لا يقارب البلوغ. اهـ. "إحكام" جـ ٢ ص ٤٥٧.
(ورسول الله ﷺ يصلي) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل أيضاً (بالناس) متعلق بـ "يصلي" (بعرفة) متعلق بـ "يصلي" أيضاً، وتكون الباء بمعنى "في" لئلا يتحد الجاران المتعلقان بفعل واحد، أو الباء الأولى بمعنى اللام، أو "بعرفة" متعلق بحال محذوف، أي حال كونه كائناً بعرفة.
هكذا الرواية عند المصنف من رواية ابن عيينة "بعرفة"، وكذا وقع عند مسلم من روايته.
ووقع في "الكبرى" للمصنف -وهو الذي عند الشيخين- من رواية مالك "بمنى"، وكذا هو عند أكثر أصحاب الزهري. قال الحافظ ﵀: قال النووي ﵀: يحمل ذلك على أنهما قضيتان. وتعقب بأن الأصل عدم التعدد، ولاسيما مع اتحاد مخرج الحديث، فالحق أن قول ابن عيينة: "بعرفة" شاذ.
قال الجامع: عندي أن ما قاله النووي ﵀ من الحمل على تعدد الواقعة أولى من تغليط إمام حافظ، ولاسيما ابن عيينة، ومما يؤيد هذا أن في رواية ابن عيينة "قال: جئت أنا، والفضل على أتان"، فكأن
стр. 5637
ابن عباس كان راكباً مع الفضل، وفي رواية مالك "قال: أقبلت راكباً على حمار"، فالظاهر أنه وحده. ولا يضر اتحاد المخرج في مثل هذا، فكم من أحاديث يجمع بينها بهذا الطريق. والله أعلم.
ووقع عند مسلم أيضاً من رواية معمر، عن الزهري: "وذلك في حجة الوداع، أو الفتح" وهذا الشك من معمر لا يعوّل عليه، والحق أن ذلك كان في حجة الوداع. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ١٥١.
ورواية البخاري: "يصلي إلى غير جدار"، أي يصلي إلى سترة غيرِ جدار، وقيل: يصلي إلى غير سترة، ونسب هذا التفسير إلى الشافعي رحمه الله تعالى، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وسياق الكلام يدل على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: "والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس شيء يستره". اهـ "فتح" جـ ١ ص ٢٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن التفسير الأول هو الأولى، كما جنح إليه البخاري ﵀ في "صحيحه"، حيث استدل به على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وهو الذي مال إليه النووي ﵀ في شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٢٢ حيث قال عند ذكر فوائد الحديث ما نصه: وفي هذا الحديث أن صلاة الصبي صحيحة، وأن سترة الإمام بنفسها سترة لمن خلفه. اهـ.
(ثم ذكر) الظاهر أن الفاعل ضمير ابن عباس، أي ذكر ابن عباس
стр. 5638
رضي الله تعالى عنهما (كلمة معناها: فمررنا على بعض الصف)، ولفظ البخاري: "فمررت بين يدي بعض الصف" (فنزلنا) أي عن الأتان، (وتركناها ترتع) أي تأكل ما تشاء؛ من رَتَعَت الماشية تَرْتَعُ رَتْعاً، من باب نفع، ورُتُوعاً: رَعَت كيف شاءت. قاله الفيومي. وقال في الفتح: وقيل: تسرع في المشي. وجاء أيضاً بكسر العين، على وزن تفتعِلُ، من الرَّعْيِ، وأصله ترتعي، لكن حذفت الياء تخفيفاً، والأول أصوب، ويدل عليه رواية البخاري في الحج: "نزلت عنها، فرتعت". اهـ.
(فلم يقل لنا رسول الله ﷺ شيئاً)؛ أي لم ينكر علينا في ذلك.
قال العلامة السندي رحمه الله تعالى: ولا دلالة في الحديث على أن مرور الحمار لا يقطع، لما تقرر أن سترة الإمام سترة القوم، فلا يتحقق المرور المضر في حق الإمام والقوم، إلا إذا مرت بين يدي الإمام ما بينه وبين السترة، ولا دلالة لحديث ابن عباس ﵄ على ذلك. اهـ. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ متفق عليه.
стр. 5639
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٧٥٢)، و"الكبرى" (٦/ ٨٢٨)، بالسند المذكور، وفي العلم منه (١٧/ ٥٨٦٤)، عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه:
فأخرجه البخاري في "العلم" عن إسماعيل بن أبي أويس، وفي "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، والقعنبي -فرقهما- ثلاثتهم عن مالك، وفي الحج عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، وفي المغازي تعليقاً. وقال الليث: حدثني يونس، وعن يحيى ابن قَزَعَةَ، عن مالك.
ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن يحيى ابن يحيى، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم -ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر- خمستهم عنه به.
وأبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان به. وعن
стр. 5640
القعنبي، عن مالك به.
والترمذي فيه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يزيد ابن زريع، عن معمر نحوه، وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن هشام بن عمار، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو عدم قطع الصلاة بمرور الحمار وراء السترة، والظاهر أنه يحمل مرور ابن عباس والفضل على الحمار وراء السترة، وهذا هو الذي يترجح عندي كما مر تقريره.
ومنها: أن فيه دليلاً على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وعلى هذا بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، حيث قال: "باب سترة الإمام سترة من خلفه".
وأورده الطبراني في الأوسط حديثاً، من طريق سويد بن عبد العزيز، عن عاصم، عن أنس ﵁ مرفوعاً: "سترة الإمام سترة لمن خلفه". وقال: تفرد به سويد، عن عاصم. اهـ. وسويد ضعيف عندهم. وورد أيضاً في حديث موقوف على ابن عمر ﵄، أخرجه عبد الرزاق.
قيل: واستدل به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون
стр. 5641
ناسخاً لحديث أبي ذر ﵁ -الذي تقدم أول الباب رقم ٧٥٠ في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا مرور المرأة، والكلب الأسود. وتعقب بأن مرور الحمار متحقق في حال مرور ابن عباس ﵄، وهو راكبه، وقد تقدم أن ذلك لا يضر؛ لكون سترة الإمام سترة لمن خلفه، وأما مروره بعد أن نزل عنه فيحتاج إلى نقل.
وقال ابن عبد البر ﵀: حديث ابن عباس هذا يخصص حديث أبي سعيد: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه"، فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره مَنْ مر بين يديه، لحديث ابن عباس هذا. قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء. وكذا نقل عياض الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا، هل سترتهم سترة الإمام، أم سترتهم الإمام نفسه. اهـ.
قال الجامع: وفي دعوى الاتفاق -كما قال الحافظ- نظر، لما رواه عبد الرزاق، عن الحكم بن عمرو الغفاري الصحابي ﵁، أنه صلى بأصحابه في سفر، وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة. وفي رواية له أنه قال لهم: إنها لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم، فان هذا يعكر على ما نقل من الاتفاق.
стр. 5642
قال في "الفتح" جـ ٢ ص ١٥٢: ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مر بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول: إن سترة الإمام سترة من خلفه، يضر صلاته، وصلاتهم معاً، وعلى قول من يقول: إن الإمام نفسه سترة من خلفه يضر صلاته، ولا يضر صلاتهم. اهـ.
قال الجامع: القول الأول عندي هو الأولى. والله أعلم.
ومنها: جواز الارتداف على الدابة إذا كانت مطيقة لذلك.
ومنها: أنه إذا فعل بين يدي النبي ﷺ شيء، ولم ينكره، فهو حجة.
ومنها: أن في قول ابن عباس: "وأنا يومئذ قد ناهزت البلوغ" جواز سماع الصغير، وضبطه السنن، إذا كان مميزاً، وأن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء.
وقد بوب البخاري ﵀ في "صحيحه" في كتاب "العلم" على هذا، حيث قال: "باب متى يصح سماع الصغير"، ثم أورد حديث ابن عباس ﵄، وحديث محمود بن الربيع، قال: "عقلت من النبي ﷺ مَجَّةً مجَّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين، من دلو". ومثل الصبي في ذلك: الفاسق، والكافر.
وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"
стр. 5643
حيث قال:
وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِباً قَدْ حَمَلَا … أَوْ فِسْقِهِ ثُمَّ رَوَى إذْ كَمَلَا
يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُشْتَهِرُ … لَا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ
تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا … قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: "حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبَّاسًا، فِي بَادِيَةٍ لَنَا، وَلَنَا كُلَيْبَةٌ، وَحِمَارَةٌ، تَرْعَى، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعَصْرَ، وَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يُزْجَرَا، وَلَمْ يُؤَخَّرَا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (عبد الرحمن بن خالد) بن يزيد القطان الواسطي، ثم الرَّقّيّ، صدوق، من [١١].
стр. 5644
قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: هو الواسطي، دخل الشام، وحدث بها. قال أبو علي الحراني: مات سنة ٢٥١.
روى عنه أبو داود، والمصنف.
٢ - (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصيصي، ترمذي الأصل، نزيل بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت اختلط في آخر عمره لمّا قدم بغداد، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]. أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، نسب لجده، المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلس، ويرسل، توفي سنة ١٥٠ أو بعدها، من [٦]. أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (محمد بن عُمَرَ بن علي) بن أبي طالب، الهاشمي، أمه أسماء بنت عَقِيل، صدوق من [٦].
روى عن جده مرسلاً، وأبيه، وعمه محمد بن الحنفية، وابن عمه علي بن الحسين بن علي، والعباس بن عبيد الله بن العباس، وعبيد الله ابن أبي رافع، وكريب، مولى ابن عباس، وغيرهم.
روى عنه أولاده: عبد الله، وعبيد الله، وعمر، وابن جريج، وابن إسحاق، ويحيى بن أيوب، وهشام بن سعد، وغيرهم. قال ابن سعد:
стр. 5645
قد روي عنه، وكان قليل الحديث، وكان قد أدرك أول خلافة بني العباس. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روَى عن علي. وقال ابن القطان: حاله مجهول، ولكن زعم أنه محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال الحافظ ﵀: وأظنه وَهِمَ في ذلك. أخرج له الأربعة.
٥ - (عباس بن عبيد الله بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي مقبول، من [٤].
روى عن عمه الفضل، وخالد بن يزيد بن معاوية، ومحمد بن مسلمة صاحب أبي هريرة. وعنه محمد بن عمر بن علي، وابن جريج، وأيوب السختياني، وموسى بن جبير.
ذكره ابن حبان في "الثقات". روى له أبو داود، والمصنف هذا الحديث، فقط. وقد أعله ابن حزم بالانقطاع، قال: لأن عباساً لم يدرك عمه الفضل. قال الحافظ: وهو كما قال. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.
٦ - (الفضل بن العباس) بن عبد المطلب ﵄، تقدمت ترجمته في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم.
стр. 5646
شرح الحديث
(عن الفضل بن العباس) ﵄ أنه (قال: زار رسول الله ﷺ عباسًا) أي قصده إكراماً له، واستئناساً به. يقال: زاره زِيارةً، وزَوْراً: قصده، فهو زائر، وزَوْرٌ، وقوم زَوْرٌ، وزُوّارٌ، مثل سافر، وسفر، وسُفَّار، ونسوة زَوْرٌ أيضاً، وزُوَّرٌ، وزائرات، والمَزَار يكون مصدراً، وموضع الزيارة، والزيارة في العرف: قصد المزور، إكراماً له، واستئناساً به. اهـ. "المصباح".
(في بادية) خلاف الحضر، ويقال فيها: البَادَاة، والبَدْو -بفتح، فسكون- والبَدَاوَة -بالفتح، وقد تكسر، وحكى بعضهم فيها الضم-، والنسبة: بَدَاوي، كسَخَاوي، وبِدَاوي -بالكسر- وبَدَوِي -محركة نادر. قاله في "ق". والجار والمجرور متعلق بـ "زار".
وقوله (لنا) متعلق بصفة مقدرة لـ "بادية"، أي كائنة لنا (ولنا كليبة) تصغير كلبة، أنثى كلب، والجملة في محل نصب على الحال، (وحمارة) عطف على "كلبة" وهي أنثى حمار، وتقدم أنها نادرة، والأكثر في الأنثى أتَان (ترعى) مضارع رَعَت الماشيةُ، تَرْعَى رَعْياً، فهي راعية: إذا سَرَحَتْ بنفسها. والجملة في محل رفع صفة "حمارة".
(فصلى النبي ﷺ العصر) زاد في رواية أبي داود: "ليس بين يديه سترة" (وهما بين يديه) جملة من المبتدأ والخبر في محل نصب على الحال، أي والحال أن الكلبة والحمار بين يدي النبي ﷺ . وفي رواية
стр. 5647
أبي داود: "وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه"، أي تلعبان أمامه، وهي أصرح من رواية المصنف في الدلالة على المرور (فلم يزجرا، ولم يؤخرا) ببناء الفعلين للمفعول. أي لم يمنعا عن العبث بين يديه، ولم يؤخرا عن الأمام إلى الخلف. وعند أبي داود "فما بالى ذلك" أي لم يَعُدّ مرورهما شيئاً قاطعاً للصلاة.
والحديث يدل على أن مرور الكلب والحمار لا يقطع الصلاة، ولكنه ضعيف لانقطاع سنده، فلا يعارض حديث أبي ذر ﵁ المتقدم الصحيح الدال على أن مرور المرأة، والكلب الأسود، والحمار، يقطع الصلاة.
قال السندي: ولا دلالة في الحديث على المرور بين المصلي والسترة، ولا أن الكلبة كانت سوداء، وكذا في دلالة الأحاديث اللاحقة على أن المرور لا يقطع بحث، فهذه الأحاديث لا تعارض حديث القطع أصلاً. اهـ. جـ ٢ ص ٦٥.
قال الجامع: قوله: "بين المصلي والسترة" فيه نظر، حيث إنه لم يكن هناك سترة، كما صرحت به رواية أبي داود المتقدمة. فالأولى في الجواب ما ذكرته من الضعف بسبب الانقطاع. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 5648
حديث الفضل بن عباس ﵄ هذا ضعيف.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٧٥٣)، وفي "الكبرى" (٦/ ٨٢٩)، بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي، به، نحوه. وأخرجه أحمد، والدارقطني، والبيهقي. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: "حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنَّ الْحَكَمَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ الْجَزَّارِ، يُحَدِّثُ عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، هُوَ وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى حِمَارٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَنَزَلُوا، وَدَخَلُوا مَعَهُ، فَصَلَّوْا، وَلَمْ يَنْصَرِفْ، فَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ تَسْعَيَانِ، مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَتَا بِرُكْبَتَيْهِ، فَفَرَعَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَنْصَرِفْ".
стр. 5649
رجال الإسناد: سبعة
١ - (أبو الأشعث) أحمد بن المِقْدَام العجلي، بصري صدوق، صاحب حديث، طعن فيه أبو داود في مروءته، توفي سنة ٢٥٣، من [١٠]، تقدم في ١٣٨/ ٢١٩.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة، ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (الحكم) بن عتيبة الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه ربما دلس، من [٥]، تقدم في ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (يحيى بن الجَزَّار) بفتح الجيم، ثم الزاي -العُرَني- بضم المهملة، وفتح الراء، ثم نون -الكوفي، قيل: اسم أبيه زَبّان -بزاي، وموحدة- وقيل: بل هو لقبه، صدوق رمي بالغلو في التشيع من [٣].
روى عن علي، وأُبَيّ بن كعب، وابن عباس، والحسن بن علي، وعائشة، وأم سلمة ﵃. وغيرهم. قال الجوزجاني: كان غالياً مفرطاً. وقال أبو زرعة، والنسائي، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال محمود بن غيلان، عن شبابة، عن شعبة: لم يسمع يحيى بن الجزار من علي إلا ثلاثة أحاديث: أحدها أن النبي ﷺ كان على فُرْضَة
стр. 5650
من فُرَض الخندق، والآخر سئل علي عن يوم الحج الأكبر، ونسي محمود الثالث.
وقال ابن سعد: كان يغلو في التشيع، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي، عن الحكم بن عتيبة أنه قال: كان يحيى بن الجزار يغلو في التشيع، وقال حرب: قلت لأحمد: هل سمع من علي؟ قال: لا.
وقال ابن أبي خيثمة: لم يسمع من ابن عباس. قال الحافظ: كذا رأيت هذا بخط مغلطاي، وفيه نظر؛ فإن ذلك إنما وقع في حديث مخصوص، وهو حديثه عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي، فذهب جَدْيٌ يمر بين يديه" … الحديث.
قال ابن أبي خيثمة: رواه عفان، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عنه، عن ابن عباس، قال: ولم أسمعه منه، وهو في كتاب أبي داود عن سليمان بن حرب، وغيره، عن شعبة، عن عمرو، عن يحيى، عن ابن عباس، ولم يقل في سياقه: "ولم أسمعه منه"، ولذلك رواه ابن أبي شيبه كما رواه ابن أبي خيثمة.
أخرج له الجماعة، إلا البخاري.
٦ - (صهيب) أبو الصهباء البكري البصري، أو المدني مولى ابن عباس، مقبول من [٤].
قال أبو زرعة: ثقة. وقال النسائي: أبو الصهباء صهيب بصري
стр. 5651
ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات. له في مسلم ذكر في حديث داود عن أبي نضرة، عن أبي سعيد في الصرف. أخرج له أبو داود، والمصنف.
٧ - (ابن عباس) ﵄. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن صهيب، قال: سمعت ابن عباس) ﵄ (يحدث أنه مر بين يدي رسول الله ﷺ ، هو وغلام من بني هاشم) وعند أبي داود: "عن أبي الصهباء، قال: تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس ﵄، فقال: جئت أنا، وغلام من بني عبد المطلب" (على حمار) متعلق بحال مقدر من الفاعل، أي والحال أنا راكبان على حمار.
(بين يدي رسول الله ﷺ ) هكذا عند المصنف بتكرار الظرف، فيحتمل أن يكون تأكيداً للظرف الأول، أو متعلقاً بصفة مقدر لـ "حمار"، أي كائن بين يدي رسول الله ﷺ . ولعل فائدة إعادته أن لا يظن أن مرورهما كان بعد النزول عن الحمار، فبَيَّنَ أنهما مرّا بين يديه ﷺ ، وهما راكبان. والله أعلم.
ثم إن هذا المرور محمول على أنه كان وراء السترة، جمعًا بينه وبين أحاديث السترة. كما يأتي تحقيقه. إن شاء الله تعالى.
стр. 5652
(وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال (فنزلوا) أي مَن كان على الحمار. قاله السندي. وعند أبي داود: "فنزل، ونزلت، وتركنا الحمار أمام الصف، فما بالاه" (ودخلوا معه، فصلَّوا) أي دخلوا معه ﷺ في الصلاة التي كان يصليها، فصلوا معه تلك الصلاة.
(فجاءت جاريتان) أي صغيرتان، تثنية جارية، وهي في الأصل الشابة، ثم توسعوا حتى سموا كل أمة جارية، وإن كانت عجوزاً لا تقدر على السعي، تسمية بما كانت عليه، وجمعها جوار. وسميت جارية تشبيهاً لها بالسفينة، لجريها مسخرة في أعمال مواليها. أفاده في المصباح.
(تسعيان) أي تهرولان، وتسرعان، والجملة في محل رفع صفة لـ "جاريتان"، وفي رواية لأبي داود: "فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا".
(من بني عبد المطلب) متعلق بمحذوف صفة بعد صفة لـ "جاريتان"، أو حال (فأخذتا بركبتيه) أي بركبتي النبي ﷺ ، تستغيثان به.
(ففرع بينهما) -بفاء مفتوحة، وراء وعين مهملتين، ويجوز في الراء التخفيف، والتشديد- من الفَرعْ، أو التفريع، وهو الحجز، والفرق. قال ابن منظور: وفرعَ بين القوم يفرعَ فَرْعاً -أي من باب نَفَعَ-: حجز، وأصلح. ويقال: فَرَّعَ يفَرِّع أيضاً -بالتضعيف- اهـ. أي حجز
стр. 5653
بين الجاريتين المتقاتلتين. وفي رواية لأبي داود: "فنزع إحداهما من الأخرى، فما بالى ذلك".
(ولم ينصرف) أي لم يرجع عن الصلاة، وفيه أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة، لكن هذا لا يعارض ما تقدم من قطع المرأة الصلاة؛ لأن ذلك خاص بالمرأة الحائض، وهاتان الجاريتان ليستا حائضتين، فتنبه. والله أعلم.
وقال السندي ﵀: ولو سُلّم مرور الجاريتين بين يديه، أي بينه وبين السترة، فالجواب أن الذي يقطع الصلاة مرور البالغة؛ لأنها المتبادرة من اسم المرأة، ويدل عليه رواية "المرأة الحائض". والله أعلم. اهـ.
قال الجامع: الأولى حمل "الحائض" على التي بها الحيض، لا البالغة؛ لأنها الحقيقة المتبادرة، ولا داعي إلى حمله على البالغة، كما تقدم. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه المصنف هنا (٧/ ٧٥٤)، وفي "الكبرى" (٦/ ٨٣٠)، بالسند
стр. 5654
المذكور. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، وداود بن مِخْراق الفريابي، كلاهما عن جرير بن عبد الحميد -وعن مسدد، عن أبي عوانة، كلاهما عن منصور- عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن صهيب أبي الصهباء، عنه.
وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والبيهقي.
وفوائد الحديث، وأقوال أهل العلم في حكمه تعلم مما تقدم من الأحاديث، فلا حاجة إلى إعادتها. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: "حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ، كَرِهْتُ أَنْ أَقُومَ، فَأَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، انْسَلَلْتُ انْسِلَالاً".
стр. 5655
رجال الإسناد: سبعة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري أبو مسعود البصري ثقة، توفي سنة ٢٤٨، من [١٠]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري، توفي سنة ١٦٠، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (منصور) بن المعتمر أبو عتّاب الكوفي ثقة حجة ثبت، توفي سنة ١٣٢، تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (إِبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه، ثقة، توفي سنة ٩٦، من [٥]، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي مخضرم ثقة فقيه، توفي سنة ٤٧، من [٢]، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، ورواية تابعي، عن تابعي، وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقين كوفيون، إلا عائشة فمدنية، وأنها من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ من الحديث. والله تعالى أعلم.
стр. 5656
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂ أنها (قالت: كنت بين يدي رسول الله ﷺ ) وفي رواية الشيخين من طريق الأعمش، عن مسلم ابن صُبَيح، عن مسروق، عن عائشة ﵂: "ذُكِرَ عندها ما يقطع الصلاة -الكلب، والحمار، والمرأة- فقالت: شبهتمونا بالحمر، والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي، وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي النبي ﷺ ، فأنسلّ من عند رجليه".
ولمسلم من طريق أبي بكر بن حفص، عن عروة، قال: قالت عائشة: "ما يقطع الصلاة؟ فقلت: المرأة، والحمار. فقالت: إن المرأة لدابة سوء، لقد رأيتني بين يدي رسول الله ﷺ معترضة كاعتراض الجنازة، وهو يصلي".
(وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أنه ﷺ يصلي صلاة الليل (فإِذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم، فأمرّ) بالنصب عطفاً على "أقوم" (بين يديه) ﷺ (انسللت انسلالاً) أي خرجت بتأنٍّ وتدريج، وهذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدر، كأنه قيل لها: فماذا تفعلين؟ فقالت: انسللت انسلالاً.
وهذا الحديث لا يدل على مرور المرأة أمَام المصلي؛ إذ الانسلال غير المرور، فلا يتم الاستدلال به على جواز مرورها أمَامه. فتبصر.
وقال في "الفتح": الظاهر أن عائشة إنما أنكرت إطلاق كون المرأة
стр. 5657
تقطع الصلاة في جميع الحالات، لا المرور بخصوصه. اهـ. جـ ٢ ص ١٧٤.
وقد تقدم تمام البحث في التوفيق بين الأحاديث في شرح حديث أبي ذر ﵁ مستوفى، فراجعه تستفد. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٧٥٥)، وفي "الكبرى" (٦/ ٨٣١) بالسند المذكور. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عثمان، ومسلم فيه عن إسحاق بن إبراهيم -كلاهما عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عنها.
وبقية مباحث الحديث واضحة مما تقدم. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5658
٨ - التَّشْدِيدُ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على التشديد والوعيد على من يمر بين المصلي وبين سترته.
٧٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ، يَسْأَلُهُ، مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الحجة الفقيه المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٩، من [٥]، تقدم في ٩٦/ ١٢١.
стр. 5659
٤ - (بسر بن سعيد) المدني العابد، ثقة جليل، توفي سنة ١٠٠، من [٢]، تقدم في ٥١٧.
٥ - (أبو جُهَيم) -بالتصغير- بن الحارث بن الصِمّة -بكسر المهملة، وتشديد الميم- بن عمرو الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله، وقد ينسب لجده، وقيل: هو عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة، وقيل: اسمه الحارث بن الصمة، وقيل: هو آخر غيره، صحابي معروف، وهو ابن أخت أُبَي بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية ﵄. روى عن النبي ﷺ ، وعنه بشر بن سعيد الحضرمي، وأخوه مسلم بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة.
قال الحافظ (١): وصحح الحاكم كون الحارث اسم أبيه، لا اسمه. وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جهيم، أبو جهيم، فرق بينه وبين ابن الصمة. وفي أسد الغابة، عن الاستيعاب، والمعرفة: عبد الله بن جهيم ابن الحارث بن الصمة، فذكره؛ جعل الحارث جده، وهكذا قاله ابن منده، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم. والله أعلم. أخرج له الجماعة. له أحاديث، اتفق الشيخان منها على حديثين. والله تعالى أعلم.
стр. 5660
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلاني، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو جهيم ﵁ من المشهورين بالكنية، وهذا الباب أول موضع ذكره في هذا الكتاب، وهو من المقلين في الرواية، فليس له في الكتب الستة، إلا هذا الحديث، وآخر في التيمم، وقد تقدم برقم ١٩٥/ ٣١١. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن بسر بن سعيد) المدني العابد (أن زيد بن خالد) هو الجُهَني الصحابي المشهور، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة، المدني، روى عن النبي ﷺ ، وعن عثمان، وأبي طلحة، وعائشة. وعنه ابناه خالد، وأبو حرب، ومولاه أبو عمرة، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وقيل: أبو عمرة الأنصاري، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وعبيد الله الخولاني، وغيرهم. قال أحمد بن البرقي: توفي بالمدينة سنة ٧٨ وهو ابن ٨٥ سنة. وقال غيره: بالكوفة. وقال ابن سعد، وآخرون: مات في آخر أيام معاوية. وقال البغوي: مات سنة ٦٨، وقال ابن حبان في الصحابة: مات سنة ٧٨، قال: وقد قيل: سنة ٦٨، وقال أبو عمر: كان صاحب لواء جهينة يوم الفتح. أخرج له الجماعة (١).
стр. 5661
(أرسله) أي أرسل بسرَ بنَ سعيد (إِلى أبي جُهَيم) ﵁، قال الحافظ ﵀: هكذا روى مالك هذا الحديث في الموطأ، لم يختلف عليه فيه أن المُرسِل هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر عند مسلم، وابن ماجه، وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة، عن أبي النضر، فقال: عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث.
قال ابن عبد البر: هكذا رواه ابن عيينة مقلوباً، أخرجه ابن أبي خيثمة عن أبيه، عن ابن عيينة، ثم قال ابن أبي خيثمة: سئل عنه يحيى ابن معين، فقال: هو خطأ، إنما هو أرسلني زيد إلى أبي جهيم، كما قال مالك. وتعقب ذلك ابن القطان، فقال: ليس خطأ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسراً إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم يستثبت كل منهما ما عند الآخر.
قال الحافظ: تعليل الأئمة للأحاديث مَبْنِيّ على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال، فيعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشذوذ، وهو ما يخالف الثقة فيه من أرجح منه في حد الصحيح.
قال الجامع: اشتراط انتفاء الشذوذ في حد الصحيح فيه نظر، قد حققته في الشرح الكبير على ألفية السيوطي في الحديث.
стр. 5662
وبالله تعالى التوفيق.
(يسأله) جملة حالية من المفعول، أي حال كون بسر يسأل أبا جهيم (ماذا سمع من رسول الله ﷺ يقول في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم: قال رسول الله ﷺ : لو يعلم المار بين يدي المصلي) أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما. واختلف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده. وقيل بينه وبين قدر ثلاثة أذرع.
وقيل: بينه وبين قدر رمية بحجر (١) (ماذا عليه) كلمة "ما" استفهام، ومحله الرفع علي الابتداء، وكلمة "ذا" إشارة خبره، والأولى أن تكون "ذا" موصولة بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأن تقديره ماذا عليه من الإثم، أو نحوه، ثم إن "ماذا عليه" في محل النصب على أنه سد مسد المفعولين لقوله: "يعلم" وقد علق عمله بالاستفهام. أفاده العيني (٢).
وقال في "الفتح": زاد الكشميهني "من الإثم" وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في الموطأ بدونها. وقال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد، والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء
стр. 5663
من الروايات مطلقاً. لكن في مصنف ابن أبي شيبة: "يعني من الإثم"، فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية، فظنها الكشميهني أصلاً؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفاظ، بل كان راوية.
وقد عزاها المحب الطبري في الأحكام للبخاري، وأطلق، فعيب ذلك عليه، وعلى صاحب العمدة في إيهامه أنها في الصحيحين. وأنكر ابن الصلاح في مشكل الوسيط على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ "الإثم" ليس في الحديث صريحاً. ولما ذكر النووي في شرح المهذب دونها، قال: وفي رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الرهاوي: "ماذا عليه من الإثم" (١).
(لكان أن يقف أربعين) جواب "لو"، وكلمة "أن" مصدرية، والتقدير لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه.
وقال الكرماني ﵀: جواب "لو" ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيراً له. اهـ. وتعقبه العيني، فقال: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرف فيه تعسف، وحق التركيب ما تقدم (٢).
قال الكرماني: وأبهم المعدود تفخيماً للأمر، وتعظيماً.
стр. 5664
قال الحافظ ﵀: قلت: ظاهر السياق أنه عيَّنَ المعدود، ولكن شك الراوي فيه. اهـ.
وقال الكرماني ﵀: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: أسرار أمثال هذا لا يعلمها إلا الشارع. ويحتمل أن يكون ذلك لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين، كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل (١) الإنسان في أربعين سنة، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أريد التكثير ضوعف كلٌّ إلى عشرة أمثاله. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الذي ذكره الكرماني ﵀ أوّلاً هو الأوجه عندي، فهذا العدد ونحوه مما لا يعرف وجه حكمته، وأما الوجه الثاني فإنه تكلف ظاهر، ترده رواية المائة، ففي رواية ابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁: "لكان أن يقف مائة عام خيراً له من الخطوة التي خطاها".
وأما ما ذكره العيني في وجه الحكمة للمائة أيضاً، فتكلف ظاهر. وقال الحافظ بعد ذكر رواية المائة ما نصه: وهذا يشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين.
стр. 5665
وجنح الطحاوي ﵀ إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين زيادة في تعظيم الأمر على المار؛ لأنهما لم يقعا معاً؛ إذ المائة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر. ومميز المائة إن كان هو السنة ثبت المُدَّعَى، وأما ما دونها فمن باب أولى.
وقد وقع في مسند البزار من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان: "لكان أن يقف أربعين خريفاً". أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي، عن ابن عيينة. وقد جعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره، دالاً على التعدد. لكن رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وغيرهم من الحفاظ عن ابن عيينة، عن أبي النضر على الشك أيضاً، وزاد فيه "أو ساعة" فيبعد أن يكون الجزم، والشك، وقعا معاً من راوٍ واحد في حالة واحدة، إلا أن يقال: لعله تذكر في الحال، فجزم، وفيه ما فيه (١).
(خيراً له) أي لكان الوقوف خيراً له من المرور عنده، ولهذا علق بالعلم، وإلا فالوقوف خير له، سواء علم، أو لم يعلم. و"خيراً" وقع في بعض النسخ بالنصب خبراً لـ "كان" وهو الذي في روايات البخاري، ووقع في النسخة الهندية، والكبرى بالرفع، كما في نسخ أبي داود، والترمذي، وأعربها ابن العربي على أنها اسم "كان"، وأشار
стр. 5666
إلى تسويغ الابتداء بالنكرة؛ لكونها موصوفة. ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها (١).
واعترض السندي ﵀ بأن القواعد تَأْبَى ذلك؛ لأن قوله: "أن يقف" بمنزلة الاسم المعرفة، فلا يصلح أن يكون خبراً لـ "كان"، وتكون النكرة اسماً له، بل "أن" مع الفعل يكون اسماً لـ "كان" مع الخبر معرفة متقدمة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٤٧]. ولهذا نظائر في القرآن، وكذلك المعنى يأبى ذلك عند التأمل، فالوجه أن اسم "كان" ضمير الشأن، والجملة مفسرة للشأن، أو أن "خيراً" منصوب على أنه خبر "كان"، وترك الألف بعده من تسامح أهل الحديث، فإنهم كثيراً ما يتركون كتابة الألف بعد الاسم المنصوب، كما صرح به النووي، والسيوطي، وغيرهما في مواضع. والله تعالى أعلم (٢).
(من أن يمر) متعلق بـ "خير" (بين يديه) متعلق بـ "يمر" أي من مروره أمام المصلي.
زاد في رواية الشيخين: "قال أبو النضر: لا أدري، أقال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة". قال الحافظ: هو من كلام مالك، وليس من تعليق البخاري؛ لأنه ثابت في الموطأ من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية الثوري، وابن عيينة.
стр. 5667
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي جهيم ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٨/ ٧٥٦)، وفي "الكبرى" (٧/ ٨٣٢) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، به. ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وعن عبد الله بن هاشم، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، به. والترمذي فيه عن إسحاق ابن موسى الأنصاري، عن مَعْنٍ، عن مالك، به. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو التشديد في المرور بين يدي المصلي، وبين سترته. قال النووي ﵀: فيه دليل عَلَى تحريم المرور؛ فإن مَعْنَى الحديث النهي الأكيد، والوعيد الشديد على ذلك.
стр. 5668
انتهى. قال الحافظ: ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر.
ومنها: أخذ القرين عن قرينه ما فاته، أو استثباته فيما سمعه.
ومنها: الاعتماد على خبر الواحد.
ومنها: ما كان عليه الصحابة من شدة طلبهم للعلم حيث يتلقونه بالمراسلة.
ومنها: الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو؛ لأن زيد بن خالد أرسل بسر بن سعيد، إلى أبي جهيم، ولو طلب العلو لسعى إليه بنفسه.
ومنها: جواز استعمال "لو" في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي؛ لأن محل النهي أن يشعر بما يعاند المقدور.
ومنها: أن ابن بطال ﵀ استنبط من قوله: "لو يعلم" أن الإثم يختص بمن يعلم بالنهي، وارتكبه. اهـ. قال الحافظ: وفي أخذ ذلك منه بعد، ولكنه معروف من أدلة أخرى.
ومنها: أن ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر، لا بمن وقف عامداً مثلاً بين يدي المصلي، أو قعد، أو رقد، لكن إن كانت العلة التشويش على المصلي فهو في معنى المار. قاله في الفتح.
قال الجامع: عندي الأولى ما دل عليه ظاهر النص؛ لأن علة النهي ليست معروفة. والله أعلم.
стр. 5669
ومنها: أن ظاهره يدل على عموم النهي في كل مصل، وخصه بعض المالكية بالإمام والمنفرد؛ لأن المأموم لا يضره مَنْ مر بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة له، أو إمامه سترة له. اهـ. قال في الفتح: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعَى، لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي، لا عن المار، فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله في "الفتح" فيه نظر، بل ما ذكره بعض المالكية واضح، فإن قوله ﷺ : "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك" إباحة للمرور وراء السترة، وقد قدمنا أن الراجح أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، ولو طالت الصفوف، فالسترة ترفع الحرج عن المصلي، والمار، فيختص منع المرور بالإمام والمنفرد، فقط. فتأمل، والله أعلم.
المسألة الخامسة: ذكر ابن دقيق العيد ﵀ أن بعض الفقهاء قسم أحوال المار والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام:
يأثم المار، دون المصلي، وعكسه، ويأثمان جميعاً، وعكسه.
فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سترة في غير مشرع، وللمار مندوحة (١)، فيأثم المار دون المصلي.
стр. 5670
الثانية: أن يصلي في مشرع مسلوك بغير سترة، أو مباعداً عن السترة، ولا يجد المار مندوحة، فيأثم المصلي دون المار.
الثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة، فيأثمان جميعاً.
الرابعة: مثل الأولى، لكن لم يجد المار مندوحة، فلا يأثمان جميعاً. انتهى (١).
قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد نقله لكلام ابن دقيق العيد هذا، ما حاصله: وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقاً، ولو لم يجد مسلكاً، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته. ويؤيده قصة أبي سعيد الخدري ﵁ -يعني الآتية في الحديث التالي- فإن فيها: "فنظر الشاب، فلم يجد مساغاً، إلا بين يديه".
وقال إمام الحرمين: إن الدفع لا يشرع للمصلي في هذه الصورة. وتبعه الغزالي، ونازعه الرافعي. وتعقبه ابن الرفعة بما حاصله أن الشاب إنما استوجب من أبي سعيد الدفع لكونه قصر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة حتى وقع الزحام. انتهى. وما قاله محتمل، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأن أبا سعيد لم يعتذر بذلك، ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة، أو فيها مع احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ
стр. 5671
أوجه. والله أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح هو ما دل عليه ظاهر الحديث من منع المرور مطلقاً. والله أعلم.
تنبيه:
قال في الفتح: وقع في رواية أبي العباس السراج من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر: "لو يعلم المار بين يدي المصلِّي والمصلَّى" فحمله بعضهم على ما إذا قصر المصلِّي في دفع المار، أو بأن صلى في الشارع. ويحتمل أن يكون قوله: "والمصلى بفتح اللام، أي بين يدي المصلى من داخل سترته، وهذا أظهر. والله أعلم. قاله في الفتح (٢). والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ".
стр. 5672
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد.
٢ - (مالك).
تقدما في السند السابق.
٣ - (زيد بن أسلم) العدوي المدني، ثقة عالم يرسل، توفي سنة ١٣٦، من [٣]، تقدم في (٦٤/ ٨٠).
٤ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري المدني، ثقة توفي سنة ١١٢، من [٣]، تقدم في (١/ ٣٢٦).
٥ - (أبو سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري الصحابي المشهور ابن الصحابي ﵄. تقدم في (١٦٩/ ٢٦٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم، فقد علق البخاري لعبد الرحمن بن أبي سعيد، وأخرج له الباقون.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فإن زيداً، وعبد الرحمن تابعيان كلاهما من الطبقة الثالثة، ورواية الراوي عن أبيه.
стр. 5673
ومنها: أن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة، روى ١١٧٠ حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إِذا كان أحدكم يصلي) أي إلى شيء يستره، كما قيد في الرواية الأخرى؛ ففي رواية أبي سعيد ﵁ عند الشيخين: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه" الحديث. فإطلاق حديث الباب مقيد بهذا الحديث، ونحوه.
قال أبو بكر بن المنذر ﵀: ليس لأحد أن يمر بين يدي من يصلي إلى سترة، وإن مر بين يديه، وهو يصلي إلى سترة كان له دفعه، فإن لم يندفع قاتله إن أبى إلا أن يمر بين يديه. وقد رخص في المرور بين يدي من يصلي إلى غير سترة بعض أهل العلم، واحتج بحديث المطلب ابن أبي وداعة. يعني الآتي للمصنف في الباب التالي (١).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وقد يستدل بالحديث على أنه إذا لم يكن له سترة لم يثبت هذا الحكم من حيث المفهوم، وبعض المصنفين من أصحاب الشافعي نص على أنه إذا لم يستقبل شيئاً، أو تباعد عن السترة، فأراد أن يمر وراء موضع السجود لم يكره، وإن أراد أن يمر في موضع السجود كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلل ذلك
стр. 5674
بتقصيره. حيث لم يقرب من السترة. اهـ (١).
تنبيه:
ذكر عند الشيخين سبب ذكر أبي سعيد الخدري ﵁ لهذا الحديث، فقد أخرجا من طريق حميد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم الجمعة، يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب، فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟. قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان".
(فلا يدع) أي لا يترك (أحدًا أن يمر) هكذا نسخ "المجتبى" بزيادة "أن" المصدرية، وفي الكبرى: "يمر" بدونها، وهي التي عند مسلم، وأبي داود، وهي واضحة؛ إذ الجملة في محل جر صفة لـ "أحد"، ويمكن توجيه ما في "المجتبى" بجعل المصدر المئَول مجروراً بحرف جر محذوف، أي في مروره، يعني أنه لا يترك أحداً في حال مروره.
стр. 5675
(بين يديه) متعلق بـ "يمر"، أي أمامه، والمراد المرور بينه وبين السترة. زاد في رواية مسلم، وأبي داود: "وليدرأ ما استطاع". أي ليدفع المصلي من أراد المرور بينه وبينها قدر استطاعته.
ثم إن ظاهر الأمر وجوب الدفع، وبه قال أهل الظاهر. وقال النووي ﵀: الأمر بالدفع أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب. اهـ (١).
قال الحافظ ﵀: فكأنه لم يراجع كلام أهل الظاهر، أو لم يعتد بخلافهم. اهـ (٢).
قال القاضي عياض ﵀: اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده، وإنما يدفعه، ويرده من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح لى قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما يرده إذا كان بعيداً منه بالإشارة، أو التسبيح. اهـ.
(فإِد أبى) أي امتنع المار من عدم المرور. يقال: أبَى الرجل يَأبَى إباء -بالكسر والمد- وإباءة: امتنع، فهو آب، وأبِيّ، على فاعل، وفَعِيل، وتأبَّى مثله، وبناؤه شاذ؛ لأن فَعِلَ يَفْعَل -بفتحتين- يكون