٢٥ - أيْنَ يَضَعُ الإِمَامُ نَعْليْهِ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواب سؤال من سأل عن محل وضع الإمام نعليه عند صلاته بالناس. ومحل الاستدلال من الحديث واضح في قوله: "فوضع نعليه عن يساره". والله تعالى أعلم.
٧٧٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ، فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عَنْ يَسَارِهِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة مأمون، مات سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة، من [١٠]، أخرج له النسائي، ٤٢/ ٤٩.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.
стр. 5847
٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يرسل ويدلس، مات سنة ١٥٠، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٥ - (محمد بن عباد) بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي المكي، ثقة، من [٣].
روى عن جده لأمه عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي سلمة ابن سفيان، وغيرهم. وروى عنه ابنه جعفر، والزهري، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة مشهور. وقال أبو زرعه: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة.
٦ - (عبد الله بن سفيان) المخزومي، أبو سلمة مشهور بكنيته، ثقة، من [٤].
روى عن عبد الله بن السائب المخزومي، وأبي أمية بن الأخنس. وعنه محمد بن عباد بن جعفر، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن عبد الله بن صيفي، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة مأمون. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديث: "صلى لنا النبي ﷺ بمكة"، وفيه: "أخذته سعلة، فحذف، وركع". وعلقه البخاري.
стр. 5848
٧ - (عبد الله بن السائب) بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أبو السائب، ويقال: أبو عبد الرحمن المكي القارىء، له ولأبيه صحبة، وكان أبوه شريك النبي ﷺ . روى عن النبي ﷺ . وعنه ابنه محمد، على خلاف فيه، وعبد الله بن عمرو العائذي، وليس بابن العاص، وابن عمه عبد الله ابن المسيب بن أبي السائب العابدي، وأبو سلمة بن سفيان، وعبيد المكي، وعطاء، ومجاهد، والمؤمل بن وهب المخزومي، وابن أبي مليكة، وغيرهم.
وكان قارىء أهل مكة، أخذ عنه أهل مكة القراءة، وقرأ عليه مجاهد وغيره. وقيل: إنه مولى مجاهد من فوق، وقرأ ابن السائب على أبي بن كعب، وتوفي بمكة قبل عبد الله بن الزبير بيسير. وهو عبد الله بن السائب قائد ابن عباس، أفرده صاحب "الكمال" بالذكر، وهو هو.
وقال ابن جريج عن ابن أبي مليكة: رأيت ابن عباس لما فرغوا من دفن عبد الله بن السائب، قام ابن عباس فوقف على قبره، فدعا له، وانصرف. قال الحافظ ﵀: قلت: فعلى هذا يكون مات قبل ابن الزبير بمدة لا يعبر عنها بيسير؛ لأن ابن عباس مات قبل ابن الزبير بخمس سنين. علق له البخاري في "الصحيح"، وأخرج له في "الأدب المفرد"، والباقون. والله تعالى أعلم.
стр. 5849
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وهو مسلسل بالمكيين، غير شيخيه ويحيى، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الأكابر عن الأصاغر، فمحمد بن عباد بن جعفر من الطبقة الثالثة، وعبد الله بن سفيان من الرابعة.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: "عن يحيى" لفظ "كلاهما"، وقد تقدم البحث عنه غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن السائب) ﵁ (أن رسول الله ﷺ يوم الفتح) أي فتح مكة، والصلاة التي صلاها هي الصبح، ففي رواية مسلم من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة … الحديث.
(فوضع نعليه عن يساره) فيه أن المصلي إذا لم يصل بنعليه يجعلهما عن يساره. وهذا إذا لم يكن عن يساره أحد، وإلا فليضعهما بين رجليه؛ لما أخرج أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه، ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعها بين رجليه". وفي رواية: "إذا صلى
стр. 5850
أحدكم، فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن السائب هذا أخرجه مسلم (١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٥/ ٧٧٦)، وفي "الكبرى" (١٣/ ٨٥٢) بالسند المذكور. وأخرجه (٧٦/ ١٠٠٧)، و"الكبرى" (٢٣/ ١٠٧٩) عن محمد ابن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث الهجيمي، عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن عباد حديثاً رفعه إلى ابن سفيان، عن عبد الله بن السائب، قال: حضرت رسول الله ﷺ يوم الفتح، فصلى في قُبُل الكعبة، فخلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فافتتح بسورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى، أو عيسى ﵉ أخذته سَعْلة، فركع". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في الصلاة عن هارون بن عبد الله، عن حجاج بن محمد -وعن محمد بن رافع،
стр. 5851
عن عبد الرزاق، وأبو داود فيه عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق -وأبي عاصم- ثلاثتهم عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن المسيب العابدي، ثلاثتهم عن عبد الله بن السائب، ﵁. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
رواية مسلم، وأبي داود رحمهما الله تعالى ليس فيها ذكر وضع النعلين، ولفظها: عن عبد الله بن السائب، قال: "صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنون، حتى جاء ذكر موسى، وهارون، أو ذكر عيسى (محمد بن عباد يشك، أو اختلفوا عليه) أخذت النبي ﷺ سعلة، فركع" وعبد الله بن السائب حاضر ذلك. والله تعالى أعلم.
تنبيه آخر:
وقع عند مسلم في رواية هارون بن عبد الله: ما نصه: "وعبد الله ابن عمرو بن العاص". قال الحفاظ: قوله: ابن العاص غلط، والصواب حذفه، وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي، بل هو عبد الله بن عمرو الحجازي (١) كذا ذكره البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وخلائق من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين.
وأخرجه أبو داود بذكر النعلين، في "الصلاة" عن مسدد، وابن ماجه
стр. 5852
فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة - كلاهما عن يحيى بن سعيد، بسند المصنف ولفظه. وأحمد: (٣/ ٤١٠، ٤١١)، الحميدي رقم (٨٢١)، ابن خزيمة رقم (١٠١٥، ١٦٤٩). وابن حبان رقم (٢١٨٩). والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 5853
١٠ - كتاب الإمامة
أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على أحكام الإمامة.
والإمامة لغة: التقدم. قال الفيومي ﵀: وتكره إمامة الفاسق، أي تقدمه إماماً. اهـ (١). وقال بعضهم: الإمامة: رياسة المسلمين، ومنصب الإمام (٢).
والإمام: الخليفة، والعالم المُقتدَى به، ومن يؤتم به في الصلاة، ويطلق على الذكر والأنثى. قال بعضهم: وربما أنث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة. وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم، لا صفة.
ويقرب من هذا ما حكاه ابن السكيت في كتاب المقصور والممدود: تقول العرب عاملنا امرأة، وأميرنا امرأة، وفلانة وصي فلان، وفلانة وكيل فلان، قال: وإنما ذُكِّرَ لأنه إنما يكون في الرجال أكثر مما يكون في النساء، فلما احتاجوا إليه في النساء أجروه على الأكثر في موضعه، وأنت قائل: مؤذن بني فلان امرأة، وفلانة شاهد بكذا؛ لأن هذا يكثر في الرجال، ويقل في النساء.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ فذكر "نذيراً"،
стр. 5854
وهو لإحدى. ثم قال: وليس بخطأ أن تقول: وصية، ووكيلة بالتأنيث؛ لأنها صفة المرأة إذا كان لها فيه حظ، وعلى هذا فلا يمتنع أن يقال: امرأة إمامة؛ لأن في الإمام معنى الصفة، وجمع الإمام أئمة، والأصل أَأْمِمَة وزان أمْثِلَة، فأدغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة، فمن القراء من يبقي الهمزة محققة على الأصل، ومنهم من يسهلها على القياس بين بين، وبعض النحاة يبدلها ياء للتخفيف، وبعضهم يعده لحنا، ويقول: لا وجه له في القياس. أفاده الفيومي (١). والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 5855
١ - ذِكْرُ الإِمَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ. إِمَامَةُ أهل الْعِلْمِ وَالْفضْلِ
هكذا نسخ المجتبى بتكرار "الإمامة"، ونسخة الكبرى "كتاب الإمامة والجماعة. ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل". والظاهر أنه لا داعي إلى التكرار، بل الأولى أن يقول: "كتاب الإمامة والجماعة. ذكر إمامة أهل العلم والفضل". والله أعلم.
٧٧٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ الأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَأَتَاهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ؟ فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) هو ابن راهويه الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة، مات سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم أبو داود، والترمذي والنسائي، تقدم في ٢/ ٢.
стр. 5856
٢ - (هَنّاد بن السّرِيّ) بن مصعب التميمي أبو السّريّ الكوفي، ثقة، من [١٠]، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٣ - (حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرىء، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (زائدة) بن قُدَامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة، مات سنة ١٦٠، وقيل: بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٥ - (عاصم) بن أبي النَّجُود وهو ابن بَهْدَلَة الأسدي مولاهم، أبو بكر الكوفي المقرىء، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، مات سنة ١٢٨، من [٦]، تقدم في ٩٨/ ١٢٦.
٦ - (زِرّ) بن حُبَيش بن حُباشة الأسدي أبو مريم الكوفي، ثقة جليل مخضرم، مات سنة ٨١ أو ٨٢ أو ٨٣ وهو ابن ١٢٧، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٨/ ١٢٦.
٧ - (عبد الله) بن مسعود، الصحابي الجليل ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥/ ٣٩.
٨ - (عمر) بن الخطاب العدوي، الخليفة الثاني ﵁،
стр. 5857
أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخيه، فإن الأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا إسحاق، فهو مروزي، ثم نيسابوري، وعمر ﵁ فهو مدني.
ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: عن حسين بن علي لفظ "كلاهما"، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁، أنه (قال: لَمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي مات (قالت الأنصار منا أمير، ومنكم أمير)، قد ساق البخاري ﵀ القصة بطولها في "باب فضل أبي بكر ﵁" من صحيحه، فقال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : "أن رسول الله ﷺ مات، وأبو بكر بالسُّنْح -قال إسماعيل:
стр. 5858
يعني بالعالية- فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول الله ﷺ ، فقبّله، فقال: بأبي أنت وأمي طِبْتَ حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يُذيقك الله الموتتين أبداً.
ثم خرج، فقال: أيها الحالف على رِسْلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر. فحمد الله أبو بكر، وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً ﷺ قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] قال: فَنَشج (١) الناس يبكون.
قالت: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ
стр. 5859
الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حُباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر بن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فانت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده، فبايعه، وبايعه الناس، فقال: قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله". انتهى (١).
قال الحافظ ﵀: قوله: "لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير". زاد في رواية ابن عباس أنه قال: "أنا جُدَيلها الْمُحَكّك، وعُذَيْقُها الْمُرَجّب"، وشرح هاتين الكلمتين أن العُذيق بالذال المعجمة تصغير عذق، وهو النخلة، والمرجَّب بالجيم والموحدة، أي يدعم النخلة إذا كثر حملها، والجديل بالتصغير أيضاً، وبالجيم، والجدل عود ينصب للإبل الجرباء لتحتك فيه، والمُحَكَّك بكافين الأولى مفتوحة، فأراد أنه يستشفى برأيه.
ووقع عند ابن سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد: "فقام حُباب بن المنذر، وكان بدريّاً، فقال: منا أمير، ومنكم أمير، فإنا والله ما نَنْفَسُ عليكم هذا الأمر، ولكنا نخاف أن يليه أقوام
стр. 5860
قتلنا آباءهم وإخوانهم. قال: فقال له عمر: إذا كان ذلك، فمت إن استطعت، قال: فتكلم أبو بكر، فقال: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم، قال: فبايع الناس، وأولهم بَشِير بن سعد والد النعمان".
وعند أحمد من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد: "فقام خطيب الأنصار، فقال: إن رسول الله ﷺ كان إذا استعمل رجلاً منكم قرنه برجل منا، فتبايعوا على ذلك، فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وإنما الإمام من المهاجرين، فنحن أنصار الله، كما كنا أنصار رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: جزاكم الله خيراً، فبايَعُوه".
ووقع في آخر المغازي لموسى بن عقبة عن ابن شهاب، أن أبا بكر قال في خطبته: "وكنا معاشر المهاجرين أول الناس إسلاماً، ونحن عشيرته، وأقاربه، وذوو رحمه، ولن تصلح العرب إلا برجل من قريش، فالناس لقريش تبع، وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في دين الله، وأحب الناس إلينا، وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لفضيلة إخوانكم، وأن لا تحسدوهم على خير".
وقال فيه: "إن الأنصار قالوا: أوّلاً نختار رجلاً من المهاجرين، وإذا مات اخترنا رجلاً من الأنصار، فإذا مات اخترنا رجلاً من المهاجرين كذلك أبداً، فيكون أجدر أن يشفق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه
стр. 5861
الأنصاري، وكذلك الأنصاري، قال: فقال عمر: لا والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه، فقام حباب بن المنذر، فقال كما تقدم، وزاد: وإن شئتم كررناها خدعة. أي أعدنا الحرب. قال: فكثر القول حتى كاد أن يكون بينهم حرب، فوثب عمر، فأخذ بيد أبي بكر".
وعند أحمد من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: "توفي رسول الله ﷺ ، وأبو بكر في طائفة من المدينة -فذكر الحديث، قال: فتكلم أبو بكر، فقال: والله لقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال، وأنت قاعد: "قريش وُلاة هذا الأمر". فقال سعد: صدقت (١).
قال ابن التين ﵀: إنما قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. على ما عرفوه من عادة العرب أن لا يتأمر على القبيلة إلا من كان منها، فلما سمعوا حديثَ: "الأئمةُ من قريش". رجعوا عن ذلك، وأذْعَنُوا (٢).
(فأتاهم عمر) ﵁ (فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟)؛ قال السندي رحمه الله تعالى: الباء للتعدية، وفيه تقديم أهل العلم والفضل، في الإمامة الصغرى والكبرى جميعاً، وأنهم فهموا من تقديم أبي بكر في الصغرى تقديمه في الكبرى أيضاً، بعد بيان عمر ﵁ لهم
стр. 5862
ذلك، وليس ذلك لقياس الكبرى على الصغرى حتى يقال: إنه قياس باطل، بل لأن الصغرى يومئذ كانت من وظائف الإمام الكبير، فتفويضها إلى أحد عند الموت دليل على نصبه للكبرى. فليتأمل (١).
(فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟) أي في الخلافة، يعني أنه إذا رضيه رسول الله ﷺ إماماً لكم في الصلاة التي هي أعظم أركان الدين بعد الشهادتين، فكيف لا ترضونه أنتم إماماً لأموركم؟
(قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر)؛ يقال: عُذت بالله، مَعاذاً، وعِياذًا، واستعذت به: اعتصمت. أفاده في المصباح (٢)؛ أي نعتصم بالله من التقدم أمام أبي بكر ﵁ في ولاية أمور المسلمين. والله تعالى أعلم، وهو ولي التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى من بين أصحاب الأصول. وأخرجه أحمد (١/ ٢١، ١/ ٤٠٥). والله تعالى أعلم.
стр. 5863
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن أهل العلم والفضل، أحق بالإمامة من غيرهم.
ومنها: أن الأعلم يقدم على الأقرأ؛ لأنه ﷺ قدم أبا بكر دون أُبَيّ مع قوله: "أقرؤكم أُبَيّ". وسيأتي تمام البحث فيه في الباب الثالث، إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان عظيم ما مَنّ الله به على أصحاب رسول الله ﷺ من ائتلافهم واجتماعهم على خلافة أبي بكر ﵁ بعد أن كادوا يختلفون فيها.
ومنها: بيان فقه عمر ﵁، حيث استنبط من تقديم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة كونه يستحق الخلافة.
ومنها: فضل الأنصار رضي الله تعالى عنهم وانقيادهم للحق حيث تراجعوا عما كانوا عليه حين ذكّرهم عمر ﵁.
ومنها: أنه استدلّ بقول الأنصار: "منا أمير، ومنكم أمير" أن النبي ﷺ لم يستخلف، ووجه ذلك أنهم قالوا ذلك في مقام من لا يخاف شيئاً، ولا يتقيه.
قال القرطبي ﵀ في "المفهم": لو كان عند أحد من المهاجرين والأنصار نَصٌّ من النبي ﷺ على تعيين أحد بعينه للخلافة لما اختلفوا في
стр. 5864
ذلك، ولا تفاوضوا فيه. قال: وهذا قول جمهور أهل السنة. واستدل من قال: إنه نص على خلافة أبي بكر، بأصول كلية، وقرائن حالية تقتضي أنه أحق بالإمامة، وأولى بالخلافة. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه "التمهيد" بحثاً نفيساً في بيان استخلاف أبي بكر ﵁، أحببت إيراده هنا لنفاسته، قال رحمه الله تعالى:
لَمّا قال رسول الله ﷺ : "مروا أبا بكر يصلي بالناس"، في مرضه الذي توفي فيه، واستخلفه على الصلاة، وهي عُظْمُ الدين، وكانت إليه لا يجوز أن يتقدم إليها أحد بحضرته ﷺ ، فلما مرض استخلف عليها أبا بكر، والصحابة متوافرون، منهم علي، وعمر، وعثمان، ﵃، استدل المسلمون بذلك على فضل أبي بكر، وعلى أنه أحق بالخلافة بعدُ، وعلموا ذلك، فارتضوا لدنياهم، وإمامتهم، وخلافتهم من ارتضاه لهم رسول الله ﷺ لأجل دينهم؛ وذلك إمامتهم في صلاتهم، ولم يكن يمنع رسول الله ﷺ من أن يصرح بخلافة أبي بكر بعده -والله أعلم- إلا أنه كان لا ينطق في دين الله بهواه، ولا ينطق إلا بما يوحى إليه فيه.
قال الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] ولم يكن يوحى إليه في الخلافة شيء، وكان لا
стр. 5865
يتقدم بين يدي ربه في شيء، وكان يحب أن يكون أبو بكر الخليفة بعده، فلما لم ينزل عليه في ذلك وحي، ونعني لم يؤمر بذلك، أراهم موضع الاختيار، وموضع إرادته، فعرف المسلمون ذلك منه، فبايعوا أبا بكر بعده، فخير لهم في ذلك، ونفعهم الله به، وبارك لهم فيه، فقاتل أهل الردة حتى أقام الدين كما كان، وعَدَل في الرعية، وقسم بالسوية، وسار بسيرة رسول الله ﷺ حتى توفاه الله حميداً، ﵁.
قال ابن أبي مليكة ﵀ في حديث: "مروا أبا بكر، فليصل بالناس": وأيّ خلافة أبين من هذا؟
قال أبو عمر ﵀: وقد جاءت عن النبي ﷺ آثار تدلّ على أن رسول الله ﷺ كان يسره، ويعلم أن الخليفة أبو بكر -والله أعلم-:
منها: حديث حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر" (١).
ومنها: حديث جبير بن مطعم ﵁: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، فسألته عن شيء، فأمرها أن ترجع، قالت: يا رسول الله، إن رجعت، فلم أجدك؟ -قال: كأنها تعني الموت- قال: "فأتِ أبا بكر" (٢). قال الشافعي ﵀: وفي هذا دليل على خلافة أبي بكر ﵁.
стр. 5866
قال أبو عمر ﵀: وأجمعوا أن أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول الله في كتبه كلها. وذكر نافع بن عمر الجُمَحي، عن ابن أبي مليكة أن رجلاً قال لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال أبو بكر: أنا خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا راضٍ بذلك. وبعث عمر بن عبد العزيز محمد بن الزبير إلى الحسن يسأله هل استخلف رسول الله ﷺ أبا بكر؟ فقال: نعم.
قال أبو عمر: إنما قال هذا استدلالاً بنحو ما ذكرنا من الحديث -والله أعلم- ولم يُختَلَف عن عمر أنه لما حضرته الوفاة، قال: إن أستخلف، فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف، فلم يستخلف رسول الله ﷺ ، قال ابن عمر: فلما ذكر رسول الله ﷺ علمت أنه لا يستخلف، وهذا معناه أنه لم يستخلف نصًا ولا تصريحًا. والله أعلم.
وقد استدل قوم من أهل العلم على خلافة أبي بكر بقوله الله : ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]-ومعلوم أن الداعي لأولئك القوم غير النبي ﷺ ؛ لأن الله قد منع المخلفين من الأعراب من الخروج مع رسول الله ﷺ بقوله: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]. وقد أرادوا الخروج معه إلى بعض ما رَجَوا فيه الغنيمة، فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾
стр. 5867
[الفتح: ١٥]. يعني قوله: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣]. ولا تبديل لكلمات الله.
وفي قوله : ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أوضح الدلائل على وجوب طاعة أبي بكر وإمامته، ووَعدَ الله المخلفين عن رسوله إذا أطاعوا الذي يدعوهم بعدُ بالأجر الحسن، وأوعدهم بالعذاب الأليم إن تولوا عنه.
وللعلماء في قول الله : ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ …﴾ قولان، ولا ثالث لهما؛ أحدهما: أنهم قالوا: أراد بقوله: ﴿إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أهل اليمامة مع مسيلمة. وقال آخرون: أراد فارس، فإن كان -كما قالوا- أهلُ اليمامة، فأبو بكر هو الذي دعاهم إلى قتالهم، وإن كانوا فارس، فعمر دعا إلى قتالهم، وعمر إنما استخلفه أبو بكر؛ فعلى أيّ الوجهين كان، فالقرآن يقتضي بما وصفنا إمامة أبي بكر، وخلافته. وإن كان أراد فارس، فهو دليل إمامة عمر، وخلافته.
وقد قال من لا علم له بتأويل القرآن: إنهم هوازن وحُنَين، وهذا ليس بشيء؛ لقول الله: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، وقوله: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الفتح: ١٥]. ومعلوم أن من وَاسَى رسولَ الله ﷺ وصَحِبَه أخيراً لا يلحق في الفضل بمن واساه،
стр. 5868
ونصره، وصحبه أوَّلاً؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية [الحديد: ١٠].
وكان أبو بكر أوّل الناس؛ عزّر رسول الله ﷺ ، ونصره، وآمن به، وصدقه، وصابر على الأذى فيه، فاستحق بذلك الفضل العظيم؛ لأن كل ما صنعه غيره بعده قد شاركه فيه، وفاتهم، وسبقهم بما تقدم إليه، فلفضله ذلك استحق الإمامة؛ إذ شأنها أن تكون في الفاضل أبداً ما وُجِدَ إليه سبيل، والآثار في فضائله ليس هذا موضعَ ذكرها، وإنما ذكرنا استحقاقه للخلافة بدليل الكتاب والسنة.
انتهى خلاصة ما كتبه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث نفيس، وتحرير أنيس. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 5869
٢ - الصَّلَاةُ مَعَ أئِمَّةِ الْجَوْرِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على حكم الصلاة مع أئمة الْجَوْر.
قد تقدم ضبط الأئمة في الباب الماضي، فراجعه، تستفد.
وأما "الجور"، فهو بفتح، فسكون-: مصدر جار، يقال: جار في حكمه، يجور، جَوْراً: إذا ظلم، وجار عن الطريق: إذا مال. قاله الفيومي (١).
والمراد بأئمة الجور ما يشمل الذين جاروا بالخروج على الإمام، والذين جاروا بظلم الناس، والذين جاروا بمخالفة أهل السنة والجماعة، وهم المبتدعة.
وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" بقوله: [باب إمامة المفتون، والمبتدع] قال في الفتح: قوله: "باب إمامة المفتون". أي الذي دخل في الفتنة؛ فخرج على الإمام، ومنهم من فسره بما هو أعم من ذلك. قوله: "والمبتدع"، أي من اعتقد شيئاً مما يخالف أهل السنة والجماعة. انتهى (٢).
الصغير، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢ وله ٨٦ سنة، من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إِسماعيل ابن عُلية) هو ابن إبراهيم بن مِقْسَم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، ثقة حافظ مات سنة ١٩٣، وهو ابن ٨٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة/ كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة ١٣١، وله ٦٥ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٨.
٤ - (أبو العالية البَرَّاء) بتشديد الراء- البصري، مولى قريش، كان يَبْري النَّبْل، قيل: اسمه زياد بن فيروز، وقيل: زياد بن أُذَينة، وقيل: أذينة، وقيل: إن أذينة لقب، واسمه كلثوم، ثقة، من [٤].
روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس، وطلق بن حبيب، وعبد الله بن الصامت، وغيرهم. وعنه أيوب، وبديل بن ميسرة، ومطر الوراق، والحسن بن أبي الحسناء، ويونس بن عبيد، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال ابن عبد البر: زياد بن فيروز أكثر ما قيل فيه، وهو عندهم ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات
стр. 5872
يوم الاثنين في شوّال سنة تسعين (١). أخرج له الشيخان، والمصنف.
٥ - (ابن الصامت) هو عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذرّ ﵁ الغفاري البصري، ثقة، مات بعد سنة ٧٠، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة. تقدم في ٧/ ٧٥٠.
٦ - (أبو ذرّ) الغفاري جندب بن جُنادة الصحابي المشهور ﵁، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة إلا شيخه، فلم يخرج له مسلم، ولا ابن ماجه، وأنهم بصريون، إلا شيخه؛ فبغدادي، والصحابي؛ فمدني، مات بالرَّبَذَة، قرية قريبة من المدينة.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: أيوب، وأبو العالية، وابن الصامت.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.
стр. 5873
شرح الحديث
(عن أبي العالية البرّاء) بتشديد الراء، نسبة إلى بَرْيِ النَّبْل، أنه (قال: أخر زياد) هكذا نسخة "المجتبى"، و"الكبرى" "زياد"، والصواب كما في صحيح مسلم جـ ٥ ص ١٥٠، ومسند أحمد (٥/ ١٤٧)، وصحيح ابن خزيمة جـ ٣ ص ٦٦: "ابن زياد"، وقد صرح أحمد باسمه، فقال: "عبيد الله بن زياد".
والظاهر أنه عبيد الله بن زياد بن أبيه ٢٨ - ٦٧ هـ، كان والياً فاتحاً من الشجعان جباراً خطيباً ولد بالبصرة. ويحتمل أن يكون عبيد الله ابن زياد بن ظبيان البكري المتوفى سنة ٧٥ هـ كان فاتكاً من الشجعان، وكان مقرباً من عبد الملك بن مروان (١).
(فأتاني ابن الصامت) هو عبد الله الغفاري (فألقيت له كرسياً) فيه إكرام الضيف، والاهتمام به.
و"الكرسي": بضم الكاف أشهر من كسرها، والجمع مثقل وقد يخفف. قال ابن السِّكِّيت في باب ما يشدد، وكل ما كان واحده مشدداً، شدّدت جمعه، وإن شئت خففت (٢).
(فجلس عليه، فذكرت له صنع زياد)، الصواب "ابن زياد"،
стр. 5874
كما مر آنفاً (فعض على شفتيه)؛ قال الفيومي ﵀: عَضِضتُ اللُّقمة، وبها، وعليها، عَضّاً: أمسكتُها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكن، ومن باب نَفَعَ لغة قليلة، وفي أفعال ابن القطان: من باب قتل. انتهى (١).
وإنما عض عبد الله بن الصامت على شفتيه إظهاراً للكراهة لفعله (٢).
(وضرب على فخذي) "الفَخِذ" -ككتف-: ما بين الساق والورك، مؤنث، كالفَخْذِ -بفتح الفاء، وتكسر، مع سكون الخاء فيهما، ويجوز فيه فِخِذ- بكسرتين (٣). وإنما ضرب فخذه للتنبيه، وجمع الذهن، على ما يقوله له (٤).
стр. 5875
(وقال: إِني سألت أبا ذرّ) ﵁ (كما سألتني، فضرب فخذي، كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله ﷺ ، كما سألتني، فضرب) ﷺ (فخذي، كما ضربت فخذك)، هذا هو النوع المسمى في مصطلح المحدثين بالمسلسل قولاً، وفعلاً، حيث تسلسل بقول كلّ من عبد الله بن الصامت، وأبي ذرّ: "سألت، كما سألتني، وضرب فخذي، كما ضربت فخذك".
(فقال ﵊: "صل الصلاة) ولفظ مسلم من طريق حماد، عن أبي عمران الْجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ "، أو "يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فصل، فإنها لك نافلة".
وفي رواية جعفر بن سليمان، عن أبي عمران: "يا أبا ذر إنه ستكون بعدي أمراء، يميتون الصلاة، فصل الصلاة لوقتها، كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك".
وفي رواية شعبة، عن أبي عمران، قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع، وأُطيع، وإن كان عبداً مُجَدَّع الأطراف، وأن أصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركتَ القوم، وقد صلّوا كنتَ قد أحرزت صلاتك، وإلا كانت لك نافلة.
стр. 5876
ومن طريق بُدَيل، عن أبي العالية، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ وضرب فخذي-: "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قال: ما تأمر؟ قال: "صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة، وأنت في المسجد، فصلّ".
ومن طريق خالد بن الحارث، عن شعبة، عن أبي نَعَامَة، عن عبد الله بن الصامت، قال: "كيف أنتم"، أو قال: "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصل الصلاة لوقتها، ثم إذا أقيمت الصلاة، فصل معهم، فإنها زيادة خير".
ومن طريق هشام الدستوائي، عن مطر الورّاق، عن أبي العالية البرّاء، قال: قلت لعبد الله بن الصامت: نصلي الجمعة خلف أمراء، فيؤخرون الصلاة؟ قال: فضرب فخذي ضربة أوجعتني، وقال: سألت أبا ذر، عن ذلك، فضرب فخذي، وقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة". قال: وقال عبد الله: ذُكِرَ لي أن نبي الله ﷺ ضرب فخذ أبي ذر.
(صلّ الصلاة لوقتها) أي في وقتها المأمور أداؤها فيه، جمعاً بين المصلحتين، مصلحةِ أداء الصلاة في الوقت المشروع، ومصلحة عدم شق العصا بإظهار المخالفة.
(فإِن أدركت) الصلاة (معهم) وقد بُيِّنَ معنى إدراكها معهم في
стр. 5877
رواية مسلم المذكورة آنفاً، وهي الرواية الآتية للمصنف (٥٥/ ٨٥٩) من طريق بديل عن أبي العالية، ففيها: "صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة، وأنت في المسجد، فصلّ". فقد أفادت هذه الرواية أن المراد بالإدراك هو أن تقام الصلاة، وهو في المسجد، فأما إذا ذهب لحاجته قبل أن تقام، فليس عليه أن يرجع.
(فصلّ) تلك الصلاة جماعةً، إحرازاً للفضيلتين، فضيلة المبادرة بأداء الصلاة في أول الوقت، وفضيلة صلاة الجماعة (ولا تقل: إِني صليتُ) الصلاة في أول الوقت (فلا أصلي) معهم ثانياً.
والأمر للاستحباب بدليل ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفيه: فقال رجل يا رسول الله، أصلي معهم، قال: "نعم إن شئت". والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢/ ٧٧٨)، وفي "الكبرى" (٢/ ٨٥٤) عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب السختياني، عن أبي العالية
стр. 5878
البرَّاء، عن عبد الله بن الصامت، عنه.
وفي (٥٥/ ٨٥٩)، و"الكبرى" (٥٥/ ٩٣٢) عن محمد بن عبد الأعلى، ومحمد بن صُدْرَان، كلاهما عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن بُدَيل بن ميسرة، عن أبي العالية به. بلفظ: "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها"، قال: ما تأمر؟ قال: "صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة، وأنت في المسجد، فصلّ". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن علية، به. وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن بديل بن ميسرة، به. وعن أبي غَسَّان الْمِسْمَعِيِّ، مالك بن عبد الواحد، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن مطر الوراق، عن أبي العالية، به.
وعن خَلَف بن هشام، وأبي الربيع الزَّهراني، وأبي كامل الجَحْدَري، ثلاثتهم عن حماد بن زيد -وعن يحيى بن يحيى، عن جعفر ابن سليمان- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، ثلاثتهم عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عنه. وعن عاصم بن النضر، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، به.
وأبو داود فيه عن مسدد، عن حماد بن زيد به. والترمذي فيه عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر بن سليمان به، وابن ماجه فيه
стр. 5879
وفي الجهاد عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، به. وأحمد في مسنده جـ ٥/ ص ١٤٧، ١٥٦، ١٥٩، ١٦٠، ١٦٣، ١٦٨، ١٦٩ والدارمي رقم (١٢٣٠، ١٢٣١)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٩٥٤)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٦٣٧، ١٦٣٩). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة خلف أئمة الجَور، وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء فيه في مسائل الحديث التالي، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن فيه ما يسمى في مصطلح أهل الحديث بالمسلسل، وهو -كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في تقريبه-: ما تتابع رجال إسناده على صفة، أو حالة؛ للرواة تارة، وللرواية تارة أخرى، وصفاتُ الرواة: إما أقوال، أو أفعال، وأنواع كثيرة غيُرهما، كمسلسل التشبيك باليد، والعدّ فيها، وكاتفاق أسماء الرواة، أو صفاتهم، أو نسبتهم، كأحاديثَ رويناها، كلُّ رجالها دمشقيون، وكمسلسل الفقهاء، وصفاتُ الرواية، كالمسلسل بـ "سمعت"، أو بـ "أخبرنا فلان والله".
وأفضله ما دلّ على الاتصال، ومن فوائده: زيادة الضبط، وقلّما يسلم عن خلل في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه، كمسلسل أولُ حديث سمعته، على ما هو الصحيح فيه.
стр. 5880
انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
وإلى هذا أشار الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال:
هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أوْ حَالَهْ
قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِما … لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوصْفِ وَمِنْ … مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ … مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
كَأَوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى … وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا (٢)
ومنها: الحث على الصلاة أول الوقت. وأن من صلى أول الوقت، ثم أقيمت الجماعة صلى مع الجماعة ثانياً، ولا يقول: إني قد صليت، فلا أصلي.
ومنها: مشروعية إعادة الصلاة، وسيأتي اختلاف أهل العلم في ذلك (٥٣/ ٨٥٧) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 5881
٧٧٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَلَّكُمْ سَتُدْرِكُونَ أَقْوَامًا، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُمْ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَصَلُّوا مَعَهُمْ، وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، تقدم قبل باب.
٢ - (أبو بكر بن عيّاش) بن سالم الأسدي الكوفي المقرىء الحنّاط مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على نحو عشرة أقوال، والأصح أن اسمه كنيته. ثقة عابد كبر فساء حفظه، وكتابه صحيح، مات سنة ١٩٤، من [٧]، وقيل: قبل ذلك، وقد قارب المائة. أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٨/ ١٢٧.
٣ - (عاصم) بن أبي النجود المقرىء.
٤ - (زِرّ) بن حُبيش.
٥ - (عبد الله) بن مسعود.
تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
стр. 5882
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : لعلكم ستدركون) و"لعل" هنا للتحقيق، بدليل الروايات الأخرى، فقد تقدم في حديث أبي ذرّ ﵁ عند مسلم: "يا أبا ذر، إنه سيكون بعدي أمراء، يميتون الصلاة" الحديث.
ولأبي داود من حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكون عليكم أمراء بعدي، تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها، فصلّوا الصلاة لوقتها". فقال رجل: يا رسول الله، أصلي معهم؟ قال: "نعم، إن شئت". وفي رواية: إن أدركتها معهم أَأُصلي معهم؟ قال: "نعم، إن شئت". وهو حديث صحيح.
وله من حديث قبيصة بن وَقّاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون عليكم أمراء بعدي، يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم، فصلوا الصلاة معهم ما صلَّوا القبلة". وفي إسناده صالح بن عبيد، وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: لا نعرف حاله، لكن الحديث صحيح لشواهده.
(أقواماً، يصلون الصلاة لغير وقتها) هذا ظاهر في كونهم يخرجونها عن وقتها، وأصرح منه حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتقدم، ففيه: "تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب
стр. 5883
وقتها … " الحديث.
وقال النووي ﵀: والمراد تأخيرها عن وقتها المختار، لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فيجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. انتهى (١).
واعترض الحافظ ﵀ على هذا في الفتح، فقال في شرح حديث أنس ﵁ "لا أعرف شيئاً مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ"، ما نصه: قال المهلب: والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب، لا أنهم أخرجوها عن الوقت، كذا قال. وتبعه جماعة، وهو مع عدم مطابقته للترجمة -يعني ترجمة البخاري ﵀ بقوله: "باب تضييع الصلاة عن وقتها"- مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج، وأميره الوليد، وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة:
منها: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت، فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر، وأنا جالس، إيماء، وهو يخطب. وإنما فعل ذلك عطاء خوفاً على نفسه من القتل.
стр. 5884
ومنها: ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في "كتاب الصلاة" من طريق أبي بكر بن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة، فمَسَّى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة، فصلى. ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت بمنى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير، وعطاء يومئان إيماء، وهما قاعدان. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحافظ ﵀ هو اللائق بظواهر الأحاديث، ففيها: "يصلون الصلاة لغير وقتها"، وفيها: "يميتون الصلاة عن وقتها"، وفيها: "تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها"، وكلها تقدمت، فتأويل هذه النصوص بتأخيرها عن وقتها المستحب تكلف بارد، وتعسف كاسد.
والحاصل أن الأولى أن يحمل الإخراج على ظاهره، فهم يخرجونها عن وقتها لاشتغالهم بأمورهم، لا جحداً لوجوبها، فإنهم لو أخروها جحداً وجب مقاتلتهم، وتحرم الصلاة خلفهم. والله تعالى أعلم.
(فإِن أدركتموهم) أي أدركتم وقتهم، وتولَّوا أمركم (فصلوا
стр. 5885
الصلاة لوقتها) أي في وقتها المستحب، وفي رواية البيهقي "فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون … "
(وصلوا معهم، واجعلوها سبحة) أي اجعلوا تلك الصلاة التي صليتموها معهم نافلة. قال في اللسان: و"السُّبْحَة" -يعني بضم، فسكون-: الدعاءُ، وصلاةُ التطوع، والنافلةُ، يقال: فرغ فلان من سُبْحته: أي من صلاة النافلة، سميت الصلاة تسبيحاً لأن التسبيح تعظيم الله، وتنزيهه من كل سُوء. قال ابن الأثير: وإنما خصت النافلة بالسبحة، وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة سُبْحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة. اهـ (١).
والحديث صريح في أن الصلاة الأولى هي الفريضة، وأن الثانية هي نافلة، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا صحيح. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: