النصوص المحكمة، كما أشار الإِمام ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعية المحكمة الصريحة. والله أعلم. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الرد حسن جداً، إلا قوله: "بذاته" فإنها وإن وجدت في عبارة بعض العلماء لإيضاح المعنى، فلا ينبغي ذكرها لئلا يكون زيادة على النص، وقد أنكر الحافظ الذهبي ﵀ في كتابه "العلو للعلي الغفار" على من قال: "هو تعالى فوق عرشه بذاته" لعدم ورودها عن السلف، واعتبرها من فضول الكلام، انظر "مختصر العلو" للعلامة الألباني ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
وأما ما نقله عن الخطابي، وكذا قول السندي: إنه يناجيه، ويقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق إلقاء البصاق فيها. اهـ. ففيه نظر لا يخفى.
والحاصل أن الصواب في هذا الباب إثبات النصوص كما وردت على ظاهر معناها على الوجه الذي أراده الله تعالى مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والله اعلم، ومنه العون والتوفيق، وعليه التكلان.
(إِذا صلى) أي دخل في الصلاة، ونص في الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة، لفضيلة تلك الحال على سائر
стр. 5357
الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممنوع مطلقًا، في الصلاة وغيرها، وفي المسجد وغيره، كما يأتي قريبًا، خلافًا لمن خصه بقبلة المسجد، أو حال الصلاة.
وقال الباجي ﵀: يحتمل أن يكون خص بذلك حال الصلاة لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة، وفي سائر الأحوال قد تكون عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها. اهـ ذكره في "المنهل" جـ ٤ ص ٩٩. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣١/ ٧٢٤)، و"الكبرى" (٣١/ ٨٠٣) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية إنكار المنكر لمن رآه، وإزالته باليد، وفي حديث
стр. 5358
أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". أخرجه مسلم وأصحاب السنن.
ومنها: غضب الإِمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالاً بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود "فتغيظ على الناس". وفي حديث أنس في الصحيح "فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه".
ومنها: وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد علل ذلك بقوله: "فإن الله قبل وجهه".
قال في "الفتح": وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أو لا. ولاسيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم.
وفي صحيحي ابن خزيمة، وابن حبان من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه"، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه"، ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد ﵁: "أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في
стр. 5359
القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: "لا يصلي لكم" فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "نعم"، وحسبت أنه قال: "إنك آذيت الله ورسوله ﷺ ". والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في "التمهيد" عند هذا الحديث إجماع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها.
قال العراقي ﵀: فما أدري هل أراد بالعمل القليل نفس البصاق، أو أراد ما ورد في حديث آخر من كونه يبصق في ثوبه، أو أراد أن النبي ﷺ حكه من القبلة وهو في الصلاة، وهو الظاهر، فقد روى البخاري من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي، فحتها، ثم قال حين انصرف … الحديث".
وفي بعض طرقه أنه كان يخطب، كما رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية أيوب عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "بينما رسول الله ﷺ يخطب يوماً إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكها، قال: -وأحسبه- قال: فدعا بزعفران، فلطخه به". اهـ. "طرح التثريب". والله تعالى أعلم.
стр. 5360
المسألة السادسة: قال الحافظ العراقي ﵀: اختلفت الأحاديث أيضًا في البصاق الذي وجده النبي ﷺ في القبلة، هل كان ذلك في مسجده ﷺ ، أو في مسجد آخر؟
فقيل: إنه كان في مسجد الأنصار، بدليل ما رواه مسلم، وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد، قال: أتينا جابرًا، وهو في مسجده، فقال: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون" … الحديث. لفظ أبي داود.
وظاهر ما تقدم من كونه كان في الخطبة أنه كان في مسجد المدينة، والظاهر أنهما واقعتان، أو وقائع، ففي قصة مسجد الأنصار أنه حتها بالعرجون، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أنه حكها بحصاة، وفي قصة مسجد الأنصار "أروني عبيرًا"، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول الله ﷺ ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة.
وعند النسائي (٧٢٨) من حديث أنس ﵁: أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله ﷺ : "ما أحسن هذا".
وفي بعضها أنه كان في الصلاة، وفي بعضها أنه كان يخطب، كما
стр. 5361
تقدم، فهذا يدل على اختلاف واقعتين، أو وقائع من غير تعارض. والله أعلم. اهـ "طرح التثريب" ج ٢ ص ٣٨٦ - ٣٨٧.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5362
٣٢ - ذِكْرُ نَهْي النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ, أوْ عَنْ يَمِينِهِ, وَهُوَ فِي صَلاتِهِ
أي هذا باب ذكر نهي النبي ﷺ عن بَصْق الرجل أمامه، ولا عن جهة يمينه، وهو في صلاته.
ومثل الرجل في ذلك المرأة، إذ لا يختلف حكمهما في هذا؛ لأن علة النهي تعمهما، حيث إن النبي ﷺ علل النهي بقوله: "فإن الله قبل وجهه"، وقوله: "فإن عن يمينه ملكاً" وإنما اقتصر على ذكر الرجل موافقة لحديث الباب. والله تعالى أعلم.
٧٢٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، وَنَهَى أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ "يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السند الماضي.
٢ - (سفيان) بن عيينة، الكوفي المكي، ثقة ثبت حجة، من
стр. 5363
[٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم، الإِمام الحجة المثبت، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان، الزهري، المدني، ثقة، من [٢]، توفي سنة ١٠٥ هـ على الصحيح.
وثقه العجلي، وأبو زرعة، وابن خراش. وقال ابن سعد: روى مالك عن الزهري عن حميد: "أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان، ثم يفطران" ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد، قال: رأيت عمر وعثمان.
قال الواقدي: وأثبتهما عندنا حديث مالك، وأن حميداً لم ير عمر، ولم يسمع منه شيئاً، وسنه وموته يدل على ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله.
وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ٩٥ هـ وهو ابن ٧٣ سنة. قال ابن سعد: وقد سمعت من يقول: إنه توفي سنة ١٠٥ هـ، وهذا غلط.
قال الحافظ ﵀: هو قول الفلاس، وأحمد بن حنبل، وأبي إسحاق الحربي، وابن أبي عاصم، وخليفة بن خياط، ويعقوب ابن سفيان، وفي كتاب الكلاباذي: قال الذهلي: ثنا يحيى -يعني ابن
стр. 5364
معين- قال: مات سنة ١٠٥ هـ. قال الحافظ: وإن صح ذلك على تقدير صحة ما ذكر من سنه فروايته عن عمر منقطعة قطعًا، وكذا عن عثمان وأبيه. والله أعلم.
وقال أبو زرعة: حديثه عن أبي بكر، وعلي ﵄ مرسل. اهـ. تت ج ٣ ص ٤٥ - ٤٦، أخرج له الجماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: جعله الحافظ في التقريب من الطبقة الثانية، والذي يظهر لي أنه من الثالثة. والله أعلم.
٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي المشهور ﵁، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات نبلاء، اتفق الجماعة على التخريج لهم، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني، وأن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، وفيه رواية تابعي عن تابعي. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أن النبي ﷺ رأى نخامة) النخامة -بضم النون، وتخفيف الخاء المعجمة- كالنخاعة وزناً ومعنى، يقال: تنخم الرجل: إذا تنخع، وفي المطالع:
стр. 5365
النخامة: ما يخرج من الصدر، وهو البلغم اللَّزِج، وفي النهاية: النخامة: البَزْقَة التي تخرج من الرأس، ويقال: النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاق: ما يخرج من الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف. قاله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٤٩.
(في قبلة المسجد) متعلق برأى، أو محذوف صفة لنخامة، أي نخامة كائنة في حائط قبلة المسجد النبوي (فحكها) أي قشَر تلك النخامة (بحصاة) واحدة الحصى، وهي صغار الحجارة.
فإِن قيل: ظاهر هذا الحديث كحديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب الماضي يدل على أن الذي تولى إزالتها هو النبي ﷺ بنفسه، ورواية أنس ﵁ الآتية للمصنف برقم (٣٥/ ٧٢٨) يدل على أن الذي باشر ذلك امرأة من الأنصار، فكيف التوفيق بينهما؟ أجيب يحمل الاختلاف على تعدد الواقعة. والله أعلم.
(ونهى أن يبصق الرجل بين يديه) قد تقدم علة النهي في حديث ابن عمر ﵄، حيث قال: فإن الله قبل وجهه (أو عن يمينه) والعلة في النهي عنه كونه محل ملك، فعند أبي داود من طريق ابن عجلان، وصححه الحاكم على شرط مسلم: "أن النبي ﷺ كان يحب العراجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد، فرأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها، ثم أقبل على الناس مغضبًا، فقال: أيسُر أحدكم أن يبصق في وجهه، إن أحدكم إذا استقبل القبلة، فإنما يستقبل
стр. 5366
ربه ، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه، ولا في قبلته، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل هكذا" ووصف لنا ابن عجلان ذلك أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض.
(وقال: يبصُقُ عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى) وللبخاري: "ولكن عن يساره أو تحت قدمه": قال في "الفتح": كذا للأكثر، وفي روية أبي الوقت "وتحت قدمه" بالواو، ووقع عند مسلم من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁: "ولكن عن يساره تحت قدمه" بحذف "أو" وكذا للبخاري من حديث أنس في أواخر الصلاة، والروايات التي فيها "أو" أعم لكونها تشمل ما تحت القدم، وغير ذلك. اهـ.
وقال صاحب "المفهم": وظاهر"أو" الإباحة، أو التخيير ففي أيهما بصق لم يكن به بأس، قال: وإليه يرجع معنى قوله "عن شماله تحت قدمه". اهـ طرح جـ ٢ ص ٣٨٣ - ٣٨٤. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 5367
أخرجه هنا (٣٢/ ٧٢٥)، و"الكبرى" (٣٢/ ٨٠٤) عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عنه. وفي الشروط -عن أبي الطاهر بن السرح، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم ابن سعد، وعن علي بن عبد الله عن ابن عيينة وعن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل -ثلاثتهم عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، ولم يذكر سفيان أباهريرة.
ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، ثلاثتهم عن سفيان، به، وعن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، به، وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى كلاهما، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن حميد، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄. وابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم ابن سعد، به.
وأخرجه أحمد (٣/ ٦)، والحميدي رقم (٧٢٨)، وابن خزيمة رقم (٨٧٤)، والدارمي رقم (١٤٠٥). والله تعالى أعلم.
стр. 5368
المسألة الرابعة: تقدم في رواية أبي داود تعليل النهي عن البصاق في اليمين بأن فيه ملكًا، قال الحافظ ﵀: فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد يستشكل اختصاصه بالمنع مع أن عن يساره ملكًا آخر، وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفًا له وتكريمًا. هكذا قال جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي الله، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره" اهـ. فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين. والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: أطلق في هذا الحديث الإذن في أن يبصق عن يساره، وهو محمول على ما إذا كان جهة يساره فارغًا من المصلين بدليل ما يأتي للمصنف في الباب التالي -من حديث طارق بن عبد الله المحاربي في هذا الحديث، فقال: "ولكن تلقاء يساره إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى".
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذا يدل عليه قوله في بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "فليتنخع عن
стр. 5369
يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا" أي فإن لم يجد جهة شماله فارغًا. قاله العراقي ﵀. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قد ذكر العراقي رحمه الله تعالى في "طرح التثريب" فوائد تتعلق بحديث الباب، أحببت إيرادها هنا، مع المناقشة في بعضها، وإن كان بعضها تقدم تكميلاً للفوائد، وتكثيرًا للعوائد، قال ﵀:
الأولى: هذا النهي في البصاق أمامه، أو عن يمينه، هل يفيد كونه في المسجد أو عام في المصلين في أي موضع كانوا؟ الظاهر أن المراد العموم؛ لأن المصلي مناج لله في أي موضع صلى، والملك الذي عن يمينه معه، أيّ موضع صلى، ولكن البخاري بوب على هذا الحديث "باب دفن النخامة في المسجد" وإنما قيده البخاري بالمسجد لأنه لم يأمر بدفن النخامة في غير المسجد.
ويدل عليه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد أنه ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحكها، فقال: "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمنّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى". لفظ البخاري، ولم يسق مسلم لفظه.
الثانية: هل المراد بالقيام للصلاة -يعني قوله: "إذا قام أحدكم للصلاة فلا يبصق أمامه"- الدخول فيها، أو النهوض، والانتصاب
стр. 5370
لها ولو قبل الإحرام؟ والجواب أنه إن كان في غير المسجد، أو غيره، فلا حرج في ذلك قبل الشروع في الصلاة إذا كان في غير المسجد، وإن كان المراد بذلك تقييد كونه في المسجد، فسواء في ذلك بعد الإحرام، أو قبله، بل دخول المسجد كان في النهي عن البزاق فيه، وإن لم يكن قام إلى الصلاة، كما ثبت في حديث أنس المتفق عليه: "البزاق في المسجد خطيئة".
الثالثة: هذا النهي عن بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه، هل على التحريم، أو التنزيه؟
قال القرطبي ﵀: إن إقباله ﷺ على الناس مغضبًا يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة، وعلى أنه لا يكفر بدفنه، ولا بحكه، كما قال في جملة المسجد: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها".
قال العراقي ﵀: ويدل على تحريم البصاق في القبلة ما رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث السائب بن خلاد ﵁: أن رجلًا أم قومًا، فبصق في القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فقال حين فرغ: "لا يصلي لكم" … الحديث. وفيه أنه قال له: "إنك آذيت الله ورسوله".
وأطلق جماعة من الشافعية كراهية البصاق في المسجد، منهم المحاملي، وسليم الرازي، والروياني، وأبو العباس الجرجاني،
стр. 5371
وصاحب البيان ﵏، وجزم النووي ﵀ في شرح المهذب، والتحقيق بتحريمه، وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح "إنه خطيئة".
وقال أبو الوليد الباجي ﵀: فأما من بصق في المسجد، وستر بصاقه، فلا إثم عليه، وحكى القرطبي ﵀ أيضًا عن ابن مكي إنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه. قال القرطبي: وقد دل على صحة هذا قوله في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم: "ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد، لا تدفن"، فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة.
قال العراقي ﵀: ويدل عليه أيضًا إذنه ﷺ في ذلك في حديث الباب بقوله: "أو تحت رجليه، فيدفنه"، إن حملنا الحديث على إرادة كونه في المسجد، كما تقدم، وهو مصرح به في حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة ﵄.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل عندي هو الأولى جمعًا بين الأحاديث.
والحاصل أن البصاق في المسجد محرم إذا لم يدفن. وقد تقدم تحقيق هذا فيما سبق. والله أعلم.
стр. 5372
الرابعة: علل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجيًا لله، وعلله في حديث ابن عمر بأن الله قبل وجهه إذا صلى، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "ما بال أحدكم يقوم مستقبلًا ربه، فيتنخع أمامه"، ولا منافاة بين ذلك، فإن المراد إقبال الله تعالى عليه، كما سيأتي.
وقال ابن عبد البر: وهذا كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وإكرامها، قال: وقد نزع بهذا الحديث بعض من ذهب مذهب المعتزلة إلى أن الله تعالى في كل مكان، وليس على العرش، قال: وهذا جهل من قائله؛ لأن قوله في الحديث: "يبصق تحت قدمه، وعن يساره" ينقض ما أصلوه في أنه في كل مكان.
قال العراقي: هذا كلام ابن عبد البر، وهو أحد القائلين بالجهة، فاحذره، وإنما ذكرته لأنبه عليه، لئلا يغتر به، والصواب ما قدمناه بدليل ما أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح من حديث حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا قام الرجل في صلاته أقبل الله تعالى عليه بوجهه، فلا يبزقن أحدكم في قبلته" … الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي قاله العراقي ردًا على ابن عبد البر، وصوبه غير صواب؛ بل الصواب مع ابن عبد البر، وهو الذي عليه أهل الحديث، وهو
стр. 5373
مذهب سلف هذه الأمة، وذلك أن ابن عبد البر من كبار المحدثين، ومن محققي الفقهاء والأصوليين، ومذهب هؤلاء: الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، أو صح عن رسول الله ﷺ وصفه به، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.
فيا أيها العقلاء، ويا أصحاب الألباب، فهل من يؤمن بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] الآية، بأن الله تعالى استوى على العرش على معناه اللغوي العربي، استواء يليق بجلاله، وبقوله ﷺ في الحديث الذي اتفقت الأمة على صحته وقبوله: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" … الحديث، بان الله تعالى ينزل نزولاً حقيقيًّا يليق بجلاله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه، ولا تمثيل، فهل هو على الصواب؟ أم من يعتقد أن معنى استوى: استولى، وأن معنى ينزل: ينزل ملكه، ويسلك مسلك التحريف والتأويل هو الذي على الصواب؟!
فبالله أنصفوا، وقولوا الحق، أيهما على الصواب، وأيهما معه الحق؟! ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] اللَّهُمَ فاَطِرَ السَّموات والأرضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَة، أنْتَ تُحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كَانُوا فِيَهِ يَخْتَلِفون، اهْدِنَا لِمَاَ اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وقال صاحب "المفهم": إنه لما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده
стр. 5374
وكليته إلى هذه الجهة, نزّلها في حقه وجود منزلة الله تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، كما قال: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض"، أي بمنزلة يمين الله.
قلت: وقد أول الإِمام أحمد هذا الحديث. قال القرطبي: وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه، أو رحمة ربه، كما قال في الحديث الآخر "فلا يبصق قبل القبلة، فإن الرحمة تواجهه"، قال العراقي: ولا أحفظ هذا اللفظ في البصاق، وإنما هو في مسح الحصى، كما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه" اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام صاحب "المفهم" هو عين ما قاله العراقي فتنبه.
وأما قوله: وقد أول الإمام أحمد هذا الحديث، فقد رده شيخ الإِسلام ابن تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (جـ ٥ ص ٣٩٨) قال رحمه الله تعالى: وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنابلة: أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض"، و"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، و"إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين"، فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد, ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه،
стр. 5375
وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال. انتهى كلام شيخ الإِسلام. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: هل المراد بقوله في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري: "فإنه مناج لله ما دام في مصلاه" أي المكان الذي صلى فيه، أو المسجد الذي صلى فيه، أو المراد بالمصلى نفس الصلاة؟ والأول هو الحقيقة، فحملة عليه أولى، ويدل على الثاني قوله في حديث ابن عمر ﵄: "فإن الله قبل وجهه إذا صلى"، والله أعلم.
وقال الحافظ ﵀: قوله: "ما دام في مصلاه" يقتضي تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، لكن التعليل المتقدم بأذى المسلم يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقًا، ولو لم يكن في صلاة، فيجمع بأن يقال: كونه في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا، وكونه في جدار القبلة أشد إثمًا من كونه في غيرها من جدار المسجد، فهي مراتب متفاوتة مع الاشتراك في المنع. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧٣ - ٧٤. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: فيه بيان طهارة البصاق والنخامة، إذ لو لم يكن طاهرًا لما أمر بدفنه في المسجد، ولا بأن يبصق في ثوبه ويدلكه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهو كذلك.
قال ابن عبد البر: ولا أعلم خلافًا في طهارة البصاق، إلا شيئًا يروى عن سلمان، والسنن الثابتة ترده. وحكاه الزكي عبد العظيم في
стр. 5376
حواشيه على السنن عن النخعي أيضًا. والله تعالى أعلم.
المسألة السابعة: في أمره ﷺ بدفن النخامة في المسجد دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر. وروى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂، قالت: "أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف، وتطيب".
وقال ابن عبد البر ﵀: وفي حكم البصاق في المسجد تنزيهه عن أن يؤكل فيه مثل البَلُّوط -نوع من الشجر- والزبيب لعَجَمه -نواه- وماله دسم وتلويث، وحَبّ رقيق، وما يكنسه المرء من بيته. والله تعالى أعلم.
المسألة الثامنة: قال ابن عبد البر أيضًا: فيه أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة إذا لم يبصق قبل وجهه، ولا يقطع ذلك صلاته، ولا يفسدها إذا غلبه ذلك واحتاج إليه، ولا يبصق قبل وجهه الْبَتَّةَ. والله أعلم.
المسألة التاسعة: في إباحة البصاق في المسجد لمن غلبه ذلك دليل على أن النفخ، والتنحنح في الصلاة إذا لم يقصد به صاحبه اللعب والعبث، وكان يسيرًا، لا يضر المصلي في صلاته، ولا يفسد شيئاً منها؛ لأنه قلما يكون بصاق، إلا ومعه شيء من النفخ، والنحنحة، والبصاق، والنخاعة، والنخامة كل ذلك متقارب.
قال: والتنخم، والتنخع ضرب من التنحنح، ومعلوم أن للتنخم
стр. 5377
صوتًا كالتنحنح، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق، فإن قصد النافخ أو المتننخم في الصلاة بفعله ذلك اللعب، أو شيئًا من العبث أفسد صلاته، وأما إذا كان نفخه تأوهًا من ذكر النار إذا مربه ذكرها في القرآن، وهو في الصلاة فلا شيء عليه.
ثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يقطع الصلاة النفخ والتنحنح، وروى ابن عبد الحكم، وابن وهب أنه
لا يقطع الصلاة النفخ، والتنحنح. وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: يقطع النفخ إن سمع. وقال أحمد وإسحاق: لا يقطع. وقال الشافعي: ما لا يفهم منه حروف الهجاء فليس بكلام.
قال ابن عبد البر: وقول من راعى حروف الهجاء، وما يفهم من الكلام أصح الأقاويل، إن شاء الله. انتهى.
ومذهب الشافعي في النحنحة، والضحك، والبكاء، والنفخ، والأنين أنه إن بان منه حرفان بطلت ما لم يكن معذورًا بغلبة، أو تعذر قراءة الفاتحة ما لم يكثر الضحك، وإن كان مغلوبًا فإنه يضر. والله أعلم. اهـ - "طرح التثريب" جـ ٢ ص ٣٨٠ - ٣٨٦.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5378
٣٣ - الرُّخْصَةُ لِلْمُصَلَّي أنْ يَبْصُقُ خَلْفَهُ أوْ تِلْقَاءَ شِمَالِهِ
أي هذا باب ذ كر الحديث الدال على التسهيل للمصلي في البصاق خلفه، أو جهة شماله.
والرخصة، وزان غرفة، وتضم الخاء للاتباع: التسهيل في الأمر، والتيسير، والجمع: رُخَصٌ كغرف ورُخُصَات كغرُفات. وتقدم بأوضح من هذا في أوائل هذا الشرح. وبالله تعالى التوفيق.
٧٢٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتَ تُصَلِّي، فَلَا تَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَا عَنْ يَمِينِكَ، وَابْصُقْ خَلْفَكَ، أَوْ تِلْقَاءَ شِمَالِكَ، إِنْ كَانَ فَارِغًا، وَإِلاَّ فَهَكَذَا، وَبَزَقَ تَحْتَ رِجْلِهِ، وَدَلَكَهُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري السرخسي، ثقة مأمون من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإِمام الحجة، من [٩]، تقدم ٤/ ٤.
стр. 5379
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإِمام الحجة من [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (منصور) بن المعتمر أبو عتاب الكوفي، ثقة ثبت، حجة، من [٦]، تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (ربعي) بن حِراش أبو مريم العبسي الكوفي، ثقة عابد مخضرم، توفي سنة ١٠٠، من [٢]، تقدم في ٥٠٨.
٦ - (طارق بن عبد الله المحاربي) الكوفي، له رؤية وصحبة.
روى عن النبي ﷺ ، وعنه أبو صخرة جامع بن شداد، وربعي بن حراش، وأبو الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي.
قال البرقي، والبغوي: له حديثان، وقال ابن السكن: له ثلاثة أحاديث. وقال البخاري في البيوع: وقال النبي ﷺ : "اكتالوا حتى تستوفوا". وهذا طرف من حديث لطارق هذا طويل، أخرجه ابن حبان، وابن منده، وغيرهما بطوله، وأخرج النسائي منه قطعًا متفرقة، أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والأربعة. اهـ. تت جـ ٥ ص ٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه،
стр. 5380
فلم يخرج له إلا هو، والشيخان، وإلا الصحابي، فلم يخرج له مسلم أصلًا، وأخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد".
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخه، فسرخسي.
ومنها: أن صحابيه من المقلين، كما تقدم قريبًا، فله عند الأربعة حديث الباب، وعند المصنف حديث آخر في "الزكاة"، وآخر في "الديات"، وعند ابن ماجه حديث في "الديات". انظر "تحفة الأشراف" جـ ٤ ص ٢٠٨ - ٢٠٩. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن طارق بن عبد الله المحاربي) الكوفي ﵁، أنه قال: (قال رسول الله ﷺ ): (إِذا كنت تصلي فلا تبزقن) -بضم الزاي، من باب قتل- ولفظ أبي داود: "إذا قام الرجل إلى الصلاة، -أو إذا صلى أحدكم- فلا يبزقن أمامه، ولا عن يمينه، ولكن عن تلقاء يساره، إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقل به".
(بين يديك) أي أمامك، وتقدم علة النهي في حديث ابن عمر ﵄ (٧٢٤) "فإن الله قبل وجهه إذا صلى" (ولا عن يمينك) أي ولا تبزقن في جهة يمينك، وقد تقدم علة النهي في حديث أبي داود: "والملك عن يمينه" (وابصق) -بضم الصاد- من باب قتل (خلفك، أو تلقاء شمالك) بكسر التاء، أي حِذَاء شمالك.
وظاهر الإطلاق يعم المسجد وغيره، بل حديث أبي سعيد المتقدم
стр. 5381
صريح في كونه في المسجد، حيث قال: "رأى نخامة في قبلة المسجد"، فيدل على أن الحكم ليس معللاً بتعظيم المسجد، وإلا لكان اليمين واليسار سواء، بل المنع عن تلقاء الوجه للتعظيم بحالة المناجاة مع الرب ، وعن اليمين للتأدب مع ملك اليمين، كما يفهم من الحديث. أفاده السندي رحمه الله تعالى.
(إِن كان فارغًا) أي خالياً عن فصل، ونحوه (وإِلا) هي "إن" الشرطية، أدغمت في "لا" النافية، وفعل الشرط محذوف، أي وإن لم يكن شمالك فارغاً، بان كان مشغولاً بما ذكر (فهكذا) الفاء رابطة لجواب "إن"، و"ها" حرف تنبيه، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف، تقديره: فافعل هكذا، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
ثم بين معنى ما أشار إليه، بقوله: (وبزق تحت رجله)، والمراد به رجله اليسرى، لما تقدم التصريح به في رواية أبي داود، ولما يأتي في الباب التالي من حديث أبي العلاء بن الشخير، عن أبيه (ودلكه) أي مسحه بالأرض.
تنبيه:
الظاهر من هذه الرواية أن فاعل "بزق"، و"دلك" هو النبي ﷺ ، لكن عند المصنف في الكبرى "وبزق يحيى تحت رجله، ودلكه"، فصرح بأن الفاعل هو يحيى بن سعيد، ولم أر ذلك لغيره، فقد أخرج الحديث أحمد، ﵀، ونص "المسند" جـ ٦ ص ٣٩٦:
стр. 5382
حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صليت، فلا تبصق عن يمينك، ولا بين يديك، وابصق خلفك، وعن شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فهكذا، وذلك تحت قدمه" ولم يقل وكيع ولا عبد الرزاق: "وابصق خلفك"، وقالا: قال رسول الله ﷺ .
ثم رواه عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، بلفظ: "إذا صليت فلا تبصق بين يديك، ولا عن يمينك، ولكن ابصق تلقاء شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فتحت قدميك، وادلكه"، ثم رواه عَبِيدة بن حُميد، عن منصور، بنحوه.
وأخرجه ابن خزيمة (٨٧٦) من رواية بندار، وأبي موسى -يعني محمد بن المثنى- عن يحيى بن سعيد، بلفظ: "إذا كنت في الصلاة، فلا تبزقن عن يمينك، ولكن خلفك، أو تلقاء شمالك، أو تحت قدمك اليسرى".
قال: هذا حديث بندار، وقال أبو موسى: حدثني منصور، وقال أيضًا: قال لي رسول الله ﷺ : وقال: "وابصق خلفك أو تلقاء شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فهكذا" تحت قدمه اليسرى.
وأخرجه أيضًا في (٨٧٧) من رواية جرير، عن منصور، وفيه: "فإن لم يكن فارغًا، فتحت قدمك اليسرى، ثم قل به". قال
стр. 5383
منصور: يعني ادلكه بالأرض. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣٣/ ٧٢٦)، و"الكبرى" (٣٣/ ٨٠٥) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عنه. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار، عن يحيى بن سعيد، به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، به.
وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، كما تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف وهو جواز بَصْق المصلي خلفه، أو تلقاء
стр. 5384
شماله.
ومنها: عدم جواز البصق إلى اليسار إذا كان فيه أحد، لئلا يتأذى به.
ومنها: إذا كان في شماله أحد، يبصق تحت رجله ويدلكه.
ومنها: طهارة البصاق؛ لأنه أمر بدلكه، وهو في الصلاة، وقد تقدم أنه لم يخالف فيه أحد، إلا ما روي عن سلمان والنخعي.
ومنها: ما قاله ابن خزيمة ﵀ -أن فيه دلالة على إباحة لَيِّ عنقه وراء ظهره إذا أراد أن يبصق في صلاته، إذ البَزْق خلفه غير ممكن إلا بِلَيِّ العنق. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5385
٣٤ - بِأيِّ الرِّجْلَيْنِ يَدْلُكُ بُصَاقَهُ
وفي الكبرى "بزاقه". والبصاق، والبزاق: بمعنى واحد، كما تقدم.
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أن المصلي إذا بصق تحت رجله بأيِّ الرِّجْلَيْنِ يدلك بصاقه. فالجار والمجرور متعلق بيدلك قدم عليه وجوبًا لكون المجرور اسم استفهام. والله أعلم.
٧٢٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَخَّعَ، فَدَلَكَهُ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظلي المروزي، الإِمام الحجة الحافظ، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (سعيد الجريري) (١) هو ابن إياس، أبو مسعود البصري، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين، توفي سنة ١٤٤ هـ، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٦٧٢.
٤ - (أبو العلاء بن الشِّخِّير) يزيد بن عبد الله بن الشخير -بكسر
стр. 5386
الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة، البصري، ثقة، توفي سنة ١١١ هـ أو قبلها من [٢]، أو قبلها، وكان مولده في خلافة عمر ﵁، ووهم من زعم أنه له رؤية، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٦٧٢.
٥ - (عبد الله بن الشخير) بن عوف بن كعب بن وقدان بن الحُرَيش -وهو معاوية بن كعب- بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الحرشي العامري، له صحبة. روى عن النبي ﷺ ، وعنه بنوه: مطرف، وهانىء، ويزيد، وعداده في أهل البصرة. وذكره ابن سعد في طبقة مسلمة الفتح. وقال ابن منده: وَفَدَ في وَفْدِ بني عامر. أخرج له مسلم والأربعة. تت جـ ٥ ص ٢٥١، و"تحفة الأشراف" جـ ٤ - ص ٣٥٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، والصحابي، فلم يخرج له البخاري، وأنهم بصريون، إلا شيخه، وابن المبارك، فمروزيان.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
стр. 5387
شرح الحديث
(عن أبي العلاء) يزيد بن عبد الله (بن الشخير) البصري (عن أبيه) عبد الله بن الشخير العامري ﵁، أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ تنخع) أي رمى بنُخَاعته، وفي الكبرى "يتنخع" بلفظ المضارع.
والنُّخَاعة -بالضم-: ما يخرجه الإنسان من حلقه من مخرج الخاء المعجمة، هكذا قيده ابن الأثير. وقال المطَرِّزي: النخاعة: هي النخامة، وهكذا قال في العباب، وزاد المُطَرِّزِي: وهي ما يخرج من الخَيْشُوم عند التنخع، وكأنه مأخوذ من قولهمَ: تنخع السحاب: إذا قاء ما فيه من المطر؛ لأن القيء لا يكون إلا من الباطن. قاله في "المصباح" جـ ٢ ص ٥٩٦.
(فدلكه) بتذكير الضمير المنصوب وهو راجع إلى المفهوم من "تنخع" أي دلَكَ ماتنخعه، وعند مسلم "فدلكها"، أي النخاعة (برجله اليسرى) وهذا موضع الترجمة، وهو أن ذلك البصاق يكون بالرجل اليسرى. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن الشخير هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 5388
أخرجه هنا (٣٤/ ٧٢٧)، و"الكبرى" (٣٤/ ٨٠٦) بالسند المذكور.
تنبيه:
لم يذكر الحافظ المزي ﵀ المصنف فيمن أخرج حديث عبد الله بن الشخير هذا، بل ذكر مسلمًا، وأبا داود، فقط. ولم يستدركه الحافظ في النكت، وهذا من الغريب.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود.
فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن كهمس بن الحسن -وعن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن سعيد الجُريري -كلاهما عن أبي العلاء، عن أبيه، بلفظ: "صليت مع النبي ﷺ ، فرأيته تنخع، فدلكها بنعله".
وأبو داود فيه عن مسدد، عن يزيد بن زريع به. وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن أخيه مطرف بن عبد الله، عن أبيه: "أتيت النبي ﷺ ، وهو يصلي، فبزق تحت قدمه اليسرى" - ولم يقل "فدلكها بنعله".
وأخرجه أحمد (٤/ ٢٥) وابن خزيمة رقم (٨٧٨، ٨٧٩). والله تعالى أعلم.
تنبيه:
رواية المصنف ﵀ من طريق عبد الله بن المبارك -أن أبا العلاء
стр. 5389
يروي هذا الحديث عن أبيه بدون واسطة، وهي رواية مسلم من طريق يزيد بن زريع- ورواية أحمد من طريق معمر -وعلي بن عاصم، ورواية ابن خزيمة من طريق إسحاق بن يوسف، ومن طريق إسماعيل بن علية، ومن طريق خالد كلهم عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن أبيه، فهؤلاء السبعة ليس عندهم ذكر مطرف، وكذا رواية مسلم من طريق معاذ العنبري، عن كهمس، عن أبي العلاء ليس فيها ذكره.
وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن أخيه، مطرف بن عبد الله، عن أبيه.
فالظاهر أن المصنف كمسلم يرجح رواية الجماعة على رواية حماد ابن سلمة، فلذلك أخرجاها, ولم يتعرضا لرواية حماد، لمخالفته لهؤلاء الجماعة، مع أنه وصف بسوء الحفظ لَمَّا كبر.
فقد ذكر في "تت" عن البيهقي أنه قال: هو أحد الأئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد. اهـ. جـ ٣ ص ١٤، والله أعلم.
وفوائد الحديث تقدمت فيما مضى، فراجعها، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5390
٣٥ - تَخلِيقُ المَسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية تخليق المساجد.
والتخليق: مصدر خَلَّقه، يقال: خَلَّقْتُهُ: إذا طَلَيْته بالخَلُوق.
قال الفيومي ﵀: والْخلُوق، مثل رَسُول: ما يُتخَلق به من الطيب. قال بعض الفقهاء: وهو مائع فيه صُفْرة. والخِلاق، مثل كتاب بمعناه. اهـ. وسيأتي مزيد على هذا في شرح الحديث إن شاء الله تعالى.
٧٢٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَحَكَّتْهَا، وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحْسَنَ هَذَا".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي الإِمام الحجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
стр. 5391
٢ - (عائذ بن حبيب) بن المَلّاح (١) العبسي، ويقال: القرشي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، ويقال: أبو هشام، بيَّاع الهروي (٢) صدوق، ورمي بالتشيع، من [٩].
قال الأثرم: سمعت أحمد ذكره، فأحسن الثناء عليه، وقال: كان شيخًا جليلًا عاقلًا. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، قد سمعنا منه. وقال عباس، عن ابن معين: صويلح. وقال الجوزجاني: غال زائغ.
وقال سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا حاتم يقول لأبي زرعة: كان ابن معين يقول: يوسف السَّمْتي زنديق، وعائذ بن حبيب زنديق، فقال أبو زرعة: أما عائذ بن حبيب، فصدوق في الحديث، وأما يوسف، فذاهب الحديث، كان يحيى يقول: كذاب.
قال البردعي: فرأيت هذه الحكاية التي حكاها أبو حاتم عندي عن بعض شيوخنا، عن يحيى: كان عائذ بن حبيب زيديًا، قال: وهو بهذا أشبه. وذكره ابن حبان في الثقات، قال عبد الله الحضرمي: مات سنة ١٩٠، أخرج له المصنف وابن ماجه.
٣ - (حميد الطويل) بن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، اختلف
стр. 5392
في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة، مدلس، عابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، توفي سنة ١٤٢ هـ ويقال سنة ١٤٣ هـ، وله ٧٥ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابي الخادم ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٤٠).
ومنها: أن رجاله موثقون.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد) أي في الجدار الذي في مواجهة المسجد (فغضب حتى احمر وجهه) فيه غضب الإِمام على رعيته إذا رأى منهم المخالفة الشرعية، لينزجروا، ويرتدعوا (فقامت امرأة من الأنصار، فحكتها) أي أزالت تلك النخامة (وجعلت مكانها خَلُوقًا) بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام، ويقال فيه: الخِلاق -ككتاب-: قال ابن منظور ﵀: والخَلُوق، والخِلاق:
стр. 5393
ضرب من الطيب، وقيل: الزعفران. وقال أيضًا: والخَلُوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران، وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه العمرة والصفرة. اهـ. لسان جـ ٢ ص ١٢٤٧.
(قال رسول الله ﷺ : "ما أحسن هذا") تعجبًا من حسن صنيع تلك المرأة واستحسانًا له. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٣٥/ ٧٢٨)، و"الكبرى" (٤٥/ ٨٠٧) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن محمد بن طريف، عن عائذ بن حبيب، بسند المصنف، وأخرجه ابن خزيمة، رقم (١٢٩٦) عن يوسف بن موسى، عن عائذ بن حبيب، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية تخليق المساجد، واتخاذ الخَلُوق له، وقد تقدم حديث جابر ﵁ عند أبي داود،
стр. 5394
وفيه: "ثم قال: أروني عَبِيرًا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه رسول الله ﷺ ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم".
ومنها: كون المرأة كالرجل في خدمة المساجد، فيشرع لها أن تقوم بتنظيفها.
ومنها: إزالة ما يستقذر من المسجد.
ومنها: أنه ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال المساجد لتعظيمها، وصيانتها عن الأقذار.
ومنها: مشروعية الغضب عند رؤية المنكر.
ومنها: عظيم تواضع النبي ﷺ ، فقد تقدم أنه حك البصاق بنفسه، ووضع الخلوق مكانه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5395
٣٦ - القَوْلُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ, وَعِنْدَ الخُرُوج مِنْهُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الذكر عند دخول المسجد، وعند الخروج منه. فالمراد بالقول: الذكر، فيكون الكلام على حذف مضاف، أي مشروعية الذكر. والله تعالى أعلم.
٧٢٩ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ بَصْرِيٌّ (١) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ، وَأَبَا أُسَيْدٍ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سليمان بن عبيد الله) بن عمرو بن جابر الغيلاني (٢) (المازني)، أبو أيوب البصري، صدوق، توفي سنة ٢٤٦، أو ٢٤٧ هـ، من [١١].