← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

جده، بقصة الخروج يوم الخميس. و (٨٧٨٦) عن محمد بن معدان، عن الحسن بن أعين، عن معقل، به بلفظ: "كان رسول الله ﷺ قلما يريد وجهاً إلا ورى بغيره، حتى كانت غزوة تبوك، فقام رسول الله ﷺ فجلى للناس فيها أمره، وأراد أن يتأهب الناس أهبة غزوهم، فأصبح رسول الله ﷺ غازياً يوم الخميس". و (٨٧٨٧) عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، به، بلفظ: "قلما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر جهاد وغيره إلا يوم الخميس". والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: فأما حديث تخلفه في غزوة تبوك، وتوبة الله عليه … الحديث بطوله -منهم من اختصره- فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأخرجه البخاري في "الوصايا"، وفي "الجهاد"، وفي "صفة النبي ﷺ "، وفي "وفود الأنصار"، وموضعين من "المغازي"، وموضعين من "التفسير" و"الاستئذان"، و"الأحكام" مطولاً ومختصرًا عن يحيى بن بكير، عن ليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب ابن مالك، عن أبيه، عن كعب. وفي "التفسير" أيضًا عن محمد بن أحمد ابن أبي شعيب، عن موسى بن أعين، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، به.، وفي "النذور والأيمان" عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب -وعنبسة- كلاهما عن يونس، عن الزهري، به. وفي وفود الأنصار عن أحمد بن صالح، عن عنبسة بإسناده. وأخرجه مسلم في "التوبة" عن أبي الطاهر، عن ابن وهب -بطوله.

стр. 5462

وعن محمد بن رافع، عن حُجَيْن بن المُثَنَّى، عن الليث نحوه. وأخرجه أبو داود في "الطلاق" عن أبي الطاهر بن السرح، وسليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب -بقصة اعتزاله امرأته. وأما حديث: "كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر ضُحًى بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين". وهو طرف من الحديث الذي قبله؛ فأخرجه البخاري في "الجهاد" عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، وعمه عبيد الله، عن أبيهما كعب، به. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي موسى، عن أبي عاصم به. وعن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، به. وأخرجه أبو داود في "الجهاد" عن محمد ابن المتوكل العسقلاني، والحسن بن علي الخلال، كلاهما عن عبد الرزاق بإسناده نحوه. وعن أبي الطاهر بن السرح, عن ابن وهب، عن يونس, عن الزهري -أتم منه، ولم يذكر عبيد الله في إسناده. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: حديثُ كعب بن مالك ﵁ بطوله، له -كما قال بعض العلماء- أكثر من خمسين فائدة: فمنها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الرخصة في الجلوس في المسجد، والخروج منه بغير صلاة. وقد تقدم البحث عنه.

стр. 5463

ومنها: جواز طلب أموال الكفار من ذوي الحرب. ومنها: جواز الغزو في الشهر الحرام. ومنها: التصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره. ومنها: أن الإِمام إذا استنفر الجيش عمومًا لزمهم النفير، ولحق اللوم بكل فرد إن تخلف. وقال السهيلي ﵀: إنما اشتد الغضب على من تخلف، وإن كان الجهاد فرض كفاية، لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين؛ لأنهم بايعوه على ذلك، ومصداق ذلك قولهم، وهم يحفرون الخندق [من الرجز]: نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أبَدًا فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة؛ لأنها كالنكث لبيعتهم، كذا قال ابن بطال ﵀. قال السهيلي: ولا أعرف له وجهًا غير الذي قال. قال الحافظ ﵀: وقد ذكرت وجهًا غير الذي ذكره، ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي ﷺ ، فعلى هذا، فيتوجه العِتاب على من تخلف مطلقًا. ومنها: إباحة الغنيمة لهذه الأمة، إذ قال: إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِير قريش.

стр. 5464

ومنها: أن العاجز عن الخروج بنفسه، أو بماله لا لوم عليه. ومنها: استخلاف الإِمام مَنْ يقوم مقامه على أهله والضعفة. ومنها: ترك قتل المنافقين، ويستنبط منه ترك قتل الزنديق إذا أظهر التوبة. وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبي ﷺ لمصلحة التأليف على الإِسلام. ومنها: عظم أمر المعصية. وقد نبه الحسن البصري رحمه الله تعالى على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه، قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالاً حرامًا, ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟. ومنها: أن القوىّ في الدِّين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ به الضعيف في الدين. فإن قيل: لِمَ لَمْ يعاقب النبي ﷺ حاطب بن أبي بَلْتَعَة ﵁، ولا هجره، حين كاتب قريشًا بتوجه النبي ﷺ لغزوهم، وعاقب كعباً وصاحبيه. أجيب: بأن حاطبًا إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده، فأراد أن يتخذ له عندهم يدًا، فقبل عذره ذلك، بخلاف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا. أفاده في "الفتح" جـ ٨ ص ٤٦١.

стр. 5465

ومنها: أنه يجوز إخبار المرء عن تقصيره، وتفريطه، وعن سبب ذلك، وما آل إليه أمره تحذيراً ونصيحة لغيره. ومنها: جواز مدح المرء بما فيه من الخير إذا أمن الفتنة. ومنها: تسلية نفسه عما لم يحصل له بما وقع لنظيره. ومنها: فضل أهل بدر، والعقبة. ومنها: جواز الحلف للتأكيد من غير استحلاف. ومنها: جواز التورية عن المقصد. ومنها: رد الغيبة عن المسلم. ومنها: جواز ترك وطء الزوجة مدة. ومنها: أن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها، ولا يسوِّف بها لئلا يُحْرمَها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] ومثله قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ونسأل الله تعالى أن يلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبنا ما خَوَّلَنا من نعمته. آمين. ومنها: جواز تمني ما فات من الخير.

стр. 5466

ومنها: أن الإِمام لا يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور، بل يُذَكّرُه ليراجع التوبة. ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية لله ورسوله ﷺ . ومنها: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وَهَمُ الطاعن، أو غلطه. ومنها: أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته، فيصلي فيه، ثم يجلس لمن يسلم عليه. ومنها: مشروعية السلام على القادم وتلقيه. ومنها: الحكم بالظاهر، وقبول المعاذير. ومنها: استحباب بكاء العاصي أسَفًا على ما فاته من الخير. ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر، ووكول السرائر إلى الله تعالى. ومنها: ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًا. ومنها: أن التبسم قد يكون عن غضب، كما يكون عن تعجب، ولا يختص بالسرور.

стр. 5467

ومنها: معاتبة الكبير أصحابه، ومن يَعِزُّ عليه دون غيره. ومنها: بيان فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب. ومنها: العمل بمفهوم اللقب إذا حَفَّتْه قرينة، لقوله ﷺ لَمَّا حدثه كعب: "أما هذا فقد صدق"، فإنه يشعر بأن سواه كذَبَ، لكن ليس على عمومه في حق كل أحد سواه؛ لأن مُرَارة، وهلالاً أيضًا قد صدقا، فيختص الكذب بمن حلف، واعتذر، لا بمن اعترف، ولهذا عاقب من صَدَق بالتأديب الذي ظهرت فائدته عن قريب، وأخّر من كَذَبَ للعقاب الطويل، وفي الحديث الصحيح: "إذا أراد الله بعبده خيرًا عَجَّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرّاً أمسك عنه عقوبته، فيرِدُ القيامة بذنوبه". قيل: وإنما غُلِّظَ في حق هؤلاء الثلاثة لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وقول الأنصار [من الرجز]: نَحْنُ الذِين بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أبَدَا ومنها: تبريد حَرِّ المصيبة بالتأسي بالنظير. ومنها: عظم مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرِّهما به. ومنها: أن من عوقب بالهجر يُعذَر في التخلف عن صلاة

стр. 5468

الجماعة؛ لأن مُرَارة وهلالاً لم يخرجا من بيوتهما تلك المدة. ومنها: سقوط رد السلام على المهجور عمن سلم عليه إذ لو كان واجباً لم يقل كعب: هل حرك شفتيه برد السلام؟. ومنها: جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه. ومنها: أن قول المرء: "الله ورسوله أعلم" ليس بخطاب، ولا كلام، ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم فلاناً إذا لم ينو به مكالمته، وإنما قال أبو قتادة ذلك لمَّا ألحَّ عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسان لَمَّا سأل عن كعب جعل الناس يشيرون له إلى كعب، ولا يتكلمون بقولهم مثلًا: هذا كعب، مبالغة في هجره، والإعراض عنه. ومنها: أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها. ومنها: إيثار طاعة الله ورسوله ﷺ على مَوَدَّة القريب. ومنها: مشروعية خدمة المرأة زوجها. ومنها: الاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه حيث لم يستأذن كعب في خدمة امرأته لذلك. ومنها: جواز تحريق ما فيه اسم الله تعالى للمصلحة. ومنها: مشروعية سجود الشكر.

стр. 5469

ومنها: مشروعية الاستباق إلى البشارة بالخير. ومنها: مشروعية إعطاء البشير أنْفَسَ ما يحضر الذي يأتيه بالبشارة. ومنها: مشروعية تهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل. ومنها: اجتماع الناس عند الإِمام في الأمور المهمة. ومنها: سرور الإِمام بما يَسُرُّ أتباعه. ومنها: مشروعية العارية. ومنها: مشروعية مصافحة القادم. ومنها: التزام المداومة على الخير الذي ينتفع به. ومنها: استحباب الصدقة عند التوبة. ومنها: أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 5470

٣٩ - صَلاةُ الذِي يَمُرُّ عَلَى المَسْجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الصلاة في المسجد لمن مر به، وإن لم يقصد الاعتكاف فيه. لكن الاستدلال بحديث الباب غير صحيح؛ لأن في سنده مروان بن عثمان، وهو ضعيف، كما يأتي، إن شاء الله تعالى. ٧٣٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: كُنَّا نَغْدُو إِلَى السُّوقِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَمُرُّ عَلَى الْمَسْجِدِ فَنُصَلِّي فِيهِ. رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعْيَنَ) المصري الفقيه، ثقة، توفي سنة ٢٦٨، وله ٨٦ سنة، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦. ٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد الفَهْمِيّ مولاهم، أبو عبد الملك

стр. 5471

المصري، ثقة نبيل فقيه، توفي سنة ١٩٩ وله ٦٤ سنة، من كبار [١٠]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، توفي سنة ١٧٥ من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٤ - (خالد) بن يزيد الجُمَحِي، ويقال: السَّكْسَكِيّ، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة فقيه توفي سنة ١٣٩، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، صدوق، حكي عن أحمد أنه قال: اختلط، توفي قبل سنة ١٣٠، وقيل غير ذلك، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨٦. ٦ - (مروان بن عثمان) بن أبي سعيد بن الُمعَلَّى الأنصاري الزُّرقِيّ، أبو عثمان المدني، ضعيف من [٦]. قال أبو حاتم: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ ﵀: ذكر المزي ﵀ أنه رَوَى عن أم الطفيل. وفيه نظر، فإن روايته إنما هي عن عمارة بن عمرو بن حزم، عن أم الطفيل امرأة أُبَيّ، في الرؤية، وهو متن منكر، قال أبو بكر بن الحداد الفقيه: سمعت

стр. 5472

النسائي يقول: ومن مروان بن عثمان؟ حتى يصدَّق على الله . اهـ. تت جـ ١٠ ص ٩٥. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنف. ٧ - (عُبَيْد بن حُنَيْن) -بنونين مصغرًا- أبو عبد الله المدني، مولى آل زيد بن الخطاب، ويقال: مولى بني زُرَيق. ثقة قليل الحديث من [٣]. قال ابن سعد: كان ثقة، وليس بكثير الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. له عند أبي داود حديث في النهي عن بيع السلعة حيث تباع. قال الواقدي، وغيره: مات سنة خمس ومائة، وهو ابن سبعين سنة. قال المزي: وكان في الكمال: وهو ابن تسعين سنة، بتقديم التاء. قال: وهو خطأ. قال الحافظ: بل هو الصواب، فهو ثابت فيما ذكره ابن سعد، عن الواقدي، وكذا في ثقات ابن حبان، ومما يؤيده أن الواقدي روى عنه أنه قال: قلت لزيد بن ثابت مَقْتلَ عثمان: اقرأ عليَّ الأعراف، فقال: اقرأها علي أنت، قال: فقرأتها عليه، فما أخذ علي ألِفًا, ولا واوًا. انتهى. وكان مقتل عثمان سنة -٣٥ - فلو كان كما ذكر المزي كان يكون عمره إذ ذاك خمس سنين، ويبعد أن مثله يحفظ سورة الأعراف، ويتأهل لأن يقرأها على زيد بن ثابت. اهـ تت. جـ ٧ ص ٦٣. أخرج له الجماعة.

стр. 5473

٨ - (أبو سعيد بن المعلى) بن لوذان بن حبيب بن عدي بن زيد ابن ثعلبة بن مالك بن زيد مناة الأنصاري المدني، صحابي، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلى. وقيل: الحارث بن أوس بن المعلى. وقيل: الحارث بن نفيع الخزرجي. رَوَى عن النبي ﷺ . وعنه حفص بن عاصم، وعبيد بن حنين. قال أبو حسان الزيادي، توفي سنة -٧٣ - وهو ابن أربع وستين. وقال غيره: توفي سنة -٧٤ - قال الحافظ. هو قول الواقدي، لكن رواه أبو الشيخ في تاريخه عن الواقدي، فقال: سنة -٩٤ - بتقديم التاء على السين. وقال ابن حبان: اسمه رافع بن المعلى. وقال ابن عبد البر: من قال فيه رافع بن المعلى، فقد وَهِم؛ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر، وأصح ما قيل فيه: الحارث بن نفيع بن المعلى، توفي سنة -٧٤ - وهو ابن -٨٤ - سنة. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من ثمانيات المصنف، وأن رجاله ما بين مصريين، ومدنيين، فإلى ابن أبي هلال مصريون، ومن بعده مدنيون، وفيه رواية الابن عن أبيه, شعيب، عن الليث، وأن صحابيه، ممن اشتهر بكنيته، وأن هذا الباب أول موضع ذكره في هذا الكتاب، وفيه الإخبار، والتحديث والعنعنة. والله أعلم.

стр. 5474

شرح الحديث (عن أبي سعيد بن المعلى) الأنصاري ﵁، أنه (قال: كنا نغدو إلى السوق) أي نذهب إلى السوق، يقال: غدا، غُدُوّاً، من باب قعد: ذهب غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، وجمع الغُدْوة: غُدًى، مثل مُدْية، ومُدًى، هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله ﵊: "واغد يا أُنيَس". والسوق: موضع البِيَاعات. قال ابن سيده: السوق التي يُتعَامل فيها تذكر، وتؤنث، قال الشاعر في التذكير [من الطويل]: ألمْ يَعِظِ الفِتْيَانَ مَا صَارَ لِمَّتِي … بِسُوق كثِيرٍ رِيحُهُ وَأعَاصِرُه عَلَوْنِي بِمَعْصُوبٍ كَأنَّ سَحِيفَهُ … سَحِيفُ قُطَامِيٍّ حَمَامًا يُطَايِرُهْ المعصوب: السَّوْط، وسحيفه: صوته. وجمع السوق: أسواق؛ والسوقة لغة. أفاده في اللسان. (على عهد رسول الله ﷺ ) أي في زمانه، متعلق بنغدو، كسابقه (فنمر على المسجد) قال الفيومي ﵀: يقال: مَرَّ يزيد، وعليه مَرّاً، ومُرُورًا، ومَمَرّاً: اجتاز (فنصلي فيه) هذا موضع استدلال المصنف رحمه الله تعالى على مشروعية الصلاة لمن مر في المسجد، ولكن الحديث لا يصح. فتبصر. والله سبحانه، وتعالى أعلم.

стр. 5475

تنبيه: حديث الباب ضعيف، لضعف مروان بن عثمان، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا (٣٩/ ٧٣٢)، و"الكبرى" (٣٩/ ٨١١) بالسند المذكور. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5476

٤٠ - التَّرغِيبُ فِي الجُلُوس فِي المَسْجِدِ وانْتَظَار الصَّلاةِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الترغيب في الجلوس في المسجد بعد الصلاة، وانتظار الصلاة الأخرى ليصليها في جماعة. ٧٣٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِى صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة المثبت المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكران القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه توفي سنة ١٣٠، وقيل: بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.

стр. 5477

٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، توفي سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ١/ ١. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، نبلاء، اتفق عليهم الجماعة. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أنه مما قيل فيه: إنه أصح أسانيد أبي هريرة ﵁. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي, أبي الزناد عن الأعرج. ومنها: أن صحابيه أحفظ مَن رَوَى الحديث في دهره، رَوَى -٥٣٧٤ - حديثًا. ومنها: أن فيه الإخبارَ، والعنعنةَ، والقولَ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إِن الملائكة تصلي على أحدكم) أي تستغفر له، قيل: عَبَّرَ بتصلي

стр. 5478

ليتناسب الجزاء مع العمل. قاله في الفتح (ما دام في مصلاه الذي صلى فيه) "ما" مصدرية ظرفية، وجملة "دام" صلتها، أي مدة دوامه في المكان الذي صلى فيه من المسجد، ينتظر صلاة أخرى، كما يدل عليه الحديث التالي. ويحتمل أن المراد بالمصلى المسجد كله، ويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد، ما لم يحدث". فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال الصوت. -يعني الضرطة- ولفظ الترمذي: "لايزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها, ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث، فقال رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فُساء، أو ضُراط". فأفاد أنه لو انتقل إلى موضع آخر من المسجد غير موضع صلاته منه يحصل له ذلك الثواب. وقال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: هل المراد بمصلاه البقعة التي صلى فيها من المسجد، حتى لو انتقل إلى بقعة أخرى في المسجد لم يكن له هذا الثواب المترتب عليه، أو المراد بمصلاه جميع المسجد الذي صلى فيه؟ يحتمل كلًا من الأمرين، والاحتمال الثاني أظهر، وأرجح، بدليل رواية البخاري: "ما دام في المسجد"، وكذا في رواية الترمذي، فهذا يدل على أن المراد بمصلاه جميع المسجد، وهو واضح، ويؤيد الاحتمال الأول قوله في رواية مسلم، وأبي داود، وابن ماجه: "ما دام

стр. 5479

في مجلسه الذي صلى فيه". اهـ طرح. جـ ٢ ص ٣٦٧. وقال السندي ﵀: قوله: "في مصلاه" لفظ الحديث يعم المسجد وغيره، وكان المصنف حمله على الخصوص للرواية التي بعدها، فإن فيه ما يقتضي الخصوص في الجملة، وعلى كل تقدير فالمراد بقعة صلى فيها فقط، أو تمام المسجد مثلًا، والأول هو الظاهر، ويحتمل الثاني أيضًا. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي ما رجحه ولي الدين رحمه الله تعالى. والله أعلم. وقال في "المنهل" جـ ٤ ص ٨٣: ولا فرق في ذلك بين المسجد ومصلى البيت، فلو جلست المرأة في مصلى بيتها تنتظر وقت صلاة أخرى لم يبعد أن تصلي عليها الملائكة أيضًا؛ لأنها حبست نفسها لأجل الصلاة. اهـ. وقال في "الطرح": قوله: "في مصلاه" يقتضي حصول الثواب المذكور بمجرد جلوسه في مصلاه، حتى يخرج، لكن رواية البخاري تقتضي تقييد حصول الثواب يكون جلوسه ذلك لانتظار الصلاة، فإنه قال فيها: "ما دام في المسجد ينتظر الصلاة"، وهو واضح. قال ابن بطال: ويدخل في ذلك من أشبههم في المعنى ممن حبس نفسه على أفعال البِرِّ كلها. والله أعلم. اهـ.

стр. 5480

قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله ابن بطال نظر، إذ الحديث نص في التقييد بالصلاة، حيث قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أنه ينقلب إلى أهله إلا الصلاة". متفق عليه. ففيه أنه لو حبسه غير الصلاة لم يكن له هذا الفضل. والله أعلم. (ما لم يحدث) "ما" مصدرية ظرفية أيضًا، أي مدة عدم حدثه. ويحدث -بضم الياء، وكسر الدال- مضارع أحدث رباعيًا. أي ما لم ينقض وضوؤه، وظاهره العموم لغير الاختياري، أيضًا، ويحتمل الخصوص. قاله السندي ﵀. وفي رواية للبخاري من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: "ما لم يُؤْذِ, يُحْدِثْ فيه". قال الحافظ: كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف، وللكشميهني "ما لم يؤذ بِحَدَثٍ" بلفظ الجار والمجرور متعلقًا بيؤذ. والمراد بالحدث الناقض للوضوء، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، لكن صرح في رواية أبي داود من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ بالأول. اهـ فتح جـ ٢ ص ١٤٢. وفي رواية لمسلم: "ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه". وفي رواية أبي داود: "ما لم يؤذ فيه، أو يحدث فيه". أي لم يخرج منه ناقض للوضوء، والمراد به خروج الريح، لما تقدم من قول أبي هريرة ﵁ لما سأله السائل ما الحدث؟ قال:

стр. 5481

فُسَاء، أو ضُرَاط. قال في المرقاة: ولعل سببَ الاستفسار إطلاقُ الحدث على غير ذلك عندهم، أو ظنوا أن الإحداث بمعنى الابتداع. قال السفاقسي: الحدث في المسجد خطيئة يُحْرَمُ به المحدثُ استغفار الملائكة، ولما لم يكن للحديث فيه كفارة ترفع أذاه، كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه عوقب بحرمان الاستغقار من الملائكة لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة. وقال ابن بطال: من أراد أن تُحَط عنه ذنوبه من غير تعب، فليغتنم ملازمة مصلاه بعد الصلاة، ليستكثر من دعاء الملائكة، واستغفارهم له، فهو مرجُوُّ إجابته، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] اهـ عمدة القاري جـ ٤ ص ٢٠٣ - ٢٠٤. (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) بيان لصلاة الملائكة، بتقدير "تقول"، أو قائلة، وفي رواية للبخاري: "اللهم صل عليه" وزاد في رواية مسلم، وابن ماجه: "اللهم تب عليه" والفرق بين المغفرة والرحمة أن المغفرة ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان. أفاده العيني. وقال في الفتح جـ ٢ ص ٣٦١: قوله: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه" هو مطابق لقوله تعالىْ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] قيل: السر فيه أنهم يَطَّلِعون على أفعال بني آدم، وما فيها من المعصية والخَلَل في الطاعة، فيقتصرون على الاستغفار لهم من ذلك؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ولو فرض أن فيهم من تحفظ من ذلك، فإنه يعوض من المغفرة بما يقابلها

стр. 5482

من الثواب. اهـ. وقال ابن بطال ﵀: إن هذا الحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] يريد المصلين والمنتظرين للصلاة. اهـ. وقد سمى الله تعالى الصلاة إيمانًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم نزلت في الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، كما ثبت في الصحيح. اهـ "طرح" جـ ٢ ص ٣٦٧. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٤٠/ ٧٣٣) و"الكبرى" (٤٠/ ٨١٢) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. وذكر في "تحفة الأشراف" جـ ١٠ ص ١٩١ أن النسائي أخرجه في "الملائكة" عن ابن القاسم، عن مالك به. وقال: حديث محمد بن مسلمة ليس في الرواية, ولم يذكره أبو القاسم. اهـ. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه من رواية الأعرج البخاري في "الصلاة" عن القعنبي، وعن

стр. 5483

عبد الله بن يوسف، وأبو داود فيه عن القعنبي، كلاهما عن مالك به. وأخرجه من رواية أبي صالح عنه البخاري في "الصلاة" عن مسدد، ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وأبو داود فيه عن مسدد، والترمذي فيه عن هناد بن السري، وابن ماجه فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة أربعتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش عنه، به مطولًا. وأخرجه مسلم من رواية أبي رافع عنه في "الصلاة" عن محمد بن حاتم، عن بهز بن أسد، وأبو داود عن موسى بن إسماعيل، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عنه، به. وأخرجه مسلم من رواية ابن سيرين عنه في "الصلاة" عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن أيوب السختياني، عنه، به. وأخرجه البخاري من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، عنه في الشرب عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح، عن أبيه، عن هلال بن علي، عنه، به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، الترغيب في الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة. ومنها: فضيلة من انتظر الصلاة مطلقًا، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أو تحول إلى غيره.

стр. 5484

ومنها: أنه ينبغي لمن يجلس في المسجد أن يكون على طهارة، وأن يبتعد عن الأذى. ومنها: أن الحدث في المسجد يبطل استغفار الملائكة ودعاءهم، ولو استمر جالسًا. ومنها: أن الحدث في المسجد أشد من النخامة فيه؛ لأنها تكفر بالدفن، ولا يُحْرَم بها صاحبها من استغفار الملائكة. ومنها: أنه يستدل به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال، لما ذكر من صلاة الملائكة عليه، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة. ومنها: أنه يستدل به على تفضيل صالحي الناس على الملائكة, لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة مشغولون بالاستغفار، والدعاء لهم. قاله في الفتح. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدلال غير واضح؛ لأن الاستغفار والدعاء لهم لا يدل على ذلك، فإن ذلك امتثال لأمر الله تعالى، كما أن أمر النبي ﷺ بالاستغفار للمؤمنين، لا يدل على ذلك. فتبصر. ومنها: أن الحدث لا يمنع الجلوس في المسجد، وقد اختلف السلف في الجلوس في المسجد للمحدث، فروي عن أبي الدرداء ﵁ أنه خرج من المسجد، فبال، ثم دخل فتحدث مع أصحابه، ولم يمس ماء، وعن علي ﵁ مثله، وروي ذلك

стр. 5485

عن عطاء، والنخعي، وابن جبير. وكره ابن المسيب، والحسن البصري أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء. قاله في "العمدة" جـ ٤ ص ٢٠٤. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: قال في "الطرح" جـ ٢ ص ٣٦٦: ما المراد بكونه في مصلاه، هل قبل صلاة الفرض، أم بعد الفراغ من الفرض؟ يحتمل الأمرين، وقد بوَّب البيهقي ﵀ "الترغيب في مكث المصلي في مصلاه لإطالة ذكر الله تعالى". وهذا يدل أن المراد الجلوس بعد الفراغ من صلاة الفرض، وهو ظاهر قوله أيضًا: "في مصلاه الذي صلى فيه"، ويكون المراد بجلوسه انتظار صلاة أخرى، لم تأت، وهو مصرح به في بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁، عند أحمد، ولفظه: "منتظر الصلاة بعد الصلاة، كفارس اشتد به فرسه في سبيل الله على كشحه، تصلي عليه ملائكة الله، ما لم يحدث، أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر". (١) وفي الصحيح أيضًا: "وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط". وروى ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ بإسناد صحيح: "صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فرجع من

стр. 5486

رجع، وعقَّب من عقَّب، فجاء رسول الله ﷺ مسرعاً، قد حَفَزَه النفَسُ، قد حَسَرَ عن ركبتيه، قال: "أبشروا هذا ربكم، قد فتح باباً من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي، قد قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى". ويحتمل أن يراد إنتظار الصلاة قبلها، ويكون قوله: "ما دام في مصلاه الذي صلى فيه"، أي الذي صلى فيه تحية المسجد، أو سنة الصلاة مثلًا، ويدل على أن هذا هو المراد: قوله في بعض طرقه عند مسلم: "فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه". الحديث. ويدل عليه أيضًا حديث أنس ﵁ في الصحيح في تأخير العشاء إلى شطر الليل، وقوله ﷺ : "صلى الناس، ورقدوا، ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها". اهـ "طرح" جـ ٢ ص ٣٦٦ - ٣٦٧. المسألة السادسة: قال في "الطرح" جـ ٢ ص ٣٦٧ - أيضًا: قد يستدل بصلاة الملائكة بلفظ: "اللهم صل عليه" على جواز إفراد آحاد الناس من غير الأنبياء بالصلاة عليه. وقد اختلف فيه أصحابنا على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خلاف الأولى والثاني: مكروه. والثالث: حرام. وقد حكى عن نص الشافعي الجواز، ومما روينا عنه من شعره، قوله:

стр. 5487

عَلَى آل الرَّسُولِ صَلاةُ رَبِّي … ....................... وقد يجيب من ذهب إلى المنع أنه لا يلزم من دعاء الملائكة بذلك جوازه لنا؛ لأنهم ليسوا في محل التكليف بما ألزم به بنو آدم. اهـ "طرح" جـ ٢ ص ٣٦٧. قال الجامع عفا الله عنه: الصواب في المسألة هو الجواز، كما حكي عن نص الشافعي رحمه الله تعالى، وما عداه من الأقوال مما لا دليل عليه. وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه، إن شاء الله تعالى. المسألة السابعة: قال في "الطرح" جـ ٢ ص ٣٦٧ - ٣٦٨: إذا كان المراد من الحديث الجلوس في المصلى بعد الفراغ من الصلاة، فما الجمع بينه وبين ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وعند البخاري من حديث أم سلمة ﵂: "أنه كان يمكث يسيرًا، كي ينصرف النساء". فهذان الحديثان دالان على أن الأولى أن لا يمكث في مصلاه إلا بقدر ذلك، والجواب عنه أن النبي ﷺ كان يترك الشيء، وهو يحب فعله، خشية أن يشق على الناس، أو خشية أن يفرض عليهم، كما ثبت في الصحيح، وكان يَندُبُ إلى ذلك بالقول، وقد كان النبي ﷺ يمكث كثيرًا في مصلاه عند عدم الشغل، كما ثبت في صحيح مسلم من

стр. 5488

حديث سمرة بن جندب ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس". وفي لفظ له: "كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح"، أو "الغداة، حتى تطلع الشمس". وثبت أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو في سنن ابن ماجه: "ثناء النبي ﷺ على الذي لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح"، أو "الغداة، حتى تطلع الشمس". وثبت أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو في سنن ابن ماجه: "ثناء النبي ﷺ على الذين جلسوا بين المغرب والعشاء في المسجد، ينتظرون الصلاة". كما تقدم. فهذان الوقتان يكون الشخص غالبًا فارغًا فيهما، بعد الصبح، وبعد المغرب، وبقية صلوات النهار ربما يكون للرجل معاش، وأشغال بعدها، وكذلك العشاء للاشتغال بأسباب النوم، وقد ذهب مالك إلى حديث عائشة وأم سلمة ﵄ في انصراف الإِمام بعد السلام، فكره للإمام المقام في موضع مصلاه بعد سلامه، ولا حجة فيه، فقد ثبت إقامته في مصلاه حتى تطلع الشمس، فما وجه الكراهة حينئذ؟. والله أعلم. المسألة الثامنة: قال في"الطرح" أيضًا جـ ٢ ص ٣٦٨: اختلف في المراد بالحدث في قوله: "ما لم يحدث"، وقد فسره أبو هريرة ﵁ بقوله: "يفسو، أو يضرِط"، كما هو عند مسلم من رواية أبي رافع. وعند البخاري أيضًا من رواية أبي سعيد المقبري،

стр. 5489

فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت. -يعني الضرطة- وكذا فسره أيضاً أبو سعيد الخدري في روايته للحديث، وهو عند أحمد. قال صاحب المفهم: وهو منه -أي من أبي هريرة- تمسك بالعرف الشرعي، قال: وقد فسره غيره بأنه الحدث الذي يصرفه عن إحضار قصد انتظار الصلاة، وحمله على الإعراض عن ذلك، سواء كان مسوغاً، أو غير مسوغ، وهو تمسك بأصل اللغة. قال: وحمله بعضهم على إحداث مَأثَم. والله أعلم. المسألة التاسعة: إذا فسرنا الحدث بالعرف الشرعي، كما فسره أبو هريرة ﵁، فما وجه اقتصاره على ذكر الضُّراط، والفُسَاء، وليس الحدث منحصراً فيهما. والجواب أنه لما ذكر الحدث في المسجد ترك أبو هريرة منه ما لا يشكل أمره من البول والغائط في المسجد، فإنه لا يتعاطاه في المسجد ذو عقل، ونبه أبو هريرة بالأدنى على الأعلى، كما ثبت في جامع الترمذي من حديثه أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح"، فإنه لم يرد به أنه لا يجب الوضوء من البول والغائط، وإنما المراد به تفسير ما عدا العين الخارجة من أحد السبيلين، وأنه لا يجب إلا من هذين الأمرين، من قرقرة البطن ونحوها، وأما بقية الأحداث، كلمس النساء، ومس الفرج، فمن لم ير النقض بها لا يجعل ذلك

стр. 5490

قاطعًا لصلاة الملائكة؛ لأنه باق على طهارته، ولم يؤذ، ولم يحدث، وأما الذين رأوا ذلك ناقضًا، فيحتمل أن يقولوا: ليس ذلك قاطعًا لصلاة الملائكة أيضًا؛ لأن راوي الحديث فسره بما فسره به، وهو أعرف بمقصود الحديث، وهو واضح من جهة المعنى، إذ ليس في الحدث بذلك إيذاء لبني آدم، ولا للملائكة، لعدم الرائحة الكريهة، وكونه انتقض وضوؤه لا يمنعه ذلك من كونه ينتظر الصلاة, إذ هو منتظر يمكنه الوضوء عند الأذان، أو عند حضور الصلاة في المسجد، أو غيره، فلا يخرجه ذلك عن كونه منتظرًا للصلاة. ويحتمل أن يقال: إن الحدث كله قاطع لصلاة الملائكة؛ لأنه ليس متهيئًا لانتظار الصلاة، وقد شرط في حصول ذلك كونه في المسجد ينتظر الصلاة، كما هو عند البخاري. اهـ "طرح" جـ ٢ ص ٣٦٩. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الاحتمال الأول أولى؛ لأن المقصود بالحدث المذكور في الحديث ما يُتأذَّى به، مثل الريح، ونحوه. والله أعلم. المسألة العاشرة: في رواية مسلم: "ما لم يؤذ فيه" إلى آخره. قال صاحب المفهم: أي ما لم يصدر عنه ما يتأذى به بنو آدم، أو الملائكة. قال ابن بطال: تأول العلماء في ذلك الأذى أنه الغيبة، وشبهها، قال: وإنما هو -والله أعلم- أذى الحدث، يفسر ذلك حديث الثوم، لكن النظر يدل أنه إذا آذى أحدًا بلسانه أنه

стр. 5491

ينقطع عنه استغفار الملائكة؛ لأن أذى السب والغيبة فوق رائحة الحدث، فأولى أن ينقطع بأذى السب وشبهه. وقال صاحب المفهم: يحتمل أن يكون قوله: "ما لم يحدث فيه" بدلًا من قوله: "ما لم يؤذ فيه". قال الحافظ ولي الدين ﵀: ويدل عليه رواية البخاري: "ما لم يُحْدِثّ فيه" ففسر الأذى بأنه الحدث، وهو صريح فيما ذكره، لكن في رواية أبي داود: "ما لم يؤذ فيه، أو يحدث فيه"، وهذا يقتضي المغايرة. اهـ "طرح". جـ ٢ ص ٣٦٩ - ٣٧٠. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى حمل معنى الإيذاء على ما يعم الحدث وغيره، من أنواع الأذى، سواء كان للآدمي، أو للملائكة، عملًا برواية أبي داود المذكورة، ولا ينافيه ما في رواية البخاري، فإن البدلية لا تقتضي كون البدل والمبدل منه بمعنى واحد، فكون "يحدث": بدلاً من "يؤذ"، لا يستلزم كونه تمام معناه، بل يكون بدل بعض من كل، فإن الإيذاء يعم الحدث، وغيره، وقد ذكر بعض النحاة في باب البدل أن بدل البعض من الكل يأتي في الأفعال، كالأسماء، نحو "إن تُصَلِّ، تَسْجُدْ لله يَرْحَمْكَ"، فتسجد بدل من تُصَلِّ, بدل بعض من كل. انظر "حاشية الخضري على ابن عقيل"، جـ ٢ ص ٧٠ - ٧١ - عند قول ابن مالك رحمه الله تعالى: وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَمَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ والحاصل أن الحَدَثَ بعض الإيذاء، فيشمل الحديثُ كلَّ أنواع

стр. 5492

الايذاء، فمن آذى أحدًا بلسانه، أو يده، أو إخراج ريح منه، أو غير ذلك فإنه يحرم من استغفار الملائكة، ودعائهم له. والله أعلم. المسألة الحادية عشرة: في قوله في حديث أبي هريرة ﵁: "لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة". متفق عليه - بيان أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر، من انتظار أحد، أو تنزه، أو نحو ذلك أنه ينقطع عنه أجر الصلاة، فإن تجددت له نية أخرى مع استحضار انتظار الصلاة فهل ينقطع عنه الثواب لما وجد من التشريك، أو لا ينقطع لوجود النية في انتظار الصلاة؟ محتمل، لكن الظاهر انقطاع الثواب بالتشريك في النية، لقوله: "لا يمنعه إلا انتظارها"، فهو يدل على أنه إذا منعه مانع آخر، ولو مع وجود قصد الانتظار لها فإنه لا يكون كالمصلي. أفاده في الطرح. جـ ٢ ص ٣٧١. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأولى أن ينظر إلى الأغلب، فلو كان الأمر الذي أشركه في النية أغلب، بأن يكون لو حصل غرضه منه لانقلب إلى أهله، ولا ينتظر الصلاة، فليس له هذا الثواب، وإن كان لا ينقلب بل ينتظر الصلاة بعد حصول غرضه الآخر، حصل له ذلك؛ لأنه لم يمنعه من الانقلاب إلى أهله إلا الصلاة، كما هو ظاهر النص. فتبصر. والله أعلم.

стр. 5493

المسألة الثانية عشر: المراد بكون الجالس ينتظر الصلاة في صلاة أنه يكتب له أجر المصلي، لا أن عليه ما على المصلي من اجتناب ما يحرم في الصلاة، أو يكره فيها، إلا أنه يجتنب العبث المنهي عنه في الصلاة، لما روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبك بين أصابعه". وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وروى أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" من حديث كعب ابن عجرة ﵁، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إذا توضأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة عامدًا، فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة". والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٣٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عُقْبَةَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَيْمُونٍ، حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً السَّاعِدِيَّ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فى الصَّلَاةِ".

стр. 5494

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السند السابق. ٢ - (بكر بن مضر) بن محمد بن حكيم المصري، أبو محمد، أو أبو عبد الملك، ثقة ثبت، توفي سنة ١٧٤، وله نيف وسبعون سنة، من [٨]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ١٢٢/ ١٧٣. ٣ - (عياش بن عقبة) بن كُلَيب بن تغلب الحضرمي أبو عقبة المصري، صدوق توفي سنة ١٦٠، من [٧]. قال المقري هو عم ابن لهيعة قال الدارقطني: والمصريون ينكرون ذلك. وقال أحمد: ثنا المقري ثنا عياش بن عقبة الحضرمي، عم ابن لهيعة، شيخ صدوق. قال النسائي، والدارقطني: ليس به بأس. وقال النسائي في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن يونس: ولي بحر مصر لمروان بن محمد. وقال يحيى بن بكير: ولد سنة ٧٤ أو ٩٠ - الشك من ابن يونس، قال: وتوفي في ولاية يزيد بن حاتم، وكانت ولايته سنة ٤٤، وعزل سنة ٥٢. وقال أحمد بن يحيى بن الوزير: توفي سنة ١٦٠ - أخرج له أبو داود، والمصنف. ٤ - (يحيى بن ميمون) الحضرمي، أبو عمرة المصري القاضي، صدوق، لكن عيب عليه شيء يتعلق بالقضاء، توفي سنة ١١٤، من [٥].

стр. 5495

قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر سنة ١٠٢، وعزل سنة ١١٤، وفيها مات. وكان غير محمود في قضائه. وقال أبو عمرو الكندي: كانت ولايته ٩ سنين؛ لأنه ولي سنة ١٠٥ في رمضان. قال المفضل بن فضالة: كان كُتَّاب يحيى بن ميمون لا يكتبون قضية إلا برشوة، فكُلّمَ في ذلك، فلم يغيره، فعتب بذلك. وقال الدارقطني: ثقة سمع من سهل بن سعد لمَّا قدم مصر. أخرج له أبو داود، والمصنف. ٥ - (سهل) بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو العباس، ويقال: أبو يحيى، له ولأبيه صحبة. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبَيّ بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عَبَسَة، ومروان بن الحكم، وهو دونه. وعنه ابنه عباس، والزهري، وأبو حازم ابن دينار، ووَفَاءُ بن شريح الحضرمي، ويحيى بن ميمون الحضرمي، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وعمرو بن جابر الحضرمي، وغيرهم. له ١٨٨ حديثًا، اتفق الشيخان على ٢٨، وانفرد البخاري بأحد عشر حديثًا. قال شعيب، عن الزهري، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ ،

стр. 5496

توفي، وهو ابن ١٥ سنة. قال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة ٨٨ زاد بعضهم، وهو ابن ٩٦ سنة. وقال الواقدي، وغيره: مات سنة ٩١ وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأي سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصحة، وما يخالف ذلك لا يعول عليه. وقال ابن حبان: كان اسمه حَزْنًا، فسماه رسول الله ﷺ سهلًا. وقال أبو حاتم الرازي: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا يكون تأخر إلى سنة ٩٦، أو بعدها. وزعم قتادة أنه مات بمصر. وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه ولده عباس بن سهل، انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم موثقون. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه سكن مصر أيضًا، وكذلك سهل ﵁، كما مر قريبًا. ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ، والسماعَ، من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.

стр. 5497

شرح الحديث (قال) يحيى بن ميمون: (سمعت سهلًا الساعدي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان في المسجد، ينتظر الصلاة) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه منتظرًا لأداء الصلاة جماعة (فهو في الصلاة) أي في ثواب الصلاة، لا في حكمها؛ لأنه يحل له الكلام، وغيره مما يمنع في الصلاة. كما تقدم. تنبيه: حديث سهل بن سعد ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا (٤٠/ ٧٣٤)، و"الكبرى" (٤٠/ ٨١٣) بالسند المذكور. وتقدم سائر المسائل المتعلقة به في الحديث السابق، فراجعه تستفد. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5498

٤١ - باب ذِكْرِ نَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي النبي ﷺ عن أن يصلي المرء في مبارك الإبل حول الماء. وإضافة "ذكر" لما بعده من إضافة المصدر إلى فاعله، وحذف مفعوله للتعميم، أي كل من يريد الصلاة. و"الأعطان" -بفتح فسكون-: جمع عَطَنٍ -بفتحتين. وهو مَبْرَكُ الإبلِ حولَ الماء. قال العلامة الفيّومي رحمه الله تعالى: العَطَن للإبل: المُنَاخُ، والمَبْركُ، ولا يكون إلا حول الماء، والجمع أعْطان، مثلُ سَبَبٍ، وأسْبَاب، والمَعْطِنُ، وزَان مَجْلِس، مثلُهُ، وعَطَنت الإبلُ، من بابَيْ ضرب، وقتل، عُطُونًا، فهي عاطنة، وعَوَاطن، وعَطَنُ الغنمِ، ومَعْطِنُها أيضًا: مَرْبِضُها حولَ الماء، قاله ابن السكيت، وابن قتيبة. وقال ابن فارس: قال بعض أهل اللغة: لا تكون أعطان الإبل إلا حول الماء، فأما مباركها في البَرِّيّة، أو عند الحيّ فهي المأوَى. وقال الأزهري أيضًا: عَطنُ الإبل: موضعُها الذي تتنحى إليه إذا شربت الشَّرْبَةَ الأولى، فتَبْركُ فيه، ثم يُمُلأ الحوضُ لها ثانيًا، فتعود من

стр. 5499

عَطَنِهَا إلى الحوض، فتَعُلُّ، أي تشرب الشَّرْبَةَ الثانيةَ، وهو العَلَلُ، لا تعطن الإبل على الماء إلا في حَمَارَّةِ القَيْظِ (١)، فإذا برُدَ الزمان، فلا عطن للإبل. والمراد بالمَعاطن في كلام الفقهاء المبارك. اهـ. وفي اللسان: العَطَن للإبل، كالوَطنِ للناس، وقد غلب على مَبْرَكِها حولَ الحوض، والمَعْطَن كذلك، والجمع أعْطَان، وعَطَنَت الإبلُ عن الماء، تَعْطِن -بكسر الطاء- وتعطُنُ -بضمها- عُطُونًا، فهي عَوَاطن، وعُطُون: إذا رَوِيَتْ، ثم بَرَكَتْ، فهي إبل عاطنة، وعواطن، ولا يقال: إبل عُطَّانٌ، وعَطَّنتْ أيضًا، وأعطنها: ساقها، ثم أناخها، وحبسها عند الماء، فبركت بعد الورود، لتعود، فتشرب؛ قال لبيد [من الرمل]: عَافَتَا المَاءَ فَلَمْ نُعْطِنْهُمَا … إِنَّمَا يُعْطِنُ أصْحَابُ العَلَلْ والاسم العَطَنَةُ. وقال الليث: كل مَبْرك يكون مَألَفًا للإبل فهو عَطَن له بمنزلة الوَطَن للغنم والبقر، قال: ومعنى معاطن الإبل في الحديث: مواضعها, وأنشد [من البسيط]: وَلا تُكَلِّفُنِي نَفْسِي وَلا هَلَعِي … حِرْصًا أقيمُ بِهِ في مَعْطَنِ الهُونِ وقال الأزهري: أعْطان الإبل، ومَعَاطنها لا تكون إلا مَبَاركها على الماء، وإنما تُعْطِنُ العرب الإبل على الماء حين تَطلُعُ الثُّرَيَّا، ويرجع الناس من النُّجَعِ إلى المَحَاضِرِ، وإنما يُعْطِنُون النعم يوم ورْدِها، فلا يزالون

стр. 5500

كذلك إلى وقت مَطْلعِ سُهَيْلِ في الخَرِيف، ثم لا يُعطنونها بعد ذلك ولكنها ترد الماء، فتشرب شربتها، وتَصْدُرُ من فَورها. اهـ "لسان" جـ ٤ ص ٣٠٠٠. والإبل: اسم جمع، لا واحد لها، وهي مؤنثة؛ لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صغر، نحو أبَيْلَة، وغُنَيْمَة، وسمع إسكان الباء للتخفيف، ومن التأنيث، لاسكان الباء قولُ أبي النجم [من الرجز]: وَالإبْلُ لا تَصْلُحُ لِلْبُسْتَانِ … وَحَنَّتِ الإِبْلُ إِلى الأوْطَانِ والجمع آبالٌ، وأبِيلٌ، وزان عَبيد، وإذا ثُنِّيَ، أو جمع فالمراد قَطيعَان، أو قطيعات. وكذلك أسماء الجموع، نحو أبقار، وأغنام. والإبل بناء نادر. قال سيبويه: لم يجيء على فِعِل -بكسر الفاء، والعين- من الأسماء إلا حرفان، إبل، وحبرٌ، وهو القَلَح، -أي صفرة الأسنان- ومن الصفات إلا حرف، وهي امرَأَة بِلِزٌ، وهي الضخمة، وبعضى الأئمة يذكر ألفاظًا غير ذلك، لم يثبت نقلها عن سيبويه. اهـ "المصباح" جـ ١ ص ٢. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٣٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ".
следующие страницы →