← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

توفي، وهو ابن ١٥ سنة. قال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة ٨٨ زاد بعضهم، وهو ابن ٩٦ سنة. وقال الواقدي، وغيره: مات سنة ٩١ وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأي سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصحة، وما يخالف ذلك لا يعول عليه. وقال ابن حبان: كان اسمه حَزْنًا، فسماه رسول الله ﷺ سهلًا. وقال أبو حاتم الرازي: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا يكون تأخر إلى سنة ٩٦، أو بعدها. وزعم قتادة أنه مات بمصر. وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه ولده عباس بن سهل، انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم موثقون. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه سكن مصر أيضًا، وكذلك سهل ﵁، كما مر قريبًا. ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ، والسماعَ، من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.

стр. 5497

شرح الحديث (قال) يحيى بن ميمون: (سمعت سهلًا الساعدي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان في المسجد، ينتظر الصلاة) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه منتظرًا لأداء الصلاة جماعة (فهو في الصلاة) أي في ثواب الصلاة، لا في حكمها؛ لأنه يحل له الكلام، وغيره مما يمنع في الصلاة. كما تقدم. تنبيه: حديث سهل بن سعد ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا (٤٠/ ٧٣٤)، و"الكبرى" (٤٠/ ٨١٣) بالسند المذكور. وتقدم سائر المسائل المتعلقة به في الحديث السابق، فراجعه تستفد. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5498

٤١ - باب ذِكْرِ نَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي النبي ﷺ عن أن يصلي المرء في مبارك الإبل حول الماء. وإضافة "ذكر" لما بعده من إضافة المصدر إلى فاعله، وحذف مفعوله للتعميم، أي كل من يريد الصلاة. و"الأعطان" -بفتح فسكون-: جمع عَطَنٍ -بفتحتين. وهو مَبْرَكُ الإبلِ حولَ الماء. قال العلامة الفيّومي رحمه الله تعالى: العَطَن للإبل: المُنَاخُ، والمَبْركُ، ولا يكون إلا حول الماء، والجمع أعْطان، مثلُ سَبَبٍ، وأسْبَاب، والمَعْطِنُ، وزَان مَجْلِس، مثلُهُ، وعَطَنت الإبلُ، من بابَيْ ضرب، وقتل، عُطُونًا، فهي عاطنة، وعَوَاطن، وعَطَنُ الغنمِ، ومَعْطِنُها أيضًا: مَرْبِضُها حولَ الماء، قاله ابن السكيت، وابن قتيبة. وقال ابن فارس: قال بعض أهل اللغة: لا تكون أعطان الإبل إلا حول الماء، فأما مباركها في البَرِّيّة، أو عند الحيّ فهي المأوَى. وقال الأزهري أيضًا: عَطنُ الإبل: موضعُها الذي تتنحى إليه إذا شربت الشَّرْبَةَ الأولى، فتَبْركُ فيه، ثم يُمُلأ الحوضُ لها ثانيًا، فتعود من

стр. 5499

عَطَنِهَا إلى الحوض، فتَعُلُّ، أي تشرب الشَّرْبَةَ الثانيةَ، وهو العَلَلُ، لا تعطن الإبل على الماء إلا في حَمَارَّةِ القَيْظِ (١)، فإذا برُدَ الزمان، فلا عطن للإبل. والمراد بالمَعاطن في كلام الفقهاء المبارك. اهـ. وفي اللسان: العَطَن للإبل، كالوَطنِ للناس، وقد غلب على مَبْرَكِها حولَ الحوض، والمَعْطَن كذلك، والجمع أعْطَان، وعَطَنَت الإبلُ عن الماء، تَعْطِن -بكسر الطاء- وتعطُنُ -بضمها- عُطُونًا، فهي عَوَاطن، وعُطُون: إذا رَوِيَتْ، ثم بَرَكَتْ، فهي إبل عاطنة، وعواطن، ولا يقال: إبل عُطَّانٌ، وعَطَّنتْ أيضًا، وأعطنها: ساقها، ثم أناخها، وحبسها عند الماء، فبركت بعد الورود، لتعود، فتشرب؛ قال لبيد [من الرمل]: عَافَتَا المَاءَ فَلَمْ نُعْطِنْهُمَا … إِنَّمَا يُعْطِنُ أصْحَابُ العَلَلْ والاسم العَطَنَةُ. وقال الليث: كل مَبْرك يكون مَألَفًا للإبل فهو عَطَن له بمنزلة الوَطَن للغنم والبقر، قال: ومعنى معاطن الإبل في الحديث: مواضعها, وأنشد [من البسيط]: وَلا تُكَلِّفُنِي نَفْسِي وَلا هَلَعِي … حِرْصًا أقيمُ بِهِ في مَعْطَنِ الهُونِ وقال الأزهري: أعْطان الإبل، ومَعَاطنها لا تكون إلا مَبَاركها على الماء، وإنما تُعْطِنُ العرب الإبل على الماء حين تَطلُعُ الثُّرَيَّا، ويرجع الناس من النُّجَعِ إلى المَحَاضِرِ، وإنما يُعْطِنُون النعم يوم ورْدِها، فلا يزالون

стр. 5500

كذلك إلى وقت مَطْلعِ سُهَيْلِ في الخَرِيف، ثم لا يُعطنونها بعد ذلك ولكنها ترد الماء، فتشرب شربتها، وتَصْدُرُ من فَورها. اهـ "لسان" جـ ٤ ص ٣٠٠٠. والإبل: اسم جمع، لا واحد لها، وهي مؤنثة؛ لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صغر، نحو أبَيْلَة، وغُنَيْمَة، وسمع إسكان الباء للتخفيف، ومن التأنيث، لاسكان الباء قولُ أبي النجم [من الرجز]: وَالإبْلُ لا تَصْلُحُ لِلْبُسْتَانِ … وَحَنَّتِ الإِبْلُ إِلى الأوْطَانِ والجمع آبالٌ، وأبِيلٌ، وزان عَبيد، وإذا ثُنِّيَ، أو جمع فالمراد قَطيعَان، أو قطيعات. وكذلك أسماء الجموع، نحو أبقار، وأغنام. والإبل بناء نادر. قال سيبويه: لم يجيء على فِعِل -بكسر الفاء، والعين- من الأسماء إلا حرفان، إبل، وحبرٌ، وهو القَلَح، -أي صفرة الأسنان- ومن الصفات إلا حرف، وهي امرَأَة بِلِزٌ، وهي الضخمة، وبعضى الأئمة يذكر ألفاظًا غير ذلك، لم يثبت نقلها عن سيبويه. اهـ "المصباح" جـ ١ ص ٢. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٣٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ".

стр. 5501

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي أبو حفص البصري، ثقة حافظ، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة من [٩]، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (أشعث) قال الجامع عفا الله عنه: هو إما ابن عبد الله بن جابر الحدّاني (١) -بمهملتين مضمومة، ثم مشددة- الأزدي البصري، أبو عبد الله الحُمْلي -بضم المهملة، وسكون الميم- صدوق، من [٥] أخرج له البخاري تعليقًا، والأربعة. وإما ابن عبد الملك الحُمْرَاني -بضم المهملة، وسكون الميم- أبو هانىء البصري، ثقة فقيه، توفي سنة ١٤٦، من [٦]، أخرج له البخاري تعليقًا، والأربعة أيضًا. فإن كلًا منهما يروي عن الحسن البصري، ويروي عنهما يحيى بن سعيد القطان، ولم يتبين لي من هو المراد هنا. وأما أشعث بن سوَّار الكندي النجار الأفرق الأثرم صاحب التوابيت، قاضي الأهواز، ضعيف من [٦]، وإن روى عن الحسن،

стр. 5502

وأخرج له النسائي، فليس مرادًا هنا؛ لأنه لا يروي عنه يحيى القطان، فقد قال عمرو بن علي الفلاس -كما في "تهذيب الكمال" جـ ٢ ص ٢٦٧: كان يحيى -يعني القطان- وعبد الرحمن -يعني ابن مهدي- لا يحدثان عنه. ولذا لم يذكروا يحيى في الرواة عنه. وقال أبو بكر البَرْقَاني: قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة، يحدثون عن الحسن جميعًا، أحدهم الحُمْرَاني، منسوب إلى حُمْرَان مولى عثمان، ثقة. وأشعث بن عبد الله الحُدَّاني، بصري، يروي عن الحسن، وأنس بن مالك يُعْتَبَر به. وأشعث بن سوَّار الكوفي، يعتبر به، وهو أضعفهم، وروى عنه شعبة حديثًا. اهـ "تهذيب الكمال" جـ ٢ ص ٢٨٥. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري، ثقة فاضل فقيه، من [٣]، تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٥ - (عبد الله بن مُغَفَّل) بن عبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزني صحابي بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، ومات ﵁ سنة ٥٧، وقيل: بعد ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.

стр. 5503

ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن الرواة اتفق الجماعة بالرواية لهم، إلا أشعث، فلم يخرج له البخاري إلا تعليقًا، كما تقدم قريبًا. ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الستة بدون واسطة، كما تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن مغفل) المزني ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة في أعطان الإِبل) جمع عَطن، وهو مَبْرك الإبل حول الماء. وقد تقدم تمام البحث في العَطَن أول الباب، فراجعه، تستفد. قال السندي رحمه الله تعالى: قالوا: ليس علة النهي نجاسة المكان, إذ لا فرق حينئذ بين أعطان الإبل وبين مرابض الغنم، مع أن الفرق بينهما قد جاء في الأحاديث، وإنما العلة شدة نفار الإبل، فقد يؤدي ذلك إلى بطلان الصلاة، أو قطع الخشوع، وغير ذلك. والله أعلم. اهـ كلام السندي رحمه الله تعالى. جـ ٢ ص ٥٦. وقال ابن الأثير ﵀: لم ينه عن الصلاة فيها من جهة النجاسة، فإنها موجودة في مرابض الغنم، وقد أمر بالصلاة فيها، والصلاة مع النجاسة لا تجوز، وإنما أراد أن الإبل تزدحم في المنهل، فإذا شربت رفعت رؤوسها, ولا يؤمن من نِفارِها، وتفرقها في ذلك الموضع، فتؤذي المصلي عندها، أو تلهيه عن صلاته، أو تنجسه

стр. 5504

برشاش بولها. اهـ نهاية جـ ٣ ص ٢٥٨ - ٢٥٩. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: تنجسه برشاش بولها هذا على مذهب من يرى نجاسة بولها، وقد تقدم في الطهارة أن الراجح عدم نجاسة الأبوال إلا من الآدمي، والروث، فراجع (١٩١/ ٣٠٥) تستفد. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح حديث: "صَلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" رواه أحمد، والترمذي، وصححه، وابن ماجه ما نصه: والحديث يدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى تحريمها في معاطن الإبل. وإليه ذهب أحمد بن حنبل، فقال: لا تصح بحال، وقال مرة: من صلى في عطن إبل أعاد أبدًا. وسئل مالك عمن لا يجد إلا عَطنَ إبل؟ قال: لا يصلي فيه. قيل: فإن بسط عليه ثوبًا؟ قال: لا. وقال ابن حزم: لا تحل في عطن إبل. وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة، وعلى التحريم مع وجودها. وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل، وأزْبالها، وقد عرفت ما قدمنا فيه. ولئن سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة؛ لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها، وبين مرابض الغنم, إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين، وأبوالها، كما قال العراقي. وأيضًا قد قيل: إن حكمة النهي ما فيها من النفور، فربما نفرت، وهو

стр. 5505

في الصلاة، فتؤدي إلى قطعها، أو أذًى يحصل له منها، أو تَشَوُّشُ الخاطر المُلْهِي عن الخشوع في الصلاة. وبهذا عَلَّلَ النهيَ أصحابُ الشافعي، وأصحاب مالك، وعلى هذا، فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبين غيبتها عنها، إذ يؤمن نفورها حينئذ، ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل ﵁ عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: "لا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها، وهيئتها إذا نفرت؟ ". وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها، أو يستمر فيها مع شغل خاطره. وقيل: لأن الراعي يبول بينها. وقيل: الحكمة في النهي كونها خلقت من الشياطين، ويدل على هذا أيضًا حديث ابن مغفل السابق. وكذا عند النسائي من حديثه. وعند أبي داود من حديث البراء ﵁. وعند ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة ﵁. إذا عرفت هذا الاختلاف في العلة تَبَيَّنَ لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي، وهو التحريم، كما ذهب إليه أحمد، والظاهرية. وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة، وليس للوجوب. قال العراقي: اتفاقًا. وإنما نبه ﷺ على ذلك لئلا يُظنَّ أن حكمها حكم الإبل، أو أنه خرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين، فأجاب

стр. 5506

في الإبل بالمنع، وفي الغنم بالإذن. وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ: "إنها بركة" فهو إنما ذُكِرَ لقصد تبعيدها عن حكم الإبل، كما وُصِفَ أصحابُ الإبل بالغلظ والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة. اهـ كلام الشوكاني رحمه الله تعالى جـ ٢ ص ٢٤٠ - ٢٤٢. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه الشوكاني ﵀ من حمل النهي على التحريم هو الراجح؛ لأن النهي للتحريم إذا لم يوجد صارف، وهنا لم يوجد. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مغفل ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف ﵀: أخرجه هنا (٤١/ ٧٣٥)، و"الكبرى" (٤١/ ٨١٤) بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عنه، بلفظ: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين". وأخرجه أحمد في "مسنده" ٤/ ٨٥، ٨٦، ٥/ ٥٤، ٥٥، ٥٦. وعبد ابن حميد برقم ٥٠١. والله تعالى أعلم.

стр. 5507

المسألة الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى في شرح الترمذي: والمواضع التي لا يُصَلَّى فيها ثلاثة عشر موضعًا: المَزْبَلَة، والمَجْزَرة، والمقبَرَة، وقارعة الطريق، والحَمَّامُ، ومعاطن الإبل، وفوق بيت الله، والصلاة إلى القبر، وإلى جدارِ مِرْحَاض عليه نجاسة، والكنيسة، والبِيعَة، وإلى التماثيل، وفي دار العذاب. وزاد العراقي الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة إلى النائم، والمتحدث، والصلاة في بطن الوادي، والصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في مسجد الضرار، والصلاة إلى التنور. فصارت تسعة عشر موضعًا. ودليل المنع من الصلاة في هذه المواطن، أما السبعة الأولى، فلحديث ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ نَهَى أن يُصَلَّى في سبعة مواطن: في المَزْبَلَة، والمَجْزَرَة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّامِ، وفي أعطان الأِبل، وفوق ظهر بيت الله". أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وعبد بن حميد في مسنده. قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي، وقد تُكُلَّمَ في زيد بن جَبِيرة من قبل حفظه. وفي التقريب: متروك. وفي التلخيص الحبير: إنه ضعيف جدًا، وفي إسناد ابن ماجه عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عمر العمري، وهما ضعيفان. قال ابن أبي حاتم في العلل: هما جميعًا -يعني الحديثين- واهيان.

стр. 5508

قال الجامع عفا الله عنه: أما الصلاة في المقبرة، والحمام وأعطان الإبل، فقد صحت أحاديثها. وأما غير ذلك مما ذكر في هذا الحديث فلا يصح له دليل. والله أعلم. قال العلامة الشوكاني ﵀: وأما الصلاة إلى جدار مِرْحاض، فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة ﵃ بلفظ: "نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حُشُّ". أخرجه ابن عدي، قال العراقي: ولم يصح إسناده. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: "لا يصلى إلى الحش". وعن علي ﵁ قال: "لا يصلى تجاه حش". وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ثلاثة أشياء، فذكر منها الحش. وفي كراهة استقباله خلاف بين الفقهاء. وأما الكنيسة، والبيعة، فروى ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس ﵄ أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير. وقد رويت الكراهة عن الحسن. ولم ير الشعبي، وعطاء بن أبي رباح بالصلاة في الكنيسة، والبيعة بأسًا. ولم ير ابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسًا. وصلى أبو موسى الأشعري، وعمر بن عبد العزيز في كنيسة. ولعل وجه الكراهة ما تقدم من اتخاذهم لقبور أنبيائهم، وصلحائهم مساجد؛ لأنها تصير جميع البِيَع والكنائس مظنة لذلك. وأما الصلاة إلى التماثيل، فلحديث عائشة ﵂ الصحيح أنه قال لها ﷺ : "أزيلي عني قِرَامك هذا، فإنه لا تزال

стр. 5509

تصاويره تَعْرِض لي في صلاتي". وكان لها ستر فيه تماثيل. وأما الصلاة في دار العذاب فلما عند أبي داود من حديث علي ﵁، قال: "نهاني حِبِّي أن أصلي في أرض بابل؛ لأنها ملعونة". وفي إسناده ضعف. وأما إلى النائم، والمتحدث، فهو في حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود، وابن ماجه، وفي إسناده من لم يسم. وأما في بطن الوادي، فورد في بعض طرق حديث النهي عن الصلاة في سبعة مواطن، بدل المقبرة. قال الحافظ: وهي زيادة باطلة، لا تعرف. وأما الصلاة في الأرض المغصوبة، فلما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه. وأما الصلاة في مسجد الضرار، فقال ابن حزم: إنه لا يجزىء أحدًا الصلاة فيه، لقصة مسجد الضرار، وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، فصح أنه ليس موضع صلاة. وأما الصلاة إلى التَّنُّور، فكرهها محمد بن سيرين، وقال: بيت نار. رواه ابن أبي شيبة في المصنف. وزاد ابن حزم، فقال: لا تجوز الصلاة في مسجد يُستَهزأ فيه بالله، أو برسوله، أو شيء من الدين، أو في مكان يكفر بشيء من ذلك فيه. وزادت الهادوية كراهة الصلاة إلى المحدث، والفاسق، والسراج.

стр. 5510

وزاد الإِمام يحيى: الجنب، والحائض، فيكون الجميع ستة وعشرين موضعًا. واستدل على كراهة الصلاة إلى المحدث بحديث ذكره الإِمام يحيى في "الانتصار" بلفظ: "لا صلاة إلى محدث، لا صلاة إلى جنب، لا صلاة إلى حائض". وقيل في الاستدلال على كراهة الصلاة إليه القياس على الحائض، وقد ثبت أنها تقطع الصلاة. وأما الفاسق فإهانة له، كالنجاسة. وأما السراج فللفرار من التشبه بعبدة النار، والأولى عدم التخصيص بالسراج، ولا بالتنور، بل إطلاق الكراهة على استقبال النار، فيكون استقبال التنور والسراج وغيرهما من أنواع النار قسماً واحدًا. وأما الجنب، والحائض فللحديث الذي في الانتصار، ولما في الحائض من قطعها الصلاة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث الذي ذكره صاحب "الانتصار"، لم يبين الشوكاني ﵀ درجته، ولا أورده بسنده حتى ننظر فيه، فالله أعلم بصحته. قال: واعلم أن القائلين بصحة الصلاة في هذه المواطن، أو في أكثرها تمسكوا في المواطن التي صحت أحاديثها بأحاديث: "أينما أدركتك الصلاة فصل"، ونحوها، وجعلوها قرينة قاضية بصحة تأويل الأحاديث القاضية بعدم الصحة. وقد عرفناك أن أحاديث النهي عن المقبرة، والحمام، ونحوهما خاصة، فتبنى العامة عليها. وتمسكوا في

стр. 5511

المواطن التي لم تصح أحاديثها بالقدح فيها, لعدم التعبد بما لم يصح، وكفاية البراءة الأصلية حتى يقوم دليل صحيح ينقل عنها, لاسيما بعد ورود عمومات قاضية بأن كل موطن من مواطن الأرض مسجد تصح الصلاة فيه، وهذا متمسك صحيح، لابد منه. اهـ "نيل الأوطار" جـ ٢ ص ٢٤٣ - ٢٤٥. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما قرره العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى أن الصحيح صحة الصلاة في جميع بقاع الأرض، إلا ما صح استثناء الشارع له، وقد تقدم من ذلك: أعطان الإبل، والمقبرة، والحَمَّام، وما عدا ذلك فهو باق على معنى حديث جابر ﵁: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وصهورًا، أينما أدرك رجلٌ من أمتي الصلاة صلى" وهو الحديث الآتي للمصنف في الباب التالي، وتقدم نحوه برقم ٢٦/ ٤٣٢. والحاصل أن الصلاة تصح في كل مكان، إلا ما صح الدليل باستثنائه. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5512

٤٢ - الرُّخْصَةُ فِي ذَلكَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على تسهيل الأمر في الصلاة في أعطان الإبل. ووجه استدلال المصنف رحمه الله تعالى للرخصة من حديث الباب تقديم العموم على الخصوص، لكن الأولى كما تقدم التقرير أن يكون بالعكس، فيقدم الخاص على العام، فيخص عموم حديث الباب بحديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، ونحوه. والله أعلم ٧٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةَ صَلَّى". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (الحسن بن إِسماعيل بن سليمان) بن مجالد، أبو سعيد المجالدي المصيصي، ثقة توفي بعد سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٦/ ٤٣٢.

стр. 5513

٢ - (هُشَيم) بن بَشير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت، كثيَر التدليس والإرسال الخفي توفي سنة ١٨٣، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (سيار) بن أبي سيار، وَرْدَان، وقيل: غيره، أبو الحَكَم العَنَزي الواسطي، ثقة توفي سنة ١٢٢، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٦/ ٤٣٢. ٤ - (يزيد الفقير) بن صُهيب الكوفي، أبو عثمان، ثقة، من [٤]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢٦/ ٤٣٢. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي ﵄، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن شيخه ممن انفرد به. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، غير شيخه، فممن انفرد به، ويزيد، فما أخرج له الترمذي. ومنها: أن الفَقِير لقب يزيد، وليس لفقره من المال، وإنما لكونه كان يشكو ألمًا في فَقَار ظهره.

стр. 5514

ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر بن عبد الله) ﵄، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا) هو طرف من حديث تقدم برقم ٢٦/ ٤٣٢ ونصه: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي, نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا، فأينما أدرك رجل من أمتي الصلاة يصلي، وأعطيت الشفاعة، ولم يعط نبي قبلي، وبعثت إلى الناس كافة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة". وقد تقدم أنه سقطت في رواية المصنف الخصلة الخامسة، وقد ثبتت في الصحيحين، وهي "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي". والمراد من كونها مسجدًا كونها صالحة للصلاة فيها بأن كانت على حالتها الأصلية، وإلا بأن تنجست بوقوع نجس, فليست صالحة لها. (وطهورًا) -بفتح الطاء- أي مطهرة عن الأحداث، والمراد به جواز التيمم بها. (أينما أدرك) "أينما" ظرف مكان، متضمن معنى الشرط، في محل نصب على الظرفية، متعلق بأدرك، وهو فعل الشرط (رجل)

стр. 5515

بالرفع فاعل "أدرك" (من أمتي) متعلق بمحذوف صفة لرجل (الصلاة) بالنصب مفعول أدرك (صلى) جواب الشرط. والمعنى أن أيّ رجل من أمته ﷺ أدرك وقت الصلاة في أي موضع من الأرض أدى فيه الصلاة، لكون الأرض مسجده، خصوصية للنبي ﷺ بخلاف الأنبياء السابقين، فكانوا لا يصلون إلا في كنائسهم، ونحوها. وهذا محل الاستدلال للمصنف رحمه الله تعالى في دعواه الرخصة في الصلاة في أعطان الإبل، عملًا بعمومه، لكن قد عرفت في أول الباب أن الأصح تقييد عموم هذا الحديث بخصوص حديث الباب السابق، فتكون أعطان الإبل، ونحوها مما صح النص بالنهي عن الصلاة فيه مستثنى من عموم هذا الحديث، عملا بالنصين، إذ الجمع بين المتعارضين متعين إذا أمكن، كما هنا. والله أعلم. وتمام شرح الحديث، وذكر متعلقاته تقدمت برقم ٢٦/ ٤٣٢ فراجعها تستفد. والله ولي التوفيق. إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5516

٤٣ - الصَّلاةُ عَلَى الحَصِيرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الصلاة على الحصير. الحَصِير -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- جمعه أحْصِرَة، وحُصُرٌ -بضمتين، وتسكن الصاد تخفيفًا. قال ابن منظور ﵀: والحصير: وجه الأرض، وسَفِيفَة تُصنَع من بَرْديٍّ، وأسَل، ثم تُفْرشُ، سُمِّيَ بذلك لأنه يلي وجه الأرض، وقيل: الحصير المنسوج، سمي حصيراً لأنه حُصِرت طاقته بعضها مع بعض. اهـ "لسان" باختصار جـ ٢ ص ٨٩٧. وقوله: سَفِيفَة بسين مفتوحة، ففاءين بينهما تحتانية ساكنة: أي منسوجة. والبَرْديّ بالفتح نبت معروف واحدته بَرْدية. والأسَلُ بفتحتين: عِيدَان تَنُبت طِوالاً دقاقاً مستوية، لا ورق لها، يعمل منها الحُصُر. وهو: مُصَلَّى كبير قدر طول الرجل، وأكثر، فإن كان صغيراً قدر ما يسجد عليه سمي خُمْرة وسيأتي في الباب التالي. إن شاء الله تعالى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: النكتة في ترجمة الباب الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة، وغيره من طريق شُرَيْح بن هانىء أنه سأل عائشة

стр. 5517

رضي الله عنها: "أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير، واللهُ يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير" فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًا مردودًا، لمعارضته ما هو أقوى منه، كحديث الباب، بل سيأتي عنه من طريق أبي سلمة، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان له حصير، يبسطه، ويصلي عليه". وفي مسلم من حديث أبي سعيد "أنه رأى النبي ﷺ يصلي على حصير". اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٤٦. والله تعالى أعلم. ٧٣٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَهَا، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا، فَتَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، فَأَتَاهَا فَعَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ، فَنَضَحَتْهُ بِمَاءٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَلَّوْا مَعَهُ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (سعيد بن يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد ابن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة ربما أخطأ، من [١٠].

стр. 5518

قال ابن المديني: هو أثبت من أبيه. وقال يعقوب بن سفيان: هما ثبتان، الأب والابن. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال صالح بن محمد: صدوق، إلا أنه كان يغلط. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. قال محمد بن إسحاق السراج: مات للنصف من ذي القعدة سنة ٢٤٩ هـ، وكذا أرخه البخاري، وابن نافع، وغير واحد. ووهم أبو القاسم البغوي، فأرخه سنة ٥٩، وقد رد ذلك الخطيب. روى عنه الجماعة سوى ابن ماجه. وروى النسائي عنه أيضًا بواسطة. ٢ - (يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد، لقبه الجَمَل، صدوق يُغْرِب، من كبار [٩]. قال الأثرم، عن أحمد: ما كنت أظن عنده هذا الحديث الكثير، فإذا هم يزعمون أن عنده عن الأعمش حديثًا كثيرًا، وعن غيره، وقد كتبنا عنه، وكان له أخ، له قدر وعلم، يقال له: عبد الله بن سعيد، ولم يبين أمر يحيى في الحديث، كأنه يقول: يصدق، وليس بصاحب حديث. وقال المرُّوذي، عن أحمد: لم تكن له حركة في الحديث. وقال أبو داود، عن أحمد: ليس به بأس، عنده عن الأعمش غرائب. وقال أبو داود: ليس به بأس، ثقة. وقال يزيد بن الهيثم، عن ابن معين: هو من أهل الصدق، ليس به بأس. وقال الدوري، وغيره، عن

стр. 5519

ابن معين: ثقة. وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، والدارقطني. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وأورده العقيلي في الضعفاء، واستنكر له عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله: "لا يزال المسروق متغيظًا، حتى يكون أعظم إثمًا من السارق". وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مات أبي سنة ١٩٤ في النصف من شوال، وبلغ ٨٠ سنة. أخرج له الجماعة. ٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري أبو سعيد القاضي المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٤٤، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٢/ ٢٣. ٤ - (إِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري، أبو يحيى المدني، ثقة حجة توفي سنة ١٣٢، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٤/ ٦٨. ٥ - (أنس بن مالك) الصحابي الخادم الشهير ﵁، تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله موثقون، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وفيه رواية الراوي عن أبيه؛ سعيد، عن يحيى، ورواية الراوي عن عمه؛ إسحاق،

стр. 5520

عن أنس، ورواية تابعي، عن تابعي؛ يحيى الأنصاري، عن إسحاق، وفيه أنس بن مالك ﵁، أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٢، وقيل غيره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) الأنصاري ﵁ (أن أم سليم) بنت مِلْحان بن خالد بن زيد الأنصارية، من الصحابيات الفاضلات. واسمها: سَهْلة، ويقال: رُمَيلة، ويقال: رُمَيثة، ويقال: أنَيفَة، وقيل: مليكة. والدة أنس بن مالك، وأخت أم حرام بنت ملحان، وزوج أبي طلحة الأنصاري، يقال: إنها هي الغُمَيصاء، أو الرُّمَيْصَاء. ثبت ذلك في صحيح البخاري في حديث ابن المنكدر، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة، فإذا بالرميصاء امرأة أبي طلحة". وفي صحيح مسلم من حديث ثابت، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة، فسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذه الرميصاء". وفي رواية "الرميصاء بنت ملحان، أم أنس بن مالك"، ورواه عبد بن حميد نحوه، إلا أنه قال: "الغميصاء". وقال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنس بن مالك، فلما جاء الله بالإِسلام أسلمت مع قومها،

стр. 5521

وعرضت الإِسلام على زوجها، فغضب عليها، وخرج إلى الشام، فهلك هناك، ثم خَلَفَ عليها بعده أبو طلحة الأنصاري خطبها مشركًا، فلما علم أنه لا سبيل له عليها إلا بالإِسلام أسلم، وتزوجها، وحسن إسلامه، فوُلِدَ له منها غلام كان قد أعْجِبَ به، فمات صغيرًا، فَأسِفَ عليه، ويقال: إنه أبو عُمَير صاحب النُّغير، ثم وَلَدَتْ له عبدَ الله بن أبي طلحة، فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته، وكانوا عشرة كلهم حُمِلَ عنه العلم. وروي عن أم سليم أنها قالت: لقد دعا لي رسول الله ﷺ حتى ما أريد زيادة. ومناقبها كثيرة مشهورة. روى لها الجماعة، سوى ابن ماجه. (سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها) أي يجيء إليها (فيصلي في بيتها، فتتخذه) أي المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ ، تبركًا بأثره (فأتاهما، فعمدت) أي قصدت أم سليم ﵂، يقال: عَمَدت للشيء، محمدًا من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدت، وتعمدته: قصدت إليه. قاله في المصباح (إِلى حصير) متعلق بعمدت، أي إلى إصلاح حصير، وتقدم معنى الحصير في أول الباب (فنضحته) أي رشَّته (بماء) قال في "الفتح": يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير، أو لتنظيفه، أو لتطهيره، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة. اهـ جـ ٢ ص ٤٥. (فصلى عليه) أي صلى النبي ﷺ على ذلك الحصير الذي نضحته

стр. 5522

أم سليم (وصلوا معه) أي صلى القوم الحاضرون معه ﷺ جماعة. والحديث يدل على أنه ﷺ صلى على الحصير. فإن قلت: أخرج أبو يعلى الموصلي عن عائشة ﵂، بسند؛ قال العراقي: رجاله ثقات: "أنها سئلت أكان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير؟ قالت لم يكن يصلي عليه". فكيف الجمع بين الحديثين؟ قلت: يجاب بأنها إنما نَفَتْ علمها، والمثبت مقدم على النافي، ومن حَفِظَ حجة على من لم يحفظ. وأيضاً فإن حديثها، وإن كان رجاله ثقات، فإن فيه شذوذاً، ونكارة، كما قال العراقي، رحمه الله تعالى. أفاده في "نيل الأوطار" جـ ٢ ص ٢٢٧ - ٢٢٨. والله أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٤٣/ ٧٣٧)، و"الكبرى" (٤٣/ ٨١٦) بالسند المذكور. المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة على الحصير. ومنها: بيان فضل أم سليم ﵂، وما كانت عليه من شدة محبتها للنبي ﷺ ، واقتفائها آثاره.

стр. 5523

ومنها: بيان ما كان عليه النبي ﷺ ، من عظيم الخلق، حيث كان يقضي رغبة من رغب إليه، ولو كانت امرأة، فهو كما وصفه الله تعالى في محكم كتابه، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ومنها: بيان تواضعه ﷺ ، حيث كان يصلي على الحصير الذي يفترشه الرجال، والنساء، والأطفال، ويَدُوسُونَه بأقدامهم. ومنها: مشروعية الجماعة في التطوع. والله أعلم. المسألة الثالثة: في مذاهب العلماء في الصلاة على الحصير، ونحوه: ذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز الصلاة على الحصير. ومثله ما في معناه، مما يفرش، سواء كان من حيوان، أو نبات. وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول أحمد، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وجمهور الفقهاء. قال العلامة الشوكاني ﵀: قال العراقي: وقد ذهب إلى استحباب الصلاة على الحصير أكثر أهل العلم، كما قال الترمذي. قال: إلا أن قومًا من أهل العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحبابًا. انتهى. وقد روي عن زيد بن ثابت، وأبي ذر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، ومكحول، وغيرهما من

стр. 5524

التابعين استحباب الصلاة على الحصير. وصرح ابن المسيب بأنها سنة. اهـ "نيل" جـ ٢ ص ٢٢٨. وذهب جماعة من التابعين إلى كراهة الصلاة على غير الأرض. فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين أن الصلاة على الطّنْفِسَة -وهي البساط الذي تحته خمل- محدثة. وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان، ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض. وعن عروة بن الزبير أنه كان يكره أن يسجد على شيء دون الأرض. قال الشوكاني ﵀: وإلى الكراهة ذهب الهادي، ومالك. ومنعت الإمامية صحة السجود على ما لم يكن أصله من الأرض. وكره مالك أيضًا الصلاة على ما كان من نبات الأرض، فدخلته صناعة أخرى، كالكتان، والقطن. قال ابن العربي ﵀: وإنما كرهه من جهه الزخرفة. واستدل الهادي على كراهه ما ليس من الأرض بحديث "جعلت لي الأرض مسجداً وطهورًا" بناء على أن لفظ الأرض لا يشمل ذلك. قال في ضوء النهار: وهو وَهَم؛ لأن المراد بالأرض في الحديث التراب، بدليل "وطهورًا" وإلا لزم مذهب أبي حنيفة في جواز التيمم بما أنبتت الأرض. انتهى.

стр. 5525

قال الشوكاني: وأقول: بل المراد بالأرض في الحديث ما هو أعم من التراب، بدليل ما ثبت في الصحيح بلفظ: "وتربتها طهورًا" وإلا لزم صحة إضافة الشيء إلى نفسه، وهي باطلة بالاتفاق. ولكن الأولى أن يقال في الجواب عن الاستدلال بالحديث: إن التنصيص على كون الأرض مسجدًا لا ينفي كون غيرها مسجدًا بعد تسليم عدم صدق مسمى الأرض على البسط، على أن السجود على البسط، ونحوها سجود على الأرض، كما يقال للراكب على السرج الموضوع على ظهر الفرس: راكب على الفرس، وقد صح: "أن رسول الله ﷺ صلى على البسط"، وهو لا يفعل المكروه. اهـ "نيل الأوطار" جـ ٢ ص ٢٢٦ - ٢٢٧. وقال في "النيل" أيضًا جـ ٢ ص ٢٢٨: وممن اختار مباشرة المصلي للأرض من غير وقاية عبد الله بن مسعود ﵁؛ فروى الطبراني عنه أنه كان لا يصلي ولا يسجد إلا على الأرض. وعن إبراهيم النخعي أنه كان يصلي على الحصير، ويسجد على الأرض. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال ليس عليها حجة، من كتاب، ولا سنة، بل الذي ثبت عن النبي ﷺ خلافها، فقد صح عنه ﷺ أنه صلى على الحصير، كما في حديث الباب، وصلى على الخمرة، كما في الحديث الآتي في الباب التالي، وصلى على البِساط، كما في الحديث المتفق عليه، عن أنس ﵁ قال: "ونُضِحَ بساط لنا، فصَلَّى عليه". فالصواب ما قاله الجمهور، من جواز الصلاة

стр. 5526

والسجود على الحصير، ونحوه والله أعلم. المسألة الرابعة: حديث أنس ﵁ هذا غير حديثه الآتي برقم ٨٠١ و٨٠٢ - فإن ذلك وقع لجدته مُلَيْكَة، ﵂، "دعت رسول الله ﷺ لطعام قد صنعته له، فأكل منه، ثم قال: "قوموا، فلأصليَ لكم"، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسودّ من طول ما لُبِسَ، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، وصففت أنا، واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف". متفق عليه. فالداعية في حديث الباب أم سليم، أم أنس، دعته ليصلي في بيتها، لتتخذه مصلَّى، وهناك الداعية مليكة جدة أنس، دعته لطعام صنعته له، ولكنه، صلى لها في بيتها، مكافأة على إحسانها. وإنما نبهت عليه، وإن كان واضحًا؛ لأنه ربما يلتبس على بعض الناس، لتقارب القصتين. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5527

٤٤ - الصَّلاةُ عَلَى الخُمْرَةِ أي هذا باب في ذى الحديث الدال على جواز الصلاة على الخمرة. و"الخمرة" -بضم الخاء، وسكون الميم-: وزان غُرْفة: يأتي تفسيرها قريباً، إن شاء الله تعالى. ٧٣٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي الشَّيْبَانِيَّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري أبو مسعود البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت توفي سنة ١٨٦ هـ، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، الإِمام الحجة الثبت، توفي سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في

стр. 5528

٢٤/ ٢٦. ٤ - (سليمان) بن أبي سليمان، فيروز، أبو إسحاق الشيباني الكوفي ثقة، توفي في حدود سنة ١٤٠ هـ، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧٢/ ٢٦٧. ٥ - (عبد الله بن شداد) بن الهاد، واسم الهاد: أسامة بن عمرو ابن عبد الله بن جابر، وقيل: خالد بن بشر بن عَتوارة بن عامر بن مالك ابن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الليثي، أبو الوليد المدني، كان يأتي الكوفة، وأمه سلمى بنت عميس الخثعمية، أخت أسماء بن عميس. قال الميموني: سئل أحمد، أسمع عبد الله بن شداد من النبي ﷺ شيئًا؟ قال: لا. وقال ابن المديني: شهد مع علي يوم النهروان. وقال العجلي، والخطيب: هو من كبار التابعين، وثقاتهم. وقال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عثمانيًا، ثقة في الحديث، توفي في ولاية الحجاج على العراق. وقال الواقدي: خرج مع القراء أيامَ ابن الأشعث على الحجاج، فقتل يوم دُجَيْل، وكان ثقة فقيهًا، كثير الحديث، متشيعًا. وقال ابن نمير: قتل بدجيل سنة ٨١. وقال يحيى بن بكير، وغير واحد: فُقِدَ ليلة دجيل سنة ٨٢. وقال الثوري: فقد ابن شداد، وابن أبي ليلى بالجَمَاجِم. وكذا قال العجلي، وزاد: اقتحم بهما فرساهما الماء، فذهبا. وقال ابن حبان في الثقات: غَرِقَ بدُجيل. وقال

стр. 5529

ابن عبد البر في الاستيعاب: ولد على عهد النبي ﷺ . وقال يعقوب ابن شيبة في مسند عمر: كان يتشيع. قال الحافظ: وما تقدم عن ابن سعد: كان عثمانيًا. فيه نظر. أخرج له الجماعة. وفي "ت" مات بالكوفة مقتولاً سنة ٨١، وقيل بعدها. ٦ - (ميمونة) بنت الحارث الهلالية، زوج النبي ﷺ ، قيل: اسمها برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، تزوجها بسرف سنة ٧، وماتت به، ودفنت سنة ٥١، على الصحيح، أخرج لها الجماعة. تقدمت في ١٤/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده. ومنها: أنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفي، وهو سليمان، ومدنييْن، وهما عبد الله بن شداد، وميمونة. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي, سليمان، عن عبد الله بن شداد.

стр. 5530

شرح الحديث (عن ميمونة) أم المؤمنين ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان يصلي على الخمرة) هذا الحديث مختصر، ولفظه عند البخاري: "كان رسول الله ﷺ يصلي، وأنا حِذاءه، وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، قالت: وكان يصلي على الخمرة". والخُمْرة -بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم-: قال الطبري: هو مصَلَّى صغير يعمل من سَعَفِ النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيرًا. وكذا قال الأزهري في تهذيبه، وصاحبه أبو عبيد الهروي، وجماعة بعدهم. قاله في الفتح. جـ ١ ص ٥٧٢. وقال ابن منظور: الخُمْرة: حَصِيرة أو سَجَّادة صغيرة، تُنْسَج من سَعَف النخل (١) وتُرَمَّلُ (٢) بالخيوط. وقيل: حَصِيرة أصغر من المُصَلَّى. وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَدُ عليه. قال الزجاج: سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض. لسان. جـ ٢ ص ١٢٦١. وقال ابن الأثير ﵀: هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه

стр. 5531

في سجوده من حصير، أو نسيج خُوص، ونحوه، من النبات، قال: ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعَفَها. وقد تكررت في الحديث". هكذا فسرت. وقد جاء في سنن أبي داود، عن ابن عباس ﵄، قال: "جاءت فأرة، فأخذت تَجُرُّ الفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كاَن قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم". وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. اهـ "نهاية". جـ ٢ ص ٧٧ - ٧٨. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المراد هنا الكبيرة، إذ لو كانت صغيرة لقالت: "كان يسجد على الخمرة". وفي "المنهل": أن الخمرة يجعلها المصلي تحت جبهته، لتَقِيه من الحر، والبرد، وتطلق أيضًا على الكبير من نوعها، وهو المراد في الحديث. اهـ. جـ ٥ ص ٤٦. وفيه دلالة على جواز الصلاة على الخمرة. قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، إلا ما روي عن عمر ابن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيوضع على الخمرة، فيسجد عليه. ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع، والخشوع، فلا يكون فيه مخالفة للجماعة. اهـ.

стр. 5532

قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا الفعل لا ينبغي الاقتداء به، وإن كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عَمِلَ به مبالغة في التواضع، فالنبي ﷺ أشد تواضعًا منه، وهو القدوة الحسنة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فلا ينبغي العدول عما ثبت عنه؛ لأن الله تعالى ضمن الهداية في اتباعه فقط، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ميمونة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا (٤٤/ ٧٣٨)، و"الكبرى" (٤٤/ ٨١٧) بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه. فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي الوليد، عن شعبة، بلفظ المصنف. وفي "الطهارة" مطولًا عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن الشيباني، به بلفظ "أنها كانت تكون حائضًا، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﷺ وهو يصلي على الخمرة- فإذا سجد أصابني بعض ثوبه". وفي "الصلاة" عن مسدد, باللفظ

стр. 5533

المتقدم في شرح الحديث. وقال في موضع آخر تعليقًا: وزاد مسدد، عن خالد ابن عبد الله -وعن عمرو بن زُرَارة، عن هُشيم- وعن أبي النعمان، عن عبد الواحد -ثلاثتهم عن الشيباني، به. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن خالد، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عباد بن عباد، عن الشيباني، به. وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون، عن خالد، به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، به. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5534

٤٥ - الصَّلاةُ عَلَى المِنْبَرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز الصلاة على المنبر. والمِنْبَرُ -بكسر الميم، وسكون النون، وفتح الباء، آخره راء-: مِرْقاة الخاطب، سمي منبراً لارتفاعه، وعُلُوِّه. وانْتَبَرَ الأمُير: ارتفع فوق المنبر. اهـ لسان جـ ٦ ص ٤٣٢٣. وفي المصباح: وكلُّ شيءٍ رُفِعَ: فقد نُبِرَ، ومنه: المنبر، لارتفاعه، وكسرت الميم على التشبيه بالآلة. اهـ. ٧٣٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّ هُوَ؟ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ، امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ، أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ، فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، ثُمَّ

стр. 5535

جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهَا، فَوُضِعَتْ هَاهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقِيَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ، وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ، وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، أبو رجاء الثقفي، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ، القاريُّ، المدني، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقة، توفي سنة ١٨١، من [٨]. قال الدوري، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. قال أحمد: ثقة. أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه. ٣ - (أبو حازم بن دينار) سلمة الأعرج، التمار المدني القاص، مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، توفي في خلافة المنصور، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
следующие страницы →