← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

٧٧٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَلَّكُمْ سَتُدْرِكُونَ أَقْوَامًا، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُمْ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَصَلُّوا مَعَهُمْ، وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، تقدم قبل باب. ٢ - (أبو بكر بن عيّاش) بن سالم الأسدي الكوفي المقرىء الحنّاط مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على نحو عشرة أقوال، والأصح أن اسمه كنيته. ثقة عابد كبر فساء حفظه، وكتابه صحيح، مات سنة ١٩٤، من [٧]، وقيل: قبل ذلك، وقد قارب المائة. أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٨/ ١٢٧. ٣ - (عاصم) بن أبي النجود المقرىء. ٤ - (زِرّ) بن حُبيش. ٥ - (عبد الله) بن مسعود. تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.

стр. 5882

شرح الحديث (عن عبد الله) بن مسعود ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : لعلكم ستدركون) و"لعل" هنا للتحقيق، بدليل الروايات الأخرى، فقد تقدم في حديث أبي ذرّ ﵁ عند مسلم: "يا أبا ذر، إنه سيكون بعدي أمراء، يميتون الصلاة" الحديث. ولأبي داود من حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكون عليكم أمراء بعدي، تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها، فصلّوا الصلاة لوقتها". فقال رجل: يا رسول الله، أصلي معهم؟ قال: "نعم، إن شئت". وفي رواية: إن أدركتها معهم أَأُصلي معهم؟ قال: "نعم، إن شئت". وهو حديث صحيح. وله من حديث قبيصة بن وَقّاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون عليكم أمراء بعدي، يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم، فصلوا الصلاة معهم ما صلَّوا القبلة". وفي إسناده صالح بن عبيد، وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: لا نعرف حاله، لكن الحديث صحيح لشواهده. (أقواماً، يصلون الصلاة لغير وقتها) هذا ظاهر في كونهم يخرجونها عن وقتها، وأصرح منه حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتقدم، ففيه: "تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب

стр. 5883

وقتها … " الحديث. وقال النووي ﵀: والمراد تأخيرها عن وقتها المختار، لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فيجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. انتهى (١). واعترض الحافظ ﵀ على هذا في الفتح، فقال في شرح حديث أنس ﵁ "لا أعرف شيئاً مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ"، ما نصه: قال المهلب: والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب، لا أنهم أخرجوها عن الوقت، كذا قال. وتبعه جماعة، وهو مع عدم مطابقته للترجمة -يعني ترجمة البخاري ﵀ بقوله: "باب تضييع الصلاة عن وقتها"- مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج، وأميره الوليد، وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة: منها: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت، فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر، وأنا جالس، إيماء، وهو يخطب. وإنما فعل ذلك عطاء خوفاً على نفسه من القتل.

стр. 5884

ومنها: ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في "كتاب الصلاة" من طريق أبي بكر بن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة، فمَسَّى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة، فصلى. ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت بمنى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير، وعطاء يومئان إيماء، وهما قاعدان. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحافظ ﵀ هو اللائق بظواهر الأحاديث، ففيها: "يصلون الصلاة لغير وقتها"، وفيها: "يميتون الصلاة عن وقتها"، وفيها: "تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها"، وكلها تقدمت، فتأويل هذه النصوص بتأخيرها عن وقتها المستحب تكلف بارد، وتعسف كاسد. والحاصل أن الأولى أن يحمل الإخراج على ظاهره، فهم يخرجونها عن وقتها لاشتغالهم بأمورهم، لا جحداً لوجوبها، فإنهم لو أخروها جحداً وجب مقاتلتهم، وتحرم الصلاة خلفهم. والله تعالى أعلم. (فإِن أدركتموهم) أي أدركتم وقتهم، وتولَّوا أمركم (فصلوا

стр. 5885

الصلاة لوقتها) أي في وقتها المستحب، وفي رواية البيهقي "فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون … " (وصلوا معهم، واجعلوها سبحة) أي اجعلوا تلك الصلاة التي صليتموها معهم نافلة. قال في اللسان: و"السُّبْحَة" -يعني بضم، فسكون-: الدعاءُ، وصلاةُ التطوع، والنافلةُ، يقال: فرغ فلان من سُبْحته: أي من صلاة النافلة، سميت الصلاة تسبيحاً لأن التسبيح تعظيم الله، وتنزيهه من كل سُوء. قال ابن الأثير: وإنما خصت النافلة بالسبحة، وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة سُبْحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة. اهـ (١). والحديث صريح في أن الصلاة الأولى هي الفريضة، وأن الثانية هي نافلة، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا صحيح. والله أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 5886

أخرجه هنا (٢/ ٧٧٩) بالسند المذكور، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن الصباح، عن أبي بكر بن عياش، بسند المصنف. وأحمد في مسنده (١/ ٣٧٩) وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٦٤٠). وأخرجه أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن؛ رسولَ رسول الله ﷺ إلينا، قال: فسمعت تكبيره مع الفجر، رجل أجَشُّ الصوت (١)، قال: فألقيت عليه محبتي، فما فارقته، حتى دفنته بالشام ميتاً، ثم نظرت إلى أفقه الناس بعده، فأتيت ابن مسعود، فلزمته حتى مات، فقال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء، يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟ " قلت: فما تأمرني إذا أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: "صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة". وأخرجه البيهقي في "الكبرى": أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، ثنا أبو جعفر أحمد بن مهران الأصفهاني، ثنا محمد بن الصباح، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله -يعني ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه سيلي أمركم قوم يطفئون السنة، ويحدثون بدعة، ويؤخرون الصلاة

стр. 5887

عن مواقيتها"، قال ابن مسعود: فكيف يا رسول الله إن أدركتهم؟ قال: "يا ابن أم عبد، لا طاعة لمن عصى الله" انتهى (١). قالها ثلاثاً. قال الجامع: رجال هذا الإسناد وُثّقوا، وقد سمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده. منها: أن الإمام إذا أخر الصلاة عن أول الوقت المستحب ينبغي للشخص أن يصليها في أول الوقت منفرداً، ثم يصليها مع الإمام إن أدركه، فيجمع بين فضيلتي أول الوقت، والجماعة. قال النووي ﵀: فلو أراد الاقتصار على إحداهما، فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفرداً في أول الوقت، أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور لأصحابنا -يعني الشافعية- واختلفوا في الراجح، والمختارُ استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير. ومنها: الحث على موافقة الأمراء في غير معصية، لئلا تتفرق الكلمة، وتقع الفتنة. ومنها: أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ بما سيكون بعده من تحول الأمراء عن طريق الحق، بحيث إنهم لا يبالون

стр. 5888

بتأخير الصلاة التي هي من أعظم أركان الدين، فكيف بما دونها من تغيير السنن، وإحداث البدع، وهذا من معجزاته ﷺ ، حيث وقع طبْقًا لما أخبر به، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. ومنها: اهتمامه ﷺ بأصحابه الذين يتأخرون بعده، ويتولى عليهم من يغير الأمور، فأرشدهم إلى كيفية معايشتهم، وحثهم على عدم الخروج عليهم، وأمرهم بالإحسان معهم إذا أحسنوا، واجتنابهم إذا أساءوا. ومنها: أن العالم ينبغي له أن يبدأ بالمسألة من غير أن يُسألَ، إذا كان الناس في حاجة إليها. ومنها: أنه ينبغي للجاهل أن يطلب من العالم حَلَّ المسألة، وتوضيحها إذا لم يتبين له وجهها. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة خلف أئمة الجْور، ومن لا يُرضَى حاله؛ من الخوارج، وأهل البدع: ذهبت طائفة من أهل العلم إلى جواز الصلاة خلفهم: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في مصنفه: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عُمَير بن هاني، قال: شهدت ابن عمر، والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان

стр. 5889

ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان الحسن ابن علي، والحسين يصليان خلف مروان. قال: فقيل له: أما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟ قال: فيقول: لا والله، ما كانوا يزيدون على صلاة الأئمة. حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ما كانوا. حدثنا هشيم، عن أبي حُرَّة، عن الحسن، قال: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا ينفع المنافق صلاة المؤمن خلفه. حدثنا أبو أسامة، عن حبيب بن جزي (١)، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة خلف الأمراء؟ قال: صل معهم. حدثنا كثير بن هشام (٢)، عن جعفر بن بُرقان، قال: سألت ميموناً عن الصلاة خلف الأمراء؟ فقال: صل معهم. حدثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميموناً عن رجل، فذكر أنه من الخوارج، فقال: أنت لا تصل له، إنما تصل لله، قد كنا نصلي خلف الحجاج، وكان حرورياً أزرقياً (٣).

стр. 5890

حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان عبد الله يصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلاً، ويرى أن مَأثَم ذلك عليهم. حدثنا وكيع عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن رجل، عن سعيد بن جبير، أنه كان يصلي مع الحجاج عند أبواب كِنْدَة، وخرج عليه. حدثنا وكيع، ثنا بَسَّام، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة مع الأمراء؟ فقال: صلّ معهم، فإنا نصلي معهم، قد كان الحسن والحسين يبتدران الصلاة خلف مروان. قال: فقلت: الناس يزعمون أن ذلك تَقِيّة، قال: وكيف إن الحسن بن علي يسب مروان في وجهه، وهو على المنبر حتى تولى! حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إبراهيم بن أبي حفصة، قال: قلت لعلي بن حسين: إن أبا حمزة الثُّمالي، وكان فيه غلوّ يقول: لا نصلي خلف الأئمة، ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا، فقال علي بن حسين: بل نصلي خلفهم، ونناكحهم بالسنة. حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ويحتسبون بها. حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عقبة الأسدي، عن زيد بن أبي سليمان أن أبا وائل كان يجمِّع مع المختار. حدثنا وكيع، ثنا سفيان عن مسلم، عن أبي فَرْوة، قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأشار إلى محمد بن سعد، والحجاج يخطب أن اسكت.

стр. 5891

حدثنا الفضل بن دُكَين، عن الأعمش، عن القاسم بن مخيمِرَة أنه كان يصلي خلف الحجاج. انتهى. "مصنف ابن أبي شيبة" (١). وأخرج البيهقي بسنده عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بَرّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برّاً كان، أو فاجراً، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برّاً كان، أو فاجراً، وإن عمل الكبائر". قال البيهقي: وهذا إسناده صحيح، إلا أن فيه إرسالاً بين مكحول وأبي هريرة (٢). وأخرج أيضاً بسنده عن عمير بن هانىء، قال: بعثني عبد الملك بن مروان بكتب إلى الحجاج، فأتيته، وقد نصب على البيت أربعين مَنْجَنِيقاً، فرأيت ابن عمر إذا حضرت الصلاة مع الحجاج صلى معه، وإذا حضر ابن الزبير صلى معه؛ فقلت له يا أبا عبد الرحمن أتصلي مع هؤلاء، وهذة أعمالهم؟ فقال: يا أخا أهل الشام، ما أنا لهم بحامد، ولا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، قال: قلت: ما تقول في أهل الشام؟ قال: ما أنا لهم بحامد. قلت: فما تقول في أهل مكة؟ قال: ما أنا لهم بعاذر؛ يقتتلون على الدنيا، يتهافتون في النار تهافت الذباب في المرق. قلت: فما تقول في هذه البيعة التي أخذ علينا مروان؟ قال: قال

стр. 5892

ابن عمر: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يلقننا "فيما استطعتم". وأخرج أيضاً بسنده عن يونس بن عبيد، عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية (١)، والخوارج، وهم يقتتلون، فقاله: من قال: حي على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم، وأخذ ماله، قلت: لا. انتهى (٢). ومنعت طائفة الصلاة خلف أهل البدع، وأمر بعضهم من صلى خلفهم بالإعادة، كان سفيان الثوري يقول في الرجل يكذّب بالقدر: لا تقدموه. وقال أحمد في الجهمي يصلي خلفه: يعيد، والقدري إذا كان يرد الأحاديث، ويخاصم فليعد، والرافضي يصلي خلفه: يعيد. وقال أحمد: لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه. وقد حكي عن مالك أنه قال: لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية، وغيرهم، ويصلى خلف أئمة الجور. قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى (٣). وقال العلامة العيني ﵀: وكان أبو حنيفة ﵀ لا يرى الصلاة خلف المبتدعة، ومثله عن أبي يوسف. انتهى (٤).

стр. 5893

وقال النووي ﵀ في "المجموع" ما حاصله: من كفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا يكفر تصح؛ فممن يكفر: من يجسم تجسيماً صريحاً، ومن ينكر العلم بالجزئيات. وأما من يقول بخلق القرآن فهو مبتدع، واختلف أصحابنا في تكفيره، فأطلق أبو علي الطبري في "الإفصاح"، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، ومتابعوه، القول بأنه كافر، قال أبو حامد، ومتابعوه: المعتزلة كفار، والخوارج ليسوا بكفار، ونقل المتولي تكفير من يقول بخلق القرآن عن الشافعي، وقال القفال، وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع، قال صاحب العدة: هذا هو المذهب. قال النووي: وهذا هو الصواب، فقد قال الشافعي ﵀: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة، ونحوهم، ومناكحتهم، وموارثتهم، وإجراء سائر الأحكام عليهم. وتأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي، وغيره من أصحابنا المحققين ما نقل عن الشافعي، وغيره من العلماء؛ من تكفير القائل بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة، لا كفران الخروج عن الملة، وحَمَلَهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم (١).

стр. 5894

قال الشافعي ﵀: ومن صلى صلاة من بالغ مسلم، يقيم الصلاة، أجزأته، ومَن خلفه صلاتُهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه، أيّ غاية بلغ، يخالف الحمد في الدين، وقد صلى أصحاب النبي ﷺ خلف من لا يَحْمَدون فعاله، من السلطان وغيره. انتهى كلام الشافعي رحمه الله تعالى (١). وقال ابن المنذر: إن كفر ببدعته لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز، وغيره أولى (٢). وقال الإمام المحقق أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: ما نعلم أحداً من الصحابة ﵃ امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، ولا فاسق أفسق من هؤلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ولا برّ أبرّ من الصلاة وجمعها في المساجد، فمن دعا إليها ففرض إجابته، وعونه على البر والتقوى الذي دعا إليهما، ولا إثم بعد الكفر آثم من تعطيل الصلوات في المساجد، فحرام علينا أن نعين على ذلك، وكذلك الصيام، والحج، والجهاد؛ من عمل شيئاً من ذلك عملناه معه، ومن دعانا إلى إثم لم نجبه، ولم نعنه عليه. وكل هذا قول أبي حنفية، والشافعي، وأبي سليمان -يعني داود الظاهري- رحمهم الله تعالى.

стр. 5895

انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى (١). وقال العلامة الشوكاني ﵀ ما ملخصه: قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من التابعين إجماعاً فعلياً، ولا يبعد أن يكون قولياً على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير، وكان الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحال أمرائهم لا يخفى. وقد أخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف. وأخرج مسلم، وأهل السنن أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، وإخراج منبر النبي ﷺ ، وإنكار بعض الحاضرين. وأيضاً قد ثبت أنه ﷺ أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول الله، بم تأمرنا؟ فقال: "صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة". ولاشك أن من أمات الصلاة، وفَعَلها في غير وقتها غير عدل، وقد أذن النبي ﷺ بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك.

стр. 5896

والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره. فالقائل بأن العدالة شرط، كما روي عن العترة، ومالك، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل، ينقل عن ذلك الأصل. ثم إن محل النزاع إنما هو في صحة الصلاة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى في نيله باختصار (١). قال الجامع عفا الله عنه: كلام العلامة الشوكاني ﵀ كلام نفيس جدّاً. وحاصله جواز الصلاة خلف من صحت صلاته لنفسه من كل بالغ مسلم، وإن كانت سيرته غير محمودة؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلون خلف من لا يحمدون سيرته من السلاطين وغيرهم، كما صرح به الشافعي رحمه الله تعالى فيما سبق، وهو الذي عليه جمهور السلف والخلف، فتصح الصلاة خلف أئمة الجَوْر، وأهل الأهواء الذين لا يكفّرون بأهوائهم، وإن كان الأولى الصلاة خلف الأئمة الصلحاء. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 5897

٣ - مَنْ أحَقُّ بِالإِمَامَةِ؟ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان من هو أحق الناس بأن يؤمهم. ٧٨٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ فِي الْهِجْرَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا تَؤُمَّ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا تَقْعُدْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَكَ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (فُضيل بن عياض) بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام، مات

стр. 5898

سنة ١٨٧، وقيل: قبلها، من [٨]، أخرج له البخاري، وأبو داود في مراسيله، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٢١/ ٣٨٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ ورع يدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (إِسماعيل بن رجاء) بن رَبيعة الزُّبَيدي (١)، أبو إسحاق الكوفي، ثقة، تكلم فيه الأزدي بلا حجة، من [٥]. روى عن أبيه، وأوس بن ضمعج، وعبد الله بن أبي الهذيل، وغيرهم. وعنه الأعمش -وهو من أقرانه- وشعبة، والمسعودي، وفِطْر ابن خليفة، وإدريس بن يزيد الأودي، وجماعة. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن فضيل، عن الأعمش: كان يجمع صبيان المكتب، ويحدثهم لكيلا ينسى حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال اللالكائي: رأى المغيرة بن شعبة. وقال الذهبي: قال الأزدي وحده: منكر الحديث. أخرج له مسلم، والأربعة (٢). ٥ - (أوس بن ضَمْعَج) (٣) الكوفي الحضرمي، ويقال: النخعي،

стр. 5899

ثقة مخضرم، مات سنة ٧٤ (١)، من [٢]. روى عن أبي مسعود الأنصاري، وسلمان الفارسي، وعائشة، وغيرهم. وعنه ابن عمران، وأبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن رجاء، وقال: كان من القُرّاء الأُوَل، وذكر منه فضلاً. وقال شبابة: حدثنا شعبة، وذُكِرَ عنده أوس بن ضمعج، فقال: والله ما أراه إلا كان شيطاناً -يعني لجودة حديثه (٢). وروى الحسين بن الحسن الرازي، عن ابن معين: لا أعرفه. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد: أدرك الجاهلية، وكان ثقة معروفاً قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال خليفة بن خياط: مات في ولاية بشر ابن مروان سنة ٧٤ (٣). أخرج له مسلم، والأربعة، حديث الباب فقط (٤). ٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، الصحابي الجليل ﵁ مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم.

стр. 5900

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي، إسماعيل، عن أوس، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والعنعنة. والله أعلم. شرح الحديث (عن أبي مسعود) البدري، ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) خبر بمعنى الأمر أي ليؤم القوم أقرؤهم، بدليل حديث عمرو بن سَلمَةَ الآتي (١١/ ٧٨٩) "ليؤمكم أكثركم قرآناً". يعني أنه يقدم الأقرأ لكتاب الله تعالى في الصلاة بالناس على غيره. وقد اختُلف في المراد من الأقرأ، فقيل: المراد أحسنهم قراءة، وأعلمهم بأحكامها، وإن كان أقلهم حفظاً. وقيل: أكثرهم حفظاً للقرآن، ويدلّ عليه حديث عمرو بن سَلِمة المذكور. وقيل: المراد به الأفقه؛ لأنك إذا اعتَبَرت أحوالَ الصحابة وجدت أن أفقههم أقرؤهم، فيكون المراد من قوله ﷺ : "أقرؤهم لكتاب الله"، أي أعلمهم به (١). قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب تفسيره بالأكثر حفظاً للقرآن،

стр. 5901

لحديث عمرو بن سلمة ﵁ المذكور، وخير ما فسر به الحديث ما جاء في حديث آخر. والله تعالى أعلم. وقال الإمام الخطابي ﵀: وهذا هو الصحيح المستقيم في الترتيب، وذلك أنه ﷺ جعل مِلاك الإمامة القراءة، وجعلها مقدمة على سائر الخصال المذكورة معها، والمعنى في ذلك أنهم كانوا قوماً أميين، لا يقرؤون، فمن تعلم منهم شيئاً من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلم؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة، وكانت ركناً من أركانها صارت مقدمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها. ثم تلا القراءة بالسنة، وهي الفقه، ومعرفة أحكام الصلاة، وما سَنَّه رسولُ الله ﷺ فيها، وبيّنه من أمرها، فإن الإمام إذا كان جاهلاً بأحكام الصلاة، وبما يعرض فيها من سهو، ويقع من زيادة ونقصان أفسدها، وأخدجها، فكان العالم بها، والفقيه فيها مقدماً على من لم يجمع علمها، ولم يعرف أحكامها. ومعرفةُ السنة، وإن كانت مؤخرة في الذكر، وكانت القراءة مبدوءاً بذكرها، فإن الفقيه العالم بالسنة إذا كان يقرأ من القرآن ما تجوز به الصلاة أحق بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفاً عن درجته في علم الفقه، ومعرفة السنة. وإنما قُدم القارىء في الذكر؛ لأن عامة الصحابة إذا اعتبرت أحوالهم وجدت أقرأهم أفقههم.

стр. 5902

وقال ابن مسعود ﵁: كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يُحكِم علمها، أو يعرف حلالها وحرامها. أو كما قال. فأما غيرهم ممن تأخر بهم الزمان، فإن أكثرهم يقرؤون القرآن، ولا يفقهون، فقراؤهم كثير، والفقهاء منهم قليل. انتهى كلام الخطابي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: في الحديث حجة لمن قال: يقدم الأقرأ على الأفقه، وهو المذهب الراجح إذا كان يعرف أحكام الصلاة. وقال بعضهم: الأفقه مقدم على الأقرأ. وسيأتي تفاصيل المذاهب، وترجيح الراجح منها في المسائل، إن شاء الله تعالى. (فإِن كانوا في القراءة سواء) "سواءً" خبر "كان" بمعنى مستوين، أي إن استووا في القدر المعتبر من القراءة؛ إما في حسنها، أو في كثرتها وقلتها على القولين (فأقدمهم في الهجرة) عطف على "أقرؤهم"، والفاء للترتيب، أي يؤم القوم أقدمهم في الهجرة. يعني أن الأسبق في الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، يكون أولى بالإمامة ممن تأخر في ذلك. وإنما قُدِّمَ، إما لأن القِدَم في الهجرة شرف يقتضي التقديم، أو لأن من تقدمت هجرته لا يخلو غالباً عن كثرة العلم بالنسبة إلى من تأخر. قاله السندي.

стр. 5903

ثم إن الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره ﷺ ، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور. وأما حديث: "لا هجرة بعد الفتح". فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. وهذا لابد منه للجمع بين الأحاديث. قاله الشوكاني ﵀ (١). وقال النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: يدخل فيه طائفتان: أحدهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا، وعند جمهور العلماء. وقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح"؛ أي لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. الطائفة الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: وفي الاستدلال بحديث الباب على الطائفة الثانية بُعْد لا يخفى.

стр. 5904

وقال بعضهم: المعتبر اليوم الهجرة المعنوية، وهي هجرة المعاصي، فيكون الأورع أولى. اهـ. قال الجامع: تخصيصه باليوم فيه نظر، بل الظاهر حمل الحديث على ما يعم الهجرتين مطلقاً، في أيّ زمن كان؛ لأن هجرة المعاصي هي الهجرة الحقيقية، لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ المتفق عليه مرفوعاً: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". فيكون المعنى أنه يقدم في الإمامة من كان أسبق للهجرة، أي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو أسبق لهجران المعاصي على من تأخر في ذلك. والله أعلم. تنبيه: وقع عند المصنف رحمه الله تعالى هنا (٣/ ٧٨٠)، وفي الكبرى (٣/ ٨٥٥) من رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، تقديم الأقدم في الهجرة على الأعلم بالسنة. ووقع تقديم الأعلم بالسنة على الأقدم هجرةً عند مسلم جـ ٥ ص ١٧٢ بنسخة شرح النووي من رواية أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، بسند المصنف، ثم ساق مسلم بإسناده عن أبي معاوية، وجرير، وابن فضيل، وسفيان كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد مثله. وعند أبي داود جـ ٤ ص ٢٩٨ بنسخة "المنهل" من رواية عبد الله بن نمير، عن الأعمش. وعند الترمذي جـ ٢ ص ٣٠ بنسخة "تحفة الأحوذي" من

стр. 5905

رواية أبي معاوية، وعبد الله بن نمير، كلاهما عن الأعمش. وفي مسند أحمد (٤/ ١٢١) من رواية أبي معاوية، عن الأعمش. وصحيح ابن خزيمة جـ ٣ ص ٤ من رواية أبي معاوية، عن الأعمش. قال الجامع: فالصواب عندي ما وقع عند هؤلاء من تقديم الأعلم بالسنة على الأقدم هجرةً لاتفاق هؤلاء الحفاظ عليه، ومخالفة فضيل لهم. والله تعالى أعلم. (فإِن كانوا في الهجرة سواء، فأعلمهم بالسنة) أي فيؤم أكثرهم علماً بالسنة. قال السندي ﵀: حملوها على أحكام الصلاة. اهـ (١). وقال الشوكاني ﵀: فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية (٢). وقال الطيبي ﵀: أراد بها الأحاديث، فالأعلم بها كان أفقه في عهد الصحابة. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: في عهد الصحابة فيه نظر؛ إذ الأعلم بالأحاديث هو الأفقه على الإطلاق في عهدهم وبعد عهدهم، فإن الفقه هو فهم الأحكام الشرعية التي أنزلها الله تعالى في كتابه، والأحاديث هي المبينة لمعاني الكتاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأهل الحديث هم

стр. 5906

الأفقهون، ولا التفات إلى ما يُهَوِّش به أعداء السنة من تهوين أمر الحديث، وتخذيلهم الأغبياء عن الاهتمام بالحديث، وكأن الحديث عندهم ليس مصدراً للفقه ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. (فإِن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم سنًّا) أي إن استوى القوم في العلم بالسنة فيؤمهم أكبرهم سِنّاً. وقال في النيل: أي يقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها. وجعل البغوي أولاد من تقدم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل عليه (١). وفي رواية لمسلم "فأقدمهم سِلْماً" بدل "سِنّاً". قال النووي ﵀: معناه إذا استويا في الفقه، والقراءة، والهجرة، ورجح أحدهما بتقدم إسلامه، أو بكبر سنه قُدِّم؛ لأنها فضيلة يُرَجَّح بها. اهـ (٢). (ولا تؤمّ الرجل) "لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها، وحرك لالتقاء الساكنين، وتجوز فيه الحركات الثلاث، الكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، والفتح للتخفيف، والضم للإتباع. والفعل مبني للفاعل مسند لضمير المخاطب، و"الرجل" منصوب على المفعولية له.

стр. 5907

وفي الرواية الآتية (٦/ ٧٨٣) من طريق شعبة، عن إسماعيل بن رجاء: "ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلَسُ على تكرمته". بالبناء للمفعول. ومثله للترمذي. ولمسلم: "ولا تؤمَّنَّ الرجل" بنون التوكيد المشددة، وفي رواية له: "ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ" بالياء. (في سلطانه) أي في مظهر سلطنته، ومحل ولايته، أو فيما يملكه، أو في محلٍّ يكون في حكمه، ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى: "في أهله". وفي رواية أبي داود: "في بيته، ولا في سلطانه". ولذا كان ابن عمر ﵁ يصلي خلف الحجاج، وصح عن ابن عمر أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان. وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتآلفهم، وتوادهم، فإذا أمَّ الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع رِبْقَة الطاعة، وكذلك إذا أمه في قومه وأهله أدّى ذلك إلى التباغض، والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شرع لدفعه الاجتماع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة، لاسيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحي، ورب البيت إلا بالإذن. قاله الطيبي (١). وقال النووي ﵀: قوله ﷺ : "ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في

стр. 5908

سلطانه". معناه ما ذكره أصحابنا وغيرهم؛ أن صاحب البيت، والمجلس، وإمام المسجد، أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه، وأقرأ، وأورع، وأفضل منه، وصاحب المكان أحق، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين؛ لأنه سلطانه، فيتصرف فيه كيف شاء. قال أصحابنا: فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت، وإمام المسجد، وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). (ولا تقعد على تكرمته إِلا بإِذنه) نهي للمخاطب أيضاً عن القعود على ما يُكرَمُ به الرجل في بيته من فراش أو نحوه، إلا بإذنه. و"التكرمة": -بفتح التاء، وكسر الراء- هي في الأصل مصدر على تَفْعِلَة من كَرَّمَ المضعف، على قلة؛ لأن قياس مصدر فَعَّل المضاعف إذا كان صحيح اللام على تَفْعِيلٍ، ككلّم تكليماً، وسلّم تسليماً، وندر مجيئه على تفعلة، ككرم تكرمة، وجرّب تجربة، وإذا كان معتلّ اللام جاء على تفعِلَة، كزكَّى تزكية، وولّى تولية، وندر مجيئه على تفعيل،

стр. 5909

كقوله (من الرجز): بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيَّا … كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "لامية الأفعال"، حيث قال (من البسيط): لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالاً أَوْ مُفَاعَلَةً … وَفَعَّلَ اجْعَلْ لَهُ التَّفْعِيلَ حَيْثُ خَلَا مِنْ لَامٍ اعْتَلَّ لِلْحَاوِيهِ تَفْعِلَةً … الْزَمْ وَلِلْعَارِ مِنْهُ رُبَّمَا بُذِلَا أطلق هنا مجازاً على ما يعد للرجل إكراماً له في منزله. وفي صحيح ابن حبان: قال شعبة: فقلت لإسماعيل بن رجاء: ما تكرمته؟ قال: فراشه اهـ (١). وقال ابن منظور ﵀: التكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل، من فراش، أو سرير، مما يُعَدُّ لإكرامه، وهي تفعلة من الكَرامة. اهـ (٢). وقال النووي، وابن رسلان: التكرمة: الفراش، ونحوه، مما يبسط لصاحب المنزل، ويختص به، دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناها السرير ونحوه (٣).

стр. 5910

وإنما نهي عن القعود على تكرمة الرجل؛ لأن المكان الذي يجلس فيه صاحب الدار عادة، ويخص به نفسه، يكون محلاً لأشياء لا يحب أن يطلع عليها غيره، أو يكون مشرفاً على داره كلها، أو على ما يريده هو، فيرى منه أحوال أهل بيته، ويبلغهم ما يريد، فإذا أذن لغيره بالجلوس، علم أن المكان آمن من ذلك كله. والله تعالى أعلم. (إِلا بإِذنه) قيل: الاستثناء متعلق بكلا الفعلين، فيجوز أن يؤم الزائر صاحب البيت، ويجلس على تكرمته بإذنه. وقيل: متعلق بالثاني فقط، والراجح الأول. قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: والعمل على هذا -يعني حديث أبي مسعود المذكور في الباب- عند أهل العلم، قالوا: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة. وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره، فلا بأس أن يصلي بهم. وكرهه بعضهم، وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت. قال أحمد بن حنبل: وقول النبي ﷺ : "لا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرمته، إلا بإذنه". فإذا أذن، فأرجو أن الإذن في الكل، ولم ير به بأساً إذا أذن له أن يصلي به. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم، ومنه

стр. 5911

التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. وقال الحافظ ﵀: مدار هذا الحديث على إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، وليسا جميعاً من شرط البخاري، وقد نقل ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث. ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري، وقد علق منه طرفاً بصيغة الجزم، واستعمله هنا في الترجمة. انتهى (١). المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٣/ ٧٨٠)، وفي "الكبرى" (٣/ ٨٥٥) عن قتيبة، عن فضيل بن عياض، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعج، عنه. وفي (٦/ ٧٨٣)، و"الكبرى" (٦/ ٨٥٨) عن إبراهيم بن محمد التيمي، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن إسماعيل به، مختصراً: "لا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلسُ على تكرمته، إلا بإذنه". والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم

стр. 5912

في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن أبي خالد الأحمر -وعن أبي كريب، عن أبي معاوية- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، وأبي معاوية -وعن أبي سعيد الأشج، عن ابن فضيل- وعن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة - خمستهم عن الأعمش، به. وعن أبي موسى، وبندار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن إسماعيل به. وأبو داود فيه عن أبي الوليد، عن شعبة به. وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وعن الحسن بن علي، عن عبد الله بن نمير، عن الأعمش به. والترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية به. وعن محمود بن غيلان، عن أبي معاوية، وابن نمير به. وابن ماجه فيه عن بندار، به. والحميدي رقم (٤٥٧)، وأحمد (٤/ ١١٨، ١٢١، ١٢١)، (٥/ ٢٧٢)، وابن خزيمة رقم (١٥٠٧، ١٥١٦). وابن حبان رقم (٢١٢٧، ٢١٣٣، ٢١٤٤). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان من أحق الناس بالإمامة، فيقدم الأقرأ لكتاب الله، فإن استووا قدم الأعلم بالسنة، فإن استووا قدم الأقدم في الهجرة، فإن استووا قدم الأكبر في السن. ومنها: أن إقامة الصلاة من مهمات الأمور الدينية، فلذا أمر

стр. 5913

الشارع أن يقدم لها الأكمل، فالأكمل. ومنها: أن السلطان، وصاحب البيت لا يجوز أن يتقدم عليهما غيرهما، إلا بإذنهما، فإذا أذنا جاز؛ على خلاف سنذكره في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن المفضول يجوز أن يتقدم على الفاضل إذا أذن له. ومنها: أنه لا يجوز للشخص أن يجلس على تكرمة غيره إلا بإذنه. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في ترتيب الأحق بالإمامة: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: هذه مسألة اختلف فيها السلف: فقال مالك: يؤم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وللسنّ حق. قيل له: فأكثرهم قرآناً؟ قال: لا، قد يقرأ من لا يكون فيه خير. وقال الثوري: يؤمهم أقرؤهم، فإن كانوا سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن استووا، فأسنهم. وقال الأوزاعي: يؤمهم أفقههم في دين الله. وقال أبو حنيفة: يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم للسنة، فإن استووا في القراءة والعلم بالسنة، فأكبر سنّاً، فإن استووا في القراءة، والفقه، والسن فأورعهم. قال محمد بن الحسن، وغيره: إنما قيل في

стр. 5914

الحديث: "أقرؤهم" لأنهم أسلموا رجالاً، فتفقهوا فيما علموا من الكتاب والسنة، أما اليوم فيتعلمون القرآن، وهم صبيان، لا فقه لهم. وقال الليث: يؤمهم أفضلهم، وخيرهم، ثم أقرأهم، ثم أسنهم إذا استووا. وقال الشافعي: يؤمهم أقرؤهم، وأفقههم، فإن لم يجتمع ذلك، قدم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكتفى به في صلاته، وإن قدم أقرؤهم، وعلم ما يلزمه في الصلاة فحسن. وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: رجلان أحدهما أفضل من صاحبه، والآخر أقرأ منه؟ فقال: حديث أبي مسعود: "يؤم القوم أقرؤهم". قال: ألا ترى أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكان يؤمهم؛ لأنه جمع القرآن. وحديث عمرو بن سَلِمَة "أفهم للقرآن" (١)، فقلت له: حديث رسول الله ﷺ : "مروا أبا بكر، فليصل بالناس" أليس هو خلاف حديث أبي مسعود عن النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم"؟، فقال: إنما قوله لأبي بكر "يصلي بالناس" إنما أراد الخلافة، وكان لأبي بكر فضل بَيِّن على غيره، وإنما الأمر في الإمامة إلى القراءة، وأما قصة أبي بكر فإنما أراد الخلافة.

стр. 5915

انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى (١). وقال الحافظ ﵀: وقوله في حديث أبي مسعود: "أقرؤهم" قيل: المراد به الأفقه. وقيل: هو على ظاهره. وبحسب ذلك اختلف الفقهاء؛ قال النووي: قال أصحابنا: الأفقه مقدم على الأقرأ، فإن الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، فقد يعرض في الصلاة أمر، لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه، ولهذا قَدَّم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة على الباقين، مع أنه ﷺ نص على أن غيره أقرأ منه. كأنه عنى حديث "أقرؤكم أُبَيّ". قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. قال الحافظ: وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي ﷺ على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه. ثم قال النووي بعد ذلك: إن قوله في حديث أبي مسعود: "فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة" يدل على تقديم الأقرأ مطلقاً. انتهى. قال الحافظ: وهو واضح للمغايرة. قال: ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلاً بذلك، فلا يقدم اتفاقاً، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم، بل

стр. 5916

القارىء كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). وقال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: بعد ذكر الأقوال المتقدمة: ما نصه: القول بظاهر خبر أبي مسعود يجب، فيُقَدِّم الناسُ على سبيل الوجوب ما قدمه رسول الله ﷺ ، لا يجاوَزُ ذلك، ولو قدم إمام غير هذا المثال كانت الصلاة مجزية، ويكره خلافُ السنة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ هو الرأي الراجح عملاً بظاهر النص. وحاصله أن الأئمة يرتبون كما رتبهم رسول الله ﷺ في حديث أبي مسعود ﵁ المذكور في الباب، فيقدم الأقرأ، فإن استووا، فالأعلم بالسنة، فإن استووا، فالأقدم في الهجرة، فإن استووا فالأكبر سناً. فإن خالفوا ذلك جازت الصلاة مع الكراهة، وإنما قلنا بجوازها؛ لأن الأمر في قوله: "يؤم القوم أقرؤهم" ليس للوجوب، بدليل أنه ﷺ صلى خلف أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وإنما قلنا بكراهتها لمخالفة السنة.

стр. 5917

ثم إن تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنة محله -كما سبق في كلام الحافظ- إذا كان عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة. وأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يجوز تقديمه اتفاقاً. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5918

٤ - تَقْدِيمُ ذَوِي السِّنِّ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم تقديم أصحاب السن الكبار في الصلاة ٧٨١ - أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَنْبِجِيُّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا، وَابْنُ عَمٍّ لِي، وَقَالَ مَرَّةً: أَنَا، وَصَاحِبٌ لِي، فَقَالَ: "إِذَا سَافَرْتُمَا، فَأَذِّنَا، وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه. وقد تقدم للمصنف سنداً، ومتناً في (كتاب الأذان) برقم (٧/ ٦٣٤)، وتقدم هناك شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به سنداً، ومتناً، وتقدم في الباب الماضي بيان ما ترجم له المصنف هنا، وهو حكم تقديم الأكبر سناً، بما فيه الكفاية، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن شئت الاستفادة فراجعها. وأوضّحُ هنا بعض ما لعله يخفى من السند والمتن: فقوله: (حاجب بن سليمان) هو أبو سعيد مولى بني شيبان، صدوق يهم، مات سنة ٢٦٥، من [١٠]، وهو من أفراد المصنف.

стр. 5919

وقوله: (المَنْبِجِيّ) -بفتح، فسكون، فكسر موحدة، آخره جيم-: نسبة إلى قرية بالشام. أفاده في "لب اللباب" ص ٢٧٦. و (وكيع) هو ابن الجرّاح. و (سفيان): هو الثوري، و (أبو قلابة): اسمه عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الجرمي، البصري. وقوله: (ابن عم لي) لم يسم في شيء من طرق الحديث، كما قاله الحافظ في "الفتح". والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5920

٥ - اجْتِمَاعُ الْقَوْمِ فِي مَوْضِعٍ، هُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أي باب ذكر الحديث الدالّ على حكم اجتماع القوم في محل هم فيه سواء. والمراد أنهم في ذلك الموضع متساوون في الحكم، بحيث لا يتقدم أحدهم على الآخرين، وذلك كالمواضع التي لا تختص بأحد، كالرباط، والخانات، أو كانوا في سفر، أو في الصحراء، واحترز بذلك عن المواضع التي يختص بها بعضهم، دون الآخرين، كالبيت، ومحل الولاية، فإنه يؤمهم صاحب البيت، وولي الأمر، كما تقدم الكلام عليه مُستوفىً قبل باب. وبالله التوفيق. ٧٨٢ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة مأمون سني، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، الإمام الحجة الثبت، من [٩]،
следующие страницы →