في سجوده من حصير، أو نسيج خُوص، ونحوه، من النبات، قال: ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعَفَها. وقد تكررت في الحديث". هكذا فسرت. وقد جاء في سنن أبي داود، عن ابن عباس ﵄، قال: "جاءت فأرة، فأخذت تَجُرُّ الفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كاَن قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم". وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. اهـ "نهاية". جـ ٢ ص ٧٧ - ٧٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المراد هنا الكبيرة، إذ لو كانت صغيرة لقالت: "كان يسجد على الخمرة".
وفي "المنهل": أن الخمرة يجعلها المصلي تحت جبهته، لتَقِيه من الحر، والبرد، وتطلق أيضًا على الكبير من نوعها، وهو المراد في الحديث. اهـ. جـ ٥ ص ٤٦.
وفيه دلالة على جواز الصلاة على الخمرة. قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، إلا ما روي عن عمر ابن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيوضع على الخمرة، فيسجد عليه. ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع، والخشوع، فلا يكون فيه مخالفة للجماعة. اهـ.
стр. 5532
قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا الفعل لا ينبغي الاقتداء به، وإن كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عَمِلَ به مبالغة في التواضع، فالنبي ﷺ أشد تواضعًا منه، وهو القدوة الحسنة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فلا ينبغي العدول عما ثبت عنه؛ لأن الله تعالى ضمن الهداية في اتباعه فقط، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ميمونة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٤٤/ ٧٣٨)، و"الكبرى" (٤٤/ ٨١٧) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي الوليد، عن شعبة، بلفظ المصنف. وفي "الطهارة" مطولًا عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن الشيباني، به بلفظ "أنها كانت تكون حائضًا، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﷺ وهو يصلي على الخمرة- فإذا سجد أصابني بعض ثوبه". وفي "الصلاة" عن مسدد, باللفظ
стр. 5533
المتقدم في شرح الحديث. وقال في موضع آخر تعليقًا: وزاد مسدد، عن خالد ابن عبد الله -وعن عمرو بن زُرَارة، عن هُشيم- وعن أبي النعمان، عن عبد الواحد -ثلاثتهم عن الشيباني، به.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن خالد، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عباد بن عباد، عن الشيباني، به.
وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون، عن خالد، به.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، به.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهَا، فَوُضِعَتْ هَاهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقِيَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ، وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ، وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، أبو رجاء الثقفي، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ، القاريُّ، المدني، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقة، توفي سنة ١٨١، من [٨].
قال الدوري، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. قال أحمد: ثقة. أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه.
٣ - (أبو حازم بن دينار) سلمة الأعرج، التمار المدني القاص، مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، توفي في خلافة المنصور، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
стр. 5536
٤ - (سهل بن سعد الساعدي) الأنصاري ﵄، تقدم قبل أربعة أبواب، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه (٤١) من رباعيات المصنف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا يعقوب، فما أخرج له ابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أنه مسلسل بالإخبار، والتحديث. والله تعالي أعلم.
شرح الحديث
قال (أبو حازم) سلمة (بن دينار: أن رجالًا) قال الحافظ ﵀ لم أقف على أسمائهم (أتوا سهل بن سعد الساعدي) نسبة إلى ساعدة بن كعب بن الخَزْرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة الأنصاري (وقد امتروا) جملة في محل نصب على الحال، أي حال كونهم ممترين. وهو افتعال، من المِرْيَة. قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: المِرْية: التردد في الأمر، وهي أخص من الشك. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥] والامتراء،
стр. 5537
والمماراة: المجادلة فيما فيه مرية. قال تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]. وأصله من مَرَيْتُ الناقة: إذا مَسَحْت ضرعها. اهـ باختصار. ص ٧٦٦.
وقال ابن منظور: والامتراء في الشيء: الشك فيه، وكذلك التماري. والمراء: المماراة، والجدل. والمراء أيضاً: من الامتراء، والشك. وفي التنزيل العزيز: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] , قال وأصله في اللغة: الجدال، وأن يستخرج الرجل من مُنَاظِرِه كلامًا، ومعاني الخصومة، وغيرها من مَرَيت الشاة: إذا حلبتها، واستخرجت لبنها. وقد ماراه مماراة، وميراء، وامترى فيه، وتمارى: شك, قال سيبويه: وهذا من الأفعال التي تكون للواحد. اهـ. "لسان" ٤١٩٠.
(في المنبر) متعلق بما قبله، وقد تقدم ضبطه، ومعناه أولَ الباب (مِمَّ عُوده) أي من أيّ شيء عود ذلك المنبر. فما استفهامية حذفت ألفها لكونها مجرورة، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١] قال ابن مالك:
وَمَا في الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … ألِفُهَا وَأوْلِهَا الْهَا إنْ تَقِفْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضا … بِاسْم كَقَوْلِكَ: اقْتِضَاء مَا اقْتَضَى
(فسألوه عن ذلك؟) أي سأل الرجال الذين امتروا سهل بن سعد عن عود المنبر، النبوي (فقال) سهل: (والله إني لأعرف مم هو؟) أي
стр. 5538
من أيّ شيء عوده، وإنما أتى بالقسم مؤكدًا بالجملة الاسمية، وبكلمة "إن" التي للتحقيق، وبلام التأكيد في الخبر لإرادة التأكيد فيما قاله السامع. قاله في "العمدة".
(ولقد رأيته أول يومٍ وضع) أي لقد رأيت المنبر في أول يوم وُضِعَ في موضعه. وهو زيادة على السؤال، وكذا قوله (وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ).
قال في "العمدة" جـ ٦ ص ٢١٥: وفائدة هذه الزيادة المؤكدة باللام، وكلمة "قد" الإعلام بقوة معرفته بما سألوه. وقوله (أرسل رسول الله ﷺ ) إلى آخره شرح جوابه لهم، وبيانه، فلذا فَصَلَه عما قبله، ولم يذكره بعطف (إِلى فلانة) كناية عن اسم المرأة، ممنوع من الصرف لوجود علتين فيه، العلمية، والتأنيث. قال ابن منظور: فلانٌ، وفلانةُ: كناية عن أسماء الآدميين. والفلان، والفلانة -بالألف واللام-: كناية عن غير الآدميين. تقول العرب: ركبت الفلان، وحلبت الفلانة. وقال السراج: فلان: كناية عن اسم، سمي به المحدَّثُ عنه، خاص غالب. اهـ "لسان" جـ ٥ ص ٣٤٦٨.
(امرأة) بالجر بدل عن "فلانة"، ويحتمل الرفعَ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي امرأة، والنصبَ على أنه مفعول لفعل محذوف، أعني امرأة (سماها سهل) قال في "الفتح": لا يعرف اسمها ,لكنها أنصارية. ونقل ابن التين، عن مالك: أن النَّجَّارَ كان مولى لسعد بن عبادة، فيحتمل أن يكون في الأصل مولى امرأته، ونسب إليه مجازًا،
стр. 5539
واسم امرأته فُكَيهة بنت عبيد بن دليم، وهي ابنة عمه، أسلمت، وبايعت، فيحتمل أن تكون هي المرادة. لكن رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن ابن عيينة، فقال: مولى لبني بياضة. وأما ما وقع في الدلائل لأبي موسى المديني نقلًا عن جعفر المستغفري أنه قال: في أسماء النساء من الصحابيات: علاثة -بالعين المهملة، وبالمثلثة- ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، قال: وفيه أرسل إلى علاثة، امرأة، قد سماها سهل. فقد قال أبو موسى: صحف فيه جعفر، أو شيخه، وإنما هو: "فلانة" انتهى. ووقع عند الكرماني: قيل اسمها عائشة، فقال الحافظ: وأظنه صحف المصحف، ولو ذكر مستنده في ذلك لكان أولى. ثم وجدت في الأوسط للطبراني من حديث جابر أن رسول الله ﷺ كان يصلي إلى سارية في المسجد، ويخطب إليها، ويعتمد عليها، فأمرت عائشة، فصنعت له منبره هذا. فذكر الحديث، وإسناده ضعيف، ولو صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف. والله أعلم. اهـ "فتح". جـ ٢ ص ٤٠ - ٤١.
وجملة "سماها سهل" في محل جر صفة "امرأة".
(أن مري) "أن" تفسيرية، لما في الإرسال من معنى القول. قاله السندي.
قال الجامع: ويحتمل كونها مصدرية، و"مري" فعل أمر، من
стр. 5540
أمَرَ، يَأمُرُ، من باب نصر، وأصله "اؤمري" على وزن "افْعُلِي"، فاجتمعت همزتان، فثقلتا، فحذفت الثانية، واستغني عن همزة الوصل، فصار "مُرِي" على وزن "عُلِي" بحذف فاء الفعل. والفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جر محذوف قياسًا، كما قال في الخلاصة:
وَعَدِّ لازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وِإنْ حُذِفْ فَالنَّصْب لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلاً وَفِي "أنَّ" و"أنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أنْ يَدُو
والجار والمجرور متعلق بأرسل، أي أرسل إليها بأمر غلامها.
(غلامك) بالنصب على المفعولية. وسماه عباس بن سهل، عن أبيه، فيما أخرجه قاسم بن أصبغ، وأبو سعد في "شرف المصطفى" جميعًا من طريق يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة: حدثني عُمَارة بن غَزِيَّةَ، عنه، ولفظه: "كان رسول الله ﷺ يخطب إلى خشبة، فلما كثر الناس قيل له: لو كنت جعلت منبرًا. قال: وكان بالمدينة نَجَّار واحد، يقال له: ميمون"، فذكر الحديث. وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن سعد الأنصاري، عن ابن عباس، نحو هذا السياق، ولكن لم يسمه. وفي الطبراني من طريق أبي عبد الله الغفاري: سمعت سهل بن سعد، يقول: كنت جالسًا مع خال لي من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : "اخرج إلى الغابة، وائتي من خشبها، فأعمل لي منبرًا" الحديث.
وجاء في صانع المنبر أقوال أخرى:
стр. 5541
أحدها: أن اسمه إبراهيم. أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي نضرة، عن جابر، وفي إسناده العلاء بن مسلمة الرَّوَّاس، وهو متروك.
ثانيها: بَاقُول -بموحدة، وقاف مضمومة- رواه عبد الرزاق بإسناد ضعيف منقطع، ووصله أبو نعيم في المعرفة، لكن قال: باقوم -آخره ميم- وإسناده ضعيف أيضًا.
ثالثها: صُبَاح -بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة، وآخره مهملة أيضًا. ذكره ابن بشكوال بإسناد مرسل.
رابعها: كلاب مولى العباس. روى ابن سعد في الطبقات من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان يخطب، وهو مُستَند إلى جِذْع، فقال: "إن القيام قد شق علي" فقال له تميم الداري: أَلا أعمل لك منبرًا، كما رأيتُ يصنع بالشام؟ فشاور النبي ﷺ المسلمين في ذلك، فرأو أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له: كلاب أعْمَلُ الناسِ، فقال: "مره أن يعمل". الحديث، ورجاله ثقات إلا الواقدي.
خامسها: تميم الداري. رواه أبو داود مختصرًا، والحسن بن سفيان، والبيهقي، من طريق أبي عاصم، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر: أن تميماً الداري قال لرسول الله ﷺ لما كثر لحمه: ألا نتخذ لك منبرًا يحمل عظامك؟ قال: "بلى"، فاتخذ له
стр. 5542
منبراً. الحديث، وإسناده جيد.
سادسها: ميناء. ذكره ابن بشكوال عن الزبير بن بكار: حدثني إسماعيل، هو ابن أبي أويس، عن أبيه، قال: عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار، من بني سَلِمَةَ، أو من بني ساعدة، أو امرأة لرجل منهم، يقال له: ميناء. انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذا يحتمل أن يعود الضمير فيه على الأقرب، فيكون ميناء اسم زوج المرأة، وهو بخلاف ما حكيناه عن ابن التين أن المنبر عمله غلام سعد بن عبادة، وجوزنا أن تكون المرأة زوج سعد.
وليس في جميع الروايات التى سُمِّيَ فيها النجارُ شيء قوي السند، إلا حديث ابن عمر، وليس فيه التصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم الداري، بل قد تبين من رواية ابن سعد أن تميمًا لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضاً، وأما الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لِوَهَائها، ويبعد جدّا أن يُجْمَع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة، وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قوله في كثير من الروايات: "لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد"، إلا إن كان يحمل على أن المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن. والله أعلم.
ووقع عند الترمذي، وابن خزيمة، وصححاه من طريق عكرمة بن
стр. 5543
عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: "كان النبي ﷺ يقوم يوم الجمعة، فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، يخطب، فجاء إليه رومي، فقال: ألا نصنع لك منبرا". الحديث، ولم يسمه، فيحتمل أن يكون المراد بالرومي تميم الداري؛ لأنه كان كثير السفر إلى أرض الروم. وقد عرفت مما تقدم سبب عمل المنبر.
وجزم ابن سعد بأن ذلك كان في السنة السابعة. وفيه نظر لذكر العباس، وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع. وجزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان. وفيه نظر أيضًا، لما ورد في حديث الإفك في "الصحيحين" عن عائشة، قالت: "فثار الحيان، الأوس والحزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل، فخفضهم، حتى سكتوا". فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر، وإلا فهو أصح مما مضى.
وحكى بعض أهل السير أنه ﷺ كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر من خشب، ويعكر عليه أن في الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.
ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بعث معاوية إلى مروان، وهو عامله على المدينة أن يحمل إليه
стр. 5544
المنبر، فأمر به، فقُلِعَ، فأظلمت المدينة، فخرج مروان، فخطب، وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجاراً وكان ثلاث درجات، فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم. ورواه من وجه آخر، قال: "فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم، وقال: فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس.
قال ابن النجار، وغيره: استمر على ذلك إلا ما أصْلِحَ منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفر، فلم يزل إلى هذا العصر، فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبرًا جديدًا، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرًا جديدًا إلى مكة أيضًا، شكر الله له صالح عمله آمين. اهـ "فتح" جـ ٣ ص ٥٩ - ٦١.
وقال في "العمدة" جـ ٦ ص ٢١٦: فإن قلت: رَوَى أبو داود عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ لما بَدَّنَ (١) قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله، يَجْمَع -أو يَحْمِل- عظامك؟ قال: "بلى" فاتخذ له منبرًا مِرْقاتين". أي اتخذ له منبرًا درجتين، فبينه وبين ما ثبت في
стр. 5545
الصحيح أنه ثلاث درجات منافاة. قلت: الذي قال: مرقاتين لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها ﷺ . اهـ.
(النَّجَّارَ) بالنصب صفة لغلام. قال الفيومي ﵀: نَجَرْتُ الخشبة، نَجْرًا، من باب قتل، والفاعل نَجَّار، والنِّجارة، مثلُ الصِّنَاعة. اهـ. وفي اللسان: النَّجْرُ: نَحْتُ الخشبة، نَجَرَهَا، ينجُرها، نَجْرًا: نَحَتَها. ونُجَارة العُودِ: ما انتُحِتَ منه عند النَّجْر. اهـ. جـ ٦ ص ٤٣٥٠.
(أن يعمل لي أعواداً) أي يجمعها، ويصورها، ويرتبها على وجه يمكن الجلوس عليها. قاله السندي رحمه الله تعالى. و"أن" مصدرية، والمصدر المؤول مجرور بحرف جر مقدر، كما سبق تقريره في قوله: "أنْ مُري". وفي الكبرى "يعمل لي" بحذف "أن" فيحتمل الرفع على الاستئناف، والجزم على أنه جواب الأمر. والله أعلم.
(أجلس عليهن إِذا كلمت الناس) برفع "أجلس" على الاستئناف، ولا يحتاج إلى تقدير "وأنا أجلس"، كما قدره العيني في العمدة. وجَزْمِهِ على أنه جواب الأمر.
(فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة) وفي رواية سفيان عن أبي حازم: "من أثْلِ الغابة".
والطَّرْفَاء -بفتح الطاء، وسكون الراء المهملتين، وبعد الراء فاء
стр. 5546
ممدودة- قال سيبويه: الطرْفاء: واحدٌ، وجمعٌ، والطرفاء: اسم للجمع. وقيل: واحدتها: طرْفَاءة. وقال ابن سيدَه: والطرَفَة: شجرة، وهي الطَّرَف، والطرْفاء: جماعة الطَّرَفَة، وبها سمي طَرَفَة بن العبد. والطَّرَفُ -بفتحتين-: اسم يُجْمَعُ على طَرْفَاء، وقلما يستعمل في الكلام إلا في الشعر، والواحدة طرَفَة، وقياسه قَصَبَة، وقَصَب، وقَصْبَاء وشجرة، وشجر، وشَجْراء. اهـ "لسان" بتصرف.
والأثْلُ -بفتح، فسكون-: شجر يشبه الطَّرفاء، إلا أنه أعظم منه، وأكرم، وأجود عودًا، تسوَّى به الأقداح الصُّفْر الجِيَاد. وفي الصحاح: هو نوع من الطرفاء. والأثْلُ: أصول غليظة، يسوَّى منها الأبواب، وغيرها، ووَرَقُهُ عَبْلٌ (١) كوَرَق الطرْفَاء.
وقال أبو حنيفة: قال أبو زياد: من العِضَاة: الأثْلُ، وهو طُوَال في السماء، مستطيل الخشب، وخشبه جيد يُحمل إلى القرى، فتُبْنى عليه بيوتُ المَدَر، وورَقُه هَدَبٌ طوال دُقَاق، وليس له شوك، ومنه تُصنع القِصَاع والجِفَان، وله ثمر حمراء، كأنها أُبْنَة -يعني عُقْدة الرِّشاء- واحدته أثْلَة، وجمعه: أُثُول، كتمر، وتمور. اهـ لسان جـ ١ ص ٢٨.
والغابة -بالغين المعجمة، وبعد الألف باء موحدة-: هي أرض علي تسعة أميال من المدينة، كانت بها إبل النبي ﷺ مُقيمةً بها للمَرْعَى، وبها وقعت قصة العُرَنيين الذين أغاروا على سَرْحِه. وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال. وقال الزمخشري: الغابة بَرِيد من المدينة، من
стр. 5547
طريق الشام. وفي الجامع: كل شجر مُلْتَفٍّ فهو غابة. وفي المحكم: الغابة: الأجَمَة التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة. وقال أبو حنيفة: هي أجَمَة القصب، قال: وقد جُعِلَت جماعة الشجر غابًا، مأخوذًا من الغيابة، والجمع غابات، وغاب. اهـ "عمدة القاري" جـ ٦ ص ٢١٦.
والأجَمُ: الشجر المُلْتَفُّ، جمعه أجم، كقصبة، وقصب، والآجام جمع الجمع. قاله في المصباح.
(ثم جاء بها) أي جاء الغلام بتلك الأعواد المعمولة منبرًا إلى بيت المرأة الآمرة له (فأرسلت) أي المرأة (إِلى رسول الله ﷺ ) تعلمه بأنه فرغ من عملها (فأمر بها) أي أمر بوضع تلك الأعواد بعد أن جيء بها إليه (فوضعت هنا) أي في محلها التي هي فيه حينما حَدَّثَ سهل بالحديث، ولا زال موضعها إلى الآن (ثم رأيت رسول الله ﷺ رقي) من باب تَعِبَ، ومصدره رُقِيّ، على وزن فُعُول، ورَقْيٌ، كفَلْسٍ. قاله في المصباح (فصلَّى عليها) أي على تلك الأعواد، وكانت صلاته على الدَّرَجَة العليا من المنبر. قاله في "الفتح" جـ ٣ ص ٦١.
(وكبر وهو عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى) أي نزل من المنبر نزولاً إلى جهة ورائه.
والقَهْقَرى: الرجوع إلى خَلْف، فإذا قلت: رَجَعتُ القَهْقَرى، فكأنك قلت: رجعت الرجوعَ الذي يُعرفُ بهذا الاسم؛ لأن القهقرى ضرب من الرجوع، وقَهْقَرَ الرجلُ في مشيته: فَعَلَ ذلك. وتقهقر: تراجع على قفاه. والقَهْقرى: مصدر قَهْقَرَ: إذا رجع على عقبيه. قاله
стр. 5548
في اللسان. جـ ٥ ص ٣٧٦٥.
وقال في العمدة جـ ٦ ص ٢١٦: قيل: يقال: رجع القهقرى، ولا يقال: نزل القهقرى؛ لأنه نوع من الرجوع، لا من النزول. وأجيب بأنه لما كان النزول رجوعًا من فوق إلى تحت صح ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العيني لا حاجة إليه؛ لأن معنى القهقرى موجود في حال النزول، إذ هو الرجوع إلى خلف ونزول النبي ﷺ كان إلى جهة خلفه، وإنما فعل ذلك محافظةً على استقبال القبلة. فتبصر. والله أعلم.
قال الحافظ: لم يذكر القيام بعد الركوع في هذه الرواية, وكذا لم يذكر القراءة بعد التكبيرة، وقد تبين ذلك في رواية سفيان، عن أبي حازم، ولفظه: "كبر، فقرأ، وركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى". وفي رواية هشام بن سعد، عن أبي حازم، عند الطبراني: "فخطب الناس عليه، ثم أقيمت الصلاة، فكبر، وهو على المنبر". فأفادت هذه الرواية تقدم الخطبة على الصلاة. اهـ "فتح" جـ ٣ ص ٦٢.
(فسجد في أصل المنبر) أي على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه (ثم عاد) زاد مسلم من رواية عبد العزيز: "حتى فرغ من صلاته"، يعني أنه ﷺ رجع إلى درجات المنبر بعد القيام من السجدة الثانية، ثم فعل هكذا إلى أن انتهى من تلك الصلاة.
قال السندي ﵀: وهذا العمل القليل لا يبطل الصلاة، وقد فعله ﷺ لبيان كيفية الصلاة وجواز هذا العمل، فلا إشكال، ويفهم منه
стр. 5549
أن نظر المقتدي إلى إمامه جائز (فلما فرغ) من صلاته (أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس إِنما صنعت هذا لتأتموا بي) -بكسر اللام: أي لتقتدوا بأفعالي (ولتعلَّموا صلاتي) -بكسر اللام، وفتح التاء المثناة من فوق، وتشديد اللام- وأصله لتتعلموا، فحذفت إحدى التاءين، تخفيفًا لتوالي المثلين، كما قال ابن مالك:
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
وعطف جملة "لتعلموا" على ما قبله للتأكيد.
يعني أنه إنما صلى على المنبر ليرى من قد يخفى عليه رؤية صلاته إذا صلى على الأرض.
وقال ابن حزم: وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد، والشافعي، والليث، وأهل الظاهر. ومالك، وأبو حنيفة لا يجيزانها. وقد رد العيني هذا على ابن حزم، وقال: هذا غير صحيح، بل مذهب أبي حنيفة الجواز مع الكراهة. وقال ابن التين: الأشبه أن ذلك كان له خاصة. اهـ "عمدة" جـ ٦ ص ٢١٦.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الخصوصية غير صحيحة، فالصواب جواز ذلك لكل من احتاج التعليم لمن لا يعلم كيفية الصلاة. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 5550
حديث سهل بن سعد الساعدي ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤٥/ ٧٣٩)، و"الكبرى" (٤٥/ ٨١٨) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود في "الصلاة" كلهم بسند المصنف. وأخرجه البخاري أيضًا في "البيوع" به. وفي "الصلاة"، عن علي ابن المديني، عن ابن عيينة، عن أبي حازم، به.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة -وزهير بن حرب- وابن أبي عمر-. وابن ماجه فيه عن أحمد بن ثابت الجحدري، كلهم عن ابن عيينة به. وأخرجه الحميدي -برقم ٩٢٦ - وأحمد ٥/ ٣٣٠ و ٣٣٩. والدارمي ١٢٦١. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز الصلاة على المنبر، وقد علل النبي ﷺ صلاته عليه، وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له، والتعليم، فإذا ارتفع الإِمام على المأموم لغير حاجة كمثل هذا كره، وبه قال الشافعي، وأحمد، والليث. وعن مالك، والشافعي، المنع، وبه قال الأوزاعي.
ومنها: جواز اختلاف موقف الإِمام والمأموم في العلو والسفل. قال البخاري في صحيحه: قال علي بن عبد الله -يعني المديني-:
стр. 5551
سألني أحمد بن حنبل ﵀ عن هذا الحديث؟ قال: إنما أردتُّ أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإِمام أعلى من الناس بهذا الحديث؟ قال: فقلت: إن سفيان بن عيينة كان يُسأل عن هذا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا. اهـ.
ولابن دقيق العيد في ذلك بحث، فإنه قال: من أراد أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم؛ لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر، تقتضي المناسبةُ اعتبارَه، فلابد منه.
ومنها: جواز العمل اليسير في الصلاة، وكذا الكثير إن تفرق.
ومنها: جواز الصلاة على الخشب، وكره ذلك الحسن، وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة عنهما. وأخرج أيضًا عن ابن مسعود، وابن عمر نحوه. وعن مسروق أنه كان يحمل لَبِنةً ليسجد عليها إذا ركب السفينة. وعن ابن سيرين نحوه. قال الحافظ: والقول بالجواز هو المعتمد.
ومنها: جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وأن ذلك لا يقدح في صلاته.
ومنها: أن من فعل شيئاً يخالف العادة يبين حكمته لأصحابه.
ومنها: استحباب اتخاذ المنبر لكل خطيب, خليفة كان، أو غيره، لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب، والسماع منه.
وقال ابن بطال: إن كان الخطيب هو الخليفة، فسنته أن يخطب على
стр. 5552
المنبر، وإن كان غيره يخير بين أن يقوم على المنبر، أو على الأرض. وتعقبه الزين ابن المنير بأن هذا خارج عن مقصود الترجمة، ولأنه إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء، فإن كان من الخلفاء الراشدين، فهو سنة متبعة، وإن كان من غيرهم، فهو بالبدعة أشبه منه بالسنة.
قال الحافظ: قلت: ولعل هذا هو حكمة هذه الترجمة -يعني ترجمة البخاري بقوله: "باب الخطبة على المنبر"- أشار بها إلى أن هذا التفصيل غير مستحب، ولعل مراد من استحبه أن الأصل أن لا يرتفع الإِمام عن المأمومين، ولا يلزم من مشروعية ذلك للنبي ﷺ ، ثم لمن ولي الخلافة أن يشرع لمن جاء بعدهم. وحجة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السامعين، وتعليمهم بعض أمور الدين.
ومنها: استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد، إما شكرًا، وإما تبركًا.
ومنها: جواز نظر المأموم إلى إمامه في الصلاة، ليتعلم منه، وأن ذلك لا ينافي الخشوع. والله ولي التوفيق. ذكر معظم هذه الفوائد في الفتح جـ ٢ ص ٤١، جـ ٣ ص ٦٢.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5553
٤٦ - الصَّلاةُ عَلَى الحِمَارِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة على الحمار.
والحمار -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم-: الذكر، والأنثى أتَانٌ، وحمارة بالهاء نادر، والجمع حَمِير، وحُمُر -بضمتين- وأحمِرَة. أفاده في "المصباح". والله تعالى أعلم.
٧٤٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) تقدم في الباب الماضي.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني ثقة، من [٦]، تقدم في ٨٠/ ٩٧.
٤ - (سعيد بن يسار) أبو الحُباب -بضم المهملة، وموحدتين-
стр. 5554
المدني، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن علي، وقيل: مولى بني النجار، والصحيح أنه غير سعيد بن مرجانة. ثقة متقن، من [٣].
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في توثيقه. وقال الواقدي: مات سنة ١١٦، وقيل: ١١٧، وهو ابن ٨٠ سنة. وقال ابن حبان في الثقات: مات بالمدينة سنة ١١٧، وفي نسخة أخرى ١٢٠، أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبلخي، والظاهر أنه دخل المدينة.
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄، أنه (قال: رأيت
стр. 5555
رسول الله ﷺ يصلي على حمار) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. وظاهره يشمل الفرض، لكنه وقع الإجماع على المنع من صلاة الفرض على الدابة بغير عذر، فوجب حمله على النافلة. وتقدم تمام البحث في هذا في أوائل كتاب الصلاة برقم ٢٣/ ٤٩٠، ٤٩١، ٤٩٢. فراجعه تستفد. والله ولي التوفيق.
(وهو متوجه) أي ذاهب. وفي رواية مسلم "مُوَجِّةٌ"، وهو بمعنى "متوجه". والجملة في محل نصب عطفاً على الحال الأولى، أو حال من فاعل "يصلي" (إِلى خيبر) بلد في الشمال الشرقي من المدينة، على ثلاثة أيام منها، والمدينة واقعة بين مكة وخيبر، فمستقبل خيبر مستدبر للكعبة. قيل: أول من سكنها رجل إسرائيلي اسمه خيبر، فسميت باسمه. وهي ممنوعة من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، باعتبار البقعة.
دل الحديث على ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة على الحمار، ومثله سائر الدواب كالجمل ونحوه وعلى طهارة عرقه؛ لأن التحرز منه متعذر مع ملامسته، ولاسيما إذا طال زمن الركوب.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح أخرجه المصنف هنا (٤٦/ ٧٤٠)، و"الكبرى" (٤٦/ ٨١٩)، عن قتيبة، عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عنه. وتكلم فيه
стр. 5556
المصنف، وسيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى مع الجواب عنه. وأخرجه مسلم في "كتاب صلاة المسافرين" عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي -كلاهما عن مالك، به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٤١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ رَاكِبٌ إِلَى خَيْبَرَ، وَالْقِبْلَةُ خَلْفَهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى عَلَى قَوْلِهِ: "يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ" وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ: الصَّوَابُ مَوْقُوفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن منصور) بن داود بن إبراهيم الطوسي، نزيل بغداد، أبو جعفر العابد، ثقة من صغار [١٠].
سئل عنه أحمد، فقال: لا أعلم إلا خيرًا، صاحب صلاة. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن أبي داود:
стр. 5557
كان من الأخيار. ووثقه مسلمة، وابن حبان. وقال أبو بكر الخلال: كان يشبه في صلاته بمعروف الكرخي. وقال السراج: مات سنة ٢٥٤ عن ٨٠ سنة. وقال البغوي: مات سنة ٢٦٥. روى عنه أبو داود، والنسائي.
٢ - (إِسماعيل بن عمر) أبو المنذر الواسطي، نزيل بغداد، ثقة، من [٩].
قال أحمد بن منصور: قلت: لأحمد: عمن أكتب من المشيخة؟ قال: أبو المنذر إسماعيل بن عمر. قال: وكان عابدًا. وقال ابن معين: من تجار أهل واسط، ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن المديني، وأبو بكر الخطيب. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد سنة ٢٠٠. أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
٣ - (داود بن قيس) الفَرَّاء الدَّبَّاغ، أبو سليمان القرشي مولاهم المدني، ثقة، فاضل، من [٥]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٩٦/ ١٢٠.
٤ - (محمد بن عجلان) المدني صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من [٥]، توفي سنة ١٤٨، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٣٦/ ٤٠.
стр. 5558
٥ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت، من [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٦ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الشهير، ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، ورجاله كلهم ثقات، غير ابن عجلان، فصدوق، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض؛ داود، وابن عجلان، ويحيى بن سعيد، وهو من رواية الأقران، فكلهم من الطبقة الخامسة.
وشرح الحديث واضح من شرح الحديث الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس بن مالك هذا صحيح. أخرجه المصنف هنا (٤٦/ ٧٤١)، و"الكبرى" (٤٦/ ٨٢٠)، وهو من أفراده، لم يخرجه غيره من أصحاب الأصول. كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفته" جـ ١ ص ٤٢٩.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي رحمه الله تعالى: (لا نعلم أحدًا تابع عمرو بن يحيى على قوله: "يصلي على حمار"). هكذا نسخ "المجتبى" بتأخير هذا الكلام إلى هنا، والذي في "الكبرى" تقديمه مع حديث ابن عمر ﵁، وهو الأولى لأنه مرتبط به.
стр. 5559
وغرض المصنف بهذا أن عمرو بن يحيى المازني خالف الجماعة في قوله: "على حمار"، فإنهم رووه بلفظ: "على راحلته" و"على دابته". وقد تقدمت رواية الجماعة برقم ٤٩٠، ٤٩١، ٤٩٢ وتقدم الكلام عليها مستوفى هناك، فراجعه تستفد.
وكذا اعترض الدارقطني على مسلم في رواية عمرو هذه.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: قال الدارقطني، وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني، قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبي ﷺ على راحلته، وعلى البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس، كما ذكره مسلم بعد هذا, ولهذا لم يذكر البخاري حديث عمرو. هذا كلام الدارقطني، ومتابعيه.
وفي الحكم بتغليط عمرو نظر؛ لأنه نقل شيئًا محتملًا، فلعله كان الحمار مرة، والبعير مرة، والشاذ مردود، وهو المخالف للجماعة. والله أعلم. اهـ كلام النووي جـ ٥ ص ٢١١ - ٢١٢.
قال الجامع عفا الله عنه: أول كلام النووي هو الصواب، فالحديث صحيح، كما صححه مسلم، فزيادة عمرو مقبولة، لعدم منافاتها لما رواه الجماعة, إذ أمكن الجمع يحمل روايته على وقت، وروايتهم على وقت، أو أوقات. ويشهد لذلك حديث أنس ﵁ الذي بعده.
стр. 5560
وقال الحافظ ﵀ في الفتح جـ ٣ ص ٢٨٨: وقد روى السرَّاج من طريق يحيى بن سعيد، عن أنس ﵁ "أنه رأى النبي ﷺ يصلي على حمار، وهو ذاهب إلى خيبر". وإسناده حسن، وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر: "رأيت النبي ﷺ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر" اهـ.
فدل كلام الحافظ ﵀ على أن الحديثين صحيحان، يشهد أحدهما للآخر. وهذا هو الراجح عندي. وأما الشذوذ الذي ذكره النووي في كلامه السابق، على خلاف عادته، فإنه كان يدافع عن مسلم في مثله إذا اعترض الدارقطني وغيره بالشذوذ, فيجيب عنه بأنه من زيادات الثقات. فيجاب عنه هنا بما يجيب هو به في غير هذا المحل، ولاسيما مع وجود الشاهد المذكور. والله سبحانه، وتعالى أعلم.
(وحديث يحيى بن سعيد، عن أنس، الصواب أنه موقوف. والله سبحانه، وتعالى أعلم).
غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا تضعيف رواية يحيى بن سعيد المرفوعة، وأن صوابها الوقف على أنس ﵁ من فعله.
وذلك لمخالفة غيره, فقد رواه الشيخان من طريق همام بن يحيى، عن أنس بن سيرين، فجعله من فعله، ولفظه عند البخاري: "قال استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام، فلقيناه بعَينِ التَّمْرِ، فرأيته يصلي على
стр. 5561
حمار، ووجهه من ذا الجانب -يعني عن يسار القبلة- فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فَعَلَه، لم أفعله".
والجواب عنه ما تقدم من أن المرفوع لا ينافي الموقوف، فأنس بن سيرين روى فعلَه، ويحيى بن سعيد روى قولَه، ولقوله شاهد من حديث ابن عمر المتقدم، كما تقدم في كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
والحاصل أن الحديثين صحيحان. والله سبحانه، وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5562
٩ - كِتَابُ الْقِبْلَةِ
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالة على أحكام القبلة.
اعلم أن أبواب القبلة المذكورة هنا تقدمت بأسانيدها، وأحاديثها، في أوائل كتاب الصلاة، قبيل كتاب المواقيت، برقم (٢٢/ ٤٨٨، ٤٨٩)، (٢٣/ ٤٩٠، ٤٩١، ٤٩٢)، (٢٤/ ٤٩٣).
والظاهر أنه ذكرها هناك استطرادًا، لمناسبة فرض الصلاة، ولذا ترجم هناك بقوله: "باب فرض القبلة"، وأما ذكرها هنا فهو أصل وضعها المناسب. وذكرها في الكبرى بعد كتاب الإمامة، وما هنا أحسن, إذ ترتيبها المناسب تقديم بيان فرض الصلاة، وما يتبع ذلك، ثم الأوقات، ثم الأذان، ثم المساجد، ثم القبلة.
وذلك لأن المكلف يحتاج أن يعرف أولًا فرض الصلاة، وأحكامها، ثم مواقيتها , ليؤديها في الأوقات المطلوبة لها، ثم إنه ربما يكون مشغولاً بحوائجه، كما هو حال أكثر الناس، فيحتاج إلى التنبيه بدخول وقت الصلاة، فلذا شرع له الأذان، إذ هو إعلام بدخول وقت الصلاة، ثم يحتاج إلى مكان يؤدي فيه الصلاة، وهو المسجد، ونحوه، ثم بعد أن يدخل مكان الصلاة يحتاج إلى معرفة الجهة التي يتوجه إليها في أداء الصلاة، وهي القبلة.
فرتبها المصنف -رحمه الله تعالى- هكذا, فذكر أوَّلاً فرض الصلاة،
стр. 5563
وما يتبع ذلك، ثم المواقيت، ثم الأذان، ثم المساجد، ثم القبلة. وهكذا ترتيبًا متناسباً، فما خالف ذلك يعتبر استطرادًا لمناسبة مَّا.
وقد تقدم البحث عن أحاديث هذه الأبواب الثلاثة، وما يتعلق بذلك مستوفى بالأرقام المذكورة، فأقتصر هنا على حل بعض الغوامض، من الأسانيد، والمتون، وأحيل تمام البحث إلى الأرقام المذكورة، إن شاء الله تعالى.
***
стр. 5564
١ - بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ
٧٤٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَمَرَّ رَجُلٌ، قَدْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا إِلَى الْكَعْبَةِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن إِسماعيل بن إِبراهيم) الأسدي المعروف أبوه بابن علية، البصري نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة، مات سنة ٢٦٤ من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (إِسحاق بن يوسف الأزرق) الواسطي، ثقة، مات سنة ١٩٥، من [٩] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٢/ ٤٨٩.
٣ - (زكريا بن أبي زائدة) خالد، وقيل: غيره، أبو يحيى
стр. 5565
الكوفي، ثقة، يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بآخره، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٣/ ١١٥.
٤ - (أبو إِسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره، من [٣]، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (البراء بن عازب) أبو عمارة الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن البراء بن عازب) ﵄، أنه (قال: قدم) -بكسر الدال- (رسول الله ﷺ المدينة، فصلى نحو) أي جهة (بيت المقدس) فيه لغتان: إحداهما: فتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال، ومعناه: محل الطهارة من الذنوب. والثانية: بوزن محمد، ومعناها: المطهَّر. وتقدم البحث فيه مستوفى بالرقم المتقدم.
(ستة عشر شهرًا) وتقدم "ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا" بالشك، ووجه الجمع فيه أن من قال: "ستة عشر" ألغى الكسر من شهر القدوم، وشهر التحويل, ومن قال: "سبعة عشر" عدهما معًا (ثم وجه) بالبناء للمجهول، أي أمره الله تعالى بالتوجه (إلى الكعبة) حيث قال له ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية.
стр. 5566
(فمر رجل) هو عباد بن بشر بن قَيْظِيّ، وقيل: عبَّاد بن نَهِيك (قد صلى مع النبي ﷺ ) جملة في محل جر صفة لرجل (على قوم من الأنصار) متعلق بمَرَّ، وهم بنو سَلمة (فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قد وجه إِلى الكعبة، فانحرفوا إِلى الكعبة) بصيغة الماضي أي تحول القوم إلى جهة الكعبة، بأن تحول الإِمام من مقدم المسجد إلى مؤخره، وتحول الرجال، فصاروا خلفه، وتحولت النساء، فصِرْنَ خلف الرجال.
ويحتمل أن يكون بصيغة الأمر، أي أمرهم ذلك الرجل بالانحراف، إليها. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم تمام البحث في شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به بالرقم المذكور، فلا نطيل الكتاب بإعادتها، فراجعها تستفد. والله ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5567
٢ - بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَجُوزُ عَلَيْهَا اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ
وقد تقدم برقم (٢٣/ ٤٩٠) بلفظ "يجوز فيها"، وهي واضحة، فتكون "على" هنا، بمعنى "في". والله أعلم.
٧٤٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ، حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ".
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم قبل باب.
٢ - (مالك بن أنس) الإِمام الحجة المدني، تقدم قبل باب.
٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني، ثقة، من [٤]، تقدم في ١٦٧/ ٢٦٠.
٤ - (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر ﵄، تقدم قبل باب.
والإسناد من رباعيات المصنف، وهو (٤٢) من رباعيات الكتاب، ورجاله مدنيون، غير قتيبة، فبغلاني. والله تعالى أعلم.
стр. 5568
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄، أنه قال (كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته في السفر) والمراد به التطوع، لا الفريضة، كما تقدم تحقيقه بالرقم المذكور (حيثما توجهت) إليه.
(قال مالك) بن أنس (قال عبد الله بن دينار: وكان) عبد الله (ابن عمر) ﵄ (يفعل ذلك) أي المذكور من الصلاة على الراحلة في السفر، اقتداء بالنبي ﷺ .
قال الجامع عفا الله عنه: المسائل المتعلقة بهذا الحديث تقدمت بالرقم المتقدم، فراجعها تستفد. وبالله التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5569
٣ - بَابُ اسْتِبَانَةِ الْخَطَأ بَعْدَ الاجْتِهَادِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم اتضاح الخطأ في القبلة بعد أداء الصلاة إليها بالاجتهاد.
ومحل الاستدلال قوله: "وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة". وذلك لأن الشام غير قبلة حينئذ، إلا أنهم ما علموا بذلك، واعتمدوا على الدليل المنسوخ الذي هو دليل ظاهرًا، وليمس بدليل عند التحقيق، فكل من خفي عليه جهة القبلة، فصلى إلى جهة أخرى اعتمادًا على الظن والاجتهاد، فحكمه حكم هؤلاء يستدير إلى القبلة إذا علم بها، وما صلى قبل العلم فهو صحيح. والله أعلم.
٧٤٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا السند هو السند الذي مر في الباب الماضي، وهو (٤٣) من رباعيات الكتاب، وشرح الحديث يعلم من شرح حديث البراء ﵁ الذي قبل باب. وأيضًا قد مر شرحه
стр. 5570
مستوفى في أوائل الصلاة برقم (٢٤/ ٤٩٣). فراجعه تستفد. والله سبحانه ولي التوفيق.
وقوله: (فاستقبلوها) يحتمل أن يكون بكسر الباء على أنه صيغة أمر، وهو من كلام الرجل الآتي، ويحتمل أن يكون بفتحها فعلًا ماضيًا، وهو حكاية لحالهم. والأول هو الظاهر؛ لأن الثاني يغني عنه قوله: "فاستداروا إلى الكعبة". والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب.
***