← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

سنة ١٠٧، وقال الهيثم بن عدي: سنة ١٠٨، وقال الأصمعي: سنة ١٠٥، والأول أصح. وقال ابن حبان في الثقات: كان يُشْبِهُ أباه في السَّمْت والهَدْي، وقال البخاري في التاريخ الصغير: لا أدري سالم عن أبي رافع صحيح، أم لا؟، وقال غيره: لما قَدِمَ سَبْيُ فارس على عمر كان فيه بنات يَزْدَجْرِد، فَقُوِّمن، فأخذهن علي، فأعطى واحدة لابن عمر، فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليًا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم. قال الحافظ ﵀. فرواية سالم عن عم أبيه زيد بن الخطاب منقطعة قطعا. والله أعلم. أخرج له الجماعة. اهـ تت جـ ٣ ص ٤٣٧ - ٤٣٨. ٨ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة عليهم، إلا شيوخه الثلاثة؛ فالأولان لم يخرج لهما البخاري والترمذي، والثالث انفرد به هو وأبو داود.

стр. 3537

ومنها: أنهم ما بين مصريين؛ وهم إلى يونس، ومدنيين؛ وهم من بعده. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والعنعنة. والله تعالى أعلم. تنبيه: قوله: "زغبة" بدل من عيسى، أو عطف بيان له، وقوله: "قراءة عليه" منصوب على التمييز، وقوله: "وأنا أسمع" جملة حالية دي محل نصب من الضمير المنصوب دي أخبرنا، وقوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث الآتي للحارث، وأما عيسى وأحمد فروياه بالمعنى، وقد تقدم البحث عن مثل هذا غير مرة. وبالله التوفيق. شرح الحديث (عن سالم) بن عبد الله (عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يسبح) أي يصلي النافلة.

стр. 3538

قال في الفتح: وقد تكرر -يعني ذكر التسبيح- في الحديث كثيرًا، والتسبيح حقيقة في قول سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل، أو لأن المصلي منزِّه لله بإخلاص العبادة، والتسبيح: التنزيه، فيكون من باب الملازمة، وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو عرف شرعي. والله أعلم. اهـ. جـ ٢ ص ٦٧٠. (على الراحلة) هي المركب من الإبل ذكرًا كان، أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة الناقة التي تصلح أن تُرَحَّلَ، وجمعها رَوَاحِل. قاله في المصباح (قِبَلَ) -بكسر ففتح- وزان عِنَبٍ: أي جهة، متعلق بيسبح، وهو مضاف إلى قوله: (أيِّ وجه) أي جهة (تتوجه) أي تستقبل تلك الراحلة، وعند البخاري "تَوَجَّهَ" بتاء واحدة بصيغة الماضي، فالضمير للنبي ﷺ . وفيه دليل على جواز التنفل في السفر لغير القبلة، وهو يخصص قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ويبين أن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، في النافلة، كما يأتي في الحديث التالي. (ويوتر عليها) أي يصلي صلاة الوتر على الراحلة (غير أنه) ﷺ (لا يصلي عليها المكتوبة) بالنصب مفعول يصلي، أي الصلاة الفريضة.

стр. 3539

وفيه دليل على أن الوتر غير واجب، إذ لو كان واجبا لما جاز راكبا. وبه قال الجمهور؛ مالك، والشافعي، وأحمد، وهو مروي عن علي، وابن عمر، وعطاء بن أبي ربَاح، والحسن البصري ﵃. وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض، كما في الفرائض، وأحاديث الباب ترد عليهم، وسيأتي تحقيق المسألة في باب الوتر على الراحلة من كتاب قيام الليل (٣٣/ ١٦٨٦)، إن شاء الله تعالى. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵁ هذا من طريق سالم؛ أخرجه مسلم، وعلقه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٤٩٠) عن عيسى بن حماد، والحارث بن مسكين، وأحمد بن أبي السرح، وفي "الكبرى" (٩٤٧) عن عيسى، كلهم عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه. أخرجه البخاري تعليقًا ومسلم وأبو داود؛ فعلقه البخاري في "تقصير الصلاة"، قال: وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب

стр. 3540

عن سالم عنه. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، به. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس، به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن استقبال القبلة في التنفل غير لازم سفرًا. ومنها: جواز النافلة على الدابة في السفر، وهو مجمع عليه. ومنها: كون الوتر غير فرض لكونه يُصَلَّى على الراحلة، إذ لو كان فرضًا لما جاز راكبًا. ومنها: عدم جواز الفرض على الراحلة، وإن كان في السفر. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: أنه أخذ بمضمون حديث ابن عمر ﵄ فقهاء الأمصار، فقالوا: يجوز التنفل في السفر لغير القبلة، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة. والحجة لهم حديث الجارود بن أبي سَبْرَة، عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صَلَّى حيث وَجَّهَت رِكَابُهُ" أخرجه أبو داود، وأحمد، والدارقطني. وصححه ابن السكن. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦٧٠، و"التلخيص"

стр. 3541

جـ ١ ص ٢١٤. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الإمام أحمد، وأبو ثور هو الأولى لهذا الحديث. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: أنه أجمع أهل العلم على جواز النافلة على الراحلة في السفر قِبَلَ مقصده كما قاله النووي، والعراقي، والحافظ، وغيرهم. واختلفوا في جوازه في الحضر، فَجَوَّزه أبو يوسف، وأبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي، وأهل الظاهر، وقال ابن حَزْم: وقد روينا عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يصلون على رحالهم ودَوَابِّهم حيثما توجهت، قال: وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين عمومًا في الحضر والسفر. قال النووي: وهو محكي عن أنس بن مالك. وقال العراقي: استدل من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم تصرح بذكر السفر، وهو ماش على قاعدتهم أنه لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل بكل منهما، فأما من يحمل المطلق على المقيد، وهم الجمهور، فحملوا الروايات المطلقة على المقيدة. ثم إن الجمهور الذين يشترطون السفر قالوا بجواز التنفل على الراحلة سواء كان السفر طويلًا أو قصيرًا، وخالفهم في ذلك مالك،

стр. 3542

فخصه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، قال الطبري: لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، وقال الحافظ ﵀: ولم يتفق على ذلك عنه، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا، فصنع ذلك. وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك. وكأن السر في جواز التطوع على الراحلة تيسير تحصيل النوافل على العباد، وتكثيرها تعظيمًا لأجورهم رحمةً من الله بهم. انظر "الفتح" جـ ٢ ص ٦٧٠. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي القول بعدم جواز التنفل في الحضر، لأن التوجه إلى القبلة فرض في الصلاة مطلقًا بنص الكتاب، فلا يُسْتَثْنَى منه إلا ما استثناه النص، وهو حالة السفر، كما يأتي نصًا من حديثا ابن عمر رضى الله عنهما أن آية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] نزلت في ذلك. والله أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٤٩١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ أُنْزِلَتْ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].

стр. 3543

رجال الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفَلاس الصيرفي البصري أبو حفص، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيُّ البصري المعروف بالزَّمِنِ، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٣ - (يحيى) بن سعيد القَطَّان البصري، ثقة مُتْقِن حافظ، توفي سنة ١٩٨، من كبار [٩]، تقدم في ٤/ ٤. ٤ - (عبد الملك) بن أبي سليمان مَيْسَرَة العَرْزَميُّ، أبو محمد الكوفي، صدوق له أوهام، توفي سنة ١٤٥، من [٥]، أخرج له البخاري تعليقا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٤٠٦. ٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي الكوفي الفقيه الثقة، من [٣]، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم من رجال الجماعة، وكلهم ثقات نبلاء إلا عبد الملك، فمختلف فيه.

стр. 3544

ومنها: أن شيخيه من مشايخ الستة. ومنها: أنهم بصريون إلا عبد الملك وسعيدًا فكوفيان، وابن عمر فمدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ عبد الملك عن سعيد. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عمر) ﵄، أنه قال (كان رسول الله ﷺ يصلي على دابته) أي يتنفل، بدليل قوله في الحديث الماضي: "غير أنه لا يصلي المكتوبة" (وهو) أي والحال أنه (مقبل من مكة إِلى المدينة) أراد به أنه كان يتنفل مستدبر القبلة، ولذا أتبعه قوله (وفيه) أي في هذا العمل الذي هو التنفل مع عدم استقبال الكعبة (أنزلت) آية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ "أين" ظرف متعلق بِتُوَلُّوا، و"ما" زائدة، وهو مضمن معنى الشرط، ولذا جُزِمَ به الشرطَ، والجواب، و "ثَمَّ" ظرف مكان للبعيد في محل النصب متعلق بمحذوف خبر لقوله: "وجه"، والجملة في محل جزم جواب الشرط. وقد ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﴿فَثَمَّ وَجْهُ﴾ في تفسيره فأخرج بسنده عن النضر بن عربي، عن مجاهد، قال: قبلة الله، وأخرج عن إبراهيم، عن مجاهد، قال:

стр. 3545

حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها. وقال: وقال آخرون: معناه: فثم الله ﵎، وقال آخرون: معناه: فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم، وقال آخرون: عَنَى بالوجه: ذا الوجه، وقال قائلو هذه المقالة: وجه الله صفة له. اهـ. جـ ١ ص ٥٠٦. وقال قبل ذلك: وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جَلَّ ثناؤه في ذلك الوجه، وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه إلى المسجد الحرام. اهـ. جـ ١ ص ٥٠٢. وتعقبه الحافظ ابن كثير قائلًا: وفي قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه مكان: إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك عُلُوًا كبيرًا. اهـ. "تفسير ابن كثير" جـ ١ ص ١٦٣، وبالله التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 3546

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا من رواية سعيد بن جبير أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٤٩١) عن عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، وفي "الكبرى" في التفسير (١٠٩٩٧) عن محمد بن آدم بن سليمان عن ابن المبارك، عن عبد الملك، به، بلفظ: "أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته، حيث توجهت به. ثم تلا هذه الآية، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ". والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، والترمذي؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن يحيى بن سعيد، وعن أبي كريب، عن ابن المبارك- ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة- وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه- كلهم عن عبد الملك به. وأخرجه الترمذي في "التفسير" عن عَبْدِ بن حُمَيد، عن يزيد بن هارون، عن عبد الملك، به. والله تعالى أعلم.

стр. 3547

المسألة الرابعة: في فوائده: منها: مشروعية التطوع بالنوافل المطلقة بخلاف السنن الرواتب، وهذا هو القول الراجح، وسيأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومنها: عدم وجوب استقبال القبلة في التطوع، وقد تقدم البحث عنه قريبًا. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من إكثار الطاعة مع كونه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ شكرًا لله تعالى. ومنها: أن القرآن نَزَلَ على النبي ﷺ شيئًا بعد شيء على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل الله دينه، كما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] الآية. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: أنه اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه هذه الآية على أقوال: أحدها: هذا الذي ذكره ابن عمر ﵄، وهو الأرجح كما يأتي. الثاني: أنها نزلت فيمن صَلَّى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة. أخرج الترمذي بسنده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم نَدْرِ أين القبلةُ؟ فصلى كل رجل منا على حِيَالِه، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ،

стр. 3548

فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. لكن الحديث ضعيف، لضعف الأشعث السَّمَّان، قال الترمذي: يضعف في الحديث، وشيخه عاصم بن عبيد الله أيضًا ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به، وقال ابن حبان: منكر الحديث. الثالث: أنها نزلت في النجاشي لَمَّا صلَّى عليه النبي ﷺ حين مات، أخرج ابن جرير ﵀ بسنده عن قتادة: أن النبي ﷺ قال: "إن أخًا لكم قد مات فَصَلُّوا عليه" قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال الحافظ ابن كثير: وهذا غريب والله أعلم. اهـ. تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٦٢. قال الجامع: وهو مرسل أيضًا، فهو ضعيف. والله أعلم. الرابع: أنها نزلت لما أنكرت اليهود تحويل القبلة إلى الكعبة بعد ما كانت إلى بيت المقدس، فقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] فَرَدَّ الله عليهم بقوله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ يعني أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء وجههم إلى بيت المقدس، وإن شاء إلى الكعبة، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]

стр. 3549

الخامس: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ذكره ابن عباس ﵄. السادس: أنها محكمة، والمعنى أينما كنتم من شرق وغرب، فثم وجه الله الذي أمركم باستقباله، وهو الكعبة، رُوي هذا عن مجاهد، والضحاك. السابع: ما رُوِيَ عن مجاهد، وابن جبير: لما نزلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. الثامن: ما رُوِي عن ابن عمرو النخعي: أينما تولوا في أسفاركم، ومنصرفاتكم فثم وجه الله. التاسع: قيل: هي متصلة بقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] الآية، فالمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تَسَعُكُم، فلا يَمْنَعْكُمْ تخريبُ مَن خَرَّبَ مساجد الله أن تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من أرضه. العاشر: أنها نزلت حين صُدَّ النبي ﷺ البيت عام الحديبية، فَاغْتَمَّ المسلمون لذلك. فهذه عشرة أقوال في هذه الآية مُلَخصة من "تفسير القرطبي". جـ ٢ ص ٧٩ - ٨٣، وزيادة من "تفسير ابن كثير". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من

стр. 3550

قال: إنها نزلت في الصلاة النافلة في السفر، لحديث الباب، فقد أخرجه مسلم كما تقدم، فيكون أصح من غيره، والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. رجال الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله الإمام الحجة المدني، توفي سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني ثقة، توفي سنة ١٢٧، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦٧/ ٢٦٠. ٤ - (ابن عمر) ﵄ تقدم في السابق. والله تعالى أعلم

стр. 3551

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهذا هو الموضع السادس عشر من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات اتفق الجماعة عليهم. ومنها: أنهم مدنيون إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أنه لا يوجد في الكتب الستة من اسمه قتيبة إلا شيخه، وكذا من يسمى مالك بن أنس غير مالك الإمام. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عمر) ﵄، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته) أي النافلة، كما تقدم تحقيقه (في) حال (السفر حيثما توجهت به) الباء للتعدية، أو المصاحبة، أي إلى أي جَهَةٍ وَجَّهَتْهُ، أو تَوَجَّهَتْ معه، والعائد إلى حيث محذوف، أي إليه، وحيث متعلق بيصلي. وقال ابن التين: مفهومه: أنه يجلس عليها على هيئته التي يركب عليها، ويستقبل بوجهه ما استقبلته، فتقديره: يصلي على راحلته التي له حيث توجهت به، فعلى هذا يتعلق قوله: "توجهت به" بقوله: "يصلي"، ويحتمل أن يتعلق بقوله: "على راحلته". لكن يؤيد الأول الرواية بلفظ "وهو على الراحلة يسبح قبَلَ أيّ وَجْه توجهت". ذكره في "الفتح" جـ ١ ص ٦٦٨.

стр. 3552

قال الحافظ ﵀: واستدل به على أن جهة الطريق تكون بدلًا عن القبلة، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامدًا قاصدًا لغير حاجة المسير إلا إذا كان في غير جهة القبلة فانحرف إليها، فإنه لا يضره على الصحيح. واستُنبط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي، ومنعه مالك مع أنه أجازه لراكب السفينة. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦٧٠. (قال مالك) بن أنس ﵀ (قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر) ﵄ (يفعل ذلك) أي المذكور من الصلاة على الراحلة في السفر اقتداء بالنبي ﷺ والله أعلم. مسائل تتعلق به الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا من رواية عبد الله بن دينار أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا بهذا السند فقط. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عنه. وبقية المسائل تقدمت في الحديثين السابقين، فارجع إليهما تَزْدَدْ

стр. 3553

عِلْمًا. وبالله تعالى التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3554

٢٤ - بَابُ اسْتِبَانَةِ الْخَطأ بَعْدَ الاجْتِهَادِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم اتضاح الخطأ في القبلة بعد الصلاة بالاجتهاد. والاستبانة معناها الوضوح، قال الفيومي: رحمه الله تعالى في المصباح المنير: بَانَ الأمرُ، يَبِينُ، فهو بَيِّن، وجاء بَائِنٌ على الأصل، وأبَانَ إبَانَةً، وَبَيَّنَ، وَتَبَيَّنَ، وَاسْتَبَانَ، كُلُّهَا بمعنى الوضوح، والانكشاف، والاسمُ البَيَانُ، وجميعُها يُستَعمَلُ لازمًا ومتعديًا إلا الثلاثي، فلا يكون إلا لازمًا. اهـ. المقصود من كلامه. وفي "ق" بَانَ بَيَانًا: اتضح. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا المعنى اللازم. والله أعلم. ٤٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. هذا الإسناد هو الإسناد الذي مضى في الحديث السابق، فلا حاجة إلى إعادة الكلام عليه، وهو السابع عشر من رباعيات الكتاب.

стр. 3555

شرح الحديث (عن) عبد الله (بن عمر) ﵄ أنه (قال: بينما الناسُ) "بينما" هي "بين" الظرفية اتصلت بها "ما" الكافة، كقوله: (من الخفيف) بَيْنَمَا نَحْنُ بِالأرَاكِ مَعًا … إِذ أتَى رَاكِبٌ عَلَى جَمَلِهْ وقيل: "ما" زائدة، و "بين" مضافة إلى الجملة بعدها، وقيل: زائدة، و "بين" مضافة إلى زمن محذوف مضاف إلى الجملة، أي بين أوقات الناس بقباء، والأقوال الثلاثة تجري في "بين" مع الألف في نحو قوله: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أمْرُنَا … إذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نَنْتَصِفْ (١) وقوله "الناسُ" مبتدأ، وقوله (بقباء) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر للمبتدإ. وقباء: موضع بقرب مدينة النبي ﷺ من جهة الجَنُوب نحو ميلين، وهو بضم القاف، يقصر، ويمد، ويصرف، ولا يصرف. قاله في المصباح. وقال في الفتح: قباء بالمد والصرف، وهو الأشهر، ويجوز القصر،

стр. 3556

وعدمُ الصرف، وهو يذكر، ويؤنث، موضع بظاهر المدينة، والمراد هنا مسجدُ أهلِ قباءَ، ففيه مجازُ الحذف، واللام في الناس للعهد الذهني، والمراد أهل قباء، ومن حَضَرَ معهم. اهـ. جـ ١ ص ٦٠٣. (في صلاة الصبح) ولمسلم "في صلاة الغداة"، وهو أحد أسمائها، وقد نَقَلَ بعضهم كراهية تسميتها بذلك. وهذا فيه مغايرة لحديث البراء المتقدم، فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر، والجواب أنه لا منافاة بين الخبرين، لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخلَ المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارجَ المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف، أهلُ قباء، وذلك في حديث ابن عمر هذا. أفاده في الفتح. (جاءهم آتٍ) قال في "الفتح": ولم يُسَمَّ الآتي بذلك إليهم، وإن كان ابن طاهر وغيرُه نقلوا أنه عباد بن بشر ففيه نظر، لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوا محفوظًا، فيحتمل أن يكون عبادٌ أتى بني حارثة أوَّلًا في وقت العصر، ثم تَوَجَّهَ إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في وقت الصبح، ومما يدل على تعددهما أن مسلمًا رَوَى من حديث أنس "أن رجلًا من بني سَلِمَةَ مَرَّ، وهم راكعون في صلاة الفجر" فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سَلِمَةَ غيرُ بني حارثة.

стр. 3557

(فقال) ذلك الآتي (إِن رسول الله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المعلوم من السياق، وقد بَيَّنَ ذلك في رواية أخرى، فعند البخاري "قد أنْزِلَ عليه الليلةَ قرآن" قال في الفتح: فيه إطلاق الليلةِ على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه مجازًا، والتنكيرُ في قوله "قرآن" لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ …﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات اهـ. جـ ١ ص ٦٠٣. (وقد أمر) بالبناء للمفعول أيضًا، أي أمره الله في تلك الآيات المُنْزَلَة عليه (أن يستقبل) "أن" مصدرية، والفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جر محذوف قياسًا، أي بالاستقبال (الكعبةَ) منصوب على المفعولية. سُمِّيَ البيت الحرام كعبة لارتفاعه، وقيل: لتربيعه، قال في المصباح في مادة "كَعَبَ" وكَعَبَت المرأة تَكْعُبُ، من باب قَتَلَ، كِعَابَةً: نَتَأ ثَدْيُها، فهي كاعب، وسميت الكعبة بذلك لنُتُوْئِها، وقيل: لتربيعها وارتفاعها. اهـ. قال في الفتح: وفيه أنَّ ما أمرَ به النبيُّ ﷺ يلزم أمَّتهُ، وأنَّ أفعاله يتأسى بها، كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص. اهـ. (فاستقبَلُوهَا) بفتح الموحدة للأكثر، أي فتحولوا إلى جهة الكعبة، والواو في "استقبلوا" لأهل قباء، وقوله (وكانت وجوههم إِلى الشام) تفسير من الراوي للتحول المذكور، ويحتمل أن يكون

стр. 3558

الواو ضَمِيرَ النبي ﷺ ، ومن معه، وضمير "وجوههم" لهم، أو لأهل قباء على الاحتمالين. أفاده في "الفتح". وقال النووي ﵀: "فاستقبلوها"- بكسر الباء، وفتحها، والكسر أصح، وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده. اهـ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي رواية الأصيلي "فاستقبلوها" -بكسر الموحدة- بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير "وجوههم" الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر، ويرجح رواية الكسر أنه عند البخاري في التفسير من رواية سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار في هذا الحديث بلفظ "وقد أمِرَ أن يستقبلَ الكعبةَ، ألا فاستقبلُوها"، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر، لا أنه بقية الخبر الذي قبله. والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ١ ص ٦٠٤. (فاستداروا إِلى الكعبة) أي توجهوا إلى القبلة المأمور بها، وهي الكعبة، وقد تقدم الكلام في كيفية تحولهم في شرح حديث (٤٨٩) فارجع إليه تزدد علمًا. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:

стр. 3559

أخرجه هنا (٤٩٣) وفي "التفسير" في "الكبرى" (١١٠٠٢) عن قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله ابن يوسف -وفي "التفسير" عن يحيى بن قَزَعَةَ- وقتيبة -فَرَّقهما- وفي "خبر الواحد" عن إسماعيل بن أبي أويس- وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة- أربعتهم عن مالك، به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في بعض فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن من استبان له خطؤه في استقبال القبلة مجتهدًا لا يعيد الصلاة، ووجه الدلالة من الحديث أنَّ أهل قباء لما صَلَّوا أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة جاهلين بوجوب التحول عنها، وأجزأ عنهم مع ذلك، حيث لم يُؤمَرُوا بالإعادة كان المخطئ بعد الاجتهاد مثلهم. وهذا القول الراجح في المسألة، كما يأتي تحقيقه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. وأما بقية الفوائد فقد تقدمت في الباب الماضي، فارجع إليها تزدد علمًا. والله ولي التوفيق. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء فيمن اجتهد في القبلة، فصلى إلى غيرها، فهل يعيد الصلاة، أم لا؟

стр. 3560

ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وحماد إلى أنه لا يعيد، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإليه ذهب البخاري؛ حيث قال في الصحيح: "باب ما جاء في القبلة، ومَن لا يَرَى الإعادة على مَن سَهَا، مصلى إلى غير القبلة"، "وقد سَلَّم النبي ﷺ في ركعتي الظهر، وأقبل على الناس بوجهه، ثم إنه أتَمَّ ما بقي" اهـ. وعن مالك كذلك، وعنه يعيد في الوقت استحبابًا، وقال ابن المنذر: وهو قول الحسن، والزهري. وقال المغيرة: يعيد أبدًا، وعن حميد بن عبد الرحمن وطاوس والزهري: يعيد في الوقت. وقال الشافعي: إن فرغ من صلاته، ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة، وإن لم يَبِنْ له ذلك إلا باجتهاده، فلا إعادة عليه. وفي التوضيح: وقال الشافعي: إن لم يتيقن الخطأ فلا إعادة عليه، وإلا أعاد. أفاده البدر العيني ﵀ في "عمدته" جـ ٤ ص ١٤٣. قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي القول الأول وهو الذي رجحه البخاري ﵀ كما مر آنفًا، لحديث الباب، ووجه دلالته عليه من حيث إن الخطأ والجهل متشابهان، فيكون حكمهما واحدًا. ولِمَا استَدَلَّ به البخاري من أنه ﷺ سَلَّم في ركعتي الظهر … الخ، وهو طرف من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وهو

стр. 3561

موصول في الصحيحين من طرق، لكن قوله: "وأقبل على الناس" ليس في الصحيحين بهذا اللفظ موصولًا، لكنه في الموطأ من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة ﵁. ووجه الاستدلال به من جهة أنَّ بناءه على الصلاة دال على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلي، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهيًا لا تبطل صلاته. أفاده في "الفتح" جـ ١ ص ٦٠٢. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3562

٦ - كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على مواقيت الصلاة. والمواقيت جمع مِيقَات، وأصله: مِوْقات، بالواو، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ولهذا ظهرت في الجمع، فقيل: مواقيت، ولم يُقَلْ: مياقيت. اهـ. المستعذب في تفسير ألفاظ المهذب جـ ١ ص ٥٢. وفي المصباح: المِيقَاتُ: الوَقْت، وهو مِقْدَارٌ من الزمان مفروض لأمْرٍ مَا، وكل شيء قَدرت له حِينًا فقد وَقَّتَّهُ تَوْقِيتًا، وكذلك ما قَدَّرْتَ له غاية، والجمع: مَوَاقِيت. اهـ. بتصرف. ٤٩٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ".

стр. 3563

رجال الإسناد: ست ١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، تقدم في السند السابق، أخرج له الجماعة. ٢ - (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفَهْمي المصري، ثقة ثبت فقيه، إمام مشهور، توفي في شعبان سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام الفقيه المدني ثقة مشهور، توفي سنة ٩٤، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (بشير بن أبي مسعود) عقبة بن عَمْرو الأنصاري المدنى، له رؤية، وقال العِجْلي: تابعي ثقة. وفي "تت": روى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وهِلَالُ بنُ جَبْرٍ، ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس، وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، وكذا البخاري، ومسلم، وأبو حاتم الرازي. وَرَوى ابنُ منده من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ابن حلبس، قال: قال بشير بن أبي مسعود، وكان من الصحابة، قال ابن منده: وروى أبو معاوية، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، قال: رأيت بشير بن أبي

стр. 3564

مسعود، وكانت له صحبة. قال الحافظ ﵀: وقرأت بخط مغلطاي أن ابن خلفون ذكر في الثقات أن بشيرًا وُلِدَ بعد وفاة النبي ﷺ بقليل كذا قال، ولفظه ولد في حياة النبي ﷺ ، أَو بعده بيسير. اهـ. روى له الجماعة إلا الترمذي. ٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثَعْلَبَةَ بن أسيرة بن عَميرَة بن عَطِيَّةَ بن جدَارَة (١) بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، البدري صاحب النبي ﷺ ، شَهِدَ العَقَبَة. قال شعبة: كان أبو مسعود بدريًا، وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لم يشهد بدرًا، وهو قول ابن إسحاق. وقال ابن سعد: شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ليس بين أصحابنا في ذلك اختلاف. وقيل: إنه نزل ماء ببدر، فنسب إليه. وفي "صحيح البخاري" من حديث عروة بن الزبير، قال: أخر المغيرة بن شعبة العصر، فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو، جد زيد بن حسن، وكان شهد بدرًا، فقال: يا مغيرة، فذكر الحديث، سمعه عروة من بشير بن أبي مسعود، عن أبيه، وبذلك عده البخاري في البدريين، وقال مسلم بن الحجاج في "الكنى": شهد بدرًا. وقال أبو أحمد الحاكم: يقال: إنه شهد بدرًا. وقال أبو القاسم البغوي: حدثني أبو عمرو يعني علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، يعني القاسم بن سلام قال: أبو مسعود عقبة بن عمرو

стр. 3565

شهد بدرًا. وقال ابن البرقي: لم يذكره ابن إسحاق في أهل بدر، وفي غير حديث أنه فيمن شهد بدرًا. وقال أبو القاسم الطبراني: أهل الكوفة يقولون: إنه شهد بدرًا، ولم يذكره أهل المدينة فيمن شَهِدهَا، وذكره عروة بن الزبير فيمن شهد العَقَبَةَ. قال الحافظ: فإذا شهد العقبة فما المانعُ من شهوده بدرًا، وما تقدم عن ابن سعد لم يقله من عند نفسه، وإنما نقله عن شيخه الواقدي، ولو قبلنا قوله في المغازي مع ضعفه، فلا ترد به الأحاديث الصحيحة. والله الموفق. قال خليفة: مات قبل الأربعين -يعني بالكوفة- وقال المدائني: مات سنة ٤٠، وقيل: غير ذلك في تاريخ وفاته، وقيل: مات بالمدينة، أخرج له الجماعة. اهـ. تت بتصرف. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات اتفق الجماعة عليهم، إلا بشيرًا، فلم يخرج له الترمذي، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فبغلاني، والليث فمصري. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ ابن شهاب وعروة وبشير. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.

стр. 3566

ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة، والسماع. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن شهاب) الزهري (أن عمر بن عبد العزيز) بن مَرْوَان بن الحَكَم بن أبي العاص الأمويَّ، أميرَ المؤمنين، أمُّهُ أمُّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، توفي في رجب سنة ١٠١، وله ٤٠ سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، من [٤]، تقدم في ١٢٢/ ١٧١. (أخر الصلاة شيئًا) أي أخر صلاة العصر تأخيرًا يسيرًا، أو وقتًا يسيرًا، فشيئًا مفعول مطلق، أو منصوب على الظرفية، والتنوينُ للتقليل. يعني أنه أخرها قليلًا بحيث خرج الوقت المستحب، لا أنه أخرها حتى خرج وقتها بالكلية. وقد وقع تعيين الصلاة المؤخرة عند البخاري في "بدء الخلق"، ولفظه: "أخر العصر شيئًا"، قال ابن عبد البر ﵀: ظاهر سياقه أنه فَعَلَ ذلك يَوْمًا مَّا، لا أنَّ ذلك كان عادةً له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك. اهـ.

стр. 3567

وفي رواية عبد الرزاق عن معمر، عن ابن شهاب "أخر الصلاة" يعني العصر. وللطبراني من طريق أبي بكر بن حزم أن عروة حدث عمر بن عبد العزيز -وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك- وكان ذلك زَمَانَ يُؤخِّرُونَ فيه الصلاة، يعني بني أمية. قال ابن عبد البر: المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: يؤيد ما قاله الحافظ ابن عبد البر ﵀ رواية المصنف، حيث قال "شيئًا" بالتنكير، وكذا رواية أبي داود "وكان قاعدًا على المنبر، فأخر العصر شيئًا"، وفيها أيضًا بيان سبب تأخيره، وهو أنه كان مشتغلًا بمصالح المسلمين، لا للتهاون بأمر الصلاة. قال الحافظ ﵀: وأما ما رواه الطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: "دعا المؤذنُ لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها" فمحمول على أنه قارب المساء، لا أنه دخل فيه. وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فَروى الأوزاعيُّ عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز -يعني في خلافته- كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة والعصر في الساعة العاشرة

стр. 3568

حين تدخل. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦. (فقال له عروة) بن الزبير (أما) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح، كألا، وتكثر قبل القسم، كقوله: أمَا وَالَّذِي أبْكَي، وَأضْحَكَ، وَالَّذِي … أمَاتَ، وأحْيَا، وَالَّذِي أمْرُهُ الأمْرُ وقد تبدل همزتها هاءً، أو عينًا قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف، وحذفها، أو تُحذَفُ الألف مع ترك الإبدال، وإذا وقعت "إن" بعدها كُسِرَت، كما تُكسَرُ بعد "ألا" الاستفتاحية. أفاده في مغني اللبيب جـ ١ ص ٥٢ بحاشية الأمير. (إِن جبريل ﵇ بكسر "إن" كما مر آنفًا. وقد كتب النووي ﵀ في تهذيب الأسماء واللغات ترجمة جبريل ﵇، أحببت إيرادها هنا لحسنها، فقال: وجبريل: هو الملك الكريم رسول رب العالمين ﷺ ، وفيه تسع لغات، حكاها ابن الأنباري، وابن الجوالقي: جِبريل، وجَبريل -بكسر الجيم وفتحها-، وجَبرئِلّ -بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام-، وجبْرائيل -بهمزة ثم ياء مع الألف-، وجبْرَاييل -بياءين بعد الألف-، وجِبْرَئيَل -بهمزة بعد الراء وياء-، وجَبْرَئِل -بكَسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء-، وجَبْرِين، وجِبْرِين -بفتح الجيم وكسرها-. قال جماعات من المفسرين، وصاحبُ المحكم، والجوهريُّ،

стр. 3569

وغيرُهما من أهل اللغة في جبريل ومكائيل: إن جَبْر، ومِيك اسمان أضيفا إلى إيل، وأل، وقال: وإيل، وأل: اسمان لله تعالىَ، وجبر، وميك: معناه بالسريانية عبد، فتقديره عبد الله. قال أبو علي الفارسي: هذا الذي قالوه خطأ من وجهين: أحدهما: أن "إيل" و "أل" لا يعرفان في أسماء الله تعالى. والثاني: أنه لو كان كذلك لم يتصرف آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان آخره مجرورًا أبدًا، كعبد الله. قال النووي ﵀: وهذا الذي قاله أبو علي، هو الصواب، فإن ما زعموا باطل، لا أصل له. (واعلم) أن جبريل يقال له الناموس بالنون كما ثبت في الصحيحين في حديث المبعث. قال أهل اللغة: الناموس صاحب سر الرجل الذي يُطلِعُهُ على باطن أمره، وقيل: الناموس صاحب خبر الخير، والجاسوس صاحب خبر الشر. وقد تظاهرت الدلائل على عظَمِ مَرْتَبَة جبريل ﵇، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧، ٩٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ …﴾ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣، ١٩٤] الآية.

стр. 3570

وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] الآيات، المراد بشديد القوى جبريل ﵇، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤] الآية، المراد رأى جبريل، هذا قول الجمهور، فرآه النبي ﷺ على صورته له ستمائة جناح مرتين، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ [التكوير: ١٩، ٢٤]. وثبت في صحيح البخاري ومسلم في حديث المبعث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جاءه جبريل، وهو يتعبد في غار حراء، فأخذه، فغطه، ثم أرسله، فقال: اقرأ، ثم غطه ثانية، وثالثة، يقول له: مثل ذلك، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. وعن مسروق، قال: قلت لعائشة ﵁: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسولَ الله ﷺ ؟ فقال: "إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سَادًا عِظَمُ خلقته ما بين السماء والأرض".

стр. 3571

وفي "صحيح مسلم" عن مسروق أيضًا، قال: قلت لعائشة ﵂: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]؟ فقالت: إنما ذلك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه هذه المرة في صورته فسَدَّ أفُقَ السماء. وفي "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَة الْجَرَسَ، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وَعَيْتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول"، قالت عائشة: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فَيُفْصَمُ عنه، وإن جبينه ليَتَفَصَّد عَرَقًا". قال أهل اللغة: الفَصْم: القطع بغير إبانة، ومعناه: يفارقني على أن يعود. وفي صحيحيهما عن ابن عباس ﵄، قال: "كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة". وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤]. وفيه أيضًا عن البراء ﵁، قال: قال النبي ﷺ لحسان

стр. 3572

رضي الله عنه: "اهجهم" أو "هاجهم، وجبريلُ معك". وفي "الصحيحين" في حديث الإسراء صعود رسول الله ﷺ وجبريل إلى السموات السبع، وأن جبريل يستفتح في باب كل سماء، فيقال: مَنْ هذا؟ فيقول: جبريلُ، فيقال: مَن معك؟، فيقول: محمد، فيفتح. وفي الصحيح "إن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريلُ إني أحب فلانًا، فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم يُنادي جبريل في السماء إن الله يحب فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض". والأحاديث الصحيحة المتعلقة بِعظَمِ فضل جبريل كثيرة مشهورة. وكان يأتي النبي ﷺ في صورة دِحْيَةَ الكلبي، ورأته الصحابة حين جاء في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثَرُ السفر، ولا يعرفه أحد، فسأل النبي ﷺ ، وهم يرونه، ويسمعونه عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، وأمَارَتِهَا، ثم خرج، فطلبوه في الحال، فلم يجدوه، فقال النبي ﷺ : "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". كما في "الصحيحين". وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب". وفيه أيضًا عن عائشة ﵂، قالت: "لما رجع

стр. 3573

النبي ﷺ من الخَنْدق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل، فقال: قد وضعتَ السلاحَ، والله ما وضعناه، فاخْرُجْ إليهم، قال: فإلى أين؟ قال: ها هنا، وأشار بيده إلى بني قُرَيَظةَ، فخرج النبي ﷺ إِليهم". وفيه عن أنس بن مالك ﵁، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زُقَاق بني غنم، موكب جبريل حين سار النبي ﷺ إلى بني قريظة. اهـ. تهذيب الأسماء واللغات بتصرف يسير جـ ١ ص ١٤٣ - ١٤٦. والله تعالى أعلم. تنبيهان: الأول: أنه قال الحافظ السيوطي ﵀: لا خلاف أن جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت رؤوس الملائكة، وأشرافهم، وأفضل الأربعة: جبريل وإسرافيل، وفي التفضيل بينهما توقف، سببه اختلاف الآثار في ذلك، وفي معجم الطبراني الكبير حديث "أفضل الملائكة جبريل"، لكن سنده ضعيف، وله معارض، فالأوْلَى الوقفُ عن ذلك. اهـ، نقله الزرقاني في "شرح الموطأ" جـ ١ ص ١٢. الثاني: أنه اختلف في نزول جبريل في صفة رجل، فقال إمام الحرمين ﵀: نزوله في صفة رجل، معناه: أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد، وجزم ابن عبد السلام ﵀ بالإزالة دون الفناء، إذ لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز

стр. 3574

أن يبقى الجسد حَيًا، لأن موته بمفارقة الروح لا يجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خُضْر، تَسْرحُ في الجنة. وقال البلقيني ﵀: يجوز أن الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم، فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك العادة عاد إلى هيئته، ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان مُنتَفِشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب. قال الحافظ ﵀: والحق أن تمثيل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أن القدر الزائد لا يزول، ولا يفنى، بل يَخْفَى على الرائي فقط. وقال القونوي: يمكن أن جسمه الأول بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله له شَبَحًا آخر، وروحه متصرفة فيهما جميعًا في وقتٍ واحد، اهـ. "شرح الزرقاني على الموطأ" جـ ١ ص ١٢، ١٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن مثل هذه المسألة مما لا ينبغي الخوض فيها لعدم وجود نص يدل عليها، وليست مما يُدرَكُ بمجرد العقل، لأنها من الأمور الغيبية، ولم يكلفنا الله بمعرفة تفاصيلها، فالخوض فيها يكون من الخوض فيما لا يعني، فالأولى

стр. 3575

تركه، وتفويض علمه إلى عالم غيب السموات والأرض. وبالله التوفيق. (قد نزل) صبيحة ليلة الإسراء، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لم يختلف أن جبريل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال، فَعَلَّمَ النبيَّ ﷺ الصلاة، ومواقيتها، وهيئتها. اهـ. "تمهيد" جـ ٨ ص ٣٤. تنبيه: رواية المصنف فيها اختصار، ففي رواية البخاري عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا، وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس أن جبريل نزل، فصلى، فصلى رسول الله ﷺ … الحديث. والصلاة التي أخرها المغيرة هي العصر؛ كما بينه عبد الرزاق في روايته، وهي التي أخرها عمر بن عبد العزيز كما تقدم. (فصلى إِمام رسول الله ﷺ ) قال السندي رحمه الله تعالى: بكسر الهمزة، وهو حال، لكون إضافته لفظية نظرًا إلى المعنى، أو بفتح الهمزة، وهو ظرف، والمعنى يميل إلى الأول. اهـ. وقال السيوطي ﵀: لا إشكال في فتح همزة "إمام"، بل في كسرها، لأن إضافة إمام مُعَرِّفَة، والموضع موضع الحال، فيوجب جعله
следующие страницы →