كما في ٨/ ٣١٥ حيث ينقل عن مسروق فتوى في الهدية، والرشوة، وفي شرب الخمرة، وكما في ٨/ ٣٣٤ حيث ينقل عن إبراهيم النخعي وغيره، وفعل ذلك في مواضع أخر من كتابه.
ومنها: أنه يقتصر في أحيان كثيرة على موضع الشاهد من الحديث، وهي نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث.
ومنها: أنه يسوق الأحاديث المتعارضة في الباب إذا صحت عنده ليقيم الدليل على صحة العملين كما فعل في الأسفار بالفجر، والتغليس به، انظر ١/ ٢٧١ وكما في قراءة البسملة، وترك قراءتها، انظر ١/ ١٣٤، وهما مسألتان شغلتا فقهاء الشافعية والحنفية، وغيرهما زمنا طويلا، وسودت فيها دواوين، ومصنفات كثيرة حتى يومنا هذا.
ومنها: أنه ينقل لنا صورة كتب فقهية في بعض الموضوعات مثل المزارعة، والشركات والتدبير، والمكاتبة، وغيرها، بعيدة تماما عن المنهج الحديثي، وهي عمل فقهي محض. من ذلك مثلا: قوله: قال أبو عبد الرحمن: كتابة مزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله منها. هذا كتاب كتبه فلان بن فلان بن فلان في صحة منه، وفي جواز أمر، لفلان بن فلان إنك دفعت إليَّ جميع أرضك التي بموضع كذا في مدينة كذا مزارعة، هي .. وساق تتمته في صفحتين كبيرتين على الطريقة الفقهية الدقيقة، انظر ٧/ ٥٢، كما أنه تحدث عن أنواع الشركات: العنَان، والمفاوضات، والأبدان ودَوَّن لنا صورة عقود كتابة هذه الشركات، ثم دَوَّن لنا عقد التفريق بين الزوجين، وصورة عقد كتابة المملوك، وتدبيره، وعتقه، وهي فوائد عظيمة تشكل معالم هادية أمام تطور الفقه الإسلامي.
стр. 37
وبالجملة فسننه سفر عظيم جمع معظم ما يتعلق بالحياة الدينية والدنيوية.
وأما الجانب الحديثى فيتجلى في الأمور التالية:
منها: أنه يعتني ببيان الخلافات التي في الأسانيد، والمتون، فيتبين بذلك ما هو الراجح من تلك الروايات، وهذا من الفوائد المهمة للحديثي.
ومنها: نقده للمتون التي ظاهرها الصحة، وتعليله لها، فمثلا في ٣/ ٤٦ يقول: قال أبو عبد الرحمن: أنبانا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شيء. وفي ٦/ ١٧٠ يقول: هذا
خطأ، والصواب مرسل. ويكثر من هذه الصيغة في ثنايا كتابه.
ومنها: تبيينه للأسماء والكُنَى التي تلتبس في الأسانيد، وهذه قد
أكثر منها الترمذي في جامعه، وكذلك النسائي، فإنه قد ضرب فيها بحظ وافر مثلا في ٥/ ٤٩ يقول: قال أبو عبد الرحمن: أبو عمار: اسمه عَريب (١) بن حُمَيد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة، وأمثال هذا كثير.
ومنها: محافظته على إيراد الأحاديث المسندة، فيندر أن تجد فيه معلقا، وهذا منهج الإمام مسلم، بخلاف البخاري فقد أكثر من المعلقات، والموقوفات، والمقاطيع.
ومنها: نثره للجرح والتعديل عقب الأسانيد مبينا حال بعض الرواة، ويشاركه في هذا أبو دواد، وأما الترمذي فقد أكثر منه.
ومنها: أنه استعمل كثيرا من الاصطلاحات الحديثية السائدة فيما بين المحدثين، وعقَّبَ بها على الأحاديث، ولهذا فائدة هامة جدا، إذ تعطينا
стр. 38
تصورا عن مصطلحات القوم، ومن أهم ما استعمله من ذلك: حديث منكر، غير محفوظ، ليس بثابت، حديث صحيح، محفوظ، خطأ فاحش، مرسل، مسند، إسناده حسن، وهو منكر، إلى غير ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه له أن النسائي جمع كتابه من أصول مكتوبة، كما
يتبين ذلك من خلال كلامه في سننه، فمثلا يقول: في كتاب النكاح الباب ٢٣، الحديث ٣٢٤٦. قال أبو عبد الرحمن: وجدت هذا الحديث في موضع: عن يزيد بن كيسان، أن جابر بن عبد الله، والصواب أبو هريرة.
المسألة الرابعة في بيان أعلى ما وقع للنسائي من الأسانيد وأنزلها
اعلم أنه لما تأخر وقته فاته كثير من الشيوخ الذين أخذ عنهم أصحاب الأصول الخمسة أمثال يحي بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ونحوهم، ولهذا لم يقع له ما وقع لغيره من الثلاثيات، وهو أن يكون بينه وبين النبي ﷺ ثلاث وسائط، كما وقع للبخاري وهي (٢٣) حديثا، والترمذي، حديث واحد، وابن ماجه خمسة أحاديث، غير أنها من طريق جُبَارَة بن المُغَلِّس، وهو ضعيف، كذبه ابن معين، وكذا ضعفه غيره، إلا ابن نمير، قال: صدوق. فأما المصنف فأعلى ما وقع له الرباعيات، وأنزله العشاريات، وهي أن يكون بينه وبين النبي- ﷺ عشرة وسائط (١).
стр. 39
المسألة الخامسة في السنن الكبرى
كتب الأستاذ عبد الصمد شرف الدين مصحح السنن الكبرى في مقدمة تصحيحه كلاما نفيسا يتعلق بهذا الكتاب، أحببت إيراد خلاصته لنفاسته:
قال: لقد اختلف أقوال الناس في السنن الكبري اختلافا يتجاوز حد المعقول، واتبعوا فيها الظن وخرصوا حتى أصبحت كأسطورة لها، وذلك على ما يظهر لندرة نسخها أو لعدم اطلاعهم عليها، ولهذا اضطربت آراؤهم في حقيقة الفرق بينها وبين ما هو المجتبى منها.
فأما الآن وقد حضرت أمامنا بحمد الله وتوفيقه هذه النسخة منها، بل حضر معها نسخة المجتبى يمكننا المعرفة التامة بها، والمقابلة الفاصلة بينها وبين الصغرى.
فمنهم من يظن أن أحاديث السنن الكبرى ليست كلها صحيحة، وأن فيها ما هو معلول كما راجت تلك الرواية الركيكة الحاكية بأن مؤلفها لما صنفها أهداها لبعض الأمراء فسأله أكل ما فيها صحيح؟ فقال: لا، فقال: جَرِّدْ لي منها الصحيح، فعمل له المجتبى وكفى بها كذبا وزورا أنها رواية لا إسناد لها. وكيف يتسنَّى لهؤلاء الظانين بهذا الإمام الفذّ هذا الظن، وقد ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر بإسناده إلى أبي عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرملي (ت ٣٥٧) بمكة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي يقول: لما عزمت على جمع كتاب السنن "وهي الكبرى" استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم اهـ.
стр. 40
وهذا كما حكى الدارقطني (ت ٣٨٥) قال: سمعت أبا طالب "أحمد ابن نصر" الحافظ (ت ٣٢٣) يقول: من يصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة "يعني عاليا عن شيخه قتيبة عن ابن لهيعة" فما حدث بها. اهـ. فكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة مع كثرته لاختلاف الناقدين فيه.
المسألة السادسة في ذكر رواة السنن عن النسائي
روى السنن عن النسائي رحمه الله تعالى كثيرون ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته منهم عشرة: منهم ابنه عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق بن السني (ت ٣٦٤) وأبو علي الحسن ابن الخضر الأسيوطي (ت ٣٦١) والحسن بن رشيق العسكري (ت ٣٧٥) وأبو القاسم حمزة بن محمَّد بن علي الكناني (ت ٣٥٧) وأبو الحسن محمَّد بن عبد الكريم بن زكريا بن حيويه (ت ٣٦٦) ومحمد بن معاوية بن الأحمر (ت حوالي سنة ٣٥٨) ومحمد بن القاسم الأندلسي (ت ٣٢٧) وعلي بن أبي جعفر الطحاوي (١) وأبو بكر أحمد بن محمد بن المهندس (ت ٣٨٥).
وزاد محقق عمل اليوم والليلة: أبا علي الحسن بن بدر بن هلال، وأبا الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشام إمام المسجد الجامع بمصر، وأبا العصام، والحسين بن جعفر الزيات (٢).
قال: وإن كان الأمر في الواقع لا يحصر؛ لأن الرواة عن النسائي وتلامذته كثيرون جدًا ولكن هؤلاء اشتهروا بروايتها، وإقرائها،
стр. 41
وسنذكر ترجمة أشهرهم لما لهم من وثيق الصلة بالموضوع:
١ - ابن السني
هو أبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق بن إبراهيم الدِّينَوَريّ، روى عن النسائي، وأبي خليفة الجُمَحي، وطبقتهما، ورحل، وكتب الكثير، ولكنه لازم النسائي وتخرج به، وهو حافظ إمام ثقة مصنف مشهود له بالفضل والضبط، رَوَى عنه كثيرون، وعلى رأسهم أحمد بن الحسين الكسار الذي نقل عنه سنن النسائي، كما رَوَى عنه أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ومحمد بن علي العلوي، وعلي بن عمر الأسدابادي، وغيرهم.
ولابن السني مصنفات عديدة في الحديث والسنن:
منها: عمل اليوم والليلة، وكتاب القناعة، والإيجاز في الحديث، والطب النبوي، وفضائل الأعمال، وتأليف في رواية الإخوة بعضهم عن بعض، والصراط المستقيم (١).
توفي ابن السني سنة ٣٦٤ هـ نص على ذلك الذهبي وغيره، قال ابنه أبو علي الحسن كان أبي ﵀ يكتب الأحاديث فوضع القلم في أنبوبة المحبرة ورفع يديه يدعو الله فمات رحمه الله تعالى.
روى ابن السني المجتبى عن النسئي، وعنه القاضي أحمد بن الحسين الكسار، ورواها عن الكسار أبو محمَّد عبد الرحمن بن الحسن الدُّوني، وعنه انتشرت في المشرق. وسيأتي عن الذهبي أن ابن السني هو الذي اختصر المجتبى عن الكبرى والردّ عليه.
стр. 42
٢ - الحسن بن رشيق العسكري
هو الإمام الحافظ مسند بلده أبو محمَّد العسكري المصري، حدث عن خلق كثير على رأسهم النسائي، وروى عنه الحفاظ الكبار مثل الدارقطني، وعبد الغني الأزدي، وخلق كثير من المصريين والمغاربة، ولد في صفر ٢٨٣ وتوفي سنة ٣٧٠، قال أبو القاسم الطحان تلميذه: روى عنه خلق لا أستطيع ذكرهم فما رأيت عالما كثر حديثا منه.
٣ - حمزة بن محمد الكناني
هو الحافظ الزاهد العالم محدث مصر أبو القاسم حمزة بن محمَّد بن علي بن العباس أحد أئمة الشأن ولد سنة ٢٧٥ وسمع النسائي، والحسن ابن أحمد بن الصيقل، وعمران بن موسى بن حميد الطيب، وكثر التَّطواف، وجمع، وصنف. وروى عنه أبو عبد الله بن منده، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، والدارقطني، وغيرهم. وهو ثقة ثبت بصير بالحديث وعلله، مقدم في ذلك، ولم يكن للمصريين في زمانه أحفظ منه، قال الحاكم: وحمزة المصري على تقدمه في معرفة الحديث كان أحد من يذكر بالزهد والورع والعبادة.
وقال الحافظ عبد الغني الأزدي: كل شيء لحمزة ففي سنة خمس: ولد سنة ٢٧٥ وأول ما سمع سنة ٢٩٥ ورحل سنة ٣٠٥.
وقال ابن عبد البر: سمعت محمَّد بن أسد، سمعت حمزة الكناني يقول: خَرَّجت حديثا واحدا عن النبي ﷺ من نحو مائتي طريق فداخلني لذلك من الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك، فرأيت يحيى بن معين في المنام فقلت: يا أبا زكريا خرَّجت حديثًا واحدًا من مائتي طريق فسكت عني ساعة ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. توفي حمزة سنة ٣٥٧. قال علي بن عمر الحراني
стр. 43
سمعت حمزة بن محمَّد وجاءه غريب فقال: وصلت عساكر المعز إلى الإسكندرية فقال: "اللهم لا تحيني حتي تريني الرايات الصفر" فمات حمزة ودخلوا بعد موته بثلاثة أيام. وله آراء في هذا الفن تناقلها العلماء عنه، ونسبوها إليه وارتضوها، من ذلك قوله: في سويد بن غفلة لا يصح له عن علي سوى حديث واحد، هو حديث الخوارج. أما روايته للسنن الكبرى فهي رواية كاملة ينقصها كتاب الخيل، والطب فقط. ورواها عنه أئمة أعلام منهم:
أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن يحيى بن مفرج، وأبو محمَّد عبد الله ابن محمَّد بن أسد الجهني، وأضاف لها كتاب الخيل عن أبي هريرة عن أبي العصام عن النسائي، وكتاب الطب عن عبد الكريم بن الإِمام النسائي عن أبيه. وأبو القاسم أحمد بن محمَّد بن يوسف المعافري. وأبو الفرج محمَّد بن عمر بن محمَّد بن إبراهيم الصوفي المعروف بالحطاب. وأحمد ابن فتح بن عبد الله بن التاجر المعافري، وقد روي عنه كتاب الخصائص (١).
٤ - أبو الحسن ابن حيويه
هو أبو الحسن محمَّد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري، ثم المصري القاضي، سمع بكر بن سهل الدمياطي، والنسائي، وطائفة، توفي سنة ٣٦٦ في شهر رجب، وهو في عشر التسعين. كان من الحفاظ الثقات المصنفين، له جزء من وافقت كنيته كنية زوجته من الصحابة، رواه عنه أبو الحسن علي بن منير. في منزله سنة ٣٦٦ ويوجد في المكتبة الظاهرية.
стр. 44
٥ - ابن الأحمر
هو محدث الأندلس محمَّد بن معاوية بن عبد الرحمن أبو بكر الأموي مولاهم القرطبي، المرواني المعروف بابن الأحمر. روى عن عبيد الله ابن يحيى الليثي، وخلق كثير، وفي رحلته إلى المشرق عن النسائي والفريابي، وأبي خليفة الجمحي، ودخل الهند للتجارة، وقيل للاستشفاء من علة فغرق له ما قيمته ثلاثون ألف دينار، ورجع فقير المال، لكنه ملأ العيبة من العلم، والمصنفات فقد رجع بمصنف النسائي الكبير، وعنه انتشر في الأندلس، وبث في الأندلس حديث أبي خليفة الجمحي، كما حمل معه كتاب جعفر الفريابي آداب الإسلام، وعنه رَوَىَ هذا الكتاب، وتمكن هو من الحديث تمكنا قويا فصنف مسندا أثنى عليه ابنُ خير في فهرسته، وقال عنه: فيه من الحديث المسند أربعة آلاف حديث، وثلاثة وثلاثون حديثا، ومن الصحابة ثلاثمائة وثلاثة عشر، ومن النساء ثلاث وأربعون امرأة، وقد ألف تلميذه ابن الحجام "يعيش ابن سعيد بن محمد الوراق" ت ٣٩٣ مسند حديث ابن الأحمر بأمر الحكم المستنصر.
واشتهر من الرواة عنه للسنن الكبرى أعلام منهم:
أبو محمَّد الباجي، وأبو عثمان سعيد بن محمَّد القلاس، وأبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث، وأبو بكر محمَّد بن مروان بن زهر الإيادي، وروايته تنقص كتاب الخصائص، والاستعاذة، ومناقب الصحابة، وقدره أربعة أجزاء حديثية، والنعوت جزء، والبيعة جزء، وثواب القرآن جزء، والتعبير جزء، والتفسير خمسة أجزاء، وتوفي ابن الأحمر حوالي سنة ٣٥٨، وقد قيل: إنه أول من أدخل سنن النسائي إلى الأندلس.
стр. 45
٦ - ابن سيار الأموي
هو محمَّد بن قاسم بن محمَّد بن قاسم بن محمَّد بن سيار الأموي مولاهم أبو عبد الله البياني القرطبي، الحافظ الإمام أكثر عن أبيه، وبقي ابن مخلد، ومحمد بن وضاح، ومطين، والنسائي. روى عنه ولده أحمد بن محمَّد، وخالد بن سعيد، وسليمان بن أيوب، وآخرون، وكان من أئمة هذا الشأن بالأندلس، ومن ثقات الأعلام رأسا في عقد الوثائق والشروط، قال عنه تلميذه أبو محمَّد الباجي: لم أدرك بقرطبة
من الشيوخ أكثر حديثا منه، وقد كان سماعه من النسائي، هو، وابن الأحمر واحدًا كما نص على ذلك ابنُ خير في فهرسته، وقد توفي في آخر عام ٣٢٧.
وقد جمع أبو محمَّد الباجي تلميذه بين سماعه وسماع ابن الأحمر في السنن، ووحده في نسخة واحدة هي التي كتب لها الانتشار في الغرب الإسلامي.
وأبرزُ الرواة عن محمَّد بن قاسم أبو محمَّد الباجي، وأبو بكر عباس ابن أصبغ الحجازي، وروايته تزيد على رواية ابن الأحمر كتاب الاستعاذة، وخصائص علي، وتتفق معها في سائر الكتب.
٧ - ابن خضر
هو أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي، وهو من ثقات المصريين، وحفاظهم، توفي سنة ٣٦١.
٨ - ابن المهندس
هو أبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسماعيل بن المهندس محدث ديار مصر كان ثقة تقيا، وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
стр. 46
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال المحقق المذكور تبعا للحافظ أن ابن المهندس ممن روى عن النسائي السنن الكبرى إلا أن الذهبي خطأ من قال بذلك في سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٦٢ في ترجمته قال: وأخطأ من قال: سمع من النسائي اهـ. والله أعلم.
وقال مصحح السنن الكبرى الأستاذ عبد الصمد بعد ذكر ما ذكره الحافظ ابن حجر من رواة السنن عن النسائي: ما حاصله: فإذا استثنينا الحافظ ابن السني، المختص براوية السنن الصغرى عن النسائي، فعدد الذين رووا عنه السنن الكبرى تسعة، منهم خمسة من أجلة الحفاظ المحدثين الذين قد اشتهروا بروايتهم السنن الكبرى عن النسائي، ثلاثة مصريون، وهم حمزة بن محمَّد الكناني، والحسن بن علي بن الخضر الأسيوطي، وأبو الحسن بن حيويه، واثنان أندلسيان: وهما: ابن الأحمر، وابن سيار. أهـ باختصار ص ٢٢.
المسألة السابعة في ذكر عناية كبار الحفاظ بالسنن الكبرى
قد اعتنى العلماء الحفاظ بالسنن الكبرى فعملوا لها الأطراف، فمن أول من اعتنى بذلك محدث الشام أبو القاسم علي بن محمَّد بن عساكر (ت ٥٧١) فقد صنف كتابه في أطراف السنن الأربع لأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وسماه الإشراف على معرفة الأطراف، وقد ضمن فيه كل حديث خرجه النسائي سواء كان في سننه الكبرى أو الصغرى.
ثم جاء الحافظ أبو الحجاج المزي (ت ٧٤٢) فتبع ابن عساكر في ترتيب كتابه تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف في أطراف الكتب الستة، فرتبه على كتاب أبي مسعود الدمشقي (ت ٤٠١) وكتاب خلف
стр. 47
الواسطي (ت ٤٠١ أيضا) في أحاديث الصحيحين، وعلى إشراف ابن عساكر في كتاب السنن الأربعة، بل قد أضاف إلى ذلك ما وقع له من الزيادات التي أغفلها ابن عساكر، لا سيما من أحاديث سنن النسائي، وأشار إليه بقوله: في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم، وما شابهه.
قال المصحح عبد الصمد: ونسخة الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير (ت ٧٧٤) تلميذ المزي وصهره من تحفة الأشراف تعد أكمل النسخ لهذا الكتاب بما فيها من زيادات كثيرة من أحاديث الكبرى رواية ابن الأحمر.
أما الحافظ ابن كثير فقد نوه بكتابي السنن كليهما حيث يقول تحت ترجمة النسائي (البداية ج ١١ ص ١٢٣) في وفيات سنة ٣٠٣ وقد جمع السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل منه حجما بمرات، وقد وقع لي سماعهما اهـ.
ثم جاء أخيرًا الحافظ المتقن الماهر ابن حجر (ت ٨٥٢) فعظم من شأن الحافظ المزى ﵀ على تأليفه كتاب الأطراف لأحاديث الصحاح الستة، ومنها السنن الكبرى للنسائي. وكتب تعاليقه على أوهام له سماها النكت الظراف على الأطراف قال في مقدمته: ثم وجدت جملة من الأحاديث أغفلها، وخصوصا من كتاب النسائي رواية ابن الأحمر وغيره.
المسألة الثامنه في بيان السنن الصغرى المسماة بالمجتبى
اعلم أنه وقع اختلاف بين العلماء في المجتبى هل هي من تصنيف النسائي نفسه، أو من انتخاب ابن السني من السنن الكبرى؟ وقد أشبع الكلام في هذا الموضوع محقق عمل اليوم والليلة، ومصحح السنن الكبرى، بما لا مزيد على تحقيقهما شكر الله سعيهما، وأنا أنقل خلاصة
стр. 48
ذلك، فأقول: قال الأول: ما حاصله: إنه اختلف الناس في هذه المسألة على فريقين: فريق يقول: المجتبى من انتقاء ابن السني، وهو اختصار للسنن الكبرى، وممن قال بهذا الإمام الذهبي، وتبعه على هذا الإمام ابن ناصر الدين، الدمشقي (ت ٧٤٨) يقول الذهبي في ذلك: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعا لمعظمه وإجازة لفوت له محدد في الأصل قال: أنبأنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن حمد الدُّونيُّ، قال: أنبأنا القاضي أحمد بن الحسين الكسار، أخبرنا: ابن السني، عنه، وكرر نحو هذا الكلام في غير موضع من كتبه. وأما ابن ناصر الدين فقد تابعه على ذلك، ورأيت عبارته في شذرات الذهب لابن العماد في ترجمة ابن السني إذ قال: قال ابن ناصر الدين: اختصر سنن النسائي وسماه المجتبَى.
وتبعه على هذا أيضًا كما قال المصحح عبد الصمد: تلميذه القاضي تاج الدين ابن السبكي (ت ٧٧١) فقال في ترجمة ابن السني من طبقاته ٢/ ٩٦ ما نصه: وصنف في القناعة، وفي عمل اليوم والليلة، واختصر سنن النسائي. اهـ.
قال المصحح: وقد أدى بالسبكي هذا الوهم إلى الظن بفقدان السنن الكبرى من الوجود أصلًا، دون الصغرى، فقد نقل السيوطي عنه في مقدمة زَهْر الرُّبَى قوله: سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي الصغرى لا الكبرى، وهي التي يخرجون عليها الرجال، ويعملون الأطراف، وكأن السيوطي يصدقه في هذا حيث قرره ولم يتعقبه بشيء، فقد غلب على السبكي ما زعمه شيخه الذهبي في سنن النسائي، وغاب عنه ما صنعه شيخه الآخر وهو الحافظ المزي ﵀ حيث عمل أطرافه في تحفة الأشراف على سننن النسائي الكبرى والصغرى معا. اهـ كلام
стр. 49
المصحح بالمعنى. ١/ ٣١.
وأما الفريق الآخر فيرى أن المجتبى من اختصار النسائي نفسه من السنن الكبرى، وليس لابن السني إلا مجرد الرواية، وعلى هذا جُلُّ العلماء الأعلام، وهو المعروف عند الخاص والعام، وهو الذي ارتضاه
المحقق، والمصحح جزاهما الله تعالى.
قال الجامع: لا أرى غيره عند التحقيق، للأدلة الواضحة الرافعة للنِّزَاع والاختصام، التي ذكرها المحقق والمصحح بدقة وانتظام، وأنا أذكر خلاصتها لتكون لهذا الموضوع مسك الختام:
قال المحقق: بعد ذكر نحو ما تقدم من قول الفريق الثاني: ما نصه: وهو الرأي الذي أصوبه، وأرتضيه لدلائل عديدة كما يلي:
منها: أنه لم يقدم لنا الذهبي دليلًا علي هذا الذي جاءنا به، لا نقلا ولا استنباطًا، وان كان هو من الأعلام لكنه خولف، والوهم لا يخلص منه إنسان.
ومنها: وجود مثبتات على ذلك منها ما نقله ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥) بسنده عن أبي محمَّد بن يربوع قال: قال لي أبو علي الغساني ﵀: كتاب الإيمان والصلح ليسا من المصنَّف إنما هما من المجتبى له -بالباء- في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنَّف، وذلك أن أحد الأمراء سأله عن كتابه في السنن كله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح مجردا فصنع المجتبى، فهو المجتبى من السنن ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل، روى هذا الكتاب عن أبي عبد الرحمن ابنه عبد الكريم بن
стр. 50
أحمد، ووليد بن القاسم الصوفي، ورواه عن أبي موسى عبد الكريم من أهل الأندلس أيوبُ بنُ الحسن قاضي الثغر، وغيره .. انتهى كلام ابن خير. قال المحقق: وهذا نص ظاهرٌ في الموضوع، وأبو علي الغساني حافظ ثبت قال فيه الذهبي: كان من جهابذة الحفاظ البُصَراء بصيرا بالعربية واللغة، والشعر والأنساب صنف في ذلك كله، ورحل الناس إليه، وعوَّلوا في النقل عليه، وتصدر بجامع قرطبة، وأخذ عنه الأعلام، ووصفوه بالجلالة، والحفظ، والنباهة، والتواضع والصيانة، ولد في المحرم سنة ٤٢٧، وتوفي في ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ٤٩٨. اهـ. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٣٣.
قال الجامع عفا الله عنه: وقصة النسائي مع الأمير الذي سأله تجريد الصحيح من غيره قد أنكرها مصحح السنن الكبرى، كما أن الذهبي أنكرها وإن اختلف وجه إنكارهما وسيأتي الكلام علي ذلك، إن شاء الله تعالى.
قال المحقق: كما أني وجدت مجلدين من المجتبى قديمين جدا كُتبت عليهما سماعات بين سنة ٥٣٠ وسنة ٥٦١ فيهما نص ظاهر أنها من تأليف النسائي، وقد جاء في صدر أحدهما: الجزء الحادي والعشرون من السنن المأثورة عن رسول الله ﷺ تأليف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن بحر النسائي، رواية أبي بكر أحمد بن إسحاق بن السني، عنه. رواية القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين بن الكسار عنه. رواية الشيخ أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد الدُّوني (١) عنه. رواية أبي
стр. 51
الحسن سعد الخير بن محمَّد بن سهل الأنصاري عنه. رواية الشيخ الإمام زين الدين أبي الحسن علي ابن إبراهيم بن نجاد الحنبلي الواعظ.
وفيهما نص ظاهر علي أنها من تأليف النسائي، وابن السني مجرد راوية لها، وإن كان أحد المجلدين قد أكلت أكثره الأرضة فالأخر ما يزال أكثره صالحا واضحًا بخط مشرقي جيد يحمل رقم ٥٦٣٧ بالخزانة الملكية بالرباط وعلى ظهر هذه النسخة كتب بخط قديم، قَدُمَهَا: (قال الطبني: أخبرنى أبو إسحاق الحَبَّال سأل سائل أبا عبد الرحمن … (١) بعض الأمراء عن كتابه السنن أصحيح كله فقال: لا قال: فاكتب لنا الصحيح مجردا فصنع المجتبي "بالباء" من السنن الكبرى ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل وأبو إسحاق الحبال الذي ينقل عنه الطبني هو الحافظ الإمام المتفنن محدث مصر إبراهيم بن سعيد بن عبد الله التجيبي كان من المتشددين في السماع والإجازة يكتب السماع على الأصول، ورعا ثبتا خيرا، وكان يتعاطى التجارة في الكتب، وحصل عنده من الأصول والأجزاء ما ليس عند غيره، وما لايوصف كثرة، ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وتوفي سنة ٤٨٢، وقد أطال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمته، والثناء عليه، ومثله السيوطي في حسن المحاضرة.
وكذلك نجد أن ابن الأثير الذي جرد الأصول الخمسة، وضم إليها الموطأ جرد المجتبى، وليس السنن الكبرى، وساق إسناده بالمجتبى، وفيه النص الواضح على أن المجتبى من تأليف النسائي ذاته يقول ابن الأثير: إنه قرأه سنة ٥٨٦ على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي إمام مدينة السلام الذي قرأه علي أبي الحسن. علي بن أحمد بن الحسن بن
стр. 52
محموية اليزيدي سنة ٥٥١ الذي قرأه على أبي محمَّد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الصوفي الدوني سنة ٥٠٠ في شهر صفر، الذي قرأه على أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار بخانكاه "دُونَ" سنة ٤٣٣، الذي قرأه على ابن السني بالدينور سنة ٣٦٣، الذي قال:
حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى بكتاب السنن جمعيه …
وهذا نص واضح قبل الذهبي بما يزيد على قرن ونصف من الزمن، ونص أبي على الغساني أسبق من هذا كذلك. ولو كان المجتبى من صنع ابن السني لاقتضى الأمر من ابن الأثير أن ينص عليه وأن ينسبه إليه، وقد ذكر هو قصة أمير الرَّملة عندما سأل النسائي عن المصنف أصحيح كله؟ قال: لا، قال: فجرد لنا منه الصحيح فصنع المجتبى.
كما أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبى من مصنفه بمصر في أكثر من موضع منه، انظر المطبوع ج ٧ ص ١٧١ صدر كتاب الصيد والذبائح، وقد وجدت نسخا مخطوطة ينص على سماعها من النسائي بمصر في صدر المجتبى منها نسخة في الخزانة العامة بالرباَط تحت رقم -١٨٧٧ - ك و -٢٤٠٨ - ك ونجد كذلك الزيلعي، وهو من معاصري الذهبي ينص في غير موضع من كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، وفي تخريج أحاديث الكشاف أن السنن الصغرى والكبرى للنسائي، بل أصرح من هذا ما قاله رفيقه في الطلب الحافظ الكبير عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة -٧٧٤ - في ترجمة النسائي، وقد جمع السنن الكبير وانتخب ما هو أقل حجمًا منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما.
وكذلك الحافظ الكبير أبو الفضل العراقي يَرَى صحة إهدائها لأمير الرملة في القصة المتقدمة، قال السيوطي: ورأيت بخط الحافظ
стр. 53
أبي الفضل العراقي أن النسائي لما صنف الكبرى أهداها لأمير الرملة، فقال: كل ما فيها صحيح؟ فقال: لا، قال: مَيِّزْ الصحيح من غيره، فصنف له الصغرى.
إلا أن المجتبى لم ينتشر إلا من طريق ابن السني، وعنه القاضي أبو الحسن بن الكسار، وعنه الدُّوني، أما الكبرى فقد انتشرف عن الأندلسيين؛ لأنهم رووا عن النسائي في أخريات أيامه. اهـ خلاصة ما كتبه محقق عمل اليوم والليلة. هـ ٦٠، ٧٣.
وأما مصحح السنن الكبرى الأستاذ عبد الصمد شرف الدين، فقال في مقدمة تصحيحه في الكلام في الفرق بين الكبرى والصغرى: ما حاصله: وقبل أن نبحث عن الفرق بينهما يحسن بنا التنبيه على ما وقع فيه بعض الأئمة من الغلط في هذين الكتابين:
فقد نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة النسائي عن مجد
الدين ابن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول (ت ٦٠٦) حكايته لما اشتهر عن النسائي بأن بعض الأمراء سأله عن كتابه السنن كله صحيح؛ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردا، فصنع المجتبى، فهو المجتبى من السنن، ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل. انظر "جامع الأصول ١/ ١١٦".
هكذا ذكر ابن الأثير هذه الواقعة المزعومة بين أمير مجهول وبين إمام حفاظ الحديث النبوي وحامليه في عصره بدون أي إسناد في إثباتها، وبفرض ثبوتها لم نعهد في التاريخ بأمير من أمراء القوم له هذا الشغف العظيم بصحيح الأحاديث من معلولها، كما لم نعهد بحامل من حملة السنة النبوية يأتمر بأمر من جهلاء الحكام في ترتيب ما يصنفه فيها (١).
وأغرب من ذلك رد الذهبي قول ابن الأثير هذا لا لشدة غرابته، بل لما
стр. 54
يعتقده من كون المجتبى ليس من صنع مصنفه، بل من تأليف تلميذ له، فقال بعد سرده رواية ابن الأثير: قلت: هذا لم يصح، بل المجتبى اختيار ابن السني.
وللذهبي نوع عذر في هذا الاعتقاد، إذ أنه لم يطلع قط في عمره على كتاب السنن الكبير للنسائي دون مختصره المجتبى، ومن جهل شيئًا تخرّص فيه. فقد اعترف بهذا بآخر ترجمة النسائي المذكور، فقال: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى منه انتخاب أبي بكر بن السني اهـ، ثم ذكر إسناد سماعه إلى ابن السني، ولكنه ختم هذا الإسناد بقوله … أنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن حمد الدّوني، قال: أنا القاضي أحمد بن الحسين الكسار، نا ابن السني، عنه. وهذه الخاتمة نفسها تدل على أن الكتاب ليس من تأليف ابن السني، بل من تأليف النسائي، فإنه قال: نا ابن السني، عنه. أي عن النسائي.
وأصرح من ذلك إسناد ابن الأثير لسماعه المجتبى سماعا واحدا كالذهبي، ولم يسمع هو الكبرى أيضا مثل الذهبي، فقال في آخر إسناده: عن أبي محمَّد عبد الرحمن بن حمد الدوني (ت ٥٠١) عن القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار الدينوري (ت ٤٣٢) عن الحافظ أبي بكر أحمد بن محمَّد ابن السني انظر جامع الأصول ١/ ١٢١ - ١٢٢. وختمه فقال: عن ابن السني قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ﵀ بكتاب السنن جميعه، فلا شك في أن ابن السني حدث بكتاب السنن، وهو المجتبى عن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، لا من قبل نفسه. فإذن هو تأليف النسائي، لا تأليف ابن السني، وهو الراوي عن النسائي كتابه الصغير. والحاصل أن الحافظ ابن السني هو الراوي عن النسائي لسننه المجتبى عن السنن الكبرى، ومن طريقه تلقاه المحدثون، أما كونه هو الذي تولى اختصاره بنفسه فمما لا يصح.
هذا خلاصة ما كتبه المصحح في هذا البحث، وهو بحث نفيس جدًا.
стр. 55
المسألة التاسعة في الموازنة بين الصغرى والكبرى
كتب المحقق والمصحح في هذا البحث كلاما نفيسا، أبان عن شدة اعتنائهما وتحريهما في هذا الموضوع شكر الله سعيهما، وأنا أنقل خلاصة ما حققاه:
قال المحقق شكر الله سعيه:
تمتاز الكبرى عن الصغرى بعدة أمور، وقد تبين لي ذلك من خلال المقابلة التي أجريتها بين المجتبى المطبوع وبين المجلدين الكبيرين من السنن الكبرى الموجودين في الخزانة الملكية بالرباط تحت رقم ٥٩٥٥، وهي:
١ - أنه يوجد في الكبرى زيادة كتب ليست في المجتبى، منها: كتاب السير، والمناقب، والنعوت، والطب، والفرائض، الوليمة، التعبير، فضائل القرآن، العلم … الخ. ولا تنقص الكبرى عن المجتبى من الكتب سوى الإيمان وشرائعه، والصلح كما تقدم عن نص أبي علي الغساني، وهذا يعطي للكبرى مَيزَة الكبر والاتساع لتلمَّ بجميع الكتب مما يصح أن يطلق معه عليها المصنّف أو الجامع الآتي تفسيرهما.
٢ - أنه يدخل في الكبرى كتب ألِّفَت مستقلة، ثم ضمها إليها مصنفها، ووضعها في المكان المناسب لها، مثل كتاب فضائل القرآن، فقد نص الزركشي (ت ٧٩٤) في كتابه البرهان في علوم القرآن أنه ألفه مستقلا.
أما كتابه خصائص علي: فهو مشهور جدا أنه ألفه مستقلا، وقد تقدم سبب تأليفه، في ترجمته، ثم ضمه إلى الكبرى مع فضائل الصحابة الذي ألفه بعد ذلك.
стр. 56
ومثله كتاب التفسير، فقد نص الذهبي على أنه مستقل، ويقع في مجلد وقد روى مع الكبرى، وأما عمل اليوم والليلة، فقد روى عن طريق أبي محمَّد الباجي عن ابن الأحمر، وابن سيار مع الكبرى، ومن طريق بقية الرواة مستقلا.
٣ - أن الكبرى تزيد على الصغري بعدد الأبواب، ومن ثم بعدد الأحاديث، ولنأخذ على سبيل المثال كتاب الصوم نجد فيه أبوابا كثيرة ليست في المجتبى منها: صيام يوم الأربعاء، تحريم صيام يوم الفطر ويوم النحر، وصيام يوم عرفة، والفضل في ذلك. إفطار يوم عرفة بعرفة، التأكيد في صوم يوم عاشوراء، صيام ستة أيام من شوال، صيام الحي عن الميت، صيام المحرم، صيام شعبان، اغتسال الصائم، والسواك للصائم، والسعوط للصائم، القبلة في شهر رمضان، ما يجب على من يجامع امرأته … الخ، وهكذا تزيد الكبرى عن الصغرى بأربعة وستين بابا، ويبدوا أن هذا الكتاب أكثر الكتب زيادات على المجتبى.
٤ - أن كثرة الأبواب تستتبع زيادة في تعليل الأحاديث، وذلك حين يوردها مبينا ما فيها من العلل والوقف والإرسال، وغير ذلك، وهذا غير قليل في الكبرى، وقد تفنن في هذا تفننا عجيبا، ومع هذا فقد نجد في المجتبى كلمة موضحة أو لفظة زائدة في الإسناد أو في المتن ولا نجدها في الكبرى، وإن كان هذا قليلًا، مع وجود أحاديث في المجتبى ليست في الكبرى.
٥ - أنه يستعمل في مطلع إسناده لفظ أخبرنا، وأحيانا أخبرني، وهذا مما انفرد به عن بقية الستة، فإنهم يستعملون حدثنا وغيرها أيضا.
قال الجامع: وسيأتي البحث عن هذه المسألة في هذا الجامع إن شاء الله تعالى.
стр. 57
وأما في الكبرى: فيتوسع حتى أنه يستعمل أحيانا البلاغات كقوله: بلغني عن ابن وهب عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سليمان بن يسار أنه سمع الحكم بن الزرقي يقول: حدثتني أمي "أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ بمنى، فسمعوا راكبا يصرخ يقول: ألا، لا يصومَنَّ أحد، فإنها أيام أكل وشرب". قال أبو عبد الرحمن: ما علمت أحدا تابع مخرمة على هذا الحديث الحكم الزرقي، والصواب مسعود بن الحكم.
٦ - في المجتبَى زيادة تراجم وأبواب واستنباطات لا توجد في الكبرى كما في ترجمته في كتاب الطهارة في الكبرى: "النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة، والأمر باستقبال المشرق والمغرب"، وساق تحته حديثين عن أبي أيوب الأنصاري، وجعل هذه الترجمة في المجتبى ثلاث تراجم: "النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة"، "النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة"، "الأمر باستقبال المشرق والمغرب عند الحاجة"، وأضاف في المجتبى حديثا ليس في الكبرى، ولهذا نظائر كثيرة مبثوثة في ثنايا المجتبى لاسيما الكتب الأوَلُ من الطهارة، والصلاة، والحج، والصوم …
٧ - أما رجاله ومنهجه في الانتقاء فهو واحد تقريبا في الكتابين، وإن كان في الكبرى بعض رجال ليسوا في المجتبى فهذا تبع لسعة الكتاب وزياداته، ولا يخرجون عن الإطار العام الذي ينتقي به النسائي رجاله، اهـ خلاصة ما كتبه المحقق. وهو بحث نفيس. شكر الله سعيه.
وأما مصحح السنن الكبرى فقد كتب في هذا الموضوع بحثا نفيسا أيضا، وهو قريب مما كتبه المحقق، فنتيجتهما سواء، ولكن هذا عمل تدقيقا عجيبا حيث عمل جدولا للمقابلة بين تراجم الكتابين فأتى بأبدع
стр. 58
مقابلة، جعل تراجم الأبواب من كتاب الطهارة فيهما في جدولين متقابلين مع عد أرقامها فيهما، ووضع عدد الأحاديث الموجودة في كل باب، استنتج من ذلك تنقيح المصنف، وتحسينه في المجتبى حيث إن مَنْ يعيد النظر في تأليفه الأول لا بد من ان يتبين له من المناسبة والتحرير ما لم يظهر له في الأول.
قال في المقدمة في هذا الموضوع: قد اشتمل هذا الجزء على ٤٢١ حديثا بما فيه من أحاديث الكبرى وأحاديث من المجتبى مما لاوجود لها في الكبرى.
وهذا تفصيل الأحاديث: ٢٨٥ حديثًا مشتركًا بينهما، و ٣٢ حديثًا تختص بها الكبرى، و ١١٣ حديثًا تختص بها الصغرى، فالمجموع ٤٢١ حديثًا.
فقد ظهر من هذا التفصيل أن عدد الأحاديث الموجودة في الكبرى من كتاب الطهارة ٣٠٨ حديثا فقط، انتخب المصنف منها ٢٨٥ حديثًا، وترك منها ٢٣ حديثًا، ولكننا نجد بإزاء ذلك أن المصنف قد أضاف ١١٣ حديثًا إلى ما اجتباه من أصل مصنفه حين صنف المجتبى، ونجد كذلك إضافة زائدة على عدد تراجم الأبواب الموجودة في الكبرى، فعددها في الكبرى ١٨٤ بابًا، وفي المجتبى ٢٧٥ بابًا أي بزيادة ٩١ بابًا.
ونستنبط من هذه الزيادات أن كتاب المجتبى ليس محدودا على انتخاب من السنن الكبرى فحسب، بل فيه شيء كثير زيد عليها عند الانتخاب، فقد زاد فيه على الأصل كما قد نقص منه.
стр. 59
المسألة العاشرة في سبب انتخاب النسائي للصغرى من الكبرى
كتب المصحح في هذا الموضوع بحثًا نفيسًا أحببت إيراده لأهميته.
قال جزاه الله خيرا: إذا أردنا أن نعرف السبب الذي لأجله صنف الإمام النسائي كتابه المجتبى بعد تأليفه السنن الكبرى، فعلينا أن نتتبع تأريخ تصنيف كتب الحديث الستة في عصر المصنف فإن هذه الدراسة ستعيننا في تحقيق هذا السبب، وهذه سنُو وَفَيَات الأئمة الستة بترتيبها الزمني:
البخاري ٢٥٦
مسلم ٢٦١
ابن ماجه ٢٧٣
أبو داود ٢٧٥
الترمذي ٢٧٩
النسائي ٣٠٣
فصنف النسائي سننه الكبرى في جملة من صنف من هؤلاء المحدثين، وهو آخرهم وفاة، ولهذا تيسر له النظر في مصنفات من تقدمه بعد تصنيفه الأول، وهو الكبرى، وهذا على ما يظهر حمله على تصنيفه الثاني، وهو المجتبى مراعيًا فيه كل ما رآه من المحاسن في تصانيف غيره، وبالأخص الجامع الصحيح للإمام البخاري ﵀.
ولما كان الرسول ﷺ مبينا لما أجمل القرآن من أحكام الشريعة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: آية ٤٤]، التزم أفقه المحدثين الإمام البخاريُّ بإصدار تراجم الكتب والأبواب من صحيحه بآيات من القرآن مهما أمكن، ثم يورد الأحاديث المتعلقة بتلك الآيات بمنزلة التفسير والبيان لمعانيها، وهذا من منتهى فهمه وتفقهه. فكأن الإمام النسائي تفطن لهذا السر، وأدركه،
стр. 60
فأراد تطبيقه في تصنيفه هو في السنن، والظاهر أنه فاتته هذه النكتة عند تصنيفه السنن الكبرى، فأراد التزامها حيث عزم على تصنيفه المجتبى، بل لا يبعد أن يكون مثل هذا الالتزام هو مما حمله على هذا الانتقاء ليجوده ويحسنه في ترتيبه وأسلوبه.
ومن أبرز أمثلته أنه لما جمع السنن الكبرى بدأ بكتاب الطهارة فترجم له بقوله:
"وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة"، وأورد فيها حديث غسل اليدين عند الاستيقاظ تنبيها على أن الطهارة تبدأ بغسل اليدين.
فلما صنف المجتبى فيما بعد بدأ بترجمة من آية من القرآن، هي جامعة لبيان الوضوء والغسل والتيمم، وهي آية المائدة، فقال: تأويل قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وهذا كما ذكر العلامة أبو الحسن محمَّد بن عبد الهادي السندي محشي سنن النسائي، فقال في شرح هذه الترجمة: يريد رحمه الله تعالى أن تمام ما يذكر في كتاب الطهارة في هذا الكتاب بمنزلة باب الطهارة، أو كتاب الطهارة في غيره، وتمام الأبواب المذكورة في الطهارة داخلة في هذه الترجمة اهـ. قلت: ولهذا لم يصدر هذا الكتاب بعنوان كتاب الطهارة، اكتفاء بهذه الترجمة الوافية الشاملة.
وللمصنف في صنيعه هذا أسوة حسنة في الإمام البخاري ﵀ المتقدم عليه، حيث بدأ كتاب الطهارة من صحيحه بقوله: كتاب الوضوء، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية.
ولما فرغ المصنف مما أراد انتقاءه وإضافته وتهذيبه من السنن الكبرى من كتاب الطهارة، وما ذكر من الأبواب والأحاديث كانت كلها بمنزلة البيان
стр. 61
لآية المائدة بدأ بما سماه "كتاب المياه" من المجتبى، وأتبعه بقوله: قال الله : "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" … الخ.
فوضع هذا الكتاب لبيان أحاديث تتعلق بأحكام المياه، وصدره بآيات من القرآن تنبيها على أن الأحاديث المذكورة في الكتاب بمنزلة البيان لهذه الآيات وأمثالها، وإشارة إلى أن غالب أحاديث الأحكام بيان وشرح لآيات من القرآن، نبه على ذلك أيضا السندي ﵀.
ثم أتبع كتاب المياه هذا بكتاب الحيض والاستحاضة، وكتاب الغسل، والتيمم، كلاهما من المجتبى. وهذا مما يطلعنا على بعض تخطيطات المصنف ومقاصده في وضع كتابه الجديد وتسميته بالمجتبى، فإن هذا لاسم يطابق المسمى كل المطابقة، والمجتبى من كل شيء نبه وخلاصته الممتازة، كما قال تعالى في خليله ﷺ ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١].
المسألة الحادية عشرة في الكلام في المحذوف هل كله معلول أم لا؟
كتب المصحح في هذا الموضوع كلامًا حسنًا أيضا، ودونك خلاصة ما كتبه:
قال: بقي الكلام على أبواب وأحاديث في السنن الكبرى حذفها المصنف عن الصغرى، هل كل ذلك لعلة من العلل فيها، أوله أسباب غير ذلك أيضا؟ فجوابه أن نقول: إن وجود العلة فيها، أوفي بعضها هو سبب من الأسباب لحذفها، ولكن ليس ذلك السبب وحده بل هناك أسباب أخرى كما يتبين بعدُ.
وقد تقدم عن ابن الأحمر راوي السنن الكبرى عن النسائي أنه قال:
стр. 62
إن كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول، إلا أنه لم يبين علته، والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله. اهـ. فهذا الكلام يدل على أن في الكبرى أحاديث معلولة وهي مما أسقطها. فمن الأحاديث المعلولة التي أسقطها من المجتبى على سبيل المثال من كتاب الطهارة أحاديث المتغوطين، تحت ترجمة "النهي للمتغوطين أن يتحدثا" فقد أورد فيه ثلاثة أحاديث: ونصها:
٤٠ - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: حدثنا
جدي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :"لا يَخْرُج اثنان إلى الغائط، فيجلسان كاشفين عن عورتهما، فإن الله يمقُتُ على ذلك".
٤١ - أخبرنا أحمد بن حرب، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا سفيان، عن عكرمة، عن يحيى، عن عياض، عن أبي سعيد، قال: نهى رسول الله ﷺ المتغوطين أن يتحدثا، فإن الله يمقت ذلك".
٤٢ - أخبرنا عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، قال: حدثنا عكرمة ابن عمار، عن يحيى، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرج الرجلان على الغائط كاشفين عن عورتهما، يتحدثان فإن الله يمقت ذلك".
فترك المصنف لهذا الباب للعلة الواردة في حديثه لأنه من رواية عكرمة ابن عمار العجلي عن يحيى بن أبي كثير، قال البخاري فيه مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال المصنف: ليس به بأس إلا في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار، وعكرمة في يحيى ليس بذاك، وفي بعض نسخ أبي داود: قال أبو داود: وهو مرسل عندهم، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أبان -بن يزيد العطار- عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي ﷺ -
стр. 63
نحو حديث عكرمة.
والحاصل أن إسناد هذا الحديث فيه اضطراب، فلذا حذفه المصنف من المجتبى، وقد يحذف المصنف لسبب آخر، فمن أمثلة ذلك: حذفه باب رقم ١٠٨ في الكبرى من المجتبى، عنوان هذا الباب هكذا: "ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر المغيرة بن شعبة فيه"، ثم أورد فيه حديث المغيرة من أربعة طرق يوجد في ألفاظها بعض الاختلاف باختلاف الناقلين عن المغيرة، وهم ابنه، عروة بن المغيرة من وجهين، وحمزة بن المغيرة، ووهيب الثقفي ثلاثتهم عن المغيرة.
ذكر المصنف اختلاف ألفاظهم فيه عقيب إيراده لهذا الحديث في باب المسح على الخفين عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه المغيرة بن شعبة، مختصرا.
ولما حذف المصنف هذه الأحاديث الأربعة من كتابه المجتبى مع حذف الباب من أصله ذكر عوضا عنها حديث المغيرة المذكور في الكبرى في باب المسح على الخفين، فجعله آخر الأحاديث من المجتبى في مثل هذا الباب رقم ٩٦ ثم أضاف فيه قبل هذا الحديث حديثا آخر: يرويه عن علي ابن خَشْرم بإسناده عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة، وخص بهذا الحديث المجتبى دون الكبرى، وصنع شيئًا آخر، وهو إضافة باب جديد في المجتبى بعنوان "باب المسح على الخفين في السفر"، باب رقم ٩٧، وأورد فيه حديث المغيرة الطويل الذي يرويه عنه ابنه حمزة، وقد تقدم هذا الحديث في الكبري في "باب المسح على العمامة مع الناصية"، باب رقم ٧٧ حديث ١٢٣.
وبهذا الطريق أصبح المجتبى في غنى عن هذا الباب وأحاديثه، فحذفه
стр. 64
منه. والحاصل أن المصنف يحذف الأحاديث من المجتبى لا لعلة فيها بل لسبب آخر مثل الاستغناء، والاختصار. هذا حاصل ما كتبه المصحح ببعض تغيير وزيادة وحذف.
المسألة الثانية عشر في ذكر زيادات الكبرى على الصغرى وعكسه
لقد أجاد مصحح السنن الكبرى في هذا الموضوع حيث فَصَّل ما في المجتبى من الزيادات على الكبرى في كتاب الطهارة، ودون تراجم أبوابهما في جدولين متقابلين للموازنة بينهما، فبان الفرق بين عددها في الكتابين، هكذا:
عدد الأبواب: الكبرى ١٨٥، الصغرى ٢٧٥
عدد الأحاديث: الكبرى ٣٠٨، الصغرى ٤٥١
وقال: ولكن رجحان عددهما في الصغرى عليه في الكبرى ليس إلا في قليل من الكتب، أما الغالب فبالعكس، فقد وجدنا عند مقابلة كتاب الصيام فيهما مثلا في الكبرى ١١٦ بابا، بينما هي في الصغرى ٥٢ بابا فقط، أي أقل من نصف.
ومن أغرب الأمور أننا وجدنا المصنف كأنه جَزَّأ كتاب الصيام من السنن الكبرى كما هو قطعتين نصفين تقريبا، فوضع النصف الأول بتمامه في المجتبى، وترك النصف الآخر كما هو في الكبرى لا حَظَّ فيه للصغرى. كما يقول تعالى: "للذكر مثل حظ الأنثيين".
وقد قابلنا تراجم أبواب الصغرى على تراجمها في الكبرى فوجدناهما متطابقين لفظا لفظا وحرفا حرفا حتى في عناوين ذكر الاختلافات فيهما، وليس لنا نسبة الغفلة إلى المصنف في صنيعه هذا إذ نجده قد زاد بابا
стр. 65
واحدًا فقط في أبواب الصغرى، وهو باب رقم ٤٨. عنوانه "صيام خمسة أيام في الشهر" زاده بعد باب رقم ٤٧ "صوم عشرة أيام في الشهر" وقبل باب رقم ٤٩ "صيام أربعة أيام في الشهر".
وفيما ترك من أبواب الصيام عن الصغرى مباحث مهمة كالنهي عن صيام يوم الجمعة. وصوم يوم الخميس، وصوم يوم عرفة، وبدء صيام عاشوراء، وصيام ستة أيام من شوال، وخلوف فم الصائم، والوصال، وفي الصائم يأكل ناسيا، والترغيب في تعجل الفطر، وما يقول إذا أفطر، وغير ذلك.
وفيما يظهر نهائيا أن يقال: قد وجد المصنف كتاب الصيام من الكبرى كله محررا متقنا حيث لا يحتمل التبديل والتغيير، ولما رأى من تقليل حجمه عند الاجتباء لم يكن له بد من أن يأخذ بعضه ويترك البعض الآخر فترجح عنده أخذ النصف منه وترك النصف الآخر، وحيث إن ترتيب الكتب يقتضي تقديم الأهم فالأهم من مباحثها انتخب النصف الأول الأهم، وترك الثاني الذي هو أقل أهمية.
وبقطع النظر عن الحكمة فيما صنع المصنف بكتاب الصيام نجده قد ترك شيئًا غير قليل من الكبرى لم يدخله في المجتبى أصلًا، حتى إنه ترك ما يبلغ نيفا وعشرين كتابا من كتب الكبرى لم ينتخب منها شيئًا في المجتبى، مثل كتاب التفسير، وكتاب عمل اليوم والليلة، وكتاب الرقائق، وكتاب الطب، وغيرها، ومما ترك عن الصغرى كتاب الاعتكاف بحذافيره، وهو يتلو كتاب الصيام في الكبرى الذي مر آنفا.
وهذا يذكرنا بما قاله في كتابي النسائي الحافظ ابن كثير كما تقدم، وهو قوله في المصنَّف: وقد جمع السنن الكبير، انتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات، اهـ خلاصة ما كتبه المصحح في هذا الموضوع، وهو كلام نفيس جزاه الله خيرًا.
стр. 66
المسألة الثالثة عشرة في تسمية كتابه
كتب المحقق في هذا الموضوع بحثًا نفيسًا، أنقل خلاصته هنا فأقول: قال: لم ينقل عن النسائي اسم الكتابه على عادة أغلب المؤلفين في ذلك العصر يقولون: كتاب فلان. وقد اشتهر كتاب النسائي باسم السنن، والسنن في عرف المحدثين هو الكتاب الذي يوضع مرتبا على أبواب الفقه، من الإيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، وهكذا، وقيل: السنن الكبرى، والصغرى، وقد قيل في الكبرى مصنف الإمام النسائي، والمصنّف: مأخوذ من التصنيف، أي أن الكاتب جعل كتابه أصنافا، وميز بعضها عن بعض، وكلا الإسمين ينطبق على كتاب النسائي الكبير إلا أن السنن الكبرى من ناحية الاصطلاح هي إلى اسم الجامع أقرب، لأن الجامع في اصطلاحهم هي ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: هي المجموعة في قولي (من الرجز):
الجامعُ الذي حَوَى مَنَاقبًا … وسيَرًاوفتَنًا، وأدَبَا
تفسيرًا الشُّرُوط، والعَقَائدا … والثَّامنُ الأحكامُ خُذْ نلتَ الهُدى
قال المحقق: وهذا الوصف يتحقق في السنن الكبرى، ولا يتحقق في الصغرى، ولم أجد أحدا وصف السنن الكبرى بالجامع لكنهم قالوا: مصنف النسائي.
وقد سُمِّيت الكبرى بديوان النسائي كما جاء في بعض نسخ الكبرى، في آخره ما نصه:
كمل السطر (١) الثالث، وبتمامه كمل ديوان النسائي رحمه الله تعالى.
стр. 67
والديوان هو مجتمع الصحف المكتوبة، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل العطية، وقال في المصباح المنير: جريدة الحساب، ثم أطلق على الحساب، ثم أطلق علي موضع الحساب وهو فارسي معرب، وهذه التسمية صحيحة، ودقيقة، فهذا المصنف مجتمع هذه الصحف التي كتبها الإمام النسائي، فهي ديوان.
أما الصغرى: فقد سميت المجتبى بالباء، وبعضهم قال: المجتنى بالنون. والمجتبى معناه: المجموع على جهة الاصطفاء كما قال الله تعالى: ﴿فاجتباه ربه﴾ [القلم: آية ٥٠] واجتباء الله تخصيصه إياه بنعم من غير كسب، وهذه التسمية للسنن الصغرى صحيحة لأنه اصطفاه من كتابه الكبير، وخص به أمير الرملة دون تعب منه ولا جهد.
قال الجامع: هذا على تقدير صحة هذه القصة، وقد عرفت ما فيها.
وأما المجتنى بالنون: فهو مأخوذ من جنى إذا اجتنى الثمرة واقتطفها، وجرها إليه. والمجنى مختص بالثمر والعسل، وأكثر ما يستعمل فيما كان غَضّا، كما قال تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]،
ويصح إطلاق هذا الاسم على الصغرى لأنه اقتطفها من رياض السنن الكبرى.
قال المحقق: ولم يظهر لي حتى الآن من الذي أطلق هذا الاسم على الصغرى إلا أن التسمية قديمة جدًا بالتأكيد، وهي كذلك دليل على اصطفاء مؤلفها من ديوانه الكبير. اهـ خلاصة ما كتبه المحقق شكر الله سعيه.
стр. 68
المسألة الرابعة عشرة في عناية العلماء بالسنن الصغرى
كتب المحقق المذكور في هذا الموضوع كلاما نفيسا، دونك خلاصته قال شكر الله تعالى سعيه:
لم تنل سنن النسائي العناية اللائقة بها قديما وحديثا، فلم تتناول متونها أقلام كثيرة بالشرح، ولم تنل أسانيدها ورجالها عناية الباحثين والمحدثين، إذا ما قيست بالصحيحين، أو بسنن أبي داود والترمذي، وأكثر ما كانت العناية بها ضمن إطار الكتب الستة، فقد اعتنى العلماء بها اعتناء بالغا متونا ورجالا فجردوا متونها، وترجموا رجالها.
فمن الكتب المؤلفة في متونها: التجريد للصحاح والسنن لرزين العبدري السرقطي المتوفي بمكة سنة ٥٣٥ هـ، فقد جمع هذا الكتابُ متون الأصول الستة، وفيه زيادات لم توجد فيها، وهو الذي فتح الباب أمام لاحقيه الذين اقتفوا أثره معدلين أحيانا في المنهج، أو مستدركين على طريقته، وكتابه غير مطبوع.
ومنها: جامع الأصول في أحاديث الرسول لأبي السعادات ابن الأثير الجزري (ت ٦٠٦ هـ) وقد رأى كتابَ رزين، فاختار له وضعا آخر، كما يقول، وهذبه، ورتبة، وفصله تفصيلا آخر، وقد اعتمد في جمعه على المجتبى من رواية ابن السني، كما تقدم، وكتابه مطبوع.
ومنها: مختصرات جامع الأصول، وأهمها: تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الديبع الشيباني "عبد الرحمن ابن علي ت ٩٤٤" هـ وذكر ابن الديبع في مقدمته أن الذي سبقه هو شرف الدين البارزي الجهني قاضي حماة (ت ٨٣٧ هـ) وكتاب ابن الديبع مطبوع.
стр. 69
ومنها: أنوار الصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح لأبي عبد الله محمَّد بن عتيق بن علي التجيبي الغرناطي (ت في حدود ٦٤٦ هـ).
ومنها: الجمع بين الكتب الستة للحافظ الزاهد عبد الحق الإشبيلي صاحب الأحكام (ت ٥٨٢ هـ).
ومنها: الجمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد، والبزار وأبي يعلى، والمعجم للطبراني للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤) وسماه جامع المسانيد والسُّنن الهادي لأقوم سَنَن، رتبه على حروف المعجم، ويذكر كل صحابي له رواية، ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب، وهو كتاب مشهور إلا أنه غير مطبوع.
ومنها: جمع الفوائد من جامع الأصول، ومجمع الزوائد للشيخ محمَّد بن سليمان الروداني (ت ١٠٦٤ هـ) جمع فيه جامع الأصول المتقدم لابن الأثير، مع كتاب مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، وكتابه
مطبوع في مجلدين.
ومنها: التاج الجامع للأصول من أحاديث الرسول ﷺ للشيخ علي ناصف المصري، وكتابه مطبوع.
وأما أسانيدها فقد اعتنى العلماء بها اعتناء بالغا، وينقسم هذا النوع
إلى قسمين: قسم الأطراف، وقسم الرجال، وقسم الأطراف وإن كان يدخل تحت المتون إلا أنه بالإسناد ألصق، وكتب الأطراف هى التي يقتصر فيها على ذكر أول الحديث الدال على بقيته مع الجمع لأسانيده، فمن أهم الكتب فيه:
١ - الأطراف لأبي الفضل محمَّد بن طاهر بن علي ت ٥٠٧ قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر جمع أطراف الكتب الستة فرأيته يخطئ
стр. 70
فيها خطأ فاحشًا، وابن طاهر هو أول من ضم ابن ماجه إلى الخمسة، وعده سادسًا.
٢ - كتاب الإشراف على الأطراف للحافظ الكبير الإمام أبي القاسم ابن عساكر ت (٥٧١) صاحب تاريخ دمشق، فقد جمع بين أطراف الكتب الأربعة السنن، واعتمد في أطراف النسائي على رواية ابن الأحمر، وهي من الكبرى كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب.
٣ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ أبي الحجاج المزي (٦٥٤ - ٧٤٢) جمع فيه أطراف الكتب الستة، وما يجرى مجراها من مقدمة صحيح مسلم، وكتاب المراسيل لأبي داود، وكتاب العلل للترمذي الذي في آخر الجامع، وكتاب الشمائل له، وكتاب عمل اليوم والليلة للنسائي، واعتمد في ذلك على كتاب أبي مسعود الدمشقي، وكتاب خلف الواسطي في أحاديث الصحيحين، وعلي كتاب أبي القاسم ابن عساكر في كتب السنن، وما تقدم ذكره معه، ورتبه على ترتيب أبي القاسم، فإنه أحسن الكتب ترتيبا، وكثيرا ما يستدرك على الحافظ أبي القاسم رحمه الله تعالى.
٤ - الكشاف في معرفة الأطراف للحافظ شمس الدين أبي المحاسن محمَّد بن علي بن الحسن بن حمزة الدمشقي (ت ٧٦٥).
٥ - أطراف الكتب الستة إلا ابن ماجه لأبي العباس أحمد بن ثابت بن محمَّد الطَّرْقي.
٦ - ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث، للعلامة الشيخ عبد الغني النابلسي (ت ١١٤٣) هـ وجعل مكان السنن الكبرى حيث قَلَّ وجودها سُنَنَهُ الصغرى.
стр. 71
وقد وضع الحافظ ابن حجر على أطراف المزي حاشية لطيفة سماها النكت الظراف في معرفة الأطراف جمع فيه أوهام المزي، وقد تقدم البحث في الأطراف عند ذكر عناية العلماء بالسنن الكبرى، وإنما أعدته لأجل استيفاء عنايتهم بالصغرى.
وأما قسم الرجال فقد اعتنوا به أيضا أكثر من الأطراف، فمن أهمها:
١ - الكمال في معرفة الرجال، لعبد الغني بن عبد الواحد بن سُرُور الجماعيلي المقدسي الحافظ الزاهد -٥٤١/ ٦٠٠ - هـ وقد اشتمل كتابه على رجال الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال ابن رجب: يقع في عشر مجلدات.
٢ - المعجم المشتمل على أسماء الشيوخ النبل، لأبي القاسم ابن عساكر المتقدم ذكره.
٣ - التقييد، لمعرفة السنن والمسانيد للحافظ محمَّد بن عبد الغني بن أبي بكر، معين الدين، ابن نقطة الحنبلي ت ٦٢٩ هـ جمع فيه كل من علمه روى شيئا في الكتب الستة، والموطأ، وصحيح ابن حبان، وكتب السير والتاريخ وغيرها. وقد ذيل عليه محمَّد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي المالكي (ت ٨٣٢ هـ).
٤ - كتاب رجال العشرة للحافظ الثقة أبي إسحاق الصَّريفينيّ تقي الدين إبراهيم بن محمَّد (ت ٦٤١ هـ) ذكره السخاوي في الإعلان، بالتوبيخ ص ١١٧. والحافظ في تعجيل المنفعة ص ١٩، وغيرهما.
٥ - الكمال في أسماء الرجال لابن النجار محمَّد بن محمود البغدادي صاحب تاريخ بغداد (ت ٦٤٣) وقد جمع فيه رجال الكتب الستة.
٦ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ أبي الحجاج المزي،
стр. 72
هذب فيه كتاب المقدسي المتقدم، ورتب تهذيبه علي حروف المعجم، ثم ذكر أسماء النساء، واستدرك عليه، ما فاته الحافظ علاء الدين مغلطاي (ت ٧٦٢) وسماه إكمال التهذيب. وقد اختصر التهذيب، وأضاف عليه محمَّد بن علي الحسيني.
٧ - تذهيب تهذيب الكمال للحافظ شمس الدين الذهبي اختصر فيه تهذيب الكمال، ثم اختصره في كتاب آخر سماه الكاشف عن رجال الكتب الستة واقتصر فيه على من له رواية، ووضع لهم رموزا.
٨ - رجال السنن الأريعة للهكاري أحمد بن الحسن بن موسى (ت ٧٦٣).
٩ - التذكرة، برجال العشرة، للحافظ محمَّد بن علي بن حمزة
الحسيني الدمشقي (ت ٧٦٥) جمع فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه الموطأ، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، ومسند أبي حنيفة الذي
خرجه الحسين بن محمَّد بن خسرو، واقتصر على من في الكتب الستة دون من أخرج لهم مصنفوها في مصنفاتهم الأخرى.
١٠ - تهذيب التهذيب، للحافظ أبي الفضل، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، لخص فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه فوائد كثيرة من الذين استَدْركُوا، أو اختَصروا قبله خصوصا مغلطاي، وهو من أوسع المراجع في الرجال.
١١ - مختصره تقريب التهذيب وسيأتي الكلام عليه.
١٢ - خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري، ألفه سنة ٩٢٣ وهو مختصر لتذهيب الذهبي، وزاد عليه فوائد من غيره. وهو نافع في هذا الموضوع على وجازة فيه.
стр. 73
١٣ - رجال الكتب الستة لمحمد بن أحمد بن عيسى بن حجاج اللخمي الإشبيلي (ت ٦٥٤) قال عنه ابن عبد الملك المراكشي: مُعَرِّفُ أحوالهم وتواريخهم، وما ينبغي أن يذكروا به، فجاء من أعظم ما ألف في بابه جَدْوَى، وأغزره فَوَائدَ، على اختصاره النبيل، يكون في خمسة أسفار متوسطة.
١٤ - شيوخُ أبي داود، والترمذي، والنسوي، وغيرهم للإمام محمَّد بن إسماعيل بن خلفون الأونبي (ت ٦٣٦) قال المراكشي: أربع مجلدات.
١٥ - وللإمام الحافظ محدث الأندلس أبي محمَّد عبد الله بن سليمان الأنصاري الحارثي (ت ٦١٢) كتابٌ ذُكر فيه شيوخ لكنه لم يكمل وكان كثير الأسفار فضاعت الأصول.
وأما الكناية الخاصة بسنن النسائي فقط: فعلى قسمين:
القسم الأول: العناية بالرجال:
١ - فأول من اعتني برجال النسائي كما قاله المحقق هو أبو عبد الله بن محمَّد بن أسد الجهني الأندلسي، وقد تلقَّى السنن عن تلاميذ النسائي الأندلسيين، وله تسمية شيوخ النسائي، والظاهر أنه مبني على الكبرى لأنه رواها عن تلاميذ المصنف.
٢ - وتبعه على ذلك أبو علي الحسين بن محمَّد الجياني (٤٢٧ - ٤٩٨) الحافظ الإمام المثبت محدث الأندلس فصنع كتاب شيوخ النسائي، ولانعلم كيف بناه.
٣ - رجال النسائي لأبي محمَّد الدَّوْرقي فإنه أفرد لكل من رجال النسائي، والترمذي كتاب منفردا، كما قاله الكتاني في الرسالة المستطرفة ص ٢١٨.
стр. 74
٤ - شيوخ النسائي في سفر، لأبي بكر محمَّد بن إسماعيل بن خلفون المتقدم، ذكر له كتابه هذا أبو الحسن الرعيني الإشبيلي (ت ٦٣٦) في برنامج الشيوخ.
القسم الثاني: الشروح:
١ - أقدم من شرح سنن النسائي أبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد (٤٣٦ - ٥٦٣)، وَوُصف شرحه بأنه حَفيل للغاية، ولكنا لانعلم عن وجود هذا الشرح شيئًا.
٢ - وشرحه معاصر له، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن النعمة
(ت ٥٦٧). وسماه الإمعان في شرح مصنف النسائي أبي عبد الرحمن، قال ابن الأبَّار: كان عالما حافظا للفقه، والتفسير ومعاني الآثار، مقدما في علم اللسان، فصيحا مفوَّهًا، ورعًا، فاضلا، دمث الأخلاق قال المراكشي: بلغ فيه الغاية من الاحتفال وحشد الأقوال، وما أرى أن أحدا تقدمه في شرح كتاب، حديثي إلى مثله توسعا في فنون العلم وإكثارا من فوائده.
ولا يعلم له وجود، ولا كيف بناه أعلى الصغرى أم على الكبرى؟.
٣ - شرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن المُلَقن الشافعي (ت ٨٠٤) ولكنه شرح زوائده على الصحيحين وأبي داود والترمذي وغالب الظن أنه على المجتبى.
٤ - زهر الربى على المجتبى لجلال الدين السيوطي (٩١١) تعليقة لطيفة حل فيها بعض ألفاظه ولم يتعرض بشيء للأسانيد، وقد طبع مع المجتبى مرارًا، ولهذه التعليقة مختصر باسم: عَرف زهر الربى لعلي بن سليمان الدمناتي الباجمعاوي المغربي (ت ١٣٠٦) وقد طبع بالقاهرة سنة ١٢٩٩ هـ.
стр. 75
٥ - حاشية لأبي الحسن محمَّد بن عبد اللهادي السندي (ت ١١٣٦) بالمدينة مطبوعة مع زهر الربى، وهي أبسط من تعليق السيوطي في بعض المواضع.
٦ - مختصر لبعضهم التقط فيه رباعيات النسائي.
٧ - تأليف لأبي عبد الرحمن محمَّد بنجابي ومحمد عبد اللطيف، طبع في دلهي مع شرح مجمع من السيوطي والسندي وغيرهما.
٨ - روض الربي عن ترجمة المجتبى تأليف مولاي وحيد الزمان طبع في لاهور مع ترجمة هندوستانية.
٩ - وفي طبقات الحُفَّاظ للسيوطي ص ٥٣٣ أن الحافظ شمس الدين أبا المحاسن محمَّد بن علي بن الحسن بن حمزة الدمشقي، شَرَعَ في شرح سنن النسائي.
هذا خلاصة ما كتبه المحقق شكر الله تعالى سعيه في هذا الموضوع ببعض تصرف.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".