← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وفي "صحيح مسلم" عن مسروق أيضًا، قال: قلت لعائشة ﵂: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]؟ فقالت: إنما ذلك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه هذه المرة في صورته فسَدَّ أفُقَ السماء. وفي "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَة الْجَرَسَ، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وَعَيْتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول"، قالت عائشة: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فَيُفْصَمُ عنه، وإن جبينه ليَتَفَصَّد عَرَقًا". قال أهل اللغة: الفَصْم: القطع بغير إبانة، ومعناه: يفارقني على أن يعود. وفي صحيحيهما عن ابن عباس ﵄، قال: "كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة". وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤]. وفيه أيضًا عن البراء ﵁، قال: قال النبي ﷺ لحسان

стр. 3572

رضي الله عنه: "اهجهم" أو "هاجهم، وجبريلُ معك". وفي "الصحيحين" في حديث الإسراء صعود رسول الله ﷺ وجبريل إلى السموات السبع، وأن جبريل يستفتح في باب كل سماء، فيقال: مَنْ هذا؟ فيقول: جبريلُ، فيقال: مَن معك؟، فيقول: محمد، فيفتح. وفي الصحيح "إن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريلُ إني أحب فلانًا، فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم يُنادي جبريل في السماء إن الله يحب فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض". والأحاديث الصحيحة المتعلقة بِعظَمِ فضل جبريل كثيرة مشهورة. وكان يأتي النبي ﷺ في صورة دِحْيَةَ الكلبي، ورأته الصحابة حين جاء في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثَرُ السفر، ولا يعرفه أحد، فسأل النبي ﷺ ، وهم يرونه، ويسمعونه عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، وأمَارَتِهَا، ثم خرج، فطلبوه في الحال، فلم يجدوه، فقال النبي ﷺ : "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". كما في "الصحيحين". وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب". وفيه أيضًا عن عائشة ﵂، قالت: "لما رجع

стр. 3573

النبي ﷺ من الخَنْدق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل، فقال: قد وضعتَ السلاحَ، والله ما وضعناه، فاخْرُجْ إليهم، قال: فإلى أين؟ قال: ها هنا، وأشار بيده إلى بني قُرَيَظةَ، فخرج النبي ﷺ إِليهم". وفيه عن أنس بن مالك ﵁، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زُقَاق بني غنم، موكب جبريل حين سار النبي ﷺ إلى بني قريظة. اهـ. تهذيب الأسماء واللغات بتصرف يسير جـ ١ ص ١٤٣ - ١٤٦. والله تعالى أعلم. تنبيهان: الأول: أنه قال الحافظ السيوطي ﵀: لا خلاف أن جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت رؤوس الملائكة، وأشرافهم، وأفضل الأربعة: جبريل وإسرافيل، وفي التفضيل بينهما توقف، سببه اختلاف الآثار في ذلك، وفي معجم الطبراني الكبير حديث "أفضل الملائكة جبريل"، لكن سنده ضعيف، وله معارض، فالأوْلَى الوقفُ عن ذلك. اهـ، نقله الزرقاني في "شرح الموطأ" جـ ١ ص ١٢. الثاني: أنه اختلف في نزول جبريل في صفة رجل، فقال إمام الحرمين ﵀: نزوله في صفة رجل، معناه: أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد، وجزم ابن عبد السلام ﵀ بالإزالة دون الفناء، إذ لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز

стр. 3574

أن يبقى الجسد حَيًا، لأن موته بمفارقة الروح لا يجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خُضْر، تَسْرحُ في الجنة. وقال البلقيني ﵀: يجوز أن الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم، فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك العادة عاد إلى هيئته، ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان مُنتَفِشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب. قال الحافظ ﵀: والحق أن تمثيل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أن القدر الزائد لا يزول، ولا يفنى، بل يَخْفَى على الرائي فقط. وقال القونوي: يمكن أن جسمه الأول بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله له شَبَحًا آخر، وروحه متصرفة فيهما جميعًا في وقتٍ واحد، اهـ. "شرح الزرقاني على الموطأ" جـ ١ ص ١٢، ١٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن مثل هذه المسألة مما لا ينبغي الخوض فيها لعدم وجود نص يدل عليها، وليست مما يُدرَكُ بمجرد العقل، لأنها من الأمور الغيبية، ولم يكلفنا الله بمعرفة تفاصيلها، فالخوض فيها يكون من الخوض فيما لا يعني، فالأولى

стр. 3575

تركه، وتفويض علمه إلى عالم غيب السموات والأرض. وبالله التوفيق. (قد نزل) صبيحة ليلة الإسراء، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لم يختلف أن جبريل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال، فَعَلَّمَ النبيَّ ﷺ الصلاة، ومواقيتها، وهيئتها. اهـ. "تمهيد" جـ ٨ ص ٣٤. تنبيه: رواية المصنف فيها اختصار، ففي رواية البخاري عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا، وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس أن جبريل نزل، فصلى، فصلى رسول الله ﷺ … الحديث. والصلاة التي أخرها المغيرة هي العصر؛ كما بينه عبد الرزاق في روايته، وهي التي أخرها عمر بن عبد العزيز كما تقدم. (فصلى إِمام رسول الله ﷺ ) قال السندي رحمه الله تعالى: بكسر الهمزة، وهو حال، لكون إضافته لفظية نظرًا إلى المعنى، أو بفتح الهمزة، وهو ظرف، والمعنى يميل إلى الأول. اهـ. وقال السيوطي ﵀: لا إشكال في فتح همزة "إمام"، بل في كسرها، لأن إضافة إمام مُعَرِّفَة، والموضع موضع الحال، فيوجب جعله

стр. 3576

نكرة بالتأويل، كغيره من المعارف الواقعة أحوالًا، كأرسلها العِرَاكَ، يعني في قول الشاعر: فَأرْسَلَها الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا … وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ أي أرسلها معتركة، أي مزدحمة. قال السندي ﵀: ومقصود عروة بذلك أن أمر الأوقات عظيم، قد نزل لتحديدها جبريل فعلمها النبي ﷺ بالفعل، فلا ينبغي التقصير في مثله. اهـ. (فقال له) أي لعروة (عمر) بن عبد العزيز (اعلم ما تقول يا عروة) قال السندي: بصيغة الأمر من العلم، أي كن حافظًا ضابطًا له، ولا تقله عن غفلة، أو من الإعلام، أي بَيِّن لي حاله، وإسنادك له فيه. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: الأول أظهر، فـ "ما" موصولة في محل نصب مفعول "اعلم"، وهي بمعنى اعرف، فتتعدى لمفعول واحد، كما قال ابن مالك: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ … تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ وعند البخاري: "فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدث"، وفي رواية للشافعي، عن سفيان، عن الزهري، فقال: "اتق الله يا عروة، وانظر ما تقول". قال الرافعي في شرح المسند: لا يحمل مثله على الاتهام،

стр. 3577

ولكن المقصود الاحتياط والاستثبات، ليتذكر الراوي، ويجتنب ما عساه يعرض من نسيان وغلط. قاله الزرقاني في "شرح الموطأ" جـ ١ ص ١٤. وقال البدر العيني ﵀: قوله "اعلم ما تحدث به" بصيغة الأمر، تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره إياه، وقال القرطبي: ظاهره الإنكار، لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل ﵊، إمَّا لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه. اهـ. "عمدة" جـ ٥ ص ٥. وفي رواية البخاري وغيره زيادة "أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة". (فقال) عروة (سمعت بشير بن أبي مسعود) الأنصاري المتقدم ذكره (يقول: سمعت أبا مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري المتقدم أيضًا، يعني أباه (يقول: سمعت رسول الله ﷺ ) رواية المصنف ﵀ توضح بطلان دعوى من ادعى الانقطاع في هذا الحديث. قال في الفتح: قال ابن عبد البر: هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء، لأن ابن شهاب لم يقل: حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروة لم يقل: حدثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة، لا بالصيغ. اهـ.

стр. 3578

وقال الكرماني: اعلم أن هذا الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد، إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول الله ﷺ ، ولا قال: قال رسول الله ﷺ . اهـ. قال الحافظ ﵀: قلت: هذا لا يسمى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسل صحابي، لأنه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النبي ﷺ ، أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه، كصحابي آخر. على أن رواية الليث عند المصنف -يعني البخاري- تزيل الإشكال كله، ولفظه "فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول" فذكر الحديث. وكذا سياق ابن شهاب، وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة، وابنُ شهاب قد جُرِّبَ عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: "كنا مع عمر بن عبد العزيز … " فذكره. وفي رواية شعيب، عن الزهري "سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز … " الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: في رد الحافظ لكلام الكرماني بأنه مرسل صحابي، يحتمل أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو بلغه، أو سمعه من صحابي آخر مع كون أبي مسعود صرح بسماعه من النبي ﷺ نظر لا يخفى، بل الأولى في الرد عليه أن يقال: إن الإسناد متصل

стр. 3579

لتصريح أبي مسعود بسماعه من النبي ﷺ ، فلا حاجة إلى ترديد الاحتمال، ومثله يقال في الرد على من ادعى الانقطاع بين ابن شهاب وبين عروة، وبين عروة وبشير بن أبي مسعود، حيث صرح كل منهما بالسماع. والله أعلم. (يقول: نزل جبريل) ﵇، وقد بيَّن ابنُ إسحاق في المغازي أن ذلك كان صَبيحَةَ الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، قال ابنُ إسحاقَ: حدثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير، وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال نافع بن جبير، وغيره: لما أصبح النبي ﷺ من الليلة التي أسري به لم يَرُعْهُ إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، أي صلاة الظهر، فأمَرَ، فَصِيحَ بأصحابه "الصلاة جامعة" فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلى النبي ﷺ بالناس. فذكر الحديث. وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: "الصلاة جامعة" لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ. قال الحافظ ﵀: وفيه ردٌّ على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي ﷺ . اهـ "فتح" جـ ٢ ص٧. (فأمني) أي صار إمامي، يقال: أمَّهُ، وأمَّ بِهِ: صلى به إمَامًا، قاله في "المصباح".

стр. 3580

(فصليت معه) فيه أن صلاة النبي ﷺ كان مع صلاة جبريل ﵇ وفي رواية البخاري "نزل، فصلى، فصلى رسول الله ﷺ … " الحديث. قال في الفتح: قال عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أمَّ النبي ﷺ ، فيحمل قوله: "صلى، فصلى" على أن جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة تابعه النبي ﷺ بفعله اهـ. وبهذا جزم النووي. وقال غيره: الفاء بمعني الواو، واعترض بأنه يلزم أن يكون النبي ﷺ كان يتقدم في بعض الأركان على جبريل على ما يقتضيه مطلق الجمع. وأجيب بمراعاة الحيثية، وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه. وقيل: الفاء للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. وفي رواية الليث عند المصنف وغيره "نزل جبريل، فأمني، فصليت معه"، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر "نزل، فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ، فصلى الناس معه"، وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧. (فصليت معه) أي الظهر (ثم صليت معه) أي العصر (ثم صليت معه) أي المغرب (ثم صليت معه) أي العشاء (ثم صليت معه) أي الصبح (يَحْسُبُ) أي يَعُدُّ وهو بضم السين، يقال: حسبت المال حَسْبًا من باب قتل، وحِسْبَةً بالكسر وحُسْبَانًا بالضم إذا أحصيته.

стр. 3581

أفاده في المصباح. والظاهر أن الفاعل ضمير النبي ﷺ (بأصابعه، خمس صلوات) بالنصب مفعولًا ليحسب، أو لصليت مقدرًا، ويأتي قريبًا ما يدل على أنه صلى الخمس كل واحدة منها مرتين. تنبيه: قال القرطبي ﵀: قول عروة: إن جبريل نزل ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز، إذ لم يعين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه، وذَكَّره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد؛ لإنكار عمر على عروة حيث قال له: "اعلم ما تحدث يا عروة" قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل. قال الحافظ ﵀: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المُسْتَمِرّ، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنه يَرَى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يُحمَلُ عمل المغيرة وغيره من الصحابة. قال الحافظ ﵀: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظاهر أنه رجع إليه. والله أعلم.

стр. 3582

وأما ما زاده عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري في هذه القصة، قال: فلم يزل عمر يعلم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا. ورواه أبو الشيخ في كتاب المواقيت له من طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: "مازال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات". ومن طريق إسماعيل بن أبي حكيم "أن عمر بن عبد العزيز جعل ساعات يَنقَضينَ مع غروب الشمس"، زاد من طريق ابن إسحاق، عن الزهري "فما أخرها حتى مات"، فكله يدل على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلا بعد أن حدثه عروة بالحديث المذكور. تنبيه آخر: قال الحافظ رحمه الله تعالى: ورد في هذه القصة من وجه آخر عن الزهري بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويُوضِّحَ توجيهَ احتجاجِ عروة به، فَرَوَى أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره من طريق ابن وهب، والطبرانيُّ من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد، عن الزهري هذا الحديث بإسناده، وزاد في آخره "قال أبو مسعود: فرأيت رسول الله ﷺ يصلي الظهر حين تزول الشمس" فذكر الحديث. وذكر أبو داود أن أسامة بن زيد تفرد بتفسير الأوقات فيه، وأن أصحاب الزهري لم يذكروا ذلك، قال: وكذا رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق عن عروة لم يذكرا

стр. 3583

تفسيرًا اهـ. ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور في سننه، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال الحافظ: وقد وجدت ما يَعْضِدُ رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل، وذلك فيما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، وَوَضَحَ أن له أصلًا، وأن في رواية مالك ومَنْ تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البر، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا توصف -والحالة هذه- بالشذوذ. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٨ - ٩. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له: لم يذكره إلا في هذا الموضع. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه

стр. 3584

البخاري في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك -وفي "بدء الخلق" عن قتيبة، عن ليث- وفي المغازي عن أبي اليمان، عن شعيب- ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة، عن بشير بن أبي مسعود، عن أبيه ﵁. وأخرجه مسلم في "الصلاة" أيضًا عن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن ليث به. وعن يحيى بن يحيى عن مالك به. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" أيضًا عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن الزهري به. وقال: رواه عن الزهري معمر، ومالك، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث، وغيرهم- لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه، ولم يفسروه، وكذلك رَوَى هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة إلا أن حبيبًا لم يذكر بشيرًا. وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة" أيضًا عن محمد بن رمح، عن ليث به. وأخرجه مالك في "الموطأ"، وهو أول حديث وقع فيه. وأحمد، والبيهقي، والطحاوي، والدارقطني؛ مع اختلاف في بعض الألفاظ. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن الصلوات الخمس لها أوقات محددة.

стр. 3585

ومنها: أن تحديد تلك الأوقات كان ببيان جبريل ﵇. ومنها: أنه يدل على أن أوقات الصلاة من فرائضها، وأنها لا تجزىء قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا شيء رُوِي عن أبي موسى الأشعري، وعن بعض التابعين، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نَرَ لذكره وجهًا، لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما يوافق الجماعة، فصار اتفاقًا صحيحًا. اهـ. "الاستذكار" جـ ١ ص ٣٦. ومنها: المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ولا ينافي ذلك ما ورد من الإبراد بالظهر في شدة الحر، لأن المبادرة تكون بما يناسب ذلك الإبراد، فيبادر أول ما يحصل الإبراد المطلوب. ومنها: أن فيه دخولَ العلماء على الأمراء، وإنكارَهم عليهم إذا خالفوا السنة. ومنها: جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنة. ومنها: أنه استدل به من يرى جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، قال في الفتح: ويجاب عنه بما يجاب به عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي ﷺ ، وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما سيأتي تقريره في أبواب الإمامة اهـ. جـ ٢ ص ٧.

стр. 3586

ومنها: أنه استدل به بعضهم على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس، قاله ابن العربي، وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة على النبي ﷺ حينئذ. وتعقبه بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان معلقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال: وأيضًا لا نسلم أن جبريل كان متنفلًا، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه، لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن اقتداء المفترض بالمتنفل يجوز لحديث إمامة معاذ ﵁ لقومه بعد الصلاة معه ﷺ ، كما يأتي تحقيقه في محله إن شاء الله، وأما الاستدلال بهذا الحديث فغير واضح، والله أعلم. ومنها: ما قاله ابن المُنَيِّر ﵀: قد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر، كذا قال. قال الحافظ ﵀: وهو مسلم له في صورة المؤداة مَثَلًا خلف المقضية، لا في الظهر خلف العصر مثلًا. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧. ومنها: أن فيه فضيلة عمر بن عبد العزيز ﵀.

стр. 3587

ومنها: قبول خبر الواحد الثبت. ومنها: أنه استدل به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع، لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له، لمَّا أن أرسل الحديث بذكر من حدثه به، فرجع إليه، فكأنَّ عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله بلغك عن غير ثبت، فكأن عروة قال له: بل قد سمعته ممن قد سمع صاحب رسول الله ﷺ ، والصاحب قد سمعه من النبي ﷺ . اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٩. ومنها: أنه استدل به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة، كصنيع عروة حين احتج على عمر، قال: وإنما راجعه عمر، لتثبته فيه، لا لكونه لم يرض به مرسلًا، كذا قال. قال الحافظ: وظاهر السياق يشهد لما قال ابن بطال. ومنها: أن ابن بطال قال: في هذا الحديث دليل على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل أمَّ النبي ﷺ في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة، قال: لأنه لو كان صحيحًا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجًا بصلاة جبريل، مع أن جبريل قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: "الوقت ما بين هذين". وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظل الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز، وهو مغيب الشمس، فيتجه إنكار عروة، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو

стр. 3588

يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي ﷺ ، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا. وقد رَوَى سعيدُ بنُ منصور من طريق طلق بن حبيب مرسلًا، قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة، وما فاتته، ولما فاتته من وقتها خير له من أهله وماله". ورواه أيضًا عن ابن عمر من قوله. ويؤيد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة ﵂، حيث قال: ولقد حدثتني عائشة "أن النبي ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر". وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها، وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث عائشة بعد حديث أبي مسعود، لأن حديث عائشة يشعر بمواظبته ﷺ على صلاة العصر في أول الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل ﵇. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ٩. والله تعالى أعلم. تنبيه: الحديث الذي أشار ابن بطال إلى تضعيفه سيأتي للمصنف برقم (٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث حسن، وبرقم (٥٠٤) من حديث جابر ﵁، وهو حديث صحيح،

стр. 3589

وهو مروي من حديث ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأبي مسعود البدري ﵃، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3590

وَلَمَّا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الحديثَ الدالَّ على أن للصلاة أوقاتًا محددة، لا يجوز أن تُفْعَل إلا فيها، وتلك الأوقات بَيَّنهَا جبريلُ ﵇ للنبي ﷺ بالفعل: أراد أن يذكر الأحاديث الدالة على أن لهذه الأوقات الخمس أولًا وآخرًا، وأن الصلاة فيها أحيانًا يطلب تعجيلها، وأحيانًا يطلب تأخيرها، فذكر تلك الأحاديث بأبواب متتالية متناسقة، فقال:. . . .

стр. 3591

٢ - أوَّلُ وَقْتِ الظُّهرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أول وقت صلاة الظهر. وتقدم معنى الوقت في الباب السابق. وأما الظُّهر -بضم فسكون- فهو الوقت بين الزوال والإبراد، مأخوذ من الظهور، وهو الارتفاع، وسمي الظهيرة أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]. اهـ. النظم المستعذب جـ ١ ص ٥٤، وقال ابن منظور ﵀: والظُّهْرُ ساعةُ الزوال، ولذا قيل: صلاة الظهر، وقد يَحْذِفُون على السَّعَةِ، فيقولون: هذه الظُّهْرُ، يريدون صلاة الظهر، وقال الَجوهري: الظهر بالضم بَعْدَ الزوال، ومنه صلاة الظهر. والظَّهِيرةُ: الهاجرة، يقال: أتيته حَدَّ الظَّهِيرة، وحين قام قائم الظهيرة، وفي الحديث ذِكْرُ صَلاة الظُّهر، قال ابن الأثير: هو اسم لنصف النهار، سمي به من ظَهِيرَة الشمس، وهو شدة حَرِّها، وقيل: أضيفت إليه لأنه أظهر أوقات الصلوات للأبصار، وقيل: أظهرها حَرًا، وقيل: لأنها أول صلاة أظهرت، وصليت، وقد تكرر في الحديث ذكر الظهيرة، وهو شدة الحر نصف النهار، قال: ولا يقال في الشتاء ظهيرة. وقال ابن سيدَه: الظَّهِيرَة حَدُّ انتصاف النهار. وقال الأزهري: هما واحد. اهـ. "لسَان" ج ٤ ص٢٧٦٩. قال الجامع عفا الله عنه: إنما قدم المصنف وقت الظهر لكونها أول

стр. 3592

صلاة صلاها جبريل إمامًا للنبي ﷺ على الراجح، ولذا تسمى الصلاة الأولى، كما تقدم في الباب السابق. والله أعلم. ٤٩٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: كَمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا -يَعْنِى الْعِشَاءَ- إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا". قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؟ قَالَ: "كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ، يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ"، وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: "وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ، فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، فَيَعْرِفُهُ"، قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ".

стр. 3593

رجال الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان، البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بِسْطام البصري الإمام الحجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (سَيَّارُ بن سَلامَةَ) بفتح السين وتشديد الياء من سيار، وفتح السين، وتخفيف اللام من سلامة، أبو المنْهَال الرِّياحي البصري، ثقة، توفي سنة ١٢٩، من [٤] روَى عن أبَي بَرْزة الأسلمي، والبراء السليطي، وأبيه سَلامة، وأبي العالية الرياحي، وأبي مسلم الجَرْمِيِّ، وغيرهم. وعنه سليمان التيمي، وخالد الحَذَّاء، وعَوْفُ الأعْرَابي، وغيرهم. وثقه ابن معين، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، وابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. اهـ. تت جـ ٤ ص ٢٩٠، ٢٩١ بتصرف. أخرج له الجماعة. ٥ - (أبو برزة الأسلمي) نَضْلَةُ بن عُبَيد، صاحب النبي ﷺ . رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر الصديق، وعنه ابنه المغيرة، وبنت

стр. 3594

ابنه منية بنت عبيد بن أبي برزة، وأبو المنْهال الرِّياحي، والأزرق بن قيس، وأبو عثمان النَّهْدِيّ، وأبو العاليةَ الرياحيُّ، وكِنَانَةُ بن نعيم، وغيرهم. قال البخاري: نزل البصرة، وذكَرَ له حديث "غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات". وقال أبو نضرة عن عبد الله بن مولة القشيري، قال: كنت بالأهواز إذ مر بي شيخ ضخم، فإذا أبو برزة، وقال ابن سعد: كان من ساكني المدينة، ثم البصرة، وغزا خراسان، وقال الخطيب: شَهِدَ مع علي، فقاتل الخوارج بالنهروان، وغزا بعد ذلك خراسان، فمات بها، وقال أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي: قيل: إنه مات بنيسابور، وقيل: بالبصرة، وقيل: بمفازة بين سجستان وهَرَاة، وقال خليفة: مات بخراسان بعد سنة ٦٤، بعد ما أخرج ابن زياد من البصرة، وقال غيره: مات في آخر خلافة معاوية. وجزم الحاكم أبو أحمد بسنة ٦٤، وقال ابن حبان: وقد قيل: إنه بقي إلى ولاية عبد الملك. اهـ. وبه جزم البخاري في التاريخ الأوسط في فصل من مات بين الستين إلى السبعين، قال الحافظ: ومما يؤيد ذلك أن في صحيح البخاري أنه شهد قتال الخوارج بالأهواز، زاد الاسماعيلي: مع المُهَلَّبِ بن أبي صُفْرَةَ، وكان ذلك في سنة ٦٥ كما جزم به محمد بن قُدَامَةَ وغيره، وكان عبد الملك قد ولي الخلافة بالشام. أخرج له الجماعة. اهـ. تت جـ ١٠ ص ٤٤٦ - ٤٤٧.

стр. 3595

(الأسلمي) نسبة إلى أسْلَم بن أفْصَى بن حارثة بن عمرو بن عامر. كما في اللباب جـ ١ ص ٥٨. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، أخرج لهم الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري وأخرج له أبو داود في "القدر". ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أنَّ سيارًا، وأبا برزة هذا الباب أول محل ذكرهم. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والسماعَ. شرح الحديث قال سيار ﵀ (سمعت أبي) سلامة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وسلامة والد سيار حَكَى عنه ولده هنا، ولم أجد من ترجمه، وقد وقعت لابنه عنه رواية في الطبراني الكبير في ذكر الخوض. وفي الرواية الآتية (٥٢٥) من طريق عوف، عن سيار، قال: دخلت على أبي برزة، وفي (٥٣٠) دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي. وهي رواية البخاري، وزاد الإسماعيلي "زمن أخرج ابن زياد من البصرة"، قال الحافظ ﵀: وكان ذلك سنة ٦٤. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٣٣.

стр. 3596

وقال البدر العيني ﵀: وقال الإسماعيلي: لما كان زمن أخرج ابن زياد، ووثب مروان بالشام، قال أبو المنهال: انطلَقَ أبي إلى أبي بَرْزَةَ، وانطلقت معه، فَإِذَا هو قاعد في ظل عُلوٍ له من قَصَب في يوم شديد الحر … " فذكر الحديث. اهـ. "عمدة" جـ ٥ ص ٣٤. (يسأل أبا برزة) الأسلمي بالبناء للفاعل، "وأبا" مفعول به، والجملة في محل نصب على الحال من "أبي"، على رأي الجمهور، أو مفعول ثان على رأي من يقول إن "سمع" من أخوات "ظن"، على ما هو مقرر في محله. (عن صلاة رسول الله ﷺ ) أي المكتوبة لما في الرواية الآتية "فسأله أبي، كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة". والمراد عن الأوقات التي كان يصلي فيها المكتوبة، ويداوم عليها. قال شعبة (قلت) لسيار (أنت سمعته) بتقدير الاستفهام، أي أأنت سمعت أباك يسأل أبا برزة (قال) سيار (كما أسمعك الساعة) أي سمعته يسأله كسماعي لكلامك في هذه الساعة. فما مصدرية، والفعل في تأويل المصدر مجرور بالكاف، والساعة منصوب على الظرفية متعلق بالفعل. هذا على جعل "سمع" ثلاثيًا من السماع، وقال السندي: من الإسماع، وعليه يكون المعنى كما أسْمِعُك كلامي. قال الجامع: الأول أظهر. والله أعلم.

стр. 3597

(فقال) سيار (سمعت أبي يسأل) أبا برزة (عن صلاة رسول الله ﷺ ) الظاهر أن هذه الجملة تأكيد للأولى (قال) أبو برزة ﵁ (كان) رسول الله ﷺ (لا يبالي) أي لا يَهْتَمُّ، ولا يكْتَرثُ، يقال: لا أباليه، ولا أبَالِي بِهِ: أي لا أهْتَمُّ به، ولا أكْتَرِثُ له، ولم أَبَال، ولم أبَلْ للتخفيف، كما حذموا الياء من المصدر، فقالوا: "لا أبَاليه بَالَةً"، والأصل بَاليَةً، مثل عَاَفَاهُ مُعَافَاةً، وعَافِيَةً، قالوا: ولا تسَتعَمل إلا مع الجَحْد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القَوُم: إذا تَبَادَرُوا إلى الماء القليل، فاستَقَوْا، فمعنى "لا أبَالي": لا أبَادرُ، إهْمَالًا لَهُ. وقال أبو زيد: ما بَالَيْتُ مُبَالاةً، والاسم الَبَلاءُ، وِزَانَ كتَاب، وهو الهَمُّ الذي تُحَدِّثُ به نَفْسَكَ. قاله في "المصباح". جـ ١ ص ٦٢. (بعض تأخيرها) بالنصب، مفعولًا ليبالي (يعني العشاء) أي يقصد أبو برزة بالضمير في "تأخيرها" العشاء والعناية من بعض الرُّواة؛ سَيَّارٍ، أو غيره (إلى نصف الليل) وعند البخاري "ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل" ثم قال "إلى شطر الليل"، ولمسلم من طريق معاذ عن شعبة قال: "ثم لَقِيتُهُ مَرَّة" فقال: "أو ثلث الليل". قال الحافظ ﵀: وجزم حماد بن سلمة، عن أبي المنْهَال عند مسلم بقوله "إلى ثلث الليل"، وكذا لأحمد عن حجاج، عن شَعبة اهـ. (ولا يحب النوم قبلها) أي لما فيه من التعرض لتفويتها. وهذا لمن لا يَجِد مُوقِظًا، أو يستغرقه النوم حتى يفوت العشاء، وإلا فلا

стр. 3598

بأس، لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ شُغِلَ عنها -يعني العشاء- لَيْلَةً، فأخرها حتى رَقَدْنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا … " الحديث متفق عليه. (ولا) يحب (الحديث بعدها) أي حديث الناس، أي المحادثة، وهذا إذا لم يكن الحديث في أمر مُهِمّ، وإلا فقد ثَبَتَ من حديث عمر ﵁ "أن النبي ﷺ كان يَسْمُرُ هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين، وأنا معهما". حسنه الترمذي. ومن حديث أنس ﵁ "أنه ﷺ خطبهم بعد العشاء، فقال: ألا إنّ الناس قد صَلَّوا، ثم رَقَدُوا" وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة". متفق عليه. ومن حديث ابن عمر ﵄، قال: صلى النبي ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه … " الحديث. متفق عليه. والحاصل أن الحديث المكروه هو الحديث الذي لا فائدة فيه، وإنما كرهه لكونه يؤدي إلى ترك قيام الليل، أو للاستغراق في الحديث، ثم يستغرق في النوم، فيخرج وقت الصبح. وكان عمر ﵁ يضرب الناس على ذلك، ويقول: أسَمَرًا أوَّلَ الليلِ، ونَوْمًا آخِرَهُ؟ قال الحافظ رحمه الله تعالى: وإذا تقرر أن علة النهي ذلك، فقد يُفَرِّقُ فَارِقٌ بين الليالي الطوال والقصار، ويمكن أن تُحْمَلَ الكراهة على

стр. 3599

الإطلاق حَسْمًا للْمَادَّة، لأن الشيء إذا شرع لكونه مَظنَّة قد يَسْتَمِرُّ، فيصير مَئِنَّة. والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٨٧. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمله على الإطلاق هو المتعين، لإطلاق النص. ولابد أيضًا من تقييد إباحة الأمر المهم بما لا يؤدي إلى ما ذكر من التفويت لطوله، وما ثبت عنه ﷺ لا يؤدي إليه، إذ ليس طويلًا. فتبصر. والله تعالى أعلم. (قال شعبة) بن الحجاج (ثم لَقِيتُهُ) أي سَيَّارًا (بعدُ) من الظروف المبنية على الضم لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي بعدَ ما حدثني بهذا الحديث على الوجه المذكور (فسألته) عن الحديث استثباتًا، فقال (قال) أبو برزة ﵁ (كان) رسول الله ﷺ (يصلي الظهر) أي صلاة الظهر (حين تزول الشمس) أي تميل عن وسط السماء الى جهة المغرب، وفيه إشارة إلى أنه كان يصلي الظهر في أول الوقت، ولا يخالف ذلك الأمْرَ بالإبراد، لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد، لأنه مختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز. وقد يتمسك من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارة، وستر، وغيرهما قبل دخول الوقت، قال الحافظ ﵀: ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب

стр. 3600

الصلاة. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ٣٣، ٣٤. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ هو التحقيق الصحيح. والله تعالى أعلم. (و) يصلي (العصر، يذهب الرجل) أي بعد الفراغ من الصلاة، كما يدل عليه السياق، لأن الحديث مسوق لتحديد الوقت الذي يصلي فيه النبي ﷺ (إِلى أقصى المدينة) أي أبعد محل في المدينة، وجملة "يذهب" في محل نصب على الحال، أي يصلي العصر، والحال أنه يذهب الرجل الذي صلى معه إلى أبعد محل في المدينة فَيصِلُ إليه (و) الحال أنه) الشمسُ حَيَّةٌ) أي بيضاءُ نَقِيَّةٌ، فحياةُ الشمس عِبَارة عن بقاء حَرِّها لم يُغَيَّر، وبقاء لونها لم يتغير، وإنما يدخلها التغير بدنوها إلى الغروب، كأنه جُعِلَ مغيبها موتًا لها. أفاده العيني. عمدة جـ ٥ ص ٢٨. وقال الزين بن المُنَيِّر: المرادُ بحياتها قُوَّة أثرها حرارةً ولوْنًا وشُعَاعًا وإنَارَةً، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء اهـ. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن خَيْثَمَةَ أحد التابعين، قال: حياتُها أن تجد حَرَّهَا. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٣٤. (والمغرب لا أدري أيَّ حين ذكر) "المغرب" بالنصب مفعول مقدم لقوله "ذكر"، و "أي" بالنصب على الظرفية، لإضافتها إلى الظرف متعلق بـ "ذكر"، أي لا أعلم في أي وقت ذكر صلاة المغرب، وفي الرواية الآتية "ونسيت ما قال في المغرب". وقائل ذلك هو سَيَّار

стр. 3601

ابن سَلَامَةَ، كما بينه أحمد في روايته عن حجاج، عن شعبة، عنه. قاله في الفتح. يعني أن سَيَّارًا نَسِيَ ما ذكره أبو برزة ﵁ في وقت صلاته ﷺ للمغرب. قال شعبة (ثم لقيته بعد، فسألته؟) عن حديث أبي برزة استثباتًا أيضًا (فقال: وكان) ﷺ (يصلي الصبح، فينصرف الرجل) أي يسلم من الصلاة (فينظر إلى وجه جليسه) فعيل بمعنى فاعل، من يُجالِسُهُ، أي الشخص الذي بجنبه، ففي رواية الجوزقي من طريق وهب بن جرير، عن شعبة "فينظر الرجل إلى جليسه، إلى جنبه، فيعرف وجهه" (الذي يعرفه) صفة لجليسه (فيعرفه) فيه دليل على استحباب التعجيل بصلاة الصبح، لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صرح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيه مُغَلِّسًا. وادعى الزين بن المُنَيِّر أنه مخالف لحديث عائشة ﵂ الآتي (٥٤٥) حيث قالت فيه: "لا يُعْرَفْن من الغَلَس"، وتعقب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة متعلق بمعرفة من هو مُسْفِرٌ جالس إلى جنب المصلي، فهو ممكن، وحديث عائشة متعلق بمن هو مُتَلفِّفٌ مع أنه على بُعْد، فهو بعيد. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ٣٤.

стр. 3602

(قال) أبو برزة ﵁ (وكان) ﷺ (يقرأ فيها) أي في صلاة الصبح (بالستين إلى المائة) يعني من الآي، وقَدَّرَهَا في رواية الطبراني بـ "سورة الحاقة"، ونحوها. ووقع في رواية للبخاري "ما بين الستين إلى المائة" وأشار الكرماني إلى أن القياس أن يقول "ما بين الستين والمائة"، لأن لفظ "بين" يقتضى الدخول على متعدد. قال: ويحتمل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين، وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه. قاله في الفتح. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له. أخرجه هنا (٤٩٥) بسند الباب، وفي (٥٢٥) عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن عوف الأعْرَابي، عن أبي الْمِنْهال، عنه. وفي (٥٣٠) عن سُوَيد بن نَصْر، عن ابن المبارك، عن عوف، به. وفي ٤٢/ ٩٤٨ عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن سيار به، مختصرًا بلفظ "كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المائة". المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه

стр. 3603

البخاري في "الصلاة" عن حفص بن عمر، -وعن آدم بن أبي إيَاسٍ- كلاهما عن شعبة، عن أبي الْمِنْهال، عنه. وقال تعليقًا: وقال معاذ، عن شعبة، ثم لقيته مرة أخرى، فقال "أو ثلث الليل". وأخرجه عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك -وعن مسدد، عن يحيى- كلاهما عن عوف، عنه نحوه. وأخرجه مسلم في "الصلاة" أيضًا عن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ، عن خالد بن الحارث -وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه- كلاهما عن شعبة به. وعن أبي كريب، عن سُوَيد بن عَمْرو الكَلْبِيّ، عن حماد بن سلمة، عنه به. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" أيضًا عن حفص بن عمر بتمامه، وفي الأدب ببعضه. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن عوف، به. وأخرجه أحمد. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان أول وقت الظهر، وهو زوال الشمس عن وسط السماء. ومنها: ما كان عليه السلف من حرصهم على معرفة عبادة رسول الله ﷺ ليمكنهم الاتباع، فكانوا يسألون الصحابة ﵃ عن ذلك ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ومنها: عناية المحدثين في الفحص عن سماع من حدثهم، حيث

стр. 3604

قال شعبة لشيخه: أنت سمعته؟ ومنها: استحباب تأخير العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه، والأول هو الأولى، لأن أكثر الروايات على الثلث، ولحديث "ووقْتُ صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط" رواه مسلم، وسيأتي تحقيق القول فيه في بابه إن شاء الله تعالى. ومنها: كراهة النوم قبلها، لما فيه من التعرض لتفويتها، وهذا لمن ليس له موقظ أو نحوه. ومنها: كراهة الحديث بعدها، وذلك لأن السهر في الليل سبب للتكاسل عما يتوجه من حقوق الناس والطاعات، ومصالح الدين، قالوا: المكروه منه ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة، والحاجة، ومحادثة المسافرين لحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة لهم في خير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإرشاد الى مصلحة ونحو ذلك، فلا كراهة في ذلك. أفاده في "العمدة" جـ ٥ ص ٢٩. قال الجامع: لكن كل هذا لابد من تقييده بما لا يؤدي إلى تفويت الصلاة، كما مر التنبيه عليه. فافهم. ومنها: استحباب تعجيل صلاة الظهر في أول وقتها، وهو مُقَيَّد

стр. 3605

بما إذا لم يشتد الحرّ، لأنه ورد الأمر بالإبراد فيه. ومنها: استحباب التعجيل في صلاة العصر، وهو مذهب الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فقال بتأخيرها، والأحاديث ترد عليه، وسيأتي تحقيق القول فيه في بابه إن شاء الله تعالى. ومنها: استحباب التغليس بصلاة الفجر، ولا ينافي ذلك ما يأتي من الأمر فيها بالإسفار، لإمكان الحمل على أن الإسفار هو أن يمد بصلاة الفجر إلى أن يُسْفرَ، ومعنى ذلك تطويل القراءة، كما سيأتي الكلام عليه مستوفىً فِي بابه إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: أجمع علماء المسلمين في كل عصر، وفي كل مصر بَلَغَنَا عنهم أنّ أول وقت الظهر زوال الشمس عن كَبِدِ السماء، وَوَسط الْفَلَكِ إذا استوقن ذلك في الأرض بالتفقد والتأمل، وذلك ابتداء زيادةَ الظل بعد تناهي نقصانه في الشتاء والصيف جميعًا، وإن كان الظل مخالفًا في الصيف له في الشتاء، وهذا إجماع من علماء المسلمين كُلِّهم في أول وقت الظهر، فإذا تبين زوال الشمس بما ذكرنا، أو بغيره فقد حلَّ وقت الظهر، وذلك ما لا خلاف فيه، وذلك تفسير لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودُلُوكُها مَيْلُهَا عند أكثر العلماء، ومنهم من قال: غروبها، واللغة محتملة للقولين، والأول أكثر. اهـ. "تمهيد" جـ ٧ ص ٧٠. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: قال النووي ﵀: للظهر ثلاثة أوقات؛

стр. 3606

وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت عذر؛ فوقت الفضيلة: أوله، ووقت الاختيار: ما بعد وقت الفضيلة إلى آخر الوقت، ووقت العذر: وقت العصر في حق من يجمع بسفر، أو مطر، هكذا قال الأكثرون، وقال القاضي حسين: لها أربعة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز، ووقت عذر، فوقت الفضيلة: إذا صار ظل الشيء مثل ربعه، والاختيار: إذا صار مثل نصفه، والجواز: إذا صار ظله مثله، وهو آخر الوقت، والعذر: وقت العصر لمن جمع بسفر، أو مطر. اهـ. المجموع جـ ٣ ص ٢٤. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (كَثِير بن عُبَيد) بن نُمَير المَذْحِجِيُّ، أبو الحسن الحِمْصي الحَذَّاء الُمقْرِئُ، ثقة، توفي في حدود سنة ٢٥٠، من [١٠]، أخرَج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في (٤٨٦). ٢ - (محمد بن حَرْب) الخَوْلاني الحمصي، الأبْرَش، ثقة، توفي سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٢.

стр. 3607

٣ - (الزبيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، توفي سنة ١٤٦ أو ١٤٧ أو ١٤٩، من [٧]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله القرشي المدني أبو بكر، الفقيه الحجة الحافظ، توفي سنة ١٢٥ على الصحيح، من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٥ - (أنس) بن مالك بن النَّضْر بن ضَمْضَم الأنصاري الخزرجي أبو حمزة خادم رسول الله ﷺ ، خدمه عشر سنين، مات بعد سنة ٩٠، وقد جاوز ١٠٠ سنة، أخرج له الجماعة، ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم إلا شيخه فلم يخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي. والزبيدي فلم يخرج له الترمذي. ومنها: أنهم حمصيون إلا الزهري فمدني، وأنسًا فمدني بصري. ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا، وآخرُ من مات من الصحابة بالبصرة. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.

стр. 3608

شرح الحديث (عن الزهري) أنه (قال: أخبرني أنس) ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس) أي مالت عن كَبد السماء، يقال: زَاغَت الشمسُ، تَزِيغُ، زَيْغًا: مالت، وزَاغَ الشَّيَءُ كذلك، ويَزُوغُ زَوْغًا لغَة. وأزاغه إزاغة في التعدي. قاله في المصباح. (فصلى بهم) أي بالصحابة ﵃ (صلاة الظهر) فيه بيان أن أول وقت الظهر زوال الشمس. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٤٩٦) بهذا السند فقط، وهو من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة غيره كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في "الأطراف" جـ ١ ص ٣٩١. المسألة الثالثة: ذَكَرَ العلامةُ عمَاد الدين إسماعيل بن أبي البركات ابن باطيش -٥٧٥ - ٦٥٥ هـ، في كتَابه النفيس (١) "المغني في الإنباء عن غريب المُهَذَّب والأسماء" تنبيهًا نفيسًا في معرفة أوقات الصلاة أحببت

стр. 3609

إيراده هنا تتميمًا للفائدة، قال رحمه الله تعالى: إذا أردت أن تعرف زوال الشمس فانصب في الأرض عُودًا مستقيمًا، ثم انظر إلى موضع انتهاء ظله، فَعَلِّم عليه، ثم اصبر قليلًا، فإن رأيت الظل قد نقص، فاعلم أن الشمس لم تَزُلْ بَعدُ، وإن رأيته قد زاد، فقد زالت. ثم احفظ مقدارَ الظل الذي زالت عليه الشمس، فإذا أردت أن تعرف دخول وقت العصر، فانصب ذلك العود مقابل الشمس، وانظر إلى حيث ينتهي ظله، فعلم عليه، ثم انظر، فإن كان مقدار ذلك الظل مثل طول العود مع القدر الذي زالت عليه الشمس، فهو آخر وقت الظهر، فإذا زاد أدنى زيادة، فقد دخل وقت العصر. ومدة الوقت لصلاة الظهر من أوله إلى خروجه ثلاث ساعات زمانية، تطول إذا طال النهار، وتقْصُرُ إذا قَصُرَ. ومدة الاختيار لصلاة العصر، وذلك منذ دخول المِثْلِ الثاني بعد القدر الذي زالت عليه الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، مبلغ مدة ذلك نصف ساعة بالتقريب، فمتى زاد على نصف ساعة، فقد خرج وقت الاختيار، ودخل الظل في المثل الثالث بعد قدر الزوال. وأما المغرب، فيدخل وقتها بغروب الشمس، فإن أمكنك معاينة غروب قُرْصِ الشمس، فعند غروبه يدخل وقتها، وإن كان بينك وبين

стр. 3610

الشمس حائل وقت الغروب، فانظر إلى الجهة المحاذية لغروب الشمس في ذلك اليوم، فترى سوادًا شبيها بالسَّحَابة معترضًا، ثم لا يزال يعلو، حتى إذا غاب نصف قرص الشمس ظهرت حمرة فوق ذلك السواد كالعصابة، فإذا تكامل الغروب: غلب السوادُ الحمرةَ، وتلاشت إلا الشيءُ الخَفِيُّ. وأما العشاء، فأول وقتها، على مذهب الشافعي ﵁: إذا غاب الشفق الأحمر، والصُّفْرَةُ التي تعقبه، ولم يبق إلا البياض، ومقدار ما بينه وبين صلاة المغرب نصف سدس الليل، إن طال الليل: طال ذلك النصف سدس، وإن قصر الليل: قصر. قال أبو العباس أحمد بن سعيد الشِّيحِيُّ (١): ومقداره ساعة وثلاثة أسباع ساعة تقريبًا. ومن يزعم أن الشفق هو البياض فمقدار ما بينه وبين صلاة المغرب سدس سواد الليل. وأما وقت الاختيار لصلاة العشاء، فعلى قول الشافعي: إن أول وقتها: إذا غاب الشفق الأحمر، وآخر وقت الاختيار: إذا مضى ثلث الليل، وهو الجديد، فعلى هذا يكون مقدار الوقت ثلاث ساعات
следующие страницы →