(فصل لربك) أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي وُعدته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة.
(وانحر) أي اذبح نسكَك. قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البدن ونحوها، وكذا قال غير واحد من السلف. وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله، والذبح على اسمه، وقيل: المراد وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح، وعن الشعبي مثله. وعن أبي جعفر الباقر: يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وقيل: استقبِلْ بنحرك القبلة. وعن عطاء الخراساني: ارفع صلبك بعد الركوع، واعتدل، وأبرز نحرك- يعني به الاعتدال.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: وكل هذه الأقوال غريبة جدًّا، والصحيح القول الأول، وهو أن المراد بالنحر ذبح المناسك.
وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀: والضواب قول من قال: إن معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا، دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له، دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة، والخير الذي لا كفاء له، وخصك به. انتهى.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، وعطاء. انتهى.
стр. 7107
(إِن شانئك هو الأبتر) أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى، والحق، والبرهان الساطع، والنور المبين هو
الأبتر: الأقل الأذلّ المنقطع ذِكْره.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومانَ: قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه، فإنه رجل أبتر، لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل الله هذه السورة. وقال شَمِر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط. وقال ابن عباس أيضًا، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من كفار قريش.
وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى الْمُنصَبِر الْمُنتَبِر (١) من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. قال الحافظ ابن كثير: وهكذا رواه البزار، وهو إسناد
стр. 7108
صحيح (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أخرج المصنف ﵀ أثر ابن عباس ﵄ هذا في "التفسير" من "الكبرى"، فقال: ١١٧٠٧ - حدثنا عمرو بن علي، نا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: أنت خير أهل الدينة، وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المُنْتَبِر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن -يعني أهل الحجيجِ، وإهل السِّدانة- قال: أنتم خير منه، فنزلت. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، ونزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢].
وعن عطاء: قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله ﷺ ، فذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوَثر: ٣].
وقال ابن عباس: نزلت في أبي جهل. وعنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، يعني عدوك.
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذُكِرَ،
стр. 7109
وغيرهم. وعن عكرمة: الأبتر الفرد.
وقال السديّ: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بُترَ، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا: بُتِر، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكْره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا، وكلا، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد (١).
(ثم قال) ﷺ موضحًا لهم معنى ما أنزل عليه (أتدرون ما الكوثر؟) أي أتعلمون أيُّ شيء معنى الكوثر الذي أعطاني الله ؟ (قلنا: الله ورسوله أعلم) بذلك (قال: فإِنه نهر) بفتح، فسكون: الماء الجاري المتسع، والجمع نُهُر -بضمتين- وأنْهُرُ، والنَّهَر -بفتحتين- لغة، والجمع أنهار، مثل سبب، وأسباب (٢).
(وعدنيه ربي في الجنة) ولمسلم: "فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير، هو حوض، ترد عليه أمتي يوم القيامة" (آنيته أكثر من عدد الكواكب) امراد من الآنية الكيزان والأباريق، التي أعدت
стр. 7110
للشرب منها. وفي رواية لمسلم "كيزانه كنجوم السماء". وفي رواية: "فيه أباريق كنجوم السماء"، وفي رواية: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، وكواكبها"، وفي رواية: "وأن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء"، وفي رواية: "آنيته عدد نجوم السماء"، وفي رواية: "ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء"، وفي رواية: "كأن الأباريق فيه النجوم".
قال النووي ﵀: المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع عقلي، ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدًا، كما قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء".
وقال القاضي عياض ﵀: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايتِه الكثيرة، من باب قوله ﷺ : "لا يضع العصا عن عاتقه". وهو باب مَن المبالغَة معروف في الشرع واللغة، ولا يعد كذبًا، إذا كان المخبر عنه في حيز الكثرة، والعظم، ومبلغ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. قال: ومثله: كلمته ألف مرة، ولقيته مائة كرة، فهذا جائز، إذا كان كثيرًا، وإلا فلا. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. قال النووي رحمه الله تعالى: والصواب الأول. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النووي ﵀ حسن جدًا.
стр. 7111
والله تعالى أعلم.
(تَرِدُهُ عليَّ أمتي) أي تحضره لتشرب، يقال: وَرَدَ علينا زيدٌ: إذا حضر (فيُختَلَجُ العبدُ منهم) بالبناء للمجهول، أي ينتزع، ويقتطع من بينهم (فأقول: يارب إِنه من أمتي، فيقول لي:) أي الله : (إِنك لا تدري ما أحدثَ بعدك) أي إنك لا تعلم ما أحدث هذا الْمُختَلَجُ من المخالفات لسنتك، والابتداع في دينك.
وهذا فيه وعيد شديد لن يخالف سنة رسول الله ﷺ ، ويبتدع فيها بأهوائه ما لم ينزل الله تعالى به من سلطان؛ حيث إنه يطرد عن ورود حوضه ﷺ الذي من شرب منه مرة لم يظمأ بعده أبدًا، هذا هو الخسران المبين. فيا خسارة المبتدعين، ويا هلاك المتمردين المنحرفين بابتداع ما لم يأذن به الله من الدين ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. اللهم ارزقنا الاتباع، وجنبنا الابتداع، إنك سميع قريب، مجيب الدعوات.
وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا المعنى:
فقد أخرج الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: قال النبي ﷺ : "إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول: يارب مني، ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم"، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على
стр. 7112
أعقابنا، أو أن نفتن في ديننا.
وعن عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر، فقال: "إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم أن تنافسوها".
وفي لفظ لمسلم: قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالْمُوَدعِّ للأحياء والأموات، فقال: "إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلةَ إلى الجُحْفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم".
وعن أبي حازم قال: عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إني فرطكم على الحوض، من مرَّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم".
قال أبو حازم: فسمعني النعمان ابن أبي عياش، فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري ﵁ لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول: "إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمن غَيَّرَ بعدي".
стр. 7113
وأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: "يَرِدُ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُجْلَون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي"؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى".
وعنه رضي الله عن: عن النبي ﷺ ، قال: "بينما أنا قائم، فإذا زمرة حَتَّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النَّعَم" (١).
وأخرج مسلم عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وهو بين ظهراني أصحابه: "إني على الحوض، أنتظر من يرد علي منكم، فو الله ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي رب مني، ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعودن على أعقابهم".
وعن أم سلمة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "إني فرطكم
стр. 7114
على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم، فيذبّ عني كما يذب البعير الضالّ، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك،
فأقول: سحقًا".
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله"، قالوا: يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: "نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون علي غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم، فلا يصلون، فأقول: هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟! " (١).
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
(أحدها): أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي ﷺ للسِّيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
(الثاني): أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي ﷺ ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان
стр. 7115
يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
(الثالث): أن المراد بهم أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يُذَادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ، فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل. ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي ﷺ وبعده، لكن عرفهم بالسيما.
وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء. قال: وكذلك الظَّلَمة المسرفون في الجور، وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر. قال: وكل هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر. والله أعلم. انتهى كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى (١). والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 7116
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢١/ ٩٠٤ - وفي "الكبرى" -٢١/ ٩٧٧ - وفي التفسير منه -١١٧٠٢ - عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عنه. والله أعلم.
المسالة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم عن أبي كريب، عن محمد بن فضيل، عن المختار بن فُلْفُل، عنه. وعن علي بن حُجْر بسند المصنف. وأبو داود عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ ٣ ص ١٠٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو مشروعية قراءة البسملة، لكونها من مسمى السورة، حيثما إن النبي ﷺ قال: "نزلت علي سورة"، ثم بين أَنَّ السورة من جملتها "بسم الله الرحمن الرحيم"، وسيأتي تمام الكلام على هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى.
ومنها: تفسير الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه ﷺ ، وهو التفسير الذي يجب تقديمه على بقية الأقوال المتقدمة، وقد تقدم عن القرطبي ﵀ أنه قال: أصح هذه الأقوال الأول والثاني -يعني القول بأنه نهر في الجنة، والقول بأنه الحوض- وهو كما قال، لثبوته عن
стр. 7117
النبي ﷺ ، ولا تنافي بين القولين، إذ النهر يكون في داخل الجنة، فيصب على الحوض خارجها، فالنهر أصل الحوض. والله تعالى أعلم.
ومنها: جواز النوم في المسجد، لأن هده القصة وقعت في المسجد، كما ثبت في رواية المصنف في "الكبرى" في "التفسير"، وكذا هو في بعض روايات مسلم.
ومنها: جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه.
ومنها: أن التابع إذا رأى من متبوعه تبسمًا، أو غيره مما يقتضي حدوث أمر، يستحب له أن يسأل عن سببه.
ومنها: إثبات حوضه ﷺ ، وبيان سعته، وكثرة آنيته، والإيمان به واجب.
ومنها: كثرة عناية الله بنبيه ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
ومنها: الوعيد العظيم لمن بدل سنة النبي ﷺ ، وابتدع فيها بدعة؛ حيث إنه يطرد عن هذا الحوض الذي يسع أمته ﷺ في مثل ذلك اليوم الشديد العطش. نسألك اللهم أن تجعلنا ممن يتقيد بسنة نبيك ﷺ وتجنبنا الابتداع في شريعتك، وتجمعنا معه في دار كرامتك، إنك سميع الدعاء. آمين.
والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 7118
٩٠٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة: ١]، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَقَالَ: "آمِينَ". فَقَالَ النَّاسُ: "آمِينَ"، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ"، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَيْنِ، قَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ"، وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) بن أعْيَن المصري الفقيه، مات سنة ٢٦٨، وله ٨٦ سنة، ثقة، من [١١]، أخرج له
النسائي، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري الفقيه، مات سنة ١٩٩، وله ٦٤ سنة، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
стр. 7119
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات في شعبان سنة ١٧٥، من
[٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٤ - (خالد) بن يزيد الجُمَحي، ويقال: السَّكْسَكِيُّ، أبو عبد الرحيم المصري، مات سنة ١٣٩، ثقة فقيه، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨٦.
٥ - (ابن أبي هلال) هو سَعيد الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، قيل: مدني الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، مات بعد
١٣٠، وقيل: قبلها، وقيل: قبل ١٥٠بسنة، صدوق، ليس لابن حزم في تضعيفه سلف، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨٦.
تنبيه: وقع في هذا السند تحريف في سعيد بن أبي هلال، حيث كتب "عن أبي هلال"، وهو غلط، والصواب "عن ابن أبي هلال". وقد مرّ برقم ٤١/ ٦٨٦ على الصواب. فتنبه.
٦ - (نعيم المجمر) ابن عبد الله، أبو عبد الله المدني، مولى آل عمر بن الخطاب، يعرف بالمجمر، هو وكذا أبوه، ثقة من [٣]، أخرج له الجماعة.
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن أبي مريم، عن مالك: سمعت نعيمًا المجمر يقول:
стр. 7120
جالست أبا هريرة عشرين سنة.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: إن المجمر لقب أبيه عبد الله، قال: لأنه كان يأخذ الْمِجْمَرَة قُدَّام عمر (١).
تنبيه: قال في "صه": نعيم بن عبد الله المجمر -بإسكان الجيم- وفي هامشه: وكسرِ الميم، ويقال: بفتح الجيم، وتشديد الميم الثانية المكسورة، وقيل له: المجمر، لأنه كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ ، أي يُبَخِّرُه، والمجمر صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا. والله أعلم. وفي "ت": المجمر بسكون الجيم، وضم الميم الأولى، وكسر الثانية. انتهى.
٧ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات فقهاء.
ومنها: أن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
стр. 7121
ومنها: أن أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، روى -٥٣٧٤ - حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن نعيم المجمر) تقدم آنفًا أنه اسم فاعل من الإجمار، أو من التجمير، وأنه لقب له، ولأبيه أيضًا، أنه (قال: صليت وراء أبي هريرة) ﵁ (فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) قال السندي ﵀: يدل على أن البسملة تقرأ في أول الفاتحة، ولا يدل على الجهر بها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر السياق، يدل على أن قراءته للبسملة كان جهرًا، فدلالة الحديث على الجهر أظهر، وهو الذي أراده المصنف ﵀، حيث قابل بترجمة هذا الباب ترجمة الباب التالي، فقال هنا: [قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم "]، وقال في الآتي: [ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم].
وقال الحافظ رحمه الله تعالى ما حاصله: أن حديث أبي هريرة ﵁ هذا أصح ما ورد في هذا الباب، وقد تُعُقِّبَ الاستدلال به لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: "أشبهكم" أي في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، وقد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة ﵁ بدون ذكر البسملة. والجواب أن نعيمًا ثقة، فتقبل
стр. 7122
زيادته، والخبر ظاهر في جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصّصه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف (١).
والحاصل أن استدلال المصنف ﵀ بحديث أبي هريرة هذا على مشروعية الجهر أحيانًا قوي. والله تعالى أعلم.
(ثم قرأ بأم القرآن) أي الفاتحة، وقد تقدم أن لها اثني عشر اسمًا، فمنها "أم القرآن". وقد اختلف فيه، فجوزه الجمهور، وكرهه أنس، وابن سيرين، لكن الأحاديث الصحيحة ترد عليهما (حتى إِذا بلغ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين، فقال الناس: آمين) أي قالوا ذلك جهرًا، ففيه دليل لاستحباب رفع الصوت بـ "آمين"، وبه يقول الجمهور، خلافًا للحنفية، وسيأتي تمام البحث فيه في محله -٣٣/ ٩٢٥ - إن شاء الله تعالى.
(ويقول) أي أبو هريرة ﵁ (كلما سجد: "الله أكبر") وفي رواية المصنف هذه اختصار، بينته رواية ابن خزيمة من طريق حيوة بن شريح، عن خالد بن يزيد، وفيها: "فلما ركع قال: "الله أكبر"، فلما رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قال: "الله أكبر"، ثم استقبل قائمًا مع التكبير، فلما قام من الثنتين، قال: "الله أكبر"، فلما سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " (٢).
стр. 7123
(وإِذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: "الله أكبر"، وإِذا سلم) وفي رواية ابن خزيمة: "فلما سلم"، وهي أوضح (قال: والذي نفسي بيده إِني لأشبهكم صلاة) منصوب على التمييز (برسول الله ﷺ ) متعلق بـ "أشبهكم". وهذا صريح في أدن هذه الكيفية مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وأنه فعل هكذا.
وإنما حلف أبو هريرة ﵁ تأكيدًا لكونه فعله تعليمًا للناس صلاته ﷺ على هذه الكيفية التي يخالفه فيها بعضهم.
فقد أخرج البخاري من طريق أبي بشر، عن عكرمة، قال: رأيت رجلًا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام، وإذا وضع،
فأخبرت ابن عباس ﵄، قال: أو ليس تلك صلاة النبي ﷺ ، لَا أُمَّ لك؟
وأخرج من طريق قتادة، عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق،
فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم ﷺ .
وقد بُين في رواية أخرى أن ذلك الرجل هو أبو هريرة. فقد أخرج أحمد، والطحاوي، والطبراني من طريق عبد الله الدَّانَاج، عن
عكرمة، قال: صلى بنا أبو هريرة … (١).
وحكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون
стр. 7124
الرفع، وكذلك كانت بنو أمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر. وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام. وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجهه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليها المنفرد. ذكره في "الفتح" (١).
وكل هذه الأقوال منابذة للسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، فأراد أبو هريرة ﵁ إحياء هذه السنة، وإشاعتها بين الناس، وأكد ذلك بالقسم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة هذا صحيح.
صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه البيهقي، وأبو عمر بن عبد البر، كما يأتي قريبًا. فتضعيف بعضهم له بسبب سعيد ابن أبي هلال غير صحيح، فإنه ثقة احتج به الشيخان، ووثقه ابن سعد، والعجلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، والخطيب، وابن عبد البر، وغيرهم، وقال ابن أبي حاصم: لا بأس به. وقال الساجي: صدوق، كان أحمد يقول: ما أدرى أي شيء يخلط في الأحاديث.
стр. 7125
وأما تضعيف ابن حزم له فلا سلف له -كما قال الحافظ ابن حجر- إلا قول أحمد المذكور (١).
وقال الذهبي في "الميزان": ثقة معروف، حديثه في الكتب الستة. قال ابن حزم وحده: ليس بالقوي. انتهى (٢).
فتبين بهذا أن تضعيف الحديث بسببه غير صحيح، فعبارة أحمد غير كافية لرد أحاديثه مطلقًا؛ لأن تخليطه في بعض الأحاديث لا يستلزم الرد مطلقًا؛ بل إذا ظهر التخليط بمخالفة الثقات الآخرين، وهنا لم يخالف أحدًا، فتبصر. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر الصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢١/ ٩٠٥ - بالسند المذكور. وهو من أفراده، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ٤٩٧، وابن خزيمة رقم ٤٩٩ و ٦٨٨.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 7126
٢٢ - تَرْكُ الْجَهْرِ بـ"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ترك الجهر بقراءة "بسم الله الرحمن الرحيم".
٩٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وَصَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن علي بن الحسن بن شقيق) بن دينار، وقيل: شقيق بن دينار بن مشْعب العبدي مولاهم، أبو عبد الله بن أبي
عبد الرحمن المروزيَ، المُطَّوِّعِيُّ، ثقة صاحب حديث، من [١١].
قال ابن عقدة عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، وداود ابن يحيى: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال الحاكم: كان محدث
مرو. وقال ابن قانع، والباشاني: مات سنة ٢٥٠. وقال غيره: سنة ٢٥١.
стр. 7127
وذكر الحاكم أن البخاري ومسلمًا رويا عنه، قال الحافظ: كأنه في غير الجامعين. روى عنه الترمذي، والنسائي (١).
٢ - (علي بن الحسن بن شقيق) بن دينار بن مشعب، العبدي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، قدم من البصرة إلى خراسان، ثقة
حافظ، من كبار [١٠].
قال أبو داود عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنهم يتكلمون فيه في الإرجاء، وقد رجع عنه. وقال ابن معين: قيل له في الإرجاء، فقال: لا أجعلكم في حل، ولا أعلم قدم علينا من خراسان أفضل منه، وكان عالمًا بابن المبارك. وقال الآجري عن أبي داود: وسمع الكتب من ابن المبارك أربع عشرة مرة.
وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من علي بن الحسين بن واقد. وقال أبو عمار الحسين بن حريث: قلت له: هل سمعت "كتاب الصلاة" من أبي حمزة السكري؟ فقال: نعم سمعت، ولكن نهق حمار يومًا، فاشتبه علي حديث، فلا أدري أي حديث هو، فتركت الكتاب كله.
وقال العباس بن مصعب: كان جامعًا، وكان من أحفظهم لكتب ابن المبارك، وقد شارك ابن المبارك في كثير من رجاله، مثل شريك،
وإبراهيم بن طهمان، وقيس بن الربيع، وكان من أروى الناس عن ابن
стр. 7128
عيينة، وكان أول أمره المنازعة مع أهل الكتاب، حتى كتب التوراة والإنجيل، وأربعة عشر كتابًا من كتب ابن المبارك، ثم صار شيخًا
ضعيفًا، لا يمكنه أن يقرأ، فكان يحدث كل إنسان الحديثين والثلاثة. وتوفي سنة ٢١٥، وكذا أرخ وفاته غير واحد.
زاد أبو رجاء ابن حمدويه، ويقال: ولد ليلة قتل أبي مسلم بالمدائن سنة -١٣٧ - وكان يسكن البهارة. وقال ابن حبان: مات سنة -٢١١ - وقيل: سنة ٢١٢ - وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مولده -١٣٧ - ، وروى الحاكم في تاريخه عن عبد العزيز ابن حاتم: ولدت سنة -١٩٣ - واختلفت إلى علي بن الحسن بن شقيق من سنة -٢١١ - إلى سنة ٢١٥ - وفيها توفي. وفي الزهرة: روى عنه البخاري حديثين. أخرج له الجماعة (١).
٣ - (أبو حمزة) محمد بن ميمون السُّكَّري المروزي، ثقة فاضل، من [٧].
قال الأثرم عن أحمد: ما بحديثه عندي بأس، وهو أحب إلي حديثًا من حسين بن واقد. وقال الدوري: كان من ثقات الناس، ولم يكن يبيع السكر، وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه. وقال النسائي: ثقة. وقال حفص بن حميد، عن ابن المبارك: حسين بن واقد ليس بحافظ، ولا يترك حديثه، وأبو حمزة صاحب حديث، هذا أو نحوه. وقال
стр. 7129
سفيان بن عبد الملك: قال ابن المبارك: السكري وابن طهمان صحيحا الكتاب.
وقال علي بن الحسن بن شقيق: سئل عبد الله، عن الأئمة الذين يقتدى بهم، فذكر أبا بكر، وعمر، حتى انتهى إلى أبي حمزة، وأبو حمزة يومئذ حي. وقال يحيى بن أكثم: سئل ابن المبارك عن الاتباع؟ فقال: الاتباع ما كان عليه حسين بن واقد، وأبو حمزة. وقال العباس بن مصعب: كان مستجاب الدعوة. وعن معاذ بن خالد قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: ما شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف.
وقال إبراهيم الحربي، عن محمد بن الحسن بن شقيق: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن
الدار، وألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إليه بأربعة آلاف، وقال: خذ هذا، ولا تبع دارك. قال ابن أبي رِزْمة، وغيره: مات سنة ١٦٧ - وقال بشر بن محمد السختياني: سنة ١٦٨. وقال ابن حبان: سنة ٧ أو ٨. وقال ابن عبد البر في "التمهيد": ليس بقوي، ذكره في ترجمة سُمَيّ. وقال النسائي: لا بأس بأبي حمزة، إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك، فحديثه جيد. وذكره ابن القطان الفاسي فيمن اختلط، أخرج له الجماعة (١).
стр. 7130
٤ - (منصور بن زاذان) الثقفي، أبو المغيرة الواسطي، مات سنة ١٢٩ على الصحيح، ثقة ثبت عابد، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥/ ٤٧٥.
٥ - (أنس بن مالك) ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأنهم ما بين مروزيين؛ وهم الثلاثة الأولون، وواسطي؛ وهو منصور، ومدني ثم بصري؛ وهو الصحابي، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه الإخبار، والسماع، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الصحيح في "عن" من غير المدلس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ) أي صلى إمامًا لنا (فلم يسمعنا قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم") بضم حرف المضارعة، من الإسماع.
ثم إن ظاهره أنه ﷺ قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، ولكنه لم يجهر بها، فعدم سماعهم لعدم جهره بها، لا لأنه لم يقرأها، وأصرح منه ما في الرواية الآتية "فلم أسممع أحدًا منهم يجهر بـ"بسم الله الرحمن
стр. 7131
الرحيم" (وصلى بنا أبو بكر، وعمر فلم نسمعها منهما) بفتح حرف المضارعة، من السماع.
وهذا الحديث دليل على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، ووجه ذلك أنه أراد بعدم السماع منهم عدم جهرهم بها، وهذا، وإن
كان يحتمل عدم قراءتها أصلًا، لكن الظاهر الأول. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من طريق منصور بن زاذان صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم
يخرجه غيره، أخرجه هنا -٢٢/ ٩٠٦ - وفي "الكبرى" -٢٢/ ٩٧٨ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٠٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ﵃، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبد الله بن سعيد) بن حُصَين الكندي، أبو سعيد الأشج
стр. 7132
الكوفي، ثقة، من صغار [١٠].
قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، ولكنه يروي عن قوم ضعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال مرة: الأشج إمام زمانه. وقال النسائي: صدوق، وقال مرة: ليس به بأس. وقال محمد ابن أحمد بن بلال الشطوي: ما رأيت أحفظ منه. وقال اللالكائي، وغيره: مات سنة ٢٥٧ - وأرخه ابن قانع سنة -٦ - ، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الخليلي، ومسلمة بن قاسم: ثقة. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثمانية، ومسلم سبعين حديثًا. أخرج عنه الجماعة (١).
٢ - (عقبة بن خالد) بن عقبة بن خالد السَّكُوني، أبو مسعود الكوفي الْمُجَدَّر -بفتح الجيم-، صدوق صاحب حديث.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، قلت: هو ثقة؟ قال: أرجو إن شاء الله. وقال أبو حاتم: من الثقات، صالح الحديث، لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الجارودي: شيخ كوفي صاحب حديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عقبة بن خالد، وما تعلمت ألفاظ الحديث إلا منه. وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: هو عندي ثقة. قال ابن نمير، والترمذي: مات سنة -١٨٨ - ، أخرج له الجماعة (٢).
стр. 7133
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الثبت الحجة الواسطي، ثم البصري، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (ابن أبي عروبة) هو سعيد، واسم أبيه مِهْران، أبو النضر البصري، مات سنة ١٥٦، ثقة حافظ، كثير التدليس، واختلط، من
أثبت الناس في قتادة، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/ ٣٨.
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث واضح، يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه بألفاظ مختلفة، سأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: فى بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٢/ ٩٠٧ - ، وفي "الكبرى" -٢٢/ ٩٧٩ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن
стр. 7134
قتادة، عن أنس ﵁، ومسلم فيه عن محمد بن المثنى، ومحمد ابن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة به. وعن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به. وأحمد جـ ٣ ص ١٧٦ و ٢٧٣ و ١٧٩. وعبد بن حُمَيْد رقم ١١٩١، وابن خزيمة ٤٩٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف الرواة في هذا الحديث:
قد حقق الحافظ رحمه الله تعالى هذا الاختلاف، فأجاد، وأفاد، ودونك عبارته:
قال رحمه الله تعالى: وقد اختلف الرواة عن شعبة في لفظ هذا الحديث، فرواه جماعة من أصحابه عنه بلفظ: "كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. ورواه آخرون عنه بلفظ: "فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم". كذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطيالسي، ومحمد بن جعفر. وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عمر الدوري (١) شيخ البخاري فيه. وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة.
ولا يقال: هذا اضطراب من شعبة، لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين، فأخرجه البخاري في "جزء القراءة"،
والنسائي (٢) وابن ماجه، من طريق أيوب، وهؤلاء والترمذي من طريق
стр. 7135
أبي عوانة، والبخاري في "جزء القراءة"، وأبو داود من طريق هشام الدستوائي، والبخاري فيه، وابن حبان من طريق حماد بن سلمة،
والبخاري فيه، والسرّاج من طريق، همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول، وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي، عن قتادة بلفظ: لم يكونوا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم".
وقد قدح بعضهم في صحته بكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبةً، وفيه نظر، فإن الأوزاعي لم ينفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن
أحمد الدورقي، والسرّاجُ عن يعقوب الدورقي، وعبدُ الله بنُ أحمد، عن أحمد بن عبد الله السلمي، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بلفظ: "فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" قال شعبة: فقلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال: نحن سألناه.
لكن هذا النفي محمول على ما قدمناه أن المراد أنه لم يسمع منهم البسملة، فيحتمل أن يكونوا يقرؤونها سرًّا، ويؤيده رواية من رواه عنه بلفظ: "فلم يكونوا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". كذا رواه سعيد بن أبي عروبة عند النسائي، وابنِ حبان، وهمامٌ عند الدارقطني، وشيبانُ عند الطحاوي، وابنِ حبان، وشعبة أيضًا من طريق وكيع عنه عند أحمد، أربعتهم عن قتادة.
ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك. فرواه البخاري في "جزء القراءة"،
стр. 7136
والسرّاج، وأبو عوانة في صحيحه، من طريق إسحاق بن أبي طلحة، والسراجُ من طريق ثابت البناني، والبخاري فيه من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس ﵁ باللفظ الأول.
ورواه الطبراني في الأوسط من طريق إسحاق أيضًا، وابن خُزيمة من طريق ثابت أيضًا، والنسائي من طريق منصور بن زاذان، وابن
حبان من طريق أبي قلابة، والطبراني من طريق أبي نعامة، كلهم عن أنس ﵁ باللفظ النافي للجهر.
فطريق الجمع بين هذه الألفاظ حمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، ويؤيده أن لفظ رواية منصور بن زاذان: "فلم يُسمعنا قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم". وأصرح من ذلك رواية الحسن، عن إنس عند ابن خزيمة بلفظ: "كانوا يسرون "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ فاندفع بهذا تعليلُ من أعله بالاضطراب، كابن عبد البر؛ لأن الجمع إذا أمكن تعين المصير إليه.
وأما من قدح في صحته بأن أبا سلمة سعيد بن يزيد سأل أنسًا عن هذه المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، ولا سألني عنه أحد قبلك، ودعوى أبي شامة أن أنسًا سئل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي سلمة: هل كان الافتتاح بالبسملة، أو الحمدلة؟ وسؤال قتادة: هل كان يبدأ بالفاتحة، أو غيرها؟ قال: ويدلّ عليه قول قتادة في صحيح مسلم: نحن سألناه. انتهى- فليس بجيد؛ لأن أحمد روى في مسنده
стр. 7137
بإسناد "الصحيحين" أن سؤال قتادة نظير سؤال أبي سلمة، والذي في مسلم إنما قاله عقب رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة، ولم يبين مسلم صورة المسألة، وقد بينها أبو يعلى، والسراجُ، وعبد الله بن أحمد في رواياتهم التي ذكرناها عن أبي داود أن السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر من طريق أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة، قال: سألت أنسًا، أيقرأ الرجل في الصلاة "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فقال: صليت وراء رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم". فظهر اتحاد سؤال أبي سلمة، وقتادة، وغايته أن أنسًا أجاب قتادة بالحكم،
دون أبي سلمة، فلعله تذكره لما سأله قتادة بدليل قوله في رواية أبي سلمة: ما سألني أحد قبلك، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة، دون أبي سلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي سلمة بلا نزاع.
وإذا انتهى البحث إلى أن مُحَصَّلَ حديث أنس ﵁ نفي الجهر بالبسملة على ما ظهر من طريق الجمع بين مختلف الروايات عنه، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه، لا لمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسًا يبعد جدًّا أن يصحب النبي ﷺ مدة عشر سنين، ثم يصحب أبا بكر، وعمر، وعثمان، خمسًا وعشرين سنة، فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به، ثم تذكر من الجزم
стр. 7138
بالافتتاح بالحمد جهرًا، ولم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق من الحافظ رحمه الله تعالى حسن جدًّا، إلا قوله: "فيتعين الأخذ بحديث الجهر"؛ لأن الأولى، بل المتعين في مثل هذا سلوك طريقة الجمع بالعمل بالحديثين، بحمل حديث الجهر على بعض الأوقات، لأن العمل بالحديثين معًا أولى من إلغاء أحدهما بالترجيح، ولو سلكنا مسلك الترجيح لكان حديث أنس ﵁ أولى، لقوته، وصراحته.
والحاصل أن طريقة الجمع بحمل حديث الجهر على بعض الأحيان أولى وأرجح مما قاله الحافظ، وهو الذي سلكه الحذاق من فقهاء المحدثين، كالمصنف، وابن خزيمة، وغيرهما. كما سيأتي تحقيق ذلك في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٠٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نُعَامَةَ (٢) الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، إِذَا سَمِعَ أَحَدَنَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ
стр. 7139
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، يَقُولُ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَخَلْفَ عُمَرَ ﵄، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَرَأَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري، أبو مسعود البصري، مات سنة ٢٤٨، ثقة من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث بن عبيد بن سليم الْهُجَيْمي، أبو عثمان البصري، مات سنة ١٨٦، ثقة ثبت من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (عثمان بن غِيَاث) -بمعجمة، ومثلثة- الراسبي، أو الزهراني البصري، ثقة رمي بالإرجاء، من [٦].
قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وقال أحمد: ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى -يعني القطان- يقول: عند عثمان بن غياث كتب عن عكرمة، فلم يصححها لنا. وذكره الآجري عن أبي داود في مرجئة أهل البصرة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه في التفسير. وقال العجلي. بصري ثقة. أخرج له البخاري،
стр. 7140
ومسلم، وأبو داود، والنسائي (١).
٤ - (أبو نعامة الحنفي) الرماني، وقيل: الضبي، واسمه قيس ابن عَبَاية البصري (٢) ثقة من [٣]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والأربعة.
قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي نعامة الحنفي؟ فقال: اسمه قيس بن عباية بصري ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدا رماه بكذب، ولا ببدعة. وذكره البخاري في "الأوسط" فيمن مات ما بين عشرين ومائة. له عند الترمذي، والمصنف، حديث الباب فقط (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: وقع في نسخ "المجتبى" هنا تصحيف في قوله: "الخيفي"، والصواب كما في كتب الرجال: "الحنفي"، وهو الذي وقع في "الكبرى". فتنبه. والله تعالى أعلم.
٥ - (ابن عبد الله بن مغفل) اسمه يزيد. قاله في "ت"، وفي "تت": ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه في ترك الجهر بالبسملة، وعنه
أبو نعامة الحنفي، قيل: اسمه يزيد. اهـ.
وقال الحافظ في "الدراية": وقع في رواية للطبراني: "عن يزيد بن
стр. 7141
عبد الله بن مغفل". وهو كذلك في مسند أبي حنيفة. اهـ (١).
قمال الجامع عفا الله عنه: هو كذلك في مسند أحمد جـ ٤ ص ٨٥ يزيد بن عبد الله. وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٦ - (عبد الله بن مغفل) بن عبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي بايع تحت الشجرة، نزل البصرة، مات سنة ٥٧، وقيل: بعد ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
وشرح الحديث واضح يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مغفل هذا حسن.
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن. انتهى.
وقال النووي ﵀ في "الخلاصة": وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو
стр. 7142
مجهول. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تحسين الترمذي ﵀ عندي هو الصحيح، إذ ابن عبد الله بن مغفل معروف، روى عنه ثلاثة كما يأتي
قريبًا في كلام الحافظ الزيلعي، ولم يرو ما ليس له أصل، بل روى ما له شواهد من حديث أنس ﵁، وغيره، فتحسين حديث مثله هو الصواب على ما هو مقرر في مصطلح المحدثين.
قال الحافظ الزيلعي ﵀ في "نصب الراية" بعد ذكر كلام النووي هذا ما نصه: رواه أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة، عن بني عبد الله بن مغفل، قالوا: كان أبونا إذا سمع أحمدًا منا يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" يقول: أيْ بَنِيّ صليت مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بَنِيّ، هكذا عنده بصيغة الجمع، وكذا قوله: "قالوا"، وقوله: "أبونا إذا سمع أحدًا منا". والذي في نسخة المسند التي بين أيدينا بالإفراد في كلها. فليحرر. والله تعالى أعلم.
قال: ورواه الطبراني في "معجمه" عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه مثله. ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، قال: صليت خلف
стр. 7143
إمام، فجهر "بسم الله الرحمن الرحيم"، فلما فرغ من صلاته، قلت: ما هذا؟ غَيِّبْ عنا هذه التي أراك تجهر بها، فإني قد صليت مع النبي ﷺ ، ومع أبي بكر، وعمر، فلم يجهروا بها. انتهى.
فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه، وهم أبو نعامة الحنفي: قيس بن عباية، وقد وثقه ابن معين، وغيره، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه ببدعة في دينه، ولا كَذب في روايته. وعبد الله بن بريدة، وهو أشهر من أن يثنى عليه، وأبوَ سفيان السعدي، وهو وإن تُكُلِّمَ فيه، ولكنه يعتبر به ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد، كما هو عند الطبراني فقط.
قال الجامع عفا الله عنه: بل ثبت تسميته يزيد عند أحمد أيضًا ٤/ ٨٥ من طريق إسماعيل، عن سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل، يزيد بن عبد الله، قال: سمعني أبي … راجع "المسند" جـ ٤ ص ٨٥. وكذا ثبت في مسند أبي حنيفة ﵀ كما قاله الحافظ في "تت" جـ ١٢ ص ٣٠٢، والحافظ المزي في "تحفته" كما يأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.
قال: فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه.
стр. 7144
قال: وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية، وهو وإن لم يكن فن أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به، لا سيما إذا تعددت شواهده، وكثرت متابعاته. والذين تكلموا فيه، وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل، قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يَعلَم هو أنه موضوع، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث؛ إذ قال بعد أن رواه في كتاب "المعرفة" من حديث أبي نعامة بسنده المتقدم، ومتن السنن: هذا حديث تفرد به أبو نعامة قيس ابن عباية، وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح.
فقوله: تفرد به أبو نعامة ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة، وأبو سفيان، كما قدمناه، وقوله: وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح. ليس هذا لازمًا في صحة الإسناد، ولئن سلمنا، فقد قلنا: إنه حسن، والحسن يحتج به. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى ببعض اختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ الزيلعي ﵀ من تحسين حديث عبد الله بن مغفل ﵁ حسن جدًّا.
وحاصله أن ابن عبد الله بن مغفل معروف، فقد روى عنه ثلاثة،
стр. 7145
وقد روى ما تشهد له الأحاديث الصحاح، من حديث أنس وغيره، فتحسين حديثه بشواهده هو الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٢/ ٩٠٨ - وفي "الكبرى" -٢٢/ ٩٨٠ - بالسند المذكور. وأخرجه الترمذي في الصلاة عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، وهو أبو نعامة الحنفي، عن ابن عبد الله بن مغفل، عنه. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، نحوه. قال الحافظ المزي من زياداته: رواه أبو حنيفة، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه. انتهى (١).
وأخرجه أحمد ٤/ ٨٥ بسنده عن عباية بن رفاعة، عن ابن عبد الله ابن مغفل يزيد بن عبد الله، قال: سمعني أبي، وأنا أقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال: أي بني إياك، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه حدثًا (٢) في الإسلام منه، فإني قد صليت مع رسول الله ﷺ ، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا قرأت، فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].