شرح سنن النسائي
المسمى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
стр. 2
شرح سنن النسائي
стр. 3
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ-١٩٩٦ م
دار المعراج الدولية للنشر
الرياض ١١٤٢١ - ص. ب. ٨٥٨ - هاتف وفاكس ٤٠٢٦٢٧٨
المملكة العربية السعودية
بيروت- ص. ب. ٦٣٦٦/ ١٤ - هاتف ٨٣١٣٣١ - فاكس ٦٠٣٣٣٣
القاهرة - ص. ب. ١٢٨٩ - هاتف ٣٩٠٠٣١٨ - فاكس ٣٩٢٦٢٥٠
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طبعت بمطابع
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
خلف ٦٠ شارع راتب باشا حدائق شبرا
ت: ٦٤٧٥٢٦ - ٢٠٥٥٦٨٨ القاهرة
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي رفع أهل العلم درجات، وخص من بينهم أهل الحديث فَرَقَّاهم إلى أسمى الغايات، أكْرمْ بهم قوما صاروا مَنَار الهدى لأهل العنايات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي نشر على رؤوس أهل العلم راية قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: آية ١٨]، فيالها مَنقَبَةً تعلو المنقبَات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي نَوَّهَ بشرف أهل الحديث حيث قال: "نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه .. " الحديث (١). فيا فَوزَهم ما أعلاه بين الهبات، ﷺ ، صلاة وسلاماً دائمين ما دام صحيحُ دينه مَرفوع الرايات، وعلى آله الذين اقتفوا أثره فيما دَقَّ وجَلَّ فحسنت أحوالهم بذلك ونالوا الحسنى والزيادات، وعلى أصحابه الذين هم الرعيل الأول فيما تسلل من الأسانيد العاليات للأخبار الغاليات، وعلى من اهتدى بهديهم من ذوي العنايات، ولا سيما أهْلُ الحديث الذين بذلوا أنفسهم في طلبه وأرخصوا الغالي في نيله، فيا فوزهم بالدرجات العاليات.
أما بعد: فيقول أفقر الورى إلى عفو الله تعالى محمَّد ابن الشيخ علي ابن آدم الإتيوبي:
لما رأيت سنن الإِمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى، المسماة بالمجتبى- بالباء أو المجتنى -بالنون- لم يقع لها شرح يَحُلّ ألفاظها حَقَّ حَلّ، ويبين معانيها أتمَّ تبيين، ويتكلم على رجال أسانيدها وغوامض متونها، ويستنبط منها الأحكام، إذ تحت كل حديث خبايا أسرار، وضمن كل أثر خفايا أنوار، وكيف لا؛ وهو
стр. 6
كلام من أوتي جوامع الكلم واختُصر له الكلام اختصار (١) ﷺ .
شمرت عن ساعد الجد تشميرا، ونبذت الكسل والملل وراء ظهري نبذاً مَريراً (٢).
وناديت المعاني بأعلى صوتي جهارا، فلبتني من كل جانب مُحَبَّرة بعبارات المحققين بدَارًا.
فاستعنت بالله تعالى، وقلت: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: آية ٨٨]. وسميته "ذخيرَةَ العُقْبَى، في شَرح المُجْتَبَى" وإن شئت قلت: "غَايَة المُنَى فى شَرْح المُجْتَنَى".
والله سبحانه أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز بجنات النعيم.
تنبيه: إني لست في الحقيقة مؤلفا ذا تحرير، ومصنفا ذا تحبير، وإنما لي مجرد الجمع لأقوال المحققين، والتعويل على ما أراه منها موافقا لظاهر النص المبين، فأنا جامع لتلك الأقوال، ومرتبٌ لها في كل ما يناسبها من الحديث، ثم النظرُ فيها، وفي تناسبها، حسب قربها وبعدها منه، والاعتمادُ على ما يترجح لدى فهمي القاصر، وذهني البليد الفاتر، فلذا لا أترك من الأقوال المروية في حكم كل حديث إلا ما غاب عني بدليله، إذا كان بجانبه دليل مذكور، وإن كنت أراه ضعيفا في نظري، فعسى أن يطَّلع عليه غيري، ويراه صحيحا، لدليل يُقَوِّيه، إما من نفس ذلك الحديث لم يظهر لي وجهه، أو نص آخر أقوى منه "فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع".
стр. 7
تنبيه أخر: اعلم أيها الطالب للتحقيق -جعلك الله تعالى من أهل التوفيق- أنك سترى في هذا الشرح تكرارا وتطويلا، فإياك أن تلومني على هذا، فإن الشرح موضوع لهذا، واسمع ما قاله الإِمام النووي ﵀ في أوائل شرحه لصحيح مسلم بعد ذكره لدقائق بعض الأسانيد، فقد قال ﵀: "ولا ينبغي للناظر في هذا الشرح أن يسأم من شيء من ذلك بما يجده مبسوطا واضحًا، فإني إنما أقصد بذلك -إن شاء الله الكريم- الإيضاح والتيسير والنصيحة لمطالعه، وإعانته، وإغناءه من مراجعة غيره في بيانه وهذا مقصود الشروح، فمن استطال شيئًا من هذا، وشبهه فهو بعيد من الإتقان، مباعد للفلاح في هذا الشأن، فَليُعَزِّ نفسَه لسوء حاله وليرجع عما ارتكبه من قبيح فعاله، ولا ينبغي لطالب التحقيق، والتنقيح، والإتقان، والتدقيق أن يلتفت إلى كراهة، أو سآمة ذوي البطالة، وأصحاب الغباوة والمهانة، والملالة، بل يفرح ما يجده من العلم مبسوطا، وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحًا مضبوطا، ويحمد الله الكريم على تيسيره، ويدعو لجامعه الساعي في تنقيحه وإيضاحه، وتقريره -وفقنا الله الكريم- لمعالي الأمور، وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور، وجمع بيننا وبين أحبابنا في دار الحبور والسرور، والله أعلم". انتهى ما قاله النووي في شرح مسلم ج ١ ص ١٥٢.
فعليك أيها الأخ العزيز أن تجعل نصيحة هذا الإمام المحقق نُصْب عينيك كلما استشعرت بشيء من التكرار والتطويل في هذا الشرح لتظفر بكنز عظيم -إن شاء الله تعالى- زادني الله تعالى وإياك حرصا على التحقيق، والغوص في علم الحديث فإنه البحر الخضَمُّ العميق، بمنه وكرمه آمين.
تنييه أخر: اعلم أنه توفر لدَيَّ من المراجع ما أستخلص منه الجواهر
стр. 8
الحديثية، من المواد الإسنادية، والمتنية، والمصطلحية، واللغوية، والنحوية، والصرفية، والفقهية، وغيرها، مما يحتاج إليه الحديثي من فنون العلوم الشرعية، وهذا من فضل الله عليَّ.
بعض المراجع التي اعتمدت عليها في هذا الشرح:
فمن المراجع الإسنادية: تقريب التهذيب بل عليه معولي، لكونه مختصرًا يشتمل على تعريف الشخص بأوجز عبارة، وأدَقِّ إشارة للحافظ أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمَّد بن حجر العسقلاني المتوفي سنة ٨٥٢ هـ. فهذا الكتاب مادة التراجم في هذا الشرح لكونه مختصرًا حوى مقاصد أصله، بل فاق عليه في ذكر ما أهمل من التراجم، وزيادة فوائد ليست فيه مثل الضبط للأسماء وغيرها، وسأنقل مقاصد خطبته في آخر مقدمة هذا الشرح، ليعرف سَبْره (١)، ويشهر قدره.
وتهذيب التهذيب، ولسان الميزان، وتعجيل المنفعة، والإصابة في تمييز الصحابة، وهدي الساري في مقدمة فتح الباري، وكلها له.
وتذكرة الحفاظ، وميزان الاعتدال، وسير أعلام النبلاء، وكلها للحافظ الناقد، والمحقق السائد (٢) شمس الدين أبي عبد الله محمَّد بن أحمد الذهبي المتوفي سنة ٧٧٨.
وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال للعلامة الحافظ صفي الدين أحمد ابن عبد الله الخزرجي، وطبقات الحفاظ للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفي سنة ٩١١.
والتاريخ الكبير للإمام البخاري ت ٢٥٦، والجرح والتعديل للإمام
стр. 9
عبد الرحمن بن أبي حاتم ت ٣٢٧. وتهذيب الأسماء واللغات. والإشارات إلى الأسماء المبهمات، كلاهُمَا للإمام النووي ت ٦٧٦. والمختلف والمؤتلف، للحافظ أبي الحسن الدارقطني ت ٣٨٥، والأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة للخطيب البغدادي ت ٤٦٣، والمغني في ضبط أسماء الرجال للعلامة الفتَّني، وغيرها مما له تعلق في بيان الإسناد.
ومن كتب المصطلح: مقدمة علوم الحديث للحافظ أبي عمرو بن الصلاح، والتقييد والإيضاح عليها للحافظ أبي الفضل العراقي، وتقريب النواوي، وشرحه التدريب للسيوطي، وألفية العراقي، وشرحها له، وفتح المغيث للحافظ شمس الدين السخاوي، وفتح الباقي للعلامة القاضي زكريا الأنصاري، وكلاهما شرحان للألفية أيضًا، وألفية السيوطي، وشرحها للشيخ محمَّد محفوظ الترمسي، المسمى بمنهج ذوي النظر، وشرحي عليها المسمى بفتح المعطي البر، في شرح ألفية الأثر، ولم يكمل ومختصره المسمى بإسعاف ذوي الوطر، بشرح ألفية الأثر، وقد كمل، والحمد لله، ونخبة الفكر وشرحها للحافظ ابن حجر، وحاشيتها لقط الدرر، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، وهدي الساري المتقدم ذكره، ومقدمة تحفة الأحوذي، وغير ذلك.
ومن كتب شروح الحديث: فتح الباري، وهو أجَلُّ مَأخَذي، وعليه اعتمادي، وكيف لا؟ وقد بذل مؤلفه جهده في جمعه وتحقيقه، إلا فيما يزلّ به القلم، في خلال تحريره وتدقيقه.
فلقد كان مؤلفه حَذَام المحدثين في المتأخرين، كما وصفه بذلك بعض مشايخنا المحققين، بل كان إطلاق اسم الحافظ عليه كلمة إجماع،
стр. 10
كما حققه بعض أهل الاطلاع. ولذا إذا ذكرت كلامه أطلقت عليه الحافظ فقط، لكونه معروفا به عند أهل الضبط. ومنها: عمدة القارى للعلامة بدر الدين أبي محمَّد محمود بن أحمد العيني، المتوفي سنة -٨٥٥ - ، فهو أيضا من أجل المراجع، لما فيه من التحقيقات الإسنادية، والمتنية، والقواعد النحوية، واللغوية، والصرفية، والبلاغية، وغيرها، مما أودعه مؤلفه، فلقد كان رحمه الله تعالى بارعا في هذه الفنون، جاريا في مضمارها إلى المُنتهَى الميْمُون، فهذان الشرحان منهما استفدت، وعليها عولت، ولا سيما الأول، فإني إذا وجدته تكلم على الحديث لا أعدل إلى غيره، إلا إذا كان تحقيق غيره أحسن من تحقيقه.
ومنها إرشاد الساري، للعلامة القسطلاني، وشرح مسلم للإمام النووي، والمنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود للعلامة محمود محد خطاب السبكي، وتحفة الأحوذي للعلامة المباركفور، وعون المعبود للعلامة محمَّد شمس الحق، ونيل الأوطار للعلامة الشوكاني، وسبل السلام للعلامة الصنعاني، وتهذيب السنن للعلامة ابن القيم، ومعالم السنن للعلامة الخطابي، وزهر الربى للحافظ السيوطي، وشرح السندي، كلاهما على هذا الكتاب، وفيض القدير على الجامع الصغير للمناوي، والتمهيد للحافظ ابن عبد البر، وإحكام الأحكام للعلامة ابن دقيق العيد، وحاشيته العدة للصنعاني، وطرح التثريب للحافظ العراقي والمُحَلي في شرح المُجَلَّي لأبي محمَّد ابن حزم الظاهري وغيرها.
ومن كتب التخريجات: نصب الراية للحافظ الزيلعي، وتلخيص الحبير، وإتمام الدراية كلاهما للحافظ ابن حجر. وغيرها.
ومن سائر كتب الحديث: بقية الأمهات الست، وموطأ مالك، ومسند أحمد، ومسند الدارمي، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان ومصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، ومسند أبي يَعْلى،
стр. 11
والمعاجم الثلاثة للطبراني، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي ومسند الطيالسي، وشرح السنة للبغوي، ومستدرك الحاكم، وغيرها.
ومن كتب الأطراف: تحفة الأشراف للحافظ أبي الحجاج المزي، بل عليه جُلُّ اعتمادي. والنُّكت الظراف للحافظ ابن حجر، ومفتاح كنوز السنة، وغيرها مما يمر عليك حين أعزو المنقول إليه مما غاب عني الآن رسمه، وسأفردها بجريدة شاملة للمراجع مرتبة على الحروف الهجائية مع بيان الطبعات، إن شاء الله تعالى.
وكذا فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية فإن فيها فوائد جمة. وكذا ما كتبه العلامة أحمد محمد شاكر من التحقيقات التي خدم بها كتب السنة فإنها نافعة جدًا.
وكذا كُتُب العلامة ناصر الدين الألباني فإنها ممتعة جدًا؛ لأن له اليد الطولى في معرفة الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، كما تشهد بذلك كتبه القيمة، فقَلَّ من يُدانيه في هذا العصر الذي ساد فيه الجهل بهذا العلم الشريف، وصار جل اعتماد العلماء فيه على كلام من تقدم من الأعلام، وهذا وإن كان منهجًا قويمًا، إلا أن الأول هو الأساس الذي بني عليه السادة الأولون، من البحث والتنقيب، للوصول إلى ما هو الحق في هذا الحال، بدون تقليد، فإن ذلك شأن البليد، ولا يرضَى به إلا رديء الهمة، أو الجامد العنيد.
ومن كتب اللغة والإنساب: القاموس المحيط للمجد اللغوي، وشرحه تاج العروس للمرتضى، ولسان العرب لابن منظور، والمصباح المنير للفيومي، ومختار الصحاح للرازي، ونهاية ابن الأثير، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، وتعريفات الجرجاني، واللباب في تهذيب الإنساب لابن الأثير ومختصره لب اللباب للسيوطي، ومعجم البلدان
стр. 12
لياقوت الحموي، وغيرها.
ومن كتب الفقه: الأوسط لابن المنذر والمجموع للنووي مع تكميلتيه، والمغني لابن قدامة المقدسي، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، وغيرها من كتب المحققين.
ومن كتب النحو والصرف: كتب ابن مالك كالكافية وشرحها، والتسهيل، وشرحه المساعد لابن عقيل، والخلاصة، وشروحها، ومغني اللبيب لابن هشام الأنصاري، وسائر كتبه، وشافية ابن الحاجب
وكافيته، ومؤلفات الجلال السيوطي في النحو وغيرها.
وبالجملة فقد يسر الله لي كل ما يحتاج إليه من رام الغوص في لجج هذا البحر الزاخر، واستخراج الدرر المكنونة والجواهر، فما بقي إلا بَذْلُ الجهد والعزم البَتَّار، والمثابرةُ على مطالعتها ليلَ نَهَار، ونقلُ ما يناسب كلَّ باب، وكل حديث من خلاصتها، وتنميق (١) ما يَرُوق (٢) من جواهرها، واختصاصاتها.
والله تعالى الكريم أسأل أن يعينني على ذلك، ويبارك في أوقاتي لنيل ما هنالك، فإنه كرم مسؤول، وخير مأمول.
وقبل الشروع في المقصود ينبغي أن أذكر ترجمة المصنف، وتعريف كتابه، ليَعْرفَ قدرَه الخاصُّ والعام، ويُنشر فضلُهُ العام بين الأنام، وفي ذلك مسائلُ عديدة، ومَنَاهلُ جديدة، وخاتمة سديدة، ثم فصل الخطاب، ثم الشروع في المقصود المستطاب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 13
المسأله الأولى في ذكر ترجمة المصنف ﵀
قال الحافظ شمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٤/ ص ١٢٥:
الإمام الحافظ، المثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، أبو عبد الرحمن: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر، الخراساني، النسائي، صاحب السنن ولد بنسا، في سنة ٢١٥، وطلب العلم في صغره، فارتحل إلى قتيبة في سنة ٢٣٠، فأقام عنده ببغلان (١) سنة، فأكثر عنه.
قال الجامع عفا الله عنه:
ونَسَأ بفتح النون والسين، كجبل مهموز، كما صرح به الإسنَوي (٢)، وابن خلّكان، والسبكي، هي بلدة بخراسان، أفاده المرتضى في التاج في مادة نَسَأ وعلى هذا نظم بعضهم، فقال:
والنَّسَئيُّ نسْبَةٌ لنَسَأِ … مَدينّةٌ فِي الوَزْن مثْلُ سَبَأِ
وقال في اللباب: النسائي بفتح النون والسين وبعد الألف همزة وياء النسبة هذه النسبة إلى مدينة بخراسان، يقال لها نسا، وينسب إليها أيضًا نَسَويّ. اهـ.
وقال في معجم البلدان: كان سبب تسميتها بهذا الاسم أن المسلمين لما وردوا خراسان، قصدوها، فبلغ ذلك أهلها فهربوا، ولم يتخلف بها غير النساء، فلما أتاها المسلمون لم يروا بها رجلا، فقالوا هؤلاء نساء والنساء لا يقاتلن فننسأ أمرها الآن إلى أن يعود رجالهن، فتركوا
стр. 14
ومضوا، فسموا بذلك نسَاء، والنسبة الصحيحة إليها نسائي، وقيل: نسوي، أيضا، وكان من الواجب كسر النون. اهـ.
ميلاده
قد ذكرنا عن الذهبي أنه ولد سنة ٢١٥، وهذا ليس على وجه اليقين والجزم، بل سئل هو ﵀ عن مولده، فقال: يشبه أن يكون سنة ٢١٥ هـ، وقيل: ولد سنة ٢١٤ هـ، وأصل الخلاف: هو ما نقل عن تلميذه أبي سعيد بن يونس، صاحب تاريخ مصر، قوله: رأيت بخطي في مسودتي أن مولده بنسا سنة ٢١٥، وقيل: ٢١٤. وذكر في الوافي بالوفيات للصفديّ جـ ٦/ ص ٤١٦ أنه ولد سنة ٢٢٥، قال الحافظ السخاوي: وهو غلط جزمًا، إما من الناسخ أو غيره.
رحلاته
كان ﵀ في عصر الرحلة في طلب الحديث، وكانت عناية طلاب العلم آنذاك منقطعة في إحياء الحديث وغيره، وكان النسائي من نابهي الطلبة الذين كانت لهم رحلة طويلة، بدأ بمدن إقليمه خراسان، ثم دخل العراق، والشام، والحجاز، والجزيرة، ومصر التي جعلها سكنا له من بعدُ، وكان قد دخلها طالبا قبل أن يكون عالمًا، وفي بداية حياته كما يدل على ذلك قصته المشهورة، مع الحارث بن مسكين عالم مصر، وقاضيها، الحافظ، إذ دخل عليه النسائي في زيّ أنكره الحارث عليه، إذ كان يرتدي قلنسوة وقباء، وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان، فخاف أن يكون عينا عليه فمنعه من الدخول إليه، مع الطلبة، فكان يجيء، ويقعد خلف الباب ويسمع ولذلك نجده يقول دائما: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع.
ومما يذكر لأبي عبد الرحمن: أن رحلته لم تقتصر على أخذ الحديث
стр. 15
فقط، بل أخذ كذلك علوم القرآن، والقراءة عن أهلها، ومنهم أحمد ابن نصر النيسابوري، وأبو شعيب السوسي (١).
شيوخه
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: وسمع من إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ومحمد بن النضر بن مساور، وسويد بن نصر، وعيسى بن حماد زُغْبَة، وأحمد بن عبدة الضبي، وأبي طاهر بن السرح، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن شاهين، وبشر بن معاذ العقدي، وبشر بن هلال الصواف، وتميم بن المنتصر، والحارث بن مسكين، والحسن بن الصباح البزار، وحميد بن مسعدة، وزياد بنَ أيوب، وزياد ابن يحيي الحساني، وسوار بن عبد الله العنبري، والعباس بن عبد العظيم العنبري، وأبي حصين عبد الله بن أحمد اليربوعي، وعبد الأعلي بن واصل، وعبد الجبار بن العلاء العطار، وعبد الرحمن ابن عبيد الله الحلبي ابن أخي الإمام، وعبد الملك بن شعيب بن الليث، وعبدة بن عبد الله الصفار، وأبي قدامة عبد الله بن سعيد، وعتبة بن عبد الله المروزي، وعلي بن حجر، وعلي بن سعيد بن مسروق الكندي، وعمار بن خالد الواسطي وعمران بن موسى القزاز، وعمرو بن زرارة الكلابي، وعمرو بن عثمان الحمصي، وعمرو بن علي الفلاس، وعيسى بن محمد الرملي، وعيسى بن يونس الرملي، وكثير بن عبيد، ومحمد بن أبان البلخي، ومحمد بن آدم المصيصي، ومحمد بن إسماعيل بن علية قاضي دمشق، ومحمد بن بشار، ومحمد بن زنبور المكي، ومحمد بن سليمان لُوَيْن، ومحمد بن عبد الله بن عمار، ومحمد بن عبد الله المخرمي، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة،
стр. 16
ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ومحمد بن عبيد المحاربي، ومحمد بن العلاء الهمداني، ومحمد بن قدامة المصيصي الجوهري، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن المصفى، ومحمد بن مَعْمر القَيْسي، ومحمد بن موسى الحرشي، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وأبي المُعَافى محمَّد بن وهب، ومجاهد بن موسى، ومحمود بن غَيْلان، ومَخْلد بن حسن الحراني، ونصر بن علي الجهضمي، وهارون بن عبد الله الحمال، وهناد بن السَّري، والهيثم بن أيوب الطالَقَاني، وواصل بن عبد الأعلى، ووهب بن بيان، ويحيى بن درست البصري، ويحيى بن موسى خت، ويعقوب الدورقي، ويعقوب بن ماهان البناء، ويوسف ابن حماد المَعْنيّ، ويوسف بن عيسى الزهري، ويوسف بن واضح المؤدب، وخلق كثير، وإلى أن يروي من رفقائه. اهـ سير أعلام النبلاء جـ ١٤/ ص ١٢٦.
تلاميذه
قال الحافظ الذهبي: حدَّث عنه أبو بشر الدُّولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري، وحمزة بن محمَّد الكناني، وأبو جعفر أحمد بن محمَّد بن إسماعيل النحاس النحوي، وأبو بكر محمَّد ابن أحمد بن الحداد الشافعي، وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي، والحسن بن الخضر الأسيوطي، وأبو بكر أحمد بن السني، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي، والحسن بن رشيق، ومحمد بن عبد الله بن حيويه النيسابوري، ومحمد بن موسى المأموني، وأبيض بن محمَّد بن أبيض، وخلق كثير. اهـ سير جـ ١٤/ ص ١٢٧.
стр. 17
سلوكه وعقيدته
كان رحمه الله تعالى سالكا مسلك أهل الحديث عقيدة ومذهبا غير مقلد لأحد، كسائر أئمة الحديث، ويتبين ذلك في كتابه هذا، وسننبه عليه إذا مر بنا ذلك إن شاء الله تعالى، كما حققه العلامة المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي، بل أئمة الحديث من أصحاب الأصول وغيرهم ليسوا مقلدين لأحد إلا من شاء الله من المتأخرين بل هم مجتهدون، ومتبعون للدليل، خلافَ ما يُثيره بعض الناس بأن فلانا شافعي، وفلانا حنبلي من غير تحقيق لذلك، بل بالظن والتخمين، ومَنْ تَتَبَّعَ عملهم في كتبهم يظهر له خلاف ما قاله هذا المثير، فمجرد موافقة أقوالهم في بعض المواضع لبعض أهل المذاهب لا يدل على التقليد، بل ذلك من اتفاق الآراء لاتفاق الدليل، وكذا كون بعضهم أخذ عن بعض المجتهدين، أو تلاميذهم، أو تلاميذ تلاميذهم، لا يدل على ذلك، كما أن الشافعي مثلا أخذ عن مالك رحمهما الله تعالى ولا يقتضي كونه مالكيا، وأحمد أخذ عن الشافعي رحمهما الله تعالى، ولا يقتضي ذلك كونه شافعيا، فكذا نقول ها هنا، من غير فرق. والله أعلم.
ولنرجع إلى المقصود: كان رحمه الله تعالى على مذهب أهل السنة والجماعة من إثبات صفات الله تعالى، كما وردت، وأن القرآن كلام الله تعالى، غير مخلوق.
قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمَّد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين، قال: قلت لابن المبارك: إن فلانا يقول: من زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: آية ١٤] مخلوق فهو كافر، فقال ابن المبارك: صدق، قال النسائي: بهذا أقول.
стр. 18
ثناء الناس عليه
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: وكان النسائي من بحر العلم مع الفهم والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف، جَالَ في طلب العلم في خراسان والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن، وكان شيخا مَهيبا، مَليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة.
وعن النسائي رحمه الله تعالى: قال: أقمت عند قتيبة بن سعيد سنة وشهرين، وكان يسكن بزُقَاق القناديل بمصر (١) وكان نَضرَ الوَجه، مع كبر السنن، يؤثر لباس البرود النوبية، والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن، ولا يخلو مع ذلك من سرية، وكان يكثر أكل الديوك، تُشترى له وتُسمن، وتُخصى. قال مرة بعض الطلبة: ما أظن أبا عبد الرحمن إلا أنه يشرب النبيذ، للنضرة التي في وجهه، وقال الآخر: ليت شعري ما يرى في إتيان النساء في أدبارهن، قال: فسئل عن ذلك؟ فقال: النبيذ حرام، ولا يصح في الدبر شيء، لكن حدث محمَّد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، قال: "اسق حرثك حيث شئت" فلا ينبغي أن يتجاوز قوله.
قال الذهبي: قد تيقنا بطرق لا محيد عنها نهي النبي- ﷺ عن أدبار النساء، وجزمنا بتحريمه، ولي في ذلك مصنف كبير (٢).
وقال الوزير بن حنزابة (٣): سمعمت محمَّد بن موسى المأموني
стр. 19
صاحب النسائي قال: سمعت قوما ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب الخصائص لعلي ﵁، وتَرْكَهُ فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب الخصائص، رجوت أن يهديهم الله تعالى، ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة فقيل له: وأنا أسمع ألا تخرج فضائل معاوية ﵁؟ فقال: أيَّ شيء أخرج؟ حديث "اللهم لا تشبع بطنه"؟ فسكت السائل.
قال الذهبي: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية، لقوله ﷺ "اللهم من لعنته، أو سببته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة".
قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء، فاجتمع جماعة من الأئمة: عبدُ الله بنُ أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مربع، وأبو الآذان، وكيلَجَة (١) فتَشَاوَرُوا: من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.
قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه. وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: أخبرنا الإمام في الحديث بلا مدافعة، أبو عبد الرحمن النسائي. وقال أبو طالب أحمد ابن نصر الحافظ: من يصبرُ على ما يصبر عليه النسائي؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، يعني عن قتيبة، عن ابن لهيعة، قال: فما حدث بها. وقال أبو الحسن الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يُذْكَرُ بهذا العلم من أهل عصره. وقال الحافظ ابن طاهر: سألت سعد ابن علي الزنجاني عن رجل، فوثقه، فقلت: قد ضعفه النسائي، فقال:
стр. 20
يا بُنَيَّ إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم.
قال الحافظ الذهبي: صَدَقَ، فإنه لَيَّنَ جماعةً من رجال صحيحي البخاري ومسلم.
وقال محمَّد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل، وأنه لم يزل كذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج. وقال الدارقطني: كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث، ولم يحدث عن غير النسائي. وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى.
وقال الطبراني في معجمه: حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي القاضي بمصر فذكر حديثا ..
وقال أبو عوانة في صحيحه: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي قاضي حمصر، حدثنا محمَّد بن قدامة، فذكر حديثا.
قال الحافظ الذهبي: ولم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسي، وهو جار في مضْمَار البخاري، وأبي زرعة، إلا أن فيه قليل تشيع، وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية، وعمرو، والله يسامحه. اهـ سير. جـ ١٤/ ص ١٣٣.
وكان النسائي يصوم صوم داود ﵇ يفطر يوما، ويصوم يوما، وقد تسلم القضاء في أكثر من بلد (١).
стр. 21
وسئل عن اللحن في الحديث فقال: إن كان شيء تقوله العرب، وإن لم يكن لغةَ غير قريش فلا يُغير؛ لأنّ النبي ﷺ كان يكلم الناس بكلامهم، وإن كان مما لا يوجد في لغة العرب فرسول الله ﷺ لا يلحن. ذكره ياقوت في معجمه جـ ٥/ ص ٢٨٢.
وفاته
روى أبو عبد الله بن منده عن حمزة العقبي المصري وغيره: أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية، وما جاء في فضائله؟ فقال: لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل؟ قال: فما زالوا يدفعون في حضنيه (١) حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة فتوفي بها، كذا قال، وصوابه إلى الرملة.
قال الدارقطني: خرج حاجا فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل، وتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة وكان وفاته في شعبان سنة ٣٠٣، قال: وكان أفقه مشايخ مصر
في عصره وأعلمهم بالحديث، والرجال.
وقال أبو سعيد بن يونس في تاريخه: كان أبو عبد الرحمن النسائي إماما حافظا ثبتا خرج من مصر في شهر ذي القعدة من سنة ٣٠٢، وتوفي بفلسطين في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ٣٠٣.
قال الذهبي: هذا أصح، فإن ابن يونس حافظ يقظ، وقد أخذ عن النسائي، هو به عارف. اهـ سير جـ ١٤/ ص ١٣٣.
وقد ألف في ترجمته الحافظ المتقن أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال محدث الأندلس، ومؤرخها، المتوفي سنة ٥٧٨ هـ جزءًا.
стр. 22
المسألة الثانية في ذكر مؤلفاته القيمة
كان ﵀ كثير المؤلفات، له كتب كثيرة في الحديث والعلل وغير ذلك.
فمن أبرزها السنن التي تسمى المجتبى بالباء، أو المجتنى بالنون، المقصودة بكتابة هذا الجامع عليها، وسأفرد عليها الكلام فيما بعد إن شاء الله تعالى.
والسنن الكبرى، وخصائص علي، وعمل اليوم والليلة، وهما
داخلان في الكبرى في بعض النسخ، وكتاب التفسير في مجلد، والكنى، والضعفاء والمتروكون، والتمييز، ومعجم شيوخه، وكتاب الطبقات، وتصنيف في معرفة الأخوة والأخوات، ومسند حديث مالك ابن أنس، ومسند حديث الزهري بعلله، والكلام عليه، ومسند حديث شعبة بن الحجاج، ومسند حديث سفيان بن سعيد الثوري، وكتاب الإغراب، وهو مسند حديث شعبة وسفيان الثوري مما رواه شعبة ولم يروه سفيان، أو رواه سفيان ولم يروه شعبة من الحديث والرجال، ومسند حديث ابن جريج، ومسند حديث يحيى بن سعيد القطان، ومسند حديث فضيل بن عياض، وداود الطائي، ومفضل بن مهلهل الضبي، والجرح والتعديل، والجمعة، ومناسك الحج، وفضائل القرآن الكريم، وهو داخل في سننه الكبرى، وتسمية فقهاء الأمصار من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل المدينة، وتسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد، وجزء من حديث عن النبي ﷺ ، ووفاة النبي ﷺ وإملاآته الحديثية، ومسند منصور بن زاذان الواسطي، وشيوخ الزهري، وذكر من حدث عنه ابن أبي عروبة، ولم يسمع منه (١).
стр. 23
المسألة الثالثة في بيان مذهبه في الجرح والتعديل، ومنهجه في التصنيف
كان ﵀ من المتشددين في الجرح كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ، فقد تقدم قريبا أن سعد بن علي الزنجاني قال: إن لأبي عبد الرحمن النسائي شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم، وأن الذهبي قال: صدق، فإنه ليَّن جماعة من رجال الصحيحين.
وقد قسم الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي أحاديث المجتبى ثلاثة
أقسام، ومثله أبو داود: الأول الصحيح المخرج في الصحيحين، وهو أكثر كتابه. الثاني: صحيح على شرطهما. الثالث: أحاديث أبان عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته عن أبي عبد الله بن منده أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: ومثله أبو داود، وإلى ذلك أشار العراقي في ألفيته حيث قال:
والنَّسَئي يُخْرجُ مَنْ لَمْ يُجْمعُوا … عَلَيْه تَرْكًا مَذْهَب مُتَّسعُ
وقوله مذهب متسع، أي إن لم يرد به إجماعًا خاصًا، وذلك أن الحافظ ابن حجر ﵀ قال: إن ذلك إجماع خاص، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة، والثوري، وشعبة أشدهما، ومن الثانية يحيى القطان، وابن مهدي، ويحيى أشدهما، ومن الثالثة: ابن معين، وأحمد، وابن معين أشدهما، ومن الرابعة أبو حاتم، والبخارى، وأبو حاتم أشدهما. فقال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، فهذا وثقه ابن مهدي، وضعفه يحيى القطان مثلا لا يُتْرَكُ لما عُرف من تشدد يحيى، ومَن هو
стр. 24
مثله في النقد؟ وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي تجنب النسائي إخراجَ حديثه، بل تجنب إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي نقله ابن الصلاح عن ابن منده عن محمَّد بن سعد من أن
مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، وتشبيه ابن منده عمله بعمل أبي داود غير صحيح لمخالفته صنيعه في سننه، بل الصحيح ما تقدم عن سعد بن علي الزنجاني، ووافقه عليه الذهبي فإن من تتبع عمله في سننه يظهر له ذلك، فالنسائي أشد انتقاء بخلاف أبي داود. والله أعلم.
وكَتَبَ السيوطي ﵀ في مقدمة شرحه لهذا الكتاب المسمى بزهر الربى على المجتبى، ما نصه:
قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في شروط الأئمة: كتاب أبي داود والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام:
الأول: الصحيح المخرج في الصحيحين.
الثاني: صحيح على شرطهما، وقد حكى أبو عبد الله بن منده: أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع، ولا إرسال فيكون هذا القسم من الصحيح إلا أنه طريق دون طريق ما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، بل طريقه طريق ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح لما بينا أنهما تركا كثيرا من الصحيح الذي حفظاه.
стр. 25
الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لأنه رواية قوم لها (١) واحتجاجهم بها فأورداها وبينا سقمها لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يجدا له طريقا غيره لأنه عندهما أقوى من رأي الرجال.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام فيه نظر لأن أوله يدل على أنهما ما أوردا تلك الأحاديث إلا لبيان عللها، وآخره يدل على أنهما أورداها للاحتجاج بها حيث قال: إنها أقوى عندهما من رأي الرجال، وهذا تناقض، وأيضا فإن هذا الكلام لا يستقيم مع عمل النسائي إلا إذا أراد السنن الكبرى.
وقال ابن الصلاح: حكى أبو عبد الله بن منده أنه سمع محمَّد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه. قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وهذا مذهب متسع (٢). قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر في نكته على ابن الصلاح: ما حكاه عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنه أراد بذلك إجماعا خاصا، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط: فمن الأولى شعبة وسفيان إلى آخر ما قدمناه في كلام الحافظ.
وقال أحمد بن محبوب الرملي: سمعت النسائي يقول: لما عزمت على جمع السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب
стр. 26
منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم فتركت جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم. قال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر شيخ الدارقطني: مَن يَصبرُ على ما يَصبر عليه النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث عنه بشيء. قال الحافظ ابن حجر: وكان عنده عاليا عن قتيبة عنه، ولم يحدث به لا في السنن ولا في غيرها.
وقال أبو جعفر بن الزبير: أولى ما أرشدُ إليه ما اتفق المسلمون على اعتماده: وذلك الكتب الخمسة، والموطأ الذي تقدمها وضعا، ولم يتأخر عنها رتبة، وقد اختلف مقاصدهم فيها، وللصحيحين فيها شفوف، وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جميلة، ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك
المسالك وأجلها.
وقال الحسن المعافري: إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره. وقال الإمام أبو عبد الله بن رُشَيد: كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا، وأحسنها ترصيفا، وكان كتابه جامعا بين طريقي البخاري ومسلم، مع حظ كثير من بيان العلل.
وبالجملة فكتاب السنن أقل الكتب بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلا مجروحًا (١) ويقاربه كتاب أبي داود، وكتاب الترمذي، ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم، مثل حَبيب بن أبي حَبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد،
стр. 27
وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد السكوني، وعبد السلام بن يحيى أبي الجنوب، وغيرهم.
وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف فهي حكاية لا تصح، لانقطاع سندها، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية، أو كأنه ما رأى من الكتاب إلا جزاء منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة، أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لابن أبي حاتم.
وقال محمَّد بن معاوية الأحمر -الراوي عن النسائي- قال النسائي: كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول، إلا أنه لم يبين علتة، والمتتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله. وذكر بعضهم أن النسائي لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة، فقال له الأمير: أَكُلُّ ما في هذا صحيح؟ قال: لا، قال: فجرد الصحيح منه فصنف المجتبى، وهو بالباء الموحدة، قال الزركشي في تخريج الرافعي: ويقال: بالنون أيضا، وقال القاضي تاج الدين السبكي: سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي الصغرى، لا الكبرى وهي التي يخرجون عليها الرجال، ويعملون الأطراف.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الكلام نظر، فإن العلماء أدخلوا الكبرى في الأطراف أيضا، كما فعل أبو الحجاج المزي وغيره، وسيأتي مزيد بسط لذلك إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر: قد أطلق اسم الصحة على كتاب النسائي أبو علي النيسابوري، وأبو أحمد بن عدي، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو عبد الله الحاكم، وابن منده، وعبد الغني بن سعيد،
стр. 28
وأبو يعلى الخليلي، وأبو علي بن السكن، وأبو بكر الخطيب وغيرهم.
وقال الخليلي في الإرشاد في ترجمة بعض الرواة الدينوريين: سمع من أبي بكر بن السني صحيح أبي عبد الرحمن النسائي.
وقال أبو عبد الله بن منده: الذين خرجوا الصحيح أربعة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
وقال السلفي: الكتب الخمسة اتفق على صحتهما علماء المشرق والمغرب.
قال النووي: مراده أن معظم كتب الثلاثة سوى الصحيحين يحتج به.
وقال الزركشي في نكته عَلى ابن الصلاح تسمية الكتب الثلاثة صحاحا: إما باعتبار الأغلب لأن غالبها الصحاح والحسان، وهي ملحقة بالصحاح، والضعيف منها ربما التحق بالحسن، فإطلاق الصحة عليها من باب التغليب. اهـ ما كتبه السيوطي في مقدمة شرحه. جـ ١/ ص ٦.
وكتب محقق عمل اليوم والليلة للمصنف في دراساته فوائد حسنة أحببت إيرادها هنا وإن كان فيها طول لحسنها. قال بَعْدَ نقل ما تقدم عن الحافظ وغيره: فبهذا يظهر أن النسائي أخرج أحاديث الثقات فقط، والآخرون نص على ضعفهم كما يظهر من خلال سننه، فهذا تتبعناها وجدنا أنه يتوخى إخراج أقوى ما في الباب من الأحاديث ويعتمد العدالة والضبط في الحديث بقطع النظر عن المعتقد والاتجاه المذهبي، فقد روى عن الجُوزَجَاني مثلا، وفيه انحراف عن علي وأهل الكوفة، وهو -يعني النسائي- ميال إلى التشيع كما تقدم، وأخرج عن عمر بن سعد بن أبي وقاص المدني، وهو الذي كان أميرًا على الجيش الذي قتل الحسين ابن علي ﵄، وكذلك وثق أسد بن وداعة، وهو ناصبي شديد النصب، كما روى عن الأجلح في اليوم والليلة، وكان مسرفا في
стр. 29
التشيع، وروى عن شمر بن عطية الأسدي في اليوم والليلة، وكان عثمانيا، وروايته عن الشيعة الحفاظ الضابطين، ولو كانوا مسرفين فكثيرة خصوصا في مسند علي كما يتبين لنا من خلال كتب الرجال؛ لأنّ المسند لم نره.
وإننا لنلاحظ أن القسم الثالث من الأحاديث التي أخرجها، وفيها ضعف كان يخرجها لأنه لم يجد غيرها، أو ذكرها لزيادة فيها على الأحاديث الصحيحة كما بين ذلك ﵀.
فانظر مثلا قوله: أخبرنا أبو حاتم السجستاني، قال: حدثنا عبد الله ابن رجاء، قال: حدثني سعيد بن سلمة، قال حدثني عمرو بن عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن عبد المطلب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا دعا قال: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز، والكسل، والبخل، والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال".
قال أبو عبد الرحمن: سعيد بن سلمة شيخ ضعيف، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث، وكان قد أخرجه بإسناد آخر من غير طريق سعيد بن سلمة. انظر المجتبى، ٨/ ٢٥٨.
وكما في حديث الخطبة قبل يوم التروية الذي رواه جابر بن عبد الله، وفيه إرسال علي ﵁ إلى الموسم، وقراءة سورة براءة، وأبو بكر أمير الموسم، فعقب ذلك بقوله: قال أبو عبد الرحمن: ابن خثيم عبد الله بن عثمان بن خثيم ليس بالقوي في الحديث، وإنما أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير، وما كتبناه إلا عن إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بنُ سعيد القطانُ لم يترك ابنَ خثيم ولا عبدُ الرحمن، إلا أن علي بن المديني قال: ابنُ خثيم منكرُ الحديث، وكان علي بن المديني خُلقَ للحديث.
стр. 30
ومن هذا النص يتبين لنا صواب وجهة النظر التي تبناها ابن حجر في الإخراج عمن لم يجمع على تركه أوّلًا، ثم ميل النسائي إلى التشدد ثانيًا، وهذا يدعونا إلى التأكد بأنه في تعليله للأحاديث وتنويعها لا يخرج عن شرطه الذي رسمه لنفسه فلا يرتضى تعليل حديث برجل واه، أو متروك، فإن كان ضعيفًا بينه ويختار الترجيح على طريقة الأحفظ والأكثر، حتى إن العلامة محمَّد بن إسماعيل الأمير في توضيح الأفكار ١/ ٢٢١، يقول: لا يخفى أنه قال أئمة هذا الشأن في سنن النسائي الكبرى بقولين: الأول: أن شرطه فيها أشد من شرط الشيخين.
الثاني: أن شرطه فيها شرط سنن أبي داود، وهو إخراج حديث من لم يجمع على تركه.
والرأي الثاني هو الصواب والحق، وإن كان في الكبرى قد أخرج عن رجال لم يخرج لهم في المجتبى لكنهم في واقع الأمر على شرطه، وهو في الغالب لا يسكت عن الضعيف بل يبينه بما يستحق، وأظهر في هذا الجانب براعة فائقة وبصيرة نافذة، ومن تتبع كلامه في هذا الجانب تحير من حسن كلامه، كما قال الحاكم النيسابوري، فانظر مثلا قوله في عمرو بن أبي عمرو: ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك تجده في غاية اللطافة، وقوله: سفيان في الزهري ليس بالقوي، وهو سفيان بن حسين، وقوله في محمد بن الزبير الحنظلي: ضعيف لا تقوم بمثله حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث ثم بدأ يسوق اختلاف رواياته التي اضطرب بها مبررا دليله على ذلك، انظر المجتبى ٧/ ٢٨.
وهو في صنيعه هذا قد فاق أصحاب الكتب الستة؛ لأن الإمام البخاري لا يعرج على ذلك، وأما مسلم: فيُعنَي بالأسانيد لزيادات في ألفاظ المتون. وأما أبو داود: فكانت عنايته مُنْصَبَّةً على إخرج أحاديث الأحكام، وكفى.
стр. 31
قال الجامع عفا الله عنه: وفي هذا نظر فإن أبا داود كلامه على الأحاديث المعللة كثر من كلام النسائي فيها، بل الأمر الذي فاق فيه النسائي عليه تشدده في الرجال وانتقاء الأحاديث، فتأمل.
قال: وأما الترمذي: فكتابه فيه الكثير من الصنعة الحديثية، وبعض البيان للعلل مع بيان مذاهب الفقهاء، إلا أنه أخرج عن رجال تحاشى النسائي، وأبو داود الإخراجَ لهم.
وأما النسائي: فيُعنَى بكل ذلك، وَيُبَيِّن العلل، ويُبْرزُ أوهامَ الحفاظ الأعلام، فتجد في كتابه ما لا تجده في غيره من هذا الجانب، والجوانب الأخرى، لا يقصر عنهم فيها، وإليك بعض الأمثلة: يقول: أخبرنا محمَّد بن المثنى، قال: حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، قال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: آية ٩٣] الآية كلها بعد الآية التي نزلت في الفرقان بستة أشهر. قال أبو عبد الرحمن: محمَّد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد. أخبرنا محمَّد بن بشار عن عبد الوهاب، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ .. قال نزلت هذه الآية بعد التي في الفرقان بثمانية أشهر ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: آية ٦٨]، قال أبو عبد الرحمن: أدخل أبو الزناد بينه وبين خارجة مجالد بن عوف.
أخبرنا عمرو بن علي، عن مسلم بن إبراهيم فقال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن مجالد بن عوف، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يحدث عن أبيه، أنه قال: وساق الحديث.
стр. 32
وبيانه للعلل جعله يتكلم كثيرا في الجرح والتعديل الذي تلقفه الأئمة من بعده فاعتمدوه وجعلوه حجة في التعديل أو التجريح، فإذا أخذت كتابا من كتب الرجال، فقلما تجد رجلًا إلا وقد أبدى فيه رأيه، نقلوا ذلك من سننه، ومن كتبه الأخرى، وإنهم ليجعلون تعديله حجة، وتوثيقه معتمدًا، وكذلك جرحه؛ لأنه كان في غاية التحري والدقة، حتى إن قصته مع أحمد بن صالح المصري التي لم يوافقه عليها الجمهور قالوا عن ذلك: إن كلامه حقّ لكنه من باب عين السخط تبدي المساويا، وذلك مغمور في فضائل أحمد بن صالح المصري، وفي هذا يقول أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه: أن عين السخط تبدي مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمَى عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمدا لقدح يعلم بطلانه، وذلك أن أحمد بن صالح كانت آفته الكبْر وشَراسَة الخلق، قال المحقق المذكور: وأقول: لو كان ذلك بغير حق لكان مغمورا في بحر فضائل أبي عبد الرحمن ﵀؛ لأن الإنسان مهما بلغ لا يمكنه الانسلاخ من بشريته.
قال الجامع: قلت في هذا الكلام نظر، إذ لو تبين أن النسائي جرحه وهو يعلم كونه بغير حق لارتفعت الثقة عنه، إذ لا يؤمن أن يَجرَح كل من غضب عليه بغير ما عليه، وما أبعدَ العلماءَ عن هذا، ولا سيما أهل الحديث، بل الصواب ما أول به أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى. فتأمل. والله أعلم.
وقد قيل: إن النسائي يخرج عن رجال مجهولين حالا أو عينا، وواقع الأمران إخراجه عن هذه الطائفة لا تغض من قيمة مصنفه خصوصا المجهول الحال، وذلك مذهب لعدد من المحدثين أصحاب
стр. 33
الصحاح: منهم ابن حبان في صحيحه، ومذهبه أن الراوي المجهول الحال إذا روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يأت بما ينكر، اعتبر حديثه صحيحا ووثقه، وكتابه الثقات مليء بهؤلاء. وهو مذهب معقول مقبول ارتضاه غير واحد من الأئمة: منهم أمير المؤمنين الحافظ ابن حجر العسقلاني، وعده من قبيل إدخال الحسن في قسم الصحيح، وذلك اصطلاح ولا مشاحة فيه، كما أن شيوخه المجهولي الحال والعين كان ابن حجر العسقلاني يرتضي رواية النسائي عنهم توثيقا، وتعديلا، ورفعا للجهالة عنهم، انظر مثلا ترجمة أحمد بن يحيي بن محمَّد بن كثير الحراني تجده يقول مستدركا على الذهبي في قوله: لا يعرف. قلت: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي، عنه، وفي التعريف بحاله توثيقه له. وقال في بذل الماعون في فضل الطاعون، عن أبي بلج يحيى الكوفي الكبير: يكفي في تقويته توثيق النسائي، وأبي حاتم مع تشددهما. بل إن الحافظ صلاح الدين العلائي يقول تعليقا على حديث "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" وفي إسناده عبد الملك بن زيد، وعبد الملك بن زيد هذا قال فيه النسائي: لا بأس به، ووثقه ابن حبان، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى، لا سيما مع إخراج النسائي له فإنه لم يخرج في كتابه منكرا ولا واهيا، ولا عن رجل متروك، وفي ميزان الاعتدال في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن البسري أبي الوليد، وقد أخرج له الترمذي والنسائي، وابن ماجه. قال الخطيب: وأبو الوليد ليس حاله عندنا ما ذكر الباغندي عن السكري، بل كان من أهل الصدق حدث عنه النسائي وحسبك به. ومن انتقاء النسائي وشدة تحريه استنتج التهانوي نتيجة هامة، حيث قال في كتابه قواعد في علوم الحديث: وكذا من حدث عنه النسائي فهو ثقة، وتقيد هذه القاعدة في حالة عدم تضعيفه هو له. وقال أيضًا: وكذا من أخرج له النسائي في المجتبى، وسكت
стр. 34
عنه فهو حجة.
وبالجملة فالمجتبى، ويلحق به السنن الكبرى أقل الكتب الستة بعد الصحيحين حديثا ضعيفًا، على أنه إذا جردت السنن من الأحاديث التي ضعفها مصنفها لبقيت كلها صحيحة، ولا تنزل عن درجة الصحيحين، وإن كنا لا ننسى أن المجتبى قد عده كثير من العلماء بهذه المرتبة، كما أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه ذكر حديثا موضوعا في سنن النسائي إلا ما كان من صنيع ابن الجوزي، فإنه ذكر حديثا واحدا، وقد رد عليه، بينما ذكر عدة أحاديث من بقية السنن: أربعة من سنن أبي داود، وثلاثة وعشرين من الترمذي، وستة عشر من ابن ماجه، وحديثًا واحدا من صحيح مسلم، وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي، عن أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر".
ومنها حديث في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، وهو حديث عبد الله بن عمر ﵄، "كيف بك يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم".
مقصد النسائي من سننه
قد كتب محقق عمل اليوم والليلة في هذا الموضح كلاما نفيسا يتلخص فيما يلي: كان قصد النسائي رحمه الله تعالى في سننه جمع ما ثبت عن رسول الله ﷺ مما يمكن أن يستدل به الفقهاء، ولكنه لم ينس نفسه كمحدث بحت، بل جمع بين الفقه والحديث، وسار على الطريقة التي تجمع بين الاستدلال والإسناد، ورتب الأحاديث على الأبواب، ووضع لها عناوين تبلغ من الدقة منزلة بعيدة، ومن التفصيل سعة كبيرة وسلك
стр. 35
طريقة جمع الأسانيد في مكان واحد كصنيع الإمام مسلم بن الحجاج ليبرز ما فيها فكان في حقيقة الأمر جامعا بين طريقتي البخاري ومسلم، ومن هنا جاء تفضيل من فضل مسلما على البخاري لأن البخاري يفرق الحديث الواحد في أماكن متعددة، وفي غير مظانه بما يعسر الكشف عنه، ولا يبرز الفوائد والإسنادية، والعلل الحديثية، ومسلم بعكسه يسوق الحديث سردًا دون تبويب.
فالجانب الفقهي في سننه يتجلى من خلال النقاط التالية:
منها: أنه يكثر التفريعات والتفصيلات في الباب الواحد بحثا عن السنن حتى إن القارئ ليشعر أنه يتناول كتابا يخرج للفقهاء آراءهم، ويبين مستندهم، حتى في أدق الأشياء، فخذ مثلا كتاب السهو تجد أبوابه كالتالي: التكبير إذا قام من الركعتين، باب رفع اليدين في القيام إلى الركعتين الأخريين، باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حَذْوَ المنكبين، باب رفع اليدين وحمد الله، والثناء عليه في الصلاة، باب السلام بالأيدي في الصلاة، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، النهي عن مسح الحصى في الصلاة، باب الرخصة فيه مرة، النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة .. الخ.
وهكذا فإنك تعيش مع تفريعات الفقهاء، ودقائقهم، وهذا ما دعاه إلى تكرير الحديث عدة مرات أحيانا، وعلى سبيل المثال فقد كرر حديث النية ست عشرة مرة، حتى قيل: إنه أكثر الكتب تكرارًا للأحاديث.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى، بل البخاري، أكثر تكرارا، والله أعلم.
ومنها: أنه ما أخلى كتابه من النقل عن الفقهاء، وإن كان ذلك قليلًا
стр. 36
كما في ٨/ ٣١٥ حيث ينقل عن مسروق فتوى في الهدية، والرشوة، وفي شرب الخمرة، وكما في ٨/ ٣٣٤ حيث ينقل عن إبراهيم النخعي وغيره، وفعل ذلك في مواضع أخر من كتابه.
ومنها: أنه يقتصر في أحيان كثيرة على موضع الشاهد من الحديث، وهي نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث.
ومنها: أنه يسوق الأحاديث المتعارضة في الباب إذا صحت عنده ليقيم الدليل على صحة العملين كما فعل في الأسفار بالفجر، والتغليس به، انظر ١/ ٢٧١ وكما في قراءة البسملة، وترك قراءتها، انظر ١/ ١٣٤، وهما مسألتان شغلتا فقهاء الشافعية والحنفية، وغيرهما زمنا طويلا، وسودت فيها دواوين، ومصنفات كثيرة حتى يومنا هذا.
ومنها: أنه ينقل لنا صورة كتب فقهية في بعض الموضوعات مثل المزارعة، والشركات والتدبير، والمكاتبة، وغيرها، بعيدة تماما عن المنهج الحديثي، وهي عمل فقهي محض. من ذلك مثلا: قوله: قال أبو عبد الرحمن: كتابة مزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله منها. هذا كتاب كتبه فلان بن فلان بن فلان في صحة منه، وفي جواز أمر، لفلان بن فلان إنك دفعت إليَّ جميع أرضك التي بموضع كذا في مدينة كذا مزارعة، هي .. وساق تتمته في صفحتين كبيرتين على الطريقة الفقهية الدقيقة، انظر ٧/ ٥٢، كما أنه تحدث عن أنواع الشركات: العنَان، والمفاوضات، والأبدان ودَوَّن لنا صورة عقود كتابة هذه الشركات، ثم دَوَّن لنا عقد التفريق بين الزوجين، وصورة عقد كتابة المملوك، وتدبيره، وعتقه، وهي فوائد عظيمة تشكل معالم هادية أمام تطور الفقه الإسلامي.
стр. 37
وبالجملة فسننه سفر عظيم جمع معظم ما يتعلق بالحياة الدينية والدنيوية.
وأما الجانب الحديثى فيتجلى في الأمور التالية:
منها: أنه يعتني ببيان الخلافات التي في الأسانيد، والمتون، فيتبين بذلك ما هو الراجح من تلك الروايات، وهذا من الفوائد المهمة للحديثي.
ومنها: نقده للمتون التي ظاهرها الصحة، وتعليله لها، فمثلا في ٣/ ٤٦ يقول: قال أبو عبد الرحمن: أنبانا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شيء. وفي ٦/ ١٧٠ يقول: هذا
خطأ، والصواب مرسل. ويكثر من هذه الصيغة في ثنايا كتابه.
ومنها: تبيينه للأسماء والكُنَى التي تلتبس في الأسانيد، وهذه قد
أكثر منها الترمذي في جامعه، وكذلك النسائي، فإنه قد ضرب فيها بحظ وافر مثلا في ٥/ ٤٩ يقول: قال أبو عبد الرحمن: أبو عمار: اسمه عَريب (١) بن حُمَيد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة، وأمثال هذا كثير.
ومنها: محافظته على إيراد الأحاديث المسندة، فيندر أن تجد فيه معلقا، وهذا منهج الإمام مسلم، بخلاف البخاري فقد أكثر من المعلقات، والموقوفات، والمقاطيع.
ومنها: نثره للجرح والتعديل عقب الأسانيد مبينا حال بعض الرواة، ويشاركه في هذا أبو دواد، وأما الترمذي فقد أكثر منه.
ومنها: أنه استعمل كثيرا من الاصطلاحات الحديثية السائدة فيما بين المحدثين، وعقَّبَ بها على الأحاديث، ولهذا فائدة هامة جدا، إذ تعطينا
стр. 38
تصورا عن مصطلحات القوم، ومن أهم ما استعمله من ذلك: حديث منكر، غير محفوظ، ليس بثابت، حديث صحيح، محفوظ، خطأ فاحش، مرسل، مسند، إسناده حسن، وهو منكر، إلى غير ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه له أن النسائي جمع كتابه من أصول مكتوبة، كما
يتبين ذلك من خلال كلامه في سننه، فمثلا يقول: في كتاب النكاح الباب ٢٣، الحديث ٣٢٤٦. قال أبو عبد الرحمن: وجدت هذا الحديث في موضع: عن يزيد بن كيسان، أن جابر بن عبد الله، والصواب أبو هريرة.
المسألة الرابعة في بيان أعلى ما وقع للنسائي من الأسانيد وأنزلها
اعلم أنه لما تأخر وقته فاته كثير من الشيوخ الذين أخذ عنهم أصحاب الأصول الخمسة أمثال يحي بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ونحوهم، ولهذا لم يقع له ما وقع لغيره من الثلاثيات، وهو أن يكون بينه وبين النبي ﷺ ثلاث وسائط، كما وقع للبخاري وهي (٢٣) حديثا، والترمذي، حديث واحد، وابن ماجه خمسة أحاديث، غير أنها من طريق جُبَارَة بن المُغَلِّس، وهو ضعيف، كذبه ابن معين، وكذا ضعفه غيره، إلا ابن نمير، قال: صدوق. فأما المصنف فأعلى ما وقع له الرباعيات، وأنزله العشاريات، وهي أن يكون بينه وبين النبي- ﷺ عشرة وسائط (١).
стр. 39
المسألة الخامسة في السنن الكبرى
كتب الأستاذ عبد الصمد شرف الدين مصحح السنن الكبرى في مقدمة تصحيحه كلاما نفيسا يتعلق بهذا الكتاب، أحببت إيراد خلاصته لنفاسته:
قال: لقد اختلف أقوال الناس في السنن الكبري اختلافا يتجاوز حد المعقول، واتبعوا فيها الظن وخرصوا حتى أصبحت كأسطورة لها، وذلك على ما يظهر لندرة نسخها أو لعدم اطلاعهم عليها، ولهذا اضطربت آراؤهم في حقيقة الفرق بينها وبين ما هو المجتبى منها.
فأما الآن وقد حضرت أمامنا بحمد الله وتوفيقه هذه النسخة منها، بل حضر معها نسخة المجتبى يمكننا المعرفة التامة بها، والمقابلة الفاصلة بينها وبين الصغرى.
فمنهم من يظن أن أحاديث السنن الكبرى ليست كلها صحيحة، وأن فيها ما هو معلول كما راجت تلك الرواية الركيكة الحاكية بأن مؤلفها لما صنفها أهداها لبعض الأمراء فسأله أكل ما فيها صحيح؟ فقال: لا، فقال: جَرِّدْ لي منها الصحيح، فعمل له المجتبى وكفى بها كذبا وزورا أنها رواية لا إسناد لها. وكيف يتسنَّى لهؤلاء الظانين بهذا الإمام الفذّ هذا الظن، وقد ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر بإسناده إلى أبي عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرملي (ت ٣٥٧) بمكة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي يقول: لما عزمت على جمع كتاب السنن "وهي الكبرى" استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم اهـ.
стр. 40
وهذا كما حكى الدارقطني (ت ٣٨٥) قال: سمعت أبا طالب "أحمد ابن نصر" الحافظ (ت ٣٢٣) يقول: من يصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة "يعني عاليا عن شيخه قتيبة عن ابن لهيعة" فما حدث بها. اهـ. فكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة مع كثرته لاختلاف الناقدين فيه.
المسألة السادسة في ذكر رواة السنن عن النسائي
روى السنن عن النسائي رحمه الله تعالى كثيرون ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته منهم عشرة: منهم ابنه عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق بن السني (ت ٣٦٤) وأبو علي الحسن ابن الخضر الأسيوطي (ت ٣٦١) والحسن بن رشيق العسكري (ت ٣٧٥) وأبو القاسم حمزة بن محمَّد بن علي الكناني (ت ٣٥٧) وأبو الحسن محمَّد بن عبد الكريم بن زكريا بن حيويه (ت ٣٦٦) ومحمد بن معاوية بن الأحمر (ت حوالي سنة ٣٥٨) ومحمد بن القاسم الأندلسي (ت ٣٢٧) وعلي بن أبي جعفر الطحاوي (١) وأبو بكر أحمد بن محمد بن المهندس (ت ٣٨٥).
وزاد محقق عمل اليوم والليلة: أبا علي الحسن بن بدر بن هلال، وأبا الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشام إمام المسجد الجامع بمصر، وأبا العصام، والحسين بن جعفر الزيات (٢).
قال: وإن كان الأمر في الواقع لا يحصر؛ لأن الرواة عن النسائي وتلامذته كثيرون جدًا ولكن هؤلاء اشتهروا بروايتها، وإقرائها،