٢ - (عائذ بن حبيب) بن المَلّاح (١) العبسي، ويقال: القرشي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، ويقال: أبو هشام، بيَّاع الهروي (٢) صدوق، ورمي بالتشيع، من [٩].
قال الأثرم: سمعت أحمد ذكره، فأحسن الثناء عليه، وقال: كان شيخًا جليلًا عاقلًا. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، قد سمعنا منه. وقال عباس، عن ابن معين: صويلح. وقال الجوزجاني: غال زائغ.
وقال سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا حاتم يقول لأبي زرعة: كان ابن معين يقول: يوسف السَّمْتي زنديق، وعائذ بن حبيب زنديق، فقال أبو زرعة: أما عائذ بن حبيب، فصدوق في الحديث، وأما يوسف، فذاهب الحديث، كان يحيى يقول: كذاب.
قال البردعي: فرأيت هذه الحكاية التي حكاها أبو حاتم عندي عن بعض شيوخنا، عن يحيى: كان عائذ بن حبيب زيديًا، قال: وهو بهذا أشبه. وذكره ابن حبان في الثقات، قال عبد الله الحضرمي: مات سنة ١٩٠، أخرج له المصنف وابن ماجه.
٣ - (حميد الطويل) بن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، اختلف
стр. 5392
في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة، مدلس، عابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، توفي سنة ١٤٢ هـ ويقال سنة ١٤٣ هـ، وله ٧٥ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابي الخادم ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٤٠).
ومنها: أن رجاله موثقون.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد) أي في الجدار الذي في مواجهة المسجد (فغضب حتى احمر وجهه) فيه غضب الإِمام على رعيته إذا رأى منهم المخالفة الشرعية، لينزجروا، ويرتدعوا (فقامت امرأة من الأنصار، فحكتها) أي أزالت تلك النخامة (وجعلت مكانها خَلُوقًا) بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام، ويقال فيه: الخِلاق -ككتاب-: قال ابن منظور ﵀: والخَلُوق، والخِلاق:
стр. 5393
ضرب من الطيب، وقيل: الزعفران. وقال أيضًا: والخَلُوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران، وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه العمرة والصفرة. اهـ. لسان جـ ٢ ص ١٢٤٧.
(قال رسول الله ﷺ : "ما أحسن هذا") تعجبًا من حسن صنيع تلك المرأة واستحسانًا له. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٣٥/ ٧٢٨)، و"الكبرى" (٤٥/ ٨٠٧) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن محمد بن طريف، عن عائذ بن حبيب، بسند المصنف، وأخرجه ابن خزيمة، رقم (١٢٩٦) عن يوسف بن موسى، عن عائذ بن حبيب، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية تخليق المساجد، واتخاذ الخَلُوق له، وقد تقدم حديث جابر ﵁ عند أبي داود،
стр. 5394
وفيه: "ثم قال: أروني عَبِيرًا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه رسول الله ﷺ ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم".
ومنها: كون المرأة كالرجل في خدمة المساجد، فيشرع لها أن تقوم بتنظيفها.
ومنها: إزالة ما يستقذر من المسجد.
ومنها: أنه ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال المساجد لتعظيمها، وصيانتها عن الأقذار.
ومنها: مشروعية الغضب عند رؤية المنكر.
ومنها: عظيم تواضع النبي ﷺ ، فقد تقدم أنه حك البصاق بنفسه، ووضع الخلوق مكانه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5395
٣٦ - القَوْلُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ, وَعِنْدَ الخُرُوج مِنْهُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الذكر عند دخول المسجد، وعند الخروج منه. فالمراد بالقول: الذكر، فيكون الكلام على حذف مضاف، أي مشروعية الذكر. والله تعالى أعلم.
٧٢٩ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ بَصْرِيٌّ (١) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ، وَأَبَا أُسَيْدٍ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سليمان بن عبيد الله) بن عمرو بن جابر الغيلاني (٢) (المازني)، أبو أيوب البصري، صدوق، توفي سنة ٢٤٦، أو ٢٤٧ هـ، من [١١].
стр. 5396
قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة ٢٤٦ هـ، وفيمن مات سنة ٢٤٧ هـ، انفرد به مسلم والمصنف.
٢ - (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي البصري، ثقة من [٩]، تقدم في ٢/ ٣٢٧.
٣ - (سليمان) بن بلال التيمي مولاهم المدني، ثقة من [٨]، تقدم في ٣٠/ ٥٥٨.
٤ - (ربيعة) بن أبي عبد الرحمن التيمي مولاهم أبو عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقة فقيه مشهور، من [٥].
قال أبو زرعة الدمشقي، عن أحمد: ثقة، وأبو الزناد أعلم منه، وقال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، أحد مفتيِّ المدينة. وقال مصعب الزبيري: أدرك بعض الصحابة، والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالدينة، وكان يحصى في مجلسه أربعون مُعْتَمّا، وعنه أخذ مالك. وقال الليث، عن يحيى بن سعيد: مما رأيت أحدًا أفطن منه. وقال الليث، عن عبيد الله بن عمر: هو صاحب معضلاتنا، وأعلمنا، وأفضلنا. وقال معاذ بن معاذ العنبري، عن سوار العنبري: ما رأيت أحدًا أعلم منه، قلت: ولا
стр. 5397
الحسن، وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق، تقولون: ربيعة الرأي، والله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنةٍ منه. وقال ابن سعد: توفي سنة ١٣٦ هـ بالمدينة فيما أخبرني الواقدي، وكان ثقة كثير الحديث، وكانوا يتقونه لموضع الرأي. وقال يحيى بن معين وأبو داود: توفي بالأنبار، واتفقوا كلهم على سنة وفاته.
وقال مطرف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وقال ابن حبان في الثقات: توفي سنة ٣٣. وقال الباجي في رجال البخاري عنه: توفي سنة ٤٢، وجرت له محنة. قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزناد وربيعة متباعدًا، وكان أبو الزناد وجيهًا عند السلطان، فأعان على ربيعة، فضرب، وحلقت نصف لحيته، فحلق هو النصف الآخر.
وقال الحميدي أبو بكر: كان حافظًا. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه، قال: فقال: أقعدوني، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا، لا، ثلاث مرات. وقال أبو داود: قال أحمد: وأيش عند ربيعة من العلم. أخرج له الجماعة.
стр. 5398
٥ - (عبد الملك بن سعيد) بن سويد الأنصاري المدني، ثقة من [٣].
قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، قال الحافظ ﵀: وله رواية عن أبيه مذكورة في الطبراني وغيره، واستشهد أبوه بأحد، فكانت روايته عنه مرسلة، ولا يبعد أن يكون لعبد الملك رؤية. أخرج له الجماعة إلا البخاري والترمذي، له عندهم حديثان، أحدهما هذا، والآخر في قبلة الصائم. قاله في تت جـ ٦ ص ٣٩٥ - ٣٩٦.
٦ - (أبو حميد) الساعدي الأنصاري الصحابي المدني، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر. وقيل: اسم جده مالك. وقيل: عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد بن ثعلبة ابن عمرو بن الخزرج. يقال: إنه عم سهل بن سعد الساعدي.
روى عن النبي ﷺ . وعنه إسحاق بن عبد الله بن عمر بن الحكم، وجابر بن عبد الله، وابن ابنه سعد بن المنذر بن أبي حميد، وعباس ابن سهل بن سعد الساعدي، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وعبد الملك بن سعيد بن سويد، وعمرو بن سليم الزرقي، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، ويزيد بن زيد الأنصاري.
قال الواقدي: توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد. وقال خليفة وابن سعد وغيرهما: إن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد
стр. 5399
شهد أحداً وما بعدها. أخرج له الجماعة.
٧ - (أبو أسيد) مالك بن ربيعة بن البَدَن (١) بن عمرو بن عوف ابن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب أبو أسيد (٢) الساعدي، شهد بدراً والمشاهد كلها.
روى عن النبي ﷺ ، وعنه أولاده: حمزة، والزبير، والمنذر، ومولاه علي بن عبيد، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن طلحة، وقرة بن أبي قرة، ويزيد بن زياد المدني مولى بني ساعدة. مات سنة ٦٠ هـ، وهو آخر من مات من البدريين فيما ذكر المدائني. وقال الواقدي وخليفة: مات سنة ٣٠ هـ.
قال ابن عبد البر: هذا اختلاف متباين. وقال غيره: مات سنة ٤٠ هـ. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو ومسلم، وعبد الملك بن سعيد، فلم يخرج له البخاري والترمذي، وأنهم مدنيون، إلا شيخه وشيخ شيخه، فبصريان.
стр. 5400
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي, ربيعة عن عبد الملك.
ومنها: أن عبد الملك ليس له عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، إلا حديثان، أحدهما هذا، والآخر في قبلة الصائم. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الملك بن سعيد) الأنصاري، أنه (قال: سمعت أبا حميد، وأبا أسيد) هكذا وقع عند المصنف هنا، وفي الكبرى بالعطف بالواو، وهي رواية لابن ماجه، وفي رواية له "عن أبي حميد"، ولم يذكر أبا أسيد، ووقع عند مسلم، وأبي داود "سمعت أبا حميد، أو أبا أسيد" بالشك.
(يقولان: قال رسول الله ﷺ : إِذا دخل أحدكم المسجد) الظاهر أنه يقول هذا الذكر مع دخوله، فيكون المعنى: إذا شرع في الدخول، ويحتمل أن يكون المعنى: أي أراد الدخول (فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وعند أبي داود من رواية عبد العزيز الدراوردي، عن ربيعة، زيادة السلام على النبي ﷺ ، ثم ليقل: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر من الأمر في قوله: "فليقل"
стр. 5401
الوجوب، إذ لا صارف له إلى الاستحباب، ولم أر من نَبَّه عليه. والله أعلم.
(وإِذا خرج فليقل: اللهم إِني أسألك من فضلك) أي من رزقك الحلال. وخصت الرحمة بالدخول، والفضل بالخروج؛ لأن المسجد محل رحمة الله ومغفرته، وخارج المسجد محل طلب الرزق، فشرع لكلٍّ أن يدعو ربه بما يناسب حاله. والله أعلم.
وقال ولِيُّ الله الدهلوي رحمه الله تعالى في حجة الله البالغة: الحكمة في تخصيص الداخل بالرحمة، والخارج بالفضل أن الرحمة في كتاب الله أريد بها النعم النفسانية، والأخروية، كالولاية والنبوة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، والفضل على النعم الدنيوية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ومن دخل المسجد إنما يطلب القرب من الله تعالى، والخروج وقت ابتغاء الرزق. اهـ.
وقال ابن رسلان ﵀: سؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، يعني الرزق الحلال، وقيل: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هو طلب العلم، والوجهان متقاربان؛ فإن العلم من رزق الله تعالى؛ لأن الرزق لا يختص بقوت البدن، بل يدخل فيه قوت الأرواح،
стр. 5402
والأسماع، وغيرها. وقيل: فضل الله عيادة المريض، وزيارة أخ صالح. انظر المنهل العذب جـ ٣ ص ٧٤ - ٧٥. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي حميد، وأبي أسيد ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف ﵀.
أخرجه هنا (٣٦/ ٧٢٩)، و"الكبرى" في "الصلاة" (٣٦/ ٨٠٨) - وفي "عمل اليوم والليلة" -١٠٠٠٥ - عن سليمان بن عبيد الله الغيلاني، عن أبي عامر العقدي، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عنهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن عبد الملك، عن أبي حميد، أو أبي أسيد به. قال مسلم: سمعت يحيى يقول: كتبت هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال، قال: بلغني أن يحيى الحِمَّاني يقول: وأبي أسيد.
وأخرجه عن حامد بن عمر البكراوي، عن بشر بن المفضل، عن عمارة بن غزية، عن ربيعة، به.
стр. 5403
تنبيه:
قول مسلم ﵀: سمعت يحيى يقول: كتبت … إلخ: يعني أن الحماني يقول عن سليمان المذكور: عن أبي حميد، وأبي أسيد، بواو العطف، وأن يحيى بن يحيى رواه بأو التي للتردد.
قال الحافظ ﵀ في "نتائج الأفكار" جـ ١ ص ٢٧٦ - ٢٧٧: ولم ينفرد الحماني بذلك، فقد أخرجه أحمد، عن أبي عامر العقدي، عن سليمان بواو العطف أيضًا، وكذا أخرجه النسائي، وأبو يعلى، وابن حبان من رواية سليمان، ولم ينفرد به سليمان أيضًا، بل جاء من رواية عمارة بن غزية أيضًا.
أخرجه الطبراني في "الدعاء"، عن زكريا الساجي، عن أحمد بن سعيد، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمارة بن غزية، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الملك بن سعيد، يقول: سمعت أبا حميد، وأبا أسيد ﵄ [يقولان: قال] رسول الله ﷺ … الحديث. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. اهـ.
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عثمان الدمشقي، عن الدراوردي، عن ربيعة بإسناده، وتقدم لفظه.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن عمرو بن عثمان الحمصي، وعبد الوهاب بن الضحاك، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن
стр. 5404
عمارة بن غزية، لكن قال: عن أبي حميد، ولم يذكر أبا أسيد. بلفظ أبي داود المتقدم. والله أعلم.
المسأله الرابعة: يستفاد من حديث الباب مشروعية طلب الرحمة من الله تعالى عند دخول المسجد، وطلب الفضل منه عند الخروج منه.
وقد وردت أحاديث فيما يقال في دخول المسجد والخروج منه.
فمنها: حديث الباب، وزاد في رواية أبي داود -كما تقدم- في أوله: "فليسلم، ثم ليقل" … ولفظ الطبراني: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك".
وأخرجه أيضًا أبو عوانة في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمارة بن غزية، بإسناد الطبراني، كما تقدم. وأخرجه أيضًا أبو عوانة من رواية عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن الدراوردي، فقال في روايته، عن أبي حميد: "أن النبي ﷺ كان يقول، إذا دخل المسجد: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وسهل لي أبواب رزقك".
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم
стр. 5405
افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلم على النبي ﷺ ، وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم". أخرجه المصنف في اليوم والليلة، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
ووقع في رواية النسائي "باعدني" وفي نسخة "أعذني" وفي رواية ابن خزيمة، وابن حبان "أجرني"، ورجال هذا الحديث من رجال الصحيح، لكن أعله النسائي، فأخرجه من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنه قال له: أوصيك باثنين، فذكر هذا الحديث بنحوه.
ومن طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب كذلك. قال النسائي: ابن أبي ذئب أثبت عندنا من الضحاك بن عثمان، ومن محمد بن عجلان، وحديثه أولى بالصواب.
قال الحافظ: ورواية ابن عجلان أخرجها عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في مصنفيهما كذلك، وأخرجه عبد الرزاق، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري أن كعبًا قال لأبي هريرة، فذكره، فهؤلاء ثلاثة خالفوا الضحاك في رفعه، وزاد ابن أبي ذئب في السند راويًا، وخفيت هذه العلة على من صحح الحديث من طريق الضحاك.
وفي الجملة هو حسن لشواهد، والله أعلم. انظر "نتائج الأفكار"
стр. 5406
جـ ١ ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
ومنها: حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أخرجه أبو داود، عن إسماعيل بن بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح، قال: لقيت عقبة ابن مسلم، فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول إذا دخل المسجد: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"، قال: أقط؟ قلت: نعم، قال: "فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم".
قال الحافظ ﵀: هذا حديث حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم من رجال الصحيح، إلا إسماعيل وعقبة، ومعنى قوله: "أقط"؟: أما بلغك إلا هذا خاصة، والهمزة للاستفهام، والمشهور في طاء "قط" التخفيف. والله أعلم.
ومنها: حديث عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك". أخرجه الإِمام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الله
стр. 5407
ابن الحسن، قال إسماعيل: فلقيت عبد الله بن الحسن، فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: كان إذا دخل قال: "رب افتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال: "رب افتح لي أبو اب فضلك"، وهكذا أخرجه الترمذي عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن علية.
قال الترمذي: حديث فاطمة حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك جدتها فاطمة الكبرى؛ لأنها عاشت بعد النبي ﷺ أشهراً.
قال الجامع عفا الله عنه:
فتحسين الترمذي مع كونه منقطعًا لشواهده، وصححه الشيخ الألباني. انظر صحيح الترمذي جـ ١ ص ١٠٢. والله أعلم.
وأخرجه الطبراني بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد حمد الله وسمى، وقال: "اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج قال مثل ذلك، وقال: "اللهم افتح لي أبواب فضلك"، ورجال السند -كما قال الحافظ- ثقات، لكن فيه الانقطاع الذي ذكره الترمذي.
قال الحافظ: ووقع لنا ذكر الصلاة على النبي ﷺ في هذا الحديث من وجه آخر، ثم ساقه بإسناده إلى عبد الرزاق، عن قيس بن الربيع، عن عبد الله بن الحسن بإسناده: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: اللهم صل على محمد، وسلم، واغفر لي ذنوبي، وافتح لي
стр. 5408
أبواب رحمتك" وإذا خرج قال مثلها, لكنه يقول: "أبواب فضلك".
وقال أيضاً: ووقع لنا من وجه آخر فيه الحمد، والتسمية، والصلاة، والتسليم، ثم ساقه بإسناده إلى أبي بشر الدولابي، عن محمد بن عوف، عن موسى بن داود، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عبد الله بن الحسن، بإسناده: "كان رسول الله ﷺ ، إذا دخل المسجد، قال: بسم الله، والحمد لله، وصلى الله على النبي وسلم، اللهم اغفر لي" فذكر مثل الذي قبله، لكن قال: "سهل" بدل "افتح" في الموضعين، ورواة هذا الإسناد ثقات، إلا أن فيه الانقطاع الذي تقدم ذكره.
ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من مرسل أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: "السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم أجرني من الشيطان، ومن الشر كله". قال الحافظ ﵀: ورجاله ثقات، ليس فيه الإرسال، والله أعلم. انظر نتائج الأفكار جـ ١ ص ٢٨٨ - ٢٨٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ينبغي للمسلم أن يلازم هذه الأذكار في دخول المسجد وخروجه، فإن تيسر له أن يقول كلها، فحسن، وإلا فليقل منها ما تيسر له. ومن الغريب أن كثيراً من طلاب العلم، فضلًا عن عامة الناس، لا يهتمون بمثل هذه الأذكار، وهو حرمان عظيم، فقد سبق في بعضها أنه حرز من الشيطان، حيث يقول
стр. 5409
الشيطان إذا سمع الإنسان يقوله: حُفِظَ مني سائر اليوم، وهذا فضل عظيم. ألهمنا الله تعالى الاقتداء بحبيبه ﷺ في أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا، إنه ولي ذلك. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5410
٣٧ - الأمْرُ بالصَّلاةِ قَبْلَ الجُلُوسِ فِيهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أمر داخل المسجد بأن يصلي فيه قبل أن يجلس.
والمراد بالأمر هنا: الطلب، وجمعه أوامر.
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: الأمر: معروف، نقيض النهي. أمره به، وأمره إياه، على حذف الحرف، يأمره، أمْرًا، وإمَارًا، فأتمر، أي قَبِلَ أمره، وقوله : ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].العرب تقول: أمرتك أن تفعل، ولتفعل، وبأن تفعل، فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للإلصاق، والمعنى وقع الأمر بهذا الفعل, ومن قال: أمرتك أن تفعل، فعلى حذف الباء, ومن قال: أمرتك لتفعل فقد أخبرنا بالعلة التي لها وقع الأمر، والمعنى: أمرنا للإسلام. اهـ. لسان جـ ١ ص ١٢٥.
وقال الفيومي رحمه الله تعالى: الأمر بمعنى الحال، جمعه أمور، وعليه ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، والأمر بمعنى الطلب، جمعه أوامر، فرقًا بينهما.
قال الجامع عفا الله عنه: والمعنى الثاني هو الموافق هنا. والله أعلم.
стр. 5411
٧٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة الفقيه المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، وأمه حنتمة بنت عبد الرحمن بن هشام، ثقة عابد توفي سنة ١٢١، من [٤].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة من أوثق الناس. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وقال مالك: كان يغتسل كل يوم، ويواصل صوم سبع عشرة ثم يمسي، فلا يذوق شيئًا حتى القابلة يومين وليلة. أخرج له الترمذي في الأمر بتحية المسجد. وقال العجلي: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: كان
стр. 5412
عالمًا فاضلًا. مات سنة ١٢١ وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا، وكان ثقة مأمونًا، وله أحاديث يسيرة. وقال الخليلي: أحاديثه كلها يحتج بها. قال الواقدي: مات قبل هشام، أو بعده بقليل، ومات هشام سنة ١٢٤ قال الحافظ: بل سنة ١٢٥. اهـ. أخرج له الجماعة.
٤ - (عمرو بن سليم) (١) بن خَلْدَةَ بن مُخَلَّد بن عامر بن زُرَيْق الأنصاري الزُّرقي -ثقة، من كبار التابعين، توفي سنة ١٠٤.
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: ثقة، في حديثه اختلاط. وقال العجلي: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر. وقال الفلاس: مات سنة ١٠٤، أخرج له الجماعة.
٥ - (أبو قتادة) الأنصاري، الحارث بن رِبْعي، وقيل: غيره، الصحابي المشهور ﵁، توفي سنة ٥٤ على الأصح، تقدم في ٢٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة.
стр. 5413
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، قرية من قرى بَلْخَ.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي, عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي قتادة) ﵁، قال في الفتح: هكذا اتفق عليه الرواة عن مالك، ورواه سهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، فقال: "عن جابر" بدل أبي قتادة، وخطَّأه الترمذي، والدارقطني، وغيرهما. اهـ. أن رسول الله ﷺ قال: (إِذا دخل أحدكم المسجد، فليركع) أي فليصل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل (ركعتين) هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين. قاله في الفتح.
ويتأدى ذلك بصلاة الفرض، فإذا دخل والناس في الصلاة فدخل معهم فيها، سقط عنه الطلب، فلا حاجة -كما قال السندي- إلى تخصيص الحديث بما إذا لم تُقَمِ المكتوبة. والله أعلم.
стр. 5414
وقال في الفتح: واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرح به ابن حزم عدمه.
ومن أدلة عدم الوجوب قوله ﷺ للذي رآه يتخطى: "اجلس، فقد آذيت" ولم يأمره بصلاة. كذا استدل به الطحاوي، وغيره. قال الحافظ: وفيه نظر.
قال الجامع: ومن أدلته أيضًا ما يأتي للمصنف في الباب التالي.
وقال الطحاوي أيضًا: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها.
قال الحافظ: هما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلابد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي، وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلى عكسه، وهو قول الحنفية، والمالكية. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ١٠٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله تعالى، لما سنحققه، في المسائل إن شاء الله تعالى.
(قبل أن يجلس) صرح جماعة بأنه إذا خالف، وجلس لا يشرع له التدارك، وفيه نظر، لما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ذر
стр. 5415
رضي الله عنه، أنه دخل المسجد، فقال له النبي ﷺ : "أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: "قم فاركعهما". ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس. ولحديث جابر ﵁، جاء سُلَيْك الغَطَفَاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له: "أصليت ركعتين؟ " فقال: لا، فقال: "قم فاركعهما". متفق عليه. وسيأتي للمصنف برقم: ١٣٩٥، ١٤٠٠.
وقال المحب الطبري: يحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال: وقتهما قبله أداء، وبعده قضاء، ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره المحب الطبري فيه نظر، بل يشرع لمن لم يصل قبل الجلوس نسيانًا، أو جهلًا أن يصلي بعده مطلقًا، على ظاهر النصوص المذكورة، فإنه ﷺ أمر بالصلاة قبل الجلوس، وأمر من لم يصل قبله أن يقوم فيصلي، ولم يبين التفصيل الذي ذكره المحب فتنبه. والله أعلم.
فائدة:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا ورد على سبب، وهو أن أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال له: "ما منعك أن تركع؟ " قال: رأيتك جالسًا، والناس
стр. 5416
جلوس، قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين". أخرجه مسلم.
وعند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة: "أعطوا المساجد حقها" قيل له: وما حقها؟ قال: "ركعتين قبل أن تجلس". اهـ فتح جـ ٢ ص ١٠٦ - ١٠٧. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه.
الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣٧/ ٧٣٠)، و"الكبرى" (٣٠/ ٨٠٩) عن قتيبة، عن مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عنه. والله تعالى أعلم.
الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، به -وعن مكي بن إبراهيم، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند- كلاهما عن عامر بن عبد الله، به.
стр. 5417
وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، والقعنبي، وقتيبة، ثلاثتهم عن مالك، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عمرو بن يحيى بن عُمَارة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمرو بن سُلَيْم، به، وفيه قصة، وقد تقدم ذكرها.
وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، به. وعن مسدد، عن عبد الواحد بن زياد، عن أبي العُمَيس عُتْبَة بن عبد الله، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن رجل من بني زُرَيق، به -ولم يسمه.
وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، به. وقال: حسن صحيح. وقد روى ابن عجلان، وغير واحد هذا الحديث عن عامر نحو رواية مالك. وروى سهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم، عن جابر -وهو غير محفوظ. قال ابن المديني: حديث سهيل خطأ.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن العباس بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن مالك نحوه. رواه الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عامر بن عبد الله، عن أبي قتادة -ولم يذكر "عمرو بن سليم"، وهو وَهَم. قاله الحافظ المزي ﵀ في تحفته جـ ٩ ص ٢٦٢ - ٢٦٣.
وأخرجه الحميدي في مسنده رقم ٤٢١، وأحمد ٥/ ٢٩٥، ٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٥، ٣١١، والدارمي ١٤٠٠، وابن خزيمة في صحيحه ١٨٢٥، ١٨٢٦، ١٨٢٧، ١٨٢٩، وابن حبان في صحيحه جـ ٦
стр. 5418
٢٤٥. بتحقيق الأرنؤوط. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان مذاهب العلماء في حكم ركعتي تحية المسجد:
ذهب الجمهور إلى أنهما سنتان، قائلين: إن الأمر في ذلك للندب، لا للوجوب.
قال الإِمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه جـ ١ ص ١٩٨ - ١٩٩ في حديث أبي قتادة ﵁ المذكور في الباب: والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا، استحبوا إذا دخل الرجل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي الركعتين، إلا أن يكون له عذر. اهـ.
وذهب بعضهم إلى وجوبهما، ونسب إلى الظاهرية ما عدا ابن حزم، واستدلوا بحديث أبي قتادة المذكور في الباب، فإنه بصيغة الأمر، والأمر للوجوب. وسيأتي الجواب عنه، إن شاء الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: نسبة الوجوب إلى الظاهرية، وإن حكاه القاضي عياض، وابن بطال، محل نظر، فإن ابن حزم ﵀ قال في "المحلى" في الرد على القائلين بوجوب شيء من الصلوات غير الخمس: ما نصه: وأما كون ما عدا ذلك تطوعًا فإجماع من الحاضرين من المخالفين، إلا في الوتر، فإن أبا حنيفة قال: واجب، وقد روي عن بعض المتقدمين: أنها فرض. اهـ.
فقد بَيَّنَ ابنُ حزم وهو أعلم الناس بالظاهرية أن القول بعدم وجوب
стр. 5419
ما عدا الخمس إجماع، إلا ما ذكر في الوتر. فتنبه. والله أعلم.
واستدل الأولون بحديث ضمام بن ثعلبة عند الشيخين، والمصنف، وأبي داود، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" .... الحديث.
قال الحافظ أبو بكر بن خزيمة ﵀ في صحيحه جـ ٢ ص ١٦٤: باب الدليل على أن الأمر بركعتين عند دخول المسجد أمر ندب، وإرشاد، وفضيلة. والدليل على أن الزجر عن الجلوس قبل صلاة ركعتين عند دخول المسجد نهي تأديب، لا نهي تحريم، بل حض على الخير، والفضيلة.
قال أبو بكر: خبر طلحة بن عبيد الله جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: "الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا"، فأعلم النبي ﷺ أن لا فرض من الصلاة إلا خمس صلوات، وأن ما سوى الخمس فتطوع، لا فرض في شيء من ذلك. اهـ. "صحيح ابن خزيمة" جـ ٣ ص ١٦٤.
واستدلوا أيضًا بالحديث الآتي للمصنف في الباب التالي، فإن كعب بن مالك ﵁ جلس عند النبي ﷺ ، فلم يأمره بالصلاة، كما يأتي استدلال المصنف به على عدم الوجوب.
واستدلوا أيضًا بما تقدم من أن سبب حديث أبي قتادة رضي الله عنه
стр. 5420
المذكور في الباب أنه دخل المسجد فوجد النبي ﷺ وأصحابه جالسين. فجلس من غير أن يصلي ركعتين، فقال له النبي ﷺ : "ما منعك أن تركع؟ " قال: رأيتك جالساً، والناس جلوس. قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين". أخرجه مسلم. ففيه أنه لم يأمره بالقيام لأداء الركعتين. فيدل على عدم وجوبهما أيضاً.
واستدلوا أيضاً بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة عن عبد الله بن بسر ﵁، قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فقد آذيت"، وزاد أحمد "وآنيت". -يعني تأخرت- فقد أمره بالجلوس، ولم يأمره بالصلاة. لكن فيه أنه يحتمل أنه صلى في جانب المسجد قبل التخطي. والله أعلم.
وقال العلامة العيني ﵀: لو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه سجودهما عند دخوله. اهـ.
وقال الإِمام العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وجمهور العلماء على عدم الوجوب لهما. ثم اختلفوا، فظاهر مذهب مالك أنهما من النوافل. وقيل: إنهما من السنن. وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين النوافل والسنن والفضائل. ونقل عن بعض الناس أنهما
стр. 5421
واجبتان، تمسكًا بالنهي عن الجلوس قبل الركوع. وعلى الرواية الأخرى -التي وردت بصيغة الأمر- يكون التمسك بصيغة الأمر.
ولاشك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم، ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى دليل. ولعلهم يفعلون في هذا ما
فعلوا في مسألة الوتر، حيث استدلوا على عدم الوجوب فيه بقوله ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على العباد"، وقول السائل: هل علي غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع"، فحملوا لذلك صيغة الأمر على الندب، لدلالة هذا الحديث على عدم وجوب غير الخمس، إلا أن هذا يشكل عليهم بإيجابهم الصلاة على الميت، تمسكًا بصيغة الأمر. اهـ "إحكام الأحكام" جـ ٢ ص ٤٦٧ - ٤٦٨.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: فهو محتاج إلى الدليل. أقوى الدليل للجمهور هو الحديث الذي ذكره هو، فدلالته على عدم وجوب ما سوى الخمس واضحة.
وأما جواب من أجاب بأن ذلك قبل أن يجب غيرها من الصلوات -كما ذكره الصنعاني، والشوكاني- فيرد عليه بحديث معاذ ﵁ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فقال له: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب … الحديث". وفيه "فأعْلِمْهُم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" وبَعْثُ معاذ كان سنة عشر قبل حجة النبي ﷺ ، كما ذكره البخاري ﵀ في أواخر المغازي. ويقال:
стр. 5422
إنه ما قدم إلا بعد موته ﷺ .
فهذا واضح في عدم افتراض شيء من الصلوات غير الخمس؛ لأن هذا الحديث متأخر بيقين.
وأما قوله: يشكل عليهم إيجابهم الصلاة على الميت. فجوابه أن الصلاة على الميت ليست فرض عين؛ لأن السائل سأله عما يجب عليه، ولا يسقط بفعل غيره عنه، بدليل اقتصاره ﷺ في جوابه على فرائض الأعيان.
وقد طول العلامة الشوكاني في انتصار القول بالوجوب في نيله جـ ٣ ص ٣٤٧ - ٣٤٩ - ومثله الصنعاني في "عدته" جـ ٢ ص ٤٦٨. وأقوى مستندهما في ذلك دعوى أن حديث "هل علي غيرهن؟ قال: "لا .... " كان أوّلا، ثم تزايدت التشريعات بعد ذلك. وهذا مردود عليهما بحديث معاذ المذكور المتأخر يقينًا. فتبصر. والله أعلم.
فالحاصل أن قول الجمهور بعدم الوجوب هو الحق، لظهور دليله. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: ظاهر الحديث يدل على مشروعية هاتين الركعتين في جميع الأوقات حتى في أوقات الكراهة، ووقت الخطبة. وبه قالت الشافعية، وجماعة، وهو الذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀. وكره ذلك أبو حنيفة، والأوزاعي، والليث، محتجين بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة.
стр. 5423
وأجاب الأولون بأن النهي إنما هو عما لا سبب له؛ لأن النبي ﷺ صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر. رواه الشيخان.
وبحديث "أن رجلًا صلى مع النبي ﷺ الصبح. ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلم رسول الله ﷺ قام يركع ركعتي الفجر. ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه". رواه ابن حبان في صحيحه.
وبحديث "أن النبي ﷺ صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما انصرف إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: "عليّ بهما"، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". رواه أبو داود والنسائي، وصححه الترمذي.
وبحديث "أنه ﷺ أمر بركعتي تحية المسجد لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب"، مع أن الوقت وقت سماع الخطبة. ففي رواية الشيخين من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإِمام، فليصل ركعتين". وفي رواية لمسلم: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما".
стр. 5424
قال الجامع عفا الله عنه: فترجح بما ذكر أن الراجح قول من قال بمشروعية ركعتي تحية المسجد مطلقًا في أوقات الكراهة وغيرها. والله أعلم.
تنبيه:
قال الإِمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف المتقدم ما نصه: وهذا الخلاف في هذه المسألة ينبني على مسألة أصولية مُشْكِلَة، وهو ما إذا تعارض نصان كل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، خاص من وجه. ولست أعني بالنصين هاهنا ما لا يحتمل التأويل.
وتحقيق ذلك أوَّلاً يتوقف على تصوير المسألة. فنقول: مدلول أحد النصين إن لم يتناول مدلول الآخر، ولا شيئًا منه، فهما متباينان، كلفظة "المشركين" و"المؤمنين" مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، فهما متساويان، كلفظة "الإنسان" و"البشر" مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، ويتناول غيره، فالمتناول له ولغيره عام من كل وجه بالنسبة إلى الآخر، والآخر خاص من كل وجه، وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة، وينفرد كل واحد منهما بصورة، أو صُور، فكل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه.
стр. 5425
فإذا تقرر هذا، فقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد" إلخ مع قوله: "لا صلاة بعد الصبح" من هذا القبيل، فإنهما يجتمعان في صورة، وهو ما إذا دخل المسجد بعد الصبح، أو العصر، وينفردان أيضًا، بأن توجد الصلاة في هذا الوقت من غير دخول المسجد، ودخول المسجد في غير ذلك الوقت، فإذا وقع مثل هذا فالإشكال قائم؛ لأن أحد الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في هذه الأوقات؛ لأن هذا الحديث دل على جوازها عند دخول المسجد، وهو خاص بالنسبة إلى الحديث الأول المانع من الصلاة بعد الصبح، فأخص قوله: "لا صلاة بعد الصبح" بقوله: "إذا دخل أحدكم المسجد", فلخصمه أن يقول: قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد" عام بالنسبة إلى الأوقات، فأخصه بقوله: "لا صلاة بعد الصبح" فإن هذا الوقت أخص من عموم الأوقات.
فالحاصل أن قوله ﵊: "إذا دخل أحدكم المسجد" خاص بالنسبة إلى هذه الصلاة -أعني الصلاة عند دخول المسجد- عام بالنسبة إلى هذه الأوقات. وقوله: "لا صلاة بعد الصبح" خاص بالنسبة إلى هذا الوقت، عام بالنسبة إلى الصلوات. فوقع الإشكال من هاهنا.
وذهب بعض المحققين إلى التوقف حتى يأتي ترجيح خارج بقرينة،
стр. 5426
أو غيرها. فمن ادعى أحد هذين الحكمين -أعني الجواز، أو المنع- فعليه إبداء أمر زائد على مجرد الحديث. اهـ إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٤٧٠ - ٤٧٢. بنسخة العدة.
قال الجامع عفا الله عنه: الأمر الزائد المرجح موجود -والحمد لله- وهو ما تقدم من النصوص الدالة على جواز الصلوات التي لها أسْبَاب.
والمراد بذوات الأسباب هي التي لها سبب متقدم عليها. فاندفع بهذا ما قاله الصنعاني من أن الحكم على بعض الصلوات بأنها من ذوات الأسباب دون بعض تفريق بين المتماثلات, إذ ما من صلاة إلا ولها سبب باعث عليها أقله الندب إليها، فإن أرادوا ما نص عليه بخصوصه من النوافل، فهو من التنصيص على بعض أفراد العام الشامل له ولغيره، وهو قوله ﷺ : "الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر منها، فليستكثر". حديث حسن أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: "فمن استطاع أن يستكثر".
والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، وأنه مع ذلك يلزم أن لا يبقى لأحاديث النهي محل يتوجه -إليه- اهـ. "العدّة" جـ ٢ ص ٤٦٩. بزيادة يسيرة.
قال الجامع: هذا الذي قاله الصنعاني ﵀ بعيد كل البعد عما تقدم، فإن المراد بالأسباب هنا هي الأسباب التي قدمها الشخص على
стр. 5427
فعل الصلاة، فاقتضت فعلَها. وذلك كأن تفوته صلاة، فيتذكرها في ذلك الوقت، فيصليها، أو يدخل المسجد فيصلي ركعتين، أو يتوضأ فيصلي ركعتي الوضوء، أو يأتي المسجد، وقد صلى العصر، أو الصبح في رحله، فأدرك الجماعة، فصلى معهم، أو فاتته ركعتا الفجر، فصلاهما بعد أداء الفرض جماعة، أو نحو ذلك، فمثل هذه الأشياء هي التي لها أسباب تقدمت على فعلها، وأما البواعث المقتضية للفعل من جهة الشرع، كالحديث الذي ذكره، فليست مرادة هاهنا. فتنبه والله أعلم.
وأما ما قاله الشوكاني ﵀ -بعد ذكره التعارض المتقدم، وأنه لا يمكن الترجيح-: والمقام عندي من المضائق، والأوْلى للمتورع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة. فعجيب من مثله! فكيف يمنع المسلم، من دخول المساجد؟ وأي نص في ذلك حتى نعتمد عليه؟ بل الصواب أن المساجد مأذون في دخولها في جميع الأوقات، إلا فيمن ورد النص بتحريم الدخول في حقه كمن أكل ثومًا، أو نحو ذلك. والله أعلم.
والحاصل أن أدلة تخصيص عموم النهي بذوات الأسباب واضحة، لا لبس فيها، فيشرع أداء ركعتي تحية المسجد في جميع الأوقات. وقد تقدم تمام البحث في المسألة في ٣١/ ٥٥٩ فأرجع إليه تزدد علماً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 5428
المسألة السادسة:
قال الإِمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: إذا دخل المسجد بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته فهل يركعهما في المسجد؟.
اختلف قول مالك فيه، وظاهر الحديث يقتضي الركوع.
وقيل: إن الخلاف في هذا من جهة معارضة هذا الحديث للحديث الذي رووه من قوله ﵊: "لا صلاة بعد الفجر، إلا ركعتي الفجر". وهذا أضعف من المسألة السابقة؛ لأنه يحتاج في هذا إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع التعارض، فإن الحديثين الأولين في المسألة الأولى صحيحان، وبعد التجاوز عن هذه المطالبة، وتقدير تسليم صحته يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين، يصير كل واحد منهما عامًا من وجه، خاصًا من وجه، وقد ذكرناه. اهـ إحكام جـ ٢ ص ٤٧٢ - ٤٧٣.
قال الجامع عفا الله عنه: أما الحديث فصحيح بمجموع طرقه -كما تقدم البحث عنه في ٣٩/ ٥٨٣ وأما التعارض المذكور، فتقدم الجواب عنه في الذي قبله.
والحاصل أن النهي المذكور في هذا الحديث لا يتناول من دخل المسجد بعد أداء ركعتي الفجر، فيشرع له أن يصلي ركعتي التحية، لكونهما من ذوات الأسباب. فتفطن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 5429
المسألة السابعة:
إذا دخل مجتازًا، فهل يؤمر بالركعتين؟.
خفف في ذلك مالك ﵀. قال ابن دقيق العيد ﵀: وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة؛ فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي، فالنهي يتناول جلوسًا قبل الركعتين، فإذا لم يحصل الجلوس أصلًا لم يفعل المنهي. وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر توجه بركوع قبل الجلوس، فإذا انتفيا معًا لم يخالف الأمر. اهـ إحكام. جـ ٢ ص ٤٧٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد ﵀ هو الظاهر، فمن دخل المسجد مجتازًا ليس عليه أن يركع الركعتين، لظاهر النص. والله أعلم.
المسألة الثامنة:
لفظة "المسجد" تتناول كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجد الحرام، وجعلوا تحيته الطواف.
قال الإِمام ابن دقيق العيد ﵀: فإن كان في ذلك خلاف، فلمخالفهم أن يستدل بهذا الحديث، وإن لم يكن فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى، وهو أن المقصود افتتاح الدخول في محل العبادة بعبادة، وعبادة الطواف تُحَصِّل هذا المقصود، مع أن غير هذا المسجد لا يشاركه فيها، فاجتمع في ذلك تحصيل المقصود مع الاختصاص.
وأيضًا فقد يؤخذ ذلك من فعل النبي ﷺ في حجته حين دخل
стр. 5430
المسجد، فابتدأ بالطواف على ما يقتضيه ظاهر الحديث، واستمر عليه العمل، وذلك أخص من هذا العموم. وأيضًا فإذا اتفق أن طاف، ومَشَى على السنة في تعقيب الطواف بركعتيه، وجرينا على ظاهر اللفظ في الحديث، فقد وفينا بمقتضاه. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا معنى لإخراج المسجد الحرام من هذا الحديث -كما يشير إليه آخر كلام ابن دقيق العيد- ﵀ -فإن من دخله، إما أن يكون محرمًا بأحد النسكين، أوْ لا، فإن كان محرمًا بأحدهما, فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف، ثم يصلي ركعتين- كما ثبت عن النبي ﷺ فمن فعل بالسنة فقد عمل بحديث الباب؛ لأن المطلوب منه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، وقد وجد، وإن لم يكن محرمًا، فإن أراد الطواف فكذلك، وإلا فليركع ركعتين قبل أن يجلس.
والحاصل أن المسجد الحرام كسائر المساجد في طلب الركعتين قبل الجلوس، تقدمهما طواف، أم لا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة:
إذا صلى العيد في المسجد، فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟
اختلف فيه؛ قال ابن دقيق العيد ﵀: والظاهر من لفظ الحديث أنه يصلي. ولكن جاء في الحديث "أن النبي ﷺ لم يصل قبلها