عن اليمين، لكنه بعيد، أو على غير سَمْت العمودين، فيصح قول من قال: "جعل عن يمينه عمودين" وقول من قال: "جعل عموداً عن يمينه".
وجوز الكرماني احتمالاً آخر، وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفة، فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال: "جعل عموداً عن يمينه، وعموداً عن يساره" لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال: "عمودين" اعتبره.
قال الحافظ: ثم وجدته مسبوقاً بهذا الاحتمال. وأبْعَدُ منه من قال: انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل الصلاة بذلك؛ لقلته. والله أعلم. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ١٦٠.
وقد تقدم الكلام في اختلاف الروايات، وبيان التوفيق بينها مستوفى في شرح حديث (٥/ ٦٩٢) فراجعه تستفد.
(وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) فيه إشعار بأن البيت تغير عما كان عليه في عهد النبي ﷺ ، فقد هُدم، وبُني في عهد ابن الزبير ﵄. كما أفاده في "الفتح".
(ثم صلى، وجعل بينه، وبين الجدار) الذي أمامه (نحواً من ثلاثة أذرع) أي مقدارها. وهذه الرواية توافق ما في صحيح البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه، وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع صلى،
стр. 5602
يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي ﷺ صلى فيه. قال: "وليس على أحد بأس إن صلى في أي نواحي البيت شاء".
وفي تاريخ مكة للأزرقي أن معاوية سأل ابن عمر ﵃ أين صلى رسول الله ﷺ عام دخلها؟ قال: بين العمودين المقدمين، اجعل بينك، وبين الجدار ذراعين، أو ثلاثة.
وفي رواية أبي داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك "ثم صلى، وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع". وذكر ابن عبد البر أن ابن عفير، وابن وهب، وشبابة بن سوار، رووها عن مالك كذلك.
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى: وينبغي تحري هذه البقعة للصلاة فيها، وقد يقال بأن الصلاة فيها أفضل من غيرها من بقاع الكعبة للاتباع. وقد يقال: إنما فعل ﵊ ذلك اتفاقاً، لا أنه مقصود، فيكون كالأمور الجبلية. والله أعلم.
وقال والدي ﵀ في "إحياء القلب الميت": ينبغي أن لا يجعل بينه وبين الجدار أقل من ثلاثة أذرع، فإما أن يصادف مصلاه، أو يقع وجهه، وذراعاه في مكان قدميه، فهو أولى من التقدم عنه. اهـ. طرح جـ ٥ ص ١٣٧ - ١٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ولي الدين ﵀: "فيكون كالأمور الجبلية"؛ فيه أن الأمور الجبلية ليست محل تأسٍّ، وهذا خلاف الصواب، بل الصواب أن أفعاله ﷺ محل تَأسّ، إلا أن تكون خصوصية
стр. 5603
له. وقد أشبعت الكلام في هذا في غير هذا المحل. فتنبه. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا من رواية نافع متفق عليه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦/ ٧٤٩)، و"الكبرى" (٥/ ٨٢٥)، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن نافع، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. قال: وقال لنا إسماعيل: حدثني مالك، فقال: "عمودين عن يمينه". ومسلم في "الحج" عن يحيى بن يحيى. وأبو داود في "المناسك" عن القعنبي -وعن عبد الله بن محمد الأذرمي، عن عبد الرحمن بن مهدي- كلهم عن مالك به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
стр. 5604
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مقدار القرب من السترة، فقد أفاد الحديث أن المسافة التي تكون بين المصلي، وبين السترة لا تزيد عن ثلاثة أذرع، وأما ما أخرجه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ﵄، أنه قال: "كان بين مصلى رسول الله ﷺ ، وبين الجدار ممر الشاة". فيحمل على أقل المسافة. وقال بعضهم: الأول في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسجود. وقال ابن الصلاح ﵀: قدروا ممر الشاة بثلاثة أذرع. قال الحافظ ﵀ ولا يخفى ما فيه.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: استحب أهل العلم الدنو من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنو منها.
وفيه بيان الحكمة في ذلك، وهو حديث سهل بن أبي حثمة المذكور في الباب الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم أن الظاهر وجوب الدنوّ لظاهر الأمر، فتنبه. والله أعلم.
ومنها: جواز الصلاة في داخل الكعبة.
ومنها: حرص عبد الله بن عمر ﵄ على اتباع أفعال النبي ﷺ .
стр. 5605
ومنها: جواز غلق أبواب المساجد للحاجة.
وقد تقدم تمام ما يتعلق بالحديث مستوفى (٥/ ٦٩٢) فراجعه تستفد. والله ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5606
٧ - ذِكْرُ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَمَا لَا يَقْطَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلَّي سُتْرَةٌ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأشياء التي تقطع صلاة المصلي، والتي لا تقطعها إذا لم تكن بين يديه سترة.
٧٥٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ قَائِمًا يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ".
قُلْتُ: مَا بَالُ الأَسْوَدِ مِنَ الأَصْفَرِ، مِنَ الأَحْمَرِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي؟ فَقَالَ: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ، من [١٠]،
стр. 5607
تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يزيد) بن زريع، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٢، من [٨]، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري ثقة ثبت فاضل ورع، توفي سنة ١٣٩، من [٥]، تقدم في ٨٨/ ١٠٩.
٤ - (حميد بن هلال) العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، من [٣]، تقدم في ٤/ ٤.
٥ - (عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري ابن أخي أبي ذر ﵁، ثقة، توفي بعد ٧٠ سنة، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم والأربعة.
روى عن عمه أبي ذر، وعمر، وعثمان، والحكم ورافع ابني عمرو، وحذيفة، وابن عمر، وعائشة. وعنه حميد بن هلال، وأبو العالية البَرَّاء، وأبو عمران الجوني، وسَوَادَة بن عاصم، ومحمد بن واسع، والمشعث بن طريف، وأبو عبد الله الحربي، وأبو نعامة السعدي، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: يكنى أبا النضر، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وذكره البخاري في الأوسط في فصل
стр. 5608
من مات ما بين السبعين إلى الثمانين. ونقل الذهبي أن بعضهم قال: ليس بحجة. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون.
٦ - (أبو ذر) جندب بن جُنَادة الغفاري الصحابي المشهور ﵁، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأنه مسلسل بالبصريين إلى الصحابي، وأن شيخه أحد مشايخ الستة، وأن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، يونس، عن حميد، عن عبد الله بن الصامت. ورواية حميد، عن عبد الله بن الصامت من رواية الأقران. وفيه رواية الراوي عن عمه، عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي ذر) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كان أحدكم قائماً) ولفظ مسلم: "إذا قام أحدكم يصلي". والمراد بالقيام هنا الشروع في الصلاة، لا خصوص القيام خلاف الجلوس، فيشمل جميع حالات الصلاة. والله أعلم.
(يصلي) جملة فعلية في محل نصب خبر لـ"كان" بعد الخبر، أو حال (فإِنه) الضمير لأحد، ويحتمل أن يكون ضمير شأن، أي إن
стр. 5609
الأمر والشأن (يستره) عما يقطع صلاته (إِذا كان بين يديه مثلُ آخرة الرحل) الظرف خبر "كان" مقدماً، و"مثل" اسمها مؤخراً.
و"آخرة الرحل" -بالمد-: الخشبة التي يستند إليها الراكب، من كور البعير. وهي خلاف قادمته. وتقدم أن لها ثماني لغات، وهذه أفصحها، في شرح حديث عائشة ﵂ (٤/ ٧٤٦)، والرَّحْل:-بفتح، فسكون: مَرْكب للبعير، أو الناقة، جمعه: أرْحُلٌ، ورِحَال (فإِن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرَّحّلِ فإِنه) الضمير كسابقه (يقطع صلاته) أي يبطلها، أو يقلل ثوابها، على خلاف بين العلماء في ذلك، سنحققه في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
(المرأة) بالرفع فاعل مؤخر لـ"يقطع"، ومفعوله "صلاته" مقدماً، أي مرور المرأة.
(والحمار، والكلب الأسود) يعني أن مرور هذه الأشياء قدام المصلي يقطع صلاته، إن لم يكن له سترة، مثل مؤخرة الرحل.
قال عبد الله بن الصامت: (قلت) لأبي ذر ﵁: (ما بال الأسود؟) "ما" استفهامية مبتدأ، و"بال" خبره. و"البال": الحال، والشأن. أي ما شأن الكلب الأسود يقطع الصلاة؟.
(من الأصفر) متعلق بحال مقدر من "الأسود"، على حذف مضاف، أي حالَ كونه كائناً من دون الكلب الأصفر. وقوله: (من الأحمر) بدل إضراب من الجار والمجرور قبله. ويحتمل أن يكون
стр. 5610
معطوفاً عليه بعاطف مقدر، أي ومن الأحمر.
فقد ذكر العلامة ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى في "مغني اللبيب" جـ ٢ ص ١٧٠: أنه حَكَى أبو زيد: أكلت خبزاً، لحماً، تمراً، فقيل: على حذف الواو، وقيل: بدل الإضراب. وحكى أبو الحسن: "أعطه درهماً، درهمين، ثلاثة". وخُرِّجَ على إضمار "أو" ويحتمل البدل المذكور. اهـ.
(قال) أبو ذر ﵁ (سألت رسول الله ﷺ ، كما سألتني؟) أي من مخالفة حكم الكلب الأسود لحكم غيره من الكلاب، حيث قطع الصلاة بمروره بين يدي المصلي، ولم يقطع غيره (فقال) ﷺ : (الكلب الأسود شيطان) حمله بعضهم على ظاهره، وقال: إن الشيطان يتصور بصور الكلاب السود. وقيل: سمي شيطاناً لأنه أشد ضرراً من غيره. وبهذا علمت الحكمة في كون الكلب يقطع الصلاة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٧٥٠) و"الكبرى" (٦/ ٨٢٦) عن عمرو بن علي
стр. 5611
الفَلاَّس، عن يزيد بن زُريع، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن شيبان بن فَرُّوخ، عن سليمان بن المغيرة -وعن أبي بكر ابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن يونس ابن عبيد- وعن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة -وعن إسحاق بن إبراهيم، عن وهب بن جرير، عن أبيه- وعن إسحاق، عن المعتمر بن سليمان، عن سَلْم بن أبى الذَّيَّال -وعن يوسف بن حماد المَعْنِيّ، عن زياد بن عبد الله البكَّائي، عن عاصم الأحول- ستتهم عن حميد بن هلال به.
وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به. وعن عبد السلام ابن مُطَهَّر، ومحمد بن كثير العبدي، كلاهما عن سليمان بن المغيرة به.
والترمذي فيه عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، كلاهما عن حميد بن هلال بمعناه. وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن بندار، عن غندر به. وفي "الصيد" عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن سليمان بن المغيرة -ببعضه: "سألت عن
стр. 5612
الكلب". والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الأشياء التي تقطع الصلاة عند عدم السترة، وهي المرأة، والحمار، والكلب الأسود، وسيأتي تحقيق أقوال العلماء في معنى القطع في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
ومنها: تأكيد الأمر باتخاذ السترة محافظة على الصلاة.
ومنها: الحث على ابتعاد المصلي عما يخل بالخشوع في حال صلاته.
ومنها: التنفير عن الكلب الأسود؛ لكونه شيطاناً. والله أعلم.
المسألة الخامسة: وردت أحاديث بمعنى حديث أبي ذر ﵁:
فمنها: ما أخرجه مسلم، وأحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار". زاد مسلم في روايته: "ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل".
ومنها: ما أخرجه أحمد، بإسناد صحيح، وابن ماجه عن عبد الله ابن مغفل ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار".
ومنها: ما أخرجه البزار عن أنس ﵁ بإسناد رجاله ثقات
стр. 5613
-كما قال العراقي- ولفظه: "يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة".
ومنها: ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً "يقطع الصلاة الكلب، والمرأة الحائض". وفي رواية ابن ماجه: "والكلب الأسود". ورواه الأكثرون موقوفاً على ابن عباس. وذكر أبو داود أن شعبة رفعه، وأوقفه سعيد -يعني ابن أبي عروبة- وهشام الدستوائي، وهمام بن يحيى على ابن عباس ﵄.
ومنها: ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أيضاً قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته الكلب، والحمار، والخنزير، واليهودي، والمجوسي، والمرأة، ويجزىء عنه إذا مروا بين يديه على قَذْفَة بحجر".
وصرح أبو داود بأن زيادة الخنزير، والمجوسي، والقَذْفَة بالحجر وَهَمٌ من شيخه محمد بن إسماعيل بن أبي سَمِينَةَ، لتفرده بذلك.
لكن في نسبة الوهم إليه نظر؛ لأنه ثقة، ومع ذلك لم يتفرد به، فقد تابعه المُقَدَّمي عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، ولفظه: "يقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب، والحمار، واليهودي، والنصراني، والخنزير، يكفيك إذا كانوا منك قدر رمية لم يقطعوا عليك صلاتك".
وتابعه أيضاً علي بن بحر القطان عند البيهقي، ولفظه: "يقطع
стр. 5614
الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة الحائض، واليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير". قال: "ويكفيك إذا كانوا منك على قدر رمية بحجر لم يقطعوا صلاتك". والله أعلم.
ومنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده"، بإسناد رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ ببعض أعلى الوادي، يريد أن يصلي قد قام، وقمنا، إذ خرج علينا حمار من شِعْب أبي دُبٍّ؛ شعبِ أبي موسى، فأمسك النبي ﷺ ، فلم يكبر، وأجرى إليه يعقوبَ بنَ زَمْعَةَ حتى رده".
ومنها: ما أخرجه أحمد عن عائشة ﵂ بإسناد رجاله ثقات -كما قال العراقي- قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع صلاة المسلم شيء، إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، لقد قرنا بدواب السوء". والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: في مذاهب العلماء في حكم مرور هذه الأشياء بين يدي المصلي، إذا لم تكن له سترة:
ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين إلى بطلان الصلاة بمرور المرأة، والحمار والكلب الأسود. وممن قال بهذا: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس في رواية عنه. وحكي أيضاً عن أبي ذر، وابن عمر، ﵃. وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب. وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار.
стр. 5615
وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة: الحسنُ البصري، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل، فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري. وحكى الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب الأسود، ويتوقف في الحمار، والمرأة. قال ابن دقيق العيد: وهو أجود مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه لا يقطع: المرأة، والحمار.
وذهب أهل الظاهر أيضاً إلى قطع الصلاة بالثلاثة المذكورة، إذا كان الكلب، والحمار بين يديه، سواء كان الكلب، والحمار مارّاً، أم غير مارّ، وصغيراً، أم كبيراً، حيّاً، أم ميتاً، وكون المرأة بين يدي الرجل مارة، أم غير مارة، صغيرة، أم كبيرة، إلا أن تكون مضطجعة معترضة.
وذهب إلى أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض: ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح. واستدلا بالحديث السابق عند أبي داود، وابن ماجه بلفظ: "يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض".
قال العلامة الشوكاني ﵀: ولا عذر لمن يحمل المطلق على المقيد من ذلك؛ وهم الجمهور. وأما من يعمل بالمطلق، وهم الحنفية، وأهل الظاهر، فلا يلزمهم ذلك.
وقال ابن العربي: إنه لا حجة لمن قيد بالحائض؛ لأن الحديث ضعيف. وقال: وليست حيضة المرأة في يدها، ولا بطنها، ولا
стр. 5616
رجلها. قال العراقي: إن أراد بضعفه ضعف رواته، فليس كذلك، فإن جميعهم ثقات. وإن أراد به كون الأكثرين وقفوه على ابن عباس، فقد رفعه شعبة، ورفع الثقة مقدم على وقف من وقفه، وإن كانوا أكثر على القول الصحيح في الأصول، وعلوم الحديث. انتهى.
وروي عن عائشة ﵂ أنها ذهبت إلى أنه يقطعها الكلب، والحمار، والسنور، دون المرأة. ولعل دليلها على ذلك ما روته من اعتراضها بين يدي النبي ﷺ . وفيه أن الاعتراض غير المرور، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
قال الشوكاني ﵀: وقد تقدم عنها أنها روت عن النبي ﷺ : "أن المرأة تقطع الصلاة" فهي محجوجة بما روت. ويمكن الاستدلال بما أخرجه أحمد، وابن ماجه عن أم سلمة ﵂: "أن النبي ﷺ كان يصلي في حجرتها، فمر بين يديه عبد الله، أو عمر، فقال بيده هكذا، فرجع، فمرت ابنة أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، قال: "هن أغلب".
لكن الحديث لا يصح؛ لأن في سنده قيساً المدني، وهو مجهول.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنه يقطعها الكلب الأسود فقط. وحكاه ابن المنذر عن عائشة.
ودليل هذا القول أن حديث ابن عباس ﵄ الآتي أخرج الحمار، وحديث أم سلمة ﵂ المذكور، وحديث عائشة
стр. 5617
رضي الله عنها الآتي أخرجا المرأة، والتقييد بالأسود أخرج ما عداه من الكلاب.
وذهب مالك، والشافعي، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء. قال النووي رحمه الله تعالى: وتأول هؤلاء حديث أبي ذر ﵁ على أن المراد بالقطع نقص الصلاة، لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها. ومنهم من يدعي النسخ بالحديث الآخر: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم". قال: وهذا غير مرضي؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وتأويلها، وعلمنا التاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا تعذر الجمع والتأويل، بل يتأول على ما ذكرناه، مع أن حديث: "لا يقطع صلاة المرء شيء". ضعيف. والله أعلم. اهـ. شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٢٧.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وروي القول بالنسخ عن الطحاوي، وابن عبد البر، واستدل على تأخير تاريخ حديث ابن عباس ﵄ بأنه في حجة الوداع، وهي في سنة عشر، وفي آخر حياة النبي ﷺ ، وعلى تأخير حديث عائشة، وحديث أم سلمة، بأن ما حكاه زوجاته عنه يعلم تأخره لكون صلاته بالليل عندهن، ولم يزل على ذلك حتى مات، خصوصاً مع عائشة، مع تكرار قيامه في كل ليلة، فلو حدث شيء مما يخالف ذلك لعلمن به.
стр. 5618
قال الشوكاني ﵀: وعلى تسليم صحة هذا الاستدلال على التأخر لا يتم به المطلوب من النسخ. أما أوَّلاً، فقد عرفت أن حديث عائشة، وميمونة خارجان عن محل النزاع. وحديث أم سلمة أخص من المتنازع فيه؛ لأن الذي فيه مرور الصغيرة بين يديه ﷺ . وحديث ابن عباس ليس فيه إلا مرور الأتان، فهو أخص من الدعوى.
وأما ثانياً فالخاص بهذه الأمور لا يصلح لنسخ ما اشتمل عليه زيادة عليها، لما تقرر من وجوب بناء الخاص على العام مطلقاً.
وأما ثالثاً فقد أمكن الجمع بما تقدم.
وأما رابعاً فيمكن الجمع أيضاً بأن يحمل حديث عائشة، وميمونة، وأم سلمة، على صلاة النفل، وهي يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرض، على أنه لم ينقل أنه اجتزأ بتلك الصلاة. أو يحمل على أن ذلك وقع في غير حالة الحيض، والحكم بقطع المرأة للصلاة إنما هو إذا كانت حائضاً، كما تقدم. وأيضاً قد عرفت أن وقوع ثوبه ﷺ على ميمونة لا يستلزم أنها بين يديه، فضلاً عن أن يستلزم المرور، وكذلك اعتراض عائشة لا يستلزم المرور.
ويحمل حديث ابن عباس ﵄ على أن صلاته ﷺ كانت إلى سترة، ومع وجود السترة لا يضر مرور شيء من الأشياء المتقدمة، كما يدل على ذلك قوله في حديث أبي هريرة ﵁: "ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل".
стр. 5619
وقوله في حديث أبي ذر ﵁: "ويستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل". ولا يلزم من نفي الجدار نفي سترة أخرى من حربة، أو غيرها، كما ذكره العراقي. ويدل على هذا أن البخاري بوب على هذا الحديث "بابٌ سترةُ الإمام سترة لمن خلفه"، فاقتضى ذلك أنه ﷺ كان يصلي إلى سترة، لا يقال: قد ثبت في بعض طرقه عند البزار بإسناد صحيح، بلفظ: "ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه"؛ لأنا نقول: لم ينف السترة مطلقاً، إنما السترة التي تحول بينهم وبينه، كالجدار المرتفع الذي يمنع الرؤية بينهما، وقد صرح بمثل ذلك العراقي.
ولو سلم أن هذا يدل على نفي السترة مطلقاً لأمكن الجمع بوجه آخر، ذكره ابن دقيق العيد، وهو أن قول ابن عباس: "ولم ينكر ذلك عَلَيَّ أحد"، ولم يقل: ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، يدل على أن المرور كان بين يدي بعض الصف، ولا يلزم من ذلك اطلاع النبي ﷺ ؛ لجواز أن يكون الصف ممتداً، ولا يطلع عليه.
لا يقال: إن قوله "أحد" يشمل النبي ﷺ ؛ لأنه لا معنى للاستدلال بعدم الإنكار من غير النبي ﷺ مع حضرته، ولو سلم اطلاعه ﷺ على ذلك، كما ورد في بعض روايات الصحيح بلفظ: "فلم ينكر ذلك عليّ"، بالبناء للمجهول، لم يكن ذلك دليلاً على الجواز؛ لأن ترك الإنكار إنما جعل أن الإمام سترة للمؤتمين، ولا قطع مع السترة، لما عرفت، ولو سلم صحة الاستدلال بهذا الحديث على الجواز، وخلوصه
стр. 5620
من شوائب هذه الاحتمالات لكان غايته أن الحمار لا يقطع الصلاة، ويبقى ما عداه.
وأما الاستدلال بحديث: "لا يقطع الصلاة شيء"، فلا يتم، لعدم انتهاضه للاحتجاج به، ولو سلم انتهاضه، فهو عام مخصص بهذه الأحاديث. أما عند من يقول: إنه يبنى العام على الخاص مطلقاً فظاهر، وأما عند من يقول: إن العام المتأخر ناسخ، فلا تأخر لعدم العلم بالتاريخ، ومع عدم العلم يبنى العام على الخاص، عند الجمهور. وقد ادعى أبو الحسين الإجماع على ذلك. وأما على القول بالتعارض بين العام والخاص مع جهل التاريخ، كما هو مذهب جمهور الزيدية، والحنفية، والقاضي عبد الجبار، والباقلاني، فلا شك أن الأحاديث الخاصة فيما نحن بصدده أرجح من هذا الحديث العام.
إذا تقرر لك ما أسلفنا عرفت أن الكلب الأسود، والمرأة الحائض يقطعان الصلاة، ولم يعارض الأدلة القاضية بذلك معارض، إلا ذلك العموم على المذهب الثاني، وقد عرفت أنه مرجوح. وكذلك يقطع الصلاة الخنزير، والمجوسي، واليهودي، إن صح الحديث الوارد بذلك، وقد تقدم ما يؤيده، ويبقى النزاع في الحمار، وقد أسلفنا لك ما فيه الكفاية. وأما المرأة غير الحائض، والكلب الذي ليس بأسود، فقد عرفت الكلام فيهما. أفاده في "نيل الأوطار" جـ ٣ ص ٢٦٣ - ٢٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه العلامة الشوكاني
стр. 5621
رحمه الله تعالى هو الذي لا يتجه عندي غيره.
والحاصل أن بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار، هو الراجح لصحة دليله، وما ذكروه من المعارض ليس مقنعاً حتى نترك به النص الصريح. وأما الخنزير، والمجوسي، واليهودي فلو صح الحديث قلنا به، وقد تقدم ما يدل على صحته، فينبغي القول به. والله الهادي إلى سواء السبيل.
ثم بعد كتابتي ما تقدم رأيت الحافظ أبا بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى حقق هذا الموضوع في "صحيحه" جـ ٢ ص ٢٢ - ٢٨، وقريب منه ما ذكره تلميذه ابن حبان رحمه الله تعالى في "صحيحه" جـ ٦ ص ١٤١ - ١٥٤، مما يؤيد ما سبق تقريره. فدونك خلاصة ما قاله ابن خزيمة رحمه الله تعالى:
(باب) ذكر البيان أن النبي ﷺ إنما أراد بالمرأة التي قرنها إلى الكلب الأسود والحمار، وأعلم أنها تقطع الصلاة الحائضُ دون الطاهر، وهذا من ألفاظ المفسر، كما فسر خبر أبي هريرة، وعبد الله ابن مغفل في ذكر الكلب في خبر أبي ذر، فأجمل ذكر الكلب في خبر أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، فقال: "يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة" وبَيَّنَ في خبر أبي ذر أن الكلب الذي يقطع الصلاة هو الأسود دون غيره، وكذلك بين في خبر ابن عباس أن المرأة الحائض هي التي تقطع الصلاة، دون غيرها. ثم قال:
стр. 5622
(باب) ذكر خبر روي في مرور الحمار بين يدي النبي ﷺ ، قد يحسب بعض أهل العلم أنه خلاف خبر النبي ﷺ : "يقطع الصلاة الحمار، والكلب، والمرأة".
ثم أخرج بسنده حديث ابن عباس ﵄ المذكور هنا، ثم قال:
قال أبو بكر: وليس في هذا الخبر أن النبي ﷺ رأى الأتان تمرّ، وترتع بين يدي الصفوف، ولا أن النبي ﷺ أعلم بذلك، فلم يأمر من مرت الأتان بين يديه بإعادة الصلاة، والخبر ثابت صحيح عن النبي ﷺ أن الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار يقطع الصلاة، وما لم يثبت خبر عن النبي ﷺ بضد ذلك لم يجز القول والفتيا بخلاف ما ثبت عن النبي ﷺ .
وقد روى شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجَزّار، عن صهيب، عن ابن عباس ﵄: "جئت أنا، وغلام من بني هاشم على حمار، أو حمارين، فمررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وهو يصلي، فلم ينصرف، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فأخذتا بركبتي رسول الله ﷺ ، ففَرَعَ -أو فرق- بينهما، ولم ينصرف".
قال أبو بكر: وليس في هذا الخبر أن الحمار مرّ بين يدي رسول الله ﷺ ، وإنما قال: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وهذه اللفظة تدلّ أن ابن عباس ﵄ مر بين يدي رسول الله ﷺ ، وهو يصلي.
стр. 5623
إلا أن عبيد الله بن موسى رواه عن شعبة، قال: فمررنا بين يديه، ثم نزلنا، فدخلنا معه في الصلاة.
قال: والحكم لعبيد الله بن موسى على محمد بن جعفر محال، لاسيما في حديث شعبة، ولو خالف محمد بن جعفر عدد مثل عبيد الله في حديث شعبة لكان الحكم لمحمد بن جعفر عليهم.
وقد روى هذا الخبر منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء -وهو صهيب- قال: كنا عند ابن عباس، فذكرنا ما يقطع الصلاة، فقالوا: الحمار، والمرأة. فقال ابن عباس: لقد جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب مرتدفين على حمار، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس في أرض خلاء، فتركنا الحمار بين أيديهم، ثم جئنا حتى دخلنا بين أيديهم، فما بالَى ذلك، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلي، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا، فأخذهما رسول الله ﷺ ، فنزع إحداهما من الأخرى، فما بالى ذلك.
قال أبو بكر: وهذا الخبر ظاهره كخبر عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن الحمار إنما مر بين يدي أصحاب النبي ﷺ ، لا بين يدي النبي ﷺ ، وليس فيه أن النبي ﷺ علم بذلك، فإن كان في الخبر أن النبي ﷺ علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه، فجائز أن تكون سترة النبي ﷺ كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي ﷺ قد كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى، ولو كانت سترته لا تكون سترة لمن خلفه
стр. 5624
لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة، كاستتار النبي ﷺ بها، فحمل العنزة للنبي ﷺ يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه، كالدال على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه.
وقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم أن مجاهدًا أخبره عن ابن عباس، قال: جئت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه.
قال أبو بكر: وغير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد، على الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله. وهذه اللفظة قد رويت عن ابن عباس خلاف هذا المعنى، ثم أخرج بسنده عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: "ركزت العنزة بين يدي رسول الله ﷺ بعرفات، فصلى إليها، والحمار من وراء العنزة".
قال أبو بكر: فهذا الخبر مضاد خبر عبد الكريم (يعني ابن مالك الجزري) عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي ﷺ العنزة بين يديه بعرفة، فصلى إليها. وفي خبر عبد الكريم، عن مجاهد، قال: "وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه".
وخبر عبد الكريم، وخبر الحَكَمِ بن أَباَنَ قريب من جهة النقل؛ لأن
стр. 5625
عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي ﷺ صحاح من جهة النقل، وخبر عبد الكريم، عن مجاهد يدفعه أخبار صحاح من جهة النقل عن النبي ﷺ .
وهذا الفعل الذي ذكره عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قد زجر عن مثل هذا الفعل في خبر سهل بن أبي حَثْمة أن النبي ﷺ ، قال: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته".
وفي خبر عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: "أن النبي ﷺ ركز عنَزَة، فجعل يصلي إليها، يمر من ورائها الكلب، والمرأة، والحمار". وفي خبر الرَّبِيع بن سَبْرَة الجهني، عن النبي ﷺ : "استتروا في صلاتكم، ولو بسهم". وفي خبر أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم، فليصل إلى سترة، وليدن منها".
قال أبو بكر: فهذه الأخبار كلها صحاح، قد أمر النبي ﷺ المصلي أن يستتر في صلاته. وزعم عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة، وهو في فضاء؛ لأن عرفات لم يكن بها بناء على عهد رسول الله ﷺ يستتر به النبي ﷺ ، وقد زجر ﷺ أن يصلى المصلي إلا إلى سترة.
وفي خبر صدقة بن يسار، سمعت ابن عمر ﵄ يقول
стр. 5626
قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا إلا إلى سترة". وقد زجر ﷺ أن يصلي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يفعل ما يزجر عنه ﷺ .
وفي (١) خبر موسى بن طلحة، عن أبيه، كالدال على أن الحمار إذا مر بين يدي المصلي، ولا سترة بين يديه، ضره مرور الحمار بين يديه.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عمر ابن عبيد الطنافسي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: كنا نصلي، والدواب تمر بين أيدينا، فسألنا النبي ﷺ ؟ فقال: "مثل آخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، فلا يضره ما مر بين يديه".
حدثنا أبو موسى، حدثنا عبد الرحمن، ثنا إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، ثم لا يضره ما مر بين يديه".
قال أبو بكر: ففي قوله ﷺ : "مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه" دلالة واضحة، إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ضره مرور الدواب بين يديه.
والدواب التي تضر مرورها بين يديه هي الدواب التي أعلم النبي ﷺ أنها تقطع الصلاة، وهو الحمار، والكلب الأسود على ما
стр. 5627
أعلم المصطفى ﷺ ، لا غيرهما من الدواب التي لا تقطع الصلاة. اهـ كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في "صحيحه".
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصل من مجموع ما ذكرناه من الأدلة، ومن كلام هؤلاء الأعلام أن اتخاذ السترة واجب، وأن من صلى بدون سترة يفسد صلاته مرور المرأة الحائض، والكلب الأسود، والحمار، وأن ما ورد من مرور بعض هذه الأشياء بين يديه ﷺ ، وهو يصلي محمول على ما وراء السترة، وأن رواية "ليس شيء يستره" لا تصح، لمخالفتها للأحاديث الصحاح الكثيرة، كما أشار إليه ابن خزيمة رحمه الله تعالى، أو تحمل على نفي سترة طويلة كالجدار ونحوه كما أشار إليه غيره، ويؤيد هذا ما في الرواية الأخرى: "يصلي إلى غير جدار". هذا ما ظهر لي. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، وَهِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ، وَالْكَلْبُ". قَالَ يَحْيَى: رَفَعَهُ شُعْبَةُ.
стр. 5628
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس المتقدم في السند الماضي.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري ثقة حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦
٤ - (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، ثقة حجة من كبار [٧]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة حجة مدلس من كبار [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٦ - (جابر بن زيد) أبو الشعثاء الأزدي البصري، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٤/ ٥٨٩.
٧ - (ابن عباس) ﵄، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه عمرو بن علي ممن اتفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة، كما تقدم غير مرة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن
стр. 5629
عباس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي، أنه (قال: قلت لجابر بن زيد) أبي الشعثاء البصري (ما يقطع الصلاة؟) "ما" استفهامية، أيْ أيُّ شيء يقطع صلاة الرجل؟
(قال) جابر بن زيد: (كان ابن عباس) ﵄ (يقول:) يقطع الصلاة (المرأة الحائض، والكلب) وهو مذهب ابن عباس ﵄، وعطاء؛ قالا: لا يقطع الصلاة إلا مرور المرأة الحائض، والكلب، أي الأسود، كما صرح به في رواية ابن ماجه.
(قال يحيى) بن سعيد القطان الراوي عن شعبة، وهشام (رفعه شعبة) أي رفع شعبة في روايته هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، ولم يرفعه هشام الدستوائي.
وحاصل المعنى أن هذا الحديث اختلف الرواة عن قتادة في رفعه، ووقفه؛ فرفعه شعبة، ووقفه غيره على ابن عباس، منهم هشام، كما قال المصنف، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى العَوْذي، كما قال أبو داود.
ونصه في سننه: "حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، ثنا قتادة،
стр. 5630
قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، رفعه شعبة، قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب.
قال أبو داود: أوقفه سعيد، وهشام، وهمام عن قتادة، عن جابر ابن زيد على ابن عباس. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي -كما تقدم عن الحافظ العراقي- صحة الرفع؛ لأنه زيادة ثقة حافظ، فإن شعبة إمام حجة ثبت، فلا يضر مخالفة غيره له، وأيضاً فلا تخالف بين الرفع، والوقف؛ لأن من رفع نقل الحديث، ومن وقف نقل الفتوى، فابن عباس ﵄ روى الحديث، وأفتى بموافقة ما رواه. والله أعلم.
والحديث أخرجه المصنف أيضاً في "الكبرى" (٦/ ٨٢٧) بالسند المذكور.
وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى، عن شعبة، به.
قال الحافظ المزي ﵀ في "تحفته" جـ ٤ ص ٣٧٢: رواه بهز، وعفان، عن همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس. اهـ.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" جـ ٢ ص ٢٧٤، من طريق ابن المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت
стр. 5631
جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب".
قال يحيى -هو القطان-: لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غيرُ شعبة. قال يحيى: وأنا أَفْرَقُهُ، قال: ورواه ابن أبي عروبة، وهشام، عن قتادة -يعني موقوفاً-. قال يحيى: وبلغني أن همام يدخل بين قتادة وبين جابر بن زيد أبا الخليل، قال علي: ولم يرفع همام الحديث.
قال البيهقي ﵀: والثابت عن ابن عباس أن شيئاً من ذلك لا يفسد الصلاة، ولكن يكره، وذلك يدل مع قوله: "يقطع" على أن المراد بالقطع غير الإفساد. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم بيان ما يتعلق بالحديث من بيان مذاهب أهل العلم، وذكر أدلته، وترجيح الراجح بدليله، وغير ذلك، مستوفى في الحديث السابق فلا حاجة إلى إعادته. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "جِئْتُ أَنَا، وَالْفَضْلُ، عَلَى أَتَانٍ لَنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا فَمَرَرْنَا
стр. 5632
عَلَى بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْنَا، وَتَرَكْنَاهَا تَرْتَعُ، فَلَمْ يَقُلْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الخُزَاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة، توفي سنة ١٩٨، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الحجة الثبت، توفي سنة ١٢٥، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت، فقيه، توفي سنة ٩٤، من [٣]، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر، ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وفيه رواية تابعي، عن تابعي،
стр. 5633
وفيه أحد الفقهاء السبعة؛ عبيد الله، وفيه ابن عباس أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وآخر من مات بالطائف من الصحابة، ﵃ أجمعين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: جئت أنا) أتى بالضمير المنفصل؛ لأنه إذا عطف على ضمير الرفع المتصل وجب الفصل بينه وبين ما عطف عليه بشيء، إلا في الشعر، والغالب كون الفصل بالضمير المنفصل، كما في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] قال ابن مالك رحمه الله تعالى:
وإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصلْ … عَطفْتَ فَافْصِلْ بالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وفَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْل يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(والفضل) بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي شقيق عبد الله، وأكبر أولاد العباس، أبو عبد الله، ويقال: أبو العباس، ويقال: أبو محمد المدني، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية.
أردفه رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وحضر غسل رسول الله ﷺ (١).
стр. 5634
روى عن النبي ﷺ . وعنه أخواه: عبد الله، وقُثَم، وابن أخيه عباس بن عبيد الله بن عباس، وابن عمه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعمير مولى أم الفضل، وأبو معبد وكريب، موليا ابن عباس، وأبو هريرة، وسليمان بن يسار، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وقيل: إنه لم يسمع منه سوى أخيه عبد الله، وأبي هريرة، ورواية من ذكرنا هنا عنه مرسلة.
قال الحافظ ﵀: رواية ربيعة بن الحارث عنه ممكنة، لا أعلم من نص على أنه لم يسمع منه، وأما رواية الباقين عنه، فظاهرة الإرسال، لقدم موته.
قال عباس الدوري عن ابن معين: قتل يوم اليرموك، وعليه درع النبي ﷺ . وقال أبو داود: قتل بدمشق. وقال الواقدي: مات بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة. وقال ابن سعد: كان أسن أولاد العباس، وثبت يوم حنين، ومات بناحية الأردن في خلافة عمر ﵁. أخرج له الجماعة.
(على أتان لنا) -بفتحتين- الأنثى من الحمير. قال ابن السّكِّيت: ولا يقال: أتانة، وجمع القلة آتُنٌ، مثل عَنَاق وأعْنُق، وجمع الكثرة أتُنٌ -بضمتين- قاله الفيّومي. وقال المجد: "الأتَان": الحمارة، والأتانة قليلة، والجمع آتُن، وأتُن، وأتْن.
стр. 5635
وعند الشيخين "على حمارٍ أتانٍ". قال الحافظ رحمه الله تعالى: "حمار" اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، كقولك: بعير. وقد شذ حمارة في الأنثى، حكاه في الصحاح. وأتان -بفتح الهمزة، وشذ كسرها- كما حكاه الصغاني: هي الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى: أتانة. حكاه يونس، وأنكره غيره. فجاء في الرواية على اللغة الفصحى.
وحمار أتان بالتنوين فيهما على النعت، أو البدل، وروي بالإضافة. وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة؛ لأنهن أشرف. وهو قياس صحيح من حيث النظر، إلا أن الخبر الصحيح لا يُدفَع بمثله. اهـ "فتح" جـ ١ ص ٢٣١.
والجار والمجرور الأول متعلق بحال مقدر من الفاعل، أي حال كوننا راكبين على أتان. والثاني متعلق بصفة "أتان"، أي كائنة لنا.
وزاد في العلم من "الكبرى" جـ ٣ ص ٤٣٨: "وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام". وهي رواية الشيخين أيضاً. ومعنى "ناهزت": قاربت.
وهو يؤيد -كما قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ قولَ مَن قال: إن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقولَ من قال: إن النبي ﷺ مات، وابنُ عباس ابن ثلاث عشرة سنة، خلافاً لمن قال غير ذلك، مما
стр. 5636
لا يقارب البلوغ. اهـ. "إحكام" جـ ٢ ص ٤٥٧.
(ورسول الله ﷺ يصلي) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل أيضاً (بالناس) متعلق بـ "يصلي" (بعرفة) متعلق بـ "يصلي" أيضاً، وتكون الباء بمعنى "في" لئلا يتحد الجاران المتعلقان بفعل واحد، أو الباء الأولى بمعنى اللام، أو "بعرفة" متعلق بحال محذوف، أي حال كونه كائناً بعرفة.
هكذا الرواية عند المصنف من رواية ابن عيينة "بعرفة"، وكذا وقع عند مسلم من روايته.
ووقع في "الكبرى" للمصنف -وهو الذي عند الشيخين- من رواية مالك "بمنى"، وكذا هو عند أكثر أصحاب الزهري. قال الحافظ ﵀: قال النووي ﵀: يحمل ذلك على أنهما قضيتان. وتعقب بأن الأصل عدم التعدد، ولاسيما مع اتحاد مخرج الحديث، فالحق أن قول ابن عيينة: "بعرفة" شاذ.
قال الجامع: عندي أن ما قاله النووي ﵀ من الحمل على تعدد الواقعة أولى من تغليط إمام حافظ، ولاسيما ابن عيينة، ومما يؤيد هذا أن في رواية ابن عيينة "قال: جئت أنا، والفضل على أتان"، فكأن
стр. 5637
ابن عباس كان راكباً مع الفضل، وفي رواية مالك "قال: أقبلت راكباً على حمار"، فالظاهر أنه وحده. ولا يضر اتحاد المخرج في مثل هذا، فكم من أحاديث يجمع بينها بهذا الطريق. والله أعلم.
ووقع عند مسلم أيضاً من رواية معمر، عن الزهري: "وذلك في حجة الوداع، أو الفتح" وهذا الشك من معمر لا يعوّل عليه، والحق أن ذلك كان في حجة الوداع. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ١٥١.
ورواية البخاري: "يصلي إلى غير جدار"، أي يصلي إلى سترة غيرِ جدار، وقيل: يصلي إلى غير سترة، ونسب هذا التفسير إلى الشافعي رحمه الله تعالى، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وسياق الكلام يدل على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: "والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس شيء يستره". اهـ "فتح" جـ ١ ص ٢٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن التفسير الأول هو الأولى، كما جنح إليه البخاري ﵀ في "صحيحه"، حيث استدل به على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وهو الذي مال إليه النووي ﵀ في شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٢٢ حيث قال عند ذكر فوائد الحديث ما نصه: وفي هذا الحديث أن صلاة الصبي صحيحة، وأن سترة الإمام بنفسها سترة لمن خلفه. اهـ.
(ثم ذكر) الظاهر أن الفاعل ضمير ابن عباس، أي ذكر ابن عباس
стр. 5638
رضي الله تعالى عنهما (كلمة معناها: فمررنا على بعض الصف)، ولفظ البخاري: "فمررت بين يدي بعض الصف" (فنزلنا) أي عن الأتان، (وتركناها ترتع) أي تأكل ما تشاء؛ من رَتَعَت الماشية تَرْتَعُ رَتْعاً، من باب نفع، ورُتُوعاً: رَعَت كيف شاءت. قاله الفيومي. وقال في الفتح: وقيل: تسرع في المشي. وجاء أيضاً بكسر العين، على وزن تفتعِلُ، من الرَّعْيِ، وأصله ترتعي، لكن حذفت الياء تخفيفاً، والأول أصوب، ويدل عليه رواية البخاري في الحج: "نزلت عنها، فرتعت". اهـ.
(فلم يقل لنا رسول الله ﷺ شيئاً)؛ أي لم ينكر علينا في ذلك.
قال العلامة السندي رحمه الله تعالى: ولا دلالة في الحديث على أن مرور الحمار لا يقطع، لما تقرر أن سترة الإمام سترة القوم، فلا يتحقق المرور المضر في حق الإمام والقوم، إلا إذا مرت بين يدي الإمام ما بينه وبين السترة، ولا دلالة لحديث ابن عباس ﵄ على ذلك. اهـ. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ متفق عليه.
стр. 5639
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٧٥٢)، و"الكبرى" (٦/ ٨٢٨)، بالسند المذكور، وفي العلم منه (١٧/ ٥٨٦٤)، عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه:
فأخرجه البخاري في "العلم" عن إسماعيل بن أبي أويس، وفي "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، والقعنبي -فرقهما- ثلاثتهم عن مالك، وفي الحج عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، وفي المغازي تعليقاً. وقال الليث: حدثني يونس، وعن يحيى ابن قَزَعَةَ، عن مالك.
ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن يحيى ابن يحيى، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم -ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر- خمستهم عنه به.
وأبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان به. وعن
стр. 5640
القعنبي، عن مالك به.
والترمذي فيه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يزيد ابن زريع، عن معمر نحوه، وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن هشام بن عمار، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو عدم قطع الصلاة بمرور الحمار وراء السترة، والظاهر أنه يحمل مرور ابن عباس والفضل على الحمار وراء السترة، وهذا هو الذي يترجح عندي كما مر تقريره.
ومنها: أن فيه دليلاً على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وعلى هذا بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، حيث قال: "باب سترة الإمام سترة من خلفه".
وأورده الطبراني في الأوسط حديثاً، من طريق سويد بن عبد العزيز، عن عاصم، عن أنس ﵁ مرفوعاً: "سترة الإمام سترة لمن خلفه". وقال: تفرد به سويد، عن عاصم. اهـ. وسويد ضعيف عندهم. وورد أيضاً في حديث موقوف على ابن عمر ﵄، أخرجه عبد الرزاق.
قيل: واستدل به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون