّجِيبِيُّ، أبو موسى الأنصاري، وزغبة، بدل من عيسى، وهو لقبه، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة، توفي سنة ٢٤٨ وقد جاوز ٩٠ سنة، من [١٠]، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفَهْمي المصري، ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، توفي في شعبان سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُوَيد، أبو رَجَاء المصري، ثقة فقيه، وكان يرسل، توفي سنة ١٢٨ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣٤/ ٢٠٧.
стр. 3448
وأما عِرَاكٌ، ونوفل، وابنُ عمر فقد تقدموا في السند السابق. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عراك بن مالك أنه بلغه) أي بلغ عراكًا (أن نوفل بن معاوية) ﵁.
وهذا هو أول المخالفة، ووجهه أن جعفرًا قال في روايته عن عراك: إن نوفل بن معاوية حدثه، فجعله متصلًا.
وقال يزيد في روايته عنه: أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال … فجعله منقطعًا.
فالضمير في قوله "أنه" ضمير الشأن، وفي قوله "بلغه" لعراك (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من الصلاة صلاة من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله") الجار والمجرور خبر مقدم، وقوله "صلاة" مبتدأ مؤخر، و"من" شرطية، وجوابها جملة "فكأنما وتر … " الخ، وجملة الشرط والجواب في محل رفع صفة لِـ"صَلاةٌ".
وهذا ثاني المخالفة، ووجهه أن في رواية جعفر التصريح بالصلاة الفائتة، خيث قال: "من فاتته صلاة العصر … " وخالفه يزيد في روايته، فأبهمها، حيث قال: "من الصلاة صلاة … ".
والحاصل أن يزيد بن أبي حبيب خالف جعفر بن ربيعة في السند والمتن جميعًا.
стр. 3449
قال الجامع: يمكن أن يجمع بينهما بأن عراكا كان بلغه عن نوفل، ثم لقيه فحدثه بالحديث، فحينما بلغه، بلغه بالإبهام، وحينما حدثه، حدثه بالتعيين، فكان تارة يحدث بهذا، وتارة يحدث بهذا، والله أعلم.
وما تقدم عن الحافظ ﵀ من أن المحفوظ هو الإبهام، وأن التفسير من قول أبي بكر بن عبد الرحمن، أو من حديث ابن عمر ﵄ فلم يذكر دليلا عليه، فالأولى ما ذكرته لأن جعفرًا ثقة بالاتفاق، فلا وجه لترجيح رواية يزيد علي روايته. والله أعلم.
قال عراك بالسند السابق (قال ابن عمر) ﵄ (سمعت رسول الله ﷺ يقول: هي صلاة العصر) أي الصلاة التي من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله، هي: العصر.
والحاصل أن عراكًا في هذه الرواية بلغه حديث نوفل بالإبهام، وسمع التفسير مرفوعًا من ابن عمر ﵄. كما سمع التفسير مرفوعًا من كل من نوفل، وابن عمر في الرواية السابقة، وقد عرفت طريقة الجمع آنفًا، فتنبه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ولما وقع اختلاف على يزيد بن أبي حبيب في روايته عن عِرَاك ذكره بقوله:
(خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) أي خالف الليثَ بن سعد في روايته عن يزيد محمدُ بن إسحاق المطلبي، ثم بيَّنَ رواية محمد بن إسحاق
стр. 3450
فقال:
٤٨٠ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: "صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ".
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو الفضل البغدادي، قاضي أصبهان، ثقة، من [١١].
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال أبو نعيم الحافظ: ولي قضاء أصبهان مرتين، وعزل عن قريب. ووثقه الدارقطني، وذكر أبو إسحاق الحَبَّال أن مسلمًا روى عنه أيضًا، وفي الزهرة رَوَى عنه البخاري ستة أحاديث.
стр. 3451
قال البغوي، ومحمد بن مَخْلدَ: مات في ذي الحجة سنة ٢٦٠ وذكر الداني أنه ولد سنة ١٨٥، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. اهـ. تت جـ ٦ ص ١٥، ١٦.
٢ - (عم عبيد الله بن سعد) هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، توفي سنة ٢٠٨، من صغار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبو يعقوب) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة، تكلم به بلا قادح، توفي سنة ١٨٥، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (محمد بن إِسحاق) بن يسار بن خيار، ويقال: كومان، أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله، المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس، ورُمِيَ بالتشيع، والقَدَر، من صغار [٥].
روى له مسلم في المتابعات، وذكره النسائي في الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري.
وقال ابن المديني: ثقة لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب، وكَذَّبه سليمان التيمي، ويحيى القطان، وَوُهَيب بن خالد، فأما وهيب
стр. 3452
والقطان، فقلّدا فيه هشام بن عروة ومالكًا، وأما سليمان التيمي، فقال الحافظ: لم يتبين لي لأي شيء تكلم فيه، والظاهر أنه لأمر غيرِ الحديث، لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل.
قال ابن حبان في الثقات: تكلم فيه رجلان؛ هشام، ومالك، فأما هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة، والستر بينهما مسبل، وأما ما لك فإن ذلك كان منه مرة واحدة، ثم
عاد إلى ما يحب، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن، ولما سئل ابن المبارك؟، قال: إنا وجدناه صدوقًا، ثلاث مرات.
قال ابن حبان: ولم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقًا للأخبار إلى أن قال: وكان يكتب عمن فوقه، ومثله، ودونه، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النزول، فهذا يدلك على صدقه. سمعت محمد بن نصر الْفَرَّاء يقول: سمعت يحيى بن يحيى، وذُكِرَ عنده، محمد بن إسحاق فوثقه.
وقال الدارقطني: اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، إنما يعتبر به.
стр. 3453
وقال أبو يعلي الخليلي: محمد ابن إسحاق عالم كبير، وإنما لم يخرجه البخاري من أجل روايته المطولات، وقد استشهد به، وأكثر عنه فيما يحكي في أيام النبي ﷺ ، وفي أحواله، وفي التواريخ، وهو عالم واسع الرواية والعلم، ثقة.
وقال ابن البرقي: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه، وفي حديثه عن نافع بعض الشيء. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: صدوق.
وقال الحاكم: قال محمد بن يحيى: هو حسن الحديث، عنده غرائب، وَرَوى عن الزهري فأحسن الرواية، قال الحاكم: وذكر عن البوشنجي أنه قال: هو عندنا ثقة ثقة. وتعقب الذهبي قول هشام ابن عروة: حَدَّثَ عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأدخِلَت عليَّ، وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيت الله تعالى. قال اَلذهبي: قوله: وهي بنت تسع غَلطٌ بَيِّنٌ، لأنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، وكانَ أخْذُ ابن إسحاق عنها، وقد جاوزت الخمسين، وقد رَوَى عنها أيضًا، غير محمد بن إسحاق من الغرباء: محمد بن سوقة.
قال الذهبي بعد ذكر ما قيل في ابن إسحاق جرحًا وتعديلًا: فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، قد احتج به أئمة. فالله أعلم.
وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق ذكرها في
стр. 3454
صحيحه. اهـ. كلام الذهبي. روى له البخاريّ تعليقًا، والباقون.
مات سنة ١٥٠، وقيل: ١٥١ وقيل: ١٥٢ أو ١٥٣، اهـ.
باختصار من ترجمته الطويلة في تت جـ ٩ ص ٤٥، ٤٦، وبزيادة قليلة من الميزان جـ ٣ ص ٤٧٥.
٥ - (يزيد بن أبي حبيب)، ٦ - و (عراك)، ٧ - و (نوفل)، ٨ - و (ابن عمر) تقدموا في السند الماضي.
وكذلك شرح الحديث فلا حاجة إلى إعادته.
ومحل مخالفة محمد بن إسحاق لليث في هذه الرواية في قوله: قال: سمعت نوفل بن معاوية يقول: "صلاة؛ من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله".
ووجهُ ذلك أن يزيد في رواية الليث قال عن عراك أنه بلغه أن معاوية … إلخ، فجعله منقطعًا، فخالفه ابن إسحاق، فصرح بسماع عراك من نوفل، ورفعه في رواية الليث، وخالفه ابن إسحاق فوقفه.
والحاصل أن محمد بن إسحاق خالف الليث بن سعد في موضعين:
الأول: في سنده حيث جعله متصلًا بالسماع.
والثاني: في المتن حيث جعله موقوفًا.
وترجح رواية الليث، لأن ابن إسحاق في حفظه شيء كما تقدم في
стр. 3455
كلام الذهبي وغيره، فتكون روايته منكرة. والله أعلم.
وقد تقدم الجمع بين رواية جعفر بن ربيعة -حيث رواه متصلًا- وبين رواية يزيد بن أبي حبيب -حيث رواه بالبلاغ- بأن عراكًا بلغه أولًا عن نوفل، ثم لقيه بعد ذلك فحدثه، فكان يحدث تارة بلاغًا، وتارة سماعًا. فتنبه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3456
١٨ - بَابُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على عدد صلاة المغرب.
٤٨١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ بِجَمْعٍ، أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى يَعْنِي الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَنَعَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله ﷺ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحَجَّاج أبو بِسْطَام العَتَكيُّ مولاهم الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن أمير المؤَمنين في الحدَيث، وأول من فَتَّشَ عن
стр. 3457
عن الرجال بالعراق، وذَبَّ عن السنة، وكان عابدًا، توفي سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (سَلَمَةُ بنُ كهَيل) الحَضْرمي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩٥/ ٣١٢.
٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، قُتِلَ بين يدي الحجاج سنة ٩٥، ولم يكمل ٥٠ سنة، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في كتاب الغسل ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، أخرج لهم الجماعة، إلا شيخه فأخرج له أبو داود في القدر، ولم يخرج له البخاري أصلًا.
ومنها: أنهم بصريون إلا سعيدًا فكوفي، وابن عمر فمدني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، ومنها: أن ابن عمر ﵁ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
стр. 3458
شرح الحديث
(عن سلمة بن كهيل) بفتحات الأول، وتصغير الثاني، الحضرمي، أنه (قال: رأيت سعيد في جبير) الأسدي الوَالِبيَّ مولاهم (بجَمْع) متعلق بِرَأي، و "جَمْع" بفتح فسكون: اسم للمزدلفة، سميت به لاجتماع الناس بها، وقيل: لجمعهم بين الصلاتين بها، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات جـ ٣ ص ٥٥ (أقام) ظاهر هذه الرواية أنه لم يؤذن، بل اكتفى با لإقامة لكل واحدة، وهو قول الشافعي الجديد، وقول الثوري، ورواية عن أحمد، وسيأتي تحقيق الخلاف بالأدلة وترجيح الراجح بدليله في محله، إن شاء الله تعالى.
(فصلى) سعيد (المغرب ثلاث ركعات) هذا محل الترجمة، حيث إن فيه أن عدد صلاة المغرب ثلاث ركعات دائمًا سفرًا وحضرًا (ثم أقام، فصلى -يعني العشاء- ركعتين) الظاهر أن العناية ممن دون سَلَمَة، وذلك أن سلمة قال: فصلى ركعتين، فَبَيَّن الراوي أن تلك الصلاة التي صلاها ركعتين هي العشاء.
وفيه أن صلاة العشاء في السفر ركعتان، وهل القصر للنسك -كما هو الراجح- أو للسفر؟ فيه خلاف يأتي تحقيقه في محله إن شاء الله تعالى.
(ثم ذكر) سعيد (أن) عبد الله (بن عمر) رضي الله عنهما
стр. 3459
(صنع بهم) أي بسعيد، ومن كان معه من الحُجَّاج (مثل ذلك) العمل في العدد، وفي كيفية الصلاة (في ذلك المكان) أي الجمع، وهو المزدلفة (وذكر) أي ابن عمر (أن رسول الله ﷺ صنع مثل ذلك) الصنع (في ذلك المكان) أي الجمع والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه المصنف هنا (٤٨١) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الهُجَيمي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عنه، و (٤٨٣ و ٤٨٤) عن عمرو بن يزيد عن بهز عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد، عنه. و (٦٠٦) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عنه. و (٦٥٧) عن علي بن حُجْر، عن شريك، عن سلمة، عن سعيد عنه.
و (٦٥٨) عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن الحكم وسلمة، كلاهما عن سعيد عنه. و (٦٥٩) عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي
стр. 3460
إسحاق، عن سعيد عنه. و (٣٠٣٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن سفيان، عن سلمة، عن سعيد، عنه.
وفي "الكبرى" (٣٧٧) بسند الباب. و (٣٨٤) عن عمرو بن يزيد، عن بهز، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد، عنه. و (٣٨٥) عن عمرو، عن بهز، عن شعبة، عن سلمة، عن سعيد، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي؛ فأخرجه مسلم في "الحج" عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، وعن زهير بن حرب، عن وكيع كلاهما عن شعبة، عن الحكم -وسلمة بن كهيل- وعن عبْدِ بنِ حُمَيد، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيَل- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق- ثلاثتهم عن سعيد، عنه.
وأخرجه أبو داود في "الحج" عن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن سَلَمَةَ وحده به. وعن محمد بن العلاء، عن أبي أسامة، عن إسماعيل، به، وعن الأنباري، عن إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد، وعبد الله بن مالك، كلاهما عنه.
وأخرجه الترمذي في "الحج" عن بُنْدَار، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل به. وقال: ورَوَى إسرائيل هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن
стр. 3461
عبد الله وخالد ابني مالك، عن ابن عمر ﵄. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن عدد صلاة المغرب ثلاث ركعات في السفر والحضر، وهذا بالإجماع.
ومنها: أن فرض العشاء في السفر ركعتان.
ومنها: مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بالإقامة لكل واحدة منهما، وقد اختلفت الروايات في هذا، وأقوالُ أهل العلم، وسيأتي تحقيق ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3462
١٩ - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ الْعِشَاءِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل صلاة العشاء.
والفَضْلُ: ضد النقص، جمعه: فضول، وقد فَضَلَ، كنَصَرَ، وعَلِمَ، أما فَضِلَ، كعَلِمَ، يَفْضُلُ، كَيَنْصُرُ، فمركبة منهما. قاله المجد في "ق".
٤٨٢ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ ﵁: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (نصر بن علي بن نصر) بن علي الجهضمي البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٥٠ أو بعدها، من [١٠]، تقدم في "كتاب الحيض" ٢٠/ ٣٨٦.
٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، أبو محمد،
стр. 3463
ثقة، توفي سنة ١٨٩، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في "كتاب الحيض" ٢٠/ ٣٨٦.
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، توفي سنة ١٥٤ عن ٥٨ سنة، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة ١٢٥، وقيل: قبل ذلك بسنة أو بسنتين، من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام بن خُوَيلد الأسدي أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، توفي سنة ٩٤ على الصَحيح، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين أم عبد الله ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، أخرج لهم الجماعة.
ومنها: أنهم ما بين بصريين ومدنيين؛ فنصفه الأول بصريون،
стр. 3464
والثاني مدنيون.
ومنها: أن شيخه من شيوخ الأئمة الستة الذين أخرجوا عنهم بدون واسطة؛ وهم تسعة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الراوي عن خالته.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة.
ومنها: أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ حديثًا.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: أعتم رسول الله ﷺ ) أي دخل في العتمة، مثل أصبح: دخل في الصباح. قاله في المصباح.
والعَتَمَةُ محرَّكَة: ثلثُ الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: عبارة عن وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقية الليل. أفاده العيني في "عمدته" جـ ٥ ص ٦٣.
وقوله (بالعشاء) متعلق بأعتم، أي دَخَلَ بصلاة العشاء العَتَمَةَ، أي أخر أداءها (حتى ناداه عمر) بن الخطاب ﵁ قائلًا
стр. 3465
(نام النساء) بالكسر، ومثله النسوة، بكسر النون أيضًا، أفصح من النُّسوة بضمها، اسمان لجماعة إناث الأناسي، الواحدة امرأة من غير لفظ الجمع. أفاده في "المصباح".
(والصبيان) بالكسر وتضم: جمع صبي، وهو من لدن يُولد إلى أن يفطم، قاله في اللسان. وقال المجد: الصبي من لم يفطم بعد، جمعه أصْبِيَةٌ، وَأصْبٍ، وَصبْوَة -بالكسر-، وصَبْيَةٌ، بالفتح، وصِبْيَةٌ، وصُبْوانٌ، وصُبْيَانٌ بكسر الثلاثة، وتضم. اهـ "ق" بإيضاح.
وأراد عمر ﵁ النساء والصبيان الحاضرين في المسجد، لا النائمين في بيوتهم، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأنهم مظنة قلة الصبر على النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال.
(فخرج رسول الله ﷺ ) أي من حجرته إلى المسجد (فقال) لأهل المسجد (إِنه) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (ليس أحد يصلي هذه الصلاة) وعند البخاري زيادة: "من أهل الأرض"، يعني أنه لا يصلي العشاء أحد من الناس.
و"أحد" اسم "ليس" وخبرها جملة "يصلي".
وقوله (غيركم) بالرفع صفة لأحد، ووقع صفة لنكرة، لأنه لا يتعرف بالإضافة إلى المعرفة، لِتَوغُّله في الإبهام، اللهم إلا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة، ويجوز أَن يكون بدلًا من لفظ أحد، ويجوز أن
стр. 3466
ينتصب على الاستثناء. قاله العيني في "العمدة" جـ ٥ ص ٦٤.
(ولم يكن يومئذ أحد يصلي غير أهل الدينة) فـ "أحد" اسم يكن، وخبرها جملة "يصلي"، وإعراب "غَيْرُ" كسابقه.
والمراد به أنها لا تُصَلَّى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة إلا بالمدينة، وبه صرح الداودي، لأن مَنْ كَانَ بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سِرًا، وأما غير مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها. قاله فَي "الفتح" جـ ٢ ص ٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: فإن قيل: أين موضع الاستدلال لفضل العشاء من هذا الحديث؟
أجيب بأنه قوله: "إنه ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم"، فكأنه يقول: إن هذه الصلاة من خصوصياتكم، فاللائق بكم أن تَعْتَنُوا بالانتظار بها، لأن الانتظار كالاشتغال بها أجرًا.
ويؤيد ذلك ما وقع عند الطبراني من طريق طاوس عن ابن عباس ﵄ "فخرج النبي ﷺ ، فقال: "ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم". أفاده في "الفتح" جـ ٢ ص ٦٢، والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
стр. 3467
المسألة الثانية: في ديان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤٨٢) عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عنها.
وفي "كتاب المواقيت" (٢١/ ٥٣٥) عن عمرو بن عثمان، عن محمد ابن حمير، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن الزهري، وعن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة، عنها. وفي (٥٣٦) عن إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد، كلاهما عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، عنها. وفي "الكبرى" في "الصلاة" (٤/ ٣٨٩) بسند الباب. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" (٥٦٦) عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن، عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها. وفي (٥٦٩) عن أيوب بن سليمان، عر أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب،
به. وفي (٨٦٢) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. قال البخاري: وقال عياش: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا معمر، عن الزهري، به. وفي (٨٦٤) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن
стр. 3468
الزهري، به.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن بُكَير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، به. وعن عمرو بن سَوَّاد، وحَرْمَلَة بن يحيى، كلاهما عن يونس، عن الزهري به، وعن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد ابن حاتم، كلاهما عن محمد بن بكر، وعن حجاج بن الشاعر، ومحمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق -وعن هارون بن عبد الله الحَمَّال، عن حجاج بن محمد- ثلاثتهم عن ابن جريج، عن المغيرة بن حَكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر ﵄، عنها. والله تعالى أعلمَ.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان فضل العشاء، كما تقدم تقريره، وقال الحافظ عند قول البخاري: "باب فضل العشاء": ما حاصله: إنه لم ير من تكلم على هذه الترجمة، فإنه ليس في الحديثين - يعني اللذين أوردهما البخاري، ومنهما حديث عائشة هذا- ما يقتضي اختصاصَ العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنه مأخوذ من قوله "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" فعلى هذا، في الترجمة حذف، تقديره: "باب فضل انتظار العشاء" والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٥٧.
فاعترضه العيني بأن مطابقته للترجمة من حيث إن العشاء عبادة، قد اختصت بالانتظار لها من بين سائر الصلوات، وبهذا ظهر فضلها، فحسن قوله: "باب فضل العشاء". اهـ. "عمدة" جـ ٥ ص ٦٣.
стр. 3469
ومنها: مشروعية الإعلام للإمام ليخرج إلى الصلاة.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والحلم؛ حيث لم ينكر على عمر حين ناداه، لكن عند مسلم من رواية يونس عن ابن شهاب، قال ابن شهاب: "وذُكِر لي أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله ﷺ للصلاة"، وذلك حين صاح عمر.
ومعنى تنزروا -بفتح التاء، وسكون النون، وضم الزاي- أي تُلِحُّوا عليه. ورُوِي بضم أوله بعدها موحدة، ثم راء مكسورة، ثم زاي، أي تخرجوا. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦٠.
ومنها: أنه استَدَلَّ به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء.
قال في الفتح: ولا دلالة فيه؛ لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعدًا متمكنًا، أو لاحتمال أن يكون مضطجعًا لكنه توضأ وإن لم ينقل، اكتفاءً بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء. اهـ. جـ ٢ ص ٦٠.
ومنها: ما كان عليه الصحابة من اهتمامهم بصلاة الجماعة؛ حتى يحضر النساء والصبيان. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3470
٢٠ - بَابُ صَلاةِ الْعِشَاءِ فِي السّفَر
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على عدد صلاة العشاء في حالة السفر.
٤٨٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، قَالَ: صَلَّى بِنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، بِإِقَامَةٍ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد -بموحدة، وراء مصغرا- الجَرْمي -بفتح الجيم، وسكون الراء- صدوق، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٠/ ١٣٠.
٢ - (بهز بن أسد) العَمِّي أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، توفي بعد سنة ٢٠٠، وقيل قبلها، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٨.